1– خلفية تاريخية:

المتأمل في تاريخ شبه الجزيرة العربية الحديث يتبين له أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية كان لها تأثير كبير على تطور الأحداث التاريخية في هذه المنطقة .

 

العامــل الأول:

الموقـــع:

فقد كان لموقعها كحلقة اتصال بين الشرق والغرب أثر عظيم في تطور أحداثها التاريخية عبر العصور، فمنذ أقـدم العصور التاريخية كانت شبه الجزيرة العربية حلقة وصل هامة ، بل هي واسطة العقد في الاتصال بين الأمم الشرقية والغربية ،وكانت شبكة الطرق البرية التي تجوبها قوافل التجارة  بمثابة شرايين تغذي مختلف أقاليمها ، حيث كانت تنقل عبرها احتياجات الغرب من منتجات الشرق من بهارات وتوابل، بالإضافة إلى ما تنتجه من مواد عطرية من بخور وعطور ولبان، وحيوانية من خيل وجمال ومنتجاتها، ومنتجات الغرب من قصدير ونحاس وزيوت.... الخ.

فكانت آثار ذلك ليست فقط مادية اقتصادية ترفع من مستوى معيشة سكانها وإنما كانت اجتماعية وثقافية وفكرية بحكم الاتصال المستمر بالشعوب والأمم الأخرى ذات الحضارات المختلفة.

ونظراً لهذا الموقع وتلك الأهمية تعرضت– في بعض فترات تاريخها القديم– لمحاولات بعض القوى الكبرى السيطرة عليها عن طريق التحكم في بعض المناطق الاستراتيجية المحيطة بها([1]).

ولم تكن حركة التجارة عبر الطرق البرية على وتيرة واحدة ، فتارة تزداد وتزدهر، وتارة تتضاءل هذه الحركة حتى تكاد تتلاشى بأسباب هي في الأغلب خارجية .

وبعد معرفة الرومان في القرن الأول الميلادي ، للرياح الموسمية على يد (هيبالوس HIPPALUS ) وأوقات جريانها أثر ذلك سلباً على حركة القوافل عبر الطرق البرية ، وأصبح طريق البحر الأحمر هو الأهم، فتأثرت الحياة الاقتصادية تبعاً لذلك وما ترتب على هذا من نتائج من فقر وعوز ، وانتشرت بسببه البداوة والحروب القبلية ، إلا أن التنافس بين الدولتين الساسانية والبيزنطية في القرون الثلاثة السابقة لظهور الإسلام انعكس إيجابا في بعض جوانبه ، فعادت الجزيرة العربية تلعب دوراً له بعض الأهمية في النقل التجاري، مما انعكس إيجابا بدوره على الحياة الاقتصادية والاجتماعية بل والفكرية.

وبعد مجيء الإسلام تغير الوضع – من هذا الجانب – إلى حد كبير ، فقد أوغلت أوربا في عصورها المظلمة (الوسطى)، ولم تعد ذلك المستهلك الرئيسي لمنتجات الشرق، وإنما حل محله دولة الإسلام ، وخاصة في عصرها العباسي ، فأصبح الخليج هو واسطة العقد في التجارة الدولية، وتلاشى دور البحر الأحمر إلى حد كبير ، وأصبح النقل عبر الطرق البرية داخل شبه الجزيرة ، إقليمياً إلى حد كبير ولم يعد دولياً .

ومنذ منتصف القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي ، بدأ الخليج يفقد دوره تدريجياً نتيجة للاضطرابات التي أحدثتهـا الثورات المتتاليـــة مثل ثـــورة الزنج 255–270هـ/868–883م وحركة القرامطة التي بدأت أواخر القرن الثالث الهجري، فازدهر طريق البحر الأحمر، فكان ذلك من العوامل التي أسهمت في ازدهار الأوضاع الاقتصادية في مصر والشام ، وقيام دول شبه مستقلة مثل الطولونيون والأخشيديون ثم الفاطميون والأيوبيون ، وفي خلال تلك الفترة شهدت الجزيرة العربية– نتيجة لزيادة حركة النقل عبر الطرق البرية بالإضافة إلى طريق البحر الأحمر– ازدهاراً نسبياً مضطرداً.

وترتب على الاجتيـاح المغولي للشـرق الإسلامي في القرن السابع الهجري  الثالث عشر الميلادي  أن ازدادت أهمية طريق البحر الأحمر، فانعكس ذلك على موانئه مثل ينبع وجدة وعدن، كما عاد إلى طرق القوافل شيئاً من أهميتها القديمة، وأثر ذلك في الحياة الاقتصادية في شبه الجزيرة العربية بشكل ما .

وأثناء الفتوحات العثمانية – وبعد استيلائهم على القسطنطينة 857هـ/1453م وارتباك الطرق الشمالية– ازداد جريان النقل للتجارة الدولية عبر الجزيرة العربية، خاصة البحر الأحمر ، وعبر طرق القوافل ، وتمثل ازدهار النقل وكثافته الأرباح العظمية التي تدرها هذه التجارة في تلك الفترة بروز تجار الكارم([2]) الذين بلغت ثروات بعضهم مبالغ عظيمة([3]) وساعد على نمو التجارة هذه ، خروج أوربا من عصورها الوسطى ، وبدء نهضتها الحديثة ، فازداد الطلب على منتجات الشرق عبر هذه المنطقة من العالم ، وأثر ذلك ليس في سواحل الجزيرة العربية فقط وإنما في داخلها أيضاً([4]).

إلا أن بداية القرن العاشر الهجري (نهاية القرن الخامس عشر الميلادي)، وبعد التفاف البرتغاليين حول رأس الرجاء الصالح ، ونجاحهم في تحويل طرق التجارة من مساراتها التقليدية عبر الجزيرة العربية وبحرها الأحمر وخليجها إلى الطريق الجديد انعكس ذلك سريعاً على الأوضاع في شبه الجزيرة العربية وعموم المنطقة بصفة عامة، وفقدت الجزيرة العربية دورها كحلقة وصل رئيسية للتجارة العالمية ، فلم تلبث دولة المماليك في مصر والشام والحجاز – والتي كانت تعتمد أساسًا في مواردها على هذه التجارة العابرة – أن سقطت نتيجة انهيارها اقتصادياً بضربة قاضية على يد العثمانيين سنة 923هـ/1517م وحل العثمانيون محل المماليك، وبسطوا سلطانهم على عموم شبه الجزيرة العربية ، فاستولوا على اليمن سنة 945هـ/1538م و العراق سنة 941هـ/1534م ، وكان الحجاز قد دان أشرافه للسلطان العثماني سنة 923هـ/1517م ،إثر وصول السلطان سـليم لمصر في نفس ذلك العام .

 

العامل الثاني: الحكم العثماني:

اتسمت فترة بسط سيادة العثمانيين على شبه الجزيرة العربية والمناطق المحيطة بها (العراق والشام ومصر) بالجمود والتدهور الاقتصادي نتيجة لفقد المنطقة مصدرها الرئيسي للدخل المتمثل في التجارة العابرة أولاً ، وثانياً لأنماط الحكم والإدارة العثمانية، وثالثاً لأن المنطقة لم تعد مركز الدولة المسيطرة ، بل أصبحت ذات أهمية ثانوية باستثناء الحجاز نظراً لوجود الحرمين الشريفين ، وظلت المنطقة طوال القرون الثلاثة الأولى من الحكم العثماني في شبه توقف كامل عن التطور والتفاعل مع ما يجري خارجها ، بل هو الجمود بعينه ، مما يعني التأخر والتدهور في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ، فتُركت الجزيرة العربية وسكانها يأكل بعضها بعضاً بالحروب والنزاعات القبلية والإقليمية والتناحر على مصادر الرزق المحدودة ، باستثناء الحرمين الشريفين ، حيث أولتها الدولة العثمانية عناية خاصـة فخصصت معظم موارد مصر – على وجه الخصوص – للصرف على احتياجات الحرمين الشريفين ، وبلغ متوسط ما يصرف على الحجاز في تلك الفترة من دخل مصر 45 مليون بارة في السنة ، وكانت معظم هذه المخصصات تذهب إلى طبقة معينة([5]) ،وخدمة الحجاج وشؤون الحج . فكان الحجاز أو بالأحرى مكة المكرمة والمدينة المنورة أفضل البقاع العربية تحت الحكم العثماني من هذه الناحية ،ولم  تكن بقية أقاليم المنطقة المحيطة بشبه الجزيرة العربية (العراق والشام ومصر) بأحسن حال ، مـع الاحتفاظ بالعامل النسبي  من شبه الجزيرة العربية .

فقد استنزفت موارد مصر من ناحية وأهملت العناية بمقومات حياتها الاقتصادية من إصلاح زراعي واهتمام بالري وتصريف مياه النيل ... الخ . وتدهورت صناعتها نظراً لضعف الاستهلاك من ناحية ودخول المنتجات الأوربية الرخيصة والجيدة من ناحية أخرى ، وتضاءلت تجارتها الخارجية إلى حد كبير ، وما قيل عن مصر يقال عن سوريا أيضاً .

أما العراق ، فقد يكون أسوأ المناطق تأثراً إبان الحكم العثماني ، فمنذ القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي  وهو يتعرض للنكبات المتتالية، والتي بلغت ذروتها بالاكتساح المغولي على يد هولاكو وتدمير بغداد سنة 658/1258م، ثم الحملة الثانية على يد تيمورلنك سنة 796هـ/1393هـ .

وعند مجيء العثمانيين في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وافق ذلك قيــام الدولــــة الصفوية في إيران على يد مؤســـسها إسماعيــل الصفوي 898–930هـ/ 1492–1524م، والتي اتخذت من المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة، فنشبت الحروب بين الدولتين قرابة قرن ونصف فكانت سبباً في تدهور أوضاع العراق إلى الأسوأ، حيث تعطلت أسباب الحياة وتدهورت الزراعة وأهملت صيانة مجاري الأنهار وتصريفها، فانتشر الفقر والجهل وتفشت البداوة وانعدمت أو كادت أسباب الحياة المستقرة المنتجة للتقدم والحضارة، فكما وصف الأوضاع في تلك الفترة عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي بقوله:" يبدو لي أن المد البدوي الأخير الذي شمل العراق في العهد العثماني كان أشد وطأة من جميع العهود السابقة، إذ لم يشهد المجتمع العراقي عبر تاريخه الطويل حقبة سيطرت فيها القيم البدوية كتلك الحقبة"، ولعلي أستطيع أن أعلل ذلك بالأسباب التالية :

أولاً:أن الفتح العثماني جاء عقب فترة من الغزو المغولي والتتاري ، وهي فترة لم تتوفر فيها حكومة حضرية تعني بترويج التجارة وتشجيع الإنتاج، والعناية بنظام الري، ويعتبر المؤرخون تلك الفترة أشد فترات التاريخ العراقي ظلاماً، وأوطئها حضارة([6]).

العامل الثالث: الهيمنة البريطانية:

تمكن العثمانيون في بداية حكمهم للبلاد العربية من حماية الديار المقدسة من الغزو البرتغالي ، كما تمكنوا من تطهير البحر الأحمر من هؤلاء الغزاة بعد استيلائهم على اليمن سنة 945هـ/1538م، وأصبح البحر الأحمر بحيرة عثمانية مغلقة بينما فشلوا في إخراج البرتغاليين من الخليج .

وفي القرن التالي – الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي – نزلت إلى ميدان المنافسـة التجاريـة في الخليج قوى أوربية جديدة متمثلة في مؤسسات أطلقت كل واحدة على نفسها اسم "شركة الهند" ([7]) حيث تمكنت إحداها – شركة الهند الشـرقية البريطانية " بالتعـاون مع الشـاه الفارسـي عباس الكبير 996–1038هـ/1587–1629م– من طرد البرتغاليين من جزيرة هرمز 1032هـ/1622م قاعدة نفوذهم طوال ما ينيف على قرن كامل ، ومن ثم  دخلت هذه الشركة في تنافس حاد–أحيانا، وتعاون مشوب بالحذر أحيانا أخرى – مع الشركات المماثلة ، وخاصة شركة الهند الهولندية ، إلا أن شركة الهند الشرقية البريطانية فازت في الأخير حيث بدأ نفوذها يقوى، ويتمركز شيئاً فشـياً ،حتى استطاع أن يقضي تدريجيا على بقايا النفوذ الهولندي وذلك بعد أن تمكنت سنة 1177هـ/1763م  أن تنشئ لهـا في ميناء بوشهر مركزاً رسمياً لأول مقيم بريطاني، وقد أصبح هذا المقيم يحمل لقب ( المقيم السياسي البريطاني ، سنة 1279هـ/ 1862م  وقد استمرت بريطانيا في سياستها الرامية إلى تقليص نفوذ الدول الأجنبية الأخرى في المنطقة، وذلك بغرض تثبيت نفوذها السياسي فيها ، وقد تم لها ما أرادت حين قضت في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي على النفوذ الفرنسي في المنطقة ، وباشرت في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي في تقليص نفوذ الدولة العثمانية في الخليج،وحصره ضمن أقاليم محدده على الساحل الشرقي للجزيرة العربية، ويعتبر مطلع القرن التاسع عشر بداية تثبيت نفوذ بريطانيا السياسي في الخليج ([8]).

منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي  بدأت المنطقة تشهد تطورات جديدة؛ حيث بدأ البحر الأحمر والخليج يستعيدان أهميتهما كطريقين للتجارة العالمية ، نتيجة لعدة عوامل منها تطور وسائل النقل إلى سفن كبيرة الحجم، واستخدام البخار في تسيير السفن، وازدياد إنتاج أوربا نتيجة للتطورات الاقتصادية والصناعية فيها، وأهمية الوصول إلى الشرق خاصة الهند كأسواق لتصريف المنتجات المصنعة، وللحصول على المواد الأولية ، وحيث إن بريطانيا قد أصبحت في تلك الفترة أكثر الدول الأوربية تقدماً في الصناعــــة وبالتالي أكثرها احتياجاً للمواد الأولية ، وإيجاد أسواق لتصريــــف منتجاتهـــــا، فقد تمكنت من خـــلال شركة الهند الشرقية البريطانية من توطيد نفوذهــــا التجاري في الهند – خاصة بعد أن استقلت الولايات المتحدة سنة 1776م – وأصبحت الهند أهم مناطق النفوذ البريطاني على الإطلاق، وبذلك حظيت باسم "درة التاج البريطاني " بل وربما بدونها لا تصبح بريطانيا عظمى بالمعنى الاقتصادي وبالتالي السياسي والعسكري .

وعند استيلاء الفرنسيين على مصر سنة 1213هـ/ 1798م ، ومحاولة نابليون الاتصال بسلطان مسقط والتعاون مع الشاه الفارسي، والتحالف مع القيصر الروسي لتطويق الهند البريطانية) ([9]) أدركت بريطانيا أهمية منطقة شبه الجزيرة العربية ، ليس فقط للدفاع عن الهند وإنما للحفاظ على الطريق المؤدي إليها ، بل أهم الطرق المؤدية إليها ، وهما طريقي البحر الأحمر والخليج بالإضافة إلى أن منطقة الخليج بذاتها ذات أهمية تجارية متنامية لما تحتويه من ثروات طبيعية وأسواق استهلاكية رائجة خاصة إيران وما بين النهرين (العراق)، لهذا سارعت بريطانيا لتطويق هذا الخطر في ثلاثة اتجاهات (في مصر نفسها بالتعاون مع العثمانيين والمماليك حتى تم إخراج الفرنسيين من مصر وفي الخليج حيث سارعت إلى عقد اتفاقيتي سنة 1798م وسنة 1800م مع سلطان بن أحمد ، سلطان عمان([10]) ، للحيلولة دون أي تهديد فرنسي لمدخل الخليج . وفي مدخل البحر الأحمر سارعت إلى احتلال جزيرة بريم في 3 مايو سنة 1799) ([11]).

وبعد انحسار الخطر الفرنسي بخروجهم من مصر سنة 1801م ، وسقوط فرنسا النابليونية سنة 1815م بعد معركة (ووترلو WATERLOO) وسعي بريطانيا إلي ترتيب علاقات معينة مع والي مصر محمد علي باشا ، بعد أن أصبح الحاكم القوى في مصر ، ضمنت هذه الترتيبات لبريطانيا المحافظة على مصالحها التجارية في مصر ومن خلالها كطريق للهند .

وفي خلال هذه الفترة كان وسط الجزيرة العربية (نجد) يشهد ولادة كيان جديد ضارب بجذوره في أعماق تاريخ هذه المنطقة ، وهو كيان الدولة السعودية الأولى التي ظلت قرابة نصف قرن تناضل في دائرة داخلية لا تحس بما يدور حولها ، وربما لا يحس بها أحد خارجها ، حتى تمكنت من وضع أساسها القوي ، ثم انطلقت تتسع في شتى الاتجاهات ، فإذا هي تطل على الخليج من باب واسع ، ثم تضم معظم الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية بما فيه الحرمين الشريفين ، وتوغل قواتها شمالاً حتى تصل طلائعها إلى قرب أسوار العاصمة السورية، وتكاد تصل إلى شواطئ نهر الفرات ، وفي الجنوب تلامس شواطئ بحر العرب . وأثارت بهذا قوى إقليمية ودولية ، وكانت بريطانيا هي أكثر هذه القوى تأثراً بهذه التطورات وما ينتج عنها من تهديد محقق لطريقي الهند ، وأفرزت هذه التطورات  تحالفاً غير مكتوب بين المخاوف البريطانية  والرغبة العثمانية  وطموحات محمد علي باشا ، نتج عنه وأد هذه الدولة في مهدها سنة 1233هـ/1818م على يد هذا الأخير .

ولم تكن طموحات محمد علي بأحسن حظاً من الدولة التي أطاح بها ، فقد وقع في نفس المحظور بسيطرته على طريقي الهند باستيلائه على سوريا بالإضافة إلى مصر ( أي طريقي البحر الأحمر والخليج ) وان كان في الواقع قد قام بمعظم حركاته العسكرية بتنسيق وتفاهم تام مع صاحبة المصلحة الكبرى – بريطانيا العظمى – فإن ذلك لا يعني شيئاً إذا تعارض مع المصالح الحيوية لتلك الدولة ، فتم تحجيم محمد علي وإجباره – في أوج قوته العسكرية – على التخلي عن جميع أملاكه خارج مصر ،والاكتفاء بحكم مصر وحدها باعتباره والياً عثمانياً لا غير، وذلك وفق اتفاقية لندن سنة 1256هـ 1840م  .

وبعد اتفاقية لندن هذه التي قضت بخروج محمد علي من جميع المناطق التي احتلها خارج مصر ، وكانت بريطانيا قد قامت باحتلال عسكري لعدن سنة 1839م، بعـد أن تم ترتيب الأوضاع في الخليج إثـر إسـقاط الدولـة السـعودية الأولى سنة 1233هـ/ 1818م بضـرب اتحـاد القواسـم ،وإبـرام معاهدة السلام الشامل (THE GENERAL TREATY OF PEACE ) سنة 1236هـ /1820م مع معظم شيوخ الخليج ، وأن المصالح البريطانية التجارية والملاحية قد تجذرت في بلاد ما بين النهرين (العراق) بصفة خاصة ، وفي عموم الجانب الشرقي الأسيوي والأفريقي من الدولة العثمانية قد توطدت بحكم الواقع وطول الممارسة وبحكم ( المعاهدة التجارية والتحالف السري بين بريطانيا والدولة العثمانية في 5 يناير سنة 1809 ،وتعزيزها باتفاقية ( بلطة ليمان بين بريطانيا والدولة العثمانية في 16 أغسطس سنة 1839([12])) كما أصبح النفوذ البريطاني في البلاط العثماني يأتي في الدرجة الأولى من حيث تأثيره على سياسة الدولة العثمانية حتى أن  أهل إسطنبول يلقبون كاننيج –سفير بريطانيا لدى الباب العالي 1842–1848م– (بيوك إيلجي – أي السفير الكبير ) باعتباره أكبر السفراء في إسطنبول، وأوسعهم نفوذاً وكان معظم النصارى يسمونه ( سلطان السلاطين )؛ لما عرفه عنه من السيطرة على السلطان عبدالمجيد ، وكـان كاننيج لا يتردد من التدخـل في شؤون الدولة من أجل الهدف الذي سعى إليه ) ([13])

وهكذا ظلت منطقة شبه الجزيرة العربية  بخليجها وبحرها الأحمر  معظم القرن التاسع عشر تحت مظلة النفوذ البريطاني منفرداً ، كما في الخليج وعدن ، ومن خلال الدولة العثماني في بقية أنحاء المنطقة .

وعند قيام الدولة السعودية الثانية ، والتي كان العقبة الأساسية في طريق قيامها هو وجود قوات محمد علي باشا ، فما إن انسحبت تلك القوات بموجب اتفاقية لندن وعودة السيادة العثمانية  لم تجد قيادة هذه الدولة  ممثلة في الإمام تركي بن عبدالله وابنه الإمام فيصل بن تركي صعوبة في استعادة معظم المناطق التي كانت خاضعة للدولة الأولى ، حيث أن غالبية السكان كانت تتوق إلى ذلك العهد الذي شهد نوعاً من الأمن والاستقرار نادر المثال في تلك البقاع منذ ما لا يقل عن ثلاثة قرون، إلا أن هذه الدولة لم تأخذ اتساعاً جغرافياً يتلاءم مع قدراتها وإمكانياتها حيث حُكمت في إطار من التوازن بين مصالح بريطانيا في الخليج والسيادة العثمانية في الحرمين الشريفين .

وإثر الفتنة التي نجمت عن خروج الأمير سعود بن فيصل على أخيه الإمام عبدالله ابن فيصل واضطرار هذا الأخير طلب العون من الدولة العثمانية ، كانت هذه الأخيرة تمر بلحظة يقظة ، عبر الاحتضار([14]) الطويل الذي كانت تعانيه منذ فترة طويلة ، متمثلة في :

        1)      جهود السلطان عبدالعزيز (1278–1293هـ/1861–1876م) .

        2)      فتح قناة السويس سنة 1869م وسهولة الوصول إلى مياه الخليج عبرها .

 3) أن والي بغداد  مدحت باشا كان في تلك الفترة يعمل جاهداً لاستعادة النفوذ العثماني في بعض المناطق الآسيوية بعد ما عانته الدولة في المناطق الأوروبية من هزائم متتالية([15])

فرأى ذلك الوالي في تلك الدعوة فرصة مواتية فلباها ، فتمكن من احتلال الأحساء بسهولة نسبية ، مع عدم وجود معارضة بريطانية ، بل ربما أن بريطانيا – نظراً للفوضى والاضطراب الذي أعقب ثورة سعود على أخيه – كانت ترى في ذلك عاملاً مساعداً لتوطيد الأمن في هذا الجزء من الخليج ، طالما أن الدولة العثمانية لازالت دولة حليفة  أو صديقة من ناحية وأن هذه الدولة لا تعتبر دولة بحرية يمكن أن تشكل تهديداً جدياً للوضع القائم .

بلغ النفوذ البريطاني في المنطقة ذروته ، في سبعينات ذلك القرن ( التاسع عشر )، ففي العراق – مثلاً – كانت "بريطانيا" صاحبة النفوذ الأوحد في ولايتي البصرة وبغداد، إنها كانت مسيطرة سيطرة تامة على الخليج من جانبيه العربي والفارسي وأصبحت مهيمنة على التجارة والملاحة هيمنة تامة ، وكان أكثر من تسعين في المائة من السفن التي تدخل شط العرب تحمل أعلام إمبراطوريتها ، وكان نحو ستين في المائة من مبادلاتها التجارية تتم معها .

وفضلاً عن ذلك كانت القنصلية البريطانية في بغداد قد اكتسبت مكانة خاصة وأوضاعاً ممتازة لا مثيل لها في سائر القنصليات([16]) .

وفي الجانب الآخر –أي الطريق المؤدي إلى الهند  البحر الأحمر– لم تكتف بريطانيا بالسيطرة على مدخله الجنوبي (عدن)؛ فبعد افتتاح قناة السويس سنة 1283هـ/ 1869م ولتطويق النفوذ الفرنسي في القناة ، بادرت بشراء أسهم الخديوي إسماعيل في قناة السويس ، عندما أثقلت الديون كاهل الإدارة المصرية وعجزت عن تسديدها، وكانت بريطانيا أحد أكبر الدائنين بادرت بشراء تلك الأسهم سنة 1875م، وما يتبع ذلك من نفوذ، وكل ذلك كان حرصاً على تأمين مواصلاتها إلى الهند ، فكما قال اللورد (كيرزون CURZON):"لولا الهند ما اشترى اللورد بيكونز فيلد (ديزيريلي) اسهم شركة قناة السويس ، ولو لا السويس لما كنا الآن في مصر " ([17]).

ولقد تبلورت السياسة البريطانية تجاه هذه المنطقة ، معظم القرن التاسع عشر في ثوابت تدور حولها، أهمها :

 1) المحافظــة على كيان الدول العثمانية وعدم السماح بتقسيمها بين الدول الطامعة – بدرجة أساسية – على طريقي الهند ( البحر الأحمر والخليج ) وما يؤدي إليهما .

        2)      عدم السماح بقيام دولة إقليمية كبرى تهدد أحد هذين الطريقين أو كليهما .

 

تمثل ذلك في تشجيع السلطان العثماني واليه على مصر على القضاء على الدولة السعودية الأولى ، كما تمثل ذلك في التعامل مع محمد علي باشا عندما أجبرته بموجب اتفاقية لندن على الانسحاب من جميع المناطق خارج مصر([18]).

2– تنافس القوى الأوربية الكبرى وأثره على المنطقة من مؤتمر برلين سنة 1878 إلى الحرب العالمية الأولى سنة 1914م:

يعتبر مؤتمر برلين (CONGRESS OF BERLIN) الذي عقد في شهر يوليو سنة 1878 م نقطة تحول كبرى في العلاقات الدولية الأوربية ، وذو أثر حاسم على وضع الدولة العثمانية، وبالتالي على منطقة شبه الجزيرة العربية بحدودها (الجيوبوليتيـــكية) بصفة خاصة، ( فعلى الرغم من أن الهدف الأساسي لهذا المؤتمر كان تسوية الخلافات الحادة بين (القوى الأوربية) وخاصة بريطانيا وروسيا حول معاهدة سان ستيفانو (SAN STEFANO) سنة 1878م بين هذه الأخيرة والدولة العثمانية ، حيث َسِلبت روسيا الكثير من الامتيازات التي حصلت عليها بموجب تلك المعاهدة ، وخاصة فيما يتعلق بقضية المضائق ( البسفور والدردنيل )، إلا أنه من جانب آخر فتح باباً واسعاً للتنافس بين الدولتين الكبيرتين ( روسيا وبريطانيا ) في وسط وغرب آسيا ، حيث أدركت روسيا عدم إمكانية التوسع في الغرب على حساب الدولة العثمانية والوصول إلى المياه الدافئة (حلمها القديم المتجدد) ([19])، منذ عهد قيصرهم بطرس الأكبر (1682–1725م) خاصة البحر المتوسط عن طريق التوسع على حساب الدولة العثمانية ، والاستيلاء على المضائق ، إلا أن المعارضة البريطانية ، واتخاذها سياسة المحافظ على كيان الدولة العثمانية كموقف إستراتيجي في سياستها تجاه المسألة الشرقية (EASTERN QUESTION) معظم القرن التاسع عشر ، حال دون تحقيق هذا الهدف الجميل الذي ظل يداعب زعماء الكرملين فترة طويلة وكانت روسيا نتيجة لإخفاقها في الوصول إلى البحر المتوسط أخذت تتوسع في آسيا الوسطى ، فاستولت على طشقند سنة 1865م، وسمرقند سنة 1868م، ومرو سنة 1884م، ولم يأتِ عام 1890م إلا وأصبحت لهـا حدود مشتركة مع إيران وأفغانستان). ([20])

ومن جانب آخر ، أدركت بريطانيا – قبيل انعقاد مؤتمر برلين –بالخطر المحدق بالدولة العثمانية ، إثر هزيمتها على يد روسيا ، وبالتالي على طريق أو طرق مواصلاتها إلى الهند ، وأرغمت الباب العالي على توقيع ( اتفاقية 26 مايو سنة 1878م التي بها قبلت الدولة العثمانية احتلال الإنجليز قبرص نظير حماية الإنجليز للدولة)،و ([21])  كانت اتفاقية سرية .

لقد أطلق مؤتمر برلين عنان القوى الأوربية الكبرى لتحقيق أهدافها داخل وخـارج القارة الأوربية ، كل حسب إمكاناته وظروفه ووضعه ومطامعه ومطامحه .

فألمانيا برزت كقوة كبرى في أوربا، وأصبح همها الأكبر طوال عهد بسمارك 1815–1898م ، أن يسود السلام أوربا، وأن تتجه القوى الأوربية للتنافس خارج هذه القارة ، فتم العديد من المعاهدات والاتفاقيات السرية بين القوى المتنافسة ( بين ألمانيا والنمسا سنة 1879م وبين ألمانيا والنمسا وروسيا (القياصرة الثلاثة) سنة 1881م، وجددت سنة 1884م .

ومنذ ذلك الحين أدركت بريطانيا أنه لم يعد بالإمكان الاستمرار في سياسة المحافظة على كيان الدولة العثمانية ، فمن ناحية لم تتمكن هذه الدولة – حسب رأيهم – من معالجة أوضاعها الداخلية، وبناء قوتها الذاتية طوال فترة طويلة من ضعفها وأمراضها المزمنة، ( بل زادت حالتها سوءاً وإمبراطوريتها تزعزعاً ولم تدفع فوائد الديون التي اقترضتها )، ([22])  من ناحية أخرى لم يعد بالإمكان كبح جماح الدول الأوربية المنافسة والمتطلعة إلى الاستيلاء على أجزاء من هذه الدولة ، وخاصة فرنسا التي لها مطامع قديمة في الساحل الأفريقي من البحر المتوسط ، ولكن خشيتها الكبرى كانت على طريق الهند ، فأصبحت ترنو إلى احتلال مصر ، والسيطرة على قناة السويس لتأمين أحد الطريقين الرئيسيين إلى الهند ، فعلى الرغم من تشجيع ألمانيا لبريطانيا للإقدام على هذه الخطوة([23])إلا أن هذه الأخيرة كانت تخشى مشاركة فرنسا لها النفوذ والسيطرة على مصر، حيث كانت فرنسا تبدى كل إصرار على تثبيت نفوذها في هذا البلد ، ومن ناحية أخرى كانت بريطانيا تخشى إن هي احتلت مصر أن تقوم روسيا باحتلال إسطنبول، وهذا يشكل خطراً أكبر على منطقة الشرق الأدنى ( أي من الأناضول إلى ما بين النهرين ( العراق ) وسوريا ثم قناة السويس نفسها )، حيث كان رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت (دزرائيلي) لا يرى في احتلال الإنجليز لمصر وسيلة ناجعة لدرء الخطر الروسي عن الشرق الأدنى ، فهو يقول :"إذا أخذ الروس الأستانة ، فانه يمكنهم في أي وقت الوصول إلى سوريا ووادي النيل ، وعند ذلك ماذا تكون فائدة أخذ الإنجليز لمصر؟ وحتى قواتنا البحرية لا تستطيع أن تعزز مركزنا في مثل ذلك الموقف، وأن الناس الذين يتكلمون بهذه الطريقة يجهلون الجغرافيا تماماً ، والأستانه لا مصر ولا قناة السويس هي مفتاح الطريق إلى الهند ".([24])

وبعد أن أمنت بريطانيا جانب روسيا – بعد اتفاقيات برلين – تمكنت في نهاية الأمر من التغلب على العقبة الأخرى ، وهي الإصرار الفرنسي على مشاركة بريطانيا النفوذ في مصر بتشجيع هذه الأخيرة للأولى باحتلال تونس ، فأرسلت فرنسا حملة عسكرية في 22 مايو سنة 1881م، وتمكنت من إرغام باى تونس على توقيع معاهدة بعد أن أعطتــه (أربع ساعات للتفكير ، رأى باى تونس بعدها أن يستجير بالدول فلم يجد ناصراً ) ([25]) فوقع على المطلوب .

ولهذا أصبحت الظروف ملائمة لاحتلال مصر ، فبدأت بريطانيا هجومها العسكري في سنة1301هـ/1882م ، وأوقعت بقوات عرابي في معركة التل الكبير ، وبدأ الاحتلال لمصر في 13/9 / 1882م ( وحملت السلطان عبدالحميد على إصدار بيان يستنكر فيه أعمال عرابي باشا ويعتبره عاصياً يجب تأديبه، كما أنها حصلت من الخديوي على رسالة شكر يعرب فيها عن امتنانه من المساعدة الثمينة التي قام بها الجيش البريطاني لإعادة الأمن إلى بلاده ). ([26])

 

3– الوضع في الخليج:

من ناحية أخرى فقد بدأ الضغط الروسي تجاه الخليج والهند يتزايد باستمرار في الربع الأخير من ذلك القرن  التاسع عشر ، إلا أنه بلغ درجة من الخطورة بعد التقارب الروسي – الفرنسي سنة 1891م (The Entente Cordiale ) ،مما أثار ما يشبه الفزع في الدوائر البريطانية المعنية ، ذلك أن فرنسا قد تمكنت من العودة إلى منافسة بريطانيا في الخليج في أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر ، ونجح الفرنسـيون في إبـرام اتفاقية مع سلطان مسقط سـنة 1846م،([27]) تضمن أحد بنودها ( بأن رعايا السلطان الذين هم في خدمة المؤسسات الفرنسية يمنحون نفس الحقوق التي يتمتع بها الشخص الفرنسي([28]))، ومن ثم أخذ التنافس البريطاني – الفرنسي يأخذ أبعاداً جديدة في الجزء الأفريقي من الإمبراطورية العمانية ( بعد انفصالهما سنة 1861م )، فتم الاتفاق بين الدولتين ( أي بريطانيا وفرنسا ) بصدور إعلان سنة 1862م القاضي بأن تحترم كل من الدولتين استقلال مسقط وزنجبار .

كانت هذه الاتفاقية وذلك الإعلان هما حجري الزاوية في العلاقات الفرنسية ـ العمانية ، إلا أنه نظراً لعدم وجود مصالح تجاريـة فرنسية ذات بال في منطقة الخليج ، ولبعد المستعمرات الفرنسية عن هذه المنطقة ، وبالتالي بعد مراكز قواتها العسكرية والبحرية  فإن النشاط الفرنسي في الخليج كان محدوداً للغاية، ولم يكن ليشكل أي تهديد جدي للهيمنة البريطانية .

إلا أنه بعد أن تم التقارب الفرنسي ـ الروسي سنة 1891م المشار إليه سلفاً، ومن ثم التحالف العسكري بين تلك الدولتين سنة 1894م انقلب الوضع تماماً ، حيث بدأ نشاط فرنسي محموم في محاولة للحصول على موطئ قدم أو منطقة نفوذ في الخليج([29]).

وعلى الرغـم من أن الخليج في تلك الفـترة قـد تحول إلى بحيرة بريطانية  شبه مغلقة  بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان سياسية وتجارية إلا أنه يجب أن نلاحظ أن بريطانيا لم تبسط هيمنتها على منطقة الخليج عن طريق اتفاقيات أو معاهدات حماية مع الوحدات السياسية القائمة بقدر ما كان نتيجة لتفوقها العسكري المطلق، وعدم وجود منافس محلي أو خارجي قادر على تحدي هذه الهيمنة حتى بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر ([30]).

 

فالمعاهدات التي أبرمت سنة 1820م مع شيوخ الساحل العربي بعد إسقاط الدولة السـعودية الأولى، وتحطيم قوة القواسم البحرية سنة 1819م والمسماة بمعاهدات السـلام الشامل (General Treaty of Peace)، وما تلاها من معاهدات مثل معاهدة سنة 1835م المسماة بهدنة السلام البحرية (The Maritime Truce) ،والهدنة البحرية الدائمة (Perpetual Truce) .. الخ لم تكن سوى اتفاقيات إجرائية تنظيمية ، بمعنى أن هذه الوحـدات السياسية كانت– من الناحية المظهرية على الأقل – وحدات سياسية مستقلة ، إلا أنها بحكم ضعفها وبحكم التفوق البريطاني الساحق كانت عاجزة عن ممارسة هذا الاستقلال) ([31]) .

وقد عبر عن هذا الوضع ايتشيسون AITCHISON ([32])، في مذكرة بتاريخ 3 مايو سنة 1871م بقوله : "يجب أن لا ننسى بأننا قد اكتسبنا السمات الرئيسية لوضعنا في الخليج العربي بالسياسة ، ثم صغناه بعدئذ في شكل تعهدات ضعيفة واهية كالسراب ، إننا لم نكتسب هذا الوضع بالغزو العسكري أو بمرسوم يخول لنا ذلك ، إن المبرر الوحيد لوضعنا هناك هو اعتمادنا على الظروف التي هيأت لنا الحصول على هـذه التعهدات، ثم طول فترة سريانها، مما أكد لنا الوضع الذي اكتسبناه بموجبها"  ([33]).

لهذا ولتلافي هذه الثغرة  سارعت بريطانيا في نفس العام الذي تم فيه التقارب الفرنسي ـ الروسي بإبرام اتفاقية الحماية مع سلطان مسقط سنة 1891م، وحيث أن هذه الحماية تتناقــــض مع تصريح سنة 1862م، فقد حاولت إبقاءهـــا سرية حتى سنة 1899م([34]).

لقد عبر نائب الملك في الهند اللورد كيرزون CURZON عن أهمية الخليج بالنسبة لبريطانيا في كتابه Persia and The Persian Question الذي صدر سنة 1892م، بقوله :" فلتنقل بريطانيا وروسيا معركتهما أو يسويا صراعهما هذا في مكان آخر غير الخليج ، ولكن عليهما أن لا يغرسا الفوضى في منطقة ذات تجارة تـدر أرباحاً عظمية، وأنا أعتبر أن الامتياز الذي تحصل عليه روسيا من جانب أي من دول الخليج ، كي تقيم لها ميناء عليه ، أعتبر هذا العمل إهانة لبريطانيا العظمى– لاشك فيه– من حيث هو إخــــلال بالوضع القائم Status Quo ، وإعــلان ضمني للحرب ضدها ، وأنا أعتبر المسؤول البريطـاني الـذي يرضى بمثل هذا التنازل خائناً لبلاده " ([35]).

لقد شكل التحالف الفرنسي – الروسي تهديداً خطيراً ليس فقط للمصالح البريطانية في الخليج وإنما في عموم المنطقة ، ففرنسا لها نفوذ واسع في سوريا وبشكل خاص لدى الطوائف المارونية ، وقد سبق للفرنسيــين أن تدخلوا  تدخلاً حربياً في لبنان في الستينات ( من القرن التاسع عشر) واحتلوها، وقَبِل العثمانيون مرغمين قيام نظام جديد يجعل لفرنسا التفوق في هذه المنطقة  ([36]).

وقد بلغت العلاقات البريطانية الفرنسية درجة سيئة للغاية من التوتر إثر حادثة (فاشوده )سنة 1898م، شعرت فرنسا على إثرها بالمرارة تجاه بريطانيا ، وانعكس ذلك على تعميق تعاونها مع روسيا في الخليج لمضايقة بريطانيا، حيث شرعت في القيام بنشاط  محموم في محاولة للحصول على موطئ قدم ومنطقة نفوذ في الخليج ،وقد اتجهت فرنسا في سبيل تحقيق ذلك نحو عدد من الأهداف، تتمثل في الحصول على قاعدة للأسطول الفرنسي في سواحل مسقط عن طريق استئجار محطة للفحـم هناك، والسيطرة على الملاحة في نهر القارون وربط سكة حديد دمشق – حلب بخط إلى بغداد، ومن ثم الخليج([37]).

لقد تأزم الموقف بالنسبة لبريطانيا في المنطقة بصفـة عامـة وفي الخليج بصفة خاصة ، فلقد أصبحت خارج التحالفات الدولية ، وكانت تستمتع بعزلتها التقليدية التي دعاهـا رئيس وزرائها اللورد( سالزبوري Lord Salisbury ) العزلة الرائعة (The Splended Isolation) ([38])، ففي معظم القرن التاسع عشر كانت تتمتع بمكانة لا ينافسها فيها قوة أخرى باستثناء روسيا التي كانت تعتبر منافسها الرئيسي في مجال مصالحها الحيوية ، فكان هناك ما يشبه الحرب الباردة بين الدولتين التي تصل إلى حافة الحرب الساخنة كما حدث في أزمة سنة 1829م، وحرب القرم سنة 1854 – 1856م، و 1876م التي توجت بمعاهدة سان ستيفانو ،وسببها الرئيسي خشية بريطانيا أن تصبح روسيا صاحبة النفوذ الأقوى في الشرق الأوسط، وبالتالي تهدد مصالحه الحيوية في الهند وما يؤدي إليها([39]).

وأمام تصاعد الضغط الروسي باتجاه الخليج والهند المتمثل في ازدياد نفوذ روسيا التجاري في إيران ، فقد كانت الأوضاع في إيران في نهاية ذلك القرن تسودها الفوضى والتمزق السياسي والتدهور الاقتصادي فأصبحت بذلك مجالا واسعاً للتنافس الاستعماري بين الدولتين الكبيرتين (بريطانيا وروسيا ) للسيطرة على أسواقها التجارية، ومن ثم بسط هيمنتها السياسية، وازدادت الأحوال سوءاً إثر اغتيال الشاه نادر شاه عام 1896م، وسجن الشاه مظفر الدين ،حيث أصبحت هذه الدولة على شفا الإفلاس ، فانتهزت روسيا الفرصة– بعد أن ترددت بريطانيا في الاستجابة لطلب الشاه– فقدمت قرضين كبيرين سنة 1900م وسنة 1901م، على شرط وضع عوائد معظم جمارك المدن الإيرانية ـ ماعدا مقاطعتي فارس والخليج ـ كضمان لسداد هذه القروض .

وعلى الرغم من أن الشاه الإيراني كان يحبذ الحصول على هذه القروض من بريطانيا ويتوجس خيفة من نتائج لجوئه لجارته الشمالية الكبرى ، إلا أن بريطانيا كانت تتردد في انتهاز الفرصة ، وذلك ليس عائـداً إلى عدم إدراك الساسة البريطانيين خطورة هذا التغلغل الروسي ونتائجه  بقدر ما هو عائد إلى تعقيدات الإدارة البريطانية ، وإجراءات اتخاذ القرار، وتضارب وجهات النظر بين الجهات المختصة العديدة ( وزارة الخارجية ، ووزارة الهند ، وحكومة الهند ) وفي العام التالي 1902م ومرة أخرى بعد أن ترددت بريطانيــــا في الاستجابة لطلب الشاه ، سارعت روسيا فقدمت قرضا ضخماً (100.000.000 روبل) وبذلك أصبح التفوق الروسي خاصة في شمال إيران وفي بلاط الشاه ، حيث تقع العاصمة واضحاً ، وأصبح المجال مفتوحاً لروسيا ، فقدمت مشاريع عديدة لأجل ربط عربستان بسكة حديد تمتد إلى طهران فالحدود الروسية ، كما أعطيت أفضلية واضحة للبضائع الروسية على حساب البضائع البريطانية ، وقد أوضحت إحدى الصحف الروسية الأهداف الاستعمارية لروسـيا في عموم المنطقة بتاريـخ 18 أبريل 1902م بقولها:" إن الصراع الاقتصادي والسياسي مع الاستعمار البريطاني في إيران يقتضي عدم التردد في منح الشاه المساعدات المالية التي يحتاجها ، لأن صداقتنا مع إيران ستوصلنا إلى المحيط الهندي، وستصبح منطقة الشرق الأدنى منطقة نفوذ روسية بما في ذلك تركيا ). ([40])

وفي إطار سعي روسيا للحصول على موطئ قدم في الخليج فقد شهدت السنوات العشر (1895 1905م) نشاطا روسياً متعدد المظاهر على شواطئ الخليج، تمثلت في زيارة عدد من سفن الحرب الروسية([41]) للعديد من موانئ الخليج، وزيارة القنصل الروسي في أبو شه