هذه الدراسة :
تقوم
هذه الدراسة على قراءة متأنية فاحصة لسبعٍ وثلاثين خطبة من خطب الملك عبدالعزيز بن
عبدالرحمن آل سعود – يرحمه الله – بهدف الوقوف على خصائص شخصية الملك عبدالعزيز
القيادية التربوية المعتمدة على القرآن الكريم والسنة المشرفة والسلف الصالح في
الحكم وإدارة شؤون الشعب .
وقد
تناولت هذه الدراسة شخصية الملك عبدالعزيز من خلال ثلاثة محاور أساسية ، هي تدور حول
مفهوم القيادة الفكري في الاتجاه السياسي للملك عبدالعزيز ، ومبادئ الفكر القيادي
في مفهومه السياسي، وأسس التربية الإسلامية في القيادة الإدارية لسياسته.
وقد
تم استخدام تحليل المضمون كمنهج للدراسة ، واعتمدت على مجموعة من المصادر على
رأسها القرآن الكريم، فالسنة النبوية الشريفة، ثم خطب الملك عبدالعزيز، وعددها سبع
وثلاثون خطبة، وأخيراً مجموعة كبيرة من المصادر الدينية التاريخية والحديثة .
بدأ
التحليل في الدراسة كيفياً، ثم أصبح كمياً ، ثم خلصت إلى تحليل النتائج من خلال
وضع الجداول المؤتلفة للخطب على حسب الأغراض الواردة فيها ، كما خلصت إلى استنتاج
الأساليب التربوية التي اعتمدها الملك عبدالعزيز في قيادة الأمة ، وذيلت بخاتمة
تقديرية وقائمة بالمصادر والمراجع التي اعتمدتها الباحثة في دراستها التي تأمل أن
تكون بها قد أضافت شيئاً متواضعاً في سبيل إثراء المكتبة التي ضمت الدراسات
العلمية والبحثية لشخصية الملك عبدالعزيز والحقبة التاريخية التي واكبت قيام
الدولة السعودية الحديثة .
يتفق
علماء التربية والإدارة والاقتصاد والسياسة على أن القيادة أمر حتمي فرضته طبيعة
الكون ، حيث لا تستقيم حياة إنسان إلا بتفاعله وتواصله مع الآخرين من الناس، وينظم
هذا التفاعل والتواصل الحراري في العلاقات البشرية أسس وشروط ومقومات القيادة التي
هي أحد أهم مرتكزاتها .
لقد
اهتم الإسلام بالقيادة كنظام يُعنى بأمر الناس بما يعينهم على تحقيق أهدافهم لما
فيه خيرهم ودرء ما فيه شرهم، فالإسلام يرى أن القائد في أمته ضروري كضرورة الرأس
في الجسد، فهو عينها التي يبصر بها ، وروحها التي يحيا بها، ولسانها الذي يعبر من
خلاله، القيادة عملية ذات علاقة بطبيعة التفاعل بين عناصر العمل الإنساني ، وتوجيه
هذا العمل نحو هدف محدد ، ومع اهتمام الإسلام بضرورة القيادة والقائد ، إلا أن
عملية تحليل القيادة والتنظير لها لم تظهر إلا في أوائل هذا القرن عندما ساد
الأسلوب العلمي، واعتمدت النظريات في حل المشكلات الإنسانية على أساس أن " كل
الفعاليات الإنسانية العاملة والذاتية تنبثق من مفاهيم نظرية معينة "([1]) .
كما
أن الفكر الإسلامي في القيادة قد قدم أفكاراً لم تنكشف إلى الفكر الإداري الغربي
إلا في بدايات القرن العشرين ، فالقيادة لا يمكن أن تصاغ بعيدة عن قيم المجتمع
الذي وجدت فيه، لا سيما قيم الأديان السماوية التي تتسم بالثبات والاستقرار ،
وتختلف عن القيم التي يرسمها الإنسان والتي لا تتعدى حدود طموحاته وأهدافه ، وتتصف
بالصبغة الشخصية التي يعد التغير أحد سماتها الرئيسية ، فأي نظرية قيادية تسعى
لخدمة أي مجتمع لا تحكمها قيم سماوية راسخة تهذب معرفة الإنسان لذاته وقدراته بحيث
تجعله يتبصر في حاضره ويتعامل معه بحكمه والتحام مع ثقافته وهويته وشخصيته الحقيقة
من غير انبهار بالثقافات الوافدة بحيث يكون أكبر رشداً وإبداعاً لن يكتب لها
النجاح ، والإسلام هو نواة هذا الفكر والموجه الصحيح لأنماط قيادتنا وسلوكياتنا
وذاتنا . ومن هنا تنطلق هذه الدراسة التي تهدف إلى توجيه بعض الجهد نحو دراسة
أنماط القيادة التربوية في سياسة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود المنبثقة
من الفكر الإسلامي ، وما يميز هذه الدراسة عن الدراسات السابقة هو أنها تتعامل مع
قيادة تربوية إسلامية ترتكز في كل توجهاتها على ما جاء في القرآن والسنة .
وقد
تم له ذلك من خلال ممارساته السياسية على زمن الواقع ، فكثيراً ما تحدث فجوة بين
المنظرين في تطبيق المفاهيم التي يدعون لها بحيث يفعلون ما لا يقولون ، ويعملون
بغير ما يعلمون أنه الحق بقصد أو غير قصد . أما في قيادة عبدالعزيز بن عبدالرحمن
فإن الأهداف لديه كالمحجة البيضاء، ليلها كنهارها، ويجب عليه تحقيقها، ولهذا اتسمت
قيادته بالفوز بتحقيق الغاية ، وأبرز ما
تتميز به هذه القيادة أنه تواصل مع الفكر الإسلامي متمثلاً بالقرآن والسنة ،
فمنهما استمد فلسفة سياسته ومنهاج عمله القيادي .
موضوع الدراسة :
لقد
عاشت القيادة في زمنه نعمة حقيقية ، فعلى يده تم توجيه الأمة بما يتفق مع قيم
الإسلام وتراثه ومنابع فكره ، وأحاطه بحضارتها الإسلامية، وتعامل مع الفكر المعاصر
من خلاله ، وأثبت أن القيادة الإسلامية تنطلق من أصالتها في تطوير مفاهيم ترتكز
على هذه الأصالة ، وتنسجم مع واقعها
وتطلعاتها ، كل ذلك يستدعي وقفة تأمل وتفكير في دراسة النمط القيادي لعبدالعزيز بن
عبدالرحمن .
وفي ظل هذا الاتجاه سوف يستعرض البحث ما يأتي :
1-
مفهوم القيادة
الفكري في الاتجاه السياسي لعبدالعزيز بن عبدالرحمن .
2-
مبادئ الفكر
القيادي في المفهوم السياسي لعبدالعزيز بن عبدالرحمن .
3-
أسس التربية
الإسلامية في القيادة الإدارية لسياسة عبدالعزيز بن عبدالرحمن .
منهجية الدراسة :
تم
استخدام المضمون Content Analysis باعتباره
منهجاً مناسباً لمعالجة المحتويات الكيفية([2])
لعدد من خطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لتحديد المبادئ الفكرية
المقتبسة من القرآن والسنة وبعض ما يبني عليهما من مصادر من أجل استنباط مبادئ
تشكل أنماطاً سياسية في القيادة التربوية الإسلامية ، في مدة تعد تأسيسية في عمر
المملكة العربية السعودية السياسي ، وستعتمد الدراسة على المصادر الآتية :
1-
القرآن الكريم
.
2-
السنة النبوية
الشريفة .
3-
خطب الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن ، وعددها (37)
خطبة .
4-
بعض المصادر
الدينية التاريخية والحديثة .
التحليل الكيفي :
لقد
وجدت الباحثة أن التحليل الكيفي أكثر ملاءمة للموضوع الذي نرغب في دراسته ، فلقد
بدأ استخدام هذا المنهج عام 1952م على يد "بيرلسون" الذي كان يعتمد
أساساً على الوصف الموضوعي المنظم الكمي للمحتوى([3]) .
وقد
بدأ هذا التحليل للمضمون كيفياً ، ثم تطور
وأصبح كمياً([4])،
وتم استخدام فئة الموضوعات الخاصة بخطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – يرحمه الله
– ملك المملكة العربية السعودية والمؤسس الأول للدولة السعودية الحديثة "
فلقد استطاع هذا الرجل أن يجمع شتات بلده حتى بداية الحرب العالمية الأولى ، وأن
ينجز مهمة تاريخية ، تمثلت في توحيد المملكة ، وتوطيد الأمن ثم الأخذ بأسباب الرقي
في إطار قيادة إسلامية حافظت على أصالتها وعقيدتها وحضارتها "([5]) .
لقد
كثرت الأبحاث والكتابات عن الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – حيث استقطبت منهجيته
اهتمام الباحثين والدارسين والمحللين والسياسيين في العالم ، ولكن هذه الكتابات
يغلب عليها نتاج الفكر السياسي والإعلامي ضمن أسلوب تاريخي ، ولعل هذه الدراسة
تسهم في التحليل الكيفي للاتجاهات القيادية لدى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل
سعود ، وتسهم أيضاً في صياغة مبادئ النموذج حين تمكنت من الجمع المنسجم بين الفكر
الإسلامي والقيم العربية ومعطيات الحضارة الحديثة ؛ بحيث يمكننا أن نستنبط الأسس
التربوية التي تقوم عليها إدارته القيادية ، وصفات القائد الإداري في الفكر
الإسلامي ، وأنواع المنهج القيادي الإسلامي .
تحليل النتائج :
من
خلال التحليل الكيفي لخطابات الملك عبدالعزيز تبين أنه في جميع المناسبات كان
الكتاب والسنة هما المرجعين الأساسيين له في جميع أحكامه ، ويتأكد ذلك بورود هاتين الكلمتين بنسبة 100%
في هذه الخطب ، وهذا مؤشر قوي على أن الملك عبدالعزيز يحكم القرآن والسنة في اتخاذ
قراراته وما تواضع عليه السلف الصالح في أمور الدين والدنيا ، والقائد الإسلامي
ملزم ليحكم بالقرآن والدليل { إِنَّا
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا
أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} ( النساء : 105) .
التوجيه
والإرشاد :
جــــدول
رقم (1)
|
العنوان |
الموضــــــــــوع |
التاريخ |
|
1– احذروا عقاب الله . |
تذكر
المسلمين بأهمية الدين الإسلامي وحجته وقبوله والعمل به وتأكيد أهمية الصلاة . |
1334هـ |
|
2–
من لم يرفع الأمر فهو مني بحرج . |
تنظيم التعامل مع العاملين وتأكيد دعوتهم إلى الاجتهاد
الحازم في تقويم حكمة التوحيد وإبعاد ضدها والموالاة فيها والمعاداة فيها . |
12
جمادى الأولى 1335هـ |
|
3–
هذا الذي يدين الله به . |
شرح أمر الاعتقاد الذي ذكره
المشايخ في خطبهم ، وأكد اتباع ما جاء في الكتاب والسنة
وتنظيم من أشكل عليه أمر فيرده إلى طالب العلم المكلف بأمر الولاية . |
9 ذو الحجة 1337هـ |
|
4–
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . |
لا صلاح للخاصة والعامة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر؛ لأن في ذلك سبب صلاحهم ، وكل أنواع البلايا والامتحان سببه مخالفة أمر الله . ويدعو
إلى الدعاء والاستغفار والتوبة . |
1341هـ |
ويوضح
الجدول رقم (1) اهتمام الملك عبدالعزيز بتوجيه وإرشاد الناس في مجتمع كان يسوده
الجهل وسوء الأحوال الاقتصادية والأجواء غير المأمونة ، حيث لم تكن القيادة عنده
هدفاً بحد ذاتها ، بل هي وسيلة من وسائل طاعة المسلم لربه وخدمة عباده بما كلفه
بتحقيقها ، وهي ولاية أمورهم وإعمار أرضهم مادياً ومعنوياً .
ويؤكد
ذلك قوله :
"
أنْ يكون هَمُّ الإنسان وسعيه وتحصيله ذلك ليحصل النعيم المقيم " ، ولقد اهتم
عبدالعزيز بن عبدالرحمن بتوجيه الناس وإرشادهم ليهديهم إلى سبيل الحق، وهو في ذلك
يتبع الله ورسوله ، ومن رحمته – عز وجل– أنه لم يترك البشر بغير هدى منه يوجههم
ويرشدهم ، حين ختم الله سبحانه وتعالى رسالات السماء بخاتم الرسل e ، وترك لهم دستوراً يقودهم على طريق الهدى والصواب ، وفي ذلك
دلالة على أن الله تعالى قد جعل عملية التوجيه والإرشاد للإنسان عملية مستمرة على
مدى العصور .
وهكذا
يتمثل ذلك الملك عبدالعزيز حين يقول :
(
علينا وعليكم معاشر المسلمين أن نقوم على من قدرنا على القيام عليه ببذل الجهد
والنصيحة للمسلمين بتذكيرهم بما أنعم الله عليهم به من الدين ) مستهلاً خطبته
بقوله تعالى : {
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} ( الذاريات: الآية 55 )، وله في رسول
الله أسوة حسنة في ذلك الموقف؛ فيقول ابن الجوزي : " إن الرسول e وعظ الناس وذكرهم"([6]) ،
وكان يأمر عماله فيقول: " تعاهدوا الناس بالتذكرة ، واتبعوا الموعظة ؛ فإنه
أقوى للعاملين على العمل بما حبب الله عز وجل "([7]) ،
ويسير الملك عبدالعزيز على منهاجه موصياً مشايخه الذين ولاهم المناطق قائلاً لهم :
" أوصيكم بتقوى الله تعالى واتباع سنة رسوله " ، بل يسأل رعيته المناصحة
، فيقول :
"
فالآن أما الإنسان الذي عنده نصيحة ويرى خللاً في الولاية ويريد مناصحة المشايخ
وهو كفء لذلك باعتقاده وعقله فيرفع الأمر إلينا ثم إليهم ، والدين النصيحة لله
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ، وهو بذلك يقتدي بالخلفاء الراشدين في
الإسلام بوعظ عمالهم وإرشادهم ، بل لم يكتفوا بذلك، وإنما يطالبون بالموعظة
والنصيحة لأنفسهم.
ومن
اهتمام الملك عبدالعزيز بمسألة التوجيه والإرشاد أنه جعل من وظائفها – ليس فقط
التوجيه النظري وحسب ، وإنما بالفعل أيضاً – إرفاق النصيحة بالشفقة ؛ لأن في ذلك
تعاوناً على البر والتقوى: " فيحمل الناس على دفع الصدقات للفقراء والمساكين
، وإقامة الصلاة في المساجد ، ومنع الربا ... " .
ويثري
الملك عبدالعزيز اهتمامه بالتوجيه والإرشاد بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر كما يتضح من جدول رقم (1) ، وهو يقول :
"
فلا صلاح للخاصة والعامة في جميع القرى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأن
تكون طائفة حقٍ أهل بصيرةٍ وعلمٍ يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر؛ لأن ذلك سبب صلاحهم وفلاحهم ومعاشهم وهداهم ، وبتركه والتغافل عنه يكثر
الشك والفساد ، وأيضاً فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين،
وبقوته يقوى أهل الإيمان، وبضعفه يضعف الإيمان " , ويؤكد أن في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر سبب رحمة الله ، فإذا رحم الله العباد أعطاهم ما يحبون
، ودفع عنهم ما يكرهون، واستشهد بقوله {
وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ
تَثْبِيتاً } (
النساء: 66) .
ويضع
الملك عبدالعزيز أسساً يقوم عليها التناصح بالمعروف والنهي عن المنكر ، هي:
1-
أن يبدأ النصح
بنفسه ؛ فيتقي الله في سره وعلانيته وأن يحاسب نفسه .
2-
أن يكون
مدركاً أنه مسؤول عن جميع أعماله وأقواله وأحواله .
3-
التناصح في
ذات البين والتحبب إلى الله والإقبال عليه .
4-
الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر .
5-
الصدقة لدفع البلاء
، والإحسان إلى الضعفاء والأيتام .
6-
الحرص الشديد
على السلوك التعبدي الصحيح الذي يحقق عن طريقه الصلة بالله .
ولقد
استعمل الملك عبدالعزيز أسلوب التكرار غير المباشر للتذكرة وللتأكد من استمرار
التوجيه والإرشاد وتوضيح الجانب التطبيقي في سلوكيات الناس ، ولقد تكرر التوجيه
بوزن نسبي، قدره (20%) من مجموع ما ورد في خطبه كلها، وقد استخدم الأسلوب الإرشادي
للقيادة في بداية توطيده للحكم حتى يتم رفع كفاءة الأفراد وإيجاد الثقة بينهم
وإيجاد الروح الإسلامية والأخلاق الإسلامية ، ويقول الرسول الكريم : "ما من
أحد استرعاه الله رعية فلم يحطها بالنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة " .
جــــدول رقم (2)
|
العنوان |
الموضوع |
التاريخ |
|
1– الذي في ذمتي في ذمتكم . |
يحث
إخوانه المسلمين على التمسك بنعمة الإسلام وتحكيم الشريعة والنهي عن الاعتداء على
الغير باليد أو الكلام وتبيان حق المسلم على أخيه المسلم . وحق
المسلمين على ولاة الأمر . والاقتداء
برسول الله في المعاملة . ويوصي
بتقوى الله . |
24 شوال 1345هـ |
|
2–
العمل بما أمر الله ورسوله . |
تأسيس محاكم ولجان شرعية لإظهار
الحق، وتكليف من يقوم عليها " المأمورون " وتأكيد تقوى الله واجتناب
ما نهى عنه . |
ربيع الأول 1346هـ |
|
3–
هذه هي عقيدتنا . |
توضيح الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب . |
6
ذي الحجة 1347هـ |
|
4–
نصرنا الله بقوة التوحيد . |
علاقته بشعبه واهتمامه بمصالح المسلمين وادعاء بعض الدول
الإسلامية أن ابن عبدالوهاب جاء ببدعة إلى غير ذلك من الأقوال المنمقة، والله
نصرنا بقوة التوحيد والإيمان . |
23
محرم 1348هـ |
ويلاحظ
أن الملك عبدالعزيز يؤكد في خطبه في الجدول رقم (2) على صفات أساسية في اختيار العاملين
، صفات مهنية تتمثل في القدوة والمعرفة والأخلاق الكريمة والعدل وتطبيق الشريعة
الإسلامية بالعدل والأمانة ، قال :
"
وأنتم أيها القوم أمناء لهذا الدين ، ولهذا البلد الأمين ، وأنتم مسؤولون عنه ،
وأنتم خدامه ، فالأوامر التي تمشي على البلد يجب أن تمشي عليكم ، ولا يجوز في أي
حالة تمشية الأوامر على فريق دون الآخر " .
فهو
يطالب العاملين معه على خدمة شؤون شعبه وأن يتحلوا بالأمانة والعدل استجابة لما
أمر الله تعالى ورسوله المسلمين بتأدية الأمانة في الأموال والأقوال والأفعال .
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } (
النساء : الآية 58) .
وعلى
مدى نصف قرن جعل الملك عبدالعزيز كفاحه وشغله الشاغل استتباب الأمن والعدل بين
الناس، واستقر له الحكم في ظل نظم ثابتة وموحدة ترتكز على مبادئ الإسلام الشاملة .
العلم والعمـل :
ويحدد
الملك عبدالعزيز وسيلته في الفوز بحب الله وحب الناس ، ومن ثم الفوز في تحقيق
الهدف لغاية المآل الأخير ، وهي :
1-
الاهتمام
بالعلم والمعرفـة حيث يرى أنها تعين على معرفة الفضيلة من الرذيلة والنافع من
الضار .
2-
العمل الصادق
على إقامة الصلاة واجتناب النواهي .
3-
عدم تقليد
الآخرين بما يخالف آداب الشريعة السمحة ، فهو يحذر من التغريب والتحديث الذي
يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي ، فلقد كان عصرياً ومتفتحاً .
4-
غرس الفضائل
لأنها تساعد على التمييز بين الخير والشر والسعادة والشقاء ، مما يوفر للإنسان
معرفة تجعله يتوجه إلى طلب الخير واتقاء الشر ، يقول : " إننا لا نبغي
التجديد الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا "، وفي سياق هذه الأسس نوه الملك
عبدالعزيز لبعد سلوكي في غاية الأهمية وهو بُعْد الإيجابية والمبادأة ، وهو بُعْد
مهم لبناء أي دولة تسعى للرقي والتقدم، وكما نرى فإن الملك عبدالعزيز كان على وعي
وتفهم للأسس القيادية التربوية في الإسلام ، وقد رسم للناس منهاج حياتهم
الاجتماعية ، وعَدَّه هذه الأسس التربوية وسيلة أساسية لإحداث التغييرات المطلوبة
في السلوك ، وعدَّ أمراً يجب أن ينبثق ذاتياً من إحساس المرء الداخلي بغرس القيم
والفضائل والمرغوب فيه من السلوك الذي حث عليه الدين الإسلامي ، وعدَّ سبب البلاء
لأي إنسان هو ما يجنيه هذا الإنسان على نفسه في داخل بلده ، وينظر إلى مصالحه
الشخصية دون غيره ، يقول : " إن المسلمين هم مصدر البلاء الذي أصابهم أو أكثر
ذلك يأتي عن طريق أولئك الذين ينظرون إلى مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية ،لا
يفكرون إلا في أنفسهم ،ولم يحسبوا لله حساباً ،إن المسلمين بخير إذا اتفقوا وعملوا
بكتاب الله وسنة رسوله " .
وكان
الملك عبدالعزيز في اهتمامه بالعلم مقتديا برسول الله e والسلف الصالح من بعده ، فقد أدرك قيمة العلم ، وعَدَّه الوسيلة
لتطور أمته ؛ فبدأ بتوطين البادية في الهجر، ووضع أول مبادئ التعليم النظامي، وذلك
عن طريق توفير المنهج التعليمي والمدرسة لهم في مواطنهم وهجرهم، خاصة في نجد؛ إذ
إن التعليم الديني موجود بالطبع، وبدأت المدارس في الانتشار، وتعاقد مع عدد من
المدرسين من سوريا ومصر، وأنشأ المدارس الابتدائية في القرى، والابتدائية
والثانوية ومعاهد المعلمين في المدن، ودار التوحيد في الطائف لتخريج القضاة، وأنشأ
برنامج الابتعاث لخارج البلاد .
واهتمام
الملك عبدالعزيز بالعلم ينبثق من اهتمام الإسلام والمسلمين به؛ فالله سبحانه
وتعالى حدد هدف الرسالة التي قام الرسول بإبلاغها، والتي كان العلم وسيلتها في
سبيل تربية صالحة وفق الأسس والمبادئ التربوية التي جاء القرآن الكريم والسنة
الشريفة، وهو يقصد السمو بالعلم ، فيهتدي بهدي خالقه ومصدر روحه ، فيتقرب إلى رضا
ربه بالعمل الصالح الذي يقوم على العلم والإيمان، ولم يقتصر الملك عبدالعزيز على
توفير العلم لعامة الناس ، بل حرص على أن يعنى الأمراء وأبناؤهم بتحصيل العلم
لأنفسهم جنباً إلى جنب مع أبناء العشب ، وهو بذلك يزرع فيهم روح العدل والحكمة .
لقد
اقتدى القيادي المفكر المسلم عبدالعزيز بن عبدالرحمن بالسلف الصالح ، وأكد على
ارتباط العلم بالعمل ضمن منظومة مفاهيم النظام الإسلامي وفي التأكيد على ربطه
العلم بالعمل ، وقد خصص لها خطبة كاملة إذ يقول :
"
واعلموا أن العلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر ، وأن العلم كما يكون عوناً لصاحبه يكون
عوناً عليه ؛ فمن عمل به يكون عوناً له ، ومن لم يعمل به يكون عوناً عليه ، وليس
من يعلم كمن لا يعلم ، قليل من العلم يبارك فيه خير من كثير لا يبارك فيه ،
والبركة في العمل " .
ويتفق
الملك عبدالعزيز في رؤيته مع البغدادي " أن العلم شجرة، والعمل ثمرة ، وليس
يُعَدُّ عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً "([8]).
ويؤكد
ابن قيم الجوزية في مقالة له بأهمية العمل للعلم، ويقول: " عشرة أشياء ضائعة
لا ينتفع بها : علم لا يعمل به ، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء "([9]) .
ويكتب
القائد العادل عمر بن عبدالعزيز t في ذلك إلى عامل له قائلاً : " إن
العمل والعلم قريبان ، فكن عالماً بالله عاملاً له "([10]) .
ويتضح
مما تقدم أن أهمية العلم لدى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن تكمن في حرصه على العمل
الذي لا يقتصر على الأفعال دون الأقوال ولا على أعمال الدين دون أعمال الدنيا ،
وإنما يؤكد على أول ثمرة من غرسه الذي غرسه في تخريج أول دفعة من المعهد السعودي
عام 1350هـ / 1930م بأنه لا فائدة من علم لا ينتفع به ، ويدعو إلى أن يشمل العمل
قول الإنسان وفعله ديناً ودنيا ، يقول :
"
ولكن ماذا كان من وراء العلم الكثير ؟ علم
ولكن في الأقوال ، وعمل ولكن في غير النافع ، وإن ما أصاب هؤلاء هو من جراء
تخاذلهم وعدولهم عن الصراط المستقيم الذي شرحه الله في كتابه وعلى لسان صفوة خلقه e " .
ويؤكد
ذلك بقوله :" المداومة على العمل الذي يرضي الله وينفع به المسلمين ، وترك ما
يخل بذلك من جميع الأقوال والأعمال "، ويخاطب الملك عبدالعزيز أهل العلم
ونفسه مذكراً بواجبات العمل الصالح ، وهي :
1-
تقوى الله
سبحانه .
2-
النية الصالحة
.
3-
المداومة على
العمل .
4-
تجنب الكسل
إلى الاجتهاد .
5-
ترك الإعجاب
بالنفس .
6-
ترك طالب
العلم ما ليس يعنيه .
ولعل
تسخير هذه الواجبات في سبيل العمل الصالح يسهم في تحقيق التوازن الذاتي بين العلم
والعمل بمفهومهما الواسع الشامل في تنظيم شؤون الحياة .
التواصل مع الشعب :
ويحرص
الملك عبدالعزيز على التواصل مع شعبه كأحد مهام القائد ، وكانت الوسيلة الحكيمة
فيها البيان الذي هو نعمة من الرب ميز الله بها الإنسان عن سائر خلقه، فمنَّ عليه
بالقدرة التي من خلالها يعبر عما في نفسه من أفكار ومشاعر وفهم ما يعبرون هم عنه
منها، وقد أكد الإسلام على أهمية التواصل في قول الله سبحانه وتعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
(الدخان:58) ، وقد أكد الملك عبدالعزيز هذا المفهوم كأحد
مهام القائد الضرورية حين قال :
"
أنا لا أحب أن أشق على الناس ، ولكن الواجب يقضي بأن أصارحكم ، إننا في أشد الحاجة
إلى الاجتماع والاتصال بكم لتكونوا على علم تام بما عندنا ، ونكون على علم تام بما
عندكم ، وإذن أن يكون هذا الاتصال مباشرة وفي مجلس لتحملوا إلينا مطالب شعبنا
ورغباته ، وتحملوا إلى الشعب أعمالنا ونوايانا ، إني أود أن يكون اتصالي بالشعب
وثيقاً دائماً ؛ لأن هذا أدعى لتنفيذ رغبات الشعب ؛ لذلك سيكون المجلس مفتوحاً
لحضور من يريد الحضور ، وفي حالة غيابي سيكون هناك مجلس ثانٍ مفتوح لهذه الغاية
بدلاً من مجلسنا سواء في مكة أو في الطائف، وإن كان في هذا مشقة على الناس إلاّ أن
فيه مصلحة لا تخفى عليكم " .
وهكذا
نجد في قيادة الملك عبدالعزيز أمانة عظيمة ومسؤولية خطيرة، فيرعاها ويصونها بتحمل
المسؤولية ليس فقط أمام نظرائه والمجتمع وإنما أمام الله جل وعلا ، وحتى وهو
يتواصل مع شعبه يظهر شفقته في أن يكون في هذا الاتصال مشقة على الناس إلاّ أن
الغاية تسوغ المشقة ؛ لأن في ذلك فرصة لخدمة مصالحهم .
ويتضح
لنا أن هذا الموقف القيادي العظيم قد فهمه عبدالعزيز بن عبدالرحمن فهماً بعيداً عن
الترف ومراتب التباهي ، كما أنه ليس سلطة تفرض على رقاب الناس ، إنه على عكس ذلك ،
فهي مسؤولية القائد ، وللرسول e في ذلك حكمة رشيدة : " ما لكم
ولأمرائي ، لكم صفو أمرهم ، وعليهم كدره "([11]) .
ويوضح
لنا الموقف أن الملك عبدالعزيز عدَّ نفسه أمام أمانة ومسؤولية جسيمة ، تحددت بحكمة
القائد واعتداله وحسن تدبيره وطيب نفسه ، كل هذا روافد أسس عليها القائد العظيم
إيمانه القوي بالله سبحانه وتعالى ، وعلى ضوئه أسس ملكاً يحكم نظمه الشرع الإسلامي
، فيقول :
"
وإنكم تعلمون أن أساس أحكامنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة
أحرار في سن كل نظام وإقرار العمل الذي ترونه موافقاً لصالح البلاد على شرط ألا
يكون مخالفاً للشريعة الإسلامية " .
منهج التوحيد :
جــدول رقم (3)
|
العنوان |
الموضوع |
التاريخ |
|
1– أساس
أحكامنا الشرع الإسلامي . |
تنظيم نظام الدولة على أساس الشرع
وتنظيم تيسير المعاملات وأمور الدولة . |
افتتاح مجلس
الشورى 7 ربيع الأول
1349هـ / 1 أغسطس 1930م. |
|
2– نصرنا
الله بقوة التوحيد . |
النصر الذي تم لم يكن لو لم نتخذ
التوحيد نور قلوبنا وجوارحنا . |
23 محرم 1348هـ/ 1 يوليو 1929م . |
|
3– المشورة
. |
أهمية الشورى والتشاور في سبيل
الحقائق التي لها علاقة بمصالح البلاد والرعية . |
افتتاح المؤتمر الوطني 9 المحرم 1350هـ /
2 يونيه 1931م. |
|
4– أنا قوي
بالله تعالى. |
القوة بالله ثم بالإيمان ثم بثقة
الشعب الذين يحملون الكتاب في رقابهم والسيوف في أيديهم . |
ذو الحجة 1352هـ/ 24 مارس 1934م. |
|
5– إذا
أردنا التقدم يجب أن نتبع الإسلام . |
دين الإسلام ، دين السماحة ،
والإنسانية والتقدم في معمار المدنية والحضارة أمرنا الله به . |
10ذو الحجة 1354هـ/ 5 مارس 1936م. |
|
6– حقيقة
الإسلام . |
بالعلم والعمل والتضامن . |
|
|
7– نعمة
الإسلام . |
الاعتراف بما أنعم الله من الخير
الجزيل ومن الأمن والصحة ودعوة للشكر والعطاء في سبيله ، وأداء النصيحة لينصر
الله دينه . |
5 ربيع الآخر 1360هـ. |
|
8– حقيقة
الإسلام . |
إثبات العبودية لله ، الإيمان
بالله وبرسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان، وحج البيت،
والاتفاق مع أحكام المذاهب، ومذهبنا
اتباع الدليل حيث يكون ، وإن فُقد اتبعنا اجتهاد ابن حنبل في الكتاب والسنة . |
|
ويبين
الجدول رقم (3) أن الملك عبدالعزيز ومن خلال خطبه قد اتبع منهج التوحيد الخالص لله
سبحانه وتعالى شعاراً للنصر ، يقول :
"
وقد نصرنا الله بقوة التوحيد الذي في القلوب والإيمان الذي في الصدور، ويعلم الله
أن التوحيد لم يملك علينا عظامنا وأجسامنا فحسب ، بل ملك علينا قلوبنا وجوارحنا
".
لقد
أخلص في توحيده الإلهي ، فجازاه الله بالتوحيد السياسي، فجرد سيفه في سبيل إعلاء
كلمة الحق ، يريد بذلك إعزاز الإسلام ، ويهدف إلى إسعاد أمته المسلمة ، التي كانت
آنذاك تئن من وطأة الجهل والبدع والتفكك الاجتماعي والفوضى التي لا يقرها الإسلام
، غايته في ذلك الموقف السياسي العظيم اختيار خدمة دين الله حين يقول بوضوح وتجلٍ
في حضور رؤساء وفود الحج عام 1946م :
" لم نتخذ التوحيد آلة لقضاء مآرب
شخصية أو لجر مغنم ، وإنما تمسكنا به عن عقيدة راسخة وإيمان قوي لنجعل كلمة الله
هي العليا " .
فالقيـــادة عند الرجل القيادي العظيم
ليست هدفاً بحد ذاتها ، بل هي وسيلة من وسائل خدمة الإنسانية من خلال ما أمر الله
به ، وهو بذلك الموقف يدخل امتحان القيــــادة الحكيمة التي استنبط مبادئهـــا من
مبادئ التربيــــة الإسلاميـــة من القرآن الكريم والسنة النبويـــة الشريفة ،
وتمتاز هذا المبادئ بالأصالة والواقعية والشمول ، ومن أهمها:
1-
فرض التعلم
على كل قادر .
2-
ربط العلم
بالعمل مبتدئاً بمعرفة الله وسائر آياته ومخلوقاته ، والعمل على امتثال الفعل الذي
يصل إلى هدف إرضاء الرب وإسعاد العبد .
3-
أداء النصيحة للخاص
والعام كل على حسبه .
4-
التعاون على
البر والتقوى والصدقة النافعة .
5-
الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر قدر الاستطاعة .
وتنبع
القيادة الحكيمة للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن من أساس اعتقادي؛ حيث تقوم على
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ولقد ارتكز على هذا الأساس
الاعتقادي في منظومة إدارته لحكمه ، ولها نتائج تربوية هامة :
§
فالإيمان
بالله الخالق المدبر لهذا الكون يدفع الإنسان المؤمن إلى الطاعة والخضوع له والخوف
من غضبه والسعي لنيل رضاه .
§
والإيمان
بكتبه يُنير العقل عن طريق التدبر في كلامه والتفكر في معانيه كما قال تعالى : {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ } ( سورة ص : 39 ) .
§
الإيمان
باليوم الآخر ينمي الشعور الحقيقي بالمسؤولية والإخلاص والاستقامة في كل مواقف
الحياة ، والإتقان في العمل والصبر على الشدائد ، كما تنضبط غرائز الإنسان
ودوافعه، فيبتعد عن الأنانية ،ويزداد في تراحمه مع الناس ، ويبتعد عن الرياء
والنفاق مما يجعله يسمو بعمله عن مآربه الشخصية والشهرة الإعلامية .
§
الإيمان
بالقدر خيره وشره يجعل الإنسان مطمئناً إلى قدر الله ، فيتقبله دون كفر أو جحود .
الملك عبدالعزيز قوي في إيمانه يستمد قوته من الله تعالى
بالتوحيد الخالص لوجهه حيث يقول :
" وإني أعتمد في جميع أعمالي على
الله وحده لا شريك له ، أعتمد عليه في السر والعلانية والظاهر والباطن ، وإن الله
سهل طريقنا لاعتمادنا عليه ، وإني أجاهد لإعلاء كلمة التوحيد والحرص عليها ، وأحب
أن أراها قائمة ولو على يد أعدائي ، وإن تمت على يدي فذلك فضل من الله ، وكل عمل
لا يتم إلا بالإخلاص " .
وهذا
هو الإيمان الصحيح بالله الذي يشتمل على الوحدانية الحقة ؛ فليس مثله شيء لم يلد
ولم يولد ، لا شيء قبله ولا شيء بعده ، يمثل الملك عبدالعزيز في نمط قيادته
الإسلامية الحقة تلبية المسلم الحقيقي للإيمان قولاً وفعلاً يتوكل عليه ويلجأ إليه
.
جــــدول رقم (4)
|
العنوان |
الموضوع |
التاريخ |
|
1– هذه أعمالي . |
مشروع لدعوة الإسلام ، داعية
لعقيدة سلف ، جمع حكمه الإسلام والمسلمين ، التأليف بينهم وتوحيد كلمتهم بالتمسك
بكتاب الله والصبر على القضاء والشكر على العطاء . |
11 ذو الحجة 1351هـ/ 19 أبريل 1935م. |
|
2– خدمة الحجاج . |
من أسباب التقرب إلى الله خدمة مصالح
الحجاج والعناية بهم والسهر على راحتهم . |
الدورة الجديدة للشورى 1351هـ / 1932م. |
|
3– إلى مثل هذا التضامن أدعو المسلمين
. |
جمع كلمة المسلمين فيؤلف بين قلوبهم ويوحد غاياتهم . |
10 ذو الحجة 1353هـ / 19 مارس 1935م. |
|
4– السكوت على قضية فلسطين لا يوافق
المصلحة . |
يدعو إلى التضامن والاعتصام بحبل الله في سبيل الدفاع عن
القضية الفلسطينية . |
6 ذو الحجة 1364هـ/ 11 نوفمبر 1945م. |
|
5– على كل مسلم أن يأمر بالتآخي
والتآزر . |
يأمر بالتآخي والتآزر لتكون كلمة الله هي العليا . |
10 ذو
الحجة 1359هـ/ 9 يناير 1941م. |
|
6– نعمة التوحيد . |
تعيين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإلزام
بالصلوات والزكاة والنهي عن الربا والظلم وغيره . |
بدون. |
|
7– عقيـدتي هي السلفية . |
عقيدتنا السلفية ، والعدل شيمتنا ، والتعاضد والتآخي من
قيمنا . |
10 ذو الحجة 1365هـ /3 نوفمبر 1946م. |
|
8– لا عز لنا إلا بالإسلام . |
التأكيد على التسلح بالإسلام والتمسك به وتقوى الله والتآلف
والصدق والإخلاص في العمل . |
18 محرم 1351هـ/ 24 مايو 1932م. |
وبالنظر
إلى جدول رقم (4) يتبين أن الملك عبدالعزيز مثل يحتذى في أنماط القيادة الإسلامية لالتزامه
بالمنهج الإسلامي في قيادته ، وذلك لقوة إيمانه وصدق مشاعره وإخلاصه تجاه
المسؤولية الملقاة على عاتقه ، يقول :
"
الإنسان إذا كان مسلماً يضع لنفسه نظاماً يسير عليه بمقتضاه مما لا يخالف كتاب
الله وسنة رسوله ، ومن أعظم ما يثبت علينا ديننا هو تمسكنا بالشهادتين ، وبمعناهما
الصحيح من إثبات العبودية لله ، والإيمان بنبيه ورسوله الذي نجده أحب إلينا من
أنفسنا وأموالنا وعيالنا " .
وهكذا
استمر عبدالعزيز بن عبدالرحمن في تأسيس حكمه وبناء قواعده على العقيدة السلفية
الصادقة مجتهداً في تطهير المجتمع من البدع والخرافات التي لا يقرها الإسلام ،
متأثراً بدعوة المنهج الإصلاحي للإمام محمد بن عبدالوهاب الذي عاش في بداية القرن
الثامن عشر :
"
يقولون إننا وهابية ، والحقيقة أننا سلفيون محافظون على ديننا، نتبع كتاب الله
وسنة رسوله ، وليس بيننا وبين المسلمين إلا كتاب الله وسنة رسوله " .
استطاع
الملك عبدالعزيز أن يقيم أسساً متينة وحكماً قوياً مستقراً في ظل التمسك بالعقيدة
الإسلامية، ونراه يؤكد ذلك في خطبته (هذه أعمالي) :
"
أنا داعية لعقيدة السلف الصالح ، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة
رسوله وما جاء من الخلفاء الراشدين، أما ما كان غير موجود فيها فأرجع بشأنها إلى
أقوال الأئمة الأربعة، فآخذ منها ما فيه صلاح المسلمين " .
ويجعل
من استقرار الأمن في البلاد الاجتهاد في تطبيق الشريعة، ويتفق علماء الاجتماع
والتربية والنتروبولوجيا أن الإنسان بفطرته الإنسانية يحتاج إلى نظم وقوانين تحكم
طبيعة علاقاته الإنسانية في المجتمع، وتضع حدوداً وشروطاً ومقومات توجه هذه
العلاقات نحو أهداف تخدم مصلحة الإنسان، ولوحظ أن هذه النظرية ترتبط ارتباطاً
وثيقاً مع عقيدة المجتمع وقيمه الاجتماعية التي تعكس روحه تحت مظلة التربية
والثقافة الخاصة عبر الزمان والمكان .
ومجتمعاتنا
في ظل الحكم العثماني تحكمها النظم الموروثة المستمدة جذورها عميقاً عبر العصور
ومن الشريعة الإسلامية ، إلا أنه مع فوضى هذا النظام وفساده ضعفت منها أصول
العقيدة ، وشابها كثير من البدع والتراخي في الالتزام بتطبيق النظم الإسلامية
الحقة ، فأحدث انفصاماً عن الثقافة والمكونات الأساسية للشخصية الإسلامية التي
تجعل من الفرد المسلم أكثر حكمة وأكثر اتزاناً وأكثر وعياً وإبداعاً ، فأخذ عهداً
على نفسه لإصلاح شؤون المسلمين إصلاحاً حقيقياً لا نظرياً حين وجد الجهل متفشياً ،
والتخاذل متمكناً من نفوس الكثيرين ، ولم يبق من الدين إلا اسمه ، وهو يقول :
"
ولقد تفشى الجهل ، وساء التخاذل بين المسلمين ، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من
الحالة الراهنة التي تعرفونها ؛ وذلك يمكنني أن أقول بأنه لا يوجد في الدنيا مدينة
تسعد البشر وتكفل راحتهم أحسن من مدينة الإسلام ، ولا يوجد دستور يكفل حقوق الراعي
والرعية وحقوق الناس كافة ، ويؤمن المساواة بين الصغير والكبير وبين الملك
والصعلوك وينصف المظلوم كالقرآن الكريم وما فيه من الآيات والمحكمات ، وما جاء عن
نبيه محمد e ؛ لذلك نحن ننصح المسلمين كافة والعرب
خاصة وننصح البشر على الإطلاق للعمل لما جاء في كتاب الله جل وعلا ... دستوري
وقانوني ونظامي وشعاري دين محمد e ، فأما حياة سعيدة على ذلك وإما موتة
سعيدة " .
إنه
الإيمان الجازم والقناعة التامة بالتشريع الإسلامي الذي يعنى بشؤون علاقات الناس
في المجتمع وتنظيمها ، فعم تطبيق الشريعة الإسلامية ، وتحقق على ضوئه الأمن
والأمان والرفاه والاستقرار .
فاستطاع
الملك عبدالعزيز أن يقدم نموذجاً حياً لفاعلية أحكام الشريعة الإسلامية في العصر
الحديث ( القرن العشرين ) ، والتمسك بتطبيقها وقيادة شؤون الدولة ، فمزج بين الدين
والوطن ، يقول :
وإن
أول شيء نحافظ عليه ونعض عليه بالنواجذ ونحارب دونه ولو أهل الأرض هو ديننا ووطننا
، وهذان الأمران لا نقبل فيهما قولاً ولا تصرفاً ولا هوادة، إننا نبذل النفس
والنفيس دونهما؛ لأنهما عظيمان عندنا " .
ولقد
حاولت الباحثة أن ترى الأسس التي لها أكبر الأثر على السلوك الإنساني والقيادي في
سياسة الملك عبدالعزيز ، وتمسكه بعقيدة التوحيد التي ساهمت في تنظيم حياته النفسية
، ووحدت نوازعه وتفكيره وأهدافه ، بل وجهتها نحو هدف واحد ، هو عبادة إله واحد
ونيل رضاه وجنته في كل سلوكياته ومواقفه ، ويؤكد ذلك في قوله :
"
وقد جعلنا الله أنا وآبائي وأجدادي مبشرين ومعلمين بالكتاب والسنة ، وما كان عليه
السلف الصالح ، لا نتقيد بمذهب دون آخر ؛ فإذا وجدنا الدليل القوي في أي مذهب من
المذاهب الأربعة رجعنا إليه وتمسكنا به ، وإذا لم نجد دليلاً قوياً أخذنا بقول
الإمام أحمد " ، " أنا قوي بالله تعالى ثم بإيماني ثم بشعبي ، وشعبي كل
منهم كتاب الله في رقابهم ، وسيوفهم في أيديهم ، يناضلون ويكافحون في سبيل الله
... ولقد منَّ الله علينا بهذا الملك ثم بإيماننا الذي في صدورنا " .
الانتماء الإسلامي :
ويتبين
لنا الأثر التربوي للإيمان الصادق كأساس للسلوك القيادي في حكم الملك عبدالعزيز ،
فهو ينمي الشعور بالتواضع وعدم الغرور لدى الإنسان القيادي حين يقول:
"وكل
فرد من شعبي هو جندي وشرطي ، وأنا أسير وإياهم كفرد واحد ، لا أُفضِّلُ نفسي
عليهم، ولا أتبع في حكمهم غير ما هو صالح مهم حسبما جاء في كتاب الله وسنة رسوله
" .
إن
الإنسان الموحد إذا اغتر ذكر قدرة الله عليه، فالمؤمن يتواضع لله رغماً عنه ، وهو
عزيز النفس لا يجعل للأمور الدنيوية سبيلاً للسيطرة على قلبه، ولا يذل لأحد في
معصية الله ، ولذلك أثر إيجابي وتربوي على عقل الإنسان وعلى بعد النظر وحب
الاستطلاع على أسرار الكون ، فيتسلح بالطمأنينة والرشد والحكمة .
ويشعر
المؤمن القيادي الملك عبدالعزيز بالعزة لاعتزازه بالإسلام ، فهو القائل : "لا
عز لنا إلا بالإسلام " ، والسبب ناتج عن شعوره القوي بالانتماء إلى حزب الله
متذكراً قوله تعالى : {
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا
مَوْلَى لَهُمْ }
(محمد : الآية 11 ) .
وهذا
بدوره نمى لدى الملك عبدالعزيز الانتماء للأمة الإسلامية وموالاتها ، فيتقرب إلى
الله عن طريق العناية بالحجاج والسهر على راحتهم ، ويقول في ذلك :
"
العناية في شأن الحج والحجاج لأن السعي لخدمة مصالح الحجاج في هذه البلاد المقدسة
من أسباب القرب إلى الله " .
ويهمه
أمر المسلمين ؛ فيدعوهم إلى التضامن في سبيل أن يؤلف الله بين قلوبهم ، ويجمع
كلمتهم ، فتتحد غاياتهم ومقاصدهم ، فيقول :
"
إن أحب الأمور إلينا أن يجمع الله كلمة المسلمين ، فيؤلف بين قلوبهم ، ثم بعد ذلك
أن يجمع كلمة العرب، فيوحد غاياتهم ومقاصدهم؛ ليسيروا في طريق واحد لوردهم موارد
الخير " .
"
إن مسألة فلسطين هي أهم ما يشغل أفكار المسلمين والعرب في هذه الأيام ، وهي
المسألة التي يجب أن تكون موضع عناية الجميع ومدار اهتمامهم، فإنني أقول بصراحة:
إن السكوت على قضية فلسطين لا يوافق المصلحة " .
فاهتمامه
بالأمة الإسلامية وإحساسه بالانتماء لها وموالاتها عززت علاقاته بالعالم الإسلامي
، ونلاحظ حرص الملك على ربط تواصله بالأمة الإسلامية عن طريق أكبر تجمع إسلامي
عالمي وأجله ، ويوضح ذلك قوله :
"
لقد حرصنا على أن يحرصنا الله في هذه المجالات المقدسة ، فمنَّ الله علينا باجتماع
القلوب، وأمرنا بالتواصل الاجتماعي ، وهذا اجتماع الصلوات الخمس في كل يوم لا تحصى
حكمته ، كما لا تحصى حكمه ، وهذا الاجتماع السنوي الذي أولها أنه يذكر الناس
بالآخرة، وثانيها أن الله عين على عباده بلطفه وعفوه ، وثالثها حكمه العظيم
التعارف ... وأن يكون بين المسلمين تعارف وتواد ، وأن يكونوا مثل سلفهم ، شعارهم
أحد أحد ، كناية عن توحيد الله " .
وهذا
يؤكد وعي الملك القيادي في عملية التواصل الإسلامي العالمي عبر القادمين إلى الحج
ووعي الملك عبدالعزيز بالشؤون الدبلوماسية الدولية واهتمامه بالشؤون العربية حيث
يؤكد على وحدة العرب .
ويحرص
على أهمية تسهيل أمور الحجاج وسبل الزيارة للأماكن المقدسة ، ويؤكد على فكرة حقوق
العرب والمسلمين، ويبدي في مواقع كثيرة قلقه على أحوال المسلمين، وكان مصدر قلقه
الخوف من التغريب والفتنة، وأهمية تواجد الأمن والمساواة في الحقوق والواجبات
والصدق والوفاء بالعهود والمواثيق، وبذلك أوجد مكانته الإسلامية بين الأمم ، بل
تصدر الزعامة الإسلامية .
ويؤكد
ذلك الموقف الشيخ إقبال عن دور الملك عبدالعزيز في خدمة الإسلام ، فيقول : "
وكان تعلق ابن سعود بالإسلام وتصميمه على أن يقوم بدور حيوي من أجل التضامن
الإسلامي من أهم ملامح حياته العملية "([12]) .
الشــــورى :
اقتدى
الملك عبدالعزيز بالرسول الكريم ومن بعده الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا
يتشاورون في أمورهم ، وأول شورى لدى الصحابة كان موضوع الخلافة ، حيث اجتمعوا
وتشاوروا واختلفوا ، ثم استقروا على استخلاف أبي بكر t ، ونعلم جميعاً أن الشورى ضرورية لاستقامة أمور الناس ، فقد أمر
بها الله تعالى، وأكد عليها الرسول e ومن تبعه من الخلفاء والقادة والمفكرين
المسلمين قولاً وعملاً .
ويقول
الرسول عليه الصلاة والسلام : " رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى
الناس، وما يستغني رجل عن مشورة "([13]) .
ويؤكد
عمر بن الخطاب t على الشورى، فيقول : " شاور في
أمرك الذين يخافون الله "([14]) .
واقتداء
بالسلف الصالح نجد أن الملك عبدالعزيـــز قد جعــل الشورى من الأسس التي يعمــل
بها في جميع شؤون الدولــة، وهو بذلك يطيع أمر الله في قوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ( الشورى: آيــة 38) ، { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } ( آل عمران: آيـــة 59). وعندما أمر
الله بالشورى لم يحدد كيفيتها ، وإنما ترك أمر ذلك لاجتهاد المسلمين([15]) .
ولذلك اختار الملك عبدالعزيز النمط الشوري الذي يتمشى مع التركيبة الاجتماعيــــة
لمجتمع شعبه وطبيعة الناس ، ويتضح لنا في خطبته " المشاورة " حين يدعو
إلى النظر في فوائــــد المشاورة مستشهداً بآي من الذكر الحكيم في قوله :{ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }([16]) .
وحرص
الملك عبدالعزيز على أن يكون من يشاورهم الرأي على قسط من العلم والذكاء والفطنة
والخبرة وحسن الخلق والأمانة والصدق والإخلاص وحفظ السر والشجاعة ، ويدعو كل فرد
أن يذهب إلى العلماء فيما لا يعلمون ، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجه الناس
فيما يتعلق بالمصالح كل على حسب اختصاصاته، ووجه الوزراء والأعيان وأمراء المناطق
فيما يتعلق بمصالح البلاد ونمائها ، وقد أكد ذلك في قوله :
"
ومن يرى في نفسه لباقة إلى الدعوة إلى الله فليعرض نفسه وما عنده على المشايخ والمذكورين
إن كان بالعارض فعلى شيخنا وإمامنا – أيّده الله وأبقاه– الشيخ عبدالله بن
عبداللطيف، وإن كان بالوشم فعلى أخيه محمد بن عبداللطيف، وإن كان في سدير فعلى
الشيخ عبدالله العنقري ، وإن كان في القصيم فعلى الشيخ عبدالله بن محمد آل سليم ،
ونحن والأمراء عون لهم على ذلك إن شاء الله ، فالآن أما الإنسان الذي عنده نصيحة
ويرى خللاً في الولاية ويريد مناصحة للمشايخ وهو كفء لذلك باعتقاده وعقله فليرفع
الأمر إلينا وإليهم " .
وهكذا
يتضح لنا أن سياسة عبدالعزيز تسهم في ربط كل فرد على حسب درجة مسؤوليته ومجتمعه
متمشياً مع قولــه تعالى {
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ } (
الأنعام: آية 165) ؛ فالمسؤولية عنده بحسب درجة الفهم والعلوم والمسؤولية والمكانة
القيادية .
كما
نستخلص مما تقدم أيضاً أن للملك عبدالعزيز رؤية يؤكد بها على جانب العقل والفطنة
للمستشير والمستشار من الأوصاف الضرورية للنصيحة، ويحذر من خلالها الهيئة التي
ستجتمع لانتخاب الأشخاص المطلوبين أن :
"
يتحروا المصلحة العامة ويقدموها على كل شيء ، فيرحبوا بأهل الدين واللباقة الذين
يغارون على المصالح العامة ولا يقدمون عليها مصالحهم الخاصة ، وأن يكونوا من أهل
الغيرة والحمية والتقوى "([17]) .
ولقد
تميز الملك عبدالعزيز بهذه الخصلة الحميدة في القيادة الإسلامية ، وهي مشاورته
لأهل الرأي في أمور البلاد والعباد ، كما اشتهرت قيادته الحكيمة بنظام الشورى
الإسلامي، بل إنه تجاوز ذلك إلى تقبل المراجعة والنقد من رعاياه أيا كانت مكانتهم
ومنزلتهم ، بل " يفتح صدره لأفكارهم وطلباتهم ، ويحتمل تلبيتهم وتفريحهم دون
أن يغضب أو يرى في ذلك امتهاناً لسياسته وسلطاته([18]) .
وهو
لا يمنعه شيء عن قول الحق والصدق في المشورة والاستشارة ، ويؤكد ذلك أحد علماء الأزهر
الأفاضل في قوله :
"
لاحظنا الحرص الشديد من الملك عبدالعزيز على إحقاق الحق بين رعيته ، وإزهاق الباطل
مهما كان نوع هويته "([19]) ،
أدركنا إلى أي مدى التزم بالشورى في كل حركاته وسكناته القيادية سواء ما كان منها
متعلقاً بأمور المسلمين عامة والشؤون العالمية وما كانت تعنى بشؤون رعيته خاصة من
خلال مجالسه اليومية أنه ينفذ بصدق وولاء أمانة الله التي تكلف بها بمنهج واضح
وصريح يحكمه في ذلك شريعة الله وشورى الإسلام الصحيح ، والوضوح والصدق نبراس الملك
عبدالعزيز ، فحرص عليه في قوله وحوله ومراقبة الله تعالى في جميع مواقفه ولحظاته ،
ويقول :
"
إن المسلم العربي ليشين دينه وشرفه أن يخون عهداً أو أن ينقض وعداً، وإن الصدق أهم
ما نحافظ عليه " .
والصدق
في الوعد والإخلاص في العهد من أول وأهم ما اتصفت به سلوكيات القائد العظيم ؛ فقد
أخلص النية في العمل وسخرها فيما يرضي الله وما يأمر به ، هو داعية إلى الخير
بسلوكه القيادي الذي يفتخر العالم الإسلامي بالاقتداء به والداعي إلى الخير كفاعله
أو أكثر ؛ إذ إنّ عدم الصدق والإخلاص في العمل القيادي يسبب عدم الثقة بين القائد
ومرؤوسيه ، وينعكس ذلك على مستوى الأداء في النظام والتواصل والاتصال ، وهذا بدوره
يسهم في ارتخاء الدافع لتنفيذ التوجيهات والتعليمات الموجهة من القائد ، وعدم
الوضوح في التعامل قد يؤدي إلى انقسام وحدة الصف وعدم التحام الهدف، وقد نهى رسول
الله e عن غش القائد لرعيته، يقول عليه الصلاة والسلام : " ما من
عبد يسترعيه الله رعيـة من المسلمين يموت يوم يموت وهو عاش لرعيته إلا حـرم الله
عليه الجنـة " ( متفق عليه ) .
الإخاء والحكمة القيادية :
لقد
اهتم الملك عبدالعزيز بالإخاء؛ لأن ذلك من القيم الإسلامية النابعة من إيمانه
بالله وإتباع ما جـــاء في كتابه وعلى لسان رسله، فقد قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10) ، وقال الرسـول e : ( لا يكمل إيمــــان المؤمــــن حتى يـــحب لأخيه ما يحـب
لنفسـه ) ( البخاري ، الإيمان ، باب 7 ) ؛ فالإخاء مشاعر سامية تعمل على توازن
الأحاسيس وتهذب الإنسان ، فتنخفض عنده نسبة الأنانية وحب الذات بحيث لا تطغى على
حب التعاون والاعتصام بحبل الله وعدم التفريق ، بل تطيع الله على البر والحب
والتقوى في قول القائد المؤمن :
"
إني أدعو إلى الاتفاق والاعتصام بحبل الإسلام ، وليس معنى قولي أن يفهم منه أنني
أدعو إلى التعصب وقتال أوروبا ، فهذا قول لا فائدة منه ، بل أقول اليوم يجب علينا
التناصح وعدم التحاسد وأن نسعى لما يحفظ قوانا ، وأن نكون ضد أي شخص يعمل ضد
الإسلام " .
ويوضح
مقصد القائد استخدامه كلمة (الأخو) ؛ لأنه يتعامل بكل أخوة ، وهو يدرك أنه لا شيء
يستطيع أن يؤثر في سلوك الإنسان وتعامله مع الآخرين كما تفعل الأخوة ، ذلك الشعور
الذاتي في الإنسان الذي يسعه صدق إيمانه ، فيدعو للتعاون والإخاء على كل ما فيه
طاعة وبر وخير وقربى ، ويعود ثم يطلب من المسلمين التآخي في قوله :
"
يجب على كل مسلم أن يأمر بالتآخي والتآزر لتكون كلمة الله هي العليا ، وأن تكون
مصداقاً لقوله e :" المؤمن للمؤمن كالبنيان "
، فالغفلة غير طيبة ، وإني أخاطب إخواننا في مصر والعراق وسوريا وفلسطين فنقول لهم
: إن المصلحة واحدة والنفوس واحدة ... وأوصيكم بالتحاب " .
فهو
يطلب الاعتصام بالله ؛ لأن ذلك من صالح النفوس ، وبه يحظى الإنسان بالأمن
والاطمئنان ، وهو حصن الإسلام الذي ميز الله به المسلمين ، فحثهم على التآلف
والتواد والإخاء ، إنها عين النظم المتكاملة المترابطة والمفاهيم المتناسقة لصالح
البشرية وخدمتها .
لقد
أظهر الملك عبدالعزيز تبصراً وحكمة في العناصر القيادية من النواحي الاجتماعية
والنفسية والثقافية التي كان لها تأثير عميق على نمطه القيادي، ومفتاح الحكمة عنده
أنه على علم تام بمبادئ دينه ، ويمتلك من المهارات الفكرية والعملية التي جعلت منه
قيادياً بعيد النظر ، عميق المعرفة ، يعرف الناس ويعرف أنماط تفكيرهم مما يساعده
في معرفة التعامل معهم ، هذا إلى جانب تبيانه للناس أهمية أداء العبادات والمحافظة
عليها والتفقه في أمر الدين ، كقوله :
"
ونحن نبين لكم الأمور التي حصل الاتفاق منا ومن علماء المسلمين عليها ، فقد تقرر
أن نعين هيئات في جميع بلدان المسلمين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ومن أهم
ذلك إلزام الناس بالمحافظة على الصلوات الخمس في جماعة ، وحض الناس على تعلم دينهم
والقيام على أهل المنكرات ، ثم بعد ذلك النظر في أمر الزكاة ، والنظر في معاملات
الناس وتفقدها وبعدها عن الربا والغش والظلم ، والنظر في أمر الأوقاف على الوجه
المشروع" .
ومن
حكمته القيادية أنه يمتلك الحكمة بمعنى القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب،
والعواقب النافعة والضارة ، مقتدياً بقوله تعالى : {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو
الأَلْبَابِ} (
البقرة : 268 – 269) .
ويحرص الملك عبدالعزيز على طاعة الله وتطبيق المنهج الإسلامي
في القيادة ، ويقول :
"
الحقيقة أن الله جعل للإنسان بصيرة يميز بها بين الحق والباطل ، وقد أراه الطريق
واضحاً ، ومن فضل الله على الإنسان وهو فقير وعاجز أن سلط عليه نفسه والشيطان،
وجعل في مقابلها الإنعام عليه بالقبول والرجوع بحيث يفيء الإنسان إلى ربه ، ويمشي
على الصراط المستقيم " ، وقوله :
"لأن
المنطلق الصحيح الذي لا عوج فيه هو القرآن ، وقد جاء فيه كل شيء ، ومنه يقف
الإنسان على قسط من المعرفة ، فإذا منَّ الله على الإنسان بهذه المعرفة ، وكان في
يده أمر من أمور الناس وجب عليه أن يعرف الحقائق ، ولا ينخدع لظواهر الدنيا ،
وإيتاء كل ذي حق حقه ، ووجب عليه أن يشكر الله الذي وفقه إلى معرفة الواجب
وتأديته".
فالحكمة
بمعنى حسن التقدير والإدارة في تنظيم الأمور كما قال الرسول e :" رجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها " ( رواه
البخاري ) .
وفي
ذلك يقول الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم : {ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (
النحل : 125) .
وانطلاقاً
من هذا الفهم لمعاني الحكمة في ترجمتها القيادية التي تتمثل في محاولة فهم النمط
القيادي للقائد المؤسس المصلح ، نستوضح مما سبق أن نبل مواقفه ، وحنكة سياسته ،
وأدب فكره ، ورجاحة عقله ، وطيب نفسه ، ما زالت تُرى بوضوح في كل نواحي الحياة وفي
أرجاء الأمة السعودية .
وهو
يأمر جميع أمراء الحاضرة والبادية وكل من له معرفة في دين الله ويرجو ثوابه
"أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحض على طاعة الله وطاعة رسوله e ، وأن يقوموا بذلك ظاهراً وباطناً على العسر واليسر وألا يتخذ في
ترك ذلك عذراً عند الله سبحانه وتعالى ، ثم عندي وعند المسلمين ، ومن ترك ذلك
أميراً ومأموراً ومنتسباً فقد عصى الله وتعرض لسخطه ، ثم عصاني وأولي أمره ، وأوجب
علي بغضه والقيام عليه بما تقتضيه الشريعة الغراء " .
هكذا
نرى أن القيادي المؤمن عبدالعزيز بن عبدالرحمن قد أحاط علاقته بالمحكوم والولاة
بالبعد الإسلامي وبضوابط الشريعة الحازمة الصارمة، وتتبلور تلك الصرامة في تقوى
الله والعلم به كوازع داخلي ، وفي مبدأ تعليم الحكمة يخاطب الولاة قائلاً :
"
الجاهل علموه ووضحوه ، والقائم بأمر الله ساعدوه ، والعاصي المخالف لأمر الله
اهجروه وكافحوه وارفعوا لنا أمره، وكل أمير أو مأمور أو منتسب لا يقوم بذلك أو
يرفعه إلينا فقد استحق البعد منا ، وعدم الوثوق به " .
كما
يظهر ذلك في التركيز على مبدأ الشورى ، أسلوباً في تسيير دفة الحكم وإدارة شؤون
المسلمين ، وقد كانت – ولا تزال – خطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن تجلجل في ضمير
الأمة ، تعلق لدينا قمماً شاهقة ، ونماذج رائعة في تربية وعي الأمة وتعميق إحساسها
بكرامتها وعزها وهو يردد: " فخرنا وعزنا الإسلام " ، فالقائد المسلم
العظيم كان يتجه بخطابه في تلك اللحظة إلى مجتمع له منظومة خاصة من القيم ، فولدت
نمطاً مميزاً من الفكر هذه المنظومة القيادية في ظاهرها ، التربوية في باطنها، هي
التي تلقي في روح الإنسان أنه مستخلف من الله تعالى لنشر سلطاته في الأرض وتطبيق
منهجه في أرض الجزيرة الطيب ثراها وأهلها .
الحس القيادي :
كما
يتضح من الجدول السابق أن كثيراً من المبادئ التي يطبقها الملك عبدالعزيز هي نتيجة
لتطور تاريخي؛ فالإدارة في عهد الرسول e مستوحاة من القرآن ، فقسم العمل ونظمه،
فكان له كتاب ينظمون أموال الصدقات والمغانم والمداينات والمعاملات، بل يترجمون
الفارسية والرومية والقبطية والحبشية واليهودية([20]) .
وقد اقتدى الملك عبدالعزيز بالرسول الكريم ، ويؤكد ذلك في قوله :
"
إنني رجل سلفي ، وعقيدتي هي السلفية التي أمشي بمقتضاها على الكتاب والسنة ، أما
قدوتنا –إن شاء الله – فهو عمر بن الخطاب في الخلفاء الراشدين وفي الأمويين عمر بن
عبدالعزيز الذي ضرب بعدله وزهده المثل ، وإنني أود أن نفنى أنا وأولادي في سبيل
الله " .
يتمثل
الملك عبدالعزيز في قيادته سياسة من شهد لهم التاريخ الإسلامي بالعدل والزهد
والتواضع والمهارات التنظيمية والحنكة السياسية والحكم؛ ففي عهد الملك عبدالعزيز
عرفت الإدارة كثيراً من المبادئ القيادية ، تمثلت في الأسلوب الشوري، فيشترك توافر
السمات الإنسانية ، ويحث على السلوك الإداري الحسن ، وإتاحة فرصة التظلم ، وتفويض
السلطة ، وتبسيط الإجراءات ، والبت السريع في الأمور، ويحث عماله على التآلف
والرحمة والتقوى والمساواة والحرية ، فيقول :
"
والكريم عند الله هو التقي الورع{إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } (
الحجرات : آية 13) . إن اجتماعنا للتعارف ، ورابطة الإسلام هي خير واسطة للتآلف
والتعارف ، إن القرآن الكريم قد جاء بالحرية التامة الكاملة لحقوق الناس جميعاً ،
وجاء " بالإخاء " و " المساواة " المطلقة التي لم تحكم بها
أمة من الأمم ، فآخى بين الصغير والكبير ، القوي والضعيف ، الغني والفقير " .
امتلك
عبدالعزيز– رحمه الله – الحس القيادي والصفات التي يتسم بها القائد الإداري في
الفكر والمفهوم الإسلامي ، وهي بالتأكيد صفات يشترك فيها القادة الأكفياء
الناجحون، بل يقوم المفكرون في علم الإدارة والتربية على تكوين نظرياتهم من خلال
دراسة الأنماط القيادية التي تعتمد على ملاحظتهم وتتبع سيرهم والنظر في طرقهم
للتنظيم وتحليلها في إدارة الأمور ، ومن اهتمام القائد بالفرد وإنتاجيته ،
والعلاقات الإنسانية من حوله والصفات الشخصية التي يحثهم عليها ، والفهم لقدرات
الفرد واستعداده وميوله من أجل القيام بمختلف أنواع التوجيه والإرشاد للقائد ، مما
يساعد الفرد على اكتساب المهارات التي تمكنه من أداء دوره في المجتمع بإتقان وحسن
إنجاز ، وذلك بالحكمة المثلى، وهو بذلك يسخر سماته الشخصية وقدراته الفكرية
لتساعده على تشكيل المجتمع المحافظ على مستوى عطائه وإسلام هويته ، فيقول عنه
" أمين الريحاني":
"
يفصح في أول جلسة عن فكره ، ولا يخشى أحداً من الناس، ويثق بعد الله بنفسه، إن
الرجل فيه أكبر من السلطان ، وقد ساد قومه ولا شك بالمكارم لا بالألقاب، غريب عجيب
، تجسمت فيه فضائل العرب إلى حد يندر في غير الملوك الذين زينت آثارهم شعرنا
وتاريخنا "([21]) .
ويقول عنه عباس محمود العقاد :
"
من مميزات هذا الرجل العظيم أنه لا يتكلف التواضع والنبل لأنهما من سجاياه ،
والحلم ، والشهامة ، والمروءة ، والوفاء ، والإباء . وهذه ميزات السياسي الشريف
المؤمن الذي انتصر بنصرته التوحيد وصدق العزم وكرم الخلق " .
هذا
رأي عباس محمود العقاد صاحب العبقرية والميزان العميق للقيادة المثلى والخلافة
الراشدة ، إنه يراه بطل الأمة في القرن العشرين، ويرى أنه مرشح بالفطرة لقيادتها
على طاعة الله ومن خلال القرآن الكريم ومن خلال السنة النبوية الشريفة وسيرة
الرسول وتطبيقات خلفائه الراشدين من بعده، وكل هذه صفات للإسلام فيها السبق
وتحديدها منذ أربعة عشر قرناً ونيف خلت، وهي صفات للقائد الإسلامي لا تحكمها
الوضعية بل ثابتة ثبات الكتاب المطهر، وها نحن نرى مفتاح نجاح قيادة عبدالعزيز بن
عبدالرحمن ، فيمتلك من المرونة ما يساعده على تحديد السلوك المناسب في تنفيذ
المهمة مرتكزاً على إعلاء كلمة التوحيد وطاعة الله فيما يرضيه وينفع الناس فيما
يعملون، فكسب ثقة شعبه بل كسب احترام عدوه أيضاً ، ولا يزال – وسيظل إن شاء الله –
حياً في أذهان الناس بما قدم من خير لبلاده في وضع اللبنات التأسيسية والقواعد
الراسخة لكل عناصر ومقومات قيام الدولة، فشمل حكمه بالمحبة ، والأمن والأمان ،
وكان نبراسه الإسلام ، حمله سراجاً وهاجاً يستضاء به في طريق التفاعل الصادق ،
والبناء الشامخ لحضارة أمةٍ وثقافة شعب وبلد طيبٍ أهله .
نتائج الدراسة :
يمكن
أن ننطلق من هذا الفهم للاتجاهات القيادية لدى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل
سعود لتمثل إطاراً لنظرية في القيادة الإدارية كأحد أهم العناصر الأساسية ، وهذه
المبادئ هي :
1-
مبدأ القيادة
من خلال الفرد الذي يتمتع بصفات إسلامية معينة في التأثير على سلوك أفراد معينين
بأسلوب إسلامي ، من أجل تحقيق أهداف محددة في ظل العقيدة والشريعة الإسلامية ،
ويسهم الأفراد في تحقيقها .
2-
وجود إلزامية
القيادة ما دام يوجد أكثر من اثنين اجتمعوا في سبيل تحقيق هدف يخدم الفرد في طاعة
الله ومحبته، يقول الرسول الكريم : " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم
أحدهم " ( أبو داود ) .
ويرتكز
نجاح أي تنظيم إداري في المجتمع من خلال قيادته الحكيمة لأناس لهم عقيدة .
3-
أهمية التحلي
بأخلاقيات القيادة التي تقوم على الإيمان بالله وتنمية المهارات السلوكية التي
تحددت في كتابه وسنة رسوله، حيث جعل الله حداً لقياس كل فعاليات القيادة مثل
الاعتدال والاستقامة وتكامل الشخصية من حيث التوازن النفسي ومراقبة الذات والأمانة
، والصدق والإخلاص ، والخلق الطيب ، ويمكن أن ينعكس ذلك على القدرة في التعامل مع
الأفراد ، وبناء العلاقات الطيبة مع الآخرين .
4-
القدرة
التنظيمية والرؤية الواضحة للأهداف التي يطمح المجتمع لتحقيقها، وتقسيم العمل على
القائمين عليه كل على حسب قدرته وتخصصه ، وهذا يعني القدرة على التبصر بالنظام
والصالح العام ، مع مراعاة المثل العليا للمجتمع والأهداف التي يطمح الشعب للوصول
إليها سواء أكانت سياسية أم ثقافية أم اجتماعية أم اقتصادية .
والتمييز
القيادي والبطولة المتميزة من سمات الفرد ونفسيته وتنشئته ، ومن ثم ينعكس على
سلوكياته وقراراته ومواقفه ، إنها الحكمة والشجاعة للموقف القيادي رسخها وحقق
آماله بالإيمان والتوحيد الصادق .
5-
توافر سمات
قيادية في القائد تعينه على مواجهة الصعوبات والتحديات الناتجة عن عملية التطور
والتي قد تفرض على القائد تحدياً يتطلب مهارات وقدرات ذات مستوى عال تتصل بالقيم
الاجتماعية والنظم التشريعية .
ومن
خلال الدراسة نستنتج سمات ومزايا تتحلى بها شخصية عبدالعزيز بن عبدالرحمن ،
وتتفاعل مع قيم الإسلام وشريعته السمحة، ثم تنبعث المثل العليا في نفوس الكثيرين
ليس فقط في أبناء شعبه بل في كل أبناء العالم الإسلام ، مع العلم أن السمات
الشخصية في حد ذاتها لا تصنع القائد الفعال إلا أنها هي التي تحدد ما يستطيع أن
يفعله([22]) ،
وهنا يتضح أن الملك عبدالعزيز صهر هذه السمات التي أنعم الله عليه بها في "
موقف " الرجل العصامي امتداد الأسرة الحاكمة ، وهو يقول :
" أنا ترعرعت في البادية ... وأعرف
الحقيقة عارية من كل تزوير ... إن فخرنا وعزنا الإسلام " .
وقولـــــه :
"
أما نحن فتعرفون – يا إخوان – سيرتنا ، وليس لنا من المقاصد والغايات إلا أن تكون
كلمة الله هي العليا ، نحن سرنا في الجادة ولم يكن عندنا مال ولا رجال ، نحن أهل
البادية ، وإن ما ترونه اليوم لم يكن إلا من بركة الله تعالى " .
لقد
امتزج الإيمان والتواضع في نفس الملك عبدالعزيز ؛ فشغف بالأمانة والنزاهة وسمو
الأخلاق في المحبة والتآخي والتواصل والقناعة ، وسخر كل هذه السمات في مواقف تضرب
في التاريخ صوراً من المواقف البطولية في الجود والكرم والحسم والعزم والسخاء يداً
وقلباً ، فيشبع كبرياء شعبه ، ويترفع عن صغائر قومه ، وكان جهاده في سبيل الله
والعقيدة يحارب من حارب الله ويتقرب إلى الناس محبة في الله .
كل
السمات التي اتضحت لنا في تحليل خطاباته أثبتت أنه يمتلك مزايا القائد الناجح الذي
يملك الإرادة كي يتغلب على كل صعب في طريق القيادة الرشيدة ، فالتميز القيادي
والبطولة المتميزة في سمات عبدالعزيز الشخصي القيادي التي انعكست على سلوكياته
وقراراته ومواقفه تكمن في الحكمة والشجاعة في الموقف القيادي ، فأسسها، وحقق
آمالها بالإيمان والتوحيد الصادق . ويمكننا من هذا أن نستخلص أسس التربية
الإسلامية في قيادة الرجل العظيم عبدالعزيز بن عبدالرحمن رحمه الله ؛ حيث عبر عنها
التاريخ ، وعايشها المحيطون به والعاملون معه والمنفذون لتعليماته السياسية
والتربوية ، واليوم يقرؤها بعد مئة عام أبناؤهم امتداد ذلك الجيل الذي عاش صدر
الدولة السعودية الحديثة كانت الخطوات الواسعة في مجال وضع الأسس التربوية
الإسلامية التي هي :
1-
الحرص على
الوصول بالإنسان إلى حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام حتى يصل إلى الإيمان
الصادق، وهو بذلك يؤمن أن الإيمان الحقيقي لا يتحقق حتى يكون الله ورسوله أحب إلى
المؤمن ممن سواهما .
2-
الدعوة إلى
العلم النافع وربطه ربطاً وثيقاً بالعمل الصادق والتقوى التي تقوم على العلم
بالكتاب والسنة ، وعدُّ التربية معياراً حاسماً للتمايز بين البشر .
3-
تعليم الحكمة
من خلال تعليم الناس المهارات الفكرية والعملية؛ ليتمكن الإنسان من أن يعيش بكرامة
وعزة نفس ، فيستطيع أن يميز بين الضار والنافع والتبصر في الأمور .
4-
عَدُّ نواة
المبادئ الإسلامية الأركان الخمسة من شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله
وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت ، وكلها تتطلب ترجمة الإيمان
إلى العمل الصالح،{الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
(الصافات: 2– 3 ) ، ونقيصة في حق المسلم أن يقول ما لا يفعل : { كَبُرَ مَقْتاً
عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (
الصف: 3 ) ومراقبة الله في كل أعمالنا وأقوالنا .
5-
أهمية التنشئة
في تنمية الفضيلة وتحمل المسؤولية ، فكل فرد مسؤول عما كسبت يداه، وكل مسلم راع ،
وكل راع مسؤول عن رعيته ، وكل إنسان مسؤول أمام الله ، وأعطاه نعمة العقل ليختار
بين الخير والشر .
6-
الدعوة إلى
التربية الموجهة إلى الخير وتمثيل العلم التي تكفل للإنسان صلاحاً ونجاحاً وفلاحاً
في الدنيا والآخرة .
يلاحظ
من خطاباته التي ألقيت في مناسبات عدة ، وتظهر واضحة في اتجاهاته ومواقفه، فهي تبدو
للدارس المتفحص للجوانب النفسية للقيادي العظيم في إنجازاته، القوي بإيمانه، فمن
خلال رصد مزايا وصفات القائد يمكن تقييم الأسلوب القيادي، خاصة أن القيادة التي
تقوم في جوهرها على التأثير الذي يمارسه القائد لتوجيه مرؤوسيه تعكس تبياناً في
أساليب القيادة وأنماطها([23]) .
وقد
أوضحت نتائج الدراسة أن الأسلوب القيادي للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – رحمه الله
– قد حقق الأهداف الخاصة بتشييد مملكة شاسعة الأطراف ، فأقام كياناً شامخاً
متميزاً ، المتمثل بالنموذج الفاضل المحافظ على هوية دينه الإسلامي وتعاليمه،
والمتفتح على متطلبات العصر واحتياجاته في ضوء التغيرات بكفاءة وفاعلية عالية .
ولقد
قدم نموذجاً متميزاً في تطبيق الشريعة المرتبطة بالعقيدة الصحيحة القائمة على
الشورى وعمود نظامها السياسي والتربوي والأسس التي يحددها الإسلام وتشريعاته
السمحة .
7-
ومن نتائج هذه
الدراسة لشخصية الملك عبدالعزيز القيادية من خلال خطبه تبين أنها اعتمدت في
أسلوبها على مجموعة من الأساليب التربوية لتنمية الفرد تنمية صالحة متطورة في
مختلف المجالات وبمختلف الأساليب ، وذلك على النحو الآتي:
(1) أسلوب التوجيه والنصح :
انطلق
الملك عبدالعزيز في أسلوبه التوجيهي والذي يستلزم تكرار التوجيهات والموعظة في كل
مناسبة حتى تثبت في نفس النشء ؛ إذ إن الذكرى تنفع المؤمنين ، وهذا التوجيه يتميز
بالأسلوب المقنع الحسن ، ويحمل بين كلماته الشفقة والحرص على صالح الأمة، وهو
يقتدي بذلك بقوله تعالى: {ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } ( النحل : 125) .
(2) أسلوب المشاركة
" الشورى " :
توصلت
الدراسة من خلال تحليل المضمون لخطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه
الله – أن النمط القيادي الذي انتهجه يكمن في أنه يتعامل مع مرؤوسيه ، بل يؤسس
نظام الشورى الذي يُعَدُّ أحد أصول الحكم الإسلامي ، فيثري الحاكم قراراته بآراء
الصفوة ذوي الرأي السديد والعلم الرشيد والعقل الراجح ، فهي دعوة الحاكم ذي الرأي
الثاقب لمن يعمل معه وفي مصالح أمته لطرح قضاياهم ومشكلاتهم بعيداً عن تعقيدات
المدنية في سبيل الوصول إلى أفضل الحلول عن طريق المشاركة في الطرح ، ووضع الحلول
الأكثر ملاءمة ، فهو بذلك يُعدُّ الجو النفسي للمشاركة في المسؤولية مما يؤثر
إيجابياً في قيمة الولاء والانتماء وبذل قصارى الجهد لتحقيق الهدف على أعلى مستوى
من الأداء ، وهو بذلك يساهم في التوفيق بين مصالح الدولة ومصلحة الفرد في سبيل
التكامل في البنية النظامية والتنظيمية في المجتمع ، ويعطي الحرية حقها في التفاعل
بين أفراد المجتمع في معالجة همومهم وقضاياهم ، ومن ثم يتيح الفرصة للمشاركة في
صنع القرارات التي تعينهم ، وتؤكد للقائد قبول الرأي واستمرار الاتفاق والتضامن في
تدبير شؤون الدولة ، وجعل له مجلساً مفتوحاً في كل يوم يستقبل جميع أبناء الرعية
وكل من له حاجة عنده ، فيسمع لهم ومنهم ، كما أنه يستخدم أسلوب الحوار الذي جاء به
القرآن الكريم ، ويبرع فيه ، والغاية الأولى من ذلك التوجيه والتعليم لحقيقة ديننا
، والغاية الثانية الوصول إلى الرأي الصواب والحجة الصادقة ، كما حدث في كثير من
مواقف الرسول e الذي استشار فيها أصحابه وأصاب كما حدث
في الاستشارة لاختيار المكان في موقعة بدر ، وحفر الخندق في غزوة الخندق على سبيل
المثال .
ولذلك
نجد أن القيادة لدى عبدالعزيز بن عبدالرحمن تؤكد على المشاورة وتفويض الصلاحيات ،
إلا أنها تبقي للقائد في النهاية مسؤولية أداء الأمانة كاملة ، والشورى التي
مارسها عبدالعزيز ارتكزت على مبادئ تقوم عليها القيادة في الإسلام ، كالشورى
والتآخي والشفقة والتضامن والصبر وطاعة الله فيما يجب والتعامل بمودة مع من يحب
بالعدل والسماحة .
(3) أسلوب توجيه
السلوك :
يتضح
لنا من أحد أساليب القيادة الحكيمة لمؤسس الدولة السعودية التي اعتمد فيها على
مدرسة أصلها الدين الإسلامي ، وهي تعزيز السلوك الصالح واقتلاع السلوك السيئ، وهذا
الأسلوب القيادي النفسي الإسلامي يتضح لنا في موقف الإسلام تجاه العادات السلوكية
التي تتصل بالعقيدة مثل عبادة الأصنام ، حيث أمر بقطع دابرها ووضع الحدود الحاسمة
لمن يمارسها ودعا إلى استئصالها من جذورها، على حين عالج الإسلام بعض السلوكيات
التي لا تمس الإيمان بسياسة المراحل ، مثل الخمر والميسر .
وقد
اتبع الملك عبدالعزيز هذا الأسلوب ، فخطب بالمسلمين مؤكداً أنه لم يأت بمذهب أو
عقيدة جديدة ، إنما عقيدته توحيد الله عز وجل من كل شائبة ، وهي عقيدة السلف
الصالح ؛ فبدأ بالدعوة لإعلاء كلمة الله وأداء الأركان الخمسة، ثم بدأ يدعو للأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ،ثم يوضح نتائج عمل من امتنع أو خالف طاعة الله وما جاء
به الإسلام من تعاليم ،وبين أنه سوف يعرض نفسه للعقاب وإقامة الحدود ، بقوله:
" فمن امتثل وقام بالواجب فالله يجزيه خيراً وهو أخونا ونحن أخوانه، ومن
امتنع وخالف أو كتم واطلع عليه المسلمون فالحكومة تعاقبه معاقبة يتأدب بها غيره
" .
وهو
أيضاً يتبع أسلوباً إسلامياً من العقاب حيث يبدأ بالتوجيه اللفظي ، وتوضيح الحدود
، وأسلوب الموعظة ، فإن أجدى كان به ، وإلا فيراعي التدرج في العقاب بما يتناسب مع
درجة الموقف ،فهو يجمع اللين والحزم ، وهذه هي التربية الحقة .
(4) أسلوب القدوة
الحسنة :
ويتمثل
ذلك في أسلوب الرسول الكريم القدوة الصالحة لكل من اتبعه من قتل القاتل وقطع يد
السارق ، ومعاقبة الظالم وأخذ الحق للمظلوم ودفع الأذى ورد الاعتداء وغير ذلك مما
هو حق وواجب في الإسلام ، ومما يُعَدُّ المثل الأعلى لكل المسلمين ، ولقد ضرب
الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بنفسه المثل لكل ما يدعو إليه حتى يكون له الأثر
الحسن في قلوب رعيته ، فهو قلب أمته ونواة حضارتها في قوله :
"
إنما ما أرجوه أن أكون صادقاً في القول والعمل ، وفي الباطن والظاهر ، وأنا إن كنت
ملكاً ولكنني أوقفت نفسي وعملي على مسائل ، هي :
1-
العمل لما فيه
خير ديني .
2-
عدم الرغبة في
معاداة المسلمين .
3-
عدم الاعتداء
على أي كان .
4-
غايتي الدفاع
عن ديني وشرف بلادي .
5-
أنني أسعى
للائتلاف والتضامن " .
إنه
منهج يستحق أن يكون قدوة حية أمام العالم بأكمله ، اقتدى بالرسول الكريم والسلف
الصالح فاقتدي به ، وبقي قيادة عطرة تتزين بها كل نفس رطبة ، محبة للسلام، داعية
له ، نابذة للعنف والاعتداء ، مدافعة عن العقيدة والقيم ، ساعية للألفة والائتلاف
.
وبهذا
يتضح أن النمط القيادي للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود نمط إسلامي إنساني
اعتمد قائده في تسييره على منظومة القيم التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها ،
وبقيت في نفوسنا العماد الذي على أساسه نتعامل مع الناس ومع العالم الإنساني،
فجعلها بين الحق والباطل في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية للمجتمع السعودي على
أساس إسلامي راسخ العقيدة يخطو بين الأمم ملكاً واثقاً من قيادته ومبادئه .
لقد
عمل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود من أجل التوازن بين الإيمان والعلم
والعمل ، فجعلها من أهم عناصر التربية الإسلامية ، وطالب أن يقترن القول بالعمل ،
وسعى لخدمة الإنسان ، ودعا لوحدة الإنسانية في ظل الخالق الواحد من أجل تعميق
مفهوم الأخوة البشرية .
لقد
كان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود من رجال القيادة الحقة في المنظومة
القيادية الإسلامية التي تقوم على عقيدة صالحة ، وفكر نير ، وتوجه نحو الشورى،
وشخصية فذة ، تصنع المواقف أو تحسمها ، وفي كل الأحوال تتسلح بالعزيمة والصدق وسمو
الهدف .
وبهذا
نستنتج أن المنهج القيادي الذي اتبعه الملك عبدالعزيز منهج استمد من الكتاب والسنة
في جميع أنظمته وشرائعه ، فحكم بما أنزل الله من خلال قيادة مؤمنة تحمل عقيدة
راسخة .
ومن
ملاحظة الباحثة لبعض تطبيقات القيادة الإدارية اتضح أن المنهج القيادي لدى الملك
عبدالعزيز يدرس فيه الموقف ، ويتخذ السلوك المناسب للنجاح في هذا الموقف ، فجاءت
مفاهيمه القيادية منسابة بانتظام وتكامل وتناسق ، تبرز فيه مقدرة الفرد الذي يتسم
بصفات القيادة الإسلامية الصحيحة على التأثير على سلوك الجماعة بأسلوب إسلامي في
ظل العقيدة والشريعة الإسلامية .
فقيادة
المنهج في الإسلام يحددها مدى تحقق الأهداف ضمن حدود النظام القيمي المرتكز على
الحق والباطل ، في إطار الغاية الأساسية للإنسان في أعمار الأرض ، وإذا كان ولابد
من إطلاق مسمى لمنهج القيادة لدى عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود فهي: منهجية قيادة وقيادة منهج حقة .
الخاتمـــة:
لم
يكن الملك عبدالعزيز قائداً ومربياً وموجهاً ومؤسساً للدولة فحسب ، لكنه كان رجلاً
فتح له التاريخ الباب على مصراعيه ليدخل منه في ثقة متفردة إلى كل صفحاته ، بل إلى
كل سطوره وكلماته .
إن
كل ذرة رمل من رمال الجزيرة تلهج بمجده فخراً واعتزازاً ، وإن كل قطرة ماء من حول
الجزيرة لتغبط أهلها على هذه الهبة الإلهية الكريمة التي أسست للدين قبل الدنيا ،
وللآخرة قبل الأولى ، وجمعت بين هذه وتلك بالعمل الموجه الواثق القائم على الصدق
والخلق ، صدق الرجال ، وخلق الملوك .
ولا
يزال الملك عبدالعزيز يخطر بيننا هنا وهناك ، نراه في كل لحظة أمن وأمان ، ونلحظه
في كل حالة طمأنينة واستقرار ، ونلمحه في كل جانب حضاري وعمراني ، وقبل ذلك كله
نجده شامخاً في كل صوت مئذنة ، وفي لافتات كل مدرسة .
لا
يزال وسيبقى بيننا ، أباً وقائداً ومعلماً ، ملكاً حاكماً ، وأخاً متواضعاً ،
وستبقى قلوب الأمة تنبض بذكراه ، وستظل ألسنتها تلهج بذكره شاكرة ومقدرة ، معتزة
ومفتخرة ، كيف لا ، وهو باني الأمة ، ومورث المجد ؟ كيف لا وهو الذي حفظت النجوم
لمعان سنابك خيله عن ظهر قلب ، ودونت الشمس في صدر رمال الجزيرة كل حبة عرق نزفتها
تلك الجبهة السمراء الشامخة ؟
فهل
يكفي القول في عبدالعزيز : إنه قائد ، أو ملك؟ وهل يسبر الغور القول : إنه القدوة
؟ وهل يفيه حقه أن نقول : إنه الباني والمؤسس ؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير لا
يُجاب عنها بنعم فقط ؛ لكن الإجابة تأتي كل لحظة في كل زوايا هذا الوطن وعناوينه ،
حيث نرى الملك المؤسس قائماً ، ونستشعر أثره بفخر وكبرياء لنقف في النهاية عند
السؤال الذي يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا !.
هل
أعطي الرجل حقه في الدراسة والتحليل ، أم أن كل ما قيل عن الملك عبدالعزيز لا يزال
يدور في حمى شخصيته الفذة ، وحول قيادته المتفردة لا في كنهها ؟
لقد
جاءت هذه الدارسة محاولة متواضعة لطرق جوهر شخصية الملك عبدالعزيز القيادية من
خلال منظور تحليلي ، ولكي تجيب عن أسئلة بحاجة إلى إجابات تنير جوانب إضافية من
شخصية هذا الرجل القائد .
رحم
الله عبدالعزيز وطيب ثراه وأسكنه فسيح جناته ، فلقد حكم فأحسن ، وقاد فأتقن ، وأسس
وورث من هم جديرون بحمل الأمانة ، وقادرون بعون الله على تخليد ذكرى الخالد في التاريخ
، الذي نستذكر دروسه هذه الأيام لمناسبة مرور مائة عام على تأسيس الدولة السعودية
الحديثة .
المراجــــع
السنة النبوية الشريفة .
خطب الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن (37) خطبة .
([1]) Graff Street Kimblingh, And
Dykes 1966, Philosophic Theory And Parctice In Educational Administrstion. New
York : Mcgraw Hell Book Com .P.11.
([2]) Baily
Kennth D. (1978) : Mehtod Of Social Research, The Free Press Adirision Of
Macmillan Co., Inc Colier Macmillan Publisher, London .
([4]) Holsti,
O. R., : Content Analysis For The Social Sciences And Humantotes, Addison,
Wesley Publishing Company Satter. 1964 . (1969)
([6]) ابن الجوزي ، أبو الفرج بن الجوزي ، كتاب القصاص
والمذكرون ، تحقيق د. مارتن سوارتز، بيروت ، دار الشرق ، ص 13 – 14 .
([12]) Shaikh M. Iqubal, Saudi
Arabia : Its Founding And Development (Kashmirs Saudiyadh), Srings, 1986 .
([14]) عبدالكريم زيدان ، الفرد والدولة في الشريعة
الإسلامية ، بغداد ، سلمان الأعظمي ، 1965م ، ص 43 ، عن قصيدة محمد إبراهيم ، ص
295 .