1– خلفية تاريخية:

المتأمل في تاريخ شبه الجزيرة العربية الحديث يتبين له أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية كان لها تأثير كبير على تطور الأحداث التاريخية في هذه المنطقة .

 

العامــل الأول:

الموقـــع:

فقد كان لموقعها كحلقة اتصال بين الشرق والغرب أثر عظيم في تطور أحداثها التاريخية عبر العصور، فمنذ أقـدم العصور التاريخية كانت شبه الجزيرة العربية حلقة وصل هامة ، بل هي واسطة العقد في الاتصال بين الأمم الشرقية والغربية ،وكانت شبكة الطرق البرية التي تجوبها قوافل التجارة  بمثابة شرايين تغذي مختلف أقاليمها ، حيث كانت تنقل عبرها احتياجات الغرب من منتجات الشرق من بهارات وتوابل، بالإضافة إلى ما تنتجه من مواد عطرية من بخور وعطور ولبان، وحيوانية من خيل وجمال ومنتجاتها، ومنتجات الغرب من قصدير ونحاس وزيوت.... الخ.

فكانت آثار ذلك ليست فقط مادية اقتصادية ترفع من مستوى معيشة سكانها وإنما كانت اجتماعية وثقافية وفكرية بحكم الاتصال المستمر بالشعوب والأمم الأخرى ذات الحضارات المختلفة.

ونظراً لهذا الموقع وتلك الأهمية تعرضت– في بعض فترات تاريخها القديم– لمحاولات بعض القوى الكبرى السيطرة عليها عن طريق التحكم في بعض المناطق الاستراتيجية المحيطة بها([1]).

ولم تكن حركة التجارة عبر الطرق البرية على وتيرة واحدة ، فتارة تزداد وتزدهر، وتارة تتضاءل هذه الحركة حتى تكاد تتلاشى بأسباب هي في الأغلب خارجية .

وبعد معرفة الرومان في القرن الأول الميلادي ، للرياح الموسمية على يد (هيبالوس HIPPALUS ) وأوقات جريانها أثر ذلك سلباً على حركة القوافل عبر الطرق البرية ، وأصبح طريق البحر الأحمر هو الأهم، فتأثرت الحياة الاقتصادية تبعاً لذلك وما ترتب على هذا من نتائج من فقر وعوز ، وانتشرت بسببه البداوة والحروب القبلية ، إلا أن التنافس بين الدولتين الساسانية والبيزنطية في القرون الثلاثة السابقة لظهور الإسلام انعكس إيجابا في بعض جوانبه ، فعادت الجزيرة العربية تلعب دوراً له بعض الأهمية في النقل التجاري، مما انعكس إيجابا بدوره على الحياة الاقتصادية والاجتماعية بل والفكرية.

وبعد مجيء الإسلام تغير الوضع – من هذا الجانب – إلى حد كبير ، فقد أوغلت أوربا في عصورها المظلمة (الوسطى)، ولم تعد ذلك المستهلك الرئيسي لمنتجات الشرق، وإنما حل محله دولة الإسلام ، وخاصة في عصرها العباسي ، فأصبح الخليج هو واسطة العقد في التجارة الدولية، وتلاشى دور البحر الأحمر إلى حد كبير ، وأصبح النقل عبر الطرق البرية داخل شبه الجزيرة ، إقليمياً إلى حد كبير ولم يعد دولياً .

ومنذ منتصف القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي ، بدأ الخليج يفقد دوره تدريجياً نتيجة للاضطرابات التي أحدثتهـا الثورات المتتاليـــة مثل ثـــورة الزنج 255–270هـ/868–883م وحركة القرامطة التي بدأت أواخر القرن الثالث الهجري، فازدهر طريق البحر الأحمر، فكان ذلك من العوامل التي أسهمت في ازدهار الأوضاع الاقتصادية في مصر والشام ، وقيام دول شبه مستقلة مثل الطولونيون والأخشيديون ثم الفاطميون والأيوبيون ، وفي خلال تلك الفترة شهدت الجزيرة العربية– نتيجة لزيادة حركة النقل عبر الطرق البرية بالإضافة إلى طريق البحر الأحمر– ازدهاراً نسبياً مضطرداً.

وترتب على الاجتيـاح المغولي للشـرق الإسلامي في القرن السابع الهجري  الثالث عشر الميلادي  أن ازدادت أهمية طريق البحر الأحمر، فانعكس ذلك على موانئه مثل ينبع وجدة وعدن، كما عاد إلى طرق القوافل شيئاً من أهميتها القديمة، وأثر ذلك في الحياة الاقتصادية في شبه الجزيرة العربية بشكل ما .

وأثناء الفتوحات العثمانية – وبعد استيلائهم على القسطنطينة 857هـ/1453م وارتباك الطرق الشمالية– ازداد جريان النقل للتجارة الدولية عبر الجزيرة العربية، خاصة البحر الأحمر ، وعبر طرق القوافل ، وتمثل ازدهار النقل وكثافته الأرباح العظمية التي تدرها هذه التجارة في تلك الفترة بروز تجار الكارم([2]) الذين بلغت ثروات بعضهم مبالغ عظيمة([3]) وساعد على نمو التجارة هذه ، خروج أوربا من عصورها الوسطى ، وبدء نهضتها الحديثة ، فازداد الطلب على منتجات الشرق عبر هذه المنطقة من العالم ، وأثر ذلك ليس في سواحل الجزيرة العربية فقط وإنما في داخلها أيضاً([4]).

إلا أن بداية القرن العاشر الهجري (نهاية القرن الخامس عشر الميلادي)، وبعد التفاف البرتغاليين حول رأس الرجاء الصالح ، ونجاحهم في تحويل طرق التجارة من مساراتها التقليدية عبر الجزيرة العربية وبحرها الأحمر وخليجها إلى الطريق الجديد انعكس ذلك سريعاً على الأوضاع في شبه الجزيرة العربية وعموم المنطقة بصفة عامة، وفقدت الجزيرة العربية دورها كحلقة وصل رئيسية للتجارة العالمية ، فلم تلبث دولة المماليك في مصر والشام والحجاز – والتي كانت تعتمد أساسًا في مواردها على هذه التجارة العابرة – أن سقطت نتيجة انهيارها اقتصادياً بضربة قاضية على يد العثمانيين سنة 923هـ/1517م وحل العثمانيون محل المماليك، وبسطوا سلطانهم على عموم شبه الجزيرة العربية ، فاستولوا على اليمن سنة 945هـ/1538م و العراق سنة 941هـ/1534م ، وكان الحجاز قد دان أشرافه للسلطان العثماني سنة 923هـ/1517م ،إثر وصول السلطان سـليم لمصر في نفس ذلك العام .

 

العامل الثاني: الحكم العثماني:

اتسمت فترة بسط سيادة العثمانيين على شبه الجزيرة العربية والمناطق المحيطة بها (العراق والشام ومصر) بالجمود والتدهور الاقتصادي نتيجة لفقد المنطقة مصدرها الرئيسي للدخل المتمثل في التجارة العابرة أولاً ، وثانياً لأنماط الحكم والإدارة العثمانية، وثالثاً لأن المنطقة لم تعد مركز الدولة المسيطرة ، بل أصبحت ذات أهمية ثانوية باستثناء الحجاز نظراً لوجود الحرمين الشريفين ، وظلت المنطقة طوال القرون الثلاثة الأولى من الحكم العثماني في شبه توقف كامل عن التطور والتفاعل مع ما يجري خارجها ، بل هو الجمود بعينه ، مما يعني التأخر والتدهور في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ، فتُركت الجزيرة العربية وسكانها يأكل بعضها بعضاً بالحروب والنزاعات القبلية والإقليمية والتناحر على مصادر الرزق المحدودة ، باستثناء الحرمين الشريفين ، حيث أولتها الدولة العثمانية عناية خاصـة فخصصت معظم موارد مصر – على وجه الخصوص – للصرف على احتياجات الحرمين الشريفين ، وبلغ متوسط ما يصرف على الحجاز في تلك الفترة من دخل مصر 45 مليون بارة في السنة ، وكانت معظم هذه المخصصات تذهب إلى طبقة معينة([5]) ،وخدمة الحجاج وشؤون الحج . فكان الحجاز أو بالأحرى مكة المكرمة والمدينة المنورة أفضل البقاع العربية تحت الحكم العثماني من هذه الناحية ،ولم  تكن بقية أقاليم المنطقة المحيطة بشبه الجزيرة العربية (العراق والشام ومصر) بأحسن حال ، مـع الاحتفاظ بالعامل النسبي  من شبه الجزيرة العربية .

فقد استنزفت موارد مصر من ناحية وأهملت العناية بمقومات حياتها الاقتصادية من إصلاح زراعي واهتمام بالري وتصريف مياه النيل ... الخ . وتدهورت صناعتها نظراً لضعف الاستهلاك من ناحية ودخول المنتجات الأوربية الرخيصة والجيدة من ناحية أخرى ، وتضاءلت تجارتها الخارجية إلى حد كبير ، وما قيل عن مصر يقال عن سوريا أيضاً .

أما العراق ، فقد يكون أسوأ المناطق تأثراً إبان الحكم العثماني ، فمنذ القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي  وهو يتعرض للنكبات المتتالية، والتي بلغت ذروتها بالاكتساح المغولي على يد هولاكو وتدمير بغداد سنة 658/1258م، ثم الحملة الثانية على يد تيمورلنك سنة 796هـ/1393هـ .

وعند مجيء العثمانيين في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وافق ذلك قيــام الدولــــة الصفوية في إيران على يد مؤســـسها إسماعيــل الصفوي 898–930هـ/ 1492–1524م، والتي اتخذت من المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة، فنشبت الحروب بين الدولتين قرابة قرن ونصف فكانت سبباً في تدهور أوضاع العراق إلى الأسوأ، حيث تعطلت أسباب الحياة وتدهورت الزراعة وأهملت صيانة مجاري الأنهار وتصريفها، فانتشر الفقر والجهل وتفشت البداوة وانعدمت أو كادت أسباب الحياة المستقرة المنتجة للتقدم والحضارة، فكما وصف الأوضاع في تلك الفترة عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي بقوله:" يبدو لي أن المد البدوي الأخير الذي شمل العراق في العهد العثماني كان أشد وطأة من جميع العهود السابقة، إذ لم يشهد المجتمع العراقي عبر تاريخه الطويل حقبة سيطرت فيها القيم البدوية كتلك الحقبة"، ولعلي أستطيع أن أعلل ذلك بالأسباب التالية :

أولاً:أن الفتح العثماني جاء عقب فترة من الغزو المغولي والتتاري ، وهي فترة لم تتوفر فيها حكومة حضرية تعني بترويج التجارة وتشجيع الإنتاج، والعناية بنظام الري، ويعتبر المؤرخون تلك الفترة أشد فترات التاريخ العراقي ظلاماً، وأوطئها حضارة([6]).

العامل الثالث: الهيمنة البريطانية:

تمكن العثمانيون في بداية حكمهم للبلاد العربية من حماية الديار المقدسة من الغزو البرتغالي ، كما تمكنوا من تطهير البحر الأحمر من هؤلاء الغزاة بعد استيلائهم على اليمن سنة 945هـ/1538م، وأصبح البحر الأحمر بحيرة عثمانية مغلقة بينما فشلوا في إخراج البرتغاليين من الخليج .

وفي القرن التالي – الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي – نزلت إلى ميدان المنافسـة التجاريـة في الخليج قوى أوربية جديدة متمثلة في مؤسسات أطلقت كل واحدة على نفسها اسم "شركة الهند" ([7]) حيث تمكنت إحداها – شركة الهند الشـرقية البريطانية " بالتعـاون مع الشـاه الفارسـي عباس الكبير 996–1038هـ/1587–1629م– من طرد البرتغاليين من جزيرة هرمز 1032هـ/1622م قاعدة نفوذهم طوال ما ينيف على قرن كامل ، ومن ثم  دخلت هذه الشركة في تنافس حاد–أحيانا، وتعاون مشوب بالحذر أحيانا أخرى – مع الشركات المماثلة ، وخاصة شركة الهند الهولندية ، إلا أن شركة الهند الشرقية البريطانية فازت في الأخير حيث بدأ نفوذها يقوى، ويتمركز شيئاً فشـياً ،حتى استطاع أن يقضي تدريجيا على بقايا النفوذ الهولندي وذلك بعد أن تمكنت سنة 1177هـ/1763م  أن تنشئ لهـا في ميناء بوشهر مركزاً رسمياً لأول مقيم بريطاني، وقد أصبح هذا المقيم يحمل لقب ( المقيم السياسي البريطاني ، سنة 1279هـ/ 1862م  وقد استمرت بريطانيا في سياستها الرامية إلى تقليص نفوذ الدول الأجنبية الأخرى في المنطقة، وذلك بغرض تثبيت نفوذها السياسي فيها ، وقد تم لها ما أرادت حين قضت في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي على النفوذ الفرنسي في المنطقة ، وباشرت في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي في تقليص نفوذ الدولة العثمانية في الخليج،وحصره ضمن أقاليم محدده على الساحل الشرقي للجزيرة العربية، ويعتبر مطلع القرن التاسع عشر بداية تثبيت نفوذ بريطانيا السياسي في الخليج ([8]).

منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي  بدأت المنطقة تشهد تطورات جديدة؛ حيث بدأ البحر الأحمر والخليج يستعيدان أهميتهما كطريقين للتجارة العالمية ، نتيجة لعدة عوامل منها تطور وسائل النقل إلى سفن كبيرة الحجم، واستخدام البخار في تسيير السفن، وازدياد إنتاج أوربا نتيجة للتطورات الاقتصادية والصناعية فيها، وأهمية الوصول إلى الشرق خاصة الهند كأسواق لتصريف المنتجات المصنعة، وللحصول على المواد الأولية ، وحيث إن بريطانيا قد أصبحت في تلك الفترة أكثر الدول الأوربية تقدماً في الصناعــــة وبالتالي أكثرها احتياجاً للمواد الأولية ، وإيجاد أسواق لتصريــــف منتجاتهـــــا، فقد تمكنت من خـــلال شركة الهند الشرقية البريطانية من توطيد نفوذهــــا التجاري في الهند – خاصة بعد أن استقلت الولايات المتحدة سنة 1776م – وأصبحت الهند أهم مناطق النفوذ البريطاني على الإطلاق، وبذلك حظيت باسم "درة التاج البريطاني " بل وربما بدونها لا تصبح بريطانيا عظمى بالمعنى الاقتصادي وبالتالي السياسي والعسكري .

وعند استيلاء الفرنسيين على مصر سنة 1213هـ/ 1798م ، ومحاولة نابليون الاتصال بسلطان مسقط والتعاون مع الشاه الفارسي، والتحالف مع القيصر الروسي لتطويق الهند البريطانية) ([9]) أدركت بريطانيا أهمية منطقة شبه الجزيرة العربية ، ليس فقط للدفاع عن الهند وإنما للحفاظ على الطريق المؤدي إليها ، بل أهم الطرق المؤدية إليها ، وهما طريقي البحر الأحمر والخليج بالإضافة إلى أن منطقة الخليج بذاتها ذات أهمية تجارية متنامية لما تحتويه من ثروات طبيعية وأسواق استهلاكية رائجة خاصة إيران وما بين النهرين (العراق)، لهذا سارعت بريطانيا لتطويق هذا الخطر في ثلاثة اتجاهات (في مصر نفسها بالتعاون مع العثمانيين والمماليك حتى تم إخراج الفرنسيين من مصر وفي الخليج حيث سارعت إلى عقد اتفاقيتي سنة 1798م وسنة 1800م مع سلطان بن أحمد ، سلطان عمان([10]) ، للحيلولة دون أي تهديد فرنسي لمدخل الخليج . وفي مدخل البحر الأحمر سارعت إلى احتلال جزيرة بريم في 3 مايو سنة 1799) ([11]).

وبعد انحسار الخطر الفرنسي بخروجهم من مصر سنة 1801م ، وسقوط فرنسا النابليونية سنة 1815م بعد معركة (ووترلو WATERLOO) وسعي بريطانيا إلي ترتيب علاقات معينة مع والي مصر محمد علي باشا ، بعد أن أصبح الحاكم القوى في مصر ، ضمنت هذه الترتيبات لبريطانيا المحافظة على مصالحها التجارية في مصر ومن خلالها كطريق للهند .

وفي خلال هذه الفترة كان وسط الجزيرة العربية (نجد) يشهد ولادة كيان جديد ضارب بجذوره في أعماق تاريخ هذه المنطقة ، وهو كيان الدولة السعودية الأولى التي ظلت قرابة نصف قرن تناضل في دائرة داخلية لا تحس بما يدور حولها ، وربما لا يحس بها أحد خارجها ، حتى تمكنت من وضع أساسها القوي ، ثم انطلقت تتسع في شتى الاتجاهات ، فإذا هي تطل على الخليج من باب واسع ، ثم تضم معظم الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية بما فيه الحرمين الشريفين ، وتوغل قواتها شمالاً حتى تصل طلائعها إلى قرب أسوار العاصمة السورية، وتكاد تصل إلى شواطئ نهر الفرات ، وفي الجنوب تلامس شواطئ بحر العرب . وأثارت بهذا قوى إقليمية ودولية ، وكانت بريطانيا هي أكثر هذه القوى تأثراً بهذه التطورات وما ينتج عنها من تهديد محقق لطريقي الهند ، وأفرزت هذه التطورات  تحالفاً غير مكتوب بين المخاوف البريطانية  والرغبة العثمانية  وطموحات محمد علي باشا ، نتج عنه وأد هذه الدولة في مهدها سنة 1233هـ/1818م على يد هذا الأخير .

ولم تكن طموحات محمد علي بأحسن حظاً من الدولة التي أطاح بها ، فقد وقع في نفس المحظور بسيطرته على طريقي الهند باستيلائه على سوريا بالإضافة إلى مصر ( أي طريقي البحر الأحمر والخليج ) وان كان في الواقع قد قام بمعظم حركاته العسكرية بتنسيق وتفاهم تام مع صاحبة المصلحة الكبرى – بريطانيا العظمى – فإن ذلك لا يعني شيئاً إذا تعارض مع المصالح الحيوية لتلك الدولة ، فتم تحجيم محمد علي وإجباره – في أوج قوته العسكرية – على التخلي عن جميع أملاكه خارج مصر ،والاكتفاء بحكم مصر وحدها باعتباره والياً عثمانياً لا غير، وذلك وفق اتفاقية لندن سنة 1256هـ 1840م  .

وبعد اتفاقية لندن هذه التي قضت بخروج محمد علي من جميع المناطق التي احتلها خارج مصر ، وكانت بريطانيا قد قامت باحتلال عسكري لعدن سنة 1839م، بعـد أن تم ترتيب الأوضاع في الخليج إثـر إسـقاط الدولـة السـعودية الأولى سنة 1233هـ/ 1818م بضـرب اتحـاد القواسـم ،وإبـرام معاهدة السلام الشامل (THE GENERAL TREATY OF PEACE ) سنة 1236هـ /1820م مع معظم شيوخ الخليج ، وأن المصالح البريطانية التجارية والملاحية قد تجذرت في بلاد ما بين النهرين (العراق) بصفة خاصة ، وفي عموم الجانب الشرقي الأسيوي والأفريقي من الدولة العثمانية قد توطدت بحكم الواقع وطول الممارسة وبحكم ( المعاهدة التجارية والتحالف السري بين بريطانيا والدولة العثمانية في 5 يناير سنة 1809 ،وتعزيزها باتفاقية ( بلطة ليمان بين بريطانيا والدولة العثمانية في 16 أغسطس سنة 1839([12])) كما أصبح النفوذ البريطاني في البلاط العثماني يأتي في الدرجة الأولى من حيث تأثيره على سياسة الدولة العثمانية حتى أن  أهل إسطنبول يلقبون كاننيج –سفير بريطانيا لدى الباب العالي 1842–1848م– (بيوك إيلجي – أي السفير الكبير ) باعتباره أكبر السفراء في إسطنبول، وأوسعهم نفوذاً وكان معظم النصارى يسمونه ( سلطان السلاطين )؛ لما عرفه عنه من السيطرة على السلطان عبدالمجيد ، وكـان كاننيج لا يتردد من التدخـل في شؤون الدولة من أجل الهدف الذي سعى إليه ) ([13])

وهكذا ظلت منطقة شبه الجزيرة العربية  بخليجها وبحرها الأحمر  معظم القرن التاسع عشر تحت مظلة النفوذ البريطاني منفرداً ، كما في الخليج وعدن ، ومن خلال الدولة العثماني في بقية أنحاء المنطقة .

وعند قيام الدولة السعودية الثانية ، والتي كان العقبة الأساسية في طريق قيامها هو وجود قوات محمد علي باشا ، فما إن انسحبت تلك القوات بموجب اتفاقية لندن وعودة السيادة العثمانية  لم تجد قيادة هذه الدولة  ممثلة في الإمام تركي بن عبدالله وابنه الإمام فيصل بن تركي صعوبة في استعادة معظم المناطق التي كانت خاضعة للدولة الأولى ، حيث أن غالبية السكان كانت تتوق إلى ذلك العهد الذي شهد نوعاً من الأمن والاستقرار نادر المثال في تلك البقاع منذ ما لا يقل عن ثلاثة قرون، إلا أن هذه الدولة لم تأخذ اتساعاً جغرافياً يتلاءم مع قدراتها وإمكانياتها حيث حُكمت في إطار من التوازن بين مصالح بريطانيا في الخليج والسيادة العثمانية في الحرمين الشريفين .

وإثر الفتنة التي نجمت عن خروج الأمير سعود بن فيصل على أخيه الإمام عبدالله ابن فيصل واضطرار هذا الأخير طلب العون من الدولة العثمانية ، كانت هذه الأخيرة تمر بلحظة يقظة ، عبر الاحتضار([14]) الطويل الذي كانت تعانيه منذ فترة طويلة ، متمثلة في :

        1)      جهود السلطان عبدالعزيز (1278–1293هـ/1861–1876م) .

        2)      فتح قناة السويس سنة 1869م وسهولة الوصول إلى مياه الخليج عبرها .

 3) أن والي بغداد  مدحت باشا كان في تلك الفترة يعمل جاهداً لاستعادة النفوذ العثماني في بعض المناطق الآسيوية بعد ما عانته الدولة في المناطق الأوروبية من هزائم متتالية([15])

فرأى ذلك الوالي في تلك الدعوة فرصة مواتية فلباها ، فتمكن من احتلال الأحساء بسهولة نسبية ، مع عدم وجود معارضة بريطانية ، بل ربما أن بريطانيا – نظراً للفوضى والاضطراب الذي أعقب ثورة سعود على أخيه – كانت ترى في ذلك عاملاً مساعداً لتوطيد الأمن في هذا الجزء من الخليج ، طالما أن الدولة العثمانية لازالت دولة حليفة  أو صديقة من ناحية وأن هذه الدولة لا تعتبر دولة بحرية يمكن أن تشكل تهديداً جدياً للوضع القائم .

بلغ النفوذ البريطاني في المنطقة ذروته ، في سبعينات ذلك القرن ( التاسع عشر )، ففي العراق – مثلاً – كانت "بريطانيا" صاحبة النفوذ الأوحد في ولايتي البصرة وبغداد، إنها كانت مسيطرة سيطرة تامة على الخليج من جانبيه العربي والفارسي وأصبحت مهيمنة على التجارة والملاحة هيمنة تامة ، وكان أكثر من تسعين في المائة من السفن التي تدخل شط العرب تحمل أعلام إمبراطوريتها ، وكان نحو ستين في المائة من مبادلاتها التجارية تتم معها .

وفضلاً عن ذلك كانت القنصلية البريطانية في بغداد قد اكتسبت مكانة خاصة وأوضاعاً ممتازة لا مثيل لها في سائر القنصليات([16]) .

وفي الجانب الآخر –أي الطريق المؤدي إلى الهند  البحر الأحمر– لم تكتف بريطانيا بالسيطرة على مدخله الجنوبي (عدن)؛ فبعد افتتاح قناة السويس سنة 1283هـ/ 1869م ولتطويق النفوذ الفرنسي في القناة ، بادرت بشراء أسهم الخديوي إسماعيل في قناة السويس ، عندما أثقلت الديون كاهل الإدارة المصرية وعجزت عن تسديدها، وكانت بريطانيا أحد أكبر الدائنين بادرت بشراء تلك الأسهم سنة 1875م، وما يتبع ذلك من نفوذ، وكل ذلك كان حرصاً على تأمين مواصلاتها إلى الهند ، فكما قال اللورد (كيرزون CURZON):"لولا الهند ما اشترى اللورد بيكونز فيلد (ديزيريلي) اسهم شركة قناة السويس ، ولو لا السويس لما كنا الآن في مصر " ([17]).

ولقد تبلورت السياسة البريطانية تجاه هذه المنطقة ، معظم القرن التاسع عشر في ثوابت تدور حولها، أهمها :

 1) المحافظــة على كيان الدول العثمانية وعدم السماح بتقسيمها بين الدول الطامعة – بدرجة أساسية – على طريقي الهند ( البحر الأحمر والخليج ) وما يؤدي إليهما .

        2)      عدم السماح بقيام دولة إقليمية كبرى تهدد أحد هذين الطريقين أو كليهما .

 

تمثل ذلك في تشجيع السلطان العثماني واليه على مصر على القضاء على الدولة السعودية الأولى ، كما تمثل ذلك في التعامل مع محمد علي باشا عندما أجبرته بموجب اتفاقية لندن على الانسحاب من جميع المناطق خارج مصر([18]).

2– تنافس القوى الأوربية الكبرى وأثره على المنطقة من مؤتمر برلين سنة 1878 إلى الحرب العالمية الأولى سنة 1914م:

يعتبر مؤتمر برلين (CONGRESS OF BERLIN) الذي عقد في شهر يوليو سنة 1878 م نقطة تحول كبرى في العلاقات الدولية الأوربية ، وذو أثر حاسم على وضع الدولة العثمانية، وبالتالي على منطقة شبه الجزيرة العربية بحدودها (الجيوبوليتيـــكية) بصفة خاصة، ( فعلى الرغم من أن الهدف الأساسي لهذا المؤتمر كان تسوية الخلافات الحادة بين (القوى الأوربية) وخاصة بريطانيا وروسيا حول معاهدة سان ستيفانو (SAN STEFANO) سنة 1878م بين هذه الأخيرة والدولة العثمانية ، حيث َسِلبت روسيا الكثير من الامتيازات التي حصلت عليها بموجب تلك المعاهدة ، وخاصة فيما يتعلق بقضية المضائق ( البسفور والدردنيل )، إلا أنه من جانب آخر فتح باباً واسعاً للتنافس بين الدولتين الكبيرتين ( روسيا وبريطانيا ) في وسط وغرب آسيا ، حيث أدركت روسيا عدم إمكانية التوسع في الغرب على حساب الدولة العثمانية والوصول إلى المياه الدافئة (حلمها القديم المتجدد) ([19])، منذ عهد قيصرهم بطرس الأكبر (1682–1725م) خاصة البحر المتوسط عن طريق التوسع على حساب الدولة العثمانية ، والاستيلاء على المضائق ، إلا أن المعارضة البريطانية ، واتخاذها سياسة المحافظ على كيان الدولة العثمانية كموقف إستراتيجي في سياستها تجاه المسألة الشرقية (EASTERN QUESTION) معظم القرن التاسع عشر ، حال دون تحقيق هذا الهدف الجميل الذي ظل يداعب زعماء الكرملين فترة طويلة وكانت روسيا نتيجة لإخفاقها في الوصول إلى البحر المتوسط أخذت تتوسع في آسيا الوسطى ، فاستولت على طشقند سنة 1865م، وسمرقند سنة 1868م، ومرو سنة 1884م، ولم يأتِ عام 1890م إلا وأصبحت لهـا حدود مشتركة مع إيران وأفغانستان). ([20])

ومن جانب آخر ، أدركت بريطانيا – قبيل انعقاد مؤتمر برلين –بالخطر المحدق بالدولة العثمانية ، إثر هزيمتها على يد روسيا ، وبالتالي على طريق أو طرق مواصلاتها إلى الهند ، وأرغمت الباب العالي على توقيع ( اتفاقية 26 مايو سنة 1878م التي بها قبلت الدولة العثمانية احتلال الإنجليز قبرص نظير حماية الإنجليز للدولة)،و ([21])  كانت اتفاقية سرية .

لقد أطلق مؤتمر برلين عنان القوى الأوربية الكبرى لتحقيق أهدافها داخل وخـارج القارة الأوربية ، كل حسب إمكاناته وظروفه ووضعه ومطامعه ومطامحه .

فألمانيا برزت كقوة كبرى في أوربا، وأصبح همها الأكبر طوال عهد بسمارك 1815–1898م ، أن يسود السلام أوربا، وأن تتجه القوى الأوربية للتنافس خارج هذه القارة ، فتم العديد من المعاهدات والاتفاقيات السرية بين القوى المتنافسة ( بين ألمانيا والنمسا سنة 1879م وبين ألمانيا والنمسا وروسيا (القياصرة الثلاثة) سنة 1881م، وجددت سنة 1884م .

ومنذ ذلك الحين أدركت بريطانيا أنه لم يعد بالإمكان الاستمرار في سياسة المحافظة على كيان الدولة العثمانية ، فمن ناحية لم تتمكن هذه الدولة – حسب رأيهم – من معالجة أوضاعها الداخلية، وبناء قوتها الذاتية طوال فترة طويلة من ضعفها وأمراضها المزمنة، ( بل زادت حالتها سوءاً وإمبراطوريتها تزعزعاً ولم تدفع فوائد الديون التي اقترضتها )، ([22])  من ناحية أخرى لم يعد بالإمكان كبح جماح الدول الأوربية المنافسة والمتطلعة إلى الاستيلاء على أجزاء من هذه الدولة ، وخاصة فرنسا التي لها مطامع قديمة في الساحل الأفريقي من البحر المتوسط ، ولكن خشيتها الكبرى كانت على طريق الهند ، فأصبحت ترنو إلى احتلال مصر ، والسيطرة على قناة السويس لتأمين أحد الطريقين الرئيسيين إلى الهند ، فعلى الرغم من تشجيع ألمانيا لبريطانيا للإقدام على هذه الخطوة([23])إلا أن هذه الأخيرة كانت تخشى مشاركة فرنسا لها النفوذ والسيطرة على مصر، حيث كانت فرنسا تبدى كل إصرار على تثبيت نفوذها في هذا البلد ، ومن ناحية أخرى كانت بريطانيا تخشى إن هي احتلت مصر أن تقوم روسيا باحتلال إسطنبول، وهذا يشكل خطراً أكبر على منطقة الشرق الأدنى ( أي من الأناضول إلى ما بين النهرين ( العراق ) وسوريا ثم قناة السويس نفسها )، حيث كان رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت (دزرائيلي) لا يرى في احتلال الإنجليز لمصر وسيلة ناجعة لدرء الخطر الروسي عن الشرق الأدنى ، فهو يقول :"إذا أخذ الروس الأستانة ، فانه يمكنهم في أي وقت الوصول إلى سوريا ووادي النيل ، وعند ذلك ماذا تكون فائدة أخذ الإنجليز لمصر؟ وحتى قواتنا البحرية لا تستطيع أن تعزز مركزنا في مثل ذلك الموقف، وأن الناس الذين يتكلمون بهذه الطريقة يجهلون الجغرافيا تماماً ، والأستانه لا مصر ولا قناة السويس هي مفتاح الطريق إلى الهند ".([24])

وبعد أن أمنت بريطانيا جانب روسيا – بعد اتفاقيات برلين – تمكنت في نهاية الأمر من التغلب على العقبة الأخرى ، وهي الإصرار الفرنسي على مشاركة بريطانيا النفوذ في مصر بتشجيع هذه الأخيرة للأولى باحتلال تونس ، فأرسلت فرنسا حملة عسكرية في 22 مايو سنة 1881م، وتمكنت من إرغام باى تونس على توقيع معاهدة بعد أن أعطتــه (أربع ساعات للتفكير ، رأى باى تونس بعدها أن يستجير بالدول فلم يجد ناصراً ) ([25]) فوقع على المطلوب .

ولهذا أصبحت الظروف ملائمة لاحتلال مصر ، فبدأت بريطانيا هجومها العسكري في سنة1301هـ/1882م ، وأوقعت بقوات عرابي في معركة التل الكبير ، وبدأ الاحتلال لمصر في 13/9 / 1882م ( وحملت السلطان عبدالحميد على إصدار بيان يستنكر فيه أعمال عرابي باشا ويعتبره عاصياً يجب تأديبه، كما أنها حصلت من الخديوي على رسالة شكر يعرب فيها عن امتنانه من المساعدة الثمينة التي قام بها الجيش البريطاني لإعادة الأمن إلى بلاده ). ([26])

 

3– الوضع في الخليج:

من ناحية أخرى فقد بدأ الضغط الروسي تجاه الخليج والهند يتزايد باستمرار في الربع الأخير من ذلك القرن  التاسع عشر ، إلا أنه بلغ درجة من الخطورة بعد التقارب الروسي – الفرنسي سنة 1891م (The Entente Cordiale ) ،مما أثار ما يشبه الفزع في الدوائر البريطانية المعنية ، ذلك أن فرنسا قد تمكنت من العودة إلى منافسة بريطانيا في الخليج في أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر ، ونجح الفرنسـيون في إبـرام اتفاقية مع سلطان مسقط سـنة 1846م،([27]) تضمن أحد بنودها ( بأن رعايا السلطان الذين هم في خدمة المؤسسات الفرنسية يمنحون نفس الحقوق التي يتمتع بها الشخص الفرنسي([28]))، ومن ثم أخذ التنافس البريطاني – الفرنسي يأخذ أبعاداً جديدة في الجزء الأفريقي من الإمبراطورية العمانية ( بعد انفصالهما سنة 1861م )، فتم الاتفاق بين الدولتين ( أي بريطانيا وفرنسا ) بصدور إعلان سنة 1862م القاضي بأن تحترم كل من الدولتين استقلال مسقط وزنجبار .

كانت هذه الاتفاقية وذلك الإعلان هما حجري الزاوية في العلاقات الفرنسية ـ العمانية ، إلا أنه نظراً لعدم وجود مصالح تجاريـة فرنسية ذات بال في منطقة الخليج ، ولبعد المستعمرات الفرنسية عن هذه المنطقة ، وبالتالي بعد مراكز قواتها العسكرية والبحرية  فإن النشاط الفرنسي في الخليج كان محدوداً للغاية، ولم يكن ليشكل أي تهديد جدي للهيمنة البريطانية .

إلا أنه بعد أن تم التقارب الفرنسي ـ الروسي سنة 1891م المشار إليه سلفاً، ومن ثم التحالف العسكري بين تلك الدولتين سنة 1894م انقلب الوضع تماماً ، حيث بدأ نشاط فرنسي محموم في محاولة للحصول على موطئ قدم أو منطقة نفوذ في الخليج([29]).

وعلى الرغـم من أن الخليج في تلك الفـترة قـد تحول إلى بحيرة بريطانية  شبه مغلقة  بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان سياسية وتجارية إلا أنه يجب أن نلاحظ أن بريطانيا لم تبسط هيمنتها على منطقة الخليج عن طريق اتفاقيات أو معاهدات حماية مع الوحدات السياسية القائمة بقدر ما كان نتيجة لتفوقها العسكري المطلق، وعدم وجود منافس محلي أو خارجي قادر على تحدي هذه الهيمنة حتى بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر ([30]).

 

فالمعاهدات التي أبرمت سنة 1820م مع شيوخ الساحل العربي بعد إسقاط الدولة السـعودية الأولى، وتحطيم قوة القواسم البحرية سنة 1819م والمسماة بمعاهدات السـلام الشامل (General Treaty of Peace)، وما تلاها من معاهدات مثل معاهدة سنة 1835م المسماة بهدنة السلام البحرية (The Maritime Truce) ،والهدنة البحرية الدائمة (Perpetual Truce) .. الخ لم تكن سوى اتفاقيات إجرائية تنظيمية ، بمعنى أن هذه الوحـدات السياسية كانت– من الناحية المظهرية على الأقل – وحدات سياسية مستقلة ، إلا أنها بحكم ضعفها وبحكم التفوق البريطاني الساحق كانت عاجزة عن ممارسة هذا الاستقلال) ([31]) .

وقد عبر عن هذا الوضع ايتشيسون AITCHISON ([32])، في مذكرة بتاريخ 3 مايو سنة 1871م بقوله : "يجب أن لا ننسى بأننا قد اكتسبنا السمات الرئيسية لوضعنا في الخليج العربي بالسياسة ، ثم صغناه بعدئذ في شكل تعهدات ضعيفة واهية كالسراب ، إننا لم نكتسب هذا الوضع بالغزو العسكري أو بمرسوم يخول لنا ذلك ، إن المبرر الوحيد لوضعنا هناك هو اعتمادنا على الظروف التي هيأت لنا الحصول على هـذه التعهدات، ثم طول فترة سريانها، مما أكد لنا الوضع الذي اكتسبناه بموجبها"  ([33]).

لهذا ولتلافي هذه الثغرة  سارعت بريطانيا في نفس العام الذي تم فيه التقارب الفرنسي ـ الروسي بإبرام اتفاقية الحماية مع سلطان مسقط سنة 1891م، وحيث أن هذه الحماية تتناقــــض مع تصريح سنة 1862م، فقد حاولت إبقاءهـــا سرية حتى سنة 1899م([34]).

لقد عبر نائب الملك في الهند اللورد كيرزون CURZON عن أهمية الخليج بالنسبة لبريطانيا في كتابه Persia and The Persian Question الذي صدر سنة 1892م، بقوله :" فلتنقل بريطانيا وروسيا معركتهما أو يسويا صراعهما هذا في مكان آخر غير الخليج ، ولكن عليهما أن لا يغرسا الفوضى في منطقة ذات تجارة تـدر أرباحاً عظمية، وأنا أعتبر أن الامتياز الذي تحصل عليه روسيا من جانب أي من دول الخليج ، كي تقيم لها ميناء عليه ، أعتبر هذا العمل إهانة لبريطانيا العظمى– لاشك فيه– من حيث هو إخــــلال بالوضع القائم Status Quo ، وإعــلان ضمني للحرب ضدها ، وأنا أعتبر المسؤول البريطـاني الـذي يرضى بمثل هذا التنازل خائناً لبلاده " ([35]).

لقد شكل التحالف الفرنسي – الروسي تهديداً خطيراً ليس فقط للمصالح البريطانية في الخليج وإنما في عموم المنطقة ، ففرنسا لها نفوذ واسع في سوريا وبشكل خاص لدى الطوائف المارونية ، وقد سبق للفرنسيــين أن تدخلوا  تدخلاً حربياً في لبنان في الستينات ( من القرن التاسع عشر) واحتلوها، وقَبِل العثمانيون مرغمين قيام نظام جديد يجعل لفرنسا التفوق في هذه المنطقة  ([36]).

وقد بلغت العلاقات البريطانية الفرنسية درجة سيئة للغاية من التوتر إثر حادثة (فاشوده )سنة 1898م، شعرت فرنسا على إثرها بالمرارة تجاه بريطانيا ، وانعكس ذلك على تعميق تعاونها مع روسيا في الخليج لمضايقة بريطانيا، حيث شرعت في القيام بنشاط  محموم في محاولة للحصول على موطئ قدم ومنطقة نفوذ في الخليج ،وقد اتجهت فرنسا في سبيل تحقيق ذلك نحو عدد من الأهداف، تتمثل في الحصول على قاعدة للأسطول الفرنسي في سواحل مسقط عن طريق استئجار محطة للفحـم هناك، والسيطرة على الملاحة في نهر القارون وربط سكة حديد دمشق – حلب بخط إلى بغداد، ومن ثم الخليج([37]).

لقد تأزم الموقف بالنسبة لبريطانيا في المنطقة بصفـة عامـة وفي الخليج بصفة خاصة ، فلقد أصبحت خارج التحالفات الدولية ، وكانت تستمتع بعزلتها التقليدية التي دعاهـا رئيس وزرائها اللورد( سالزبوري Lord Salisbury ) العزلة الرائعة (The Splended Isolation) ([38])، ففي معظم القرن التاسع عشر كانت تتمتع بمكانة لا ينافسها فيها قوة أخرى باستثناء روسيا التي كانت تعتبر منافسها الرئيسي في مجال مصالحها الحيوية ، فكان هناك ما يشبه الحرب الباردة بين الدولتين التي تصل إلى حافة الحرب الساخنة كما حدث في أزمة سنة 1829م، وحرب القرم سنة 1854 – 1856م، و 1876م التي توجت بمعاهدة سان ستيفانو ،وسببها الرئيسي خشية بريطانيا أن تصبح روسيا صاحبة النفوذ الأقوى في الشرق الأوسط، وبالتالي تهدد مصالحه الحيوية في الهند وما يؤدي إليها([39]).

وأمام تصاعد الضغط الروسي باتجاه الخليج والهند المتمثل في ازدياد نفوذ روسيا التجاري في إيران ، فقد كانت الأوضاع في إيران في نهاية ذلك القرن تسودها الفوضى والتمزق السياسي والتدهور الاقتصادي فأصبحت بذلك مجالا واسعاً للتنافس الاستعماري بين الدولتين الكبيرتين (بريطانيا وروسيا ) للسيطرة على أسواقها التجارية، ومن ثم بسط هيمنتها السياسية، وازدادت الأحوال سوءاً إثر اغتيال الشاه نادر شاه عام 1896م، وسجن الشاه مظفر الدين ،حيث أصبحت هذه الدولة على شفا الإفلاس ، فانتهزت روسيا الفرصة– بعد أن ترددت بريطانيا في الاستجابة لطلب الشاه– فقدمت قرضين كبيرين سنة 1900م وسنة 1901م، على شرط وضع عوائد معظم جمارك المدن الإيرانية ـ ماعدا مقاطعتي فارس والخليج ـ كضمان لسداد هذه القروض .

وعلى الرغم من أن الشاه الإيراني كان يحبذ الحصول على هذه القروض من بريطانيا ويتوجس خيفة من نتائج لجوئه لجارته الشمالية الكبرى ، إلا أن بريطانيا كانت تتردد في انتهاز الفرصة ، وذلك ليس عائـداً إلى عدم إدراك الساسة البريطانيين خطورة هذا التغلغل الروسي ونتائجه  بقدر ما هو عائد إلى تعقيدات الإدارة البريطانية ، وإجراءات اتخاذ القرار، وتضارب وجهات النظر بين الجهات المختصة العديدة ( وزارة الخارجية ، ووزارة الهند ، وحكومة الهند ) وفي العام التالي 1902م ومرة أخرى بعد أن ترددت بريطانيــــا في الاستجابة لطلب الشاه ، سارعت روسيا فقدمت قرضا ضخماً (100.000.000 روبل) وبذلك أصبح التفوق الروسي خاصة في شمال إيران وفي بلاط الشاه ، حيث تقع العاصمة واضحاً ، وأصبح المجال مفتوحاً لروسيا ، فقدمت مشاريع عديدة لأجل ربط عربستان بسكة حديد تمتد إلى طهران فالحدود الروسية ، كما أعطيت أفضلية واضحة للبضائع الروسية على حساب البضائع البريطانية ، وقد أوضحت إحدى الصحف الروسية الأهداف الاستعمارية لروسـيا في عموم المنطقة بتاريـخ 18 أبريل 1902م بقولها:" إن الصراع الاقتصادي والسياسي مع الاستعمار البريطاني في إيران يقتضي عدم التردد في منح الشاه المساعدات المالية التي يحتاجها ، لأن صداقتنا مع إيران ستوصلنا إلى المحيط الهندي، وستصبح منطقة الشرق الأدنى منطقة نفوذ روسية بما في ذلك تركيا ). ([40])

وفي إطار سعي روسيا للحصول على موطئ قدم في الخليج فقد شهدت السنوات العشر (1895 1905م) نشاطا روسياً متعدد المظاهر على شواطئ الخليج، تمثلت في زيارة عدد من سفن الحرب الروسية([41]) للعديد من موانئ الخليج، وزيارة القنصل الروسي في أبو شهر سنة 1900م مع عدد من الضباط ، لشيخ الكويت ، ويقال إنهم  أكدوا له تأييد روسيا لاستقلاله، واقترحوا عليه أن يكتب للقيصر كتاب شكر وامتنان إلا أن الشيخ رفض ذلك  ([42]).

( على أن الذي أثار فزع السلطات البريطانية هو إقدام الروس عن طريق ابن أخ سفيرهم في فينا Kapnist في يوليو سنة 1898م، على تقديم طلب للباب العالي للحصول على امتياز مد سكة حديد من طرابلس الشام إلى الكويت وبدعم مالي فرنسي ، وعلى الرغم من أن احتمال موافقة الباب العالي على هذا الطلب كان ضئيلاً إلا أن ذلك أثار قلق بريطانيا فسارعت في مطلع العام التالي إلى الاستجابة لطلب شيخ الكويت بوضعه تحت الحماية البريطانية ، وتم توقيع الاتفاقية سنة 1899م وإبقائها سرية لإحباط هذا المشروع([43])).

وأمام هذه المتغيرات والضغوط التي أصبحت تجابه بريطانيا – مضافاً إلى ذلك تغلغل النفوذ الألماني في الدولة العثمانية – أصبح استمرار بريطانيا في الابتعاد عن التحالفات الدولية غير ممكن، فعقدت حلفاً مع اليابان (عدوة روسيا في الشرق الأقصى) سنة 1902م، ولم يكن بإمكان بريطانيا في تلك الفترة التقارب مع ألمانيا حيث أخذت الأولى ترتاب في نوايا الثانية ، خاصة فيما يتعلق بتركيز ألمانيا على تقوية أساطيلها البحرية ، إضافة إلى أنها ( أي ألمانيا ) قد أصبحت الدولة العسكرية الأولى في العالم ، كما أن موقف هذه الأخيرة من حرب البوير ، في جنوب أفريقيا 1899–1902م زاد من شكوك بريطانيا حول النوايا الألمانية ، لهذا أخذت بريطانيا تتقرب من فرنسا، وآزرتها في نزاعها مع ألمانيا حول القضية المراكشية ، حيث تم حل هذه القضية لصالح فرنسا ومن ثم أخذ التقارب الفرنسي الإنجليزي في التوطد حتى توج بالاتفاق الودي Entente Cordiale سنة 1904م ، وإن كان هذا الاتفاق لا يتعلق بالخليج مباشرة إلا أنه خفف من آثار التحالف الفرنسي الروسي في تلك المنطقة([44])) .

وإثر الهزيمة المذلة التي تعرضت لها روسيا على يد اليابان سنة 1905م التي  أفقدتها الكثير من هيبتها كدولة كبرى، وأجبرتها على التراجع عن اندفاعها نحو الهيمنة على كل إيران وأفغانستان، والتخلي عن مشاريعها في الخليج ، فتم الاتفاق بين الجانبين الروسي والبريطـــــاني سنة 1907م على تقسيم إيران إلي منطقـــــتي نفوذ   Sphere of influence  جنوبية شرقية خاضعة لبريطانيا، وشمالية خاضعة لروسيا، وحياد الوسط، مع اعتراف الجانبين باستقلال كل إيران ، كما اعترفت روسيا بالمكانة الخاصة لبريطانيا في الخليج([45])([46]) وفي سنة 1913م طلبت روسيا الدخول في مفاوضات مع بريطانيا لإعادة النظر في ذلك الاتفاق، إلا أن نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914م حال دون تحقيق ذلك([47]).

 

4– تغلغل النفوذ الألماني في الدولة العثمانية :

يشكل بروز ألمانيا – بعد توحيدها وانتصارها على فرنسا سنة 1970م – نقطة تحول كبرى ، ليس في تاريخ أوربا وحسب ، وإنما – والذي يهمنا هنا– أثر ذلك على الأوضاع في المنطقة ، فبعد قرن كامل من الهيمنة البريطانية على المنطقة بصفة عامة، وعلى شبه الجزيرة العربية  الطريق الأهم إلى الهند بصفة خاصة . تارة مباشرة وتارة من خلال علاقاتها بالدولة العثمانية ، التي أصبحت الحليف التقليدي لتلك الدولة نظراً لوجود عامل مشترك ، بالإضافة إلى عوامل أخرى ، يوحد بينهما وهو الخطر الروسي الذي يهدد الدولة العثمانية في قلبها بتطلعه إلى الاستيلاء على عاصمتها إسطنبول ، والسيطرة على المضائق (البسفور والدردنيل)، كما يهددها أيضا بمساندة الشعوب السلافية الخاضعة لها في أوربا من جانب ، ومن جانب آخر فان التهديد الروسي لبريطانيا لا يقل خطورة عن تهديده للدولة العثمانية ، حيث يهددها في أعز ممتلكاتها (الهند)، والطريق المؤدي إليها ،ءلا وعليه فإن الشغل الشاغل والعدو الألد لبريطانيا هو روسيا، إلا أنه بعد اندحار روسيا سياسياً إثر مؤتمر برلين ، على الرغم من انتصارها عسكرياً على الدولة العثمانية وتتويج ذلك النصر بمعاهدة سان ستيفانو السابق الإشارة إليها ،وقبل ذلك هزيمتها في حرب القرم نتيجة لوقوف بريطانيا ضدها إلى جانب الدولة العثمانية ، جعلها تتجه في سياستها التوسعية صوب آسيا وخاصة تجاه الخليج والهند .

إلا أنه في الربع الأخير من ذلك القرن (التاسع عشر) برزت ألمانيا كقوة رئيسية على الساحة الأوربية ، حتى أصبحت أقوى دولة أوربية عسكريا ،فانعكست آثار هذه التطورات على المنطقة ، فألمانيا كدولة صناعية كبرى يهمها البحث خارج حدودها لتصريف منتجاتها ، والبحث عن مواد أولية رخيصة، وعليه كانت ترى في الدولة العثمانية مجالاً واسعاً للاستثمار والاستعمار ، وهي تدرك أن الدول الصناعية الأوربية الأخرى قد استحوذت على معظم المناطق التي يمكن التوجه لاستعمارها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ،لهذا فإن الدولة العثمانية تمثل المجال الوحيد الذي لازال ممكنا بالنسبة لاستعمارها ([48])  من الناحية الاقتصادية .

وكانت سياسة المستشار الألماني بسمارك 1815 – 1898م ترمي إلى دفع الدول الأوربية الكبرى (خاصة بريطانيا وفرنسا) لتوجيه اهتمامها خارج القارة الأوربية ، وأصبحت ألمانيا أحوج ما تكون إلى السلام في تلك القارة لبناء نفسها ، ولتوجيه استثماراتها واستعمارها الاقتصادي خلال الدولة العثمانية، لهذا فقد حرص بسمارك على إغراء الدول المتنافسة– وخاصة بريطانيا وفرنسا –لاقتطاع الأجزاء التي يعتقد أنها حيوية بالنسبة لهم من الدولة العثمانية، مثل مصر بالنسبة لبريطانيا، وتونس بالنسبة لفرنسا([49]).

وباستجابة بريطانيا لهذا الإغراء باستيلائها على قبرص، ثم على مصر سنة 1882م  بدأت فعلا عملية تقسيم الدولة العثمانية التي طالما قاومت بريطانيا شتى الضغوط للإقدام عليها ، على الرغم من معاناة الدولة العثمانية لأمراض مزمنة لم تستطع الشفاء منها طوال فترة طويلة .

أما الدولة العثمانية  فقد رأت في التوجه الألماني بصيصا من أمل قد يساعد على حمايتها من تكالب الدول الأوربية الكبرى عليها ، وخاصة بعد إقدام إنجلترا على انتزاع مصر ، فرأت في ألمانيا حليفاً يمكن الركون إليه، لما تتمتع به ألمانيا من قوة عسكرية هائلة، ومن عزوف عن اقتطاع أجزاء من الدولة العثمانية، وإصرارها على أن أهدافها تجارية بحتة  ([50]).

لقد أدركت ألمانيا الفرصة المتاحة بعد احتلال بريطانيا لمصر، فلم تؤيدها بادئ الأمر،([51]) مما أكسب الأولى حظوة لدى السلطان عبدالحميد الذي استجاب لنصح السفير الألماني في بلاطه، وطلب سنة 1883م من القيصر الألماني إرسال بعض عسكرييه لتدريب الجيش العثماني([52])ومن ثم بدأ النفوذ الألماني يتزايد باضطراد في الدولة العثمانيــــة، وبلغ درجــــة متقدمـــة سنة 1892م حينما  حصلت المصالح الألمانية– بتأييد من القيصر– على امتياز سكة حديد من القسطنطينية إلى قونية([53])) .

لم تكن بريطانيا حتى تلك المرحلة ترى في تغلغل النفوذ الألماني خطراً يهدد مصالحها في الدولة العثمانية ، ولا ترى فيه تهديدا لإمبراطوريتها في الهند ، بل ربما إنها رأت في التقارب الألماني العثماني عاملا يساعد على درء الخطر الروسي ، العدو التقليدي (كان الرأي العام في إنكلترا ينظر بعين الرضى إلى تقدم النفوذ الجرمني في الباب العالي ، صرحت صحافتها بمناسبة زيارة القيصر الثانية إلى السلطان سنة 1898م أن بريطانيا تفضل أن يتولى أصحاب رؤوس الأموال الجرمن القيام بالمشاريع الاقتصادية التي لا يتسنى للإنكليز القيام بها من أن يقوم بها سواهم من رعايا الدول الأخرى([54])) .

إلا أن الذي جعل ألمانيا تدخل كمنافس مخيف– من وجهة نظر بريطانيا– للمشاركة في تجارة الخليج– وربما أبعد من ذلك بكثير ، أي ربما تهديد الإمبراطورية البريطانية في الهند – هو حصـــول الألمان ممثلين بشركة Anatolia Railway Company سنة 1899م على امتياز جديد يقضي بمد هذا الخط من قوينة إلى الخليج([55]) ، ثم تلى ذلك قيام بعثة ألمانية برئاسة القنصل الألماني في إسطنبول Von Stemrich في 19 يناير سنة 1900م بزيارة الكويت التي أصبحت المحطة Terminus المتوقعة لسكة الحديد([56]) ([57])، وعلى الرغم من رفض شيخ الكويت لهذا الطلب– مما أغضب الألمان والعثمانيين – فإن ذلك قد أربك السلطات البريطانية المعنية ، وانعكس هذا الارتباك بشكل جلي على المراسلات والمذكرات المتبادلة بين الجهات المعنية حول الموقف الذي يجب اتخاذه حيال هذا التوجه الألماني([58])، ومما زاد من مخاوف بريطانيا تجاه تصاعد النفوذ الألماني في الدولة العثمانية هو السياسة التي اتبعها القيصر الألماني نحو بناء أسطول حربي وتجاري، إضافة إلى منافسة الصناعات الألمانية للمنتجات الإنجليزية كما وكيفا([59])، فبريطانيا التي كانت سيدة البحار حيث تنتشر قواعدها العسكرية ومحطات الفحم لتزويد أساطيلها بالوقود ، في معظم الموانئ التجارية الهامة في العالم قاطبة ، من جزر فوكلاند في أمريكا الجنوبية إلى سنغافورة في جنوب شرق آسيا ، إلى مدينة الرأس في جنوب أفريقيا مروراً بجبل طارق وقناة السويس وميناء عدن وغيرها من الموانئ الهامة في العالم([60]) ([61]).

( وقد زاد من حدة هذا التسابق البحري شعور إنجلترا بأن ألمانيا أصبحت تزاحمها مزاحمة خطيرة في ميدان التجارة ،ففي سنة 1900م كان إنتاج الصلب في ألمانيا ضعف ما تنتجه بريطانيا ،وما وافى عام 1914م حتى أصبح الإنتاج الألماني ثلاثة أمثال الإنتاج الإنجليزي ).([62])

كان الجزء الآسيوي من الدولة العثمانية – بما في ذلك شبه الجزيرة العربية – يمثل حلبة الصراع بين الدول المتنافسة لاقتسامه كل حسب ظروفه ، ونوعية مصالحه،فروسيا تريد الوصول إلى المياه الدافئة وإلى الخليج خاصة ، إما عن طريق التوغل الاقتصادي ومن ثم السياسي في إيران حتى تطل على الخليج ، أو إقامة قواعد لأساطيلها التجارية والحربية ، وفرنسا تريد أيضاً تعزيز وجودها المحدود في الخليج ،والمتمثل في محطة فحم في عمان، بالإضافة إلى مطامعها في سوريا ، وألمانيا تريد السيطرة الاقتصادية على الدولة العثمانية عن طريق فتح أسواقها لمنتجاتها ، والحصول على المواد الأولية بأسعار رخيصة وما يتبع ذلك من إعفاءات وتسهيلات جمركية ونحوها، بل ربما الوصول إلى الهند في نهاية الأمر ، والطريق إلى ذلك هو الخليج ، أما بريطانيا فكانت تريد المحافظة على الأوضاع التي كانت قائمـة إبان تفردها بالهيمنة على الدولة العثمانية معظم القرن التاسع عشر ،ولكن ألمانيا بأوضاعها الجديدة لا تريد استمرار هذا الوضع ،كما عبر عن ذلك سفيرها في لندن مخاطبا الكولونيل John Seely ، مساعد وزير الحربية البريطانية بقوله : " إن شعبنا لا يحبذ استمرار وضعكم الراهن ؛لأنه يعني أنكم بصفة دائمة ستسيطرون على البحار ، وأفضل المواقع في الأرض ، إن شعبنا لا يستطيع أن يقبل وضعكم الراهن هذا([63])" ([64]) .

كان الخليج يمثل بؤرة الصراع بين الدول المتنافسة ، وكانت الكويت– باعتبارها بوابة الخليج من ناحية بلاد ما بين النهرين ( العراق ) وما وراءها– أصبحت هدفا رئيسيا لإقامة محطات السكك الحديدية ، ليس فقط القادمة من بغداد وإنما أيضاً من الساحل الشرقي للبحر المتوسط ، فكانت بذلك مركزاً لنشاط دولي مكثف ؛ لهذا قام اللورد كيرزون نائب الملك في الهند سنة 1321هـ/1903م بزيارة استعراضية للكويت أحيطت بهالة من الأبهة ومظاهر الجلال والقوة ، لاشك أنه لفت أنظار جميع شيوخ المنطقة، وقد كانت رسالة واضحة الدلالة للدول الكبرى الطامحة والطامعة في الخليج .

وفي 5 يونيو من نفس العام أدلى وزير الخارجية البريطاني( اللورد لانزداون Lord Lansdowne )في البرلمان البريطاني بتصريح حاسم قال فيه : " يبدو لي أن سياستنا أن توجه في المقام الأول لحماية وتنمية التجارة البريطانية في هذه المياه ، وفي المقام الثاني : أقترح أن تبذل الجهود لمنع التجارة الشرعية –كذا– للدول الأجنبية الأخرى ،وفي المقام الثالث أقول دون تردد : إننا يجب أن ننظر إلى إقامة أي قاعدة بحرية أو ميناء محصن من جانب أي دولة أجنبية على أنه تهديد خطير للمصالح البريطانية ، ويجب أن نقاومه بكل ما أوتينا من الوسائل([65])). ([66])

وانعكاساً لهذه التطورات  أخذت بريطانيا تتقرب للدول الأوربية الأخرى ـ المعادية لألمانية خاصة ـ فكما رأينا تطورت العلاقات البريطانية الفرنسية من المنافسة الشديدة إلى التفاهم الذي توج بالاتفاق المسمى (Entente Cordiale ) سنة 1904م ، ثم مع روسيا بعد أن تخلت عن طموحاتها التوسعية صوب الخليج والهند ، إثر هزيمتها على يد اليابان ثم اتفاق التفاهم بينها وبين بريطانيا سنة 1907م .

على أن محور الخلاف الأساسي بين بريطانيا من جهة وألمانيا والدولة العثمانية من جهة أخرى ظل يتمركز حول مشروع سكة حديد بغداد إلى الخليج ، وقد حاولت بريطانيا أن تحصل على امتياز خط البصرة ـ بغداد وبمحاذاة نهر دجلة ، وذلك في مذكرة قدمها السفير البريطاني Sir Gerald Lowth في سبتمبر سنة 1909م للباب العالي ، إلا أن هذا لم يكن ممكنا لتعارضه مع الامتياز الممنوح للشركة الألمانية .

ومن جانب آخر كانت روسيا من أشد المعارضين لمشروع سكة حديد بغداد من أساسه ، لما يشكله من تهديد عسكري على حدودها الغربية ، حتى اجتمع القيصر الروسي بالإمبراطور الألماني في بوتسدام Potsdam في نوفمبر سنة 1910م، حيث وافق الأول على مد هذا الخط إلى الخليج مقابل إطلاق يد روسيا في شمال إيران ( أي الاعتراف بمضمون الاتفاق الروسي ـ البريطاني سنة 1907م ) إلا أن هذا لم يخفف من المعارضة البريطانية .

وأخيراً تم إبرام اتفاقية سرية بين بريطانيا وألمانيا في شهر يونيو سنة 1914م، وافقت ألمانيا بموجبها على تعيين مندوبين بريطانيين في مجلس إدارة الشركة ، وأن تكون المحطة النهائية للخط هي البصرة ، وأن تقوم بتنفيذ هذا الخط شركة عثمانية تُنشأ لهذا الغرض على أن تشترك بريطانيا بنسبة 40% من إنشاء محطتي بغـداد والبصرة ، إلا أن قيام الحرب العالمية الأولى حال دون تنفيذ ذلك الاتفاق([67]).

وعندما استولى الاتحاديون على السلطة في الدولة العثمانية سنة 1909م حاولوا إنقاذها من أوضاعها المتردية ، إلا أنهم جعلوها طورانية تركية متعصبة؛فعم الاستياء في البلاد العربية ، وتأججت روح المقاومة لسياسة التتريك ، فتألفت الجمعيات السرية للدعوة للقومية العربية ، وانتشر التذمر في الأوساط العربية ، وضعفت الرابطة الإسلامية التي حاول السلطان عبدالحميد – آخر القرن الماضي –تأجيجها لمقاومة نفوذ الدول المسيحية المستشري في جسم الدولة ، إلا أن الهزائم التي حاقت بالعثمانيين في ليبيا سنة 1911م، وفي حروب البلقان سنتي 1912/1913م جعلت رجال الدولة يدخلون في مفاوضات متعددة مع الدول الأوربية الكبرى ذات المصالح المتضاربة في أنحاء دولتهم . كما أن هذه الدول أخذت تتفاوض مع بعضها تارة بعلم وتارة أخرى بدون علم الدولة العثمانية ، فشهدت السنوات 1913 و 1914– حتى قيام الحرب العالمية الأولى في شهر يوليو من تلك السنة – فيضاً من الاجتماعات السرية والعلنية، انتهت معظمها باتفاقيات – سرية في الأغلب– على اقتسام مناطق النفوذ في الدولة العثمانية . ففي شهر أغسطس وسبتمبر سنة 1913م جرت مفاوضات مكثفة بين الحكومة العثمانية وبين ممثلين عن البنك الألماني والبنك الفرنسي وتم الاتفاق على :

1)     أن يكون القسم الشمالي من بلاد الأناضول وسورية منطقتي نفوذ لفرنسا.

2)     أن تكون المنطقة التي غربها سكة حديد بغداد منطقة نفوذ ألمانية.

3)     أن تسعى الدولتان لزيادة الرسوم الجمركية في البلاد العثمانية إلى الحد الذي يكفي لسداد نفقات مشاريع السكك الحديد الألمانية والفرنسية ([68])).

ووصف وزير خارجية بريطانيا السيد مارك سايكس هذه الاتفاقية بأنها ستؤدي إلى اضمحلال الدولة العثمانية([69])، ولهذا بدأ العد التنازلي لاقتسام ممتلكات الدولة العثمانية سلمياً بين الدول الأوربية وبدأت  سلسلة من المفاوضات بين الحكومة العثمانية وكل من روسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا من جهة وبين كل واحدة من الدول المذكورة والدول الأخرى من جهة ثانية([70]).

وفيما يخص منطقة الخليج فقد دخل البريطانيون في مفاوضات مع العثمانيين انتهت بالاتفاق الأنجلو – تركي في 29 يوليو سنة 1913م، الذي بموجبه تنازلت الدولة العثمانية عن مزاعم سيادتها وحقوقها في كثير من مناطق الخليج وعلى الأخص ما يتعلق بقطر والبحرين والكويت([71]).. الخ .

لقد تغير الوضع الذي كان قائماً ، وحاولت بريطانيا جاهدة المحافظة عليه في وجه متغيرات تاريخية فاعلة ، كان من أهم أسبابها –ولا شك– بروز ألمانيا كقوة كبرى ونجاحها في التغلغل في جسم الدولة العثمانية المترهل .

ويبدو أن بريطانيا أدركت ذلك  ولكن بعد فوات الأوان ، فقد كان أحد أبرز رجالاتها في تلك الفترة  اللورد كتشنر  يتابع نمو النفوذ الألماني ، ويدرك ما ينذر به من امتداد سكة حديد بغداد من شؤم يشغل باله، لما كان يتضمنه ذلك من تهديد لمركز بريطانيا العظمى في الخليج العربي وفي الهند ، ولم يكتم عن العدد القليل من أصدقائه الحميمين  اعتقاده في أن الدبلوماسية البريطانية قد ارتكبت خطأ لا يغتفر بسماحها لألمانيا باحتلال مكان الصدارة السياسية والحربية في عاصمة الإمبراطورية العثمانية([72]).

ويجدر بالذكر أنه في تلك الفترة المتأزمة بالمنافسة بين القوى الأوربية الكبرى برز البترول([73]) في منطقة الخليج كعنصر جذب جديد سواء في الخليج نفسه أو في شمال العراق ( في الموصل) ، وعند قيام الحرب سارعت بريطانيا باحتلال جنوب العراق لتأمين مراكز إنتاج النفط من عبدان ، وعندما بدأت المفاوضات السرية بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والتي انتهت إلى ما يعرف باتفاقية سايكس–بيكو سنة 1916م ، حرصت بريطانيا عند تقسيم تلك المنطقة على أن يكون تحت سيطرتها كل ما يؤدى إلى الهند من مناطق ، فكان من نصيبها العراق حتى جنوب سوريا ، وحيث تضمنت تلك الاتفاقية في الأصل أن تكون فلسطين تحت إدارة دولية نتيجة لتضارب مصالح الدول الأخرى ( روسيا وفرنسا ) فإن بريطانيا بعد انتهاء الحرب وخروج روسيا بعد الثورة الشيوعية سنة 1917م ، تمكنت من إقناع الفرنسيين بالتنازل عن مشاركتهم الإشراف على إدارة فلسطين([74]).

وهكذا نجح البريطانيون  بعد انتهاء الحرب من بسط سيطرتهم الكاملة على كل ما يؤدي إلى الهند من طريق السويس ـ البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط إلى الخليج ، وكانوا قد أحاطوا شبه الجزيرة العربية بسلسلة من المعاهدات من الكويت في رأس الخليج إلى العقبة([75]) واكمل ذلك احتلالهم لمصر سنة 1882م .

وبتوقيع تركيا معاهدة (سيفر Severe ) في 10 أغسطس سنة 1920م انتهت الدولة العثمانية فعليا ورسميا ونشأت على أنقاضها أوضاع جديدة .

 

 

 

 

5–    جهود الملك عبدالعزيز لإعادة بناء الدولة السعودية في ظل المتغيرات الدولية المحيطة بالمنطقة :

أ– من استعادة الرياض حتى قيام الحرب العالمية الأولى

في هذه البيئة المضطربة المشحونة بالمنافسات الدولية والمتغيرات التاريخية ،و بعد فترة طويلة من الاستقرار النسبي في ظل الهيمنة البريطانية  من خلال وإلى جانب الدولة العثمانية ، والتي بلغت ذروتها في مطلع القرن العشرين ، وفي منطقة الخليج بشكل خاص حيث وصفها لوريمر ، المعاصر لتلك الأحداث بقوله: "إن الفترة من 1899م إلى 1905م تميزت بأن سيادة بريطانيا على منطقة الخليج التي يرتبط بها أمن الهند البريطانية ارتباطاً وثيقاً كانت مهددة تهديداً خطيراً نتيجة سياسة الدول الأجنبية خاصة روسيا وفرنسا وألمانيا . فمخططات روسيا البحرية ومشروعها لمد خط حديدي في إيران، ومشروع فرنسا لإقامة قاعدة بحرية فرنسية في خليج عمان ، والقوى المتجمعة وراء ألمانيا ، ومشروع مد الخط الحديدي من البحر المتوسط إلى الخليج كل هذه الأمور ذات أهمية فائقة([76])" .

في هذه البيئة المليئة بشتى الاحتمالات تمكن الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود في اليوم الخامس من شهر شوال 1319هـ/ 15 يناير 1902م بإمكانيـــات محدودة للغايـة ، وبسـهولة نسـبية مثيرة مـن استعادة عاصمة أسلافه (الرياض) .

لم تثر هـذه الخطـوة في بـادئ الأمر اهتماماً كبيراً لدى القوى السياسية الدولية والإقليمية بما فيها القوة السياسية المسيطرة على نجد ـ أمير حائل عبدالعزيز بن متعـب بن رشيد ، الذي يبدو أنـه لازال يعيش حـلاوة النصر الكبير الذي حققه قبل حوالي عام (معركة الصريف 26/11/1318هـ/  16/2/1901م) على خصمه الرئيسي شيخ الكويت مبارك الصباح وحلفائه من زعماء بعض مناطق نجد بما فيهم بعض أفراد أسرة آل سعود ، حيث يبدو أن طموحه (أي ابن رشيد) أبعد كثيراً من تثبيت سلطته فيما تحت يده ، بل يطمح – ولديه مبررات قوية – في توسيع رقعة ملكه تجاه الخليج والاستيلاء على الكويت نفسها([77]) بمساعدة الدولة العثمانية، أو حتى بموافقة صاحبة الهيمنة على منطقة الخليج (بريطانيا العظمى) ([78]).

ومن جانــب آخر ، فان هذه الخطوة (استعادة الرياض) كانت كما يراها عبدالعزيز لا تعدو أن تكون الخطوة الأولى في سبيل تحقيق هدفه الكبير فهو يرى ، بكل بساطة ووضوح واقتناع  أنه خرج ليسترد حقاً مغتصباً – وهو ملك آبائه وأجداده – من عدو يراه أمامه وهو بيت آل رشيد متمثلاً في تلك المرحلة بالأمير عبدالعزيز بن متعب بن رشيد .

وفي أقل من عام – بعد استعادة الرياض – تمكن الأمير عبدالعزيز من ترسيخ أقدامه في عاصمته بتحصينها مادياً بتجديد سورها، ومعنوياً بكسب ولاء وثقة أهلها الذين عانوا الأمرين من سوء وقسوة حكم خصمه .

وفي خلال فترة وجيزة استعاد معظم مناطـق الجنوب (الخرج ، الحوطة ، الحريق ، الأفلاج ، وادي الدواسر) ([79]). بل وهزم عدوه في الخرج في العام التالي 1320هـ .

بعد انسحاب ابن رشيد من الخرج إثر هزيمته  أشاع أنه مهاجم للكويت ، فطلب الشيخ مبارك النجدة من الأمير عبدالعزيز الذي استجاب لندائه ومعه جيش كثيف ، نسبيا (حوالي عشرة آلاف) ([80]). وإثر خروج هذا الجيش مع من انضم إليه من جيش الشيخ مبارك  تبين أن هدف ابن رشيد هو الرياض . فاكتفت هذه الحملة بالقيام بحملة تأديبية ضد بعض القبائل، ومن ثم عاد الأمير عبدالعزيز إلى الكويت (لنقل عائلته إلى الرياض ([81]).

في تلك المرحلة المبكرة من كفاح الأمير عبدالعزيز لاستعادة ملك أسلافه المغتصب كان يدرك أن صراعه مع الأمير عبدالعزيز بن رشيد ليس صراعاً محلياً بحتاً وإنما له مضامين دولية،([82]) ربما تكون أخطر وأكثر تأثيراً في سير الأحداث من المضامين المحلية ، مع عدم التقليل من شأن هذه الأحداث .

ومن ناحية أخرى فإن انتصارات الأمير عبدالعزيز  ونجاحاته السريعة المذهلة لفتت أنظار القوى السياسية الدولية المتنافسة ، وكانت هذه الفترة –كما سبقت الإشارة – قد شهدت ذروة التنافس الدولي حول الخليج ، فأثناء إقامة الأمير عبدالعزيز القصيرة في الكويت (لنقل عائلته كما يقال)، زاره القنصل الروسي في أبو شهر الذي قدم إلى الكويت على ظهر الطراد (يويارين) مع قائد هذا الطراد وضباطه وقائد السفينة Infernet وضباطه ،ويقول قائد الطراد هذا في تقريره (تكلمنا في الحديث بالطبع ، عن الانتصار الأخير ، وقال عبدالعزيز بهذا الصدد ، أنه لولا المساعدة السرية الدائمة من جانب تركيا التي زودت ابن الرشيد بمدفعين ميدانيين لكانت القضية انتهت منذ زمن بعيد ، وأن تركيا رغم الشرط الأخير الذي قطعته على نفسها بعدم المشاركة في هذه القضية  تساعد ابن الرشيد على الدوام ، وتساند النزاع مخافة أن تتعزز من جديد قوة نجد بوصفها مركزاً للوهابيين ، ومن أن توحد مشايخ الجزيرة العربية المتفاوتي القوة والنفوذ ومن أن تنتزع هذه الجزيرة كليا من تركيا ... ) ([83])

ويذكـر قائد السـفينة في تقريـره المذكور أن ابن رشيد بعد هزيمته ( فر إلى جبل شمر في الشمال حيث كانت لا تزال لديه قبائل موالية ، أما جميع القبائل الأخرى –تقريبا – فقد كانت حتى ذلك الزمن قد أعلنت الطاعة لشيخها الشرعي ابن سعود ([84])وقبل وصولنا بوقت قليل ، جرت في الكويت احتفالات بهيجة وصاخبة بانتصار عبدالعزيز على ابن الرشيد ، ويقال أن مبارك عندما قدموا له الشارة المنزوعة من ابن الرشيد رمى عن رأسه الكوفية والعقال ، وقال إنه يود أن يكون خادماً لعبدالعزيز([85])) .

ويبدو أن هذا الاجتماع الذي تم بين الروس والأمير عبدالعزيز هو ما أشير إليه في كثير من المصادر([86]) والمراجع من أن روسيا عرضت مساعدتها على الأمير عبدالعزيز الا أن تطور الأحداث أوضح بجلاء أن عبدالعزيز كان عازفاً عن قبول مثل تلك المساعدة([87]) ، إن صح انهم عرضوا شيئاً من ذلك .

 

الموقف البريطاني تجاه الأمير عبدالعزيز حتى قيام الحرب العالمية الأولى :

لاشك أن موقف بريطانيا من الصراع بين الأمير عبدالعزيز من جهة وابن رشيد والحكومة العثمانية من جهة أخرى قد شغل عبدالعزيز وأعطاه أهمية كبرى ، فهو يدرك أن صراعه في جوهره ليس مع أمير حائل ، بل هو صراع من الدولة العثمانية ، التي كانت في تلك الفترة تبسط سيادتها على معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية ، فالوجود العثماني يحيط به من شتى الاتجاهات ، في اليمن والحجاز وحائل وفي الإحسـاء ، كما أن خصمه – ابن رشيد – قد أعلن منذ البدء بتبعيته للبـاب العالي ([88]).

إلا أن الموقف البريطاني في تلك المرحلة وحتى قيام الحرب العالمية الأولى وانضمام تركيا إلى جانب ألمانيا وحلفائها  اتسم بالارتباك والتردد ، متأثراً بالعديد من العوامل والتطورات المحيطة بالمنطقة ، وأهم هذه التطورات ذات الأثر على المنطقة هو تغير العلاقات البريطانية – العثمانية، والتي اتسمت معظم القرن التاسع عشر بالانسجام والتحالف الضمني أمام الأعداء المشتركين ، وخاصـة روسيا القيصرية ، أو أي قوة أخرى تهدد وحدة أراضي الدولة العثمانية ، مما يعني تهديد المصالح البريطانية البالغة الأهمية خاصة في تلك البقعة من الأرض الممتدة على شكل شبه مستطيل من جبال الأناضول شمالاً إلى السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية جنوباً ، ومن مصر والبحر الأحمر غرباً إلى الخليج وبلاد ما بين النهرين (العراق) شرقاً .

ومنذ حلول النفوذ الألماني في الدولة العثمانية وتقلص النفوذ البريطاني في تلك الدولة دخلت العلاقات البريطانية – العثمانية في مرحلة من التوتر والعداء المستتر أحياناً والظاهر أحياناً أخرى ، وانعكس ذلك على مجمل التطورات التي شهدتها تلك المنطقة خلال تلك الفترة ، وقد بلغت تلك العلاقات مرحلة من الحساسية والتوتر في هذه المنطقة منذ حرمت ألمانيا من اتخاذ الكويت محطة(Terminal (لسكة حديد بغـداد ، وإبرام بريطانيا معاهدة حماية مع شيخ الكويت سنة 1899م .

وخلال تلك الفترة كان من أبرز سمات السياسة البريطانية في هذه المنطقة هو العمل على المحافظة على الوضع القائم (Status Quo) وخاصة في المناطق الساحلية للخليج من ناحية ، وعدم التورط في الأحداث الداخلية في نجد قدر الامكان .

وإثر معركة الصريف 26 القعدة 1318هـ / 16 فبراير 1901م بين شيخ الكويت وحلفائه وأمير حائل ، تم التفاهم بين الحكومتين البريطانية والعثمانية في أكتوبر من ذلك العام، على أن تقوم كل دولة من جانبها بتقييد ([89]) حليفها والحد من نشاطه الموجه ضد أراضي الطرف الآخر .

من الواضح أن الانتصارات السريعة والحاسمة التي حققها الأمير عبدالعزيز على خصمه  ابن رشيد – خلال فترة وجيزة – قد أشعرت بريطانيا بشئ من الإرتياح ، فأصبح لدى ابن رشيد مايشغله عن الهجوم على الكويت على حد تعبير الكولونيل                 (Kemball) في خطابه إلى حكومة الهند([90]).

ويبدو أن تركيا في بادئ الأمر قد امتنعت عن مساعدة ابن رشيد التزاماً بذلك الوعد،([91]) ربما لاعتقادها بقدرة حليفها بإمكانياته الذاتية على التصدي لهذه الحركة ، إلا أنه مع استمرار الصراع وتطوره لصالح الأمير عبدالعزيز فقد أدركت تركيا عدم قدرة ابن رشيد على الانتصار على عبدالعزيز فأخذت تمده بالمساعدات ، ومن جانب آخر فان شيخ الكويت ( مبارك الصباح ) اداركاً منه بأن انتصارات عبدالعزيز على خصمه ابن رشيد قد أزاحت عن كاهله خطراً كان محدقاً به وببلده ، بغض النظر عن موقف الدولتين المعنيتين الحالي والمستقبلي من هذا الصراع بين ابن رشيد وشيخ الكويت ، حيث هو يدرك بدهائه السياسي أنه قد يأتي يوم تتفق مصالحهما على حسابه ، لهذا استمر في تقديم العون المادي([92]) والمعنوي للأمير عبدالعزيز ، إلا أن بريطانيا دأبت على تحذير الشيخ مبارك من عدم التورط في شؤون نجد ومنذ المراحل الأولى للصراع([93]). واستمر ذلك الموقف البريطاني طوال مراحل هذا الصراع بدرجات متفاوتة حسب تطور العلاقات البريطانية – العثمانية حتى وفاة الشيخ مبارك سنة 1334هـ/1915 م.

كما دأبت بريطانيا على تذكير الباب العالي بالتفاهم الذي تم في شهر أكتوبر 1901م السابق الإشارة إليه بعدم تشجيع أي من الجانبين شيخ الكويت وابن رشيد للاعتداء على أراضي الطرف الآخر([94]).

وبعد أن تمكن الأمير عبدالعزيز من استعادة القصيم 1322هـ / 1904م ووحد معظم مناطق نجد  دخلت متغيرات على الموقفين البريطاني والعثماني تجاه الصراع بين الأمير عبدالعزيز وابن رشيد .

فبريطانيا – التي لازالت تتمسك بسياستها المعلنة القاضية بعدم التدخل في داخلية نجد مباشرة أو عن طريق حليفها شيخ الكويت – بدأت تعيد تقويم موقفها الذي أصبح تحت تأثير اتجاهين أحدهما يمثله سفير بريطانيا لدى الباب العالي، ويميل إلى عدم مساندة ابن سعود خشية إعادة تأسيس دولة سعودية (وهابية) في وسط شبه الجزيرة العربية، وما يحمله ذلك من مخاطر في المستقبل القريب على نفوذ بريطانيا والسلطة نفسها في الكويت([95]).

ووجهة النظر الأخرى التي تمثلها حكومة الهند والتي ترفض وجهة النظر الأولى ، ويتضح ذلك من خطابها([96]) الموجه إلى وزير الهند بتاريخ 14 ربيع أول 1322هـ/29 مايو 1904م.

وعند تقدم الجيوش التركية لمساندة ابن رشيد وتوجهها نحو القصيم للقضاء على عبدالعزيز، وكان ذلك جزءاً من تحرك واسع في الجزيرة العربية شمل تعزيز الحاميات التركية في اليمن والحجاز والعراق([97])، مدعوماً بموقف ألماني نتيجة لإفرازات وتداعيات التصلب البريطاني فيما يتعلق بموضوع سكة حديد بغداد ووصولها إلى الخليج ، وذات علاقة وثيقة بموجة الاندفاع الألماني لتحدي الهيمنة البريطانية في العراق والخليج والتطلع إلى الهند.

عند تقـدم هذه الجيوش – الذي هو من جانب آخر انتهاك صارخ للتفاهم البريطاني ـ العثماني في شهر أكتوبر 1901م السالف الإشارة إليه ، – كرر الأمير عبدالعزيز طلب المعونة البريطانية لحمايته ضد الهجمة التركية المتحفزة ، حيث كتب بذلك للمقيم البريطاني في الخليج في 17صفر1322هـ/2مايو1904م كما وجه خطاباً آخر لشيخ الكويت بهذا المعنى ، والذي بدوره قام بإبلاغه للمقيم في الخليج وضمنه تحذيراً منه إن ابن سعود إذا لم تقف بريطانيا معه ضد هذا العدوان فإنه قد يلجأ لقبول المساعدة الروسية التي يذكر أنه وَعِد بها([98]) سنة 1903م، إلا أن التعليمات التي سبق أن وجهــت لنائـــــب الملك في الهند (اللــــورد كيرزون Lord Curzon ) من وزيــــر الهند Mr. Brodrick) ) يقضي بعدم اتخاذ أي خطوة للدخول في علاقة مع نجد أو حتى إرسال ممثلين (Agents) إلى هناك دون موافقة مسبقة من الحكومة البريطانية([99]).

وظل الموقف البريطاني ملتزما بسياسته المعلنة ، بعدم التدخل في نجد ، وأبرز تغيير انتاب هذا الموقف – تجاه هذه التطورات الخطيرة – هو تعيين معتمد بريطاني في الكويت ليتمكن من مراقبة الأحداث عن كثب([100])، إلا أنه –وبعد فترة وجيزة– تم سحب هذا المعتمد، والاكتفــــاء بزيارات متكررة في أوقــــات متفاوتــــة حفاظاً على الوضـع القائم ( Status Quo )فيما يتعلق بالوضع([101]) في الخليج حسب السياسة المرسومة من جهة ، ومن جهة أخرى حتى لا يكون سبباً في تعثر المفاوضات الجارية بين الحكومتين البريطانية والعثمانية فيما يتعلق باحتلال قوات تلك الأخيرة لجزيرة بوبيان ، والتي تحرص بريطانيا على إجلائها عنها([102]). كما أصبح الموقف البريطاني يميل إلى التخفيف من التشدد تجاه وصول السلاح إلى عبدالعزيز([103]).

وإثر الهزائم المنكرة التي حاقت بقوات الدولة العثمانية وحليفها ابن رشيد في معارك الشنانة والبكيرية([104]) والتي انتهت آخر فصولها في 18 رجب 1322هـ / 29 سبتمبر 1904م أصبح الأمير عبدالعزيز في وضع عسكري ومعنوي متفوق ، ربما لا يجاريه أي زعيم آخر على ساحة الجزيرة العربية كلها .

إلا أن الوضع السياسي أصبح أكثر تعقيدا ، بل ربما أشد خطورة ،فمن ناحية الدولة العثمانية  فقد أدركت أن حليفها ابن رشيد أضعف من أن يتصدى للأمير عبدالعزيز ، وقد جربت المواجهة المباشرة فمنيت بفشل ذريع ، ولجأت إلى طريق جديد للتعامل مع الموقف ، فأوحت إلى بعض الوسطاء عن طريق والي البصرة([105])  بجس نبض الأمير والإيحاء بالاستعداد بالاعتراف به حاكما على نجد تحت السيادة العثمانية ، والواضــح منذ البدايـــة أن عبدالعزيز لا يريد أي ارتبــــاط بالدولة العثمانية ، وفي ذهنه –ولاشك– ، تاريخ طويل من الممارسات التركية ، ليس فقط ضده وضد أسرته في دولتيها السابقتين، بل وما يشهده في حاضره في البلاد التي تحت السيادة العثمانية من معاناة لسكانها وسوء إدارة لموظفيها .. الخ ، إلا أنه يدرك من جانب آخر أن هذه الدولة مع كل ضعفها ، لا تزال قوة عالمية تسندها قوة عسكرية (ألمانيا)، ربما هي الأعظم([106]) في تلك الفترة ، فهي وإن هادنته في الظروف الراهنة ، فعند تغير الظروف لن تتردد في القضاء عليه ، إن استطاعت .

ومن ناحية صديقه شيخ الكويت، فإنه بدوره أدرك خطورة الموقف، وأن النتائج السياسية التي أفرزتها معارك الشنانة والبكيرية أشد خطورة وأكثر تأثيراً  من النتائج العسكرية ، فعبدالعزيز لم يخل بميزان القوى فقط بل قلب ذلك الميزان رأساً على عقب، ففي مقابلة – مطولة – مع المقيم البريطاني في الخليج ( الكابتن نوكس Knox ) كشف الشيخ مبارك([107]) عن المحاولات التركية لجس نبض الأمير عبدالعزيز عن طريقه وآخرين ، وتخوفه ( أي مبارك ) من نتائج أي تقارب بين الأمير عبدالعزيز والدولة العثمانية ، بل وذهب أكثر من ذلك بأن أبـدى تخوفـه هـو من نمو قوة عبدالعزيز وأبدى شكوكه في احتمال تحول موقف عبدالعزيز ضده([108])،إلا أن المقيم البريطاني أوضح للشيخ في ذلك اللقاء أنه لا يستطيع أن يقوم بدور الوساطة إلا بعد معرفة واضحة وموافقة مطلقة من قبل الحكومة البريطانية ، ويذكر(نوكس) أنه ناقش مع الشيخ احتمال قيام الحكومة البريطانية بتوجيه الشيخ ليقترح على ابن سعود إبرام اتفاق سلام مع الأتراك يتضمن استقلاله مقابل اعتراف اسمي بالسيادة التركية([109]).

إلا أن حكومة الهند بخطابها بتاريخ 29رجب 1322هـ/8 أكتوبر 1904 م  الموجه للمقيم البريطاني في الخليج طلبت إبلاغ نوكس بالامتناع بشكل مطلق ، حتى يتلقى تعليمات بهذا الخصوص ، عن تقديم أي توجيه أو نصيحة للشيخ مبارك حول هذا الموضوع ، قد يفهم منه أن حكومة الهند ترغب في رؤية وجود تركي في هذه المناطق([110]).

واتخـذت الخارجية البريطانية خطوة أكثر وضوحا تجـاه العلاقـة مع عبدالعزيز بأن أكدت بخطابها  لوزارة الهند  في 9 شوال 1322هـ/16 ديسمبر 1904م  بأن مصالح حكومة صاحب الجلالة تتحدد فقط بالخط الساحلي لشرق الجزيرة العربية ، وأنه لا يجب أن يتخذ أي إجراء أو التفوه بتصريح قد يظهر أن هناك أي علاقة بين الحكومة البريطانية والنزاع القبلي القائم حاليا في الداخل([111]) ، كما اشتمل ذلك الخطاب على تكرار التحذير الذي سبق أن وَجه للشيخ مبارك من اللورد كيرزون بعدم التورط في ذلك النزاع ، إضافة إلى أنه يجب توجيه الشيخ بالامتناع عن إعطاء أي رأي أو مشورة لابن سعود فيما يتعلق بمحاولات الأتراك التفاهم معه .

أمام هذا الموقف السلبي من جانب بريطانيا قبل الأمير عبدالعزيز الدخول في مفاوضات مع العثمانيين ممثلاً بوالده الإمام عبدالرحمن الذي اجتمع – في الزبير ، ومعه الشيخ مبارك – بوالي البصرة ،وانفض ذلك الاجتماع بمشروع اتفاق يقضي : أن يكون القصيم على الحياد ، أي أن تتكون منه مقاطعة مستقلة تقوم حاجزاً بين ابن الرشيد وابن سعود ، وأن يكون للدولة فيه مركز عسكري ومستشارين([112]).

إلا أن هذا المشروع أثـار من الاضطراب أكثر مما قـدم من الحلول للأزمة القائمة ، فلا أحد يريد أن يرى وجوداً عثمانياً في وسط نجد ـ باستثناء بعض الزعماء الطامحين في القصيم – حتى ابن رشيد –نفسه– كان يريد أن يستعين بقوات الدولة ضد ابن سعود،بينما العثمانيون – بعد تجربة – لا يريدون– في تلك المرحلة على الأقل – الدخول في حرب مع ابن سعود ،لهذا اختلف الحليفان واستؤنف النزاع بين ابن رشيد وابن سعود .

وعلى الرغم من استئناف المفاوضات في عنيزة بين الأمير عبدالعزيز وبين قادة الجيش التركي([113]) حيث تمخضت تلك المفاوضات عن عدم اتفاق ، فقدأصبح هناك ما يشبه حالة اللاسلام واللاحرب ، مع ما يترتب على وجود هذه القوات التركية من إثارة أزمات وإغراء لبعض الطامعين والطامحين ، خاصة في المناطق المحيطة بهذه المواقع المحتلة، فاضطر عبدالعزيز إلى اتخاذ موقف حاسم سنة 1324هـ/1906م  تم على إثره استسلام هذه القوات للأمر الواقع والانسحاب بسلام، حيث تم ترحيلهم من حيث أتوا، ( وبعد شهرين أرسل السلطان عبدالحميد يشكر الأمير عبدالعزيز بن سعود على معاملة عساكر الدولة تلك المعاملة الشريفة([114])) .

وكان الأمير عبدالعزيز – أثناء فترة وجود هذه القوات في القصيم– قد اتجه في خريف سنة 1323هـ/1905م  نحو شرق البلاد، ووجه من هناك رسائل لبعض شيوخ الخليج يشعرهم فيها باعتزامه القدوم إليهم أوائل العام القادم للمطالبة بدفع الزكاة المستحقة عليهم ، حسب التقليد المتبع أثناء وجود الدولة السعودية السابقة([115]). ويبـدو أن اتخاذ عبدالعزيز هذه الخطوة كان الهدف منه إشـعار السلطات البريطانية – التي اتخذت من صراعه مع العثمانيين موقفا سلبيا – بما يمكن أن يسببه لهم من إزعاج فيما لو رغب أو أضطر إلى ذلك .

وقد أثارت هذه الخطوة الكثير من الاضطراب لدى بعض شيوخ الساحل ؛مما جعل المقيم البريطاني في الخليج (COX ) يوجه المعتمد البريطاني في الكويت لمخاطبة الشيخ مبارك للتوسط لدى صديقه عبدالعزيز بصرف النظر عن هذه الزيارة التي لن يكون مرغوباً فيها من قبل بريطانيا([116]).

بعد مقتل الأمير عبدالعزيز بن متعب– في شهر صفر 1324هـ/ أبريل 1906م ، ثم إجلاء الأتراك في نفس ذلك العام عن القصيم – وجه الأمير عبدالعزيز تفكيره نحو التخلص النهائي من الوجود العثماني في بلاده ، ولكنه يدرك أن إجلاءهم عن منطقة القصيم شيء ، وإخراجهم من الأحساء (وساحل القطيف) شيء آخر . فمازال العثمانيون يحيطون به من كل جانب ، وهو وإن كان واثقاً من قدرتـه على التصدي لهم في البر ، فإنه من الصعب – بل ربما من المستحيل– أن يكون قادرا على مجابهتهم في البر والبحر في آن واحد ، وهذه الحقيقـــة هي السبب الرئيسي في الحاح الأمـــير عبدالعزيز . –ومنذ البدء – في إيجاد نوع من التفاهم – أو التعاون – مع البريطانيين في الخليج ، على أمل أن يتمخض هذا التعاون أو التفاهم عن وضع يكفل حمايته من البحر ، حيث بريطانيا صاحبة السيادة والهيمنة على الخليج في تلك الفترة .

وعلى ذلك بادر في نفس العام الذي تم فيه إجلاء العثمانيين عن القصيم بإرسال مبعوث لمقابلة المعتمـد السياسي البريطاني في البحريــــن (Captain Prideaux ) برسالة مضمونها: أن الأمير يشعر أنه قدر على طرد الأتراك من الأحساء ويرغب في الدخول في معاهدة علاقات Treaty Relations مع الحكومة البريطانية ، وسيوافق على تعيين موظف سياسي في الأحساء أو القطيف فقط إذا هم سيحمونـه من هجـوم تركي([117]).

ونتيجة للأوضاع الجديدة– التي تمخضت عن التطورات الأخيرة في وسط الجزيـرة لصالح الأمير عبدالعزيــــز – فقد أدركت السلطات البريطانية في الخليج  أن التمسك بمبدأ عدم التدخــــل في الداخل ، وأن مصالح بريطانيــــا تتركز فقط في الساحل ، والعمل قدر الإمكان على المحافظـــــة على الوضع القائم ، قد لا تكون هي السياسة الأمثل للمحافظة على تلك المصالح ، لهذا أعد المقيم البريطاني في الخليج (Sir Percy Cox ) مذكـرة – بعد دراسـة مستفيضـــة – موجهـة لحكومة الهند بتاريخ 27 رجب1324هـ/16 سبتمبر 1906م جاء فيها :

1)                                        إن تجاهل رغبات الأمير عبدالعزيز في إيجاد علاقة مع بريطانيا قد يحوله إلى عدو.

2)                                        إن التفاهـم معه سيريح سلطان مسقط وزعماء الساحل، ويوثق علاقتهم ببريطانيا .

3)                                        إن التعاون معه سيساعد على القضاء على القرصنة في شمال الخليج .

4)    هناك مؤشرات توحي بأن التدخل التركي في وسط الجزيرة العربية سيعمل على توحيد القبائل تحت قيادة ابن سعود ، وإذا لم نساعدهم فإنهم ربما سيتصلون بقوة (كبرى) غير بريطانيا .

إلا أن حكومة الهند لم تحبذ الأخذ بهذا الرأي ، نظراً لما قد يترتب عليه من مضاعفات على علاقات بريطانيا بالقوى الكبرى الأخرى ، حيث كانت المفاوضات قد وصلت إلى مراحل دقيقة بينها وبين كل من روسيا فيما يتعلق بالوضع في إيران والخليج، ومع ألمانيا فيما يتعلق بتطورات سكة حديد بغداد ، وبالتالي مع الدولة العثمانية التي هي أقرب في هذه المرحلة إلى صف ألمانيا منها إلى جانب بريطانيا ، لهذا واستجابة لنصيحة السفير البريطاني في إسطنبول قررت عدم الدخول في أي نوع من العلاقة مع الأمير عبدالعزيز وذلك في مايو سنة 1325هـ/ 1907م ([118]).

( وقبل تلقي هذه التأكيدات كانت حكومة الهند قد أشارت على حكومة صاحب الجلالة أنها ترى من الضروري الحصول على تأكيد من ابن سعود – عن طريق شيخ الكويت أو سلطان مسقط – عما إذا كان يود أن يرتبط بالاتفاقية التي سبق أن ارتبط بها سلفه عبدالله بن فيصل 1866م([119])) ([120])

وخلال الأربع سنوات التالية 1325–1329هـ/1907–1911م  شهدت الساحة الدولية المحيطة بشبه الجزيرة العربية شيئا من الهدوء النسبي ، أو ربما إعادة ترتيب الأوراق ، فقد توقف – أو ربما انتهى – التطلع الروسي نحو الخليج  باتفاق سنة 1907 بين بريطانيــــا وروسيــــا([121]) ، ثم التفــــاهم بين بريطانيا وفرنسا بموجب اتفاق سنة 1904م([122]). كما دخلت بريطانيا في مفاوضات مع ألمانيا سنة 1909م حول موضوع سكة حديد بغداد .

وفي الساحة الداخلية فقد واجه الأمير عبدالعزيز أزمات متتالية بدءاً بما أفرزته المذابح العائلية داخل الأسرة الحاكمة في حائل، وانعكاس ذلك على العلاقة مع الأمير عبدالعزيز حيث تجدد النزاع مـرة أخرى مما أغرى بعض القبائل بالتمرد ، وخروج بعض المدعين في القصيم ، ثم فتنة الهزازنة في الحريق وخروج بني عمه (العرائف) إلى الأحساء، والتحاقهـم بقبيلة العجمـان وانتهـاء بهزيمـة (هدية) سنة 1910م([123]). وتتويجا بانقلاب موقف الشيخ مبارك ضده([124])، ثم تحرش أمير مكة الحسين بن على ، وما انتهى إليه من قبول الأمير عبدالعزيز بالاعتراف بالسيادة العثمانية مقابل إطلاق سراح أخيه الأمير سعد الأسير عنده .

ويبدو أن هذه الأزمات قد شغلت الأمير عبدالعزيز عن التفكير في استعادة الأحساء،([125]) أو بمعاودة الاتصال  بالسلطات البريطانية ، إلا أنه وقد خرج من هذه الأزمات – وقد وحد جبهته الداخلية – وجه اهتمامه لهذا الموضوع، وجدد رغبته في التقارب مع بريطانيا ، إلا أن هذه الأخيرة فضلت الالتزام بسياستها السابقة في هذه الآونة تجاه وسط شبه الجزيرة العربية .

وخلال العامين التاليين برز على الساحة عنصر جديد منبثق من الوجود العثماني في المنطقة، وهو أمير مكة الحسين بن على الذي عينه الاتحاديون كجزء من تنفيذ سياستهم الجديدة بتشديد القبضة على الممتلكات العثمانية في المنطقة الأسيوية ، بما فيها شبه الجزيرة العربية ، وتمكن الحسين في سنة 1328هـ/1910م في ظروف وملابسات غامضة من أسر الأمير سعد بن عبدالرحمن شقيق الأمير عبدالعزيز ، وأخذه رهينة ، اشترط لإطلاق سراحه أن يعترف عبد العزيز بتبعيته للدولة العثمانية وقبول سيادتها ودفع مبلغ معين كل سنة كدليل على هذه التبعية([126])، ووافق الأمير عبدالعزيز على ذلك ، وهو يدرك أنها (مجرد ورقة) لا تعني شيئا على أرض الواقع بينما هي تعني الشيء الكثير كدليل على قدرته على تحقيق ما عجز عنه غيره سواء بالوسائل العسكرية المباشرة أو المساعدات الكثيفة التي قدمتها الدولة لتحقيق ذلك لحلفائها من بيت آل رشيد خلال ما يزيد على عقد كامل ، وتلى ذلك نشاط مكثف من قبل الحسين لتأليب القوى المعادية للأمير عبدالعزيز فاستقبل المتمردين من بنى عمومته (العرائف)، وشجع العناصر الطامحة للزعامة في القصيم، وعمل على استقطاب بعض القبائل متذبذبة الولاء، كما بدأ التنسيق مع خصم عبدالعزيز الرئيسي – محلياً – بيت آل رشيد ، ثم توج ذلك بمنع التجار النجديين من التوجه إلى الحجاز ، فأصبح الأمير عبدالعزيز يواجه ظروفاً قاسية سياسياً واقتصادياً ،ومن جانب آخر بدأت الإدارة العثمانية في الضغط المباشر على عبدالعزيز لإثبات صدق ولائه للدولة بطلب إرساله قوات لبعض المناطق المحيطة([127]) بنجد لتعزيز الوجود العثماني فيها نظراً للظروف الصعبة التي تعيشها الدولة العثمانية في الجبهة الأوربية ، حيث اضطرت إلى سحب جزء كبير من قواتها من المنطقة لتعزيز جبهتها الأوربية (أثناء حروب البلقان) .

لقد عمقت هذه التطورات  ما كان عبدالعزيز يدركه منذ البدء ، من أن الوجود العثماني في المنطقة هو المصدر الرئيسي لكل ما عاناه ويعانيه ، وان هذه الأزمات التي تحيط به هي مجرد أعراض لمرض مزمن ( هو الوجود العثماني ) ليس بالنسبة لوضعه فقط، وإنما لكل ما يعانيـه العرب المعاصرين له .

وقد لخص رأيه تجاه العثمانيين في رده على طلب والي البصرة سليمان شفيق كمالي باشا الذي بعث إليه (يستشيره ويستمع إلى آرائه وشكواه)، ([128]) وذلك سنة 1912م بقوله: "إنكم لم تحسنوا إلى العرب ، ولا عاملتوهم على الأقل بالعدل . وأنا أعلم أن استشارتكم إياي إنما هي وسيلة استطلاع لتعلموا ما انطوت عليه مقاصدي . وهاكم رأيي ، ولكم أن تؤولوه كما تشاؤون : إنكم المسؤولون عما في العرب من شقاق ، فقد اكتفيتم بأن تحكموا وما تمكنتم حتى من ذلك ، وقد فاتكم أن الراعي مسؤول عن رعيته ، وفاتكم أن صاحب السيادة لا يستقيم أمره إلا بالعدل والإحسان، وقد فاتكم أن العرب لا ينامون على ضيم ، ولا يبالون إذا خسروا كل ما لديهم وسلمت كرامتهم، أردتم أن تحكموا العرب فتقضوا إربكم منهم فلم تتوفقوا إلى شئ من هذا وذاك ، لم تنفعوهم ولا نفعتم أنفسكم ) ([129]).

 

استرداد الأحساء:

وقد تبلورت في ذهن الأمير عبدالعزيز فكرة التخلص النهائي من الوجود العثماني في الأحساء والقطيف نتيجة للظروف المحلية والإقليمية المشار إليها ، كما تبين له أن أوضاع الدولة العثمانيـــة المزرية نتيجة لهزائمها الفادحة مع إيطاليا في طرابلس الغرب سنة 1911م ،والحروب البلقانية سنة 1912/1913م ،والتي كشفت عن حقيقة ضعف هذه الدولة المتهالكة ، وأن الوقـــت قد حان لتحقيــــق هدفــــه المؤجل منذ زمن لاستعادة جزء مهم من بلاده الممزقة ، إلا أنه –من جانب آخر– ، يدرك أن هناك عاملاً مهما لابد من أخذه بالحسبان عند إقدامـه على هذه الخطوة ، وذلك هو الموقف البريطاني في الخليــــج ، فانتهز فرصة لقائــــه بالمعتمد البريطاني في الكويت الكابتن شكسبير Captain Shakespeare وكان لقـــــاءً مطولاً استمر أربعـــة أيام على حد قول شكسبير في تقريره عن هذا اللقاء المؤرخ في  9 جمادى  الأخرة  1331هـ / 15 مايو 1913م ([130]).

في هذا اللقاء حاول الأمير عبدالعزيز أن يتأكد من حقيقة المعلومات التي تشير إلى هزائم الدولة العثمانية رغم ما تروجه دوائر هذه الدولة من تحقيق انتصارات وهمية ، التي لم تنطل على عبدالعزيز ، حيث كان – كما يبدو – يتابع بعناية شديدة([131]) ما يجري على المسرح الدولي ، خاصة ماله علاقة بكفاحه في سبيل توحيد أجزاء بلاده الممزقة ، وعلى وجه أخص بصراعه مع العثمانيين . وقد باح الأمير عبدالعزيز للمسؤول البريطانـي عن حقيقة مشـاعره تجـاه الأتراك ، وأنهـم السبب الرئيسي فيما أحاق ويحيق بالعـرب الرازحين تحت حكمهم من كوارث وأزمات الخ

كما تبين لشكسبير أن الأمير وإخوته وأعيان نجد الموجودين معه في المعسكر “الذي تم فيه اللقاء"  يعتبرون أن ما أحاق بدول العثمانية  أخيراً وضعفها الحالي يتيح أفضل فرصة لنجد لتخليص نفسها من ظل السيادة العثمانية وطرد الجنود العثمانيين من منطقة الأحساء والقطيف([132]).

كما ذكر الأمير عبدالعزيز لشكسبير أن لديه وثيقة حصل عليها مؤخرا يعترف فيها (محمد باشا نافذ   Nafiz Pasha) ، قائد حملة مدحت باشا التي احتلت القطيف سنة 1871م بأن هذه المنطقة تخص وتحت حكم الإمام عبدالله بن فيصل وعائلته . كما يذكـر شكسبير أن الأمير عبدالعزيز أشار إلى وثيقة أخرى – سمع عنها  ولم يطلع عليها بعد ، تتضمن اتفاقية يعترف فيها (الكولونيل بيللي Colonel Sir Lewis Pelly) نيابة عن الحكومة البريطانية بأن آل سعود هم حكام منطقة القطيف . وهذه الوثيقة كانت نتيجة للمفاوضات التي أجراها نيابة عن  (الإمام) فيصل أربعة رجال هم : محمد بن مانع وعبدالعزيـــــز بن عمـــرو وصالح الِودَادِي وإبراهيم بن غانم ، ذلك على إثر الإجــــراءات التي قام بها الأسطول البريطاني ضد ميناء الدمام سنة 1865م([133]).

وحسب شكسبير في تقريره هذا أن الأمير عبدالعزيز ألمح إلى أنه على علاقة طيبة مع معظم زعماء الجزيرة العربية باستثناء أمير مكة الحسين بن علي ، كما أشـار إلى أنه قادر على التصدي لأي من أعدائه حتى لو تحالف أكثر من واحد ضده ، إلا أن الخطورة التي يخشـاها هو وقـوف الأتراك إلى جانب أعدائه وأنه يود أن يحصل على نوع من الحماية البريطانية أو وضع شبيه بما هو قائم بين بريطانيـا والكويـت وزعماء الساحـل ، وإلا فإنه سيعتمد على سيفــــه بحول الله (His Providence) ،وأنه عـــــازم على طرد الأتراك من الأحساء عاجلاً أو آجلاً بالأساليب الدبلوماسية أو بقوة السلاح، وأنه لا يرى فرصة أفضل من هذا الوقت للإقدام على هذه الخطوة ،ولكنه يود أن يطلع على موقـف الإنجليز من ذلك . ويقول شكسبير : ( وعند هذه النقطة أخبرته إنه إن أقدم على اجتياح الأحساء فإنني على يقين أننا (بريطانيا) لن نعرض علاقتنا مع تركيا للخطر من أجله ، لأننا وحتى الآن لم نعترض على شرعية الوجود التركي في الأحساء) ([134]).

وأشار شكسبير إلى أن الأمير عبدالعزيز شعر بخيبة أمل كبيرة لعدم إعطائه أي تأييد أو تلميح بتأييد الحكومة البريطانية ،كما حاول أن يوضح للأمير أن هناك مفاوضات جارية بين بريطانيا والدولة العثمانية حول موضوع سكة حديد بغداد ، وهذا من أسباب عدم رغبة بريطانيا في تعكير العلاقة مع الدولة العثمانية .

ويعتقد شكسبير – حسب ما جاء في تقريره هذا – أن إقدام الأمير على استعادة الأحساء سيؤدي إلى نتائـج خطيرة ، قـد تفقده كل ما في يده حاليا ، وكصديق له         ( فإنني لم أجعله يستهين بالقوة التركية على الرغم من الصعوبات والهزائم التي واجهتها إثر الحروب البلقانية) .

ويرى شكسبير أن إمكانية مساعدة الأمير في استرداد الأحساء دبلوماسياً غير ممكن حالياً ، حيث أن المفاوضات الجارية مع الأتراك بخصوص إخراجهم من أم قصر في الكويت أهم من هذا الموضوع ، إلا أنه يعود إلى تأكيد أهمية إعطاء ابن سعود ووسط الجزيرة اهتماماً أكبر ، وأن هذا الرجل طراز فريد من الرجال قادر على قيادة الجزيرة العربية ، وأن بريطانيا سُترغم على إقامة علاقات معه عند استعادته للأحساء ، إلا أنه يميل إلى أن حصوله على مسـاعدتهم –الإنجليز– لطرد الأتراك من الأحساء سيأخذ وقتاً طويلاً .

ويختتم شكسبير تقريره المطول بطلب تأييد المعتمد في الخليج (الموجه له هذا التقرير) في ضرورة إعادة النظر في مسألة العلاقة مع أمير نجد؛ لأن لديه انطباعًا بأن هذا الموضوع سيصبح –بعد فترة ليست طويلة– ملحاً ،من مصلحة بريطانيا أن تصل إلى قرار واضح بشأن العلاقة مع ابن سعود([135]).

يتضح من هذا التقرير حقيقتين ، الأولى : أن عبدالعزيز عازم بشكل أكيد على استعادة الأحساء عاجلاً أو آجلاً . والثانية أن بريطانيا لا ترغب في ذلك الوقت بالذات أن يتم ذلك ، وأنها غير مستعدة لتأييده بشكل مباشر أو غير مباشر ، وقد حرص شكسبير –بحكم علاقة الصداقة بينهما – أن يوضح له هذه الحقيقة حتى لا يكون هناك سوء فهم للموقف البريطاني .

ومن جانبه فإن الأمير عبدالعزيز حصل من لقائه هذا على مايمكن أن يسمى (تقدير موقف)، فتأكدت لديه الحالة المزرية التي عليها الدولة العثمانية ، ومن ثم اتخذ قراره معتمداً على نفسه (بعد الله) .

وبعد أيام قلائل([136]) (5 جمادى الأولى 1331هـ / 13 أبريل 1913م) تمكن الأمير عبدالعزيز وبخطة لا تقل في بساطتها ودقة إحكامها  وفجائيتها  عن خطة استعادة الرياض ، تمكن من استعادة الأحساء ، وطرد الأتراك منها ومن جميع المناطق التابعة لها . وأصبح بحكم الواقع الذي فرضه على الجميع قوة لا يمكن تجاهلها على ساحل الخليج .

وحتى شكسبير نفسه، في تقريـــره التـــــالي بتاريخ 14جــمادي الأخرة 1331هـ/20 مايو 1913م  يقول : " أنا أعترف بمفاجأة وسرعة هجوم ابن سعود ،حيث كنت أتوقع أن يحدث ذلك عاجلاً أو آجلاً ، ولكن انطباعي أنه سينتظر إثر حركات الاستقلال الذاتي لبعض المناطق العربية على السياسة التركية قبل أن يقوم بنفسه باتخاذ هذا الإجراء([137])" .

لقد تم هذا الحدث في فترة بالغة الدقة والحساسية في العلاقات العثمانية ـ البريطانية . وكانت بريطانيا هي الجانب الأكثر حرصاً على عدم تعكيرها بأي حدث أو اتخاذ أي موقف قد يثير شكوك الدولة العثمانية؛ حيث كانت المفاوضات بين الجانبين من ناحية ، وبين الدولة العثمانية والقوى الدولية الأخرى (ألمانيا ، فرنسا وروسيا) للتنسيق بين مصالح هذه الدول المتضاربة في الأراضي والممتلكات العثمانية قد بلغت مراحل متقدمة، وقد حققت بريطانيا في هذه المفاوضات مكاسب كبيرة وخاصة في الخليج([138]) مقابل مكاسب (إن كان هناك مكاسب) محدودة للدولة العثمانية ، وبالتالي فإن قيام عبدالعزيز باستعادة الأحساء في هذه المرحلة فيه شيء من الإحراج من وجهة النظر البريطانية حسب تعبير المقيم البريطاني في الخليج كوكس في خطابه إلى حكومة الهند بتاريخ 23 مايو 1913م ،خاصة أنه تم بعد لقاء ودي مع المعتمد البريطاني في الكويت (شكسبير)، ولكنه يعترف بأن هذا التوقيت مثالي من ناحية ابن سعود ، فليس أمام بريطانيا والدولة العثمانيـــة – في رأيه – إلا التعامل مع الأمر الواقع ، فالبـــاب العالي كما يرى كوكس – بخزينته المفلسة  في نفس الوقت الذي يسود فيه التململ في ولاية البصرة – من الصعب عليه القيام بحملة فعالة ضد ابن سعود .

ومن جانب آخر يشير كوكس في رسالته هذه لحكومة الهند إلى أنه في حالة السماح للأتراك بتسيير حملة بحرية –التي لا يشك أنها ستكون فاشلة – ستترك أثراً سيئاً لدى ابن سعود تجاه بريطانيا ( على حد تعبيره)([139]).

لقد أخذت هذه الخطوة التي أقدم عليها عبدالعزيز – باسـتعادة الأحساء – السلطات البريطانية على حين غرة . فحين علم المقيم في الخليج( Cox ) بقدوم قوة تركية عن طريق البحر من البصرة  أبرق إلى وزير الخارجية بطلب التوجيه خلال يومين تجاه الموقف الذي يجب اتخاذه ،ويشير في نفس الوقت إلى ما سبق إبلاغه للباب العالي قبل نحو عشرين سنة ( أي في شهر يونيو 1893م) من :"أن حكومة جلالة الملك لن تسمح بتنقل الجنود العثمانيين في مياه البحرين "، ويشير إلى أن – من وجهة نظر محلية، وخاصة من قبل شيخ البحرين – الحياد هو الأفضل .

إلا أنه نظرا لحالة المفاوضات التركية البريطانية الجارية حاليا فان الموقف حساس([140]).

وجاء جواب وزير الخارجية في اليوم التالي ونصه :

"لا تتخذ أي إجراء ، المفاوضات مع تركيا تتقدم بشكل مرض ٍ. عند الضرورة يقدم احتجاج على أي تنقل"([141]) "للجنود" .

لقد ظل الموقف البريطاني في موقفه السلبي تجاه الأمير عبدالعزيز طوال فترة ما بعد استعادة الأحساء، وحتى قيام الحرب العالمية الأولى ،وانضمام تركيا إلى معسكر ألمانيا وحلفائها ،إلا أنه يجب التمييز بين مرحلتين في هذه الفترة ،وإن لم يكن هناك اختلاف في الموقف إلا أن دوافع وأسباب كل مرحلة مختلفة نوعاً عن الأخرى .

الأولى منذ استعادة الأحساء وحتى توقيع الاتفاقية الأنجلو تركية في 25شعبان 1331هـ/29يوليو1913م ، والثانية منذ ذلك التاريخ وحتى قيام الحرب العالمية الأولى ودخول تركيا الحرب ضد بريطانيا وحلفائها بتاريخ 3 نوفمبر 1914م .

ففي المرحلة الأولى  كان حرص بريطانيا شديداً على تجنب الدخول في أي علاقة مع الأمير عبدالعزيز قد تثير شكوك العثمانيين وتنعكس على موقفهم أثناء تلك المفاوضات، على الرغم من أن السلطات البريطانية في الخليج وحكومة الهند تجدان صعوبة في تجاهل الوضع الجديد ، ففي خطاب من حكومة الهند إلى وزير الهند بتاريخ 31 مايو 1913م يذكــــر أنه من الصعوبـــــة التوفيق بين طرد الأتراك من الأحساء والمادة (10) من مسودة الاتفاقية (الأنجلو تركية) (التي تلزمنا الاعتراف بتبعية نجد للسيادة العثمانية([142])) ،ومن ناحية أخرى صعوبة تجاهل الوضع الجديد الذي فيه ابن سعود هو القوة الحقيقية القائمة،وعليه  فهي ترى أن الأفضل في الظروف الحالية هو الانتظار مع إبقاء علاقة صداقة مع ابن سعود .

وفي هذا المنحى تذهب وزارة الهند في خطابها إلى وزارة الخارجية بتاريخ 4 يونيو 1913م بأن وزير الهند وحكومة الهند توافق على الرأي القائل باستحالة إثارة المسألة في هذه المرحلة من المفاوضـات إلا ( أن حكومة صاحب الجلالة لا يمكن أن تتجاهل قوة مندفعة وطامحة في قلب الجزيرة العربية([143])، فيتلاشى الوجود التركي، لابد من التفاهم أما مع الحكومة التركية ، أو السلطة الفعلية القائمة في نجد([144])) .

إلا أن وزارة الخارجية بخطابها إلى وزارة الهند بتاريخ 7 يونيو 1913م الذي تفيد فيه أن وزير الخارجية يوافق على وجهة نظر وزارة الهند ، باستحالة إثارة الموضوع أثناء تلك المرحلة من المفاوضات (وصعوبة تجاهل الوضع الجديد)، إلا أنه يؤكد الالتزام بعدم التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في شؤون نجد لاعتبارات سياسية أوربية تهدف إلى تثبيت السيطرة التركية على ممتلكاتها الأسيوية ، كما أنه لا يوافق على رأي كوكس Cox بالتعامل مباشرة مع ابن سعود تجنباً لإثارة شكوك الأتراك من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ليس مقتنعاً بأن انتصار ابن سعود على الأتراك نهائيا([145]).

وفي خطاب مماثل من وزارة الخارجية بتاريخ 18 يونيو 1913م إلى وزارة الهند تأكيد لهذا المعنى، وطلب إبلاغ المعتمد في الكويت بالامتناع قدر الإمكان عن إجراء أي اتصال مع أمير نجد وإلزام الحكومة البريطانية بأي اتجاه سياسي معين([146]).

وتذهب وزارة الهند في خطابها إلى وزارة الخارجية بتاريخ 10 يوليو إلى أبعد من ذلك، حيث تذكر أن الزيارة التي قام بها شكسبير في شهر مارس الماضي 1913م كانت خطأً وتوجيهاً سيئاً (111 Advised).

وقـد كانت زيارة عادية مماثلة لسابقتها التي قام بها الكابتن شكسبير سنة 1911م ، وبالتالي فيجب أن لا يمعن في المستقبل (أي من الضباط السياسيين) مسافة خارج نطاق سلطة شيخ الكويت ، كما يشير إلى أن حكومة الهند تلقت تعليمات بتاريخ 10 يونيو "أن سياسة الحكومة البريطانية تقضي بتثبيت سلطة الحكومة التركية في آسيا الصغرى والامتناع قدر الإمكان عن التدخل مباشرة أو غير مباشرة في نجد " ، كما تلقت تعليمات "أن الضباط السياسيين يمتنعون عن الاتصال بابن سعود قدر الإمكان " وفوق كل ذلك ( "يجب أن لا يقال أو يعمل أي شئ في هذا المفترق الحالي من المفاوضات، مما قد يثير الشكوك في تركيا أو في أي مكان آخر يوحي بالرغبة في تشجيع تفتيت السلطة التركية في آسيا([147])" .

 

المرحلة الثانية : من توقيع اتفاق 29 يوليو 1913م وحتى انضمام تركيا لألمانيا في الحرب:

في هذه المرحلة اتخذت السياسة البريطانية هدفاً رئيسياً لها تمثل في المحافظة على وحدة وتماسك أراضي الدولة العثمانية في آسيا بما فيها شبه الجزيرة العربية، وذلك لتأمين المصالح البريطانية الحيوية في هذه المناطق بعد أن تم التفاهم والتنسيق مع الدول الأوربية الأخرى في مفاوضـات لندن وبمشاركة الدولة العثمانية وموافقتها ، فعادت – جزئياً – السياسة البريطانية التقليدية، التي كانت سمتها الرئيسية معظم القرن التاسع عشر، والتي تقضي بالمحافظة على وحدة أراضي الدولة العثمانية كما سبق إيضاحه .

وعليه فإن السلطات البريطانية أخذت تتجه إلى توطيد علاقتها بالدولة العثمانية وتحاشي ما يعرض هذه العلاقة للخطر ، بينما الدولة العثمانية من جانبها تحس بتخوف شديد من أهداف السياسة البريطانية ، فقد تمكنت هذه الأخيرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة من التهام أجزاء هامة وحيوية من الإمبراطورية العثمانية أهمها مصر ، كما تمكنت – باتفاقيات لندن الأخيرة– من تقليص نفوذها بشكل شبه كلي في الخليج .

إلا أن تطبيق هذه السياسة في المنطقة –التي أصبحت تحت حكم الأمير عبدالعزيز– يواجه معضلة كؤود ،فالسلطات البريطانية تدرك جيداً أن الأمير عبدالعزيز ليس خاضعا ولا يمكن أن يخضع للسلطات العثمانية ، وأن أقصى ما يمكن أن يقبله – لو اضطرته الظروف – هو سيادة اسمية ، كما أن الأتراك من جانبهم لن يتوانو عن محاولة القضاء عليه ، لو أتيحـت لهم الفرصة ، ومن جانب آخر فإن السلطات البريطانية تدرك أنه في حالة اتخاذ عبدالعزيز موقفا عدائياً ضدها  فإن النتائج ستكون خطيرة على مجمل وجودها في الساحل العربي من الخليج ، بل ربما في عموم شبه الجزيرة العربية بكاملها ، لما أصبح عليه من مكانة مرموقة لا ينافسه فيها زعيم عربي آخر ، قد تمكنه من قيادة المنطقة بكاملها ضد أي اتجاه معادٍ .

وقد عبرت عن تلك المخاوف حكومة الهند بخطابها بتاريخ 10 أغسطس 1913م الموجه إلى وزارة الهند ،حيث أوضحت اعتراضها بقوة على سياسة تجاهل رغبات الأمير عبدالعزيز في إقامة علاقات صداقة مع الحكومة البريطانية "فقد أصبح قوة متنامية على ساحل الخليج ، ودخل بقوة في عمق منطقة النفوذ والمصالح البريطانية في الخليج ، وأصبحت إمكانية تدخله في قطر وساحل الخليج واردة ، كما أن الاضطرابات الحالية في سلطنة عمان تتيح له فرصة التوغل هناك وعليه فان سياسة تجاهله ليست سياسة مأمونة العواقب وقد نضطر إلى اتخاذ إجراءات عسكرية ضده لاشك أن تلافيها هو الأفضل ،وموقف ابن سعود – حتى الآن – ودي تجاهنا ، وإذا لم نصل إلى تفاهم ودي معه فربما يرغم على اتخاذ موقف عدائي دائم مما يشكل وضعا غير مرغوب فيه في ساحل الخليج ، ومع عدم اقتراح إقامة معاهدة محددة معه إلا أننا نوصي بقوة بتبادل وجهات النظــــر معه ، وإشعاره بأننا نثق أنه سيمتــــنع عن المساس بمناطـــق شيوخ الساحل ويمكن إيضاح ذلك للحكومــــة التركية ولا نعتقد أن ذلك سيعرض العلاقة معها للخطـــر" ([148]) ([149]).

وقد وافق وزير الخارجية البريطانية بخطاب وزارته بتاريخ 16 أغسطس المبلغ لحكومة الهند بخطاب وزير الهند بتاريخ 21 أغسطس على([150]) هذه المقترحات كخط سياسي يتبع تجاه التعامل مع ابن سعود ، مع إبلاغه بأنهم سيعملون ما في وسعهم للتوفيق بينه وبين الأتراك ، إلا أنهم لا يستطيعون الوقوف بجانبه ضدهم ، وأنهم ملزمين باتخاذ موقف حيادي حازم كما أشار في خطابه هذا إلى أنه تم مفاتحة حقي باشا (وزير خارجية تركيا) بهذا الاتجاه شفهيا فلم يبد الوزير التركي أي معارضة لذلك الموقف.

ويبدو أن صبر الأمير عبدالعزيز قد نفد تجاه الموقف البريطاني الغامض ، فطلب بخطابــه الموجـــــه إلى المقيم في الخليج الميجــــــور( Cox) بتاريـــــخ 4 رمضان 1331هـ /6 أغسطس 1913م إيضاحاً كاملاً عن الموقف البريطاني تجاهه ؛ فأجابه المقيم البريطاني بأنه سيكون سعيداً إذا رغب الأمير في مقابلته لتبادل وجهات النظر حول هذا الموضوع ، كما تضمن جوابه هذا بموجب الصلاحيات المخولة له – تأكيد الحكومة البريطانية ، إذا تعهد من جانبه بالامتناع عن القيام بأي أعمال تخل بالوضع الراهن ، أو إيجاد عدم استقرار في مشيخات الخليج التي تربط حكامها بعلاقات مع بريطانيا بما في ذلك قطر – تأكيد الحكومة البريطانية استمرار علاقاتها الودية معه كما كان في السابق .

وقد استجاب الأمير عبدالعزيز لهذه الدعوة بخطابه المؤرخ 27شوال1331هـ/27سبتمبر193م بأنه يرغب مقابلة المقيم ، حيث هو قادم إلى الجنوب في الأسبوع الثاني من نوفمبر ،وخلال تلك الفترة فلن يقوم بأعمال تؤدي إلى مضايقة الحكومة البريطانية([151]).

وخلال اللقاء الذي تم بين الأمير عبدالعزيز وكل من المعتمد البريطاني في البحرين (تريفور) والمعتمد البريطاني في الكويت (شكسبير) يومي17و18محرم1332هـ/15و16 ديسمبر1913م أكد عبدالعزيز رغبته في إقامة علاقات مع بريطانيا لأنها جديرة بالثقة ، وعندما طلب منه  أن يشرح ما يعنيه بطريقة أوضح ، رد بأن كل ما يريده هو أن يترك في سلام ، وأنه يرى أن الحكومة البريطانية تحافظ على السلام على امـتداد سواحل الخليج، باستثناء هذا الجزء الصغير ـ ساحل منطقة الأحساء ـ وقال :" أنه لو استطاع الحصول على تأكيد بأن الحكومة البريطانية ستحافظ على السلام البحري على هذا الشريط الساحلي ، وستعترف بمركزه كحاكم بحكم الأمر الواقع فسيكون راضياً ، وإن لم يكن ذلك فإن عليه أن يعتمد على سيفه " وقال:" إنه يشعر باقتناع بأن الحكومة البريطانية تستطيع تأمين هذه النتيجة بوسائل دبلوماسية إذا ما رغبت في ذلك " .

ويختتم المسؤولان البريطانيان تقريرهما هذا بالقول:" وقد كررنا له مرة أخرى أنه من المستحيل إعطاءه أي تأكيد من هذا القبيل([152])" .

ويبدو أن هدف هذه المقابلة ، من أساسه ، هو لمجرد كسب الوقت ، حيث أن تحقيق ما تصبو بريطانيا إلى تحقيقه متناقضاً بل يكاد يكون مستحيلاً في ظل الظروف السائدة ، فهي تريد:

1-     المحافظة على تماسك الممتلكات العثمانية الأسيوية لتأمين مصالحها العظيمة في هذه المنطقة ، كما ذكر سلفاً .

2-     وهي تريد من جانب آخر أن تأمن جانب ابن سعود فيما يتعلق بمنطقة نفوذها في ساحل الخليج .

بينما الأمير عبدالعزيز يريد إنشاء دولة مستقلة لا ترتبط بالدولـة العثمانية ، إلا – وعند الضرورة القصوى بمسمى سيادي ، لا يعني شيئاً على أرض الواقع .

وهي إلى جانب هذا وذاك  قد حققت مكاسب عظيمة على حساب الدولة العثمانية باتفاقية 29 يوليو 1913م ، إلا أن هذه الاتفاقية – وإن وُقِّعت بالأحرف الأولى– لازالت تحتاج إلى إجراءات قانونية من جانب الدولة العثمانية حتى يتم المصادقة عليها، وحتى يتم ذلك فان بريطانيا تتعامل مع الأمير عبدالعزيز بحذر شديد ، حتى لا يؤدي ذلك أو يكون سبباً في عدم التصديق على تلك الاتفاقية من جانب ، ومن جانب آخر حتى لا يتحول موقف عبدالعزيز إلى موقف عدائي، هي بكل تأكيد لا تريد حدوثه. وعليه فهي تتخذ التسويف والمماطلة ، وإعطاء الأجوبة المبهمة .

فبعد ذلك اللقاء بحوالي شهر ونصف كتب الأمير عبدالعزيز 1 ربيع الثاني 1332هـ / 26 فبراير 1914م إلى المعتمد السياسي في البحرين يتساءل عن أسباب عدم إجابته على ما طرح في اللقاء السابق ، وأجاب المعتمد في 10ربيع الثاني 1332هـ/7مارس 1914م أن ليس لديه جديد حتى الآن([153]).

وخلال تلك الفترة كانت المفاوضات تجري بين الأمير عبدالعزيز والسلطات التركية، ولكنها تشبه شيئاً من ( حوار الطرشان ) إن صح استعمال هذا المثل ، فالحكومة المركزية في إسطنبول شيء ، والسلطات التركية في البصرة شيء ، وواقع القدرات التركية في شبه الجزيرة العربية شيء آخر .

وقد أبدت الحكومة العثمانية تذمراً من الاتصال الذي تم بين السلطات البريطانية في الخليج والأمير عبدالعزيز ، باعتبار المنطقة التي يحكمها تدخل ضمن المناطق التي يعترف اتفاق 29 يوليو 1913م بتبعيتها للدولة العثمانية([154])، وعليه حرص العثمانيون على إدخال بنود في الاتفاقية التي يقترحونها على عبدالعزيز تحول بين بريطانيا وإقامة أية علاقات مباشرة معه ،فحسب مذكرة وزارة الخارجية البريطانية المبلغة لحقي باشا (وزير خارجيـــــة تركيا) في 9 مارس 1914م أنه جــــــاء ضمن الشروط التي يريدون فرضها ما يلي:

1-     إحالة كل الاتصالات من الحكومات الأجنبية أو ممثليها إلى السلطات التركية لاتخاذ ما يلزم بشأنها .

2-     استبعاد جميع التجار والوكلاء الأجانب من المنطقة .

3-     تعهد ابن سعود بعدم منح امتيازات لأية شركات أجنبية لبناء السكك الحديدية وخدمات السيارات([155]).

وفي نفس المذكرة تؤكد وزارة الخارجية البريطانية أنه برغم اعتراف بريطانيا  بأن نجد منطقة عثمانية ولكننا لا نستطيع تجاهل ابن سعود ، وهو الآن يحتل الخط الساحلي، إن متطلباتنا ليست سراً ، وما نطلبه منه من أجل المحافظة على مصالحنا وحمايتها هو:

1-     أن لا يتدخل في أراضي أو سياسات المشيخات العربية في الخليج بما فيها الساحل المتصالح وقطر .

2-     أن عليه شأن الشيوخ الآخرين في الجانب العربي أن يتعاون من أجل مراعاة الهدنة البحرية.

3-     أن عليه أن يتعاون من أجل قمع تجارة الأسلحة وتهريبها .

4- أن التجار البريطانيين يجب إدخالهم إلى القطيف بحرية يجب أن يوافقوا "الأتراك" على الامتناع عن الأعمال العدوانية بطريق البحر ضد ساحل الأحساء، بدون التشاور معنا مسبقاً وإعطاءنا فرصة للوساطة الودية إذا كانت ممكنة  .

وفي خلال ذلك الشهر (ربيع الآخر  1332هـ/ مارس 1914م) تأزم الموقف بين الأمير عبدالعزيز والدولة العثمانية ، التي يبدو أنها أخذت تعد لهجوم كبير ؛ ففي برقية من وزير الهند إلى نائب الملك في الهند في 19ربيع الأخر1332هـ/16مارس1914م يقول :

" لقد أكدنا على حقي باشا أننا لا نستطيع السماح للبحرين أو مياهها أن تستعمل للأغراض العسكرية ضد ابن سعود ، يجب الإبراق بأسرع ما يمكن عن تحركات القوات التركية([156])) .

ومن جانب آخر فإن السفير البريطاني في إسطنبول في برقيته إلى وزير الخارجية البريطانية بتاريخ 27 مارس يشكك في ضرورة التدخل البريطاني للتوسط بين الجانبين، والتشدد في بعض الشروط الواردة في مذكرة 9 مارس لحقي باشا ، المذكـورة أعلاه ، حيث سيبدو ذلك حسب رأي السفير وكأنه انتهاك لاتفاقية 29 يوليو . ويختتم برقيته بقوله :

" وعلى الرغم من الانزعاج الواضح والخطر المحتمل فإن ثمة مبرراً ما في الظروف الراهنة للسماح للأتراك باستعادة السيطرة في الأحساء بطريقتهم الخاصة([157])" .

ومن جانب الأمير عبدالعزيز ، وحسب تقرير شكسبير ، الذي كان موجودا في الرياض، الموجه إلى وزارة الهند بتاريخ 3 شعبان 1332هـ/26 يونيو1914م حيث يقول: ( وكنت قد وصلت إلى الرياض بتاريخ 9 مارس ورأيت استعدادات فعالة يقوم بها ابن سعود لتجميع قوة كبيرة ، بقيت وسافرت مع ابن سعود حتى يوم 15 مارس وكان ابن سعود على علم بتقدم الجيوش التركية ولخوفه من احتمال كون الجيوش التركية معدة للهجوم على القطيف والعقير والأحساء ، فقد أصدر الأوامر بالتعبئة العامة للجيوش وقد أخبرني ابن سعود أنه أضطر لاتخاذ تلك الترتيبات إذ لا يمكن له أن يخاطر بالسماح للجيوش التركية أن تنزل على الساحل من غير مقاومة ، ولم تكن لديه نيات عدوانية ، ولكنه مصمم على الدفاع المستميت كما قال إنه لا ينوي أن يربط نفسه نهائيا بالأتراك مادامت هناك فرصة للوصول إلى اتفاق مع الحكومة البريطانية  ولكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن ينتظر إلى ما لانهاية له .

أما الشرط الأول " شرط الأتراك إعادة بناء حاميتهم السابقة" فلن يوافق عليه مهما حدث، ويعتقد أنه بقبوله الشرط الثاني "إقصاء الأجانب كافة " قد يستطيع أن يشتري المهلة المطلوبة ومن أسباب تشدد ابن سعود في اتجاهه هو أنه يجد في نفسه القوة لمواجهة الأتراك([158])).

إلا أن الموقف البريطاني ظل متردداً والسبب الرئيسي في هذا التردد واضح وجلي، فهدفهم الأساسي هو المحافظة على مصالحهم في هذه المنطقة التي يسمونها (آسيا التركية Asiatic Turkey) عن طريق المحافظــــة على تماسك الدولة العثمانيــــة في هذه المنطقـــة ووحدة أراضيها، إلا أن ضعف هذه الدولة وتنامي قوة ابن سعود ، وشكهم الكبير في قدرة الدولة العثمانية على احتوائه، بل وربما قدرة الأمير عبدالعزيز في قيادة تحالف عربي لا يقتصــر على شبه الجزيرة العربية وإنما يشمل كل ما تسميه بريطانيا ( آسيا التركية ) باستثناء آسيا الصغرى، بما في ذلك العراق وكل سوريا، تلك المناطق التي تتأجج بالتذمر، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من مخاطر على المصالح البريطانية في عموم المنطقة بما فيها الخليج، إنهم اتخذوا موقفاً عدائياً ضد الأمير عبدالعزيز في تلك الرحلة الراهنة، أو حتى عدم اهتمام بقضيته([159]).

إلا أن السياسة البريطانية في النهاية ، اتخذت موقفا أكثر سلبية حيث تخلت عن إصرارها في التدخل في المفاوضات بشكل مباشر أو غير مباشر، كما ورد ذلك في خطاب وزارة الخارجية إلى وزارة الهند بتاريخ6جمادي الأولي 1332هـ/1 أبريل1914م: "فإن السير  أ. غري "وزير الخارجية" بعد التأمل يشك كثيراً في الحكمة من تحذير ابن سعود من التصرف مستقلا عن حكومة صاحب الجلالة فان العلاج في رأي السير أ . غري ، يمكن في مفاوضات مباشـرة مع الحكومة العثمانية . ان تبني هذه الخطوة والتوقف عن الاتصالات المباشرة ذات الطبيعة المشكوك فيها مع ابن سعود قد تسبب في رأي أ. غري بعض المضايقات المحلية الصغيرة في الخليج العربي ، لكنها في الأغلب مضايقات قصيرة المدى ، ومن الأفضل أن نتحملها بدلاً من التعرض لمخاطر أعظم كما هو مفصل بشكل قوي في برقية نائب الملك في سبتمبر الماضي([160]))

ومن جانب الأتراك ، فيبدو أنهم اتجهوا إلى تصعيد الموقف من الناحيتين السياسية والعسكرية ، فمن الناحية السياسية أخذوا في التشدد في إدخال شروط في مفاوضاتهم مع الأمير عبدالعزيز تهدف إلى استبعاد وساطة البريطانيين بينهم وبين عبدالعزيز في تلك المفاوضات ، وتؤدي إلى الحيلولة بين البريطانيين وإقامة أي نوع من العلاقات المباشرة ، ومن الناحية العسكرية فيبدو أن الأمير عبدالعزيز أصبح يعتقد أنهم يفضلون الحرب،وقد تساءل (عبدالعزيز) في ختام مقابلة مع المقيم السياسي في الخليج في 27 أبريل 1914م ( فيما إذا كانت حكومة صاحب الجلالة تعطيه تأكيداً بأنه لن يسمح للأتراك بالقيام بعمليات عدوانية من البحر ضد الساحل بين الكويت والبحريـن إذ كما قال : إنه بهذا التأكيد يستطيع أن يتحداهم إلى الأبد ، ولكني أجبت أنه ليس لدي معلومات عن الموضوع أكثر مما أعطيناه بالنسبة للبحرين ومياهها ولكنه بدا خائفاً من أنه في حالة غياب وعد محدد – كما هو مشار إليه أعلاه – فقد يترك في مواجهة عمليات هجومية من البحر والبر وهذا أكثر مما يستطيع أن يجابهه([161]).

في هذه الظروف كانت المفاوضات جارية بين الأمير عبدالعزيز والسلطات العثمانية والتي انتهت في شهر مايو 1914م– قبيل نشوب الحرب العالمية –إلى نتيجة يذكر الأتراك أنهم توصلوا بموجبها إلى اتفاقية نهائية بين الجانبين وأنه ( صدر فرمان إمبراطــــوري يسمي ابن سعـــــود حاكماً عامـــــاً وقائداً للقوات في نجـــــد وله سلطـــــــات وال ٍ([162])).

بينما السلطات البريطانية في الخليج تكون لديها انطباع مؤداه – حسب برقية الميجر نوكس ، المقيم السياسي في الخليج ، إلى السيد برسي كوكس سكرتير الشؤون الخارجية لحكومة الهند في 28 يونيو :" أن المبعوثين الأتراك قد فشلوا في التوصل إلى تفاهم قاطع مع الأمير ، ولكنهم توصلوا إلى هدنة مع ابن سعود سيكون الأخير حراً في الالتزام بها أو إهمالها كما يشاء، لكنهم صوروها للقسطنطينية بصورة غير صحيحة على أنها اتفاقية ملزمة([163])".

ومهما يكن الأمر فإن قيام الحرب ، وانضمام تركيا للجبهة المعادية لبريطانيا قد ألغى أية نتائج ترتبت على تلك المفاوضات .

 

6  جهود الملك عبدالعزيز لإعادة بناء الدولة السعودية في ظل المتغيرات الدولية المحيطة بالمنطقة:

– من بدء الحرب العالمية الأولى وحتى سقوط الدولة العثمانية :

منذ توقيع الاتفاق الأنجلو تركي في 29 يوليو 1913م أخذت الأمور في شـبه الجزيرة العربية ، أو بشكل أشمل ما يسمى ( بآسيا التركية ) (العراق وسوريا ، وكل شبه الجزيرة العربية) تتجه نحو تثبيت الأوضاع القائمة ، فأصبح هناك خطوطاً واضحة تحدد المناطق التي نالت بريطانيا بموجب ذلك الاتفاق اعترافاً رسميا بها ، والتي شملت كل المناطق الحساسة التي كانت في الماضي تمارس فيها نفوذاً فعليا لكن بدون غطاء قانوني ، والمناطق التي ظلت تحت السيادة العثمانية ولكنها تشتمل على مصالح حيوية للإمبراطورية البريطانية ؛ ومن ثم أصبح من أبرز أهداف السياسة البريطانية العمل على توطيد علاقتها بالدولة العثمانية من جانب وتثبيت سيادتها (أي الدولة العثمانية) على تلك المناطق من جانب آخر .

ومن ناحية أخرى  أخذت الإدارة العثمانية في عهدها الجديد (حكومة الاتحاد والترقي) في العمل على تشديد قبضتها على الولايات العثمانية المتبقية ، وخاصة منذ انتهاء الحروب البلقانية ، وقد صاحب هذه السياسة اتجاه قوى نحو ما يعرف بسياسة (التتريك ) وتغليب القومية الطورانية على سائر القوميات التي تتشكل منها الشعوب المكونة لهذه الدولة ، وكان العرب يشكلون الجزء الأكبر والأهم من هذه الشعوب . وأمعن الطورانيون في مغالاتهم وتجـاوزوا موضوع اللغـة إلى الديـن الإسلامي نفسـه (فصدرت في الأستانة كتب تركية مختلفة حملت مطاعن جارحة في عظماء الإسلام العرب ، وقام خطباء الترك يدعون إلى نبذ كل ما هو عربي ، وإحياء كل ما هو طوراني) ([164]).

وألف  أحد شيوخهم كتاباً سنة 1913م سماه " قوم جديد " ، رمى فيه إلى تنفير الترك من الدين الإسلامي . ومما قاله : " ما هذا الجهل ؟! ما هذه الغفلة التي استولت عليكم ؟! تعلقون أسماء خلفاء العرب في مساجدكم ولا تذكرون بالاحترام أسماء خلفاء الترك الذين قدستهم الأحاديث النبوية الكثيرة "وقال في مكان آخر:" إن الشبيبة التركية لا تنكر الصوم والصلاة والحج والزكاة وكلمة الشهادة ، ولكنها لا تعدها من أركان الدين التي استخرجتها من أحكام القرآن والأحاديث وهي : 1) العقل 2) كلمة الشهادة الحسنة 3) الأخلاق الحسنة 4) الجهاد والحروب مالاً وبدناً 5) السعي لإعداد معدات الحرب " ([165]).

(وألـف الكاتب التركي جلال نـوري كتاباً سماه ( تاريخ المستقبل) قال فيه : "يجب على الحكومة أن تكره السوريين على ترك أوطانهم ، وأن تحول اليمن والحجاز إلى مستعمرات تركية لنشر اللغة التركية التي يجب أن تكون لغة الدين" ([166]).

ومن الناحية السياسية بدأت الأمور وكأنها تسير نحو تثبيت الهيمنة العثمانية في المناطق التي حددها الاتفاق الأنجلو ـ تركي السابق الإشارة إليه ، فالأمير عبدالعزيز بعد أن يأس من التفاهم وإقامة أي نوع من العلاقة مع بريطانيا ، حيث أنه في آخر لقاء مع المعتمد البريطاني في الكويت في أبريل 1914م (جمادى الأولى 1332هـ) أوضح له هذا جمادي الأولي1332هـ/أبريل 1914م المسؤول:" بأننا قد توصلنا في الآونة الأخيرة إلى اتفاقية شاملة مع تركية، ولم يبدر منا ما يوحي بالأمل في تقديم مساعدة له" ([167])، لهذا فإن الأمير عبدالعزيز اضطر إلى الوصول إلى تفاهم مع العثمانيين بموجب اتفاقية مايو 1914م .

وفي الحجاز حاول العثمانيون تقليص نفوذ أمير مكة ( الحسين بن على )، وجعل الحجاز ولاية عادية مثل بقية الولايات فبعثوا  أحد الألبانيين إلى مكة (وهيب بك) ليخمد شوكة الحسين، ويحدد صلاحياته الإدارية أو يغتاله – إذا لزم الأمر – ولكن الحسين فوت عليه الفرصة، وأصر على طلب نقله من مكة بعد أن رفض بعناد جميع الإجراءات التي بلغه إياها ([168]).

مما جعل كل من الجانبين – الحسين  والحكومة العثمانية – يتربص بالآخر .

وقد تم اتصال مبكر بين الأمير عبدالله بن الحسين والسلطات البريطانية في مصر ، على إثر تأزم العلاقة بين الشريف حسين والسلطات التركية في مكة ، ففي الأسبوع الأول من صفر1332هـ/يناير1914م انتهز عبدالله فرصة مروره بمصر في طريقه إلى إسطنبول وقابل المندوب السامي البريطاني (كتشنر) فشرح له العلاقة المتوترة بين والده والسلطات العثمانية و ( أن الاتحاديين قرروا سراً أن يعزلوا والده ، فأتاح لكتشنر أن يفهم من حديثـه أنه يحتمل نشوب ثـورة في الحجاز إذا نفذ الأتراك عزمهم ، إلا أن جوابه (كتشنر) كان مثبطاً ، وقد ألقى جوابه على أنه رأي شخصي قائلاً : إنه من غير المحتمل أن تتدخل إنجلترا مادامت سياستها التقليدية هي الصداقة مع تركية. وكان عبدالله مع ستوزر (السكرتير في دار الاعتماد) أكثر وضوحاً وأخبر زائره بأكثر مما أفضى به لكتشنر عن خطورة الحالة في الحجاز، وعن الإعدادات التي يتخذها والده لمواجهة مالا مفر من حدوثه من قطيعة نهائية بينه وبين الأتراك  ([169]).

وفي اليمن نجح العثمانيــون في الوصـــول إلى اتفـــاق مع الإمام يحيى في شــوال1327هـ/1911م بموجب معاهدة (دعان) مدتها عشر سنوات يعترف بموجبها الإمام بالسيادة العثمانية([170]).

كما أن أمير حائل – ابن رشيد– ظل على ولائه للعثمانيين، ولم ينفرد بموقف مخالف إلا السيد الإدريسي ، الذي تمكن من الخروج من بوتقة السيادة العثمانية بتحالفه مع الإيطاليين منذ الحرب الإيطالية – العثمانية في طرابلس الغرب سنة 1911م ، وتمكن بمساعدتهم من مقاومة المحاولات العثمانية لإخضاعه حتى قيام الحرب العالمية ودخوله في معاهدة مع بريطانيا في شهر أبريل 1915م .

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى في 28 يوليو 1914م إثر اغتيال ولي عهد النمسا (أرشديق فرانسيس فرديناد ) في سراييفو في 28 يونيو ، كانت بريطانيا ترقب بقلق شديد موقف الدولة العثمانية ، وما أن بدأت مؤشرات انضمام هـذه الأخيرة إلى جانب ألمانيا وحلفائها حتى استنفرت جميع قواها لمواجهة الموقف . ففيما يتعلق بعلاقتها مع الأمير عبدالعزيز فقد كانت السفارة البريطانية في إسطنبول أول من لاحظ أهمية الاتصال بابن سعود تحسباً لدخول الدولة العثمانية في الحرب ، إذ كتب السفير في الأول من سبتمبر 1914م قائلاً : " إن من الحكمة بلا شك أن نحاول إحياء صداقتنا مع ابن سعود إن من الحق القول أنه في أوائل هذه السنة حينما كان يتراءى أن الباب العالي يتصرف بطريقة ملائمة فإنني استنكرت الظهور بمظهر المتآمر مع ذلك الزعيم ، ولكن نظراً لكل ما حدث منذ اندلاع الحرب ، فإنني أظن أن الواجب علينا الآن أن نكون مقتنعين بإحياء علاقاتنا الودية معه" ([171]).

ومن جانب آخر فان كتشنر([172])سارع إلى طلب الاتصال بالحسين بن على في شهر أكتوبر للاستفسار عن موقفه فيما لو دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا([173]).

وفور إعلان تركيا الدخول في الحرب – آخر شهر أكتوبر – إلى جانب ألمانيا سارعت بريطانيا بإنهاء علاقات الدولة العثمانية بكل من الكويت([174]) في 3 نوفمبر وبمصر في 18 ديسمبر 1914م([175]) وإعلانهما تحت الحماية البريطانية .

كما سـارعت بالاسـتيلاء على شـط العـرب بحملة كانت معدة سلفاً ، حيث كان أمراً مقرراً من قبل القـيادة البريطانيـة سـواء أعلنت الدولة العثمانية الحرب أم لم تعلنها خاصة أن النشاط الألماني كان قد بلغ أقصى حد له في جنوب فارس ([176]) وذلك حماية لآبار البترول في منطقة مسجد سليمان الواقعة في إقليم الأهواز ، والتي يربطها خط أنابيب بعبدان ([177]).

وهكذا ، فعند اندلاع الحرب كانت بريطانيا تسيطر فعليا على الشريط الساحلي لجنوب وشرق الجزيرة العربية من عدن إلى البصرة ، كما أمسكت بخناق البحر الأحمر من مدخله الشمالي ( السويس )، إلا أن هذا الوضع لا يؤمن مصالحها الحيوية في المنطقة وخاصة في الخليج وما بين النهريـن ( العراق )، التي أصبحـت الآن تحت سـيطرة قوى معادية ( تركيا وألمانيا وحلفائها )، كما أن سيطرتها على البحر الأحمر يعتورها نقص خطير ، حيث سواحل هذا البحر الشرقية الطويلة تتيح للقوى التركية المتواجدة في الحجاز واليمن إمكانية تهديد هذا الطريق الرئيسي للهند ، وبالتالي أصبح هناك خطراً حقيقيا محدقاً بالهند ( درة التاج البريطاني ) فأصبح هدف بريطانيا الإستراتيجي في هذه المنطقة – في تلك المرحلة – سلخ هذه المنطقة والتي كان يطلق عليها (آسيا التركية Asiatic Turkey  وتشمل شبـــه الجزيرة العربيـــة من بحر العرب جنوبـــا حتى حدود آسيا الصغرى شمالاً ومن حدود العراق والخليج شرقاً حتى سواحل البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط غرباً ، حيث بهذا يتم تأمين الطريقين الرئيسيين إلى الهند – الخليج – شرق المتوسط والبحر الأحمر– بالإضافة إلى تأمين مصادر البترول التي أصبحت ذات أهمية كبرى للأسطول البريطاني .

هذه المنطقة التي تريد بريطانيا سلخها من جسم الدولة العثمانية تنقسم إلى قسمين أو جـزأين رئيسيين :

قسم تحتمه أهميته لذاته ويشمل العراق حتى الموصـل ، لما يحتويـه مـن مصالح حيوية وكمعبر رئيسي لطريق الهند – الخليج وما بين هذه المنطقة وحتى الساحل الشرقي للبحر المتوسط وقناة السويس ، وهو الطريق المكمل لما بين شرق المتوسط والخليج من ناحية ، ولتأمين الطريق الرئيسي الثاني – البحر الأحمر – وهدف بريطانيا هو بسط سيطرة فعلية على هذا الجزء بأية وسيلة ممكنة وملائمة .

 

والقسم الآخر الذي تريد بريطانيا سلخه من جسم الدولة العثمانية هو داخلية شبه الجزيرة العربية من رأس الخليج وميناء العقبة شمالا حتى الشريط الساحلي الجنوبي والشرقي لشبه الجزيرة العربية ، وهدف بريطانيا في هذا الجزء هو إخراج العدو منه بأية وسيلة ملائمة ، وكما حدد ذلك أ. هيرنر (من كبار موظفي وزارة الهند) في تقريره عن المصالح البريطانية في الجزيرة العربية بقولــه :" إن أهمية جزيرة العرب من حيث موقعها الجغرافي – وهي تقع على امتداد اثنين من الطرق الرئيسية إلى الهند والبحر الأحمر والخليج العربي – أمر معروف ، ولا يمكن لأي قسم من تلك البلاد أن لا يهم بريطانيا العظمى ، التي هي الدولة الوحيدة ذات موطئ قدم في البلاد في الوقت الحاضر . إن سيطرتنا محدودة على شريط ضيق محاذ للساحل من عدن إلى الكويت ، وانه يعتمد في نهاية الأمر على استتباب الهدوء في المنطقة الداخلية . ولما كنا غير قادرين على التدخل في داخلية البلاد أو السيطرة عليها ، فإنه لأمر أساسي استبعاد كل بذور الاضطراب المحتملة"([178]).

إذن ، فأهداف بريطانيا في هذه المنطقة بجزأيها واضحة تمام الوضوح ، إلا أن وسائلها لتحقيق تلك الأهداف كانت مفتوحة لكل الاحتمالات .

ففي العراق ، ومنذ الشهور الأولى لاندلاع الحرب بدأت تتبلور الوسائل لتحقيق أهداف بريطانيا في هذا البلد ، وحتى قبل أن تتضح تماما مؤشرات زوال الدولة العثمانية بشكل نهائي ؛ ففي مذكرة بتاريخ 14 مارس 1915م أعدها سكرتير القسم السياسي والسري بوزارة الهند البريطانية جاء فيها : " إن تأكيداتنا بأن البصرة لن تعود إلى الأتراك كانت دون شك ، إلى حد ما حيلة سياسية تخدم غرضاً مباشراً ، وإن مثل هذه الوسيلة حتى تكون مشروعة يجب أن يكون لها مبرر أخلاقي ، والمبرر الأخلاقي في هذه الحالة هو سوء حكم الأتراك الذي حول منطقة من أخصب بقاع العالم إلى أرض قاحلة جدباء، واحتفظ بها على هذا النحو قرونا طويلة ، ولم يبد خلال حكمه أية علامة على الأمانة والكفاءة الإدارية الضرورية للإصلاح ، كما أن القوة التي تقوم بسلخ هذه المناطق من الإمبراطورية العثمانية لا تستطيع أن تتوقف عند هذا الحد ، وبإقدامها على هذا العمل جعلت نفسها مسؤولة أخلاقيا أمام الإنسانية والحضارة وعن استصلاح هذه الأراضي " ([179]).

وكانت الخيارات التي طرحتها هذه المذكرة لإدارة العراق تتمثل في :

أ   عقد معاهدات مع الشيوخ المحليين

ب– إنشاء دولة مماثلة لدولة الهند تحت رئاسة رئيس محلي او مستورد من الخارج مع المقيم البريطاني.

جـ– تعيين حاكم صوري مع إدارة بريطانية فعالة ، إذا أتى برجل يلقى اختياره لمثل هذا المركز المرموق الرضا العام ).

بـل وتضمنت هـذه المذكرة إمكانية الضم إلى فارس التي تعتبر من عدة نواح الوارثة الطبيعية لميزو بوتاميا "بلاد ما بين النهرين" وسوف توضع ميزو بوتاميا تحت السيادة الفارسية ، ولكنها تؤجر لبريطانيا بصفة دائمة مقابل إيجار مجز ) ([180])

وفي الجزء الغربي من هذه المنطقة التي تشمل كل سوريا بحدودها الطبيعية ، كان لابد لبريطانيا من التفاهم مع حليفتها الرئيسية في تلك الحرب ، وهي فرنسا التي تطمـح إلى بسط سيطرتها على أجزاء من سوريا ، تعتبر لها مصالح حيوية فيها منذ زمن بعيد . وقد تبلور هذا التفاهم إلى تقسيم تلك المنطقة بما يحقق مصالح الطرفين في المعاهدة المعروفة بمعاهدة سايكس ـ بيكو (جمادى الآخرة 1334هـ/ مايو 1916م) .

وقد أعطت هذه الاتفاقية بريطانيا ما تصبو إليه من السيطرة على المنطقة الواقعة من رأس الخليج إلى الجزء الجنوبي من الساحل الشرقي للبحر المتوسط ، مما أمن طريقي الهند . وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقية قد جعلت الجزء الجنوبي من سوريا (فلسطين) منطقة تحت إدارة دولية إلا أن بريطانيا تمكنت بعد انتهاء الحرب من ضمها إلى المناطق التي وضعت تحت وصايتها ( الانتداب ) ([181])، وفي هذا الإطار كان وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا – بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين (1917م) وبرغم ملابسات وأسباب صدور هذا الإعلان ، إلا أنه يظل في جوهره – أحد الوسائل لترسيخ الهيمنة البريطانية في هذه المنطقة ، وتأمين طريقها إلى الهند .

أثناء تلك المفاوضات بين الحلفاء باقتسام مناطق النفوذ ، والتي انتهت باتفاقية سايكس – بيكو ، كانت تلك المناطق تعيش مرحلة متأججة مشوبة بالعواطف القومية العربية كرد فعل على سياسة التتريك التي تمارسها الحكومة العثمانية في ظل سيطرة الاتحاديين عليها المشبعة بفكرة القومية الطورانية ، فنشأ العديد من الجمعيات العربية العلنية التي تدعو إلى التفاهم بين أجناس شعوب الإمبراطورية العثمانية التركية والعربية بصفة خاصة ، والجمعيات السرية التي تدعو إلى انفصال البلاد العربية عن جسم الدولة العثمانية ، وقد رأت في قيام الحرب بين الدولة وحلفائها وبريطانيا وحلفائهـا فرصة لتحقيق هذا الهدف بالتعاون والتحالف مع الحلفاء .

ومن جانب آخر فإن السلطات البريطانية في المنطقة ، ما أن اندلعت الحرب حتى سارعت بالاتصال بالزعماء البارزين على ساحة الجزيرة العربية وهم أمير مكة الحسين ابن علي ، وأمير نجد عبدالعزيز بن سعود ، وأمير حائل ابن رشيد  والإمام يحيى في اليمن ، والسيد الأدريسي في عسير ، وكان كلهم باستثناء ابن رشيد يطمحون إلى التخلص من الحكم التركي ، وقد تبلورت مواقفهم سريعا فهذا الأخير أعلن ولاءه للدولة العثمانية ، وإمام اليمن أعلن التزامه بهدنته مع العثمانيين الموقعة في دعان سنة 1911م ولمدة عشر سنوات ، كما وجدها السيد الادريسي فرصة سانحة ، وليس أمامه إلا اهتبالها ، فقــــد كان في حرب مع عساكر الدولة منذ توقيعه اتفاقية مع إيطاليا سنة 1911م أثناء غزو هذه الأخيرة طرابلس في ليبيا ، فسارع إلى توقيع معاهدة مع بريطانيا في أبريل 1915 .

أما الزعيمان الكبيران ( أمير نجد عبدالعزيز آل سعود وأمير مكة الشريف الحسين بن علي) فقد تمت مفاتحتهما في نفس الوقت تقريبا، الأول عن طريق السلطات البريطانية في الخليج ، والثاني عن طريق السلطات البريطانية في مصر، ومن ثم دخلا في مفاوضات كل حسب رؤيته وظروفه وتطلعاته، إلا أن المفاوض البريطاني كان لديه هدفاً واضحاً محدداً وهو إخراج الأتراك من جزيرة العرب، أما الوسائل فحدودها تحقيق هذا الهدف.

 

موقف أمير مكة ( الحسين بن علي ) :

رأت بريطانيا في التحالف مع أمير مكة الحسين بن على –المنتمي إلى البيت النبوي– رمزاً على جانب كبير من الأهمية لتخفيف أثر دعوة السلطان العثماني للجهاد ضد الحلفاء في أوساط الشعوب الإسلامية التي تخضع لسيطرتها ، في الهند ومصر على وجه الخصوص من جانب ، ومن جانب آخر فالموقع الجغرافي للحجاز ( في وسط الساحل الشرقي للبحر الأحمر ) قادر على شل فعالية القوات العثمانية شمال وجنوب تلك المنطقة،  ومن ناحيته فقد رأى الحسين في ذلك وسيلة لإنقاذ سلطته المهددة من قبل الأتراك ، بل وتحقيق مكاسب كبرى قد لا تكون واضحة في ذهنه في البداية ، ولكنها تحلق في طبقات عليا من الأماني ، ليس أقلها منصب الخلافة نفسه .

فما أن لاحت في الأفق بوادر انحياز تركيا إلى جانب ألمانيا في الحرب حتى بادرت السلطات البريطانية في مصر بالاتصال بالحسين للاستفسار عن موقفه عند دخول الدولة العثمانية الحرب، فكانت استجابته مشجعة " رغم اعتذاره من القيام بعمل مفاجئ قد يثير المسلمين ضده ... شريطة حمايتها مصالح العائلة مع تعهد خطي بذلك ، فلم تمانع بريطانيا وأبلغت القاهرة في 31 تشرين الأول (أكتوبر) موافقتها على هذا التعهد"([182])  ومن ثم بدأت بين الجانبين سلسلة من المفاوضات السرية ، اتسعت دائرة موضوعها ، فبدلاً من أن تقتصر على ثورة محلية يقودها الحسين ضد الأتراك في الحجاز ، تحولت إلى أن أعتبر نفسه ناطقا باسم كل العرب (عرب المشرق باستثناء مصر)، كما وجد عرب الشام – المتطلعين إلى التخلص من الحكم التركي – في الحسين زعيماً يمكن عن طريق قيادته وبالتحالف مع بريطانيا العظمى تحقيق أمانيهم في الاستقلال والوحدة ، فتم اتصـال جمعياتهم الناشطة في سوريا وخاصة جمعيتي ( الفتاة ) و ( العهد ) بالحسين عن طريق ابنه فيصل ، الذي يُعتقد انه كان على صلة بهم ، أو ربما عضواً في إحدى جمعياتهم ، وكان هؤلاء قد بلوروا تصوراً طموحا للعمل على تحقيقه ، " ووضعوا ميثاقاً يتضمن الشروط التي يطالب الزعماء العرب بتحقيقها لكي يؤازروا بريطانيا العظمى على تركيا ، واتفقوا على أن يحمل فيصل هذا الميثاق إلى مكة ويطلب من والده أن يعـرف من الحكومة البريطانية هل تقبل هذه الشروط أساسًا للعمل المشترك" ([183]) ، ونص هذا الميثاق المقترح على ما يلي :

اعتراف بريطانيا العظمى باستقلال البلاد العربية ضمن الحدود التالية :

§ شمالا : خط مرسين ـ أضنة إلى ما يوازي خط العرض 537 شمالاً ثم على امتداد خط بير يجبك – أورفه – ماردين – جزيرة ابن عمرو – العمادية إلى حدود إيران .

§       شرقاً : امتداد حدود إيران إلى خليج العرب جنوباً .

§       جنوبا: المحيط الهندي (باستثناء عدن التي يبقى وضعها الحالي كما هو) .

§       غرباً : علـى امتداد البحـر الأحمر ثم البحر الأبيض المتوسط إلى مرسين. ([184])

لقد تبنى الحسين هذا الميثاق ، ورفع خارطة هذه المنطقة شعاراً له ، ودارت مفاوضاته مع بريطانيا في إطاره أو حولــه . وكانت بريطانيا تدرك أن هـذا مطلب عسير التحقيق ، بل وربما مستحيل ؛ فهي – حتى وان رغبت – لا تملك حق أو إمكانية تنفيذه، فهـذه المنطقة ليست فراغاً يمكن ملؤه بهذه السهولة بعد إزاحة الحكم التركي ، فهو لا يعدو في معظم أجزاء تلك المنطقة أن يكون ظلاً باهتاً من السيادة والنفوذ . ذلك أنها تضم بين جنباتها قوى محلية عميقة الجذور التاريخية ، ومصالح دولية غير بريطانية . فعلى ساحة الجزيرة العربية هناك كيانات سياسية آخذة في التبلور تحت قيادة زعامات قوية يأتي في مقدمتها أمير نجد القوي عبدالعزيز آل سعود ، وإمام اليمن ، وجميع حكام ساحل الخليج ، حيث لا يعدو الحسـين أن يكون واحداً منهم ، بل ربما هو من أضعف حلقات هذه السلسلة ، فمعظم هؤلاء الزعماء جاءوا نتيجة لتطورات محلية ضاربة جذورها التاريخية في عمق مناطقها ، فيما الحسين ومعظم من سبقه من أشراف الحجاز – وإن كانت لهم جذورهم التاريخية ومكانتهم الدينية المتميزة – إلا أنهم من الناحية السياسية يستمدون وجودهم – بل وتعيينهم – من قوى خارج منطقة نفوذهم (منذ منتصف القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي)، عندما تأسست شرافة مكة . ومن الناحية الاقتصادية فإن الحجاز ضعيف الموارد الاقتصادية ، ولا يمكنه الاعتماد على إمكانياتــــه الذاتية ، وظل قرونــــاً طويلة يعتمد ( خاصة المدينتين المقدستين ) على ما يأتيه من الدول الإسلامية صاحبة السيادة والنفوذ في الحجاز بدءاً بالعباسيين ومروراً بالفاطميين والأيوبيين والمماليك وانتهاءً بالعثمانيين .

وفي خارج شبه الجزيرة العربية وفي سوريا خاصة فإن حليفة بريطانيا الكبرى ، (فرنسا) لا يمكن أن لا تؤخذ مصالحها – في سوريا – بعين الاعتبار .

ومن ناحية ثالثة – بل ربما أهم هذه الجوانب – أن بريطانيا نفسها لا يمكن أن تسمح بقيام كيان سياسي موحد في هذه المنطقة من العالم ، وهـذا الموقف الإستراتيجي هو قـدر هذه المنطقة منذ أزمنة موغلة في القدم ، وحتى وقتنا الحاضر . طالما أن هناك قوى سياسية دولية قادرة على منع حدوثه ، وغياب قوى محلية قادرة على إحداثه، وبريطانيا كقوة دولية عظمى ذات مصالح حيوية تقع هذه المنطقة في قلب اهتماماتها ، بل وشريان حياة بالنسبة لها منذ ما ينيف على قرن من ذلك التاريخ ، لا يمكن أن تسمح بقيام كيان سياسي يشـكل خطورة محققة على طريقي الهند الرئيسيين – البحر الأحمر والخليج ، ولهذا فعندما تلقى نائب الملك في مصر أمـراً بعقد اتفاقية مع الحسين أرسل إنذاراً إلى حكومته شديد اللهجة قال فيه : " إننا بتأييدنا للقضية الوطنية في بلاد العرب نعمل عملاً محفوفاً بأعظم المخاطر وأشد المهالك ؛ لأن حرية العرب قد تنمو في أحد الأيام فتصير الغول الذي افترس صانعه في رواية فرانكستين " ([185]).

وفي نفـــس هذا المعنى ذهب كلايتون([186]) في رسالة إلى وينجت (حاكم عام السودان) محذراً من : " أن الدولة العربية المقترحة لا يمكن أن تظهر إلى الوجود إلا إذا كنا حمقى" ([187]).

وعلى هذا أخذت بريطانيا – في ضوء هذه الحقائق – تحاول التملص من إلزام نفسها باتفاقية واضحة تتجاهل هذه الجوانب ، ونظراً للموقف الخطير الذي يمكن أن يترتب على انحياز العرب إلى جانب تركيا وحلفائها – مع ضعف احتمال هذه الإمكانية – سلكت في مفاوضاتها مع الحسين أسلوب الغموض والالتفاف حول النقاط الجوهرية بألفاظ غامضة ، قابلة لشتى التفسيرات ، ففي المراسلات المشهورة المتبادلة بين الحسين ومكماهون (المندوب السامي في مصر) تعمد هذا الأخير تلافي الالتزام بنصوص واضحة تجاه قضية الحدود ، ففي رسالة مكماهون الأولى في 19 شوال 1333هـ/ 30 أغسطس 1915 م الجوابية على رسالة الحسين في 28 رمضان /14 يوليو  المرفق بها مذكرة شروط التحالف مع بريطانيا ضد تركيا أجـاب بقوله : " أما ما يتعلق بالحدود فقد يكون بحثنا في مثل هذه التفاصيل – والوقت قصير والحرب قائمة – سابقاً لأوانه . وخاصة أن تركيا لا تزال تحتل قسماً كبيراً من الأراضي التي أشرتم إليها في اقتراحكم احتلالاً تامـــاً"([188]).

وقد أدرك الحسـين تهافــــت هـذا الســبب فقـال في رسـالتــــه الثانية في 29 شـــوال/ 9 سبتمبر: " ويعـذرني فخامــة المندوب إذا قلـت بصراحـة إن ( البرودة ) و ( التردد) الذين ضمنهما كتابه فيما يتعلق بالحدود وقولــه إن البحث في هذه الشؤون إنما هو إضاعة للوقت يعذرني فخامته إذا قلت: إن هذا كله يدل على عدم الرضا أو النفور أو على شئ من هذا القبيل" ([189]).

وقد استمر الحوار بين الجانبين محاطاً بالكثير من الغموض والعموميات ، وكل منهما يتجنب الوصول بالمفاوضات إلى طريق مسدود .

وقد أظهر الحسين في تعامله مع بريطانيا ثقة شبه مطلقة في نواياها الخيرة ورغبة ، شديدة في الاتفاق معها ، والاكتفاء بإشارات يفسرها بما يود أن يكون معناها تجاه تحديد الحدود ؛ حيث وافـــق من حيث المبدأ على مراعاة مصــــالح فرنسا في شمال سوريا بشعور " هو الذي حدانا لأن نتجنب كل ما من شأنه أن يسئ إلى تحالـف إنجلترا وفرنسـا، والاتفـاق المعقود بينهما خـلال هـذه الفترة ومصائبها "([190]).

وما يقال عن ما أحاط موضوع الحدود من غموض وعموميات ينطبق على تحديد العلاقة بين الحسين وبقية الزعماء العرب ، وخاصة أمير نجـــــد عبدالعزيز آل سعود ، ففي هذه المراســــلات نفسها أدخل مكماهون نصاً متحفــــظاً على وفـاء بريطانيا بالتزاماتها تجاه الشريــــف فيما يتعـــــلق بالحدود " على أن لا تنقض شيئا من اتفاقاتنا مع الزعماء العرب " ([191]).

وبناء على ما جاء في تلك الرسائل المتبادلـة بين الحسين ومكماهون ، والتي لم تتبلور في شكل معاهدة أو اتفاقية واضحة محددة الالتزامات([192]) أعلن الحسين الثورة ضد تركيا في 9 شعبان 1339هـ/ 10 يونيو 1916.

وعندما تكشفت حقائق اتفاقية سايكس – بيكو بعد استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا سنة 1917م، وتم إبلاغ الحسين عن طريق الأتراك بمضامين هذه الاتفاقية ، أبدى عدم الرغبة في تصديق ذلك([193]).

كما أنه وخلال الاجتماعات التي تمت بين الحسين وكل من سايكس وبيكو في جدة اعتباراً من شهر مارس 1917م، وأمام التلميحات الواضحة بما تم الاتفاق عليه بين الدولتين أبدى تحفظات هزيلة([194])، وقد شخص هذا الوضع كلايتون في رسالة إلى سايكس بقولــه : " إن الحسين لم يفهم أبداً الوضع كما عرض عليه بشأن سوريا والعراق في اجتماعكم المشترك ، أو على الأقل فهو مصمم أن لا يفهم الوضع وأن يخرج من المقابلة بتفسيره هو ، إلا أنني أظن أن الأحداث ستكون أقوى منه ، وأنه في نهاية الأمر سيضطر إما أن يقبل الأمور كما هي أو أن يسقط "([195]).

ولم يكن موقف الحسين تجاه وعد بلفور ( 2 نوفمبر 1917م ) بمنح اليهود وطـناً قومـياً في فلسطين بأقل مرونة من موقفه تجاه اتفاقية سايكس – بيكو . فقد كان صريحـاً في إجابته لهوجارث([196]) Dr. Hogarth بأنه :

" مادامت الغاية من وعد بلفور هي أن يهيئ لليهود ملجأ من الاضطهاد فانه سيبذل كل نفوذه ليساعد على تحقيق تلك الغاية، وسيوافق على كل تدبير يرى مناسباً لتأمين الأماكن المقدسة والإشراف عليها من قبل أتبـاع كل مذهـب من المذاهب التي تملك لها معابد مقدسة في فلسطين " ([197]).

" وأمر أبناءه أن يعملوا ما في وسعهم لتخفيف المخاوف التي أثارها وعد بلفور بين أتباعهم، وأوفد إلى فيصل في العقبة رسولاً بتعليمات مماثلة ، وأوعز بنشر مقالة في الجريدة الرسمية الناطقة بلسانه يدعو فيها السكان العرب في فلسطين ليتذكروا أن كتبهم المقدسة وتقاليدهم توصيهم بواجبات الضيافة والتسامح " ([198]).

لقد رمى الحسين بكل ثقله إلى جانب الحلفاء خلال الحرب ، وأصبح في نظر الجميع([199]) زعيم الثورة ضد الأتراك . وأغدقت عليه بريطانيا الأموال لتمويل الثورة ، ففي الشهور الأولى لإعلان الثورة بلغ ما تقاضاه 125.000 جنيه شهرياً ،ثم زاد هذا المبلغ حتى وصل إلى 200.000 جنيه شهرياً اعتباراً من شهر أبريل 1917م([200]).

وأخذ الحسين من هذه المكانة وتلك الإمكانيات مبررات ظنها كافية ليعلن نفسه ملكاً على العرب ، أول محرم 1335هـ/2نوفمبر1916م  إلا أن بريطانيا وحلفائها (فرنسا وإيطاليا) اعترضوا على هذا الإجراء، واعترفوا به ملكاً على الحجاز فقط ، كما أثار هذا التصرف مخاوف جيرانه من الزعماء العرب وخاصة جاره القوى الأمير عبدالعزيز آل سعود الذي رأى في ذلك تعدياً خطيراً على مكانته، وخشي أن يؤدي ذلك مدعوماً بالأموال التي تقدمها بريطانيا للحسين ، والتي أخذ يغدقها على بعض زعماء القبائل لكسب ولائها ، أن يؤدى ذلك إلى نتائج خطيرة لا يمكن أن يتغاضى عن مقدماتها ، فأبلغ السلطات البريطانية بمخاوفه تلك ، إلا أن السير برسي كوكس حاول طمأنته وتعهد بضمان عدم تدخل الحسين في شؤون نجد أو التحدث باسم العرب باعتباره ملكاً عليهم ، والتزام بريطانيا الحياد إذا ما أخل الحسين بهذين الشرطين  ([201]).

إلا أن الحسين أخل بهذين الشرطين ، فما أن بدأت مؤشرات انتهاء الحرب حتى وجه اهتمامه نحو فرض سيطرة فعلية على ما تصوره قادراً على تحقيقه بأسلحة وعتاد جيش نظامي مما تكون لديه أو غنمه أثناء فترة الحرب ضد الأتراك في المدينة المنورة وشمال الحجاز ، فكان لابد من الصدام مع أمير نجد عبدالعزيز آل سعود فكان بداية النهاية بالنسبة له .

 

موقف الأمير عبدالعزيز خلال الحرب :

بعد اندلاع الحرب العالمية انقلب الموقف البريطاني تجاه العلاقة مع الأمير عبدالعزيز رأساً على عقب ، فبعد أن كانت بريطانيا طوال الفترة السابقة للحرب تتجنب الدخول في أي نوع من العلاقات معه وتقف موقفاً سلبياً تجاه ما أبداه مراراً من إيجاد نوع من العلاقة  يحفظ به شيئاً من التوازن مع الضغط العثماني المستمر ضده ، فإذا هي بعد قيام الحرب تسارع بالاتصال به ، وتخبره عن طريق مكتب وكيلها السياسي في الكويت أنها بصدد مهاجمة البصرة([202])، كما وجه المقيم السياسي في الخليج رسالة يدعوه فيها إلى دخول الحرب ضد الدولة العثمانية، ويتعهد باسم الحكومة البريطانية بالأمور التالية :

  1)            حمايته من تقدم العثمانيين

  2)            حمايته من هجوم يقع على أراضيه عن طريق البحر

  3)            اعتراف بريطانيا بمركزه الواقعــــي De Facto في نجد والأحســــــاء ،وتحضيرهــــا للدخول في علاقات معاهدة معه  ([203])

كما بعث الأتراك إلى الأمير عبدالعزيز وفداً برئاسة السيد محمود شكري الألوسي للوقوف إلى جانب الدولة العثمانية في الحرب ، فأجاب ذلك الوفد : "  إن الإنكليز احتلوا البصرة ، والخليج كله خاضع لهم ، ومشمول بنفوذهم ، وأساطيلهم تجوبه ليل نهار ، وقواهم منتشرة في كل مكان ، وهم لم يسيئوا إلي ، وأنا على وفاق معهم . فكيف تطلب مني أن أؤيد الترك وأن أحاربهم ، فاقتنع بوجهة نظره وأقر بها([204])" ([205])

لقد أدرك الأمير عبدالعزيز خطورة تلك المرحلة وما يمكن أن يترتب على هذه الحرب من نتائج ؛ فآثر التريث ، فلم يستجب لأي من الجانبين بادئ الأمر ، حيث خشي أن المبادرة الإنجليزية تجاهه مرتبطة بظرف آني طارئ لا تلبث أن تزول نتائجها بزوال أسبابها ، أما موقفه تجاه الأتراك فهناك سبب مباشر لتحفظه للتعاون معهم،وهو أنهم حلفاء عدوه الألد والمباشر ابن رشيد ، وقد أدرك الإنجليز هذا الموقف كما يتضح من مذكرة الســـــير برسي كوكس من البصـــرة الموجهـة إلى المكتب العربي بالقاهرة في 12 يناير 1917م حيث يقول :

" وفي هذه الأثناء (أي عند بدء الحرب) التمس الزعيم (الوهابي) عذراً في رده على إلحاح الأتراك بأنه لا يستطيع الاستغناء عن أية قوات لإرسالها إلى العراق قبل إخضاع ابن رشيد، وأجاب على رسالة بريطانية أن رغبته القديمة في إقامة علاقات وثيقة معنا لم تتزعزع، ولكن لم يكن متردداً بصورة غير طبيعية للمساهمة معنا بصورة مكشوفة حتى يتأكد من أن تغييرنا لموقفنا تجاهه سيكون دائمياً، وعلى الرغم من ثقته الشخصية بالكابتن شكسبير ، فإنه لم يوافق على زيارته إلا بشيء من الارتياب" ([206])

وعلى الرغم من خلافات عبدالعزيز مع بعض جيرانه من الزعماء العرب ، وإدراكاً منه لخطورة الوضع على الجميع فقد ذُكر أنه وجه رسائل إلى كل من أمير مكـة الحسين ابن علي وابن رشيد وشيخ الكويت  مبارك الصـباح ، يقول فيها: "أرى وقد وقعت الحرب أن نجتمع للمذاكرة، عسى أن نتفق على ما ينقذ العرب من أهوالها، أو نتحالف مع دولة من الدول لصون حقوقنا وتعزيز مصالحنا" ([207])

فكان جواب ابن رشيد: "إني مع الدولة أحارب من حاربت وأصالح من صالحت، وأرسل الشريف حسين ابنه (عبدالله) فاجتمع على الحدود بين الحجاز ونجد بمندوب أرسله عبدالعزيز فقال له عبدالله: عسى لم ينس ابن سعود ما تعهد به لوالدي يوم أطلق أخاه سعداً؟ فهز المندوب السعودي رأسه وافترقا... ."

وأما مبارك فكتب إلى عبدالعزيز يدعوه لمفاوضة حاكم الهند البريطاني  ([208])

ونظراً للعلاقة القديمة بين الأمير عبدالعزيز والكابتن شكسبير فقد وجه هذا الأخير لمقابلته حيث التقاه بتاريخ 14صفر 1333هـ/31ديسمبر 1914م .

وأثناء هذا اللقاء أشار عبدالعزيز إلى ما ورد في الخطاب الموجه إليه ، والتأكيدات الثلاثة المذكورة فيه وعلق عليها قائلاً :

"إن الوثيقة كانت رسالة غامضة، وإنها لم تحدد ما إذا كانت التأكيدات قاصرة على مدة الحرب الحالية فقط، أم أنها تشمل المستقبل أيضاً،ولم تلمح فيما إذا كانت هناك شروط أخرى ستطلب منه فيما بعد ، كما أنها لا يمكن أن تعد وثيقة ملزمة بين الطرفين في المستقبل ".

وقد تبين لشكسبير – أثناء تلك المقابلة – أن عبدالعزيز لا ينوي التخلي عن موقفه المحايد ، مع احتفاظه بحرية اتخاذ الترتيبات الخاصة مع الأتراك ، وأنه كان متأكداً من أنه يستطيع أن يحصل منهم على شروط جيده ، تكون الخيار الثاني في الأفضلية، وذلك حتى يوقع ويختم معاهدة مع الحكومة البريطانية.

وقد طلب شكسبير في ذلك اللقاء من عبدالعزيز إعداد مسودة مبدئية تتضمن ما هو مستعد لقبوله وما يرغب فيه ؛ ليتمكن من تقديمها لحكومته . وقدم عبدالعزيز مذكرة تشتمل على 11 مادة أو فقرة، قام شكسبير ببعث ترجمتها إلى السير برسي كوكس بتاريخ 18صفر 1333هـ/4يناير1915م،

 مع ملاحظات قوية مؤيدة للاتفـاق مـع عبدالعزيز، ويعدد المزايا التي ستنجم عن الاتفاق معه ومنها :

أ) السيطرة الكاملة على الساحل العربي للخليج (الفارسي) .

ب) سيطرة كاملة مماثلة على تهريب السلاح .

ج) استبعاد الدول الأجنبية والنفوذ الأجنبي من وسط الجزيرة العربية .

د) الأمن الذي ستحققه السيادة البريطانية وسيطرة ابن سعود القوية على عشائر البدو ستكون حافزاً عظيماً للتجارة بين موانئ الخليج (الفارسي)

هـ) النفوذ العظيم الذي يمارسه ابن سعود على الرأي العام الإسلامي في الجزيرة العربية ، وهو نفوذ يحتمل أن يتضاعف إذا تداعت الإمبراطورية ،التركية وأصبحت الخلافة مشكوكاً في أمرها مما سيجعله مكسباً بريطانيا عظيما الخ .

وقد أيدت وزارة الهند هذا التوجه لعقد معاهدة مع عبدالعزيز بخطابها إلى وزارة الخارجية في 15ربيع أول 1333هـ/30 يناير1915م، مع ملاحظتها: " أن الرغبة في عقد معاهدة مع الأمير عبدالعزيز لا تـنبع فقط من مقتضيات الوضع الحاضر ، التي تجعل من الضروري دفع ثمن لصداقته ، بل أيضا من الوضع العام الذي سيحدث في الخليج العربي في حالة اختفاء الخصم التركي من البصرة نتيجة الحرب الحالية مما تعهدت به حكومة جلالته، وقد يكون من المتوقع أن يُتْرك أمير نجد سيداً ليس في جزيرة العرب وحدها، بل لشريط ساحلي طويل أيضاً، وسيكون من الضروري– لمصلحة السلم والنظام– أن تكون للدولة التي تسيطر على الخليج ترتيبات عمل معه، ولذلك فإن مدى الاستجابة لادعاءاته يجب أن يقاس –ليس فقط بالخدمة الآنية التي ينتظـر منه أن يقدمها، ولكن أيضاً –بما يحتمل أن يحرزه ، في حالة نجاحه من قدرته على الإساءة أيضاً التي لاشك في أنه سيمارسها إذا ما واجه ما يستوجب نفرته بصورة دائمة ".

وفي ضوء ذلك وجهت حكومة الهند ، 6 فبراير 1915 م إلى السير برسي كوكس بالدخول في مفاوضات مع ابن سعود على أن تبرم المعاهدة مع حكومـة الهند .

وتمخضت تلك المفاوضات عن إبرام المعاهدة المعروفة بمعاهدة دارين  بتاريخ         18صفر 1334هـ /26ديسمبر 1915م .

من الواضح أن بريطانيا كانت أكثر حرصاً من الأمير عبدالعزيز على إبرام تلك المعاهدة وذلك لسببين رئيسيين :

الأول: أن المنطقة التي يسيطر عليها مترامية الأطراف ، تمتد من رمال الربع الخالي في الجنوب إلى مسافة قريبة من حائل في الشمال ، ومن ضفاف الخليج في الشرق إلى مشارف الحجاز في الغرب ، وهذه المنطقة– بعمقها الإستراتيجي وتكويناتها السكانية المقاتلة والمتقاتلة– تشكل الحلقة الأهم في شبكة الطرق التجارية عبر شبه الجزيرة العربية. وباتخـاذ عبدالعزيز موقفاً منحازاً لأعداء بريطانيا ، فانه بذلك يشكل خطورة محققة ، فسيكون قادراً على شل الجهود العسكرية التي يقوم بها ما يسمى بجيش الثورة العربية والمتجه إلى سوريا – من ناحية – ومن ناحية أخرى فانه أيضاً قادر على التأثير سلباً على الحملات العسكرية البريطانية في العراق ، ومن جانب آخر فانه لا يمكن منع وصول الإمدادات والمؤن للأتراك بدون تفاهم وتعاون مع من يسيطر على هذه المنطقة ، وكما لاحظ ذلك فلبي في تقرير بعثته،" وفي هذا الصدد كانت جزيرة العرب الشرقية والوسطى بمداخلها على ساحل الخليج الفارسي (العربي) لأمد طويل موضع اعتبار خطير ".

الثاني: وعلى افتراض زوال الدولة العثمانية بانتهاء تلك الحرب ، واتخاذ عبدالعزيز موقفاً عدائياً ضد بريطانيا ، فإنه سيشكل خطراً  على مصالحها وحلفائها في الخليج ، يصعب التغلب عليه أو مجابهته بشكل مباشر ، فقبل تحول تركيا إلى جبهة أعداء بريطانيا في هذه الحرب ، وطوال ما ينيف على قرن كامل  كانت بريطانيا قادرة على احتواء أي خطر مماثل عن طريق توافق المصالح الإستراتيجية مع هذه الدولة ، أما أن تتدخل بريطانيا عسكرياً في عمق الصحراء فهذا ما لا تريده ومالا تستطيعه .

إلا أنه بحكم هيمنتها على كل المنطقة المحيطة بنجد – باستثناء ثغرات محـدودة – قادرة على إنزال أفدح الأضرار عن طريق الحصار الاقتصادي ، خاصة عن طريق الخليج ،وقد عانت نجد خلال هذه الحرب من نتائج الحصار الذي فرضته بريطانيا على موانئ الخليج ، وتوتر العلاقة مع الكويت ، وقد عبر فلبي في تقريـر بعثته عن هذا المعنى بقوله " وإن إمرار القوافل النجدية التي أعيدت سابقا ( من الكويت ) خلق انقلابا مرضيا في الشعور خلال أقاليم ابن سعود جميعها ، وأن حادثة سببت شعوراً سيئاً ، أفادت في تذكير أهالي نجد بما تستطيع الحكومة البريطانية أن تفعله ، وقد عملته فعلا ، في حالة إساءة استعمالهم الفوائد المقدمة لهم".

وأمام هذه الظروف الموضوعية قبل كل من الطرفين ( بريطانيا وعبدالعزيز ) ما يمكن أن يقدمه الطرف الآخر حسب الإمكانيات والظروف الموضوعية القائمة.

برغم إبرام هذه المعاهدة واعتبار الأمير عبدالعزيز منحازاً إلى جانب بريطانيا وحلفائها ضد الدولة العثمانية وحلفائها ، إلا أن جوهر موقفه خلال تلك الحرب كان حياداً إيجابياً ، بمعنى أنه في أي إجراء اتخذه كان يراعى أولاً وقبل كل شئ مصلحته بالدرجة الأولى ،ولم يندفع إلى القيام بأي عمل لا يرى فيه مصلحة له ، مهما كان الضغط الذي حاول البريطانيون ممارسته عليه ، وقد قبل الجانب البريطاني هذا الموقف .

وقد اعتذر عن المشاركة في الهجوم على البصرة، واهتم بمشاغله الداخلية التي استغرقت الكثير من وقته وجهده ،وعند إلحاح البريطانيين عليه بمهاجمة ابن رشيد أجاب خطاب برسي كوكس بهذا الخصوص بخطـاب بتاريـخ 6ذو القعده 1334هـ/3سبتمبر 1916م جاء فيه: "... والآن أرجو إعلام سعادتكم أن الصعوبة في طريق مهاجمة ابن رشيد في أطراف حائل ليس سببها أي قوة له تحول دون ذلك ، ولا هي ضعف فيَّ أو في قوتي ، ولكنها تأتي من أسباب سياسية تجعل من غير المستحسن فرض القتال عليهم حاليا ، ولكن هل ستكون المسألة مسألة قتال ابن رشيد أو عرب آخرين يعادون الحكومة البريطانية ؟ أو مسألة تعاون ومساعدة لأناس مثل                      الشريف؟!...) .

إن هذه العبارة توضح بشكل جلي فهم الأمير عبدالعزيز ومدى استعداده للتعاون مع بريطانيا في هذه الحرب.

كما عبر نائب الملك في الهند في برقية إلى وزارة الهند بتاريخ (3ذو الحجة1334هـ/30سبتمبر 1916م) عـن قبولهـم لهذا الموقف بقوله :" إننا لا نستحسن أية محاولة للضغط على ابن سعود لحمله على اتخاذ أي إجراء معين سواء كان لمساعدتنا  أم لمساعدة الشريف ، أما إذا قام بذلك من تلقاء نفسه فبها ونعمت ، ولكن في خلاف ذلك فإننا نكتفي بالكسب العظيم الذي حققناه بالصداقة السلبية مع نجد" .

إذن فموقف الأمير عبدالعزيز أثناء هذه الحرب هو : من الناحية السياسية إلى جانـب الحلفاء ، أما من الناحـية العسكرية فهو لم يتخذ أي إجراء أو يشارك في أي معركة إلا إذا كانت تصب– أولاً وقبل كل شئ –في مصلحته ،وتحقق أهدافه في استعادة ملك أسلافه وتوحيد بلاده ، وحيث أن ابن رشيد – بتحالفه مع الأتراك– أصبح هدفاً مشتركاً ، لهذا كان إبقاءه تحت السيطرة يحقق أهداف الطرفين ، إلى جانب السعي لتثبيت الاستقرار الداخلي في بـلاده المترامية الأطراف ، وقد عبر عبدالعزيز عن هذا الموقف بخطاب جوابي إلى الشريف عبدالله بن الحسين بتاريخ (16 ذو الحجة 1334هـ / 13 أكتوبر 1916م ) الـذي يطالـبه بالاشتراك الفعلي بقوله :" بلادنا عظمية، وعربنا كثيرون وشرهم كثير أيضاً فيما بينهم، وكل منطقة لها بعض الأعداء أقسم بالله إن أخاك يبذل جهده لحفظ الراحة والهدوء بين رعاياه كيف إذن أستطيع أن أبتعد عنهم وأتركهـم يغيرون بعضهم على بعض ؟ إنهم لا يستطيعون العيش بسلام بدون قوة حاضرة بينهم لتأديب هؤلاء الذين يراقبون "كذا" وكذلك قوة أخرى لمقابلة ابن رشيد في أطراف القصيم ".

وقد ظل عبدالعزيز ملتزما بهذا الموقف طوال الحرب ، كما يبدو أنه ترك بعض خطوط الاتصال بالعثمانيين مفتوحة ، إذ أنه غض النظر عن بعض الثغرات والتجاوزات في وصول بعض الإمدادات إلى القوات التركية عبر بلاده ، وقد أتاح هذا الموقف لشريف مكة الفرصة لاتهامه بعدم الإخلاص لقضية الحلفاء .

وفي 22 شعبان 1335 هـ / 12يونيو 1917م  أرسل الجنرال كلايتون بياناً من الشريف ، بأنه تسلم معلومات عن أن ابن سعود يستعد للحـرب ضده وكذلك أن ابن سعود قد وافق على مرور40000 50000  ليرة تركية عن طريق بلاده للقوات التركية في عسير واليمن ،إلا أن السير برسي كوكس قد استبعد أن يكون ذلك تم بطريقة متعمدة من جانب عبدالعزيز ؛حيث يقول معقباً على ذلك : " إذا كان الذهب التركي قد مر ببلاده إلى اليمن فذلك يعود إلى تساهل شعب ابن  سعود، وليس لموافقة الأمير نفسه".

إلا أن المصــــادر البريطانيـة تذكـر أنـه  في جماد الأخر 1336هـ/بداية أبريل 1918م "وردت معلومات موثوق بها مآلها أن ابن سعود متصل بفخري باشا في المدينة، وذلك إذا كانت ألمانيا تضمن مدعياته بمناطق معينه ، فإنه على استعداد لمعاونة تركية ، على أن ذلك لم يؤد إلى نتيجة ".

وإذا كان هذا صحيحاً ، فربما أنه ناتج عن إحساس الأمير عبدالعزيز بالتحفظ البريطاني تجاهه ، مقابل إغداق المساعدات على الملك حسين الذي لا يخفي نواياه العدائية ، وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج ، وشواهد هذا التحفظ البريطاني تجاه عبدالعزيز قوية ومتعددة ،فمنها ما عبر عنه السير ريجنالد وينجت ( حاكم عام السودان ) في برقيـــة إلى وزارة الخارجـية بتاريـخ 9 ربيع الأول 1336هـ/ 23 ديسمبر 1917م بقولــه :" إنني أقدر ضرورة إبقاء ابن سعود إلى جانبنا ومنحه المعونة المالية التي تجدونها ضرورية من حيث الوضع العسكري والسياسي في العراق ، ولكني أبدى أن مساعدته على النطاق المقترح الآن ستكون ذات خطر ، إن قوة نجدية مؤلفة من 15000 جيدة التجهيز من جمهرة المتحمسين (الوهابيين) قد تكتسح الحجاز، وتربك سياستنا العربية والإسلامية ".

وفي آخر عام 1917م أوفدت بريطانيا إلى الأمير عبدالعزيز وفداً مكونا من :

        1)      الوكيل السياسي البريطاني في الكويت (هاميلتون R.H.A.Hamilton)

        2)      جون فلبي(H.St. John Philpy )

        3)      الكولونيل( كونليف أوين     Col. Cunliffe Owen ) (من مدفعية الميدان الملكية)

وهدف هذه البعثة كما حددها السير برسي كوكس في مذكرته للسيد جون فلبي بتاريخ 31 أكتوبر 1917م:

 1) : غرض البعثة الأساسي والرئيسي هو المباحثة الكلية مع ابن سعود، وتكوين الرأي عما إذا كان يستطيع اتخاذ أي عمل آخر بصورة مفيدة لدعم القضية المشتركة ضد العدو

        2)      محاولــــة تصفية الجو السائـد في علاقـات ابن سعــــود مع الشريف وشيخ الكويــت".

بالنسبة للهدف الأول فان الأمير عبدالعزيز لم يذهب أكثر من الضغط على ابن رشيد لمنعه من إعاقة الجهود الموجهة ضد الأتراك في شمال الحجاز وسوريا .

أما بالنسبة للهدف الثاني ، فقد باءت جهود البعثة بالفشل ، وكان المندوب السامي البريطاني في مصر قد أبلغ الملك حسين بمهمة البعثة قبل قيامها ، وأكد قصداً صفة البعثة العسكرية ،ودورها في الإشارة على ابن سعــــود حول الإجراءات التي تتخذ ضـــد الأتراك وابن رشيــــد  وفي الوقـــت نفسه ، مع ملاحظة الوضع الذهني المتصلب للملك حسين والتخفيــــف من أية محاولة سابقة لأوانها لتسوية المسائل السياسية الواسعة القائمة بينه وبين ابن سعود فإنه عبر عن أمله  (المندوب السامي)  بأن الوقت ونجاح البعثة الذي يتيــــح– كما يؤمل – قيام ابن سعود بهجوم فعال على العدو ، سوف يثبت للملك سخافــة سياسته الحاضرة المبنية على الريبة وحكمة التصالح مع جاره القريب القـوي).

إلا أن الملك حسين اتخذ موقفاً عدائياً متصلباً تجاه العلاقة مع الأمير عبدالعزيز خلال المحادثات التي تمت في جدة في مطلع عام 1336هـ/1918م ، ولم يأذن حتى لفلبي بالعودة براً إلى نجد لإكمال مهمته بحجة أن الطريق ليس آمناً .

ما إن بدأت بوادر نهاية الحرب تلوح في الأفق (بعد دخول اللنبى القدس) حتى بدأ الموقف السياسي البريطاني يتجه بشكل كأنه استفزازي للأمير عبدالعزيز . فأثناء حملته على ابن رشيد تغير الموقف البريطاني فجأة في محرم 1337هـ /أكتوبر 1918م  "بأن حكومة صاحب الجلالـة ترغب أن يمتنع ابن سـعود عن عملياته ، وأنه في هذه الظروف لا تعتزم إعطاءه الـ1000 بندقية الموعود بها بدلاً من عدد مماثل من أسلحة رديئة سلمت له سابقاً"، وذلك في ذات الوقت الذي بدأ الملك حسين يوجه نشاطه تجاه الخرمة ، ويرسل الحملة تلو الحملة ، وإن كانت تبوء بالفشل نتيجة المقاومة المحلية من أهالي المنطقة ، إلا أن ذلك سبب حرجاً لموقف الأمير عبدالعزيز ، ففي الوقت الذي يستجيب لطلب بريطانيا بتشديد الضغط على حليف الأتراك ( ابن رشيد ) وإن كان بالنسبة لعبدالعزيز أصبح شأناً ثانوياً في تلك المرحلة ، مقارنة باستفزازات الملك حسين، في نفس الوقت الذي يمتنع عن نصرة أهالي منطقة الخرمة الذين يلحون عليه في طلب المساعدة لمواجهة هذه الحملات المتكررة والتدخلات المستفزة من قبل الملك حسين ، وذلك استجابة لرغبة بريطانيا مع ما يسببه ذلك من استياء عام، وتذمر في أوساط الأهالي في نجد ، ومن جهة أخرى فقد كانت الظروف المحيطة بعبدالعزيز في تلك المرحلة قد بلغت درجة كبيرة من التأزم، فبالإضافة إلى موقف الملك حسين الاستفزازي ، وابن رشيد المعادي ، هناك مشكلة العجمـان المزمنة ، وموقف شيخ الكويت سالم الصباح المتحدي ، كل هذه الظروف فرضت على عبدالعزيز أن يتخذ موقفا صريحاً من السياسـة البريطانيـة تجاهـه فقال مخطاباً فلبي : "مـن الـذي يثق بكـم بعد هذا ؟" وأُشعر هذا الأخير – الذي كان على وشك السفر للاحتجاج على موقف حكومته ، بأنه غير مرغوب في عودته " وأن الحكومة "البريطانية" إذا كانت لا تستطيع تعديل قرارها ، فإنه يعتبر نفسه حراً في اتخاذ أي عمل تفرضه الظروف لحماية مصلحته " .

 

7–    تلاشي التنافس الدولي حول شبه الجزيرة العربية وتسوية الأوضاع بين القوى السياسية المتصارعة حسب الإمكانيات والقدرات الذاتية لتلك القوى.

بعد استسلام الحامية التركية في المدينة المنورة ، أمر الملك حسين ابنه عبدالله بالتوجه بالقوات الضاربة التي تحت يده ، المدربة والمزودة بالحديث من الأسلحة والذخيرة والعتاد ، مقارنة بما يملكه الطرف الآخر ، أمره بالتوجه الى الخرمة لفرض سيطرته على المنطقـة ، وربما أبعد من حدود تلك المنطقة موضوع النزاع ، بقوة السلاح ، وكان موقف بريطانيا تجاه ذلك النزاع مؤيداً للحسين ، ففي المؤتمر الذي عقد في القاهرة برئاسة وزير الخارجية البريطانيـة لورد كيرزون في شهر  جمادى الآخرة 1337هـ/مارس 1919م لبحث قضايا الشرق الأوسط ، ومن بينها ، هذا الموضوع ، أوضح الوزير موقفه المؤيد لمطالب الملك حسـين و "أن السياسية البريطانية في جميع القضايا العربية سياسة حسينية، الأمر الذي يبرر ضرورة الاقتناع بانتصار الحسين حال صدامه مع عبدالعزيز بن سعود، إذا ما حسمت مشكلة الخرمة لصالحه، وإلا فإن العواقب ستكون خطيرة".

وقد أيد جميع الحاضرين الوزير في رأيه – باستثناء فلبي – إلا أن رأيه لم يؤخذ به نظراً لأن القرار أخذ بالتصويت ، ففاز بالأكثرية .

و يبدو أن حكومة الهند البريطانية– التي تدرك حقائق الوضع أكثر من غيرها – قد حاولت إقناع السلطات البريطانية بالتريث ، ومن ثم اتصل المعتمد البريطاني في جدة بالملك حسين وأبلغه  رسالة حكومته ،التي ضمنها النصح بالتريث فيما عزم عليه ، والاقتراح بانسحابه إلى الطائف، حيث يوافيه عبدالعزيز بن سعود للتفاهم على ما ينهي الخلاف ،لكن الملك حسين استخف بهذا النصح، وقـال –موجهاً حديثه إلى حسين روحي ، سـكرتير المعتمد البريطـاني ، والذي سلمه الرسالة –: " اذهب وقل لهم: أنه لا حق لهم بالتدخل في شؤوننا الداخلية ، فنحن أحرار نفعل ما نريد ".

ومن جانبه فإن الأمير عبدالعزيز لم يعد بإمكانه تجاهل هذا التهديد الخطير ( توجه قوات عبدالله صوب منطقة النزاع ) لمنطقة يلح سكانها عليه بطلب النجدة ، ويلح عليه رعاياه بضرورة مسـاعدة إخوانهم ، وكان قد وعد بأنه في حالة محاولة الهجوم مرة رابعة فإنه سيتصدى بنفسه للدفاع عن المنطقة ، وبالفعل فقد أعد الحملة ،وخرج من الرياض متوجهاً إلى هناك، ومتجاهلاً الإنذار البريطاني.

وفي أثناء ذلك كانت قد وصلت إلي هناك قوات من الأخوان ، بناء على أمر عبدالعزيز ولم تنتظر تلك القوات وصوله ، فقامت بهجوم مباغت في 25 شعبان 1337هـ / 25 مايو 1919 م على قوات الشريف حسين حيث أبيدت عن آخرها  تقريباً ، كما استولى المهاجمون على جميع معدات هذه الحملة من أسلحة وذخائر ومؤن ، ونجا الشريف عبدالله بن الحسين مع عدد قليل من قادته بصعوبة بالغـة ، ووصل ابن سعود إلى مكان المعركة بعد يوم أو يومين؛ فتوج النصر الساحق بضم الواحة إلى ملكه.

إذا كانت النتائج التي ترتبت على معارك الشنانة والبكيرية – منذ خمسة عشر عاماً– قد مهدت السبيل لإنهاء الوجود العثماني في وسط الجزيرة العربية ( نجد )، ومكنت الأمير عبدالعزيز من بسط سيطرة فعلـية على تلك المنطقة ( القصيم )، وقلصت مكانة وهيبة خصمه الأمير عبدالعزيز بن متعب بن رشيد ، فإن معركة تربة هذه  قد أنهت بالفعل أسطورة قوة الملك حسين وقدرته على فرض سيطرة حقيقية على أرض الواقع ، بل وأكثر من هذا فإن هذه المعركة – في رأيي – تعتبر بداية تسوية الأوضاع بين القوى السياسية المتنافسة على الساحة ( الأمير عبدالعزيز بن سعود ، والملك حسين ، وابن رشيد ، والإدريسي) كل حسب إمكانياته الحقيقية وقدراته الذاتية والقيادية ، بعد أن تقلص التدخل والاهتمام الدولي بما يجري على الساحة الداخلية لشبه الجزيرة العربية، إثر  زوال ظل الدولة العثمانية بسقوطها النهائي بعد الحرب ، وانشغال بريطانيا بإعادة ترتيب أوضاع المناطـق التي تعتبرها حيوية بالنسبة لمصالحها ( العراق والأردن وسوريا ) بشكل خاص .

صحيح – كما يبدو – أن السياسة البريطانية تجاه الأوضاع في الجزيرة العربية كانت تتجه إلى محاولة تثبيت الأوضاع السياسية القائمة ، واستبعاد قيام كيان سياسي موحد . وحتى ابن رشيد ، الحليف السابق للأتراك الذي كان ينتظر أن يسقط تلقائياً بعد زوال سنده وحليفه ( الدولة العثمانية) ،إلا أن السلطات البريطانية أخذت تبدى شيئاً من الميل نحو تثبيت وضعه، فـكوكس يعتبره عاملاً مفيداً في المحافظة على توازن القوى في الصحراء . ولقد استنتج ابن سعود– بلا شك –أن مركزه سيصبح حرجاً بسبب تحدى حاكم شمر ( منافسه القديم ) بتشجيع من الإنكليز ...  لأن مبعوث ابن رشيد كان فعلا في بغداد يتفاوض مع جر ترودل آنذاك.

وفي هذا المنحى أيضا ، فإن بريطانيا ربما شجعت – لو توفرت الظروف الملائمة – لإقامة ( دويلة ) بين العراق ونجد ، مستغلة طموحات بعض رؤساء العشائر هناك؛ حيث يذكر أمين الريحاني ( الذي كان موجــــوداً في معسكر عبدالعزيـــز أثناء مؤتمر العقير 1341هـ/1922م) أن المندوب السامي البريطاني ( كوكس ) قد صحب عند قدومه لهذا المؤتمر شيخ العمارات في الشمال ، فهد بك الهذال ؛ لأنه كما قيل خبير بالحدود بين العراق ونجد ، والحقيقة إن السياسية الإنكليزية كانت ترجح إعطاءه بعض الاستقلال  في ناحيته، أو تؤسس مشيخة من العمارات بين العراق ونجد على طريقتهم حول عدن .

أما موقف بريطانيا تجاه النزاع بين الزعيمين الكبيرين الملك حسين والأمير عبدالعزيز فهـو بكل وضوح إلى جانب الأول –كما سبق أن رأينا – إلا أن الحسين لم يكن قادراً على استيعاب الحقائق الموضوعية لا الإقليمية ولا الدولية السياسية والاستراتيجية في المنطقة ؛ فمن ناحية علاقته مع الأمير عبدالعزيز بن سعود ( جـاره متنامي القوة ) والذي أبدى – منذ بدء الحرب  على الأقل – رغبة في التفاهم ، وإقامة علاقات جوار وتنسيق واحترام متبادل ، إلا أن الحسين قابل ذلك باستخفاف واستعلاء لا ينم عن حنكة سياسية ، فأثناء الحرب استغل الإمكانيات التي وفرتها له بريطانيا بمحاولات كسب ولاء القبائل القاطنة في المنطقة بين الجانبين ، إلا أن ذلك لم يكسبه ولاء تلك القبائـل لأسباب تاريخية  وايديولوجيه  وشـخصية ، مقارنة بين شخصيتي الزعيمين ، ففـي الوقـت الذي كـان ابن سعود يحظى باحـترام عظـيم وشـخصيـة ( كريزماتيــــة ) مؤثـرة لكل من يتعامـل معه أو يقابله ، كان الملك حسين يحاول التقليل من قـدرة وأهمـية هذا الرجل ، وحسب تعبير الكوماندر هوغــــــارت في مذكرة بتاريخ  19ربيع الأخر 1335هـ/ 11فبراير 1917م  إن ثقة الملك حسين حول ابن سعود تستند الى الاعتقــــــــــاد :

1)   بأن الأخير يقتصر على العشائر .

2)   قلة موارده المالية . ويعتقـد حسـين أنه يستطيع أن يشتري ابن سعود في أي وقت (بأموالنا طبعا كما هو معلوم ).

والأهم من هذا – وربما الأخطر – أن الملك حسين لم يكن لديه هدف استراتيجي واضح للمناطق التي يسعى لتثبيت سيطرته عليها ، ولا كيفية الوصول إلى هذا الهدف، فمنذ بدء ثورته أواسط سنة 1916م ومن ثم إعلان نفسه ملكاً لم يعترف بذلك أحد ، بل إن الحلفاء كانوا واضحي الموقف تجاه ذلك ، واعترفوا به ملكاً على الحجاز فقط ، وحتى هذا الإقليم لم يكن الحسين – كما يبدو – يعرف أو يريد أن يعرف حدوده الإقليمية من جهاته الثلاث ( الشرق والشمال والجنوب ) ولكنه يدرك – كما يبدو – أن الحجاز لا يمكن أن يشكل كياناً سياسياً مستقلاً بالاعتماد على إمكانياته الاقتصادية الذاتية ، ولهذا كان يرنو ببصره نحو مناطق وأقاليم هي مركز اهتمام وسياسات استراتيجية مرسومة سلفاً لمصالح حيوية للدول الكبرى المعنية بالمنطقة ( بريطانيا وفرنسا)،  وقد عبر عن هذا التوجه وزير خارجيته فؤاد الخطيب في لقائه مع الكوماندر هوغارت حسب مذكـرة هذا الأخير السابق الإشارة إليها ، أن الخطيب بدأ عرضه قائلاً:" إنه إذا اقتصرت سيادة سيده على الحجاز ( أي المنطقة الغربية من الجزيرة العربية) فإنه لن يكون في وضع مستقل، ولا مكتفياً ذاتياً، وذلك بسبب قلة الموارد التي ستحصل في منطقته، حتى في أحسن الظروف، وأكد فؤاد على أن مثل هذا الاعتماد المستمر على المعونة الأجنبية سيسيء إلى سمعة سيده في العالم الإسلامي، وستتضاءل قيمته، ولن يمض وقت طويل حتى يصبح غير جدير بالمعونة الأجنبية التي تقدم له ، ولم يفترض الملك فقط، حين شرع في عمليته الحالية بأنها ستقتصر على الحجاز" .

ويقول هوغارت: "سألت ما هي المنطقة والمدينة اللتان يتصورهما الملك قاعدة لاستقلاله ؟

أجاب فؤاد : سوريا ودمشق ".

ويعلق هوغارت على هذا الحديث بقوله : (( كنت أستطيع أن أتلمس عقيدة ثابتة تكمن وراء أقوال فؤاد ، هو أن بريطانيا العظمى ستلجأ في النهاية إلى استعمال القوة إذا لزم الأمر لتأسيس الدولة العربية ضد كل ما يحدث )).

لقد ساندت بريطانيا الحسين سياسـياً قبل تربة وبعدها ، ولكنها لا تستطيع أن تساعده عسكرياً بالتورط في حرب داخلية في الصحراء ، كما أنها لن تذهب إلى حد فرض الحصار على خصمه ابن سعود من ناحية الخليج ، مع قدرتها على ذلك ، ما دام هذا الأخير يلتزم بعدم المساس بالمناطق التي تعتبرها حيوية لمصالحها من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإنه ( أي عبدالعزيز بن سعود ) لم يظهر عداءً تجاهها طوال الفترة الماضية ، بل عكس ذلك هو الصحيح ، كان يظهر دائما رغبة في إقامة علاقة صداقة معها ، وإذا كانت العلاقات بين الطرفين قد مرت بفترات يشوبها شئ من الاستياء فهو نتيجة لموقف بريطانيا، وليس من جانب عبدالعزيز .

فهدف بريطانيا الاستراتيجي في المناطق الخارجة عن سيطرتها المباشرة في شبه الجزيرة العربية هو أن لا يقوم وضع معاد لها من جانب، وأن يكون من يحكم قادراً على توطيد الأمن والاستقرار في المناطق الخاضعة له ،وقدرة الأمير عبدالعزيز على ذلك ليست موضع تساؤل ، كما أنه على المستوى الشخصي يحظى بتقدير عظيم من قبل كل من تعامل معه من المسؤولين البريطانيين وغيرهم،  كما أنه يحظى بثقة مطلقة في الوفاء بما يلتزم به .

إن أهمية موقعة تربة – في رأيي – ليست في جانبها العسكري وتحطيم أسطورة قوة الحسين فحسب ، وإنما في أنها كشفت عن أن فترة ضبط النفس التي مارسها عبدالعزيز طوال فترة الحرب (1914–1918م) لم تكن انتظاراً سلبياً ، وإنما كانت فترة ما يمكن أن يسمى ترسيخ البنية التحتية لقوته المتنامية ، فالاستقرار الداخلي الذي وطده ، وكبح جماح غريزة التمرد الدائم للقبائل ، والمناخ الديني الذي أشاعه منذ بدء حركته أوجد البيئة الملائمة لنجاح سياسته في تشجيع البادية على التوطن والاستقرار ، فنشأت الهجر المعروفة ، والتي أصبح سكانها يشكلون قوة مندفعة متحمسة راغبة وقادرة على إنزال أشد الضربات بأعدائه أينما يوجههم .

 

لقد حلت بريطانيا بعد الحرب محل تركيا في المناطق المحيطة بنجد ، وكانت في الواقع في حيرة من أمرها في كيفية إدارة المناطق المحيطة بنجد ، فقد واجهـت – منذ البدء –صعوبات جمة إدارية ومادية ، فحكم تلك المناطق مباشرة أثار السخط العام لدى السكان، ورأوا فيه خيبة لآمالهم وخيانة لأمانيهم الوطنية ، وتحول هذا الشعور إلى ما يشبه الانفجار ضد هذا الوضع الجديد، وأجلى تعبير عن ذلك هو انفجار الثورة الشعبية في مصر سنة 1919م وثورة 1920م في العراق، إلى جانب التكاليف المادية الباهظة التي أصبحت بريطانيا ملزمة بحكم الضرورة بصرفها لإدارة تلك المناطق، والمحافظة على أمن مصالحها فيها، مما أصبح عبئاً ثقيلاً على دافع الضرائب البريطاني.

وللخروج من هذا المأزق خرجت ( بوصفة ) لحكم تلك المناطق، تمثلت في إقامة أبناء الملك حسين على رأس حكومات هذه المناطق ، فنصبت الأمير فيصل بن الحسين – بعد إخراجه من سوريا على يد فرنسا – في منصب ملك العراق ، وأخيه عبدالله أميراً على ما عرف فيما بعد بشرق الأردن، وتمكنت من الحصول على حق الانتداب على فلسطين بدلاً من الإدارة الدولية ،وبهذا أحكمت سيطرتها على المنطقة من رأس الخليج إلى شرق المتوسط وقنـاة السويس (طريقي الهند العتيدين).

لقد توهم الملك حسين أن هذه الترتيبات – تعيين ولديه في العراق وشرق الأردن ـ تعـني أنه أصبح ذا نفوذ حقيقي ، وأنه اقترب من تحقيق حلمه ( ملك العرب )، فرغم تحطيم جيشه في تربة، وبروز قوة ابن سعود بشكل لا يمكن تجاهله ، إلا أنه كان ينظر للأمور بشكل مختلف ، فما أن ألغي منصب الخلافة في تركيا حتى رأي في ذلك فرصة طالما حلم بهـــا ، وقبل البيعة في عمان خليفة للمسلمين  8 جمادى الثانية 1343هـ / 17 يناير 1924م ، وكان في ذلك كما وصفه أمين الريحاني بقـوله إنه :" يهتم بسقف البيت قبل الأساس ".

لقد أثارت هذه الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا في العراق وشرق الأردن شكوك ومخاوف السلطان عبدالعزيز بن سعود ، ولم تكن هذه المخاوف وتلك الشكوك بغير أساس ، فمنذ السنوات الأولى لبدء حركته كانت بريطانيا تراقب نمو قوته بالكثير من القلق والمخاوف لأسباب تعود في حقيقتها إلى ذكريات الدولة السعودية الأولى ،وما شكلته من خطر على طريقي الهند ، وقد أشار إلى ذلك فلبي في تقرير بعثته عـن مهمة سادلير الذي بعثته حكومـــــة الهند  "ليقــــــدم إلى من قام بتدميرها تهاني الحكومة على ما أنـــــجزه ، وليحثه على اتخاذ الاحتياطــــات الشديدة ضد إعــــادة إحياء السلطة  الوهابيــــة ".

وقد برزت هذه المخاوف لدى السلطات البريطانية في أكثر من مناسبة في هذه الفترة، وأشار إليها فلبي في تقريـره المشـار إليه بقوله :" كان المندوب السامي "في مصر" مدفوعـاً بالخـوف من إمكان نهضة ( وهابية ) للانتقاص من أي عمل يحتمل أن يقـوى ابن سـعود، وكانـت حكومة صاحـب الجلالـة تميل نحو هذا الـرأي نفسه" . و " أنه لعب الخوف من النهضة (الوهابية) دوراً كبيراً في حمل حكومة صاحب الجلالة على النظر بصورة سلبية في أي اقتراح يحتمل أن يزيد من قوة ابن سعود العسكرية " .

لقد كانت بريطانيا – بعد زوال الدولة العثمانية – هي القوة الوحيدة على ساحة الجزيرة العربية ، التي لا يمكنه التغلب عليها ، ولا يريد الاصطدام بها ، وإن كانت في حقيقة الأمر هي العقبة  الكأداء – حسب تعبير فلبي في تقرير بعثته – في سبيل تحقيق أهدافه وأخذ حجمه الحقيقي على ساحة الجزيرة العربية بكاملها ، وقد عبر السلطان عبدالعزيز عن حقيقة الموقف البريطاني تجاهه  قبيل مؤتمر العقير السابق ذكره لأمين الريحانـي بقولـــه : "يظن الناس أننا نقبض من الإنكليز مبالـغ كبيرة من المال . والحقيقة أنهم لم يدفعوا لنا إلا اليسير مما تستحقه الأعمال التي قمنا بها أثناء الحرب وبعدها ، ونحن لا نختلف معهم قبل أن يختلفوا معنا، بيننا وبينهم عهد نحافظ عليه، ولو تضررنا في أنفسنا ومصالحنا الإنكليز مدينون لنا، ترى الصحيح يا أسـتاذ، ونحن لا نطالبهم، من العـار أن نطالبهم . ولكن ما هي سياستهم الآن ؟ تراهم يغزلون ويغزلون . تراهم يدسون الدسائس علي علي أنا صديقهم ابن سعود أحاطوني بالأعداء . أقاموا دويلات حولي، ونصبوا من أعدائي ملوكاً، وهم يمدونهم دائماً بالمساعدات المالية والسياسية ، الشريف في الحجاز وابنه عبدالله في شرق الأردن، وابنه فيصل في العراق، ما القصد من هذه الأعمال؟ وما الداعي لها؟ أنا ابن سعود صديق الإنكليز وهم في سياستهم الشريفية يعاملونني معاملة العدو".

إلا أنه في نهاية الأمر لم يكن أمام بريطانيا – كقوة عظمى – إلا التعامل مع الحقائق الموضوعية على أرض الواقع ؛ بهدف أول هو: المحافظة على مصالحها ، وأقصى ما يمكن أن تتخذه من إجراءات في هذه المرحلة التاريخية شديدة التغير  لإبداء استيائها هو وقف المعونات التي تقدمها لمن لا يستجب لنصائحها ، وقد قبل السلطان عبدالعزيز هذا التحدي ، وتعامل مع منافسيه ( الملك حسين وأمير حائل وغيرهم ) كل حسب إمكانياته الذاتية وقدراته القيادية ، وكان عبدالعزيز يبزهم جميعاً ، وتمكن في خلال فترة وجيزة من توحيد أقاليم الدولة التي أصبحت فيما بعد الدولة السعودية الحديثة (المملكة العربية السعودية) .

رحم الله عبدالعزيز فقـد كانـت معاناته في التعامـل مع القوى الدولية المحيطة به (الإنجليز والأتراك ) في سبيل لم شمل هذا الوطن وتوحيد أجزائه  أشد ضراوة من معاناته في التعامل مع القوى السياسية المحلية .


 

الهوامـــش

 



(1)   انظر عن هؤلاء التجار : القوصي ، عطـيه ، أضواء جديدة على تجارة الكارم من واقع وثائق الجنيزة ، المجلة التاريخية المصرية ، المجلد 22 ،1975م، ص 22– فما بعدها .

(2)                          الوردي ، علي ، لمحات اجتماعية من تاريـخ العـراق الحديث حـ1 لندن 1991م ص 18.

(3)                          البحارنه ، حسين محمد ، دول الخليج العـربي الحديـث ، ص25، بيروت 1972م.

(4)   الغنام ، سليمان محمد ، التنافس الدولي في منطقة الخليج العربي 1891–1914م ، وزارة الخارجية السعوديــة ، معهد الدراسات الدبلوماسـية ، ص10، الكتاب السنوي 1402هـ.

(5)   القاسمي ، سلطان بن محمد ، تحقيق ، جون مالكولم والقاعدة التجارية في الخليج سنة 1800–1994م، ص 11–12 ، بدون ذكر المكان.

(6)   الغنام ، سليمان محمد ، قـراءة جديـدة لسـياسـة محمد علي باشا التوسعية 1811 – 1840م في الجزيرة العـربية والسـودان واليونان وسوريا ، جدة ، ص 37–38، 1400هـ.

(7)                          المصدر السابق ص 29.

(8)                          انظر نص الاتفاقيتين في : الغنام ، قراءة جديدة ، الملحق رقم 1 والملحق رقم 4.

(9)                          الوردي ، نفسه ، 2/60.

(10)                      حراز ، السيد رجب ، الدولة العثمانية وشبه الجزيرة العربية1840ـ1909،ص 163 القاهرة، 1970م.

(11)                       الحصري ، سـاطع ، البلاد العـربية والدولة العثمانية ، ص 194–195، بيروت 1960م.

(12)                      عمر ، عمر عبدالعزيز ، تاريخ المشرق العربي 1516–1922، ص 444،  بيروت 1405/ 1984م.

(13)                      الغنام ، التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص 11–13.

(14)                      الغنام ، المصدر السابق ، ص 15–16.

(15)                      الغنام ، المصدر السابق ، ص 24 ، إبراهيم ، عبدالفتاح ، على طريق الهند ، ص86، دمشق ط3، 1991م.

 

(16)                      صفوت ، محمد مصطفى ، مؤتمر برلين 1878م، وأثره على البلاد العربية ، ص34، القاهرة 1957.

(17)                      المصدر السابق ص 32.

(18)                      المصدر السابق ص 26.

(19)                      المصدر السابق ص 27.

(20)                      المصدر السابق ص 62.

(21)                      الحصري ، ساطع : البلاد العربية والدولة العثمانية ، ص 165.

(22)                      الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص 19.

(23)   الداود ، محمود علي ، محاضرات عن الخليج العربي والعلاقات الدولية ، 1980–1914 معهد الدراسات العربية العالمية ، ص93، القاهرة 1960م.

(24)                      الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص 19–20.

(25)                      الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص14.

(26)                      الغنام ، المصدر السابق.

(27)                      إبراهيم ، عبدالعزيز عبدالغني ، أمراء وغزاة ، قصـة الحـدود الإقليمية في الخليج ، ص2 ، لندن 198م.

(28)                      الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص 22.

(29)     Persia and the Persian Question, London, 1938, P. 465 والترجمة نقلا عن : لوريمر ، دليل الخليــــج ، 1/495–496،  ترجمة مكتب الترجمة بديــــــوان حاكم قطر ، الدوحة 1967 ، القسم التاريخي .

(30)                      عمر ، عمر عبدالعزيز ، المصدر السابق.

(31)                      الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص20.

(32)                          Larousse Encyclopedia of Modern History, From 1500 to the Present day  , Fifth Impression, Singapore 1974 P.342 32.

(33)                          James, Lawrence, The Rise and fall of the British Empire, London 1997 P.182

(34)                      الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص27–28 .

(35)                      الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص29.

(36)   الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص 29 ؛ وانظر عن ذلك الاجتماع أيضا : سفن روسية في الخليج 1899–1903 ، ص25، مواد من أرشيف الدولة المركزي للأسطول البحري الحربي ، دار التقدم موسكو 1990 ، وخزعل ، حسين ، تاريخ الكويت السياسي حـ ، ص 32 : حيث يذكر أن ذلك الاجتماع كان في سنة 1901.

(37)   الغنام ، سليمان محمد : التنافس الدولي في منطقة الخليج ، ص 30 ؛ وانظر : Graves, Philip. The life of Sir Percy Cox, London 1997 P. 101 حيث يذكر أن سبب إبرام المعاهدة مع شيخ الكويت هو النشاط الروسي ، وكذلك محاولة الألمان عن طريق العثمانيين جعل الكويت المحطة النهائية لسكة حديد بغداد .

(38)