هذه الدراسة :

تقوم هذه الدراسة على قراءة متأنية فاحصة لسبعٍ وثلاثين خطبة من خطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – يرحمه الله – بهدف الوقوف على خصائص شخصية الملك عبدالعزيز القيادية التربوية المعتمدة على القرآن الكريم والسنة المشرفة والسلف الصالح في الحكم وإدارة شؤون الشعب .

وقد تناولت هذه الدراسة شخصية الملك عبدالعزيز من خلال ثلاثة محاور أساسية ، هي تدور حول مفهوم القيادة الفكري في الاتجاه السياسي للملك عبدالعزيز ، ومبادئ الفكر القيادي في مفهومه السياسي، وأسس التربية الإسلامية في القيادة الإدارية لسياسته.

وقد تم استخدام تحليل المضمون كمنهج للدراسة ، واعتمدت على مجموعة من المصادر على رأسها القرآن الكريم، فالسنة النبوية الشريفة، ثم خطب الملك عبدالعزيز، وعددها سبع وثلاثون خطبة، وأخيراً مجموعة كبيرة من المصادر الدينية التاريخية والحديثة .

بدأ التحليل في الدراسة كيفياً، ثم أصبح كمياً ، ثم خلصت إلى تحليل النتائج من خلال وضع الجداول المؤتلفة للخطب على حسب الأغراض الواردة فيها ، كما خلصت إلى استنتاج الأساليب التربوية التي اعتمدها الملك عبدالعزيز في قيادة الأمة ، وذيلت بخاتمة تقديرية وقائمة بالمصادر والمراجع التي اعتمدتها الباحثة في دراستها التي تأمل أن تكون بها قد أضافت شيئاً متواضعاً في سبيل إثراء المكتبة التي ضمت الدراسات العلمية والبحثية لشخصية الملك عبدالعزيز والحقبة التاريخية التي واكبت قيام الدولة السعودية الحديثة .

يتفق علماء التربية والإدارة والاقتصاد والسياسة على أن القيادة أمر حتمي فرضته طبيعة الكون ، حيث لا تستقيم حياة إنسان إلا بتفاعله وتواصله مع الآخرين من الناس، وينظم هذا التفاعل والتواصل الحراري في العلاقات البشرية أسس وشروط ومقومات القيادة التي هي أحد أهم مرتكزاتها .

لقد اهتم الإسلام بالقيادة كنظام يُعنى بأمر الناس بما يعينهم على تحقيق أهدافهم لما فيه خيرهم ودرء ما فيه شرهم، فالإسلام يرى أن القائد في أمته ضروري كضرورة الرأس في الجسد، فهو عينها التي يبصر بها ، وروحها التي يحيا بها، ولسانها الذي يعبر من خلاله، القيادة عملية ذات علاقة بطبيعة التفاعل بين عناصر العمل الإنساني ، وتوجيه هذا العمل نحو هدف محدد ، ومع اهتمام الإسلام بضرورة القيادة والقائد ، إلا أن عملية تحليل القيادة والتنظير لها لم تظهر إلا في أوائل هذا القرن عندما ساد الأسلوب العلمي، واعتمدت النظريات في حل المشكلات الإنسانية على أساس أن " كل الفعاليات الإنسانية العاملة والذاتية تنبثق من مفاهيم نظرية معينة "([1]) .

كما أن الفكر الإسلامي في القيادة قد قدم أفكاراً لم تنكشف إلى الفكر الإداري الغربي إلا في بدايات القرن العشرين ، فالقيادة لا يمكن أن تصاغ بعيدة عن قيم المجتمع الذي وجدت فيه، لا سيما قيم الأديان السماوية التي تتسم بالثبات والاستقرار ، وتختلف عن القيم التي يرسمها الإنسان والتي لا تتعدى حدود طموحاته وأهدافه ، وتتصف بالصبغة الشخصية التي يعد التغير أحد سماتها الرئيسية ، فأي نظرية قيادية تسعى لخدمة أي مجتمع لا تحكمها قيم سماوية راسخة تهذب معرفة الإنسان لذاته وقدراته بحيث تجعله يتبصر في حاضره ويتعامل معه بحكمه والتحام مع ثقافته وهويته وشخصيته الحقيقة من غير انبهار بالثقافات الوافدة بحيث يكون أكبر رشداً وإبداعاً لن يكتب لها النجاح ، والإسلام هو نواة هذا الفكر والموجه الصحيح لأنماط قيادتنا وسلوكياتنا وذاتنا . ومن هنا تنطلق هذه الدراسة التي تهدف إلى توجيه بعض الجهد نحو دراسة أنماط القيادة التربوية في سياسة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود المنبثقة من الفكر الإسلامي ، وما يميز هذه الدراسة عن الدراسات السابقة هو أنها تتعامل مع قيادة تربوية إسلامية ترتكز في كل توجهاتها على ما جاء في القرآن والسنة .

وقد تم له ذلك من خلال ممارساته السياسية على زمن الواقع ، فكثيراً ما تحدث فجوة بين المنظرين في تطبيق المفاهيم التي يدعون لها بحيث يفعلون ما لا يقولون ، ويعملون بغير ما يعلمون أنه الحق بقصد أو غير قصد . أما في قيادة عبدالعزيز بن عبدالرحمن فإن الأهداف لديه كالمحجة البيضاء، ليلها كنهارها، ويجب عليه تحقيقها، ولهذا اتسمت قيادته بالفوز بتحقيق الغاية ،  وأبرز ما تتميز به هذه القيادة أنه تواصل مع الفكر الإسلامي متمثلاً بالقرآن والسنة ، فمنهما استمد فلسفة سياسته ومنهاج عمله القيادي .

 

موضوع الدراسة :

لقد عاشت القيادة في زمنه نعمة حقيقية ، فعلى يده تم توجيه الأمة بما يتفق مع قيم الإسلام وتراثه ومنابع فكره ، وأحاطه بحضارتها الإسلامية، وتعامل مع الفكر المعاصر من خلاله ، وأثبت أن القيادة الإسلامية تنطلق من أصالتها في تطوير مفاهيم ترتكز على هذه الأصالة  ، وتنسجم مع واقعها وتطلعاتها ، كل ذلك يستدعي وقفة تأمل وتفكير في دراسة النمط القيادي لعبدالعزيز بن عبدالرحمن .

وفي ظل هذا الاتجاه سوف يستعرض البحث ما يأتي :

1-       مفهوم القيادة الفكري في الاتجاه السياسي لعبدالعزيز بن عبدالرحمن .

2-       مبادئ الفكر القيادي في المفهوم السياسي لعبدالعزيز بن عبدالرحمن .

3-       أسس التربية الإسلامية في القيادة الإدارية لسياسة عبدالعزيز بن عبدالرحمن .

 

منهجية الدراسة :

تم استخدام المضمون Content Analysis باعتباره منهجاً مناسباً لمعالجة المحتويات الكيفية([2]) لعدد من خطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لتحديد المبادئ الفكرية المقتبسة من القرآن والسنة وبعض ما يبني عليهما من مصادر من أجل استنباط مبادئ تشكل أنماطاً سياسية في القيادة التربوية الإسلامية ، في مدة تعد تأسيسية في عمر المملكة العربية السعودية السياسي ، وستعتمد الدراسة على المصادر الآتية :

1-       القرآن الكريم .

2-       السنة النبوية الشريفة .

3-       خطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ،  وعددها (37) خطبة .

4-       بعض المصادر الدينية التاريخية والحديثة .

 

التحليل الكيفي :

لقد وجدت الباحثة أن التحليل الكيفي أكثر ملاءمة للموضوع الذي نرغب في دراسته ، فلقد بدأ استخدام هذا المنهج عام 1952م على يد "بيرلسون" الذي كان يعتمد أساساً على الوصف الموضوعي المنظم الكمي للمحتوى([3]) .

وقد بدأ هذا التحليل للمضمون كيفياً ،  ثم تطور وأصبح كمياً([4])، وتم استخدام فئة الموضوعات الخاصة بخطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – يرحمه الله – ملك المملكة العربية السعودية والمؤسس الأول للدولة السعودية الحديثة " فلقد استطاع هذا الرجل أن يجمع شتات بلده حتى بداية الحرب العالمية الأولى ، وأن ينجز مهمة تاريخية ، تمثلت في توحيد المملكة ، وتوطيد الأمن ثم الأخذ بأسباب الرقي في إطار قيادة إسلامية حافظت على أصالتها وعقيدتها وحضارتها "([5]) .

لقد كثرت الأبحاث والكتابات عن الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – حيث استقطبت منهجيته اهتمام الباحثين والدارسين والمحللين والسياسيين في العالم ، ولكن هذه الكتابات يغلب عليها نتاج الفكر السياسي والإعلامي ضمن أسلوب تاريخي ، ولعل هذه الدراسة تسهم في التحليل الكيفي للاتجاهات القيادية لدى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، وتسهم أيضاً في صياغة مبادئ النموذج حين تمكنت من الجمع المنسجم بين الفكر الإسلامي والقيم العربية ومعطيات الحضارة الحديثة ؛ بحيث يمكننا أن نستنبط الأسس التربوية التي تقوم عليها إدارته القيادية ، وصفات القائد الإداري في الفكر الإسلامي ، وأنواع المنهج القيادي الإسلامي .

 

 

تحليل النتائج :

من خلال التحليل الكيفي لخطابات الملك عبدالعزيز تبين أنه في جميع المناسبات كان الكتاب والسنة هما المرجعين الأساسيين له في جميع أحكامه  ، ويتأكد ذلك بورود هاتين الكلمتين بنسبة 100% في هذه الخطب ، وهذا مؤشر قوي على أن الملك عبدالعزيز يحكم القرآن والسنة في اتخاذ قراراته وما تواضع عليه السلف الصالح في أمور الدين والدنيا ، والقائد الإسلامي ملزم ليحكم بالقرآن والدليل { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} ( النساء : 105) .

التوجيه والإرشاد :

جــــدول رقم (1)

 

العنوان

الموضــــــــــوع

التاريخ

1– احذروا عقاب الله .

تذكر المسلمين بأهمية الدين الإسلامي وحجته وقبوله والعمل به وتأكيد أهمية الصلاة .

1334هـ

2– من لم يرفع الأمر فهو مني بحرج .

تنظيم التعامل مع العاملين وتأكيد دعوتهم إلى الاجتهاد الحازم في تقويم حكمة التوحيد وإبعاد ضدها والموالاة فيها والمعاداة فيها .

12 جمادى الأولى 1335هـ

3– هذا الذي يدين الله به .

شرح أمر الاعتقاد الذي ذكره المشايخ في خطبهم  ، وأكد اتباع ما جاء في الكتاب والسنة وتنظيم من أشكل عليه أمر فيرده إلى طالب العلم المكلف بأمر الولاية .

9 ذو الحجة 1337هـ

4– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

لا صلاح للخاصة والعامة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن في ذلك سبب صلاحهم  ، وكل أنواع البلايا والامتحان سببه مخالفة أمر الله . ويدعو إلى الدعاء والاستغفار والتوبة .

1341هـ

ويوضح الجدول رقم (1) اهتمام الملك عبدالعزيز بتوجيه وإرشاد الناس في مجتمع كان يسوده الجهل وسوء الأحوال الاقتصادية والأجواء غير المأمونة ، حيث لم تكن القيادة عنده هدفاً بحد ذاتها ، بل هي وسيلة من وسائل طاعة المسلم لربه وخدمة عباده بما كلفه بتحقيقها ، وهي ولاية أمورهم وإعمار أرضهم مادياً ومعنوياً .

ويؤكد ذلك قوله :

" أنْ يكون هَمُّ الإنسان وسعيه وتحصيله ذلك ليحصل النعيم المقيم " ، ولقد اهتم عبدالعزيز بن عبدالرحمن بتوجيه الناس وإرشادهم ليهديهم إلى سبيل الحق، وهو في ذلك يتبع الله ورسوله ، ومن رحمته – عز وجل– أنه لم يترك البشر بغير هدى منه يوجههم ويرشدهم ، حين ختم الله سبحانه وتعالى رسالات السماء بخاتم الرسل e ، وترك لهم دستوراً يقودهم على طريق الهدى والصواب ، وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى قد جعل عملية التوجيه والإرشاد للإنسان عملية مستمرة على مدى العصور .

وهكذا يتمثل ذلك الملك عبدالعزيز حين يقول :

( علينا وعليكم معاشر المسلمين أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه ببذل الجهد والنصيحة للمسلمين بتذكيرهم بما أنعم الله عليهم به من الدين ) مستهلاً خطبته بقوله تعالى : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} ( الذاريات: الآية 55 )، وله في رسول الله أسوة حسنة في ذلك الموقف؛ فيقول ابن الجوزي : " إن الرسول e وعظ الناس وذكرهم"([6]) ، وكان يأمر عماله فيقول: " تعاهدوا الناس بالتذكرة ، واتبعوا الموعظة ؛ فإنه أقوى للعاملين على العمل بما حبب الله عز وجل "([7]) ، ويسير الملك عبدالعزيز على منهاجه موصياً مشايخه الذين ولاهم المناطق قائلاً لهم : " أوصيكم بتقوى الله تعالى واتباع سنة رسوله " ، بل يسأل رعيته المناصحة ، فيقول :

" فالآن أما الإنسان الذي عنده نصيحة ويرى خللاً في الولاية ويريد مناصحة المشايخ وهو كفء لذلك باعتقاده وعقله فيرفع الأمر إلينا ثم إليهم ، والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ، وهو بذلك يقتدي بالخلفاء الراشدين في الإسلام بوعظ عمالهم وإرشادهم ، بل لم يكتفوا بذلك، وإنما يطالبون بالموعظة والنصيحة لأنفسهم.

ومن اهتمام الملك عبدالعزيز بمسألة التوجيه والإرشاد أنه جعل من وظائفها – ليس فقط التوجيه النظري وحسب ، وإنما بالفعل أيضاً – إرفاق النصيحة بالشفقة ؛ لأن في ذلك تعاوناً على البر والتقوى: " فيحمل الناس على دفع الصدقات للفقراء والمساكين ، وإقامة الصلاة في المساجد ، ومنع الربا ... " .

ويثري الملك عبدالعزيز اهتمامه بالتوجيه والإرشاد بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يتضح من جدول رقم (1) ، وهو يقول :

" فلا صلاح للخاصة والعامة في جميع القرى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأن تكون طائفة حقٍ أهل بصيرةٍ وعلمٍ يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ لأن ذلك سبب صلاحهم وفلاحهم ومعاشهم وهداهم ، وبتركه والتغافل عنه يكثر الشك والفساد ، وأيضاً فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين، وبقوته يقوى أهل الإيمان، وبضعفه يضعف الإيمان " , ويؤكد أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب رحمة الله ، فإذا رحم الله العباد أعطاهم ما يحبون ، ودفع عنهم ما يكرهون، واستشهد بقوله { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } ( النساء: 66) .

ويضع الملك عبدالعزيز أسساً يقوم عليها التناصح بالمعروف والنهي عن المنكر ، هي:

1-       أن يبدأ النصح بنفسه ؛ فيتقي الله في سره وعلانيته وأن يحاسب نفسه .

2-       أن يكون مدركاً أنه مسؤول عن جميع أعماله وأقواله وأحواله .

3-       التناصح في ذات البين والتحبب إلى الله والإقبال عليه .

4-       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

5-       الصدقة لدفع البلاء ، والإحسان إلى الضعفاء والأيتام .

6-       الحرص الشديد على السلوك التعبدي الصحيح الذي يحقق عن طريقه الصلة بالله .

ولقد استعمل الملك عبدالعزيز أسلوب التكرار غير المباشر للتذكرة وللتأكد من استمرار التوجيه والإرشاد وتوضيح الجانب التطبيقي في سلوكيات الناس ، ولقد تكرر التوجيه بوزن نسبي، قدره (20%) من مجموع ما ورد في خطبه كلها، وقد استخدم الأسلوب الإرشادي للقيادة في بداية توطيده للحكم حتى يتم رفع كفاءة الأفراد وإيجاد الثقة بينهم وإيجاد الروح الإسلامية والأخلاق الإسلامية ، ويقول الرسول الكريم : "ما من أحد استرعاه الله رعية فلم يحطها بالنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة " .

جــــدول رقم (2)

العنوان

الموضوع

التاريخ

1– الذي في ذمتي في ذمتكم .

يحث إخوانه المسلمين على التمسك بنعمة الإسلام وتحكيم الشريعة والنهي عن الاعتداء على الغير باليد أو الكلام وتبيان حق المسلم على أخيه المسلم .

وحق المسلمين على ولاة الأمر .

والاقتداء برسول الله في المعاملة .

ويوصي بتقوى الله .

24 شوال 1345هـ

2– العمل بما أمر الله ورسوله .

تأسيس محاكم ولجان شرعية لإظهار الحق، وتكليف من يقوم عليها " المأمورون " وتأكيد تقوى الله واجتناب ما نهى عنه .

ربيع الأول 1346هـ

3– هذه هي عقيدتنا .

توضيح الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب .

6 ذي الحجة 1347هـ

4– نصرنا الله بقوة التوحيد .

علاقته بشعبه واهتمامه بمصالح المسلمين وادعاء بعض الدول الإسلامية أن ابن عبدالوهاب جاء ببدعة إلى غير ذلك من الأقوال المنمقة، والله نصرنا بقوة التوحيد والإيمان .

23 محرم 1348هـ

ويلاحظ أن الملك عبدالعزيز يؤكد في خطبه في الجدول رقم (2) على صفات أساسية في اختيار العاملين ، صفات مهنية تتمثل في القدوة والمعرفة والأخلاق الكريمة والعدل وتطبيق الشريعة الإسلامية بالعدل والأمانة ، قال :

" وأنتم أيها القوم أمناء لهذا الدين ، ولهذا البلد الأمين ، وأنتم مسؤولون عنه ، وأنتم خدامه ، فالأوامر التي تمشي على البلد يجب أن تمشي عليكم ، ولا يجوز في أي حالة تمشية الأوامر على فريق دون الآخر " .

فهو يطالب العاملين معه على خدمة شؤون شعبه وأن يتحلوا بالأمانة والعدل استجابة لما أمر الله تعالى ورسوله المسلمين بتأدية الأمانة في الأموال والأقوال والأفعال .

{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } ( النساء : الآية 58) .

وعلى مدى نصف قرن جعل الملك عبدالعزيز كفاحه وشغله الشاغل استتباب الأمن والعدل بين الناس، واستقر له الحكم في ظل نظم ثابتة وموحدة ترتكز على مبادئ الإسلام الشاملة .

 

العلم والعمـل :

ويحدد الملك عبدالعزيز وسيلته في الفوز بحب الله وحب الناس ، ومن ثم الفوز في تحقيق الهدف لغاية المآل الأخير ، وهي :

1-       الاهتمام بالعلم والمعرفـة حيث يرى أنها تعين على معرفة الفضيلة من الرذيلة والنافع من الضار .

2-       العمل الصادق على إقامة الصلاة واجتناب النواهي .

3-       عدم تقليد الآخرين بما يخالف آداب الشريعة السمحة ، فهو يحذر من التغريب والتحديث الذي يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي ، فلقد كان عصرياً ومتفتحاً .

4-       غرس الفضائل لأنها تساعد على التمييز بين الخير والشر والسعادة والشقاء ، مما يوفر للإنسان معرفة تجعله يتوجه إلى طلب الخير واتقاء الشر ، يقول : " إننا لا نبغي التجديد الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا "، وفي سياق هذه الأسس نوه الملك عبدالعزيز لبعد سلوكي في غاية الأهمية وهو بُعْد الإيجابية والمبادأة ، وهو بُعْد مهم لبناء أي دولة تسعى للرقي والتقدم، وكما نرى فإن الملك عبدالعزيز كان على وعي وتفهم للأسس القيادية التربوية في الإسلام ، وقد رسم للناس منهاج حياتهم الاجتماعية ، وعَدَّه هذه الأسس التربوية وسيلة أساسية لإحداث التغييرات المطلوبة في السلوك ، وعدَّ أمراً يجب أن ينبثق ذاتياً من إحساس المرء الداخلي بغرس القيم والفضائل والمرغوب فيه من السلوك الذي حث عليه الدين الإسلامي ، وعدَّ سبب البلاء لأي إنسان هو ما يجنيه هذا الإنسان على نفسه في داخل بلده ، وينظر إلى مصالحه الشخصية دون غيره ، يقول : " إن المسلمين هم مصدر البلاء الذي أصابهم أو أكثر ذلك يأتي عن طريق أولئك الذين ينظرون إلى مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية ،لا يفكرون إلا في أنفسهم ،ولم يحسبوا لله حساباً ،إن المسلمين بخير إذا اتفقوا وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله " .

وكان الملك عبدالعزيز في اهتمامه بالعلم مقتديا برسول الله e والسلف الصالح من بعده ، فقد أدرك قيمة العلم ، وعَدَّه الوسيلة لتطور أمته ؛ فبدأ بتوطين البادية في الهجر، ووضع أول مبادئ التعليم النظامي، وذلك عن طريق توفير المنهج التعليمي والمدرسة لهم في مواطنهم وهجرهم، خاصة في نجد؛ إذ إن التعليم الديني موجود بالطبع، وبدأت المدارس في الانتشار، وتعاقد مع عدد من المدرسين من سوريا ومصر، وأنشأ المدارس الابتدائية في القرى، والابتدائية والثانوية ومعاهد المعلمين في المدن، ودار التوحيد في الطائف لتخريج القضاة، وأنشأ برنامج الابتعاث لخارج البلاد .

واهتمام الملك عبدالعزيز بالعلم ينبثق من اهتمام الإسلام والمسلمين به؛ فالله سبحانه وتعالى حدد هدف الرسالة التي قام الرسول بإبلاغها، والتي كان العلم وسيلتها في سبيل تربية صالحة وفق الأسس والمبادئ التربوية التي جاء القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهو يقصد السمو بالعلم ، فيهتدي بهدي خالقه ومصدر روحه ، فيتقرب إلى رضا ربه بالعمل الصالح الذي يقوم على العلم والإيمان، ولم يقتصر الملك عبدالعزيز على توفير العلم لعامة الناس ، بل حرص على أن يعنى الأمراء وأبناؤهم بتحصيل العلم لأنفسهم جنباً إلى جنب مع أبناء العشب ، وهو بذلك يزرع فيهم روح العدل والحكمة .

لقد اقتدى القيادي المفكر المسلم عبدالعزيز بن عبدالرحمن بالسلف الصالح ، وأكد على ارتباط العلم بالعمل ضمن منظومة مفاهيم النظام الإسلامي وفي التأكيد على ربطه العلم بالعمل ، وقد خصص لها خطبة كاملة إذ يقول :

" واعلموا أن العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر ، وأن العلم كما يكون عوناً لصاحبه يكون عوناً عليه ؛ فمن عمل به يكون عوناً له ، ومن لم يعمل به يكون عوناً عليه ، وليس من يعلم كمن لا يعلم ، قليل من العلم يبارك فيه خير من كثير لا يبارك فيه ، والبركة في العمل " .

ويتفق الملك عبدالعزيز في رؤيته مع البغدادي " أن العلم شجرة، والعمل ثمرة ، وليس يُعَدُّ عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً "([8]).

ويؤكد ابن قيم الجوزية في مقالة له بأهمية العمل للعلم، ويقول: " عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها : علم لا يعمل به ، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء "([9]) .

ويكتب القائد العادل عمر بن عبدالعزيز t في ذلك إلى عامل له قائلاً : " إن العمل والعلم قريبان ، فكن عالماً بالله عاملاً له "([10])