1– مقدمة وتمهيد :

ترجع أهمية الملك عبدالعزيز في التاريخ المعاصر إلى أنه استطاع أن ينشئ دولة ضمت بعد ثلاثة عقود معظم شبه الجزيرة العربية ، وأن يوحد أقاليمها الواسعة وبيئاتها المتباينة؛ ليرتفع علم التوحيد بين أجزائها ويسودها الأمن والنظام والعدل . أقام الملك عبدالعزيز هذه الدولة الكبرى ما بين البحر الأحمر غرباً والخليج العربي شرقاً ، الأمر الذي لم تشهده الجزيرة العربية منذ اثني عشر قرناً ، سهر على بنائها، وأوجد نظامها، وأشرف على شؤونها الصغيرة والكبيرة ، وكل خطوة تقدمت بها في مضمار التنمية والحضارة والاستقرار هي من نتاج عقله وثمار تجاربه . لقد حفظ للعرب والمسلمين تراثاً مجيداً في الديار المقدسة ، وأرسى قواعد الأمن والنظام في بقاع كانت تسودها الفوضى، ويتهددها الخوف في طرقها وأرجائها ، وذلك حين اتخذ مؤسسها الملك عبدالعزيز من كتاب الله دستوراً للحكم والحياة ، ولاءمها مع مستجدات الحضارة في القرن العشرين مع احتفاظها بتراثها الأصيل وهويتها العربية الإسلامية المميزة .

هذا إلى أن أهمية الملك عبدالعزيز تبرز من حقيقة أن الدولة التي أنشأها تمثل نوعاً من الدول فريداً في بابه ؛ إذ نقل إلى القرن العشرين قواعد أساسية في الحكم والإدارة كان ينتهجها حكام الأمة في الدول الإسلامية ، عبر عصورها المختلفة قبل ما يقرب من أربعة عشر قرناً ، واستطاع أن يحول المجتمع الذي تسود معظمه البداوة إلى القرن العشرين ، دون أن يعرضه لفقدان الهوية الثقافية أثناء عملية التحول العصري ، كما حدث في مناطق أخرى من العالم ، مدفوعاً بشعوره العميق بمسؤولياته الجسام، ومستعيناً بعد الله بأهل الرأي والخبرة والتجربة . وقد أدرك أن أوضاع البلاد المتنوعة بين حاضرة وبادية لا تساعد تواً على إنشاء نظام حكم موحد، ينتظم أجزاءها جميعاً، ويراعى الفوارق فيما بينها . ومع أنه ركز السلطة كلها بين يديه، لكنه راعى في أسلوب استعمالها الظروف المكانية والزمانية ودرجة التحضر والتطور في أجزاء البلاد . وقبل ذلك كله تمسك بتطبيق أسس الحكم والإدارة المستمدة من الشريعة الإسلامية التي قام عليها ملكه وملك آبائه في الدولة السعودية الأولي والثانية ، فكان منهجه في الحكم يقوم على مبادىء إسلامية ، هي الحرية والعدالة والمساواة والشورى ، فالتزم بها ، ونأى بنفسه وإدارته عن الاستبداد والتفرد بالرأي .

ولد عبدالعزيز عام 1293هـ/ 1877م في قصر الإمارة بالرياض، ونشأ طويل القامة عريض المنكبين، حاد العينين ، مفتول الساعدين . وتعلم مبادىء القراءة والكتابة وحفظ سوراً من القرآن الكريم ، وتلقى بعض أصول الفقه والتوحيد ، إلا أنه " لم يكن في طبعه الصبر على الدرس ، فلم يلبث أن انصرف عن مقاعد الأطفال إلى محاكاة الرجال "([1])، ويُنقل عن لسانه " أنه أحسن استعمال البندقية وركوب الخيل كأحد الفرسان وهو في سن الصبا ، وأنه كان في السابعة حاد الطبع دائم الحركة ، لا يستطيع الاستقرار في مكان واحد فترة طويلة "([2]) .

لقد رعى الملك عبدالعزيز منذ أيام حكمه الأولى حقيقة جوهرية هي أن سبل إصلاح أحوال البلاد وأهلها تتركز في الدعوة إلى الالتزام بمبادئ الإسلام الذي أخرج العرب من وضعهم القبلي الذي كان أقرب إلى الفوضى وقيدهم بحدود أحكام الشريعة، ولذا اجتهد في بعث أحكام الشرع الإسلامي وإحياء مؤسساته وتطبيق حدوده، على نحو تتضح فيه الحقوق والواجبات ، وتوزع فيه المهمات والمسؤوليات ، ويستتب العدل، وتعم المساواة ، وينتفي الفقر بجباية الزكاة .

لقد أعاد المغفور له الملك عبدالعزيز بناء الدولة السعودية الثالثة في العام 1319هـ/1902م منطلقاً من الرصيد التاريخي للأسرة السعودية في اقتران حكمها بالدعوة السلفية، ومستفيداً من نجاح هذه الدعوة في توحيد البلاد المترامية الأطراف ، واتخذ من التشريع الإسلامي نظاماً أساسياً لحكمه ، منتفعاً من تجارب أسلافه الإدارية والسياسية في تعاملهم مع القوى المؤثرة في منطقة الجزيرة والخليج ، ومتفادياً أخطاءهم ، الأمر الذي مكنه من التغلب على الخصوم المحليين ، فاستتب له الأمر، وارتفع علم التوحيد ليظلل دولة عربية إسلامية كبرى، حتى إذا توفاه الله في العام 1373هـ/ 1953م، أورث خلفاءه ملكاً عريضاً في ديار الإسلام المقدسة التي لم تشهد منذ عصور طويلة ما شهدته في عهده من توطيد دعائم الأمن والاستقرار الذي تفتقر إليه أرقى دول العالم في العصر الحاضر .

لقد أدرك الملك عبدالعزيز أن النصوص الدستورية والمواثيق الدولية والمؤسسات التشريعية لا يمكن أن يكون لها أثر في تقويم الانحراف وتفادي ازدواج المعايير في التعامل مع الدول والأفراد إذا لم تصحبها أخلاق سياسية محوطة بتشريع رباني تدرك معنى الحق والواجب. فالنظام الدستوري ليس وحده قوام الحياة الدستورية عند الأمم المتقدمة ، وإن آخر ما انتهت إليه آراء علماء الحقوق الدستورية في الغرب هو أنه نظام يقوم على الأخلاق ، أخلاق الحاكمين والمحكومين على السواء ، وأن هذه الأخلاق السياسية هي وحدها التي تجعل من النظام ناجحاً أو مخفقاً . وعليه فقد رأى عبدالعزيز أن ثمة علاقة تبادلية وثيقة بين الأخلاق السياسية لشخص الحاكم وبين منهجه في الحكم والإدارة ، ولابد أن تنعكس أخلاقه على مسلكه الإداري ، ولذا فقد التزم بتطبيق هذه القاعدة على نفسه حاكماً وعلى الأهالي محكومين ، وكان على يقين أن خصاله الشخصية وسجاياه الخلقية التي نشأ عليها تساعده على أن يكون ذلك الحاكم والقدوة . أما أهالي البلاد قبل عهده الذين غلبت على معظمهم البداوة، فكان أقوياؤهم يعسفون بضعفائهم، لا أمن بينهم لضعيف، ولا سلامة لأعزل، ولذا سعى عبدالعزيز لمعالجة هذا المجتمع الصحراوي ليحوله من مجتمع الغزو والنهب إلى مجتمع الطمأنينة والاستقرار وينقلب أهل المضارب والخيام إلى سكان قرى ومدن، فيعودون إلى الطمأنينة التي لم تعرفها الجزيرة العربية إلا في عهد ظهور الإسلام، ويأخذ عبدالعزيز بتجديدها عن طريق التأكيد على وجوب العودة إلى عقيدة التوحيد ، والهجرة مجدداً إلى الله والالتزام بأوامره ونبذ نواهيه .

فلنعرض أولاً للملامح الأساسية التي برزت في شخصية الملك عبدالعزيز ، ونعتمد في توثيقها على ما ذكره شهود عيان عاصروه وصحبوه عن قرب ، وشغلوا مناصب مهمة في حكومته .

 

 

2– شخصية الملك عبدالعزيز :

أ – تديّنه وقوة إيمانه بالله :

عاش عبدالعزيز ومات مسلماً تقياً ورعاً متبعاً تعاليم الشرع بكل تفاصيله . وقد تحدث المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز عن المزايا التي يتصف بها والده ، فجعل أولها قوة الإيمان: " فما رأيته منذ نشأت قد ضعف إيمانه بالله أو تخلى عن ثقته بنصر الله"([3]). ووصف أحد مستشاريه تدينه العميق بقوله: " عبدالعزيز يعيش لطاعة ربه، ولرعيته ولأبنائه ولنفسه . لقد عمر ما بينه وبين الله ، فلم يعرف الشيطان إلى قلبه سبيلاً"([4]). وقال أيضاً : " خمسة وأربعون عاماً من حياته لم يختلف في يوم منها برنامجه ونظامه إلا لطارئ ، خمسة وأربعون عاماً يُتلى بين يديه في ساعة معينة كل يوم منها ، فصل من التفسير ، وفصل من التاريخ ، يختم على الأكثر بمناقشة في أهم ما اشتمل عليه "([5]) . وأكد مستشار آخر هذا المعنى ذاكراً أن عبدالعزيز برغم أن " تعليمه خلال منفاه بالكويت كان محدوداً ، ولكن ذلك لم يمنعه من معرفة القرآن وغيره من الكتب الدينية معرفة جيدة " ، وأنه " كان يخصص نصف ساعة يومياً لقراءة القرآن وغيره من كتب الدين ، وكان يستشهد بآيات القرآن حين يتحدث مع الآخرين ، ويستقي من القرآن فيضاً من الحكمة والإلهام " ، وأنه " كان ماهراً في تفسير الآيات وشرحها بطريقة تخلب أفئدة جلسائه "([6]) . ثم ينتقل إلى ما كان من التزامه بتعاليم دينه الحنيف من أثر بالغ على تصرفاته ، وكيف أنه كان يستمد من عقيدته قوة خارقة ويقيناً راسخاً بأن الله يؤيده في كل أعماله ، وفي مواجهة الظروف الصعبة التي لقيها : " لقد منحته معتقداته الدينية قوة في مختلف الأحوال ، وعُرف عنه أنه بصفته إنساناً كان يقوم بأفضل ما يستطيع ، وأن كل ما أنجزه كان بإرادة الله وحده "([7]) .

لقد أخذ عبدالعزيز نفسه بنظام دقيق استمده من تعاليم الإسلام ، قيامه بأداء الصلوات الخمس في أوقاتها أينما كان فرض عليه نظاماً جعل قيامه بواجباته اليومية الأخرى أكثر يسراً وسهولة في بلاده الصحراوية القاسية([8]) . وقد انعكس إخلاص الملك الواضح للإسلام على سلوك مستشاريه ورجاله ، فبث فيهم النشاط، واقتدوا به، واندفعوا في سبيله . ولئن لم يحظ عبدالعزيز بفرص التعليم بالمدارس في صغره ، " فقد آتاه الله عقلاً واسعاً وعلماً بأصول الدين وفهمه ، اكتسبه من اختلاطه بالمرحوم الشيخ عبدالله بن عبداللطيف شيخ علماء نجد ، وبسواه من العلماء ، ومن سماعه المتكرر لما يتلى عليه من كتب الحديث والتفسير والآداب الدينية "([9]) . وبلغ من اهتمامه بإشاعة المعارف التي تتضمنها كتب السنة والفقه والتاريخ أنه أمر بنشر الكثير منها ، وشملها برعايته وعنايته ، وكان يتمثل دائماً بقول مالك بن أنس t : ( لا يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ) ([10]) .

وكان عبدالعزيز يحث كبار موظفي الدولة ورجال الحل والعقد الذين يحيطون به على التمسك بحبل الدين المتين ، وينذر كل من يشذ عن ذلك ؛ من ذلك أن الشريف خالد بن لؤي دخل مجلس الملك عقب إخماد فتنة فيصل الدويش ، فتوجه عبدالعزيز إليه وإلى من في المجلس بقوله : " اسمع يا خالد ، اسمعوا يا إخوان : أنا عندي أمران لا أتهاون في شيء منهما ولا أتوانى في القضاء على كل من يحاول النيل منهما ولو بشعرة، الأول : كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله اللهم صل وسلم وبارك عليه ، إني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة لا أضن به.  والثاني : هذا الملك الذي جمع به شمل العرب بعد التفرقة..."([11]) .

وفي العام 1346هـ / 1927م جمع كبار موظفي الدولة وخطب فيهم مشدداً على قول كلمة الحق تأسياً بالنبي e وبالسلف الصالح : " إن رأينا واعتقادنا وآمالنا في السير إلى الأمام يجب أن يكون وفق ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام ، وما كان عليه السلف الصالح ، فما كان موافقاً للدين في أمور الدنيا سرنا عليه ، وما كان مخالفاً للدين نبذناه ، والموظفون هم المكلفون بتبيان هذه الحقائق بيد أن ذلك لا يكفي ، وإنما يجب أن يقرن بالعمل ، يجب أن يعمل الموظفون بما أمر الله ورسوله دون أن يخشوا في الحق لومة لائم ولا ارتياب مريب"([12]).

ومضى الملك يشدد على وجوب إقامة الصلاة في أوقاتها واجتناب المحرمات وعدم تقليد الآخرين فيما يخالف آداب الشريعة السمحة ، ومؤكداً على أن المدنية الصحيحة والحياة الحقيقية تقوم في البلاد المتمسكة بدينها، وكان رحمه الله يرى أن كل الفضائل الإنسانية تنبع من الدين الحنيف، فهو مصدر الحرية والعدالة والشجاع،. "وشتان ما بين الحرية التي جاء بها الإسلام والحرية المهيضة الجناح التي يدعيها الآخرون، والمدنية الإسلامية التي سطع نورها في العالم وكانت أساساً لنهضات الأمم والشعوب لم تكن مدنية مزيفة تقتصر على الماديات فحسب ، وإنما كانت مدنية علم وعمل "([13]) .

ولقد انعكس التزام الملك الواضح بالإسلام على سلوك رجاله ومستشاريه ، وبث فيهم الحمية والنشاط فاقتدوا به واندفعوا في سبيله . وبعد الاستحواذ على الحجاز شعر عبدالعزيز بالارتياح العميق ؛ لأن مناسك الحج أصبحت متاحة له ولجميع أهالي البلاد كل عام . وقد حرص على أن يقيم احتفالاً لزعماء العالم الإسلامي في موسم الحج ، ويلقي خطاباً في هذا الاحتفال الذي كان بمثابة مؤتمر إسلامي عام ، يضمنه نصائحه وتوجيهاته الدينية . وحين ظهرت علامات التوهن في مبنى المسجد الحرام أمر عبدالعزيز بإصلاحه، وبأن تتولى الحكومة رعاية الأماكن المقدسة.

كما حرص على تبديد الشبهات والشكوك التي حامت حول دعوة ( التوحيد ) التي دعا إليها المصلح الديني الشيخ محمد بن عبدالوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي ، ولاسيما ما رافقها في الديار المقدسة من تهديم الأضرحة ، تمشياً مع قاعدة (خير القبور الدوارس ) ؛ لئلا يتوسل العامة بها إلى الله تعالى لقضاء حاجياتهم فيقعوا في الشرك . ونفى عبدالعزيز بشدة أن يكون ( الموحدون ) أو الذين يطلق عليهم معارضوهم تسمية ( الوهابيين ) أصحاب مذهب خاص ، مؤكداً أن عقيدة الموحدين هي نفسها عقيدة السلف الصالح التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ، وما كانوا عليه. وهي عقيدة مبنية على توحيد الله عز وجل خالصة من كل شائبة منزهة من كل بدعة ؛ " فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها ، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن" ، معبراً في الوقت نفسه عن احترامه لأئمة المذاهب الأربعة ، ومشدداً على أنه : "لا فرق بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ، كلهم محترمون في نظرنا "([14]) .

ولا عجب إذا تمسك عبدالعزيز بالعروة الوثقى سبيلاً لتوجيه دفة الحكم وفرض النظام في بلاده ، وأن يتخذ من كتاب الله دستوراً للحكم والحياة كما ذكرنا ؛ فبلاده هي القبلة الدينية لما يزيد على ألف مليون مسلم في مشارق الأرض ومغاربها ، والإسلام متغلغل في عمق نسيج الحياة اليومية للمسلمين ، فالدين في حياة المسلم منهاج للدنيا والآخرة ، وأهميته عظيمة في تصرفات المسلم وسلوكه ، في حين تتراجع أهمية الدين لدى أتباع الديانتين المسيحية واليهودية .

لقد أدرك عبدالعزيز منذ مطالع حكمه في نجد التي استعاد عاصمتها الرياض من خصومه آل رشيد عام 1319هـ / 1902م ما كان للدين من أثر بالغ في حياة الناس , فسعى سعياً حثيثاً لنشر تعاليمه بينهم ، وخاصة في البادية . واتضحت سياسته الحكيمة ونظرته البعيدة في معالجة أخطار البداوة في هذا المجتمع الصحراوي الذي كان قادراً على عمل عظيم لو وجد على رأسه شخصية قوية تحفزه بدافع عظيم . وفي نظر عبدالعزيز لا تستطيع رابطة ما أن تؤدي إلى تماسك العناصر المختلفة المشغولة بالولاء الضيق المحدود، دون الوطنية الواسعة والروح العامة ، إلا أن تكون رابطة الدين والدعوة السلفية. ولذا عمل عبدالعزيز على بعث آخر لدعوة التوحيد ، وصرف كل عنايته لإيجاد وحدة متينة ورابطة قوية بين القبائل المختلفة التي ساد فيها الجهل وعمت الفوضى.

وقد كان ولعه الشديد بالاستماع يومياً إلى أخبار التاريخ الماضي ووقائعه ، وإفادته من حوادث أسلافه الأقربين مع مقابلتهما على نظائرها من وقائع التاريخ الماضي، واستخراج العبرة منها ، كل ذلك كان يدعوه إلى الاهتمام بما كانت عليه أحوال البادية في شبه الجزيرة العربية في عهد تفككها واضطرابها في مدد زمنية تطول أو تقصر تبعاً النظام أيام اختلاله في عصور الدول المتعاقبة منذ العصر العباسي الثاني وما تلاه . وأدرك بعمق ما كان يرمي إليه المصلح الديني الشيخ محمد بن عبدالوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، الذي عاين أحوال الخصومة والغزو المتبادل بين القبائل ، وطرح حلاً إسلامياً لخصه بقوله : " إن لم يكن الوازع لهم من سلطانهم، فليكن الوازع من إيمانهم . إنهم في خصام فليؤمنوا بدعوة السلام: كلٌ أخٌ لكلّ "([15]). وانتشرت الدعوة الدينية تؤيدها القوة السياسية للبيت السعودي ، وتكاثر المتدينة من (الإخوان ) ، وتعاظم سلطان الدولة السعودية وقتئذ على ما نعرف .

إن عبدالعزيز كما ذكرنا رأى أن لا سبيل للجامعة القوية غير التمسك بالشرع الحنيف وإقامة حدود الله ، وعزم أن يقوم ببعث ( توحيدي ) آخر لمعالجة أخطار البداوة التي ساد فيها الجهل والفوضى ، ولكنه قرر أن يخطو خطوة حاسمة أخرى نحو توطين البدو ، فيسود بينهم السلام ، وتنمو فيهم روابط الألفة والتعايش المشترك والاستقرار، ذلك أن معظم اعتماده في القتال كان على العنصر البدوي ، والبدو بحكم عاداتهم يهبون خفافاً ويتحمسون ، غير أنهم سرعان ما يسأمون ويتشتتون ، وخاصة حين يصيبون بعض المغانم ، والحرب ما زالت دائرة ؛ ولذلك سعى عبدالعزيز إلى نشر العلم الديني على أساس المذهب الحنبلي بأسلوب يقبله عقل البدوي ، كما فعل الشيخ محمد بن عبدالوهاب قبله بقرن ونصف القرن . ووزع الكتب التي كلف بتأليفها علامة نجد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ على القبائل ، وشرع يعلم أبناءها أصول الشرع الإسلامي بواسطة خطباء ووعاظ ومرشدين من تلاميذ الشيخ ، فنمت عندهم العاطفة الدينية ، وتألفت منهم كتلة واحدة هي فرقة ( الإخوان )([16]) ، دلالة على انتفاء الفروق من بينهم ، فقد صاروا إخواناً في الله بعد أن كانوا بالأمس أعداء ألداء .

وحققت الدعوة أغراضها في مدة قصيرة ؛ لأن القبائل شعرت بالفارق بين ما كانت عليه من الجهل والفوضى ، وما صارت إليه من العلم بالدين والنظام الذي سلك عبدالعزيز لترسيخه سبل الوعد والوعيد ، وأحياناً الحملات التأديبية لإعادة العصاة إلى جادة الحق ، ولم تقتصر نتائج الدعوة على التأثيرات المعنوية التي تركتها في نفوس البدو، بل تجاوزتها إلى تأثيرات مادية جمة، فأصبح البدوي شديد الحرص على النظافة والطهارة، وكف عن السلب والنهب، وتمسك بفضيلة الأمانة ، فإذا وجد قطعة من النقود في القفر حملها تواً إلى الحاكم ، وإذا ارتكب مخالفة أو جرماً ندم واستغفر وقدم نفسه للحاكم معترفاً بما فعل([17]) . وهكذا تبدلت أخلاق المتدينة من البدو بتأثير الدين ، وحلت محلها العادات والأخلاق الإسلامية ، فكانوا يعبدون الله خوفاً من غضبه وطمعاً في رحمته وجنته . " وإن الإنسان ليشعر بحبه لهم ، حين يسمع التهليل والتكبير وتلاوة القرآن في جميع أنحاء القرية ( الهجرة ) ، ويراهم يبكون وينتحبون عند سماع الوعظ في الجوامع بعد صلاة الصبح أو صلاة العشاء "([18]) .

لقد أصبح الولاء للدعوة فوق الولاء للقبيلة ، وانتظم ( الإخوان ) في مواقع لهم أو ( هجر )، تقوم كل هجرة منها حول بئر ومسجد . وعلى هذا الأساس الاجتماعي الديني نشأت القرى؛ ليزرع البدو، وتستقر القبائل تدريجياً ، ويصبح لها ( وطن ) تذود عنه ، وعندئذ يمكن الاطمئنان إليها ؛ إذ يدعوها عبدالعزيز للحرب في سبيل إعلاء كلمة الله ، وتستعيض عن السلب والنهب والغزو بالاستقرار والبناء والزراعة ، بعد أن هجرت الضلالة إلى الهدى ، وبلغ عدد الهجر في العام 1950م مائة واثنتين وخمسين هجرة([19]).

وأخيراً لا آخراً ، فإن أخذه بنظام ( الشورى ) وهو نظام إسلامي ، يتمثل في المشاورة وتبادل الرأي الذي حرص عليه حكام الدولتين السعوديتين الأولى والثانية ، يؤكد التزامه القوي بمبادئ الدين الإسلامي، وتتضح قوة إيمانه من قوله : " إن ما وهبني الله ( من شجاعة ) لم يكن بسبب قوتي بل بسبب ضعفي وقوته سبحانه " . وكان شعوره بذلك هو ما دفعه إلى ما قام به بشجاعة وإقدام ، مؤمناً بأن ما حققه وأنجزه كان بإرادة الله وحده([20]) . لقد كان عبدالعزيز شديد التمسك بدينه، شديد الاعتزاز بعروبته، كان يجمع القوة إلى التقوى ، والشجاعة إلى الدهاء ، " وكان لا يخير بين أمرين : بين الله وبين غيره ، إلا اختار الأمر الذي فيه مرضاة الله "([21]) .

ب– الشجاعة وقوة العزيمة :

هذه هي الصفة الثانية في شخصية الملك عبدالعزيز ، وكانت تبرز في أحرج الأوقات وأدق الظروف؛ إذ كان يدير المعارك بنفسه، وكان رائده ومثله خالد بن الوليد([22]). وقد شغلت مشكلة البداوة حيزاً كبيراً من تفكيره ووقته، وصرف في محاربتها وإخضاعها الكثير من جهده . ففي زمنه كانت نسبة أهل البادية تقدر بثلاثة أخماس 3/5 سكان شبه الجزيرة ، أو 60% ، وتقارب نسبة الحضر الخمسين 2/5 أو 40%([23]) .

وكان أهم عامل في نجاحه في توطين البداوة على ما ذكرنا هو شجاعته الفائقة وشخصيته القوية وعزيمته الثابتة ونظرته البعيدة الثاقبة . وقد اعتمد عبدالعزيز على وسائل ثلاث في محاربة البداوة : السيف لنشر الأمن وزجر التمرد ، والمطاوعة لتعليم القبائل أصول دينهم وتهذيب طباعهم وتوجيههم نحو الخير والبناء ، والهجر يستعيضون بها عن انتجاع الكلأ والصراع في سبيله وعن السلب والنهب([24]) .

ولا شك في أن ظهور عبدالعزيز حجب مواهب الشجاعة والفروسية لدى خصومه؛ فمنهم من انحاز إلى صفه وقاتل تحت رايته، ومنهم من سقط أمام غاراته وكراته العاصفة العنيدة . ولم يستطع أحد من بين الزعامات القبلية أن يطاول عبدالعزيز ويتحداه ، وخاصة بعد ما شهده هؤلاء من تنظيم أوضاع البلاد وإقامة دعائم الأمن فيها ، ونشر روح الدين الحنيف بين أبنائها ، وتآخي من كانوا في الأمس أعداء ، تدفعهم وتسيرهم غرائز الجاهلية الأولى . فلما استقرت أحوال البادية ، وانتظم عقد الملك وتم تحريم الغزو القبلي ، " دخل السيف والبندق في خدمة الدولة ، وعادت الفروسية جندية "([25]) .

ولا يتسع المجال للإسهاب في ذكر شجاعة عبدالعزيز الفائقة وقوة احتماله المشهودة التي تروى حولها قصص كثيرة ، وخاصة صموده في مواجهة الصعاب ، وصبره على تحمل المكاره وآثار الجراح البليغة التي يصاب بها في المعارك الضارية ، ويكفي أن نقول إنه كان في أكثر المعارك يقود طليعة القوة المهاجمة ، بحيث كان يرى مدى بسالة من يقاتلون معه . ومعلوم أن العرب ولاسيما البدو يتفاءلون بالقائد المظفر ويلتفون حوله ، وهم يعاينون قوة جنانه وصلابته في أوج المعركة ، حين كان يرى الخطر المحدق بوضوح ويواجهه مواجهة صحيحة . قال يوماً في أحد مجالسه الخاصة : " لست أشجع الناس ، ولكن إذا كانت المعركة ذات بال وسيعقبها أمر فاصل ، وعزيزة المسلمين ( أعزّ ما لديهم عليهم ) ، فإني آتي من الأعمال بما لا يأتيه غيري في المعركة "([26]) .

 

وقد رأى مؤرخ غربي أن أول عامل رئيس ساعد على توطيد الملك السعودي ، ووحد الجزيرة العربية ، هو شخصية عبدالعزيز القوية وشجاعته الفائقة ونظره الثاقب([27]) . والواقع أنه لولا شجاعة الملك الفائقة التي أثبت فيها دائماً أنه محارب من الدرجة الأولى لما استطاع أن يقوم بالمهام العظيمة التي تولاها في توحيد معظم شبه الجزيرة العربية تحت رايته .

جـ – الكــرم والجــود :

وهما ملازمان للشجاعة ، فقد كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، في وقت كان يعاني من ضائقة مالية مزمنة ، وذلك قبل ظهور النفط في بلاده . وكثيراً ما كان خازن المال في حكومته يشعر بحرج شديد نتيجة المنح والعطايا التي كان يعطيها عبدالعزيز للوافدين عليه من المشيخات والإمارات المجاورة. أما غنائم الحروب ضد خصومه فكانت توزع وتقسم للراجل والراكب على النحو الذي يجري في عصر الفتوح الإسلامية .

د – النزاهــة والعــدل :

فقد كان يتعامل بالصراحة الكاملة والنزاهة التامة مع الجميع دون تمييز ، سواء أكانوا من البدو أو من الحكام والملوك ، وكان التزامه بالعدل قوياً بدليل نظرته المتشددة إلى الجريمة وتجرده التام ، وعدم استثناء نفسه من حكم الشرع ، فإذا أقيمت دعوى ضده من أحد رعاياه عيَّن وكيلاً عنه ليتحاكم معه لدى قاض موثوق، وخضع لحكمه أياً كان . وكان شعاره المحبب إلى قلبه " لا يدوم الملك بدون عدل "([28]) . بالمقابل كان عبدالعزيز يطبق بحزم أوامر الشرع بحق مرتكبي الجرائم على أنواعها ، ويضرب بيد من حديد كل قوة معتدية طائشة ، واتسمت إجراءاته بالصرامة والقوة بحق المجرمين العتاة. وبفضل سياسة الحكمة والحزم التي انتهجها في إدارة مملكته الواسعة تم إقرار الأمن فيها على نحو غير معروف في أكثر الدول تقدماً ومدنية ، فاطمأن الناس على أرواحهم ، حتى ندر وقوع الحوادث العادية المألوفة([29]) .

هـ – عـدم البـدء بالخصومـة :

كان الملك عبدالعزيز لا يبادئ خصومه بالعداء ، ولكنه كان ينذرهم بألا يطمعوا بحلمه وسماحته وتجاوزه وصبره الطويل عليهم إذا ما تمادوا في غيهم وعدوانهم ، ويقول : " إني جعلت سنتي ومبدئي ألا أبدأ أبداً بالعدوان ، بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء ، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكاناً ، وأتمادى في الصبر حتى يرميني القريب والبعيد بالجبن والخوف ، حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي وكانت القاضية "([30]) .

وكان كرم الملك الطبيعي مقترناً بعطفه وسماحته ورحمته ودهائه ، فبدلاً من نزوة الحقد والانتقام والتشفي التي يتبعها الحكام عموماً مع أعدائهم بقتلهم واستئصال شأفتهم على التو ، فإن عبدالعزيز كان يتمتع بسجية العفو والتجاوز واللين وسعة الصدر التي كان يظهرها تجاه أعدائه المهزومين ، إذ كان لا يتأثر ولا يتشفى ممن تغلب عليه وهزمه ، وإنما يرد إليه اعتباره ويكرمه ويقبل عليه حتى يتألفه ، فينقلب إلى صف عبدالعزيز . وهذا دهاء الحكيم الذي لا يود أن يعمق الأحقاد ويورث الثأرات، ويسيل الدماء . كان يتوخى حل المشكلات التي تواجهه بالسلم أولاً ، ويعالج شؤون الدولة بالحكمة والأناة والمرونة ، ولا يلجأ إلى الشدة حتى يستنفد هذه الوسائل . وإذا غضب أو احتد فإنه يعتذر عن تصرفه ويكرم من أصابه غضبه([31]) .

و – الأخـذ بمبدأ الشــورى :

من الأهمية البالغة أن نؤكد حرص الملك عبدالعزيز على الأخذ بمشورة أهل الحل والعقد والرأي . والشورى مبدأ إسلامي لا يستقيم الحكم إلا به، وقد تمسك به عبدالعزيز حتى نهاية حياته ، وسنرجع إليه حين نتحدث عن إدارته .

ز – القـدرة على الكتمان ورجاحة العقل :

من فضائله ومزاياه البارزة مقدرته على الكتمان ورجاحة عقله وفطنته ، ورجولته التي تزينها قامته الفارعة وشخصيته الجذابة ، أو كما وصفه أحد المقربين منه : " كان لديه عظمة وجاذبية سحرتا من رآه وجعلتا منه قائداً طبيعياً ، وكان له من قوة العزيمة والإرادة ما مكنه من الهيمنة على عقول الناس وجعلها تطيعه دون مناقشة "([32]) . لقد آتاه الله عقلاً راجحاً وعلماً بأصــــول الدين وفهمه اكتسبـــه من اختلاطــه بشيــــخ نجد عبدالله بن عبداللطيف وبسواه من العلماء ، ومن سماعه المتكرر اليومي لما يُتلى عليه من كتب الحديث والتفسير والآداب الدينية([33]) .

ح – التفكيـر السليـم :

ولا تكتمل ملامح شخصية الملك عبدالعزيز دون التنويه بتفكيره السليم الذي كان يسبق رغباته القوية ، فقد حكى عنه أحد مستشاريه المقربين أنه كان يحمل برأسه من المعلومات ما يكفي لملء مكتبة ، وأنه كان لديه موهبة التذكر الفوري ، وبفضل إحاطته ومعرفته وعلمه بكل قبائل المملكة وبطونها وأفخاذها وتواريخها وتقاليدها ، " كان يستطيع في بضع ثوان من بدء حديثه مع أي بدوي أن يعرف من طريقة كلامه القبيلة التي ينتسب إليها والفرع الذي ينحدر منه "([34]) . هذا بالإضافة إلى أنه كان يفهم نفسية البدوي فهماً عميقاً استخدمه للنفاذ إلى طبيعته وفكره في محاولة ناجحة لربطه بأرضه ومسكنه ، وتبديل أخلاقه وعاداته بما يؤدي إلى استقراره وتحضره ، بدل ممارسة الغزو والصراع على الماء والكلأ مما كانت تقتضيه البداوة الجامحة .

ط – البلاغة والتواضع وخدمة العلم :

هذا إلى براعته المشهودة في الحديث والمحاججة ، وبلاغته في الخطب ، وإلى ما وهبه الله من حسن الإدراك وقوة الملاحظة والفطنة ، والتواضع مع جلسائه ومع كل صاحب حاجة ، والتعظيم للعلماء والفضلاء الذين كان لهم عنده منزلة خاصة . وقد أحيا عبدالعزيز كما أشرنا الكثير من التواليف والمصنفات من كتب التراث للسلف الصالح ، فأمر بطبع كتب التفسير لابن كثير وسواه ، وكتب السنة ، وكتب ابن قيم الجوزية وابن تيمية ، كما نشر العديد من كتب التاريخ والفقه .

ي – تعففه ونظافة يده :

لم يغتر عبدالعزيز بالمال وبهارج الحياة، ولم تغيره خيرات الدنيا وثرواتها حتى في ملبسه أو مأكله. ويروي حفيده الأمير عبدالله الفيصل عن جده الملك عبدالعزيز أنه " لم يخلف قصراً ولا مزرعة ولا ثروة ، ولم يرث أحد من أبنائه شيئاً. وحين لقي ربه لم يجدوا عنده سوى ثلاثمائة ( 300) جنيه ذهباً، وزعت صدقة عليه، ولم يرث أحد من أبنائه أو زوجاته شيئاً، حتى ملابسه بيعت في السوق، وأدخلت بيت مال المسلمين"([35]).

ك – كــره النفــاق :

كان عبدالعزيز يكره النفاق والملق ، ويميل إلى الجرأة في قول الحق وإلى البحث والنقاش في كل ما يعرض عليه من الشؤون المهمة . ويكره ما تعارف عليه عامة الناس من قولهم : ( الشيوخ أبخص ) أي الحكام أعلم ، ويرد على ذلك دائماً بقوله : " نحن بشر ، نخطئ ونصيب ، فإذا كنا أعلم ، فلماذا أسأل وأستفهم ؟ "([36]) .

 ل – حـب إخوانـه العـرب :

لا بد من التنويه بعمق مشاعر الملك عبدالعزيز الأخوية تجاه إخوانه العرب ، وإمدادهم بالدعم السياسي المعنوي والمادي أينما كانوا في بلدانهم التي كانت ترزح تحت نير الاحتلال الأجنبي ولاسيما في فلسطين وسورية ولبنان ، فكان يبذل قصارى جهده من أجل تحريرها واستقلالها ، وقد تحدث بهذا الشأن مع حكومات فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة ، وشرح ما تعانيه سورية ولبنان من وطأة الاحتلال الفرنسي ، كما أوضح بقوة حق العرب في فلسطين ، وقصة لقائه معروفة مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ( 1945م) على ظهر طراد أمريكي في مياه الإسماعيلية ، ووعده بأنه لن يفعل أبداً ما يضر بالمصالح العربية. والقصة لخصها (هوبكنز) الرفيق الملازم لروزفلت في مقابلاته مع ملوك الشرق ( عبدالعزيز وفاروق وهيلاسي لاسي ) بقوله: "إن الأمر الجدير بالاهتمام من تلك الاجتماعات أو المؤتمرات هو المناقشة التي تمت بين الرئيس وابن سعود بشأن فلسطين ، فلقد كانت قصيرة وحاسمة ، وإني على يقين من أن الرئيس لم يكن يتوقع من ابن سعود ما رآه فيه ؛ فهو رجل ذو مهابة خارقـة وقوة عظيمة . ولد جندياً وقضى حياته كلها في خوض المعارك التي تلذ له ولكل أتباعه الكارهـين لليهود . وهو عربي من أوله إلى آخره وفي كل وقت"([37]). واستطرد ( هوبكنز) في وصف صلابة عبدالعزيز إزاء الهجرة اليهودية لفلسطين بقوله : " وعندما طلب روزفلت من عبدالعزيز السماح بدخول عدد آخر من اليهود إلى فلسطين مبيناً أن عددهم ضئيل بالنسبة لمجموع سكان الأقطار العربية صُدم صدمة عنيفة بإجابة ابن سعود، وقد علا وجهه العبوس قائلاً : " لا "، وأوضح بجلاء أن العالم العربي لن يسمح لليهود بأي توسع آخر في فلسطين للتوطن في المستقبل . وأكد بوضوح أن العرب سيحملون السلاح قبل أن يوافقوا على هذا الأمر ، وأن دينه يوجب عليه العمل معهم في فلسطين وحولها "([38]) .

وضرب عبدالعزيز المثل في حبه للتفاهم مع أمراء العرب وملوكهم بالصلح الذي عقده مع إمام اليمن (1934م)، وكان يرى بأن مجد العرب لا يسترد إلا باجتماع كلمتهم واتحادهم ، ولذا بذل المساعي الحثيثة لتحقيق الاتحاد العربي (1936م) ([39]). وقد تمثل آنذاك في معاهدة الإخاء والتحالف العربي مع العراق ، وانضمام اليمن إليها في العام (1937م) .

م – حبّه للإصلاح والتطوير والتحديث :

كان عبدالعزيز يبذل من أجل تقدم بلاده ورقيها ما وسعه ، وبقدر ما تتيحه موارد بلاده الضئيلة قبل النفط ؛ فقد أمر بإجراء بحث منظم عن المياه في جوف الأرض، وتم فتح عدد من الآبار الارتوازية ، وكشف التنقيب عن وجود النفط بغزارة إلى جانب معادن أخرى، كما أجرى الماء إلى جدة، فنمت المدينة، وتضاعف سكانها، وازدهرت، وأنشأ المشافي المتنقلة لمعالجة المرضى حين تعذر بناء مشفى في كل بلد ، وعمل على نشر التعليم وإنشاء المدارس ، وصار بمقدور المسافر أن يسافر بسيارته براحة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي ، ومن جدة إلى المدينة المنورة فبغداد . ومدت بعد ذلك السكة الحديدية بين ميناء الدمام والرياض .

وأدرك عبدالعزيز أن عزة قومه تتحقق بقبول مآثر المدنية الحديثة لا برفضها ، ولذا أحب الانتفاع بالعلوم الحديثة، ورأى أن تأخذ بلاده أفضل ما فيها، وجاهد طوال عشر سنين من أجل إدخال الهاتف واللاسلكي، وكان ذلك مما أثار عليه حفيظة (الإخوان) في حينه، وحلت السيارات والطائرات محل الإبل ، فقربت المسافات بين حواضر المملكة. وحرص عبدالعزيز على الإفادة من الخبرات الإدارية الحديثة ، فتأثرت إدارة المملكة بروافد عربية وغربية متباينة، ولكنها ظلت في الإطار الإسلامي المرسوم لها([40]) .

3– منهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة :

نعني بنظام الحكم في الدولة الطريقة التي يمارس بها الحاكم شؤون الحكم وواجباته إضافة إلى شكل الحكم في إطاره العام . والحاكم أو الحكومة أو الطبقة الحاكمة تعكس صورة دقيقة للمجتمع الذي يتولى الحكم فيه ، ولذا تكون أول واجبات الحاكم هي أن يعنى بأحوال المجتمع الذي يحكمه . وقد عبر النبي e عن أهمية الحكومة بقوله: (كما تكونون يولى عليكم ) . ومعلوم أن الحاجة إلى وجود حاكم على رأس الجماعة مهما صغرت هي شرط لاستمرار وجود الجماعة ، وركن من أركان كيانها . ومن هنا حضّ الدين الإسلامي الحنيف على أنه ( ما من ثلاثة أو أكثر خرجوا للسفر إلا كان عليهم أن يؤمروا أحدهم عليهم ) .

لقد تأثر منهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة بالعناصر الثلاثة الآتية :

1-       عنصر موروث عن تجربــــة الدولتـــين السعوديتين الأولى والثانية ، وخاصة التقاليـــد القبليـــة ذات السمات الإسلامية ، كما يتضح من شكل الدولـــة ونظامهــــا، ومن التمسك بمبدأ الشورى الذي أخذ به الملك وطبقه في الدولة السعودية الثالثة .

2-       عنصر ناتج عن استكمال التوحيد السياسي للدولة ، وخاصة التأثر بتجربة الحجاز الإداريــة، إذ كان للتنظيم الذي وضعــه عبدالعزيــز بعد استصفاء الحجاز (1343هـ/1925م) أثر بالغ في دعم تماسك أقاليم الدولة وتعميق وحدتها ، وبداية التفكير في تنظيم الإدارة وتشكيلاتها على النمط الحديث .

3-       عنصر حديث ناتج عن الأخذ بالتنظيمات الإدارية الحديثة المتأثرة بالغرب الأوروبي في كثير من الأقطار العربية .  

  ومعلوم أن الحكم في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية كان وراثياً ينتقل إلى أكبر أبناء الحاكم بعد موته، وعادة ما تؤخذ له البيعة كولي للعهد في حياة أبيه منعاً للنزاع ، كما جرى العرف في الدول الإسلامية بعد عصر الخلفاء الراشدين . وقد اتبع الملك عبدالعزيز هذا التقليد في الدولة السعودية الثالثة، عندما وجه البيعة إلى ابنه الأكبر الأمير سعود ولي العهد في العــام 1352هـ/1933م([41]) . ويلاحظ أنه لم يحدث أن أصبح الابن حاكماً في حياة أبيه إلا مع عبدالعزيـــز الذي رغــب إلى والده عبدالرحمن الفيصل أن يتولى زمام الأمر بعد استعادة الرياض ، ولكن الإمام رفض ذلك ، وأعلن في باحة المسجد الكبير بالرياض نزوله عما له من حقوق في الإمارة لكبير أبنائه عبدالعزيز؛ لأنه أقدر على صون الإمارة وتنميتها واسترجاع أقاليمها ، وأهدى إليه سيف سعود الكبير ، وحفظ الابن كرامة أبيه ومقامه " فجعل شرطه على نفسه دوام الطاعة وجعل لأبيه حق الإشراف والردع " ، وكان يزوره يوميا([42]) .

لقد مرّ التنظيم الإداري في عهد الملك عبدالعزيز بمرحلتين متميزتين من حيث الأهداف والوسائل وشكل التنظيم، ولكنهما متداخلتان ، هما: مرحلة ما قبل ضم منطقة الحجاز، ومرحلة ما بعد ضم الحجاز التي تم فيها تثبيت دعائم الدولة وربط مناطقها تدريجياً بالنظام المركزي . وأهم ما يميز المرحلة الأولى التي تبدأ باستعادة الرياض واستمرت حتى مطلع الثلاثينات هو تركيز الملك على ترسيخ دعائم الدولة بجهود حربية مستمرة ضد خصومه ، قاد فيها إحدى وأربعين معركة بنفسه ، وجرح فيها أربع عشرة مرة ، عدا المعارك التي قادها أبناؤه وإخوته وقادته([43]) ، ولكنه لم يتدخل في شؤون الإدارة المحلية للأقاليم التي تكونت منها الدولة إلا فيما يتصل بالأمن . صحيح أن عبدالعزيز لم يفكر في هذه المرحلة بربط الأقاليم بإدارة حكومة مركزية موحدة ، ولكن السلطات المحلية في الأقاليم التي كانت تتولى وظائف السلطة المركزية في الشؤون القضائية والمالية والإدارية الأخرى كانت مرتبطة به بطريقة أو بأخرى . وقد وصف أحد الكتاب ترابط أجزاء الدولة في العام 1913م بقوله : " إن كل جزء من أجزائها كبيراً كان أو صغيراً مربوط بقاعدة الإمارة رأساً ، فيراجع كل رئيس قرية أو مدينة عاصمة الإمارة لإصلاح شؤونه عند الأمير الكبير "([44]) .

لقد كان واقع الإدارة في الدولة مركزياً ؛ لأن طبيعة الدولة النامية وظروفها لم تكن تسمح بإقامة سلطات محلية وإقليمية . فالدولة كانت بحاجة إلى دمج أجزائها وتوحيدها في كيان موحد . أما منطقة الأحساء فبرغم ما كان يبدو من شبه استقلال إداري يشبه نمط الحكم اللامركزي ، إلا أن المنطقة وحاكمها ابن جلوي كانت تخضع خضوعاً تاماً لسلطة الملك عبدالعزيز في كل شؤونها الكبيرة والصغيرة .

وأهم ما يميز المرحلة الثانية هو التنظيم الإداري الذي وضعه عبدالعزيز بعد استصفاء الحجاز ، انطلاقاً من القاعدة الإدارية المتقدمة نسبياً في أيام الحكم العثماني والهاشمي السابق ، وذلك من أجل تماسك أقاليم المملكة وتعميق وحدتها وتركيز سلطاتها واستكمال تنظيماتها بدءاً بقيام المجلس الأهلي ( 1343هـ / 1924م) وانتهاء بإنشاء مجلس الوزراء (1373هـ / 1953م) ، الذي يمثل اكتمال عملية توحيد المملكة سياسياً وإدارياً على أساس النظام المركزي .

 

وسنبحث فيما يأتي إيجازاً في السمات الأساسية لمنهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة ، بقدر ما تسعفنا به المصادر والمراجع المحدودة التي تيسرت لنا :

المرحلة الأولى – مرحلة التأسيس والتوحيد :

انطلق عبدالعزيز من الرصيد التاريخي للأسرة السعودية وما حققته بعد اقترانها بدعوة التوحيد السلفية من نجاح في توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية ، كما انطلق من تجارب أسلافه الإدارية والسياسية ، فتمكن بفضل تصرفه الحكيم مع القوى الخارجية المؤثرة في المنطقة كبريطانيا والدولة العثمانية ، وبعد صراع طويل مع خصومه المحليين استمر متقطعاً لمدة ثلاثة عقود تقريباً استطاع أن يرسي دعائم التنظيم لدولته، ولم تكن ظروف الدولة الناشئة في هذه المرحلة التأسيسية تسمح لعبدالعزيز بالإخلاد إلى الراحة والإحساس بالأمن ، ففي مسعاه الدؤوب لترسيخ نظام حكمه والقضاء على الخصوم والمناوئين له اهتم بتركيز جميع السلطات في يده والإشراف على الصغيرة والكبيرة في الدولة خشية نوبة غدر أو لؤم من أعدائه ، ولحظة إهمال أو تقصير من أنصاره، مما أقنعه بعدم التخلي عن أي مسؤوليات يتولاها ، بل يتابعها متابعة دقيقة مباشرة بمعرفة ذوي الرأي والخبرة والمشورة من رجالات نجد والأقطار العربية المجاورة الذين قبلوا أن يدخلوا في خدمته .

ويلاحظ أن الألقاب التي أطلقت على الملك عبدالعزيز في هذه المرحلة ذات دلالة على تكوين الدولــة وتوسعها ثم تطورها وتوحدها؛ ففي بدايــة تكوين الدولة كان لقبه ( أمير نجد ورئيس عشائرها ) ، ويتضح هذا من مراسلاته مع الشريف حسين في الحجاز (1328هـ / 1910م) . وعندما استرد عبدالعزيز منطقة الأحساء من الأتراك العثمانيين ( 1331هـ  / 1912م) أطلق هؤلاء عليه مع لقب الباشوية لقب ( والي نجد وقائدها عبدالعزيز باشا). وبعد معاهدة القطيـف التي عقدها مع الإنكليز ( 1334هـ / 1915م) سماه هـــؤلاء ( حاكم نجد والأحساء والجبـــيل وتوابعها ) . وبعد ضم عسـير ( 1338هـ / 1919م) عُقِدَ في الرياض مؤتمر في العام (1339هـ / 1920م) ، وتقرر فيه تسمية عبدالعزيز ( سلطان نجد وملحقاتها ) تقديراً لجهوده في بناء الدولة . وبعد استصفاء الحجاز وضمها إلى نجد ( 1344هـ / 1925م) سُمِّي ( ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها ) ، وبعد عام واحد صار لقب عبدالعزيز ( ملك الحجاز ونجد وملحقاتهــا ) مع إعــلان نجد مملـــكة في العام (1345هـ / 1926م) حتى إذا كان العام (1351هـ / 1932م) أصبح لقبه ملك المملكة العربية السعودية([45]) .

ولنسرع إلى القول: إن بناء التنظيم الإداري للدولة لم ينشأ بعد توقف المعارك الحربية بين عبدالعزيز وخصومه ؛ لأن أصول هذا التنظيم وعناصره ومكوناته كانت موجودة في المناطق التي استعادها عبدالعزيز وإنْ اختلفت تنظيماتها الإدارية من منطقة لأخرى ، بين بادية وحاضرة وشرق وغرب ؛ فقد وجد مثلاً في الأحساء وعسير وجبل شمر بعض التنظيمات الإدارية العثمانية ، فأبقى على بعضها ، مع تفاوت في التطبيق ، بحيث تعامل مع كل منطقة على حسب ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية . وبرغم أنه وحد هذه المناطق الثلاث مع نجد ، فإن أساليب استعمال السلطة فيها تنوعت باختلاف الزمان والمكان ، وظل هذا التفاوت الإداري قائماً حتى ما بعد توحيد المملكة سياسياً في العام (1351هـ / 1932م) ([46]) .

لقد انعكست صفات عبدالعزيز الشخصية وسجاياه الخلقية التي سبق أن عرضنا لها على منهجه في الحكم من حيث التزام الحكمة والعزم والسماحة في التعامل مع أبناء وطنه ، ومن حيث الأخذ بالعدل والمضاء والمساواة في اتخاذ القرارات . لقد حكم عبدالعزيز حكماً فردياً في تلك المرحلة، ولكنه كان يحرص على تبادل الرأي في لقاءاته مع الأمراء ورؤساء القبائل ، وعندما يخلو لمستشاريه وذوي الخبرة وكبراء البلاد ، ويردد دائماً: " رأي الجماعة خير من رأي الفرد "، ويقول: " مجال البحث والتدقيق والتمحيص يوصل إلى خير النتائج وأحسنها "([47]) . إضافة إلى مغزاها ودلالتها في نظر عبدالعزيز الذي لا تخفى عليه آثارها المعنوية الإيجابية في نفوس أبناء وطنه؛ فالمشورة تعمق مشاعر المودة للملك والثقة بزعامته في قلوب من يستشيرهم ، وخاصة لأنها تشعرهم بأهميتهم فرادى أو مجتمعين ، وهو يقبل المشورة إذا رأى أنها صائبة([48]) . صحيح أن حكم عبدالعزيز يبدو فردياً ( أوتوقراطياً ) من نواح عدة ، إلا أنه مقيد بأحكام الشرع ، وتظهر فيه مزايا ديمقراطية عديدة . ولا يمكن أن يكون حكمه مطلقاً مادام مقيداً بأحكام الشريعة الغراء ، وما دام الملك يسمع شكاوى الناس حتى أوضعهم مقاماً في المجتمع ، بحيث يستطيع بدوي لا شأن له أن يقف أمام سيد البلاد ، ويطلب منه إحقاق الحق في قضيته ، ويسمى هذا في المصطلح القانوني الحديث ( محكمة عليا للاستئناف ) ([49]) . وحين كان يسأل عبدالعزيز عن دستور بلاده يجيب : " دستورنا القرآن"، ويؤكد تويتشل في كتابه أن القرآن هو مصدر التشريع والقانون في الدولة السعودية([50]). ويعني عبدالعزيز بذلك التزامه هو شخصياً وإدارته بأحكام الشرع الإسلامي المستمدة من معاني كتاب الله، " وما لم يكن فيه فمن حديث رسوله وعمله، وما لم يكن فيهما فمن قضاء أصحابه وسيرتهم ، وما لم يكن فمن نهج أهل العدل والعقل والسيرة الحسنة من سلف الأمة ، وما لم يكن ففي النظم ما قد يقوم مقام التشريع "([51]) .

لقد اتخذ عبدالعزيز من المشورة سبيلاً للتوصل إلى قراراته في جلائل أمور السياسة الداخلية والخارجية، من ذلك مثلاً أن موضوعاً يرفع إليه أو أمراً يلح على فكره، فيمعن النظر فيه، ويتوصل إلى حل يرضاه في نفسه. وبعد ذلك يجتمع مستشاروه، ويسميهم ( الربع )، فيطرحه عليهم لمناقشته وإبداء الرأي حوله، فيتدارسونه من شتى جوانبه، فإذا انتهوا إلى البت فيه بما يتفق مع رأيه أقره وأمضاه، وإلا ناقشهم وعمل أخيراً ما استقر عليه الرأي. ويذكر الزركلي أن " أفضلهم عنده من يعترض ويناقش"([52]).

والمشورة إلى ذلك تتم أيضاً عبر اجتماع يدعو إليه عبدالعزيز من يرى من الأعيان ، أو عبر الاجتماع السنوي الذي يحضره رؤساء العشائر وأمراء المدن ورؤساء الهجر والوجهاء من مختلف مناطق المملكة ، لمقابلة الملك وأخذ أعطياتهم السنوية وعرض مطالبهم ، وتلقي توجيهات الملك وإبداء الرأي في شؤون السياسة والإدارة([53]) ، أو عبر اجتماع عام يعقده رؤساء العشائر وأمراء المدن والهجر في مكان معين بدعوة من الملك الذي يشرح لهم الموضوع المطروح للمشورة ، ويترك لهم حرية النقاش، وقد يستدعي العلماء لمحاورتهم([54]) ، ثم يتخذ قراره إذا اتفقوا على رأي أو تقاربت آراؤهم حوله . ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر الاجتماع الذي تقرر فيه استصفاء الحجاز عام 1923م . ومنه الاجتماع الذي أسفر عن إعلان نجد مملكة ، وحضره ثلاثة آلاف من أهل الحل والعقد في العام 1345هـ / 1926م([55]) . ومنه اجتماع عام في العام 1347هـ / 1928م حضره العلماء وغالب رؤساء الهجر وبعض أمراء المدن ، وتقرر فيه ملاحقة فيصل الدويش ومناصريه . ويلحظ أنه كان لزعماء القبائل حضور واضح في مجلس عبدالعزيز في بداية تكوين الدولة ، ولكن حين استقرت الأمور واكتمل توحيد البلاد ، وتطورت نظمها الإدارية ، ومالت نحو التخصص والاستقرار ، صارت المشورة تصدر عن كبار الموظفين والمستشارين من ذوي الخبرة والرأي([56]) . وقد عمل الملك عبدالعزيز بعد دخول مكة المكرمة على ( تقنين ) الشورى ، فجعل لها جهازاً حكومياً رسمياً ، له شخصيته الاعتبارية كما سنرى .

ويتضح مما كتب عن الملك عبدالعزيز أنه كان المرجع المباشر لكل ما يهم شؤون الحياة العامة وتقدم المجتمع ، ولم يكن حوله سوى ( ديوان عظمة السلطان ) أو ( ديوان الشيوخ ) بما فيه من إدارات وشعب ، وهو وحده المتولي أعمال ما سمي فيما بعد (الوزارات) ، ومرجعه المباشر الملك الذي كان لقبه إلى ما بعد استصفاء الحجاز (عظمة السلطان) . و ( الشيوخ ) هو اللقب الذي كان يطلقه أهل نجد على عبدالعزيز . وتعرض عليه في ( ديوان الشيوخ ) الذي يجلس فيه يومياً مشكلات الحكومة وقضاياها، فيعطي توجيهاته وأوامره للموظفين بشأنها .

ولدينا شهادة حية من أحد كبار مستشاري الملك عبدالعزيز ، هو حافظ وهبة ، يلخص فيها ذلك بقوله : " يقابل ( عبدالعزيز ) الناس من شيوخ البدو وكبار العرب مقابلات خاصة في ( المجلس الخاص ) ، يسمع شكوى المشتكي ونصح الناصح ، ويباحث زعماء الزوار فيما يهم من شؤونهم . ثم يذهب إلى ( المجلس العام ) الذي يجتمع فيه كل من يريد مقابلته ، ويقضي في هذا المجلس نحو ساعة يمضيها في حديث أشبه بخطابة ، فيما يهم من أمور الدنيا والدين([57]) . ويذكر المانع أن المجلس كان ينجز الكثير وخاصة ما يتصل بسيل من التماسات رعاياه ومطالبهم ، حيث تعرض خلاصتها عليه، فيبت فيها، ويناقش بشأنها من يشاء([58]). وبعدها ينصرف لصلاة العصر . وإلى جانب هذين المجلسين كان للملك جلسة غير رسمية مفتوحة بعد صلاة العشاء للوجهاء وكبار الموظفين والأمراء ، وتبدأ الجلسة عادة بقراءة جزء من السيرة النبوية ، ثم يفسح المجال لمن يريد أن يطرح موضوعاً للمناقشة([59]) . ولا حاجة إلى القول إن الملك كان يحيط بكل ما يجري في أرجاء مملكته المترامية الأطراف ، بواسطة هذه المجالس ، وبواسطة أمرائه في المدن ، وزعماء القبائل في الأقاليم والمناطق .

كذلك كان الملك يرأس اجتماعات ( الشعبة السياسية )، وتقتصر أعمالها على إبداء الرأي والمشورة للملك في الموضوع الذي يود طرحه تحديداً، وبعد أن ينال الموضوع ما يستحقه من نقاش، يتخذ الملك قراره الخاص بشأنه، وكان عدد أعضاء الشعبة يتغير من وقت لآخر، ولكنه لم يتجاوز الثمانية من ذوي العلم والرأي والدراية، وكان أبرزهم الأمير عبدالله بن عبدالرحمن أخو الملك ، ولرأيه وزن وتقدير خاص لدى الملك. ولم يكونوا كلهم من وسط شبه الجزيرة العربية ، فثمة مستشارون عرب جاؤوا من الأقطار المجاورة ، وقد أفاد منهم الملك في تنظيم أول جهاز حكومي أقامه ، كما أفاد من جهود نخبة من أهل الحجاز ونجد . ومن المستشارين العرب الدكتور عبدالله الدملوجي من العراق ، والشيخ يوسف ياسين ، والمهندس خالد الحكيم ، والدكتور مدحت شيخ الأرض ، والدكتور رشاد فرعون ، والأستاذ خير الدين الزركلي من سورية ، وفؤاد حمزة من لبنان ، وحافظ وهبة من مصر ، ورشدي ملحس من فلسطين ، وخالد القرقني وبشير السعداوي من ليبيا ، وظل هؤلاء في خدمته حتى نهاية حياته([60]) .

وبعد إدخال أجهزة اللاسلكي والاتصالات الحديثة إلى القصر والديوان صار بمقدور الملك أن يحيط بكل ما يجد على الساحة الداخلية والدولية ، وخاصة بعد استخدام المترجمين والطابعين على الآلة الكاتبة .

ولم يكن لدى الملك عبدالعزيز قبل استصفاء الحجاز قناصل رسميون أو ممثلون دبلوماسيون في الدول الأجنبية ، ولكن كان بعض التجار النجديين الذين استقروا في تلك الدول يعملون بصفة وكلاء له ، وكان الملك يحرص على أن يختار منهم من اشتهر بالدين والأخلاق الفاضلة كالصدق والأمانة والنزاهة، صحيح أنهم لم يكونوا يتقاضون أجوراً نظير خدماتهم ، ولكن كونهم وكلاء للملك أعلى مكانتهم الاجتماعية ومزاياهم التجارية . وكان الملك يكلف بعض موظفي الديوان من ذوي الخبرة الإدارية برئاسة وفود على البلدان المجاورة ([61]) . وحين اتسع نفوذ الملك فيما بعد  وتوافرت الموارد المالية بدأ يؤسس قنصلية رسمية ([62]).

وفي هذه المرحلة من تطور الدولة قبل استصفاء الحجاز ظل الملك عبدالعزيز يباشر سلطاته في المدن والقرى والأقاليم الداخلية عن طريق أمرائها وشيوخ قبائلها ورؤساء الهجر فيها الذين كانوا يتولون باسمه تحصيل الرسوم والضرائب من الشعب ، وتطبيق العدالة عن طريق قضاة الشرع الذين يحكمون في المنازعات المدنية والجنائية وفق مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم يقتنع المتقاضي وجأر إلى الملك بالشكوى لحل ظلامته تدخل وفصــل بالموضوع بعد استشــارة ذوي الأهلية والرأي ، وذلك أن الملك كان يشعر بأنه مســـؤول عن إحقاق الحق وتنفيذ أحكام الشريعة ، ويرى بأنها تساير حياة الشعـــوب الإسلامية في تقدمها وارتقائهــا ، وأن الإسلام لا يقــف عقبة في سبيل التطور الحضاري .

وإن شئت أن تقف على منهج الملك في تحقيق عدالة الأحكام ونزاهة القضاء في بلاده الواسعة فاقرأ ما ورد في وصيته لولي عهده سعود ، وقد جاء فيها ما نصّه :

" عليك أن تجد وتجتهد في النظر في شؤون الذين سيوليك الله أمرهم بالنصح سراً وعلانية ، والعدل في المحب والمبغض ، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل ، والقيام بخدمتها باطناً وظاهراً ، وينبغي ألا تأخذك في الله لومة لائم "([63]). والحق أن هذه الوصية تذكرنا بوصايا مماثلة سطرهــا الرعيل الأول من الخلفاء في دول الإســلام بعد عصر الراشدين، وهي تؤكد ما ذهبنـــا إليه من أن عبدالعزيز بعث في القرن العشرين أشكالاً قديمـــة في الحكم جرى عليه خلفاء الإسلام في العصور الغابرة ، كما تعكس تدينه العميــق.

وفي المرحلة الثانية من حكم الملك عبدالعزيز التي أعقبت استصفاء الحجاز وتكامل عملية توحيد الدولة أمر بوضع النظم القضائية وترتيب أجهزتها ومحاكمها ودرجاتها في جميع أنحاء المملكة ، وأوجد رئاسة القضاة والدوائر المعاونة لها وهيئة التدقيقات وما إليها مما يساير اتساع المملكة وتطور أوضاعها ، وكل شيء كان يجري بتوجيهه وتدقيقه وتحت متابعته ونظره في أدق التفاصيل . وطبعي ألا يتسع مجال بحثنا لبسط الحديث عن القضاء ونظمه في المملكة في هذه المرحلة([64]) .

أما الشؤون المالية فكانت من المشكلات الصعبة التي واجهت الملك عبدالعزيز في هذه المرحلة ، ويذكر ( المانع ) أنه منذ أن استرجع عبدالعزيز مدينة الرياض في العام 1320هـ / 1902م كانت خزينة الدولة برمتها في أخراجه المعلقة على ظهور إبله ، وأن أحواله المالية لم تتحسن كثيراً طوال العقدين التاليين لذلك ؛ فالملك كان دائماً في حاجة إلى المال نظراً لكرمه وللمنح والأعطيات التي كان يتناولها منه زعماء القبائل وأصحاب الحاجات على اختلاف مشاربهم ، ولتزايد مطالب واحتياجات الدولة بعد اتساع رقعتها الجغرافية .

ولا يمكن الحديث عن الأوضاع المالية في هذه المرحلة الأولى ، والمرحلة الثانية التالية لها ، وحتى وفاة عبدالعزيز ، دون ذكر عبدالله بن سليمان وزير المالية ، وكان قد التحق بالإدارة الماليــة في ( الديوان ) بالرياض ، حيث ظهرت مواهبــه التي صقلها عملـــه السابق لدى أحد وجهاء التجــار النجديين في بومبي بالهند . وبعد أن استعاد الملك على الحجاز، سافر معه ابن سليمان لتنظيم الجانب المالي من الإدارة الحكومية هناك ، حيث تمكن من دمج الإدارتين الماليتين في نجد والحجاز ، وصار مقره الدائم في الحجاز ، وأصبح يُعد المسؤول الوحيد عن الشؤون الداخلية كلها بفضل إشرافه المباشر على مـــال الدولة([65]).

ولا حاجة إلى القول : إن موارد عبدالعزيز المالية زادت زيادة ملحوظة بعد دخول الحجاز بفضل واردات الجمارك والبريد ، والضرائب التي تؤخذ من الحجاج والتي تشكل نسبة عالية من دخل البلاد([66]) . وحين كانت الخزينة تعاني من ضائقة مالية جدية يبادر ابن سليمان لحل المشكلة بالاقتراض من أثرياء التجار قبل أن يبادر بعضهم بالاختفاء . ويذكر المانع أنه حين ساءت الحالة المالية للدولة في العام 1354هـ / 1935م بحيث لم تستطع صرف مرتبات موظفيها بادر ابن سليمان لحل المشكلة من خلال " نظام يدفع بموجبه للموظفين المدنيين ثلث مرتباتهم نقداً ، والثلث الثاني مؤناً ، أما الثلث الباقي فيظل عند الدولة قرضاً إلزامياً([67]) ، ولم تستمر الضائقة لأكثر من ستة أو سبعة أشهر ، ولا يتسع مجال لمعرفة تفاصيل النظام المالي في المملكة([68]) .

 

4 –  منهج الحكم والإدارة للملك عبدالعزيز – المرحلة الثانية : المملكة من التوحيد السياسي إلى التوحيد الإداري :

تمهيـــد :

استوحى الملك عبدالعزيز الكثير من تقاليد الإدارة العثمانية في الحجاز التي تطورت منذ عهد التنظيمات، حين أولت الدولة العثمانية عناية خاصة بالأماكن المقدسة والولايات العربية وغير العربية الأخرى التي بقيت للدولة ، لتشديد قبضتها عليها والحيلولة دون سقوطها في يد الاستعمار الأوروبي الذي تولى أيضاً دعم حركات التمرد والعصيان ضد الدولة في البلقان . وقد ورثت تقاليد هذه الإدارة الحديثة نسبياً الحكومة العربية بقيادة الشريف حسين ، وذلك بعد الثورة العربية عام 1916م وجلاء العثمانيين عن الحجاز وهزيمتهم في الحرب العالمية الأولى مع حلفائهم من دول الوسط . وقد عملت المملكة العربية على تنظيم شؤونها ، بما في ذلك إدارة الحج ، والقوات المسلحة، وخدمات البريد والبرق، ومرافق التعليم والمالية والجمارك والصحة والبلدية، وسكت عملة خاصة بها . وحرصت على إشراك الأهالي في الحكم بإنشاء مجلس وكلاء ومجلس شيوخ ، إضافة إلى مجلس شورى ضم ممثلين عن مدن الحجاز . وتشكلت أول حكومة حجازية ضمت عدداً من الوزارات ، ولكن المملكة العربية الهاشمية لم تدم سوى تسع سنين وبضعة أشهر نتيجة ظروف وعوامل دولية مختلفة .

 

أ – الإدارة المؤقتة في الحجاز والمجالس الأهلية :

وقد واجه الملك عبدالعزيز بعد ضم الحجاز تحديات الإدارة هناك ، مدركاً أن التنظيمات القائمة فيه تميزه عن سائر مناطق الدولة ، فهي قد تجاوزت نطاق القبلية والمحلية أو الإدارة الشخصية التي كانت سائدة في نجد ، كما أن أوضاع الحجاز الدينية والسياسية مختلفة نوعاً عن مناطق الدولة السعودية الأخرى([69]) ، ولذلك فقد سارع بعد دخول مكة المكرمة إلى استمالة أهل الحجاز ودفعهم للثقة به والاطمئنان إلى حكمه وتبديد المخاوف والشائعات التي نشرها خصومه ضد إدارته ، فأمر بدعوة جمهرة من العلماء والأعيان، وخاطبهم في مكة بقوله : " إن دياراً كدياركم تحتاج إلى اهتمام زائد في إدارة شؤونها ، فأنتم أعلم ببلدكم من البعيدين عنكم ، وما أرى لكم أحسن من أن تلقى مسؤوليات الأعمال على عواتقكم " . وطلب أن تجتمع نخبة من العلماء والأعيان والتجار لانتخاب عدد معين من أهل الغيرة والحمية والتقوى من كل صنف ، ليقرروا ما فيه مصلحة البلد ، ويكونوا الواسطة بين الأهالي وبين الملك عبدالعزيز . وأسفر اجتماع آخر عن انتخاب اثني عشر شخصاً تألف منهم ما سمي ( المجلس الأهلي ) . وقد عهد الملك إليه بالنظر في نظام المحاكم الشرعية وتدقيق مسائل الأوقاف ، ووضع نظام للأمن الداخلي ، وسن لوائح للبلدية والصحة في العاصمة ( مكة المكرمة ) ، ونشر التعليم الديني فيها ، وتعميم القراءة والكتابة، وتنظيم التجارة ووسائل البريد والبرق([70])، واحتفظ الملك بالإشراف على الشؤون الخارجية والعسكرية ، ولكن بقي على الملك أن يضع نظاماً إدارياً عاماً لتطوير الإدارة في الحجاز ، يتفق مع التغيرات الجارية ، بحيث يمكن إجراء التغيرات المستقبلية المطلوبة ضمن إطاره على حسب ما يمليه تطور الظروف والأوضاع ، فابتدأ مرحلة طويلة دامت حوالي ثلاثة عقود ، ما بين 1343هـ / 1924م – 1373هـ / 1953م ، تم خلالها بالتدريج التقدم نحو تعميم الحكم المركزي في مناطق المملكة بعد أن تم توحيدها سياسياً .

استهل الملك عبدالعزيز هذه المرحلة المهمة التي استمرت حتى نهاية حياته في العام 1373هـ / 1953م بتأسيس المجالس الأهلية ، وأعلن ( التعليمات المؤقتة ) للعمل بموجبها، وهي تعليمات متعددة تهدف لمعالجة أوضاع إدارية متغيرة، وتتضمن مسؤوليات الملك ونائبه في الحجاز ( الأمير فيصل بن عبدالعزيز ) ، واستمر العمل بها حتى أصدر الملك بعد ذلك ( التعليمات الأساسية ) التي تضبط العمل الإداري وتحدد الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة له ، وأهم ما استحدثته النيابة العامة ومجلس الشورى، وأجرى الملك بعد مدة قصيرة تعديلات إدارية أخرى ، سنعرض لها في السياق التالي دون الدخول في التفاصيل :

بعد دخول جدة واستصفاء الحجاز حل الملك عبدالعزيز المجلس الأهلي بعد 6 أشهر من قيامه ، بقصد منح حق الانتخاب لجميع أهالي مكة المكرمة في اختيار مجلس أهلي جديد ، يضم ممثلين عن حارات العاصمة مكة وممثلين اثنين عن العلماء ، وممثلاً واحداً عن التجار ، وتألف المجلس المنتخب من 18 عضواً . كما عينت لجنة أهلية في جدة لإدارة شؤونها ، وكلفت بتثبيت بعض موظفي الحكومة السابقة ، وتعيين مدير للمالية ورئيس للشرطة . ثم نــودي بعبدالعزيز ملكاً على الحجاز في 25/6/1344هـ الموافق 10/1/1926م ، وتلقى البيعة من أعيان الحجاز وأعضاء المجلس الأهلي بمكة ، فطلب منهم أن يقرروا ما يرونه نافعاً للبلاد في ضوء الملاحظات التي وضعها لهم . وأقام الملك ( هيئة تأسيسية ) ([71]) تضم مندوبين عن جميع مدن الحجاز ، وكلفها بوضع تنظيمات للحكومة في الحجاز ، و( تعليمات أساسية ) لتمكين الجهاز الإداري من أداء واجباته. وفي العام 1345هـ/1926م أدمج المجلس الأهلي بمكة في المجلس الاستشاري، وقد تشكل لمساعدة نائب الملك في الحجاز الأمير فيصل الذي سمي (النائب العام ) ، وصار مسؤولاً عن تنظيم الإدارة الحكومية الحجازية ، مع لجنة ثلاثية لمساعدته ؛ لأن الملك كان يقيم معظم أيام السنة في الرياض ، وقد ترأس فيصل المجلس الجديد الذي تكون من اثني عشر عضواً .

 

ب – التنظيمات الأساسية في خدمة الإدارة بالحجاز :

وحــين أنهت ( الهيئة التأسيسية ) عملها خلال تسعة أشهر نشرت في الجريدة الرسميـــة ( أم القرى ) باسم ( التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية ) ، وذلك قبل أن يكون لقـــب الملك عبدالعزيز ( ملك الحجــــاز ونجد وملحقاتها ) بثلاثة أشهر ، وقبل توحيد المملكة في العام 1351هـ / 1932م تحت اسم ( المملكة العربية السعودية ) بنحــــو ستة أعوام([72]). وقد أكـــد (الزركلي) أن مادة التعليمات الأساسية كانت من إمــــلاء الملك عبدالعزيز شخصياً([73])، وتناولــــت سلطات الملك ونظام الحكم ، وأهم ما فيها([74]) :

1-                            المملكة مرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة ولا الانفصال بوجه من الوجوه .

2-                            الدولة دولة ملكية ، شورية ، إسلامية ، مستقلة في داخليتها وخارجيتها .

3-                            عاصمة الدولة مكة ، ولغتها الرسمية اللغة العربية .

4-                            إدارة المملكة بيد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل ، وهو مقيّد بأحكام الشرع .

5-                            جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله ، وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح .

6-                            يعين من قبل الملك نائب عام .   

لقد تناولت ( التعليمات الأساسية ) التنظيم الإداري وأنواعه ، كالأمور الشرعية والأمور الداخلية، أما الأمور المالية والعسكرية فمرتبطة بالملك مباشرة . ونصت التعليمات كذلك على إنشاء ( مجلس الشورى ) ، قوامه ثمانية أعضاء ، يرأسهم النائب العام أو معاونه أو أحد مستشاريه([75]) . كما نصت على إيجاد المجلس الإداري في كل من المدينة المنورة وجدة ، وقوامه رؤساء الدوائر الحكومية وأربعة من الأعيان يختارهم الملك. ويعمل المجلس كهيئة استشارية لمعاونة القائمقام في حل بعض المعضلات الإدارية. وهنالك مجالس النواحي للنظر في أمورها ، ومجالس القرى والقبائل ، وتقوم في كل قرية أو قبيلة مهمة بصلاحيات مجالس الإدارة ولكن بشكل مصغّر([76]) .

هذا كما أن التعليمات الأساسية أوجدت ديواناً للمحاسبة ، ويرتبط رئيسه بالنائب العام مباشرة ، ويتولى الرقابة المالية على الواردات والنفقات الحكومية . كما أوجدت مفتشية عامة يرتبط رئيسها بالملك مباشرة ، ويعاونه عدد من المفتشين في المدن والقرى ، وتسجل المفتشية ملحوظاتها على أداء الجهاز الإداري للدولة بتقارير ترفع إلى الملك . واستحدثت التعليمات كذلك مجالس بلدية عمومية في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، وأعضاؤها منتخبون، ويعينهم الملك أو نائبه ، ومهمة المجالس النظر في أمور البلديات وميزانياتها .

وجدير بالذكر أنه استمر العمل بالتعليمات الأساسية التي كانت بمثابة ( الدستور ) أو القانون الأساسي، حتى ما بعد إعلان توحيد المملكة سياسياً في العام 1351هـ/ 1932م تحت اسم ( المملكة العربية السعودية) ، ولكن ألغي الجزء الخاص بالمجالس، وحل محله ( مجلس الشورى ) ([77]) .

 

جـ – تطور الإدارة المركزية بالحجاز وأجهزتها :

ويلحظ من مطالعة متأنية للتعليمات الأساسية أن الملك عبدالعزيز كان يرمي إضافة إلى دعم مشاركة الأهالي في إدارة شؤون البلاد إلى الإشراف الفعال على أجهزة الإدارة في الحجاز من خلال الجمعية العمومية والهيئة التأسيسية ، أو من خلال المجالس التي استحدثتها التعليمات الأساسية ، كما يلحظ أن الملك احتفظ لنفسه بالإشراف المباشر على الشؤون الخارجية والعسكرية ، وكأنه أراد أن تكون التعليمات الأساسية مرحلة انتقالية يتحول فيها الحجاز أولاً من النظام غير المركزي في إطار المملكة إلى النظام المركزي ، ومن ثم تندمج مناطق المملكة وأجزاؤها جميعاً في نظام مركزي على أساس العقيدة الإسلامية . فكيف تطور الحجاز نحو الإدارة المركزية ؟ .

يتضح هنا المسعى الدؤوب الذي بذله الملك عبدالعزيز لمراقبة سير أجهزة الإدارة الحكومية التي انبثقت عن التعليمات الأساسية ومدى فعاليته حين يوضع موضع التطبيق العملي، فبعد تسعة أشهر من بدء تطبيق هذه التعليمات والاطلاع على أوجه الخلل الإداري الناجم عن تطبيقها، ومدى استجابة الموطنين وارتياحهم لتدابيرها أو شكاواهم وتذمرهم منهـــا ومن القائمـين على تنفيذهــــا، أمر الملك بتشكيل ( لجنة التفتيش والإصلاح) في مطلـع العام 1346هـ / 1927م بقصد إقرار ما ثبت بالتجربة صلاحه ، وإصلاح ما تدعو الحاجة إلى إصلاحه عن طريق النظر فيما يقترحه المواطنون أو يشكون منه ، سواء كانت إدارة حكومية أو موظفاً فيها .

تشكلت اللجنة من ثمانية أعضاء ، منهم ثلاثة من مستشاري الملك الخاصين ، وخمسة من أعيان الحجاز وخبراء العمل الإداري فيه ، ويتضح من تشكيلها أن الملك عبدالعزيز جمع إلى الخبرة الحجازية الإدارية رغبته في إحكام سيطرته على عجلة الإدارة حتى تدور في إطار الشرع([78]). ولضمان حسن أداء موظفي الحكومة توعدت اللجنة بصرف أي موظف من الخدمة إذا ثبت تجاوزه على حقوق الآخرين، وعكس ذلك رغبة الملك في إزالة أية مشكلات إدارية موروثة من العهد السابق. وقد نالت اللجنة رضى الملك ، فمضى قدماً في تشكيل لجان وهيئات ذات اختصاصات في أمور معينة ، بقصد سرعة إعادة تنظيم الإدارة الحكومية على نحو متميز . ومن أهم ما قامت به لجنة التفتيش والإصلاح وضع نظام للشرطة، ومسؤولياتها، وإصدار نظام الشورى، وتشكيل مجلس للمعارف وآخر لإدارة عين زبيدة ، إضافة إلى اقتراح تنظيم البلدية وإيجاد مجلس تنفيذي يساعد النائب العام، ويقوم بتنسيق العمل بين الإدارات الحكومية .

1– النيابة العامة :

وقد كلفت النيابة العامة التي يرأسها الأمير فيصل بن عبدالعزيز بالإشراف على لجنة التفتيش والإصلاح ، وتحقيق رغبة الملك في إعادة تنظيم أجهزة الحكم لبسط سلطة الدولة على جميع أجزائها ومناطقها ، مع مراعاة الفروق الإقليمية بينها ، والاتجاه بها نحو الاندماج والأخذ بالنظام المركزي تدريجياً([79]) . والنيابة العامة التي يرأسها الأمير فيصل بوصفه نائباً عاماً منذ تعيينه في العام 1344هـ / 1926م كانت كذلك مرجع الدوائر الحكومية في الحجاز ، ومسؤولة عن إدارته الداخلية. ولكن لم تلبث الشؤون العسكرية أن ربطت بالنائب العام بعد توحيد القطاعات العسكرية في العام 1348هـ / 1929م . وبينما كانت مديرية الشؤون الخارجية مرتبطة بالملك عبدالعزيز مباشرة ، مع تلقي أوامر النائب العام بخصوص الشعبتين الإدارية والقنصلية ، تحولت هذه المديرية إلى وزارة للخارجية عام 1349هـ / 1930م ، وأصبح النائب العام وزيراً للخارجية([80]) ، وحين اتسعت مسؤولياته عين له معاونان ، وأعيد تشكيل النيابة العامة نفسها في العام التالي ضمان سرعة إنجاز أعمالها ، وتيسير تفرغ رئيسها للمهمات الأكثر أهمية .

2– مجلس الوكلاء :

وصدر نظام مجلس الوكلاء في 7/9/1350هـ – 1931م ، وبموجبه ألغيت ( النيابة العامة )، وقسمت قسمين :

أولهما رئاسة مجلس الوكلاء ، وتشرف على الديوان الملكي والشؤون العسكرية ووزارة الخارجية ووكالة المالية ورئاسة القضاء ، وأمراء ملحقات الحجاز ومجلس الشورى .

وثانيهما وزارة الداخلية، وتشرف على الصحة والمعارف والبريد والحجر الصحي والشرطة والمحاكم والبلديات([81]). و( مجلس الوكلاء ) هو الاسم الذي كان يطلقه العثمانيون على ( مجلس الوزراء )، وأخذ أولو الأمر عنهم هذه التسمية آنذاك . ثم ألغيت وزارة الداخلية، وألحقت مسؤولياتها وتشكيلاتها بديوان الوكلاء في مطلع العام 1353هـ / 1934م .

وتألف مجلس الوكلاء من وكلاء الخارجية والمالية ونائب رئيس مجلس الشورى ورئيس دوائر المالية ، ويكون رئيس ديوان مجلس الوكلاء أميناً للمجلس دون عضوية ، ولكن في العام 1358هـ / 1938م صار عضواً في المجلس ، ويتولى مجلس الوكلاء وظائف السلطة التنفيذية إضافة إلى بعض الوظائف التشريعية . ويلاحظ أن المرسوم الملكي سمّى مجلس الوكلاء ( حكومة ) ، وهي تسمية تعكس مهامه الحقيقية. وللمجلس ديوان عام ينسق الأعمال الإدارية بين دوائر الحكومة ، ويرتب اجتماعات مجلس الوكلاء .

وبموجب نظام مجلس الوكلاء الصادر في العام 1355هـ/ 1936م تتركز مهام المجلس بالنظر في كل ما يتصل بالشؤون المالية والخارجية والتنظيمية والعمرانية، وفي كل أمور الدولة التي لم يقننها نظام أو تصدر بشأنها تعليمات([82]). وخول النظام المذكور رئيس مجلس الوكلاء أثناء توليه منصب النائب العام صلاحية تنفيذ قرارات المجلس التي تصدر بالإجماع دون العودة إلى الملك . وإذا اعترض أحد الوكلاء على قرار أصدره المجلس بالغالبية فمن حق رئيس المجلس في حال توليه منصب النائب العام تجاوز معارضة الوكيل المذكور إذا كان الموضوع لا يحتمل التأخير ، وإلاّ عرض رئيس المجلس الخلاف على الملك لأخذ توجيهه([83]) .

حقيقة أن نظام مجلس الوكلاء خول صلاحيات واسعة في رسم سياسة الدولة العامة وتنفيذها ، وأن معظم أعمال المجلس وقراراته كانت تتركز بداية في الحجاز ، إلا أنه يلحظ أن قرارات المجلس تجاوزت الحجاز ، وامتد مفعولها إلى معظم مناطق المملكة ولكن بالتدريج .

وكان لوجود مجلس الوكلاء في الحجاز مع الدوائر الحكومية الأخرى أثر واضح في توسيع متطلبات النائب العام ؛ فبوصفه رئيس مجلس الوكلاء تولى صلاحية إدارة الأجهزة الحكومية في الحجاز ، إضافة إلى الشؤون العسكرية والخارجية ، وهي كما نعلم مسؤولية اختص بها الملك في البداية . وعندما يكون الملك في الحجاز يكون النائب العام رئيساً لمجلس الوكلاء ومجلس الشورى ووزيراً للخارجية ومشرفاً على الشؤون العسكرية([84]) . وعلى الرغم من اتساع مهمات مجلس الوكلاء فقد نص نظامه على أن الملك هو مصدر السلطة العليا .

وتفادياً لبعض الإرباك والتظلم الناشئ عن توسع الجهاز الإداري وتداخل اختصاصات الدوائر الحكومية أمر الملك عبدالعزيز مجلس الشورى بمراجعة النظام الإداري الحكومي في الحجاز ، فوضع المجلس تقريراً مسهباً تناول فيه أوجه القصور في النظم الإدارية ، وطرح طرائق لمعالجتها وضمان حسن سير العمل فيها ، واقترح إصدار نظام جديد لمجلس الوكلاء ، وأهم ما فيه التركيز على مسائل إجرائية ، من قبيل مشاركة رؤساء الدوائر الحكومية في مداولات المجلس عند بحث شؤون دوائرهم ، ومنحهم حق إبداء الرأي والتصويت عليها .

وتجنباً للإجراءات المتبعة المطلوبة منح الملك عبدالعزيز مزيداً من السلطات إلى (النائب العام) في العام 1358هـ / 1939م كالمصادقة على تعيين الموظفين لما دون مرتبة رؤساء الدوائر والمجالس الإدارية ، وتفويضه بصرف ما لا يزيد على مبلغ خمسة آلاف قرش زيادة على الموازنة الرسمية ، وتنفيذ أحكام المحاكم الشرعية في شؤون العقار ، وحق معالجة الأمور البسيطة غير المقننة . أما الحدود الشرعية كالقتل وقطع الأطراف فتستوجب الحصول على إذن الملك([85]) .

وهكذا استقرت الإدارة الحكومية في الحجاز بفضل قيام مجلس الوكلاء بتنفيذ المهمات الموكلة إليه تحت سلطة النائب العام ، ثم تطور مجلس الوكلاء إلى جهاز مركزي، بسط سيطرته تدريجياً على معظم أجزاء المملكة وفروع الإدارة فيها ، الأمر الذي مهد لتحوله بعد قرابة العقدين من التجربة الناجحة مع النيابة العامة أي رئاسة مجلس الوكلاء إلى مجلس للوزراء في العام 1373هـ / 1953م .

3– مجلس الشورى :

ولا تكتمل صورة الحكم والتنظيم الإداري في عهد الملك عبدالعزيز إلا بموجز عن مجلس الشورى الذي نيط به إصدار الأنظمة والقوانين التي استوجبها تطور أوضاع الإدارة في الحجاز .

حقيقة ، كان الملك عبدالعزيز يشرف إشرافاً كاملاً على جميع السلطات التنفيذية والتشريعية في الدولة ، ولكنه بالمقابل تقيد بتعاليم الشرع التي توجب الشورى . قال تعالى : {وشاورهم في الأمر}([86]) وقال تعالى : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }([87]) . وقد أشرنا في البحث إلى أن الملك عبدالعزيز كان لا يقدم على أمر إلا بعد التشاور مع خاصته وأركان دولته وذوي الرأي والخبرة ، برغم ما هو معروف عنه من بعد النظر وسلامة التفكير([88]) . ولذلك نصت ( التعليمات الأساسية ) الصادرة في العام 1345هـ / 1926م على أن " يشكل بالنيابة العامة مجلس يسمى مجلس الشورى مؤلف من النائب العام ومستشاريه وستة ذوات يعينون من قبل صاحب الجلالة ممن فيهم اللياقة والاقتدار([89]) . وفي العام التالي صدر أمر ملكي بتعيين أعضاء المجلس ، وأسندت رئاسته للنائب العام ، وافتتح الملك عبدالعزيز دورة المجلس العام 1346هـ / 1927م ، وفي الوقت نفسه صدر أول نظام للمجلس([90]) ، وبعد عام أعيد النظر في نظام المجلس 1347هـ / 1928م ، فحدد دورة المجلس بسنتين، ولم يحدد عدد الأعضاء ، وجعل للرئيس نائباً دائماً يعينه الملك ، وينتخب نائباً ثانياً من المجلس يقوم مقام النائب الأول في حال غيابه([91]) . ويشترط لعضوية المجلس ألاّ يقل سن العضو عن خمسة وعشرين عاماً ، وأن يتمتع بالخبرة والمعرفة وحسن السلوك والاعتبار . ويذكر أن مجلس الشورى سبقه المجلس الاستشاري العام الذي تشكل في العام 1345هـ / 1926م نتيجة دمج مجلسين سابقين؛ هما المجلس الأهلي لمكة المكرمة الذي أنشئ عام 1343هـ / 1924 ، والمجلس الاستشاري الذي أنشئ عام 1344هـ / 1925م ، واستيعاب أعضائهما ، وذلك لمساعدة النائب العام .

ومنذ بداية مجلس الشورى كان اختصاصه يقضي بأن تعرض عليه الحكومة الأمور الآتية([92]):

1-       ميزانيات دوائر الحكومة والبلدية وميزانية عين زبيدة .

2-       الرخص للشروع في عمل مشاريع اقتصادية وعمرانية .

3-       الامتيازات والمشاريع المالية والاقتصادية .

4-       نزع الملكية للمنافع العمومية .

5-       سن القوانين والأنظمة .   

6-       الزيادات التي تضاف إلى ميزانيات الدوائر في بحر السنة .

7-       النفقات العارضة التي تعرض لدوائر الحكومة في بحر السنة إذا زاد المطلوب عن مائة جنيه .

8-       قرار استخدام الموظفين الأجانب .

9-       العقود مع الشركات والتجار لمشترى أو مبيع لزوم الحكومة إذا زاد المبلغ على مائتي جنيه .

وبدأت تتسع أعمال المجلس، ففي العام 1351هـ / 1932م أضيف إلى مهماته موضوع ( العناية بشؤون الحج والحجاج ) ، وتمييز الصكوك الصادرة من المحكمة التجارية . وفي العام 1364هـ/1945م كلف المجلس بعد صدور نظام جديد للموظفين، بالنظر في شؤون لجنة التأديب الخاصة وأعمالها ، وتمييز مقررات المجالس التأديبية في المملكة([93]) .

واقتـــضى تزايــد أعباء المجلس ارتفاع عدد الأعضاء ، فبلغ ثلاثة عشر عضواً في العام 1369هـ / 1950م ، مع نائبين للرئيس وسكرتيراً وسكرتيراً مساعداً ، ونتيجة توســـــع أعمال المجلس وتوزيعها على لجان متخصصة زاد عدد أعضائه، فبلغوا عشرين عضواً .

وعلى الرغم من أن مهمة مجلس الشورى تشريعية أو استشارية أو هي مزيج منهما فقد خوله الملك عبدالعزيز صلاحيتين مهمتين ، هما :

1– لفت نظر الحكومة إلى أي خطأ يقع في تطبيق القوانين والأنظمة .

2– إذا عرضت الحكومة مشروعاً رفضه المجلس أو عدل فيه تعديلاً لم توافق الحكومة عليه فللنائب العام رئيس المجلس أن يعيد المشروع إلى المجلس مع ملاحظات كافية لإقناعه بصواب رأي الحكومة ، فإذا رفضه المجلس ثانية أو أصر على تعديله السابق يكون للملك أن يفصل في الأمر([94]) .

ووفقاً لنظام مجلس الشورى في العام 1346هـ/1927م ينعقد المجلس مرتين أسبوعياً، ويشترط لصحة انعقاده حضور نصف الأعضاء والرئيس ، وفي العام التالي أصبح الشرط حضور ثلثي الأعضاء والرئيس بموجب نظام المجلس الصادر في العام 1347هـ / 1928م ، وتصدر القرارات بموافقة أكثرية أصوات الحاضرين . وإذا تساوت الأصوات يرجح الجانب الذي فيه الرئيس . وإذا اعترض عضو على قرار وجب أن يسجل اعتراضه خطياً خلال 24 ساعة ، وإلا رفع القرار إلى رئيس المجلس لاعتماده . وبما أن مهمات المجلس تشريعية بالدرجة الأولى فإن معرفة رأي الشرع ضرورية في المسائل المطروحة، ولذا كان يحضر مندوب رئاسة القضاة للمشاركة في الأمور المعروضة.

ومع أن الفقرة (5) من المادة الخامسة من نظام المجلس تنص على أن " من الأعمال التي تعرضها الحكومة على المجلس هي سن الأنظمة والقوانين " ، وأنه يفهم من نص الفقرة المذكورة أن مجلس الشورى هو السلطة التشريعية في المملكة ، إلا أنه اتضح أن المجلس لم يكن الجهة التشريعية الوحيدة ، ولم تكن سلطته مانعة لجهات حكومية أخرى من ممارسة السلطة نفسها؛ فقد جاء في نص الأمر الملكي رقم 2716 بتاريخ 17 جمادى الأولى 1351هـ / 1932م الذي أعلن توحيد أجزاء المملكة ما نصه :

" على مجلس وكلائنا الحالي الشروع حالاً في وضع نظام أساسي للمملكة ، ونظام لتوارث العرش ، ونظام لتشكيلات الحكومة ... " . حقيقة أن مجلس الوكلاء لم يضع الأنظمة المذكورة([95]) ، ولكن مضمون المادة يوضح أن أولي الأمر كانوا يرون أن مجلس الشورى ليس السلطة التشريعية الوحيدة . ومع ذلك فإن معظم أنظمة المملكة وقوانينها قبل تشكيل مجلس الوزراء في العام 1373هـ/ 1953م صدر فعلاً عن مجلس الشورى، وكان نتيجة دراساته وجهوده ، وإن صدرت قوانين وأنظمة دون أن ينظر فيها المجلس أو يوافق عليها .

أما حق اقتراح القوانين والأنظمة فلا يوجد في نظام المجلس نص صريح يعطي هذا الحق لأعضاء المجلس ، ويبدو أنهم لم يمارسوا هذا الحق ؛ لأن المجلس كان في الأساس ينظر القضايا ومشروعات القوانين إما بإرادة سامية لدراسة موضوع معين ، أو بطلب من الحكومة([96]) .

وقد مارس مجلس الشورى وظائف غير تشريعية ، كالوظيفة المالية ، وتمثلت في وضع ميزانيات للحكومة والبلدية ولعين زبيدة يتم تعديلها أثناء السنة . أما وضع ميزانية للدولة فقد تأخر إجراؤه ، ولم يقم المجلس بهذه المهمة إلا متأخراً ، وذلك حين نظمت الدولة إيراداتها ونفقاتها في ميزانية عامة . والمعروف أن الوظيفة المالية تشمل دراسة منح الامتيازات والمشروعات المالية والاقتصادية والعمرانية ، ولكن يبدو أن الحكومة لم تعرض على المجلس أهم الامتيازات الممنوحة ، وإن عرضت امتيازات أخرى كامتياز كهربة مكة المكرمة والطائف([97]) .

أما الوظيفة الإدارية فقد مارسها المجلس ، وقد أشرنا إلى دراسة استخدام الموظفين الأجانب ، وإبرام العقود مع الشركات والتجار لمشترى أو مبيع لوازم الحكومية إذا زاد المبلغ على مائتي جنيه. وثمة وظيفة إدارية ذات صفة قضائية مارسها المجلس ، هي نزع الملكية للمنافع العمومية، كما ذكرنا. أما الوظيفة القضائية فلم ينص عليها نظام المجلس، ولكن الأوامر اللاحقة بالنظام أعطت المجلس حق التصديق على أحكام المحكمة التجارية قبل إلغائها ، وحق استئناف أحكام المجالس النقابية .

ويلحظ أخيراً أن نظام مجلس الشورى كان مرناً ومنفتحاً على التجارب المعاصرة للمجالس المناظرة له ، مع مراعاة لخصوصية أوضاع المملكة الدينية والاجتماعية ، فكان المجلس عملياً يطلع على النظم العربية والأجنبية عند صياغة الأنظمة المحلية ، ويأخذ منها ما هو مناسب للتطبيق في المملكة ، واقتضى ذلك تأسيس مكتبة كبيرة لهذا الغرض([98]) .

وفي خطاب افتتاح المجلس العام 1369هـ/1950م أشار الأمير فيصل بن عبدالعزيز النائب العام ، رئيس مجلس الوكلاء ، رئيس مجلس الشورى ، بكلمات معدودة إلى مهمات المجلس وتبعاته بقوله : " فمسؤولية المجلس هي القيام بما عليه من توجيهات ، وإقرار ما يلزم لتقدم البلاد والأمة ، ومراقبة ما ينفذ وما لا ينفذ ، وملاحظة ما تقصر عنه القوانين أو الأوامر أو القرارات "([99]) .

لقد ترك المجلس طابعه الواضح على جميع الأنظمة التي صدرت عن الدولة خلال ثلاثة عقود ؛ فقد أنجز بضع مئات من الأنظمة والتعليمات والقرارات ، وتألفت لجنة لترتيبها وطبعها في مجموعات ، منها على سبيل المثال النظام الأساسي للدولة بعد توحيدها ، وتفسير بعض مواد نظام المرافعات الشرعية ، وغيرها. وقد استمر معظم الأنظمة التي أصدرها المجلس إلى وقتنا الحاضر .

ولا حاجة إلى القول بأن من هذه النظم والتعليمات ما وضعه أهل الاختصاص في مختلف فروع الإدارة الحكومية ، ولم يكن لمجلس الشورى غير إقراره أو إدخال تعديل يسير في أسلوب إنشائه وصياغته([100]) . ولا مراء في أن رعاية الملك عبدالعزيز لأعضاء المجلس من حيث التجديد للقدامى ، وتعيين الجدد ، وتخصيص رواتب مجزية لهم ، أعطاهم دعماً معنوياً لبذل قصارى جهودهم في المهام الموكلة إليهم . ولعل عدداً من أعضاء المجلس يذكرون الكلمات القوية التي خاطب بها الملك عبدالعزيز جمهرة من العلماء والأعيان حين دعاهم لانتخاب أعضاء المجلس الأهلي لمكة المكرمة في العام 1343هـ / 1924م ، وجاء فيها : " إنني أريد ممن سيجتمعون لانتخاب الأشخاص المطلوبين أن يتحروا المصلحة العامة ويقدموها على كل شيء ، ويكونوا من أهل الغيرة والحمية والتقوى . تجدون بعض الحكومات تجعل لها مجالس للاستشارة ، ولكن كثيراً من تلك المجالس وهمية ، تشكل ليقال إن هناك مجالس وهيئات ، ويكون العمل في يد شخص واحد ، وينسب العمل إلى العموم . أريد الصراحة في القول؛ لأن ثلاثة أكرههم ولا أقبلهم : رجل كذاب يكذب عليّ عن عمد ، ورجل ذو هوى ، ورجل متملق ، فهؤلاء أبغض الناس عندي "([101]) .

كان عبدالعزيز يحرص على تأكيد الصفة التشريعية للمجلس وحرية الأعضاء في مناقشة ما يطرح عليهم فيما لا يتعارض مع الشرع ، وكان يؤكد ذلك حين يتاح له حضور دورات المجلس إذا كان موجوداً في الحجاز . من ذلك قوله مخاطباً أعضاء المجلس في دورته للعام 1349هـ / 1930م : " لقد أمرت ألاّ يسن نظام في البلاد ويجري العمل به قبل أن يعرض على مجلسكم من قبل النيابة العامة ، وتنقحوه بمنتهى حرية الرأي ، على الشكل الذي يكون منه الفائدة لهذه البلاد. إنكم تعلمون أن أساس نظامنا وأحكامنا هو الشرع الإسلامي ، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام ، وإقرار العمل الذي ترونه موافقاً لصالح البلاد ، على شرط ألاّ يكون مخالفاً للشرع الإسلامي ، فأنتم تتحملون مسؤولية عظيمة إزاء ما يعرض عليكم من النظم أو المشاريع([102]) .

ولابد من التنويه بمقدرة الملك عبدالعزيز الإدارية ، ودهائه السياسي ، وتحليه بفضيلة التريث ، حتى تنضج الظروف الموضوعية التي تتيح له تنفيذ مخططه النهائي الرامي إلى استخلاص أجزاء بلاده وتوحيدها أولاً ، ثم إخضاع إدارتها للنظام المركزي، بغية تثبيت دعائم الدولة وتركيز سلطتها على مختلف أجزائها . وبرغم مقدرة الملك الفائقة على فرض إرادته بقوة جنوده المغاوير في استرجاع ما يرى بأنها حوزته التي ورثها عن أجداده ، إلا أنه كان يتمسك بالصبر ، ويؤثر أن تصدر المبادرة من أهالي المنطقة المرغوب في ضمها وتوحيدها ضمن دولته ، مراعياً بذلك الظروف السياسية المحيطة به ، ومستنداً إلى مسوغ مشروع لتحقيق هدفه .

من ذلك مثلاً ما ورد في حديثه إلى كاتب من العراق ، بعد عام من استرجاعه الأحساء من العثمانيين في العام 1331هـ / 1912م ، وجاء فيه أن الدولة العثمانية حين وضعت يدها على لواء الأحساء وأبعدت أمراءه عنه تردت أحوال أهاليه لانعدام الأمن فيه وتغلب الشقاوة وقطاع الطرق عليه ، ولم تستجب الدولة لظلامة الأهالي نظراً لعجز السلطات هناك . " فراجعوني مراراً ، فضربت عنهم صفحاً إذعاناً لدولتي (العثمانية ) ، ثم جاءني محاضر ( مضابط ) فيها تواقيع كثيرة من العلماء والوجهاء ، قائلين إن لم تسعفنا نضطر إلى ما لا تحمد عقباه . وفي تلك المطاوي سمعت أن الدولة تنازلت عن حقوقها في الخليج وسواحله([103]) ، فاستندت حينئذ إلى ما لي من الحقوق الشرعية في هذا القطر بمنزلة أساس ، فبادرت إلى تلبية طلب الأهـالي ، ليكونوا في حرز حريز من فتـك أرباب الفساد فيهم وإبعاد الأجانب عن ديارهم "([104]) .

ومن الأمثلة على أن الملك عبدالعزيز كان لا يفرض توحيد أجزاء المملكة فرضاً ، بل ينتظر حتى يطالبه الناس به ، ما حدث عندما رفع أعيان الحجاز في العام 1351هـ / 1932م برقية يطالبون الملك بتبديل اسم ( المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها ) ، وجعله ( المملكة العربية السعودية ) ؛ لأن هذا كما ذكروا أكثر انطباقاً مع واقع المملكة، وأدعى إلى انتفاء ( الإقليمية ) و ( التفرقة ) بين مناطقها ، ووصلت الديوان الملكي برقيات مماثلة من مختلف المناطق بهذا المعنى ، واستجاب الملك ، وصدر مرسوم بعد تسعة أيام بتوحيد أجزاء المملكة سياسياً تحت اسم المملكة العربية السعودية .

ومهما يكن من أمر فقد ركز الملك عبدالعزيز كما ذكرنا في المرحلة الأولى من تنظيم الدولـــة الإداري على ترسيخ الكيـــان السياسي للدولة مع المحافظـــة على الأمن ، ودون التعرض لتبايـــن التنظيم الإداري في معظم أجـــزاء الدولة . ولكن في المرحلة الثانية التي تلت ضم الحجاز كان عليه أن يتشبث بالتريث والصبر لمدة ثلاثة عقود حتى يتكامل التنظيم الإداري انطلاقاً من تجربة الحجاز ، فقد كانت تجربة الإدارة السعودية في الحجاز هي التي تطورت بالتدريج ونجحت ، بدءاً بالمجالس المختلفة ( الأهلي والاستشاري ثم الشـــورى ) ، ومروراً بالنيابة العامة في العام 1345هـ/ 1926م ، وانتهاء بتأسيــس مجلس الوكلاء عام 1350هـ/ 1931م، وهو المجـــلس الذي تطـــور تدريجياً خــــلال عقدين من الزمان حتى أصبح مجلساً للوزراء في العام 1373هـ / 1953م([105]) .

لقد انتظر الملك عبدالعزيز أكثر من عقدين ما بين 1350هـ / 1931م – 1373هـ / 1953م حتى أمكن تحول مجلس الوكلاء إلى مجلس للوزراء ، ولعل الأوضاع المالية غير المستقرة التي مرت بها المملكة قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها لم تساعد على استكمال شكل التنظيمات الحكومية بما يتلاءم والتطورات الجديدة في المملكة . حتى إذا صــار للمملكة دخــل وفير ثابت بفضــل مــوارد النفــط منذ نهاية الحرب العالمية الثانيــة (1365هـ / 1945م)، شعر الملك بأن الوقت مناسب لتنفيذ ما طال انتظاره مما تدعو الحاجة إليه، وهو جهاز مركزي ينسق بين أعمال ( الوزارات ) ، ويشرف على مرافق الدولة وعلى مناطقها وملحقاتها ، وخاصة بعد أن نجحت تجربة الحكم الإداري المركزي في منطقة الحجاز بفضل تركيز مجلس الوكلاء ومجلس الشورى نشاطهما على هذه المنطقة . ولم يلبث أن وجد الملك ومستشاروه أن الظروف الموضوعية ملائمة لتجميع الدوائر الحكومية المتشابهة والمتقاربة في إدارة واحدة ، وهكذا تشكلت (الوزارات ) بمعناها المعروف من هذه الدوائر .

ومعلوم أنه بعد استصفاء الحجاز كانت الدولة تضم ثلاث وزارات في الحجاز هي الخارجية والمالية والداخلية ، وقد ألغيت الوزارة الأخيرة كما رأينا . ولكن بما أن الهدف النهائي للملك كان مد التنظيم الإداري المركزي في الحجاز تدريجياً إلى بقية مناطق المملكة ، فقد تم إحداث وزارات أخرى ، كوزارة الدفاع في العام 1362هـ / 1943م، وأضيف إليها خمس وزارات في المدة ما بين ( 1370هـ – 1373هـ / 1950 – 1953م) هي الداخلية والصحة والمواصلات والمعارف والزراعة . والمهم أنه كان لهذه الوزارات  باستثناء وزارة الخارجية فروع في مناطق المملكة الأخرى ، مما ساعد على ترسيخ نظام الحكومة المركزية ونفوذها بنحو أقوى . وباشر الوزراء بسط سيطرتهم على فروع وزاراتهم في المناطق والملحقات ، ولم يعد نشاطهم يقتصر على منطقة الحجاز الإدارية وحدها .

وهنا وجد الملك عبدالعزيز أن الحاجة والضرورة تقضيان بأن يتحول مجلس الوكلاء في الحجاز إلى مجلس للوزراء يضم الوزارات التي أنشئت سابقاً ، ويكون مقره في العاصمة الرياض ، وصدر مرسوم ملكي بهذا المعنى ، وبذلك تحققت آمال الملك عبدالعزيز أخيراً ، وظهر مجلس الوزراء ليشارك في تحمل أعباء الحكم ومسؤولياته تحت الإشراف المباشر لملك البلاد الذي حنت السنون ظهره القوي ، وانتقلت إلى المجلس الجديد السلطات التشريعية والتنفيذية لمجلسي الشورى والوكلاء بالحجاز بعد إلغاء المجلسين ، وأصبح ديوان النائب العام ديواناً لرئيس مجلس الوزراء الذي شغل منصبه ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز .

وكان من المتوقع أن يفتتح الملك عبدالعزيز مجلس الوزراء بتاريخ 1/4/1373هـ / 1953م، ولكـــن وفاتــــه في مدينــــة الطائــــف بعد صدور المرسوم بوقــــت قصير أرجـــأت ذلك .

واعتلى العرش من بعده الملك سعود بن عبدالعزيز ، فافتتح مجلس الوزراء في خطاب أوضح فيه منهج المملكة في الحقلين الداخلي والخارجي ، وهو في مضمونه امتداد لسياسة أبيه الملك الراحل رحمه الله([106]) .

وبذلك اكتمل التوحيد السياسي الذي شهدته البلاد العربية السعودية عام 1351هـ / 1932م بالتوحيد الإداري الذي كان مجلس الوزراء آخر مراحله ، وتم ذلك في عهد المغفور له الملك عبدالعزيز .

الخاتمـــة :

ليس من السهل اليسير تناول شخصية الملك عبدالعزيز في بحث علمي يغطي جوانبها المتعددة التي يستحق كل منها أن يفرد له مقال خاص ؛ فالرجل موضوع خصيب للكتاب والمؤرخين ، وهو أول من سمي ( ملكاً ) بالمعنى القانوني للكلمة ، وكان آباؤه من قبل يسمون بالأئمة ، وقد بلغت الدولة السعودية الثانية في عهد جده فيصل بن تركي أوج القوة والاتساع ، واستحوذت على معظم أجزاء الجزيرة العربية . ولعل فيصلاً كان مصدر اعتزاز عبدالعزيز وإلهامه ، وخاصة بعد أن استقر له الأمر ، وأخذ يتأمل في حوادث آبائه ، ويقابلها على نظائرها من واقع التاريخ في الماضي ، ويستخرج منها العبرة ؛ ليبني ملكه على أسس من الشريعة والنظام والقوة .

وبعد أن استرجع عبدالعزيز ( الرياض ) ، تعاقبت عليه أحداث فعالجها ، واتضحت سياسته الحكيمة من العام 1910م حين ركز على توطين البدو وإقرارهم في ديارهم ؛ لينصرفوا إلى بناء مساكنهم وزراعة أرضهم ، بدل حياة كلها مكاره ، يسودها الترحال والغزو ، ونجح عبدالعزيز في معالجة أخطار البداوة وإيجاد وحدة متينة ورابطة قوية بين القبائل ، أسسها التمسك بمبادئ الشرع وإقامة حدوده .

  خلص المُلْك لعبدالعزيز في نجد والأحساء والحجاز وعسير وجازان وشمال الجزيرة، فأخضع العصاة ، وأمن الخائفين ، ووطد دعائم الاستقرار ، فاطمأن الناس وهدأ روعهم بفضل السياسة الحكيمة والحازمة التي انتهجها ، والسجايا الخلقية والمزايا الشخصية التي اتسم بها ؛ فقد عرف عبدالعزيز بعمق إيمانه بربه([107]) ، وبقوة إرادته وشجاعته ويقظته وكرمه وطول أناته في معالجة أمور الدولة .

والظاهرة البارزة في سياسته الداخلية هي استتباب الأمن والاستقرار في بلاده ، والسر في ذلك شدة الأحكام ونزاهة الحاكم ، وكون رؤساء القبائل والعشائر مسؤولين عن كل ما يحدث في ديارهم ومنازلهم ، وقد منح عبدالعزيز أمراء المدن وزعماء القبائل بعض الصلاحيات ، لتطبيق أحكام الشرع وحفظ الأمن ومساعدة عمال الزكاة .

ولعل من فضائل عبدالعزيز أنه كان يستعين بأعدائه ، بعد أن يتغلب عليهم ويتألفهم ، ويقلدهم أعلى المناصب . وحين كان يستعين بأبناء عمومته في إدارة دفة الأمور والمناطق كان يجتهد لئلا تطغى الوراثة على الكفاءة . أفاد عبدالعزيز في تنظيم أول جهاز إداري حكومي أقامه من جهود نخبة من أهل الحجاز ونجد ، إضافة إلى جهود نفر من العرب الآخرين جاؤوه من الأقطار المجاورة ، وظل هؤلاء المستشارون مخلصين في خدمته حتى نهاية حياته .

كان عبدالعزيز رئيس الدولة ومرجع السلطات ، بيده السلطة الفعلية التي تشمل الشؤون العسكرية والسياسية والمالية والإدارية ، وهو غير مقيد إلا بتعاليم الشرع ، وهذا ما أكدته ( التعليمات المؤقتة ) و( التعليمات النهائية ) للمملكة التي وضعت في مكة عشية ضم الحجاز . وأول ما فعله عبدالعزيز بعد ضم الحجاز وممارسة الاستقلال  هو تنظيم الدولة وتوزيع مسؤوليات الإدارة، فأسند إلى ولده فيصل رئاسة الحكومة في مكة ، وعينه ( نائباً عاماً ) عنه في الحجاز ، وجعله مسؤولاً عن تطوير الإدارة المركزية في الحجاز . وقد ركز عبدالعزيز عليها لأنها تجاوزت سلطات القبلية والمحلية أو الإدارة الشخصية التي كانت سائدة في نجد . وكان هدف الملك عبدالعزيز أن ينقل تجربة الحجاز في الإدارة المركزية بعد أن يثبت نجاحها إلى بقية مناطق المملكة فتحل محل إداراتها ونظمها المتباينة . وبذلك يكمل الملك التوحيد السياسي للدولة الذي أعلنه في العام 1351هـ / 1932م بالتوحيد الإداري المركزي الذي توج بإعلان نظام مجلس الوزراء في العام 1373هـ / 1953م .

لقد ألف الملك عبدالعزيز الشورى في أعماله ، ولكن المهمات التي ألقيت على عاتقه كانت ثقيلة ، وقد جمعت إدارته بين الحكم الديني والزمني ، وقامت على أسس راسخة من الإيمان والعدل والشورى . وبعد استصفاء الحجاز ظهرت وزارة الخارجية ووزارة المالية ، ثم وزارة الدفاع ، وفي أواخر عهد عبدالعزيز ظهرت خمس وزارات أخرى ، ولكن الملك بقي مرجع السلطات ، والوزارات تستمد سلطاتها منه مباشرة ، أو كما قال الزركلي كاتب سيرته ومستشاره : " كان كل شيء في الدولة ، وليس لأحد من إخوته أو أبنائه أو وزرائه أو أمرائه في الأقاليم فمن دونهم أن يتصرف في أمر أو يبت في شأن داخلي أو خارجي قبل عرضه عليه برقياً أو هاتفياً أو مواجهة أو كتابة ، فإن أقره وإلاّ ذهب مع الريح " .

رحم الله عبدالعزيز ، لقد ملأ الجزيرة ، فتحولت من الركود إلى النشاط ، ومن الفتنة إلى الألفة ، ومن العصبية إلى النظام ، لقد كان كبيراً في المكارم ، وعربياً تجسدت فيه الفضائل ، كان أمة في رجل .

 

 

   

الهوامــش



([1]) خير الدين الزركلي : شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز 1/ 57 .

([2]) الزركلي : المصدر نفسه ص 57 – 58 .

([3]) انظر : خير الدين الزركلي : شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز 1/ 21 .

([4]) الزركلي : المصدر نفسه ص 27 .

([5]) الزركلي : المصدر نفسه والصفحة نفسها .

([6]) محمد المانع : توحيد المملكة العربية السعودية ص 313 – 314 . المانع كان رئيس المترجمين في ديوان الملك بالرياض ، وهو مسؤول عن ترجمة كل الرسائل والوثائق من الإنجليزية والأردية إلى العربية . المانع ص 45 .

([7]) المانع ، المصدر السابق ، ص 314 .

([8]) المانع ، المصدر نفسه ، ص 315 .

([9]) حافظ وهبة : خمسون عاماً في جزيرة العرب ، ص 35 .

([10]) وهبة ، المصدر السابق ، ص 42 .

([11]) عبدالمنعم الغلامي : الملك الراشد جلالة المغفور له عبدالعزيز آل سعود ، ص 362 .

([12]) الغلامي ، المرجع نفسه ، ص 359 .

([13]) الغلامي ، المرجع السابق نفسه ، ص 361 .

([14]) فؤاد عبدالسلام الفارسي : الأصالة والمعاصرة – المعادلة السعودية ص 40 – 41 .

([15]) الزركلي : المصدر نفسه ، من حديث إذاعي له ، ص 25 .

([16]) انظر محمد مغيربي فتيح المدني في كتابه ( فرقة الإخوان ) 1341هـ / 1923م ملخصاً في الزركلي ، المصدر السابق ص 362 .

([17]) انظر المغيربي ، المصدر السابق نفسه في الزركلي ص 363 .

([18]) الزركلي ، مصدر سابق ص 265 .

([19]) المانع ، المصدر السابق ص 324 .

([20]) المصدر السابق نفسه ، ص 314 .

([21]) منير العجلاني : تاريخ البلاد العربية السعودية ، ص 11 .

([22]) انظر حافظ وهبة : خمسون عاماً في جزيرة العرب ، ص 33 .

([23]) الزركلي ، مصدر سابق ، 1/ 260 .

([24]) الزركلي ، المصدر السابق نفسه والصفحة نفسها .

([25]) الزركلي 1/ 274 .

([26]) انظر المانع ، مصدر سابق ، ص 323 – 324 .

([27]) هو البروفسور بيلي وايندر – أستاذ التاريخ في جامعة نيويورك، نقلاً عن الزركلي، 1/ 110.

  للمزيد : انظر المانع، مصدر سابق، ص: 328–329. والزركلي، المصدر السابق 1/23.

([28]) المانع ، ص 327 .

([29]) انظر المانع ، المصدر نفسه ، ص 328 – 329 . والزركلي ، المصدر السابق ، 1/ 23 .

([30]) انظر الغلامي ، مصدر سابق ، ص 362 .

([31]) وهبة ، جزيرة العرب ، ص 283 .

([32]) المانع ، مصدر سابق ، ص 330 .

([33]) وهبة ، المصدر السابق ، خمسون عاماً ، ص 35 . وأيضا جزيرة العرب في القرن العشرين ، ص 281 .

([34]) المانع ، مصدر سابق ، ص 330 .

([35]) انظر الزركلي – الملك عبدالعزيز في ذكريات حفيده الأمير عبدالله الفيصل ، 3/ 919 – 920 .

([36]) وهبة ، خمسون عاماً . مصدر سابق ، ص 41 .

([37]) انظر أحمد طربين ، عبدالعزيز آل سعود منشئ دولة وباعث نهضة – مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية ، العدد 7 ، ص 63 – 64 .

([38]) طربين ، المصدر السابق نفسه ، ص 63 – 64 . وانظر المانع ، مصدر سابق ص 327 .

([39]) انظر وهبة ، جزيرة العرب ، ص 280 . وطربين ، الوحدة العربية ، ص 291 .

([40]) انظر الزركلي ، مصدر سابق 1/ 24 . وص 372 نقلاً عن جورج أنطونيوس ، يقظة العرب. وهبة ، جزيرة العرب ، ص 285 .

([41]) بناء على أمر الملك عبدالعزيز بوضع نظام لتوارث العرش بعده ، انعقد مجلسا الوكلاء والشورى وأبرما قراراً بمبايعة الأمير سعود ولياً للعهد في 16 المحرم 1352هـ / 11 مايو 1933م . الزركلي 2/ 567 .

([42]) الزركلي ، مصدر سابق ، 1/ 130 ، وهبة ، جزيرة العرب ص 281 .

([43]) العتيبي – إبراهيم بن عويض الثعيلي – تنظيمات الدولة في عهد الملك عبدالعزيز (1924 – 1953) الرياض 1414هـ / 1993م ، ص 110 .

([44]) انظر سليمان الدخيل في مجلة ( لغة العرب ) البغدادية ، في الزركلي ، مصدر سابق ، 1/187 .

([45]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 104 – 105 .

([46]) العتيبي ، المصدر نفسه ، ص 16 .

([47]) انظر الزركلي ، مصدر سابق ، 1/ 106 ، 2/ 520 .

([48]) الزركلي المصدر السابق نفسه ص 108 ، نقلاً عن بحث الدكتور / عبدالله العثيمين في المؤتمر العالمي لتاريخ الملك عبدالعزيز عام 1406هـ ، وحافظ وهبة ، جزيرة العرب ص 292 ، وعباس محمود العقاد ، مع أهل الجزيرة ص 20 – 21 .

([49]) انظر الزركلي ، مصدر سابق ، 1/ 372 نقلاً عن تويتشل في كتابه عن العربية السعودية

([50]) الزركلي ، المصدر السابق نفسه والصفحة  نفسها .

([51]) الزركلي ، المصدر السابق نفسه 1/ 353 .

([52]) الزركلي ، المصدر نفسه 2/ 569 .

([53]) انظر للمزيد العتيبي ، مرجع سابق ، ص 107 .

([54]) انظر وهبة ، جزيرة العرب 290 – 291 .

([55]) وهبة ، المصدر السابق نفسه ص 292 – 293 .

([56]) العتيبي ، المصدر نفسه ، ص 108 .

([57]) وهبة ، جزيرة العرب ، مصدر سابق ، ص 281 .

([58]) المانع ، مصدر سابق ، ص 228 – 229 .

([59]) المانع ، المصدر نفسه ، ص 233 .

  يذكر فيلبي أنه جاء لاجئاً من فلسطين، Philby, Saudi Arabia, P.295

([60]) انظر للمزيد عنهم ، المانع ، مصدر سابق ص 255 – 256 ، وانظر الدملوجي وحمزة والسليماني ووهبة وياسين وملحس والقرقني .

Philby, St John, saudi Arabia, London 1955, pp. 294 – 297 .

([61]) المانع ، المصدر نفسه ص 245 .

([62]) المانع ، المصدر نفسه ص 255 .

([63]) انظر الزركلي ، 2/ 568 .

([64]) انظر العتيبي ، مصدر سابق ، من أجل تفاصيل التنظيم القضائي وتطور نظمه ودوائره وتقسيم المحاكم وواجباتها وصلاحياتها ، الفصل الثالث من الكتاب .

([65]) انظر المانع ، مصدر سابق ، ص 256 ، 258 .

([66]) المانع ، المصدر نفسه ص 259 .

([67]) المانع ، المصدر نفسه ص 262 .

([68]) انظر العتيبي ، مصدر سابق ، لمعرفة تفاصيل التنظيم المالي والدوائر المالية وتطورها وما يتصل بها ، في الفصل الرابع من الكتاب .

([69]) انظر العتيبي ، المصدر نفسه ، ص 117 .

([70]) الزركلي ، مصدر سابق ، 2/ 570 – 571 .

([71]) تشكلت جمعية عمومية بأمر الملك من 56 مندوباً عن جميع مدن الحجاز ، انتخبوا من بينهم 13 عضواً ، أضاف الملك إليهم ثلاثة ، وسميت ( الهيئة التأسيسية ) ، ويتضح من عضوية الهيئة أنه تم اختيار من عرف من أهل الحجاز بمكانته الدينية وخبرته الإدارية والسياسية ، مما يدل على أن الملك استقطب هؤلاء برغم  تعاونهم مع العهد السابق ، الأمر الذي دفعهم إلى بذل قصارى جهدهم في الخدمة ، نظير تكريم الملك وسماحته وثقته .

([72]) الزركلي ، مصدر سابق ، 1/ 353 .

([73]) الزركلي ، مصدر سابق ، ص 354 .

([74]) نقلاً عن الزركلي ، المصدر نفسه والصفحة نفسها .

([75]) 1/ 354 ، 2/ 571 .

([76]) للمزيد عنها انظر العتيبي ، مصدر سابق ص 127 – 128 نقلاً عن التعليمات الأساسية .

([77]) للمزيد عن المجالس ومهامها، انظر العتيبي، المصدر السابق نفسه ص 127 – 129، نقلاً عن التعليمات الأساسية .

([78]) العتيبي ، المصدر نفسه ، ص 132 .

([79]) العتيبي ، المصدر نفسه ، ص 135 .

([80]) العتيبي ، المصدر نفسه ، ص 136 .

([81]) العتيبي ، المصدر نفسه ، ص 137 ، نقلاً عن النظام المنشور في أم القرى .

([82]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 143 .

([83]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 144 ، نقلاً عن نظام المجلس .

([84]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 142 ، نقلاً عن نظام المجلس .

([85]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 146 .

([86]) سورة آل عمران 159 .

([87]) سورة الشورى 38 .

([88]) انظر الغلامي ، مصدر سابق ، ص 196 .

([89]) انظر العتيبي ، المصدر السابق ص 48 ، نقلاً عن المادة 28 .

([90]) يفتتح الملك أو ولي عهده المجلس كل عام بخطاب يوضح سياسة الدولة وأهدافها ، انظر الغلامي ، مصدر سابق ص 198 .

([91]) الزركلي ، مصدر سابق ، 2/ 572 .

([92]) الزركلي ، مصدر سابق ، 2/ 572 .

([93]) الزركلي ، مصدر سابق ، والصفحة نفسها .

([94]) الزركلي ، مصدر سابق ، 2/ 573 .

([95]) أحمد زكي يماني ، انظر مقاله وعنوانه ( نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ) ، في مجلة (الجامعة ) ، العدد الثالث للعام 1379هـ / 1959م ، ص 121 – 122 .

([96]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 155 ، نقلاً عن قرار لمجلس الشورى .

([97]) يماني ، المصدر السابق ، ص 123 .

([98]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 157 .

([99]) انظر الزركلي من أجل خطاب الأمير كاملاً ، 2/ 575 .

([100]) الزركلي ، مصدر سابق ، 2/ 580 .

([101]) الزركلي ، مصدر سابق ، ص 570 – 571 .

([102]) انظر نصه في العتيبي ، مصدر سابق ص 153 ، نقلاً عن أم القرى .

([103]) إلى بريطانيا .

 

([104]) انظر الزركلي ، 1/ 210 ، نقلاً عن مقال سليمان الدخيل في مجلة ( لغة العرب ) البغدادية عام 1913م .

([105]) انظر العتيبي ، مصدر سابق ، ص 160 .

([106]) العتيبي ، المصدر السابق ، ص 163 .

([107]) بعد أن وضع مجلسا الوكلاء والشورى قراراً وقعه الملك عبدالعزيز بمبايعة ولده الأكبر الأمير سعود ولياً للعهد ( 6 المحرم 1352هـ / 11 مايو 1933م) أرسل عبدالعزيز برقية إليه يوصيه فيها بأن ينفق حياته لإعلاء كلمة التوحيد ونصر دين الله ، وأن يحكم الشرعية في الدقيق والجليل ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وأن يتخذ لنفسه أوقاتاً خاصة لعبادة الله والتضرع إليه، فإنه لا يصلح مع الله تعالى إلا الصدق .

  انظر نص البرقية في الزركلي ، 2/ 567 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

 

§        خير الدين الزركلي : شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز ، 4 أجزاء ، بيروت 1970م .

§        أحمد طربين : قضية فلسطين ، جزآن ، دمشق 1968م .

§        أحمد طربين : الوحدة العربية في تاريخ المشرق المعاصر ، دمشق 1970م .

§ أحمد طربين : عبدالعزيز آل سعود ، منشئ دولة وباعث نهضة . مقال في مجلة (دراسات الخليج والجزيرة العربية)، جامعة الكويت ، العدد (7)  .

§        إبراهيم بن عويض العتيبي : تنظيمات الدولة في عهد الملك عبدالعزيز ( 1924 – 1953م) ، الرياض 1993م .

§        منير العجلاني : تاريخ البلاد العربية السعودية ، بيروت ، 1993م .

§        عباس محمود العقاد : مع عاهل الجزيرة العربية ، بيروت ، د.ت .

§        عبدالمنعم الغلامي : الملك الراشد جلالة المغفور له عبدالعزيز آل سعود ، بغداد 1954م .

§        فؤاد عبدالسلام الفارسي : الأصالة والمعاصرة : المعادلة السعودية ، جدة 1990م .

§        محمد المانع : توحيد المملكة العربية السعودية ، ترجمة عن الإنجليزية .

§        د. عبدالله العثيمين ، بحثه في المؤتمر العالمي لتاريخ الملك عبدالعزيز عام 1406هـ ، الرياض 1402هـ / 1982م .

§        حافظ وهبة : جزيرة العرب في القرن العشرين ، القاهرة 1956م ، طبعة منقحة .

§        حافظ وهبة : خمسون عاماً في جزيرة العرب ، القاهرة 1960م .

§        أحمد زكي يماني : نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ، بحث منشور في مجلة الجامعة ، العدد (3) 1379هـ / 1960م .

§         Philby, St John, saudi Arabia, London 1955.