1– مقدمة وتمهيد :

ترجع أهمية الملك عبدالعزيز في التاريخ المعاصر إلى أنه استطاع أن ينشئ دولة ضمت بعد ثلاثة عقود معظم شبه الجزيرة العربية ، وأن يوحد أقاليمها الواسعة وبيئاتها المتباينة؛ ليرتفع علم التوحيد بين أجزائها ويسودها الأمن والنظام والعدل . أقام الملك عبدالعزيز هذه الدولة الكبرى ما بين البحر الأحمر غرباً والخليج العربي شرقاً ، الأمر الذي لم تشهده الجزيرة العربية منذ اثني عشر قرناً ، سهر على بنائها، وأوجد نظامها، وأشرف على شؤونها الصغيرة والكبيرة ، وكل خطوة تقدمت بها في مضمار التنمية والحضارة والاستقرار هي من نتاج عقله وثمار تجاربه . لقد حفظ للعرب والمسلمين تراثاً مجيداً في الديار المقدسة ، وأرسى قواعد الأمن والنظام في بقاع كانت تسودها الفوضى، ويتهددها الخوف في طرقها وأرجائها ، وذلك حين اتخذ مؤسسها الملك عبدالعزيز من كتاب الله دستوراً للحكم والحياة ، ولاءمها مع مستجدات الحضارة في القرن العشرين مع احتفاظها بتراثها الأصيل وهويتها العربية الإسلامية المميزة .

هذا إلى أن أهمية الملك عبدالعزيز تبرز من حقيقة أن الدولة التي أنشأها تمثل نوعاً من الدول فريداً في بابه ؛ إذ نقل إلى القرن العشرين قواعد أساسية في الحكم والإدارة كان ينتهجها حكام الأمة في الدول الإسلامية ، عبر عصورها المختلفة قبل ما يقرب من أربعة عشر قرناً ، واستطاع أن يحول المجتمع الذي تسود معظمه البداوة إلى القرن العشرين ، دون أن يعرضه لفقدان الهوية الثقافية أثناء عملية التحول العصري ، كما حدث في مناطق أخرى من العالم ، مدفوعاً بشعوره العميق بمسؤولياته الجسام، ومستعيناً بعد الله بأهل الرأي والخبرة والتجربة . وقد أدرك أن أوضاع البلاد المتنوعة بين حاضرة وبادية لا تساعد تواً على إنشاء نظام حكم موحد، ينتظم أجزاءها جميعاً، ويراعى الفوارق فيما بينها . ومع أنه ركز السلطة كلها بين يديه، لكنه راعى في أسلوب استعمالها الظروف المكانية والزمانية ودرجة التحضر والتطور في أجزاء البلاد . وقبل ذلك كله تمسك بتطبيق أسس الحكم والإدارة المستمدة من الشريعة الإسلامية التي قام عليها ملكه وملك آبائه في الدولة السعودية الأولي والثانية ، فكان منهجه في الحكم يقوم على مبادىء إسلامية ، هي الحرية والعدالة والمساواة والشورى ، فالتزم بها ، ونأى بنفسه وإدارته عن الاستبداد والتفرد بالرأي .

ولد عبدالعزيز عام 1293هـ/ 1877م في قصر الإمارة بالرياض، ونشأ طويل القامة عريض المنكبين، حاد العينين ، مفتول الساعدين . وتعلم مبادىء القراءة والكتابة وحفظ سوراً من القرآن الكريم ، وتلقى بعض أصول الفقه والتوحيد ، إلا أنه " لم يكن في طبعه الصبر على الدرس ، فلم يلبث أن انصرف عن مقاعد الأطفال إلى محاكاة الرجال "([1])، ويُنقل عن لسانه " أنه أحسن استعمال البندقية وركوب الخيل كأحد الفرسان وهو في سن الصبا ، وأنه كان في السابعة حاد الطبع دائم الحركة ، لا يستطيع الاستقرار في مكان واحد فترة طويلة "([2]) .

لقد رعى الملك عبدالعزيز منذ أيام حكمه الأولى حقيقة جوهرية هي أن سبل إصلاح أحوال البلاد وأهلها تتركز في الدعوة إلى الالتزام بمبادئ الإسلام الذي أخرج العرب من وضعهم القبلي الذي كان أقرب إلى الفوضى وقيدهم بحدود أحكام الشريعة، ولذا اجتهد في بعث أحكام الشرع الإسلامي وإحياء مؤسساته وتطبيق حدوده، على نحو تتضح فيه الحقوق والواجبات ، وتوزع فيه المهمات والمسؤوليات ، ويستتب العدل، وتعم المساواة ، وينتفي الفقر بجباية الزكاة .

لقد أعاد المغفور له الملك عبدالعزيز بناء الدولة السعودية الثالثة في العام 1319هـ/1902م منطلقاً من الرصيد التاريخي للأسرة السعودية في اقتران حكمها بالدعوة السلفية، ومستفيداً من نجاح هذه الدعوة في توحيد البلاد المترامية الأطراف ، واتخذ من التشريع الإسلامي نظاماً أساسياً لحكمه ، منتفعاً من تجارب أسلافه الإدارية والسياسية في تعاملهم مع القوى المؤثرة في منطقة الجزيرة والخليج ، ومتفادياً أخطاءهم ، الأمر الذي مكنه من التغلب على الخصوم المحليين ، فاستتب له الأمر، وارتفع علم التوحيد ليظلل دولة عربية إسلامية كبرى، حتى إذا توفاه الله في العام 1373هـ/ 1953م، أورث خلفاءه ملكاً عريضاً في ديار الإسلام المقدسة التي لم تشهد منذ عصور طويلة ما شهدته في عهده من توطيد دعائم الأمن والاستقرار الذي تفتقر إليه أرقى دول العالم في العصر الحاضر .

لقد أدرك الملك عبدالعزيز أن النصوص الدستورية والمواثيق الدولية والمؤسسات التشريعية لا يمكن أن يكون لها أثر في تقويم الانحراف وتفادي ازدواج المعايير في التعامل مع الدول والأفراد إذا لم تصحبها أخلاق سياسية محوطة بتشريع رباني تدرك معنى الحق والواجب. فالنظام الدستوري ليس وحده قوام الحياة الدستورية عند الأمم المتقدمة ، وإن آخر ما انتهت إليه آراء علماء الحقوق الدستورية في الغرب هو أنه نظام يقوم على الأخلاق ، أخلاق الحاكمين والمحكومين على السواء ، وأن هذه الأخلاق السياسية هي وحدها التي تجعل من النظام ناجحاً أو مخفقاً . وعليه فقد رأى عبدالعزيز أن ثمة علاقة تبادلية وثيقة بين الأخلاق السياسية لشخص الحاكم وبين منهجه في الحكم والإدارة ، ولابد أن تنعكس أخلاقه على مسلكه الإداري ، ولذا فقد التزم بتطبيق هذه القاعدة على نفسه حاكماً وعلى الأهالي محكومين ، وكان على يقين أن خصاله الشخصية وسجاياه الخلقية التي نشأ عليها تساعده على أن يكون ذلك الحاكم والقدوة . أما أهالي البلاد قبل عهده الذين غلبت على معظمهم البداوة، فكان أقوياؤهم يعسفون بضعفائهم، لا أمن بينهم لضعيف، ولا سلامة لأعزل، ولذا سعى عبدالعزيز لمعالجة هذا المجتمع الصحراوي ليحوله من مجتمع الغزو والنهب إلى مجتمع الطمأنينة والاستقرار وينقلب أهل المضارب والخيام إلى سكان قرى ومدن، فيعودون إلى الطمأنينة التي لم تعرفها الجزيرة العربية إلا في عهد ظهور الإسلام، ويأخذ عبدالعزيز بتجديدها عن طريق التأكيد على وجوب العودة إلى عقيدة التوحيد ، والهجرة مجدداً إلى الله والالتزام بأوامره ونبذ نواهيه .

فلنعرض أولاً للملامح الأساسية التي برزت في شخصية الملك عبدالعزيز ، ونعتمد في توثيقها على ما ذكره شهود عيان عاصروه وصحبوه عن قرب ، وشغلوا مناصب مهمة في حكومته .

 

 

2– شخصية الملك عبدالعزيز :

أ – تديّنه وقوة إيمانه بالله :

عاش عبدالعزيز ومات مسلماً تقياً ورعاً متبعاً تعاليم الشرع بكل تفاصيله . وقد تحدث المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز عن المزايا التي يتصف بها والده ، فجعل أولها قوة الإيمان: " فما رأيته منذ نشأت قد ضعف إيمانه بالله أو تخلى عن ثقته بنصر الله"([3]). ووصف أحد مستشاريه تدينه العميق بقوله: " عبدالعزيز يعيش لطاعة ربه، ولرعيته ولأبنائه ولنفسه . لقد عمر ما بينه وبين الله ، فلم يعرف الشيطان إلى قلبه سبيلاً"([4]). وقال أيضاً : " خمسة وأربعون عاماً من حياته لم يختلف في يوم منها برنامجه ونظامه إلا لطارئ ، خمسة وأربعون عاماً يُتلى بين يديه في ساعة معينة كل يوم منها ، فصل من التفسير ، وفصل من التاريخ ، يختم على الأكثر بمناقشة في أهم ما اشتمل عليه "([5]) . وأكد مستشار آخر هذا المعنى ذاكراً أن عبدالعزيز برغم أن " تعليمه خلال منفاه بالكويت كان محدوداً ، ولكن ذلك لم يمنعه من معرفة القرآن وغيره من الكتب الدينية معرفة جيدة " ، وأنه " كان يخصص نصف ساعة يومياً لقراءة القرآن وغيره من كتب الدين ، وكان يستشهد بآيات القرآن حين يتحدث مع الآخرين ، ويستقي من القرآن فيضاً من الحكمة والإلهام " ، وأنه " كان ماهراً في تفسير الآيات وشرحها بطريقة تخلب أفئدة جلسائه "([6]) . ثم ينتقل إلى ما كان من التزامه بتعاليم دينه الحنيف من أثر بالغ على تصرفاته ، وكيف أنه كان يستمد من عقيدته قوة خارقة ويقيناً راسخاً بأن الله يؤيده في كل أعماله ، وفي مواجهة الظروف الصعبة التي لقيها : " لقد منحته معتقداته الدينية قوة في مختلف الأحوال ، وعُرف عنه أنه بصفته إنساناً كان يقوم بأفضل ما يستطيع ، وأن كل ما أنجزه كان بإرادة الله وحده "([7]) .

لقد أخذ عبدالعزيز نفسه بنظام دقيق استمده من تعاليم الإسلام ، قيامه بأداء الصلوات الخمس في أوقاتها أينما كان فرض عليه نظاماً جعل قيامه بواجباته اليومية الأخرى أكثر يسراً وسهولة في بلاده الصحراوية القاسية([8]) . وقد انعكس إخلاص الملك الواضح للإسلام على سلوك مستشاريه ورجاله ، فبث فيهم النشاط، واقتدوا به، واندفعوا في سبيله . ولئن لم يحظ عبدالعزيز بفرص التعليم بالمدارس في صغره ، " فقد آتاه الله عقلاً واسعاً وعلماً بأصول الدين وفهمه ، اكتسبه من اختلاطه بالمرحوم الشيخ عبدالله بن عبداللطيف شيخ علماء نجد ، وبسواه من العلماء ، ومن سماعه المتكرر لما يتلى عليه من كتب الحديث والتفسير والآداب الدينية "([9]) . وبلغ من اهتمامه بإشاعة المعارف التي تتضمنها كتب السنة والفقه والتاريخ أنه أمر بنشر الكثير منها ، وشملها برعايته وعنايته ، وكان يتمثل دائماً بقول مالك بن أنس t : ( لا يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ) ([10]) .

وكان عبدالعزيز يحث كبار موظفي الدولة ورجال الحل والعقد الذين يحيطون به على التمسك بحبل الدين المتين ، وينذر كل من يشذ عن ذلك ؛ من ذلك أن الشريف خالد بن لؤي دخل مجلس الملك عقب إخماد فتنة فيصل الدويش ، فتوجه عبدالعزيز إليه وإلى من في المجلس بقوله : " اسمع يا خالد ، اسمعوا يا إخوان : أنا عندي أمران لا أتهاون في شيء منهما ولا أتوانى في القضاء على كل من يحاول النيل منهما ولو بشعرة، الأول : كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله اللهم صل وسلم وبارك عليه ، إني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة لا أضن به.  والثاني : هذا الملك الذي جمع به شمل العرب بعد التفرقة..."([11]) .

وفي العام 1346هـ / 1927م جمع كبار موظفي الدولة وخطب فيهم مشدداً على قول كلمة الحق تأسياً بالنبي e وبالسلف الصالح : " إن رأينا واعتقادنا وآمالنا في السير إلى الأمام يجب أن يكون وفق ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام ، وما كان عليه السلف الصالح ، فما كان موافقاً للدين في أمور الدنيا سرنا عليه ، وما كان مخالفاً للدين نبذناه ، والموظفون هم المكلفون بتبيان هذه الحقائق بيد أن ذلك لا يكفي ، وإنما يجب أن يقرن بالعمل ، يجب أن يعمل الموظفون بما أمر الله ورسوله دون أن يخشوا في الحق لومة لائم ولا ارتياب مريب"([12]).

ومضى الملك يشدد على وجوب إقامة الصلاة في أوقاتها واجتناب المحرمات وعدم تقليد الآخرين فيما يخالف آداب الشريعة السمحة ، ومؤكداً على أن المدنية الصحيحة والحياة الحقيقية تقوم في البلاد المتمسكة بدينها، وكان رحمه الله يرى أن كل الفضائل الإنسانية تنبع من الدين الحنيف، فهو مصدر الحرية والعدالة والشجاع،. "وشتان ما بين الحرية التي جاء بها الإسلام والحرية المهيضة الجناح التي يدعيها الآخرون، والمدنية الإسلامية التي سطع نورها في العالم وكانت أساساً لنهضات الأمم والشعوب لم تكن مدنية مزيفة تقتصر على الماديات فحسب ، وإنما كانت مدنية علم وعمل "([13]) .

ولقد انعكس التزام الملك الواضح بالإسلام على سلوك رجاله ومستشاريه ، وبث فيهم الحمية والنشاط فاقتدوا به واندفعوا في سبيله . وبعد الاستحواذ على الحجاز شعر عبدالعزيز بالارتياح العميق ؛ لأن مناسك الحج أصبحت متاحة له ولجميع أهالي البلاد كل عام . وقد حرص على أن يقيم احتفالاً لزعماء العالم الإسلامي في موسم الحج ، ويلقي خطاباً في هذا الاحتفال الذي كان بمثابة مؤتمر إسلامي عام ، يضمنه نصائحه وتوجيهاته الدينية . وحين ظهرت علامات التوهن في مبنى المسجد الحرام أمر عبدالعزيز بإصلاحه، وبأن تتولى الحكومة رعاية الأماكن المقدسة.

كما حرص على تبديد الشبهات والشكوك التي حامت حول دعوة ( التوحيد ) التي دعا إليها المصلح الديني الشيخ محمد بن عبدالوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي ، ولاسيما ما رافقها في الديار المقدسة من تهديم الأضرحة ، تمشياً مع قاعدة (خير القبور الدوارس ) ؛ لئلا يتوسل العامة بها إلى الله تعالى لقضاء حاجياتهم فيقعوا في الشرك . ونفى عبدالعزيز بشدة أن يكون ( الموحدون ) أو الذين يطلق عليهم معارضوهم تسمية ( الوهابيين ) أصحاب مذهب خاص ، مؤكداً أن عقيدة الموحدين هي نفسها عقيدة السلف الصالح التي وردت في كتاب الله وسنة رسوله ، وما كانوا عليه. وهي عقيدة مبنية على توحيد الله عز وجل خالصة من كل شائبة منزهة من كل بدعة ؛ " فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها ، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن" ، معبراً في الوقت نفسه عن احترامه لأئمة المذاهب الأربعة ، ومشدداً على أنه : "لا فرق بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ، كلهم محترمون في نظرنا "([14]) .

ولا عجب إذا تمسك عبدالعزيز بالعروة الوثقى سبيلاً لتوجيه دفة الحكم وفرض النظام في بلاده ، وأن يتخذ من كتاب الله دستوراً للحكم والحياة كما ذكرنا ؛ فبلاده هي القبلة الدينية لما يزيد على ألف مليون مسلم في مشارق الأرض ومغاربها ، والإسلام متغلغل في عمق نسيج الحياة اليومية للمسلمين ، فالدين في حياة المسلم منهاج للدنيا والآخرة ، وأهميته عظيمة في تصرفات المسلم وسلوكه ، في حين تتراجع أهمية الدين لدى أتباع الديانتين المسيحية واليهودية .

لقد أدرك عبدالعزيز منذ مطالع حكمه في نجد التي استعاد عاصمتها الرياض من خصومه آل رشيد عام 1319هـ / 1902م ما كان للدين من أثر بالغ في حياة الناس , فسعى سعياً حثيثاً لنشر تعاليمه بينهم ، وخاصة في البادية . واتضحت سياسته الحكيمة ونظرته البعيدة في معالجة أخطار البداوة في هذا المجتمع الصحراوي الذي كان قادراً على عمل عظيم لو وجد على رأسه شخصية قوية تحفزه بدافع عظيم . وفي نظر عبدالعزيز لا تستطيع رابطة ما أن تؤدي إلى تماسك العناصر المختلفة المشغولة بالولاء الضيق المحدود، دون الوطنية الواسعة والروح العامة ، إلا أن تكون رابطة الدين والدعوة السلفية. ولذا عمل عبدالعزيز على بعث آخر لدعوة التوحيد ، وصرف كل عنايته لإيجاد وحدة متينة ورابطة قوية بين القبائل المختلفة التي ساد فيها الجهل وعمت الفوضى.

وقد كان ولعه الشديد بالاستماع يومياً إلى أخبار التاريخ الماضي ووقائعه ، وإفادته من حوادث أسلافه الأقربين مع مقابلتهما على نظائرها من وقائع التاريخ الماضي، واستخراج العبرة منها ، كل ذلك كان يدعوه إلى الاهتمام بما كانت عليه أحوال البادية في شبه الجزيرة العربية في عهد تفككها واضطرابها في مدد زمنية تطول أو تقصر تبعاً النظام أيام اختلاله في عصور الدول المتعاقبة منذ العصر العباسي الثاني وما تلاه . وأدرك بعمق ما كان يرمي إليه المصلح الديني الشيخ محمد بن عبدالوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، الذي عاين أحوال الخصومة والغزو المتبادل بين القبائل ، وطرح حلاً إسلامياً لخصه بقوله : " إن لم يكن الوازع لهم من سلطانهم، فليكن الوازع من إيمانهم . إنهم في خصام فليؤمنوا بدعوة السلام: كلٌ أخٌ لكلّ "([15]). وانتشرت الدعوة الدينية تؤيدها القوة السياسية للبيت السعودي ، وتكاثر المتدينة من (الإخوان ) ، وتعاظم سلطان الدولة السعودية وقتئذ على ما نعرف .

إن عبدالعزيز كما ذكرنا رأى أن لا سبيل للجامعة القوية غير التمسك بالشرع الحنيف وإقامة حدود الله ، وعزم أن يقوم ببعث ( توحيدي ) آخر لمعالجة أخطار البداوة التي ساد فيها الجهل والفوضى ، ولكنه قرر أن يخطو خطوة حاسمة أخرى نحو توطين البدو ، فيسود بينهم السلام ، وتنمو فيهم روابط الألفة والتعايش المشترك والاستقرار، ذلك أن معظم اعتماده في القتال كان على العنصر البدوي ، والبدو بحكم عاداتهم يهبون خفافاً ويتحمسون ، غير أنهم سرعان ما يسأمون ويتشتتون ، وخاصة حين يصيبون بعض المغانم ، والحرب ما زالت دائرة ؛ ولذلك سعى عبدالعزيز إلى نشر العلم الديني على أساس المذهب الحنبلي بأسلوب يقبله عقل البدوي ، كما فعل الشيخ محمد بن عبدالوهاب قبله بقرن ونصف القرن . ووزع الكتب التي كلف بتأليفها علامة نجد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ على القبائل ، وشرع يعلم أبناءها أصول الشرع الإسلامي بواسطة خطباء ووعاظ ومرشدين من تلاميذ الشيخ ، فنمت عندهم العاطفة الدينية ، وتألفت منهم كتلة واحدة هي فرقة ( الإخوان )([16]) ، دلالة على انتفاء الفروق من بينهم ، فقد صاروا إخواناً في الله بعد أن كانوا بالأمس أعداء ألداء .

وحققت الدعوة أغراضها في مدة قصيرة ؛ لأن القبائل شعرت بالفارق بين ما كانت عليه من الجهل والفوضى ، وما صارت إليه من العلم بالدين والنظام الذي سلك عبدالعزيز لترسيخه سبل الوعد والوعيد ، وأحياناً الحملات التأديبية لإعادة العصاة إلى جادة الحق ، ولم تقتصر نتائج الدعوة على التأثيرات المعنوية التي تركتها في نفوس البدو، بل تجاوزتها إلى تأثيرات مادية جمة، فأصبح البدوي شديد الحرص على النظافة والطهارة، وكف عن السلب والنهب، وتمسك بفضيلة الأمانة ، فإذا وجد قطعة من النقود في القفر حملها تواً إلى الحاكم ، وإذا ارتكب مخالفة أو جرماً ندم واستغفر وقدم نفسه للحاكم معترفاً بما فعل([17]) . وهكذا تبدلت أخلاق المتدينة من البدو بتأثير الدين ، وحلت محلها العادات والأخلاق الإسلامية ، فكانوا يعبدون الله خوفاً من غضبه وطمعاً في رحمته وجنته . " وإن الإنسان ليشعر بحبه لهم ، حين يسمع التهليل والتكبير وتلاوة القرآن في جميع أنحاء القرية ( الهجرة ) ، ويراهم يبكون وينتحبون عند سماع الوعظ في الجوامع بعد صلاة الصبح أو صلاة العشاء "([18]) .

لقد أصبح الولاء للدعوة فوق الولاء للقبيلة ، وانتظم ( الإخوان ) في مواقع لهم أو ( هجر )، تقوم كل هجرة منها حول بئر ومسجد . وعلى هذا الأساس الاجتماعي الديني نشأت القرى؛ ليزرع البدو، وتستقر القبائل تدريجياً ، ويصبح لها ( وطن ) تذود عنه ، وعندئذ يمكن الاطمئنان إليها ؛ إذ يدعوها عبدالعزيز للحرب في سبيل إعلاء كلمة الله ، وتستعيض عن السلب والنهب والغزو بالاستقرار والبناء والزراعة ، بعد أن هجرت الضلالة إلى الهدى ، وبلغ عدد الهجر في العام 1950م مائة واثنتين وخمسين هجرة([19]).

وأخيراً لا آخراً ، فإن أخذه بنظام ( الشورى ) وهو نظام إسلامي ، يتمثل في المشاورة وتبادل الرأي الذي حرص عليه حكام الدولتين السعوديتين الأولى والثانية ، يؤكد التزامه القوي بمبادئ الدين الإسلامي، وتتضح قوة إيمانه من قوله : " إن ما وهبني الله ( من شجاعة ) لم يكن بسبب قوتي بل بسبب ضعفي وقوته سبحانه " . وكان شعوره بذلك هو ما دفعه إلى ما قام به بشجاعة وإقدام ، مؤمناً بأن ما حققه وأنجزه كان بإرادة الله وحده([20]) . لقد كان عبدالعزيز شديد التمسك بدينه، شديد الاعتزاز بعروبته، كان يجمع القوة إلى التقوى ، والشجاعة إلى الدهاء ، " وكان لا يخير بين أمرين : بين الله وبين غيره ، إلا اختار الأمر الذي فيه مرضاة الله "([21]) .

ب– الشجاعة وقوة العزيمة :

هذه هي الصفة الثانية في شخصية الملك عبدالعزيز ، وكانت تبرز في أحرج الأوقات وأدق الظروف؛ إذ كان يدير المعارك بنفسه، وكان رائده ومثله خالد بن الوليد([22]). وقد شغلت مشكلة البداوة حيزاً كبيراً من تفكيره ووقته، وصرف في محاربتها وإخضاعها الكثير من جهده . ففي زمنه كانت نسبة أهل البادية تقدر بثلاثة أخماس 3/5 سكان شبه الجزيرة ، أو 60% ، وتقارب نسبة الحضر الخمسين 2/5 أو 40%([23]) .

وكان أهم عامل في نجاحه في توطين البداوة على ما ذكرنا هو شجاعته الفائقة وشخصيته القوية وعزيمته الثابتة ونظرته البعيدة الثاقبة . وقد اعتمد عبدالعزيز على وسائل ثلاث في محاربة البداوة : السيف لنشر الأمن وزجر التمرد ، والمطاوعة لتعليم القبائل أصول دينهم وتهذيب طباعهم وتوجيههم نحو الخير والبناء ، والهجر يستعيضون بها عن انتجاع الكلأ والصراع في سبيله وعن السلب والنهب([24]) .

ولا شك في أن ظهور عبدالعزيز حجب مواهب الشجاعة والفروسية لدى خصومه؛ فمنهم من انحاز إلى صفه وقاتل تحت رايته، ومنهم من سقط أمام غاراته وكراته العاصفة العنيدة . ولم يستطع أحد من بين الزعامات القبلية أن يطاول عبدالعزيز ويتحداه ، وخاصة بعد ما شهده هؤلاء من تنظيم أوضاع البلاد وإقامة دعائم الأمن فيها ، ونشر روح الدين الحنيف بين أبنائها ، وتآخي من كانوا في الأمس أعداء ، تدفعهم وتسيرهم غرائز الجاهلية الأولى . فلما استقرت أحوال البادية ، وانتظم عقد الملك وتم تحريم الغزو القبلي ، " دخل السيف والبندق في خدمة الدولة ، وعادت الفروسية جندية "([25]) .

ولا يتسع المجال للإسهاب في ذكر شجاعة عبدالعزيز الفائقة وقوة احتماله المشهودة التي تروى حولها قصص كثيرة ، وخاصة صموده في مواجهة الصعاب ، وصبره على تحمل المكاره وآثار الجراح البليغة التي يصاب بها في المعارك الضارية ، ويكفي أن نقول إنه كان في أكثر المعارك يقود طليعة القوة المهاجمة ، بحيث كان يرى مدى بسالة من يقاتلون معه . ومعلوم أن العرب ولاسيما البدو يتفاءلون بالقائد المظفر ويلتفون حوله ، وهم يعاينون قوة جنانه وصلابته في أوج المعركة ، حين كان يرى الخطر المحدق بوضوح ويواجهه مواجهة صحيحة . قال يوماً في أحد مجالسه الخاصة : " لست أشجع الناس ، ولكن إذا كانت المعركة ذات بال وسيعقبها أمر فاصل ، وعزيزة المسلمين ( أعزّ ما لديهم عليهم ) ، فإني آتي من الأعمال بما لا يأتيه غيري في المعركة "([26]) .

 

وقد رأى مؤرخ غربي أن أول عامل رئيس ساعد على توطيد الملك السعودي ، ووحد الجزيرة العربية ، هو شخصية عبدالعزيز القوية وشجاعته الفائقة ونظره الثاقب([27]) . والواقع أنه لولا شجاعة الملك الفائقة التي أثبت فيها دائماً أنه محارب من الدرجة الأولى لما استطاع أن يقوم بالمهام العظيمة التي تولاها في توحيد معظم شبه الجزيرة العربية تحت رايته .

جـ – الكــرم والجــود :

وهما ملازمان للشجاعة ، فقد كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، في وقت كان يعاني من ضائقة مالية مزمنة ، وذلك قبل ظهور النفط في بلاده . وكثيراً ما كان خازن المال في حكومته يشعر بحرج شديد نتيجة المنح والعطايا التي كان يعطيها عبدالعزيز للوافدين عليه من المشيخات والإمارات المجاورة. أما غنائم الحروب ضد خصومه فكانت توزع وتقسم للراجل والراكب على النحو الذي يجري في عصر الفتوح الإسلامية .

د – النزاهــة والعــدل :

فقد كان يتعامل بالصراحة الكاملة والنزاهة التامة مع الجميع دون تمييز ، سواء أكانوا من البدو أو من الحكام والملوك ، وكان التزامه بالعدل قوياً بدليل نظرته المتشددة إلى الجريمة وتجرده التام ، وعدم استثناء نفسه من حكم الشرع ، فإذا أقيمت دعوى ضده من أحد رعاياه عيَّن وكيلاً عنه ليتحاكم معه لدى قاض موثوق، وخضع لحكمه أياً كان . وكان شعاره المحبب إلى قلبه " لا يدوم الملك بدون عدل "([28]) . بالمقابل كان عبدالعزيز يطبق بحزم أوامر الشرع بحق مرتكبي الجرائم على أنواعها ، ويضرب بيد من حديد كل قوة معتدية طائشة ، واتسمت إجراءاته بالصرامة والقوة بحق المجرمين العتاة. وبفضل سياسة الحكمة والحزم التي انتهجها في إدارة مملكته الواسعة تم إقرار الأمن فيها على نحو غير معروف في أكثر الدول تقدماً ومدنية ، فاطمأن الناس على أرواحهم ، حتى ندر وقوع الحوادث العادية المألوفة([29]) .

هـ – عـدم البـدء بالخصومـة :

كان الملك عبدالعزيز لا يبادئ خصومه بالعداء ، ولكنه كان ينذرهم بألا يطمعوا بحلمه وسماحته وتجاوزه وصبره الطويل عليهم إذا ما تمادوا في غيهم وعدوانهم ، ويقول : " إني جعلت سنتي ومبدئي ألا أبدأ أبداً بالعدوان ، بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء ، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكاناً ، وأتمادى في الصبر حتى يرميني القريب والبعيد بالجبن والخوف ، حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي وكانت القاضية "([30]) .

وكان كرم الملك الطبيعي مقترناً بعطفه وسماحته ورحمته ودهائه ، فبدلاً من نزوة الحقد والانتقام والتشفي التي يتبعها الحكام عموماً مع أعدائهم بقتلهم واستئصال شأفتهم على التو ، فإن عبدالعزيز كان يتمتع بسجية العفو والتجاوز واللين وسعة الصدر التي كان يظهرها تجاه أعدائه المهزومين ، إذ كان لا يتأثر ولا يتشفى ممن تغلب عليه وهزمه ، وإنما يرد إليه اعتباره ويكرمه ويقبل عليه حتى يتألفه ، فينقلب إلى صف عبدالعزيز . وهذا دهاء الحكيم الذي لا يود أن يعمق الأحقاد ويورث الثأرات، ويسيل الدماء . كان يتوخى حل المشكلات التي تواجهه بالسلم أولاً ، ويعالج شؤون الدولة بالحكمة والأناة والمرونة ، ولا يلجأ إلى الشدة حتى يستنفد هذه الوسائل . وإذا غضب أو احتد فإنه يعتذر عن تصرفه ويكرم من أصابه غضبه([31]) .

و – الأخـذ بمبدأ الشــورى :

من الأهمية البالغة أن نؤكد حرص الملك عبدالعزيز على الأخذ بمشورة أهل الحل والعقد والرأي . والشورى مبدأ إسلامي لا يستقيم الحكم إلا به، وقد تمسك به عبدالعزيز حتى نهاية حياته ، وسنرجع إليه حين نتحدث عن إدارته .

ز – القـدرة على الكتمان ورجاحة العقل :

من فضائله ومزاياه البارزة مقدرته على الكتمان ورجاحة عقله وفطنته ، ورجولته التي تزينها قامته الفارعة وشخصيته الجذابة ، أو كما وصفه أحد المقربين منه : " كان لديه عظمة وجاذبية سحرتا من رآه وجعلتا منه قائداً طبيعياً ، وكان له من قوة العزيمة والإرادة ما مكنه من الهيمنة على عقول الناس وجعلها تطيعه دون مناقشة "([32]) . لقد آتاه الله عقلاً راجحاً وعلماً بأصــــول الدين وفهمه اكتسبـــه من اختلاطــه بشيــــخ نجد عبدالله بن عبداللطيف وبسواه من العلماء ، ومن سماعه المتكرر اليومي لما يُتلى عليه من كتب الحديث والتفسير والآداب الدينية([33]) .

ح – التفكيـر السليـم :

ولا تكتمل ملامح شخصية الملك عبدالعزيز دون التنويه بتفكيره السليم الذي كان يسبق رغباته القوية ، فقد حكى عنه أحد مستشاريه المقربين أنه كان يحمل برأسه من المعلومات ما يكفي لملء مكتبة ، وأنه كان لديه موهبة التذكر الفوري ، وبفضل إحاطته ومعرفته وعلمه بكل قبائل المملكة وبطونها وأفخاذها وتواريخها وتقاليدها ، " كان يستطيع في بضع ثوان من بدء حديثه مع أي بدوي أن يعرف من طريقة كلامه القبيلة التي ينتسب إليها والفرع الذي ينحدر منه "([34]) . هذا بالإضافة إلى أنه كان يفهم نفسية البدوي فهماً عميقاً استخدمه للنفاذ إلى طبيعته وفكره في محاولة ناجحة لربطه بأرضه ومسكنه ، وتبديل أخلاقه وعاداته بما يؤدي إلى استقراره وتحضره ، بدل ممارسة الغزو والصراع على الماء والكلأ مما كانت تقتضيه البداوة الجامحة .

ط – البلاغة والتواضع وخدمة العلم :

هذا إلى براعته المشهودة في الحديث والمحاججة ، وبلاغته في الخطب ، وإلى ما وهبه الله من حسن الإدراك وقوة الملاحظة والفطنة ، والتواضع مع جلسائه ومع كل صاحب حاجة ، والتعظيم للعلماء والفضلاء الذين كان لهم عنده منزلة خاصة . وقد أحيا عبدالعزيز كما أشرنا الكثير من التواليف والمصنفات من كتب التراث للسلف الصالح ، فأمر بطبع كتب التفسير لابن كثير وسواه ، وكتب السنة ، وكتب ابن قيم الجوزية وابن تيمية ، كما نشر العديد من كتب التاريخ والفقه .

ي – تعففه ونظافة يده :

لم يغتر عبدالعزيز بالمال وبهارج الحياة، ولم تغيره خيرات الدنيا وثرواتها حتى في ملبسه أو مأكله. ويروي حفيده الأمير عبدالله الفيصل عن جده الملك عبدالعزيز أنه " لم يخلف قصراً ولا مزرعة ولا ثروة ، ولم يرث أحد من أبنائه شيئاً. وحين لقي ربه لم يجدوا عنده سوى ثلاثمائة ( 300) جنيه ذهباً، وزعت صدقة عليه، ولم يرث أحد من أبنائه أو زوجاته شيئاً، حتى ملابسه بيعت في السوق، وأدخلت بيت مال المسلمين"([35]).

ك – كــره النفــاق :

كان عبدالعزيز يكره النفاق والملق ، ويميل إلى الجرأة في قول الحق وإلى البحث والنقاش في كل ما يعرض عليه من الشؤون المهمة . ويكره ما تعارف عليه عامة الناس من قولهم : ( الشيوخ أبخص ) أي الحكام أعلم ، ويرد على ذلك دائماً بقوله : " نحن بشر ، نخطئ ونصيب ، فإذا كنا أعلم ، فلماذا أسأل وأستفهم ؟ "([36]) .

 ل – حـب إخوانـه العـرب :

لا بد من التنويه بعمق مشاعر الملك عبدالعزيز الأخوية تجاه إخوانه العرب ، وإمدادهم بالدعم السياسي المعنوي والمادي أينما كانوا في بلدانهم التي كانت ترزح تحت نير الاحتلال الأجنبي ولاسيما في فلسطين وسورية ولبنان ، فكان يبذل قصارى جهده من أجل تحريرها واستقلالها ، وقد تحدث بهذا الشأن مع حكومات فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة ، وشرح ما تعانيه سورية ولبنان من وطأة الاحتلال الفرنسي ، كما أوضح بقوة حق العرب في فلسطين ، وقصة لقائه معروفة مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت ( 1945م) على ظهر طراد أمريكي في مياه الإسماعيلية ، ووعده بأنه لن يفعل أبداً ما يضر بالمصالح العربية. والقصة لخصها (هوبكنز) الرفيق الملازم لروزفلت في مقابلاته مع ملوك الشرق ( عبدالعزيز وفاروق وهيلاسي لاسي ) بقوله: "إن الأمر الجدير بالاهتمام من تلك الاجتماعات أو المؤتمرات هو المناقشة التي تمت بين الرئيس وابن سعود بشأن فلسطين ، فلقد كانت قصيرة وحاسمة ، وإني على يقين من أن الرئيس لم يكن يتوقع من ابن سعود ما رآه فيه ؛ فهو رجل ذو مهابة خارقـة وقوة عظيمة . ولد جندياً وقضى حياته كلها في خوض المعارك التي تلذ له ولكل أتباعه الكارهـين لليهود . وهو عربي من أوله إلى آخره وفي كل وقت"([37]). واستطرد ( هوبكنز) في وصف صلابة عبدالعزيز إزاء الهجرة اليهودية لفلسطين بقوله : " وعندما طلب روزفلت من عبدالعزيز السماح بدخول عدد آخر من اليهود إلى فلسطين مبيناً أن عددهم ضئيل بالنسبة لمجموع سكان الأقطار العربية صُدم صدمة عنيفة بإجابة ابن سعود، وقد علا وجهه العبوس قائلاً : " لا "، وأوضح بجلاء أن العالم العربي لن يسمح لليهود بأي توسع آخر في فلسطين للتوطن في المستقبل . وأكد بوضوح أن العرب سيحملون السلاح قبل أن يوافقوا على هذا الأمر ، وأن دينه يوجب عليه العمل معهم في فلسطين وحولها "([38]) .

وضرب عبدالعزيز المثل في حبه للتفاهم مع أمراء العرب وملوكهم بالصلح الذي عقده مع إمام اليمن (1934م)، وكان يرى بأن مجد العرب لا يسترد إلا باجتماع كلمتهم واتحادهم ، ولذا بذل المساعي الحثيثة لتحقيق الاتحاد العربي (1936م) ([39]). وقد تمثل آنذاك في معاهدة الإخاء والتحالف العربي مع العراق ، وانضمام اليمن إليها في العام (1937م) .

م – حبّه للإصلاح والتطوير والتحديث :

كان عبدالعزيز يبذل من أجل تقدم بلاده ورقيها ما وسعه ، وبقدر ما تتيحه موارد بلاده الضئيلة قبل النفط ؛ فقد أمر بإجراء بحث منظم عن المياه في جوف الأرض، وتم فتح عدد من الآبار الارتوازية ، وكشف التنقيب عن وجود النفط بغزارة إلى جانب معادن أخرى، كما أجرى الماء إلى جدة، فنمت المدينة، وتضاعف سكانها، وازدهرت، وأنشأ المشافي المتنقلة لمعالجة المرضى حين تعذر بناء مشفى في كل بلد ، وعمل على نشر التعليم وإنشاء المدارس ، وصار بمقدور المسافر أن يسافر بسيارته براحة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي ، ومن جدة إلى المدينة المنورة فبغداد . ومدت بعد ذلك السكة الحديدية بين ميناء الدمام والرياض .

وأدرك عبدالعزيز أن عزة قومه تتحقق بقبول مآثر المدنية الحديثة لا برفضها ، ولذا أحب الانتفاع بالعلوم الحديثة، ورأى أن تأخذ بلاده أفضل ما فيها، وجاهد طوال عشر سنين من أجل إدخال الهاتف واللاسلكي، وكان ذلك مما أثار عليه حفيظة (الإخوان) في حينه، وحلت السيارات والطائرات محل الإبل ، فقربت المسافات بين حواضر المملكة. وحرص عبدالعزيز على الإفادة من الخبرات الإدارية الحديثة ، فتأثرت إدارة المملكة بروافد عربية وغربية متباينة، ولكنها ظلت في الإطار الإسلامي المرسوم لها([40]) .

3– منهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة :

نعني بنظام الحكم في الدولة الطريقة التي يمارس بها الحاكم شؤون الحكم وواجباته إضافة إلى شكل الحكم في إطاره العام . والحاكم أو الحكومة أو الطبقة الحاكمة تعكس صورة دقيقة للمجتمع الذي يتولى الحكم فيه ، ولذا تكون أول واجبات الحاكم هي أن يعنى بأحوال المجتمع الذي يحكمه . وقد عبر النبي e عن أهمية الحكومة بقوله: (كما تكونون يولى عليكم ) . ومعلوم أن الحاجة إلى وجود حاكم على رأس الجماعة مهما صغرت هي شرط لاستمرار وجود الجماعة ، وركن من أركان كيانها . ومن هنا حضّ الدين الإسلامي الحنيف على أنه ( ما من ثلاثة أو أكثر خرجوا للسفر إلا كان عليهم أن يؤمروا أحدهم عليهم ) .

لقد تأثر منهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة بالعناصر الثلاثة الآتية :

1-       عنصر موروث عن تجربــــة الدولتـــين السعوديتين الأولى والثانية ، وخاصة التقاليـــد القبليـــة ذات السمات الإسلامية ، كما يتضح من شكل الدولـــة ونظامهــــا، ومن التمسك بمبدأ الشورى الذي أخذ به الملك وطبقه في الدولة السعودية الثالثة .

2-       عنصر ناتج عن استكمال التوحيد السياسي للدولة ، وخاصة التأثر بتجربة الحجاز الإداريــة، إذ كان للتنظيم الذي وضعــه عبدالعزيــز بعد استصفاء الحجاز (1343هـ/1925م) أثر بالغ في دعم تماسك أقاليم الدولة وتعميق وحدتها ، وبداية التفكير في تنظيم الإدارة وتشكيلاتها على النمط الحديث .

3-       عنصر حديث ناتج عن الأخذ بالتنظيمات الإدارية الحديثة المتأثرة بالغرب الأوروبي في كثير من الأقطار العربية .  

  ومعلوم أن الحكم في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية كان وراثياً ينتقل إلى أكبر أبناء الحاكم بعد موته، وعادة ما تؤخذ له البيعة كولي للعهد في حياة أبيه منعاً للنزاع ، كما جرى العرف في الدول الإسلامية بعد عصر الخلفاء الراشدين . وقد اتبع الملك عبدالعزيز هذا التقليد في الدولة السعودية الثالثة، عندما وجه البيعة إلى ابنه الأكبر الأمير سعود ولي العهد في العــام 1352هـ/1933م([41]) . ويلاحظ أنه لم يحدث أن أصبح الابن حاكماً في حياة أبيه إلا مع عبدالعزيـــز الذي رغــب إلى والده عبدالرحمن الفيصل أن يتولى زمام الأمر بعد استعادة الرياض ، ولكن الإمام رفض ذلك ، وأعلن في باحة المسجد الكبير بالرياض نزوله عما له من حقوق في الإمارة لكبير أبنائه عبدالعزيز؛ لأنه أقدر على صون الإمارة وتنميتها واسترجاع أقاليمها ، وأهدى إليه سيف سعود الكبير ، وحفظ الابن كرامة أبيه ومقامه " فجعل شرطه على نفسه دوام الطاعة وجعل لأبيه حق الإشراف والردع " ، وكان يزوره يوميا([42]) .

لقد مرّ التنظيم الإداري في عهد الملك عبدالعزيز بمرحلتين متميزتين من حيث الأهداف والوسائل وشكل التنظيم، ولكنهما متداخلتان ، هما: مرحلة ما قبل ضم منطقة الحجاز، ومرحلة ما بعد ضم الحجاز التي تم فيها تثبيت دعائم الدولة وربط مناطقها تدريجياً بالنظام المركزي . وأهم ما يميز المرحلة الأولى التي تبدأ باستعادة الرياض واستمرت حتى مطلع الثلاثينات هو تركيز الملك على ترسيخ دعائم الدولة بجهود حربية مستمرة ضد خصومه ، قاد فيها إحدى وأربعين معركة بنفسه ، وجرح فيها أربع عشرة مرة ، عدا المعارك التي قادها أبناؤه وإخوته وقادته([43]) ، ولكنه لم يتدخل في شؤون الإدارة المحلية للأقاليم التي تكونت منها الدولة إلا فيما يتصل بالأمن . صحيح أن عبدالعزيز لم يفكر في هذه المرحلة بربط الأقاليم بإدارة حكومة مركزية موحدة ، ولكن السلطات المحلية في الأقاليم التي كانت تتولى وظائف السلطة المركزية في الشؤون القضائية والمالية والإدارية الأخرى كانت مرتبطة به بطريقة أو بأخرى . وقد وصف أحد الكتاب ترابط أجزاء الدولة في العام 1913م بقوله : " إن كل جزء من أجزائها كبيراً كان أو صغيراً مربوط بقاعدة الإمارة رأساً ، فيراجع كل رئيس قرية أو مدينة عاصمة الإمارة لإصلاح شؤونه عند الأمير الكبير "([44]) .

لقد كان واقع الإدارة في الدولة مركزياً ؛ لأن طبيعة الدولة النامية وظروفها لم تكن تسمح بإقامة سلطات محلية وإقليمية . فالدولة كانت بحاجة إلى دمج أجزائها وتوحيدها في كيان موحد . أما منطقة الأحساء فبرغم ما كان يبدو من شبه استقلال إداري يشبه نمط الحكم اللامركزي ، إلا أن المنطقة وحاكمها ابن جلوي كانت تخضع خضوعاً تاماً لسلطة الملك عبدالعزيز في كل شؤونها الكبيرة والصغيرة .

وأهم ما يميز المرحلة الثانية هو التنظيم الإداري الذي وضعه عبدالعزيز بعد استصفاء الحجاز ، انطلاقاً من القاعدة الإدارية المتقدمة نسبياً في أيام الحكم العثماني والهاشمي السابق ، وذلك من أجل تماسك أقاليم المملكة وتعميق وحدتها وتركيز سلطاتها واستكمال تنظيماتها بدءاً بقيام المجلس الأهلي ( 1343هـ / 1924م) وانتهاء بإنشاء مجلس الوزراء (1373هـ / 1953م) ، الذي يمثل اكتمال عملية توحيد المملكة سياسياً وإدارياً على أساس النظام المركزي .

 

وسنبحث فيما يأتي إيجازاً في السمات الأساسية لمنهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة ، بقدر ما تسعفنا به المصادر والمراجع المحدودة التي تيسرت لنا :

المرحلة الأولى – مرحلة التأسيس والتوحيد :

انطلق عبدالعزيز من الرصيد التاريخي للأسرة السعودية وما حققته بعد اقترانها بدعوة التوحيد السلفية من نجاح في توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية ، كما انطلق من تجارب أسلافه الإدارية والسياسية ، فتمكن بفضل تصرفه الحكيم مع القوى الخارجية المؤثرة في المنطقة كبريطانيا والدولة العثمانية ، وبعد صراع طويل مع خصومه المحليين استمر متقطعاً لمدة ثلاثة عقود تقريباً استطاع أن يرسي دعائم التنظيم لدولته، ولم تكن ظروف الدولة الناشئة في هذه المرحلة التأسيسية تسمح لعبدالعزيز بالإخلاد إلى الراحة والإحساس بالأمن ، ففي مسعاه الدؤوب لترسيخ نظام حكمه والقضاء على الخصوم والمناوئين له اهتم بتركيز جميع السلطات في يده والإشراف على الصغيرة والكبيرة في الدولة خشية نوبة غدر أو لؤم من أعدائه ، ولحظة إهمال أو تقصير من أنصاره، مما أقنعه بعدم التخلي عن أي مسؤوليات يتولاها ، بل يتابعها متابعة دقيقة مباشرة بمعرفة ذوي الرأي والخبرة والمشورة من رجالات نجد والأقطار العربية المجاورة الذين قبلوا أن يدخلوا في خدمته .

ويلاحظ أن الألقاب التي أطلقت على الملك عبدالعزيز في هذه المرحلة ذات دلالة على تكوين الدولــة وتوسعها ثم تطورها وتوحدها؛ ففي بدايــة تكوين الدولة كان لقبه ( أمير نجد ورئيس عشائرها ) ، ويتضح هذا من مراسلاته مع الشريف حسين في الحجاز (1328هـ / 1910م) . وعندما استرد عبدالعزيز منطقة الأحساء من الأتراك العثمانيين ( 1331هـ  / 1912م) أطلق هؤلاء عليه مع لقب الباشوية لقب ( والي نجد وقائدها عبدالعزيز باشا). وبعد معاهدة القطيـف التي عقدها مع الإنكليز ( 1334هـ / 1915م) سماه هـــؤلاء ( حاكم نجد والأحساء والجبـــيل وتوابعها ) . وبعد ضم عسـير ( 1338هـ / 1919م) عُقِدَ في الرياض مؤتمر في العام (1339هـ / 1920م) ، وتقرر فيه تسمية عبدالعزيز ( سلطان نجد وملحقاتها ) تقديراً لجهوده في بناء الدولة . وبعد استصفاء الحجاز وضمها إلى نجد ( 1344هـ / 1925م) سُمِّي ( ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها ) ، وبعد عام واحد صار لقب عبدالعزيز ( ملك الحجاز ونجد وملحقاتهــا ) مع إعــلان نجد مملـــكة في العام (1345هـ / 1926م) حتى إذا كان العام (1351هـ / 1932م) أصبح لقبه ملك المملكة العربية السعودية([45]) .

ولنسرع إلى القول: إن بناء التنظيم الإداري للدولة لم ينشأ بعد توقف المعارك الحربية بين عبدالعزيز وخصومه ؛ لأن أصول هذا التنظيم وعناصره ومكوناته كانت موجودة في المناطق التي استعادها عبدالعزيز وإنْ اختلفت تنظيماتها الإدارية من منطقة لأخرى ، بين بادية وحاضرة وشرق وغرب ؛ فقد وجد مثلاً في الأحساء وعسير وجبل شمر بعض التنظيمات الإدارية العثمانية ، فأبقى على بعضها ، مع تفاوت في التطبيق ، بحيث تعامل مع كل منطقة على حسب ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية . وبرغم أنه وحد هذه المناطق الثلاث مع نجد ، فإن أساليب استعمال السلطة فيها تنوعت باختلاف الزمان والمكان ، وظل هذا التفاوت الإداري قائماً حتى ما بعد توحيد المملكة سياسياً في العام (1351هـ / 1932م) ([46]) .

لقد انعكست صفات عبدالعزيز الشخصية وسجاياه الخلقية التي سبق أن عرضنا لها على منهجه في الحكم من حيث التزام الحكمة والعزم والسماحة في التعامل مع أبناء وطنه ، ومن حيث الأخذ بالعدل والمضاء والمساواة في اتخاذ القرارات . لقد حكم عبدالعزيز حكماً فردياً في تلك المرحلة، ولكنه كان يحرص على تبادل الرأي في لقاءاته مع الأمراء ورؤساء القبائل ، وعندما يخلو لمستشاريه وذوي الخبرة وكبراء البلاد ، ويردد دائماً: " رأي الجماعة خير من رأي الفرد "، ويقول: " مجال البحث والتدقيق والتمحيص يوصل إلى خير النتائج وأحسنها "([47]) . إضافة إلى مغزاها ودلالتها في نظر عبدالعزيز الذي لا تخفى عليه آثارها المعنوية الإيجابية في نفوس أبناء وطنه؛ فالمشورة تعمق مشاعر المودة للملك والثقة بزعامته في قلوب من يستشيرهم ، وخاصة لأنها تشعرهم بأهميتهم فرادى أو مجتمعين ، وهو يقبل المشورة إذا رأى أنها صائبة([48]) . صحيح أن حكم عبدالعزيز يبدو فردياً ( أوتوقراطياً ) من نواح عدة ، إلا أنه مقيد بأحكام الشرع ، وتظهر فيه مزايا ديمقراطية عديدة . ولا يمكن أن يكون حكمه مطلقاً مادام مقيداً بأحكام الشريعة الغراء ، وما دام الملك يسمع شكاوى الناس حتى أوضعهم مقاماً في المجتمع ، بحيث يستطيع بدوي لا شأن له أن يقف أمام سيد البلاد ، ويطلب منه إحقاق الحق في قضيته ، ويسمى هذا في المصطلح القانوني الحديث ( محكمة عليا للاستئناف ) ([49]) . وحين كان يسأل عبدالعزيز عن دستور بلاده يجيب : " دستورنا القرآن"، ويؤكد تويتشل في كتابه أن القرآن هو مصدر التشريع والقانون في الدولة السعودية([50]). ويعني عبدالعزيز بذلك التزامه هو شخصياً وإدارته بأحكام الشرع الإسلامي المستمدة من معاني كتاب الله، " وما لم يكن فيه فمن حديث رسوله وعمله، وما لم يكن فيهما فمن قضاء أصحابه وسيرتهم ، وما لم يكن فمن نهج أهل العدل والعقل والسيرة الحسنة من سلف الأمة ، وما لم يكن ففي النظم ما قد يقوم مقام التشريع "([51]) .

لقد اتخذ عبدالعزيز من المشورة سبيلاً للتوصل إلى قراراته في جلائل أمور السياسة الداخلية والخارجية، من ذلك مثلاً أن موضوعاً يرفع إليه أو أمراً يلح على فكره، فيمعن النظر فيه، ويتوصل إلى حل يرضاه في نفسه. وبعد ذلك يجتمع مستشاروه، ويسميهم ( الربع )، فيطرحه عليهم لمناقشته وإبداء الرأي حوله، فيتدارسونه من شتى جوانبه، فإذا انتهوا إلى البت فيه بما يتفق مع رأيه أقره وأمضاه، وإلا ناقشهم وعمل أخيراً ما استقر عليه الرأي. ويذكر الزركلي أن " أفضلهم عنده من يعترض ويناقش"([52]).

والمشورة إلى ذلك تتم أيضاً عبر اجتماع يدعو إليه عبدالعزيز من يرى من الأعيان ، أو عبر الاجتماع السنوي الذي يحضره رؤساء العشائر وأمراء المدن ورؤساء الهجر والوجهاء من مختلف مناطق المملكة ، لمقابلة الملك وأخذ أعطياتهم السنوية وعرض مطالبهم ، وتلقي توجيهات الملك وإبداء الرأي في شؤون السياسة والإدارة([53]) ، أو عبر اجتماع عام يعقده رؤساء العشائر وأمراء المدن والهجر في مكان معين بدعوة من الملك الذي يشرح لهم الموضوع المطروح للمشورة ، ويترك لهم حرية النقاش، وقد يستدعي العلماء لمحاورتهم([54]) ، ثم يتخذ قراره إذا اتفقوا على رأي أو تقاربت آراؤهم حوله . ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر الاجتماع الذي تقرر فيه استصفاء الحجاز عام 1923م . ومنه الاجتماع الذي أسفر عن إعلان نجد مملكة ، وحضره ثلاثة آلاف من أهل الحل والعقد في العام 1345هـ / 1926م([55]) . ومنه اجتماع عام في العام 1347هـ / 1928م حضره العلماء وغالب رؤساء الهجر وبعض أمراء المدن ، وتقرر فيه ملاحقة فيصل الدويش ومناصريه . ويلحظ أنه كان لزعماء القبائل حضور واضح في مجلس عبدالعزيز في بداية تكوين الدولة ، ولكن حين استقرت الأمور واكتمل توحيد البلاد ، وتطورت نظمها الإدارية ، ومالت نحو التخصص والاستقرار ، صارت المشورة تصدر عن كبار الموظفين والمستشارين من ذوي الخبرة والرأي([56]) . وقد عمل الملك عبدالعزيز بعد دخول مكة المكرمة على ( تقنين ) الشورى ، فجعل لها جهازاً حكومياً رسمياً ، له شخصيته الاعتبارية كما سنرى .

ويتضح مما كتب عن الملك عبدالعزيز أنه كان المرجع المباشر لكل ما يهم شؤون الحياة العامة وتقدم المجتمع ، ولم يكن حوله سوى ( ديوان عظمة السلطان ) أو ( ديوان الشيوخ ) بما فيه من إدارات وشعب ، وهو وحده المتولي أعمال ما سمي فيما بعد (الوزارات) ، ومرجعه المباشر الملك الذي كان لقبه إلى ما بعد استصفاء الحجاز (عظمة السلطان) . و ( الشيوخ ) هو اللقب الذي كان يطلقه أهل نجد على عبدالعزيز . وتعرض عليه في ( ديوان الشيوخ ) الذي يجلس فيه يومياً مشكلات الحكومة وقضاياها، فيعطي توجيهاته وأوامره للموظفين بشأنها .

ولدينا شهادة حية من أحد كبار مستشاري الملك عبدالعزيز ، هو حافظ وهبة ، يلخص فيها ذلك بقوله : " يقابل ( عبدالعزيز ) الناس من شيوخ البدو وكبار العر