مقدمــة:

لدراسة سيرة الملك عبدالعزيز وتأسيس دولته وتوحيدها لا بد أن يتم مدخلنا في إطار الواقع التاريخي  الذي ينتمي إليه، أي تاريخ الدولتين السعودية الأولى والثانية ثم الحقبة التي عاشها الملك عبد العزيز بين انتقال والده الإمام عبدالرحمن وأسرته إلى الكويت حتى استعادة مدينة الرياض على يد الملك عبدالعزيز.

فمن عصور الازدهار التي شهدتها الدولتان الأولى والثانية، ومن انتصاراتها ونجاحاتها ومن لحظات مجدها، وجد الملك عبدالعزيز تاريخاً ينتمي إليه، ورصيداً رسَّخ لديه معاني الوحدة والعدالة والأمن والقوة والتسامح، ومكَّنه من النهوض مفهومه للدولة ومؤسساتها وعلاقاتها مع العالم الخارجي، ومن فترات ضعفهما بل وانهيارهما ومن احباطاتهما وهزائمهما استمد الملك عبدالعزيز الدروس والعبر التي كانت له زاداً يقوِّي عزيمته ويزيد نظرته مضاءً، ويصقل تجربته، ويعلمه أن لا يستهين بقدرات الخصم، وأن لا يسيء تقدير الواقع وأحداثه، وأن يتجنب الوقوع في الأخطاء الفادحة،كما منحته مدة إقامته في الكويت فرصة للتأمل في تجارب الماضي، ومهدت له الطريق لاسترداد أرض آبائه،وهذه جوانب سنشير إليها خلال فصول هذه الدراسة، لذا ترمي هذه المقدمة إلى إلقاء نظرة سريعة على هذا التاريخ الذي تمثل دولة الملك عبدالعزيز امتداداً طبيعياً له.

تأسست الدولة السعودية الأولى على أساس سياسي يتمثل في مؤسس الدولة الإمام محمد بن سعود، وديني عماده الشيخ محمد بن عبدالوهاب (1115–1206 هـ/1703–1791م). ففي عام 1157هـ/1744م بايع محمد بن عبدالوهاب الإمام محمد بن سعود وتعاهدا على نشر كلمة التوحيد، فبدأ الأمير محمد بن سعود الجهاد مع إخوته منطلقاً نحو التوحيد، فتوسع حكمه، وأصبحت عاصمته الدرعية مدينة مهمة ومركزاً للعلم إلى أن دمرها إبراهيم باشا في عام 1233هـ/1818م.

تُوفي محمد بن سعود في عام 1179/1765 وتولى الإمارة بعده ابنه عبد العزيز. تمكن عبدالعزيز من فتح الرياض في عام 1187هـ، وفي عام 1189هـ/1775 وصل إلى القصيم عابراً النفود، ثم دخل بريدة منتصراً، فكان كما وصفه أمين الريحاني "بطل التوحيد الأول"(1). توفي عبدالعزيز بن محمد بن سعود في عام 1218هـ/1803م.

تولى سعــود بن عبد العزيز الإمارة بعد أبيه وكان قد اختير ولياً للعهد منذ عام 1202هـ/1788م، فقد اختاره والده أثناء حياته، خليفة له. عُرف سعود باسم سعود الكبير فاتح الجزيرة، فقد رفع رايات توحيـد الجزيرة العربية، فتح الحجاز ودخل مكة منتصراً، ثم دخلت جيوشه الطائف والمدينة، بينما كانت دعوة التوحيد تنتشر في عسير واليمن. بعد فتح المدينة توجهت جيوشه إلى الشمال فوصلت حتى أبواب الشام وفلسطين، مما دفع الدولة العثمانية– بعد الهزائم التي مُنيت بها جيوش ولاتها في العراق والشام على أيدي رجاله– لأن تطلب من محمد علي باشا التدخل لإخراج أهل نجد من الحجاز،و في عام 1226هـ/1811م لبى محمد على طلب الباب العالي مرسلاً ابنه طوسون الذي انهزم، فكان انتصار سعود في تلك المعركة هو آخر أمجاد الدولة السعودية الأولى، و بداية نهايتها. فقد عاد طوسون بجيوشه مرة أخرى في عام 1227هـ/1812م وفتح ينبع، ثم لحق به محمد علي بإمدادات جديدة، ودخل مكة في عام 1229هـ/1813م.

توفي سعود بن عبدالعزيز في عام 1229هـ/1813م، حكم بعده عبدالله بن سعود الذي أسره إبراهيم باشا، وأرسله إلى القاهرة ثم الاستاته حيث نفذ فيه حكم الإعدام عام 1233هـ/1818م. كان من الممكن لسعود أن يحافظ على دولته، وأن يتجنب هذا التدخل من قِبل الدولة العثمانية، لو أنه لم يحاول مهاجمة بلاد الشام، ولو أن رجاله تساهلوا في تعاملهم مع الحجيج القادمين من هناك، وهو بالإضافة لذلك، "لم يؤمن الأوروبيين الذين كانوا في جدة، فخرجوا منها سنة دخوله إلى مكة، وكانوا في مجرد عملهم ذاك حجة على حكمه."(2)

وقد اتسمت فترة إبراهيم باشا– الذي عيّنه والده محمد علي بعد وفاة أخيه طوسون– بالظلم والتنكيل بالعرب خاصة عند دخوله العاصمة الدرعية وتدميرها. انسحب إبراهيم باشا من نجد في صيف عام1234هـ/ 1819م، بعد إقامة سبعة أشهر في الدرعية عمت خلالها الفوضى، وجاء جنود الأتراك ليحلوا محل جيوش المصريين.

تأسست الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود الذي تولى الإمارة في عام 1240هـ/1824م. تمكن تركي من إنقاذ بيت آل سعود، لكن النكبات المتوالية لم تساعده في استعادة مجده. قتله ابن عمه مشاري طمعاً في الإمارة، وذلك في عام 1246هـ/1830م، لكن مشاري لم يستمر في الحكم سوى أربعين يوماً فقط، إذ ثأر فيصل بن تركي – جد الملك عبدالعزيز – لأبيه فقتل رجاله مشاري.

تسلم الإمام فيصل بن تركي الحكم في فترة إمارته الأولى (1246هـ/1830م). وهي فترة شهدت الكثير من  الاضطرابات والفتن. و في عام 1254هـ/1838م سلّم فيصل الحكم وغادر إلى مصر مع القائد خورشيد. ثم تولّى الحكم خالد بن سعود، لكن خالداً لم يجد قبول أهل نجد فخلعوه بعد عامين. وفي عام 1257هـ/1842م تولى الإمارة عبدالله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود.

في عام 1258/1842م عاد الإمام فيصل بن تركي إلى نجد وتولى الحكم، فأقام العدل وحقق الأمن، اتسعت أمارته، وأعاد لنجد بعض مجدها القديم، وبعد وفاته في عام 1282هـ/1865م، أدّى النزاع حول حكم الإمارة الذي استمر لمدة تسع سنوات بين أبناء الإمام فيصل، (عبدالله وسعود) من 1282إلى 1291هـ/1865ـ1874م، إلى انهيار الدولة السعودية الثانية، واستيلاء آل الرشيد على نجد، و في عام 1288هـ/1871م، زحف سعود إلى الرياض، فدخلها ظافراً. ثم تعقبه أخاه عبدالله الذي انهزم وعاد إلى الأحساء، استقام الأمر لسعود بن فيصل لمدة عام واحد. وفي عام 1291هـ/1874م توفي سعود فتولى الإمارة بعده أخوه عبدالرحمن بن فيصل (والد الملك عبدالعزيز) الذي حكم لمدة عام واحد. وفي مواجهة جيش جاء به محمد بن فيصل، استنجد عبدالرحمن بأخيه الأكبر عبدالله الذي تولى الحكم في العام نفسه.

وفي عام 1299هـ/1881م ارتفعت حدة الخلاف بين الإمام عبدالله وأهل المجمعة إلى حرب تدخل فيها ابن رشيد لنجدتهم، فانتصر في القصيم ثم المجمعة، ثم جاءت وقعة الحمادة (1300هـ/1881م) لتكون الخطوة الثالثة من مراحل استيلاء ابن رشيد على نجد، وفي عام 1302هـ/1883م تنازل الإمام عبدالله بن فيصل عن الحكم.

في عام 1303، استغل ابن رشيد الخلافات بين آل سعود، فأرسل عبدالرحمن بن فيصل مع آخرين من آل سعود  أسرى إلى حائل، وأقام سالم السبهان أميراً على الرياض، وفي عام 1307هـ/1889م مرض عبدالله بن فيصل فسمح له ابن رشيد ولأخيه عبدالرحمن بالعودة للرياض، لكن عبدالله توفي عقب وصوله، فزحف ابن رشيد بجيشه إلى الرياض فحاصرها أربعين يوماً. ثم دعا أهلها للصلح فخرج إليه وفد من ثلاثة أشخاص منهم عبدالعزيز بن عبدالرحمن (الذي صار فيما بعد الملك عبدالعزيز)، فتفاوضوا  مع ابن رشيد واتفقوا على أن تكون الإمارة في العارض لعبدالرحمن بن فيصل، ولما تردد ابن رشيد، نهض أهل القصيم مرةً ثانية وحشدوا قواتهم للحرب، فتصادموا معه  في وقعة المليداء عام 1308، التي تمثل الخطوة الأخيرة من خطوات استيلاء ابن رشيد على نجد. ورغم أن الغلبة كانت لأهل القصيم، إلا أن ابن رشيد خدعهم بالتظاهر بالتراجع، فلما اطمأنوا عاد إليهم فجأة وهزمهم. وكان الإمام عبدالرحمن خارجاً برجاله من الرياض لينجد أهل القصيم، لكنه عندما علم وهو في منتصف الطريق بوقعة المليداء عاد إلى الرياض ثم ارتحل إلى الأحساء.

لم يقبل عبدالرحمن العرض الذي قدمته له الدولة العثمانية بأن يحكم الرياض مقابل الاعتراف بسيادتها، وكان قد تفاوض معه في هذا الصدد منتدب من متصرف الأحساء في ذلك الحين(عاكف باشا)، رحل الإمام عبدالرحمن مع أسرته إلى الكويت بعد تلك المفاوضات، فمنعهم حاكمها الشيخ محمد الصباح من الدخول إليها، فغادروا إلى البادية وأقاموا لبضعة أشهر مع العجمان، ثم قطر حيث أقاموا فيها شهرين، وفي عام 1309هـ/1891م، استقر الإمام عبدالرحمن وأسرته في الكويت بعد أن وافق محمد الصباح– بناءً على طلب العثمانيين– على استضافته.

استمرت مدة حكم آل رشيد لنجد نحو عشر سنوات، حتى عام 1319هـ/1901م، عندما دخل الملك عبدالعزيز الرياض.

كانت للظروف التي صاحبت انهيار الدولة السعودية الثانية– كما كانت لإقامة الإمام عبدالرحمن وأسرته في الكويت– أثر كبير في نشأة عبدالعزيز، وتكوين شخصيته؛ ففي أوائل عام 1308هـ/1890م قام عبدالعزيز– كما رأينا من قبل– بمشاركته السياسية الأولى (3)، حيث كان واحداً من الثلاثة الذين انتدبتهم الرياض لمفاوضة ابن رشيد، وعقد صلحٍ معه، ثم أرسله أبوه بعد ذلك إلى الهفوف ليفاوض الترك ليسمحوا له ولرجاله بالإقامة فيها أو في جوارها، لكن الأتراك رفضوا"(4). فاستقر الإمام عبدالرحمن ورجاله بالبادية، بينما  كلف ابنه عبدالعزيز– رغم صغر سنه– باصطحاب نساء بيته إلى البحرين ليقمن في جوار الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، ليعود بعد توصيلهن لمضارب أبيه في الصحراء، فولدت هذه التجارب في نفسه إحساساً عالياً بالمسؤولية.

بجانب ذلك، شهد عبدالعزيز الصراعات الأسرية بين شيخ الكويت مبارك الصباح وأخويه، وفي تجربته ذكريات أخرى للصراعات التي هزت بيت آل سعود نفسه، فنزع للتــــــأمل و أخذ العبر والدروس من تجارب الماضي وأحداث الحاضر، ونمّت الغربة إحساسه بالانتماء لأهله ولأرضه، فلم يقتنع بالبقاء في الكويت، وظلت العودة للرياض هاجساً يشغل فكره.

أما الوضع الدولي والمؤامرات التي تحاك من قبل الدول العظمى بريطانيا العظمى وتركيا وسياسة البوارج في الخليج، فقد أعطت عبدالعزيز عمقاً وخبرة سياسية مميزة.

 

الجزء الأول : دخول الرياض والانطلاق نحو توحيد البلاد:

1– استرداد الريـاض:

خرج الملك عبدالعزيز من الكويت وهو في الحادية والعشرين من عمره، لاسترداد الرياض في عام 1319هـ/1901م، مع نفر قليل من  رجاله وآل بيته لم يتجاوز عددهم الأربعين فارساً، متجهين نحو الجنوب مروراً بحدود الأحساء، وهكذا كان جيشه من حيث العدد والعتاد صغيراً، لكنه–  كما تعلمنا من سيرته– كان قائداً يعتمد على الخطة الحربية المتقنة، وعلى النظرة الثاقبة وقوة الإرادة، ولم يكن عبدالعزيز متعجلاً في خطواته، لذا اختار معه سبعة من رفاقه لاستكشاف الوضع، ومحاولة الدخول دون خسائر كبيرة في الأرواح، وحينما نجح في دخول قصر الأمير عجلان الذي كان حينها أميراً للرياض من قِبل ابن رشيد، نادى عبدالعزيز ببقية رجاله الذين كانوا ينتظرون خارج  الرياض مع أخيه محمد بن عبدالرحمن.

سقط حصن مدينة الرياض في الخامس من شوال 1319/15يناير 1902، وبنى عبدالعزيز مكانه سوراً جديداً، ثم  طلب عبدالعزيز النجدة من أبيه الإمام عبدالرحمن، ومن مبارك الصباح لحماية المدينة، بعث إليه مبارك الصباح مهنئاً ومباركاً، ثم وصلته النجدة التي طلبها مع أخيه سعد بن عبدالرحمن.

كانت تلك هي الانطلاقة نحو التوحيد، فقد دخل عبدالعزيز الرياض وهو يصبو لتوحيد الجزيرة العربية ببناء دولة هي امتداد للدولتين السعوديتين الأولى والثانية، فقد تأسس حكم آل سعود على مفهوم راسخ للوحدة الدينية والوحدة السياسية التي تكفل للأولى تماسكها واستمرارها، لذا كان من الطبعي أن يرنو عبدالعزيز ليس لاسترداد الرياض فحسب وإنما لاسترداد منطقة نجد بأكملها، ليسعى بعد ذلك إلى ضم بقية أجزاء الجزيرة العربية مقتفياً أثر أسلافه الذين رفعوا راية التوحيد، وفي مقدمتهم بطل التوحيد عبدالعزيز بن محمد بن سعود وسعود الكبير فاتح الجزيرة، وليتمكن فيما بعد من تأسيس دولة عربية مستقلة في وقت كان فيه الاستعمار الغربي يبسط نفوذه في العالمين العربي والإسلامي (وكانت الحركات الوطنية الكبرى تندحر أمام غزو جيوشه).

2– فترة التعبئة والدعم:

بعد استعادة الرياض، انطلق عبدالعزيز نحو تحقيق الهدف الذي يصبو إليه، فاتجه أولاً نحو الجنوب بقصد التوسع وكسب الأنصار، ولم يتجه للشمال رغم وجود أنصار لآل سعود حتى لايلفت نظر عدوه ابن رشيد، فاستولى على الخرج والحوطة والحريق والأفـــــــلاج ووادي الدواسر.

توطد سلطان عبدالعزيز فيما بين الرياض والربع الخالي جنوباً، في أقل من ستة أشهر، واتجه نحو الشمال في عام 1320هـ/1902م. في ذلك الوقت، كان عبد العزيز ابن رشيد يفاوض الأتراك في إمكان مساعدته لاستعادة مدينة الرياض، ثم عاد إلى عاصمته حائل، فقام  بإعداد جيش من قبائل شمّر، وزحف نحو الرياض في ذلك العام نفسه، لذلك أرسل عبدالعزيز لوالده بالكويت طالباً قدومه، وعند وصول الإمام عبدالرحمن لمدينته بعد غياب دام أحد عشر عاماً، أصرّ بأن تكون الإمارة لابنه عبدالعزيز، يدل هذا الموقف على تقدير الأب لبطولة الابن وقوة عزمه وقدرته على المضي قدماً نحو تحقيق أهدافه،فتمت البيعة الأولى لعبدالعزيز في عام 1320هـ/1902م.

بسط عبدالعزيز سيادته منتصراً في الأجزاء الجنوبية، ثم اتجه نحو الجنوب، حيث التقى في  عام 1320هـ/1902م، بابن  رشيد في معركة السلمية، فانهزم ابن رشيد واستقر بحفر الباطن، وعاد عبدالعزيز للرياض، عند عودته طلب مبارك الصباح نجدته، فهب مسرعاً للكويت لعونه، ثم عاد عبدالعزيز من الكويت ومعه أسرته. ولم يسترح في الرياض عند عودته سوى ليلة واحدة وهبّ يلاحق ابن رشيد، انتهت هذه الجولات بانتصار عبد العزيز وعودته للرياض، بينما رحل ابن رشيد إلى أطراف العراق في عام 1903م طالباً دعم العثمانيين.

في عام 1322هـ/1904م، دخل عبدالعزيز مدينة عنيزة، ثم هاجم بريدة التي استسلمت وتوالى استسلام مدن القصيم الأخرى، وفي أول ربيع الثاني من العام نفسه، خاض عبدالعزيز وأهل العارض وقعة البكيرية ضد ابن رشيد والجيش العثماني، ولآل سعود تجارب سابقة  مع الأتراك في عهد الدولتين الأولى والثانية ، إذ لم يعترفوا بخلافة آل عثمان، فاتخذ العثمانيون من ابن رشيد أداة لمواجهتهم ، ولما علم عبدالعزيز بقدوم الترك وابن رشيد  تحرك للقائهـم،وكــان جيشه ينقسم إلى قسمين، ضل جزءٌ منهما طريقه بحلول الظلام، أما الجزء الثاني الذي يرأسه عبدالعزيزبنفسه، فقد وجد صفوفه في مواجهة  شمّر والأتراك معاً، ورغم ذلك، لا نستطيع أن نقول: إن جيش عبدالعزيز قد مُـني بهزيمة تامة، ذلك لأن أهل القصيم الذين كانوا يشكلون الجزء الثاني من جيشه، قد وجدوا نفسهم خلف شمّر، فقتلوا منهم نحو 300 جندي من الجيش النظامي العثماني، وفتكوا بهم، وحملوا ما غنموه من الأسلحة الخفيفة(5).

أقبل على عبدالعزيز الدعم من كل أنحاء نجد لنصرته، فتحرك عبدالعزيز للبكيرية – مرة أخرى–، للقاء ابن رشيد ورجال الجيش العثماني، فدخلها منتصراً، وكانت لا تزال  بها مؤن العثمانيين وذخائرهم.

حدثت بعد ذلك معركة الشنانة في 18 رجب 1322هـ/29 سبتمبر 1904م. التي انهزمت فيها قوات العثمانيين وابن رشيد، وفي ليلة 18 صفر 1324هـ/ 14 أبريل 1906م، التقى جيش عبد العزيز جيش ابن رشيد الذي  قُتل في تلك المعركة، التي عرفت باسم معركة "روضة مهنّا".

وحينما رأت الدولة العثمانية ضعف آل رشيد، أرادت أن تحاصر عبدالعزيز بجبهات معادية تقف دون توسعه في نجد حتى تتمكن بذلك من حفظ التوازن في شبه جزيرة العرب، فدفعت شريف مكة نحو إقامة صلات مع البادية شرقي الحجاز، وقرّبت إليه بعض القبائل، كما كانت تسعى أيضاً لإيجاد خصومة بينه وبين عجيمي السعدون أمير المنتفق، وظل المتصرف التركي المقيم بالأحساء يحاول إقناع البدو بعداوته.

3– الإخـوان والهِجَــر:

أنتجت عبقرية الملك عبدالعزيز ظاهرة سياسية عسكرية وحضارية هي ظاهرة الإخوان والهِجَر.والهِجَر هي  المناطق التي خُصصت لاستقرار البدو الرحل، وأراد بها الملك عبدالعزيز تحضير البادية. حيث تكون لكل قبيلة "هِجْرة" تستمد مياهها من بئر خاص بها أو نبع ماء، يتم إنشاؤها بالقرب منه، ولكل هجرة مسجد ومدرسة لتعليم الكتابة والقراءة وتعاليم الدين،وهي بذلك عملية لتحضير البادية فريدة من نوعها، إذ تتم ببقاء سكان البادية في مناطقهم أو في أقرب مكان منها صالح للشرب والزرع، أي مكان من الممكن أن تتوافر فيه عوامل الاستقرار، وفي الأصل، كانت كلمة "الإخوان" تطلق على طلاب العلم في الدولتين الأولى والثانية، وارتبطت في عهد الملك عبدالعزيز بعملية الاستقرار هذه التي شهدتها البادية بإقامة الِهِجَر.

أما الجانب الآخر لظاهرة الهجر فهو أثرها في تحقيق البناء العسكري، فقد تعلم ساكنو البادية– بتلقيهم لتعاليم الدين والتزامهم بها– أن كسب العيش عن طريق الزراعة والتجارة والعمل هو شيء لا يتنافى مع البطولة والفروسية،وانخرطوا بجانب نمط حياتهم الجديد، في جيوش الملك عبدالعزيز، مطلقين على نفسهم اسم الإخوان، دلالة على الإخاء في الله، والتوحد لإعلاء كلمته بعيداً عن التعصب القبلي، فأصبحت الهجر معسكرات منظمة تنتشر في البادية،ويفسر الزركلي ظاهرة التفاف البدو حول الملك عبد العزيز حيث يقول: "والعرب ولا سيما البدو يتفاءلون بالقائد المظفر، ويلتفون حوله، ... وإذا قرأنا أو سمعنا أنه اجتمع تحت رايته عشرة آلاف مقاتل يوم خفّ لنصرة مبارك الصباح سنة 1320هـ/1902م واثنا عشر ألفاً في وقعة البكيرية، ولم يكن له يومئذ مُلك ولا سلطان أدركنا ثقة "البدو" وتفاؤلهم بظفره وأن الرزق أمامهم ما دام عبد العزيز في مقدمتهم."(6).

كانت أول هجرة اكتمل إنشاؤها في إطار هذا الإصلاح الاجتماعي والديني والعسكري  الذي قام به الملك عبدالعزيز هي هجرة الأرطاوية، وذلك في عام      1330هـ/1912م.

 وقد جعل الملك عبد العزيز من الهجر وحدات عسكرية، تنتظم في إطار قوة كبيرة موحدة، نهضت تحت إشرافه وتوجيهه، أي أنها قواعد عسكرية بالمفهوم الحديث، وشاركت حركة الإخوان بذلك في توحيد شبه الجزيرة العربية، فكانوا تحت راية عبدالعزيز، من أهم العناصر التي شاركت في الغزوات والمعارك.

و الهجر هي أيضاً ثكنات دائمة ومستقرة لجنود الملك عبدالعزيز من الإخوان، فهم على أهبة الاستعداد دائماً لأي دعوة للقتال، فمن منازلهم يأخذون سلاحهم وذخيرتهم ونوقهــــم، و الطعام الذي يتزودون به في رحلتهم للقتال. وتنقسم كل هجرة "إلى ثلاث فئات: فئــــــــة تكون مستعدة دائماً للجهاد، ومع كل فرد من أفرادها سلاحه وذخيرته وناقته، وفئة تدعى عندما يعلن الإمام أن الجهاد مثنى، ويكون كل فردٍ فيها مكلفاً بإحضار مجاهد آخر يردفه على جمله، وفئة تلبي  دعوة الجهاد حينما يعلن الإمام النفير العام"(7). ويقول الريحاني حول مشاركة الإخوان في فتوحات الملك عبدالعزيز: "يصدر الأمر من الرياض فيحمله النجَّابون إلى أقاصي البلاد، ليجتمع على أحد الآبار أو في أحد الشعاب في اليوم المضروب، ألوف من أهل نجد– بادية وحضراً– وقد جاء كل على راحلته، مسلحاً ببندقيته، وممنطقاً بذخيرته، حاملاً بعض التمر والماء، فهم أثناء الغزو أو الحرب لا يبغون من سلطانهم شيئاً، قال السلطان عبدالعزيز:" هم يعطوننا ولا يأخذون منا، ونحن في أيام السلم نعطيهم ولا نأخذ منهم"(8).

ولأن الإخوان انتظموا في جيوش الملك عبد العزيز من باب الحمية الدينية أكثر مما هو من منطلق الرغبة الخالصة في التحضر والاستجابة لمتطلبات عصرهم ومستجداته، فإن استعدادهم الحقيقي لمواكبة العصر لم  يرق لتطلعات الملك عبدالعزيز، فوقفوا ضده عند أول امتحان حضاري يواجهونه، برفضهم لوسائل عصرية في ذلك الحين كالسيارات ومــد خطوط التلغراف والهاتف، وهذا جانب سنتطرق إليه في الجزء الثالث الذي يتناول البناء الحضاري.

4– مراحل التوحيد:

ولما استرد عبدالعزيز كل أجزاء نجد، توجه نحو  الأحساء والقطيف اللتين استولى عليها الأتراك في عام 1288هـ/1871م، أيام زمن الصراع بين أبناء الإمام فيصل، فدخل الهفوف، (مركز الأحساء)،  في جمادى الأولى 1331هـ/1913م،ثم أرسل سرية من جنده إلى القطيف، فاستسلمت(9).

وفي عام 1338/1919م، أرسل عبدالعزيز ابن عمه مساعد بن جلوي، للتفاوض مع حسن بن عائض لتسليم إمارته في أبها، وسط عسير بعد أن استبد فيها بعد جلاء الأتراك عقب الحرب العالمية الأولى. وكان نفـوذ آل سعود يمتد إلى تلك المنطقة من عسير. وحينما رفض ابن عائض، دخلها رجال عبد العزيز منتصرين، وما لبث ابن عائض أن اتصل بعد استسلامه بالشريف حسين سراً في مكة، حينها أرسل الملك عبدالعزيز حملة كبيرة بقيادة ابنه فيصل الذي دخل أبها  في عام 1341هـ/1922م. وحينما استتب الأمن ولّى فيصل فيها سعد بن عفيصان وعاد إلى الرياض في 21جمادى الأولى 1341/أواخر عام 1923م.

وفي  انطلاقه نحو توحيد إمارات الجزيرة العربية استعد عبدالعزيز في أواخر عام 1338هـ/1920م، للقضاء على  إمارة آل رشيد في حائل، فحاصرتها جيوشه، وفي آخر صفر عام 1340هـ/أول نوفمبر1921م، دخل عبدالعزيز مدينة حائل واضعاً بذلك نهاية لهذه الإمارة التي شغلت آل سعود منذ نهاية الدولة السعودية الثانية، ثم ضمّ عبدالعزيز حائل وديار شمّر إلى حكمه.

بسط عبدالعزيز نفوذه في تلك المناطق، وهو يفرض وجوده كقائد ورجل دولة، فبعد استعادته للأحساء والقطيف أصبحت له حدود مع الإنجليز الذين يسيطرون على سواحل الخليج، وفي إطار الحفاظ على حدود دولته ووحدتها، ولتحديد العلاقات بينه وبين جيرانه انعقد أول اجتماع بين عبدالعزيز وممثلي الحكومة البريطانية في الخليج في شهر ربيع الثاني عام 1332هـ/مارس 1914، ثم انعقدت المعاهدة المعروفة باسم معاهدة دارين، وذلك في صيف عام 1334هـ/1915م بين عبدالعزيز والإنجليز، والتي يقول عنها خالد الفرج في مخطوطته التي استشهد بها الزركلي: "... وهي على ما فيها من قيود تحد من استقلال عبدالعزيز، فإنها كانت بحسب الظروف شراً لا بد منه. فالإنكليز لم يكونوا ليعترفوا باحتلال الأحساء والقطيف والجبيل وسائر الساحل بدونها" (10).

ثم انعقد في عام 1340هـ/1922م، مؤتمر بمدينة المحمرة على سواحل الخليج، حضره  مندوبون للسلطان عبدالعزيز، ومندوبون لحكومتي العراق وبريطانيا للنظر في قضايا الحدود والعشائر بين نجد والعراق.

واستمر عبدالعزيز وهو يخطو نحو التوحيد الشامل، في مواصلة عقد الاتفاقيات التي من شأنها نزع اعتراف الدول الأجنبية بوحدة أراضيه، وتحقيق ضمانات تعزز كيان دولته. فوقّع في عام 1344هـ/1925م مع الجنرال كلايتون مندوب الحكومة البريطانية والمكلف بالإنابة عن الحكومة العراقية على اتفاقيتين إحداهما تسمى(اتفاقية بحرة) التي حُسمت فيها مشكلات القبائل في الحدود النجدية العراقية، والثانية هي(اتفاقية جدّة)التي تمّ فيها تعيين الحدود بين نجد وشرقي الأردن.

بدأت في عام 1328هـ الخلافات بين الملك عبدالعزيز والشريف حسين أمير مكة حول تبعية بلدتي تربة و الخرمة، إذ يرى عبدالعزيز أنهما من أراضي نجد، بينما يرى الشريف حسين أنهما من الحجاز،وفي شعبان من عام 1337هـ/1918م زحف عبدالله ابن الشريف حسين إلى "تربة" التي احتلها في الرابع والعشرين من الشهر نفسه، وفي الوقت نفسه بعث الملك عبدالعزيز بسرية من "الإخوان" إلى جهة الخرمة لدعم أميرها خالد بن لؤي، فاتجه خالد والسرية التي جاءت لدعمه نحو "تربة"، فهزموا جيش الأمير عبدالله في الخامس والعشرين من شعبان، أي بعد يوم واحد فقط من انتصاره، فكان رد الشريف حسين على ذلك، أن منع أهل نجد من دخول الحجاز لأداء فريضة الحج، ولما استمر هذا المنع لمدة خمس سنوات ، احتج أهل نجد فأذن لهم الملك عبد العزيز بالزحف إلى الحجاز، فتحرك من تربة جيش يتكون من ثلاثة آلاف مقاتل من مختلف القبائل يتقدمهم سلطان بن بجاد والشريف خالد بن لؤي،وحينما وصلوا للطائف خرج الجيش النظامي الهاشمي لصدهم، انتهت المعركة بدخول السعوديين لمدينة الطائف، وتتابعت النجدات للجيـــش الهاشمي وجرت المعركة الفاصلة مساء 26/27 صفر1343هـ/1924م، حيث انهزم الهاشميون،وتنازل الشريف حسين عن العرش لابنه علي الذي نُودي به ملكاً على الحجاز، ثم دخل جيش لؤي وسلطان بن بجاد إلى مكة دون سلاح، وتسلموا زمام الأمور يوم 17 ربيع الأول 1343هـ/1924م، وتولى خالد إمارتها،وأعطى الأمان لأهل مكة بما فيهم رعايا الدول الأجنبية.

في جمادى الآخرة 1343هـ/ يناير 1925م/ أذن عبدالعزيز لجيوشه بالزحف نحو جـــدة و "أبى على من معه من قادة الإخوان... اقتحام جدة عنوةً، مخافة أن يصاب أحد الأجانب"(11).

في تلك الأثناء أرسل عبدالعزيز من يدعو المدينة المنورة للتسليم، فلم  تقبل جيوش حاميتها، فحاصرها جيشه، وانتهى الأمر باستسلام الحامية الهاشمية إلى الأمير محمد بن عبدالعزيز الذي دخلها في 19 جمادى الأولى 1344هـ/1925م.

في  جمادى الآخرة 1344هـ/17 ديسمبر 1925،غادر الملك علي بن الحسين ميناء جدة، وكانت تلك نهاية العهد الهاشمي في الحجاز.

في 17 جمادى الأولى 1351هـ/1932م، أصدر الملك عبدالعزيز قراراً يعلن فيه عن نظام توحيد المملكة، وتحديد يوم الخميس 21 جمادى الأولى يوماً لإعلان توحيدها تحت اسم  "المملكة العربية السعودية"؛ وذلك بعد القرار الذي صدر بالطائف، ورُفع للملك عبدالعزيز تعبيراً عن رغبة البلاد في توحيد أجزائها.

 

الجزء الثاني : البناء السياسي :

1– شخصية الملك عبدالعزيز وأثرها في بناء الدولة:

في شخصية الملك عبد العزيز جوانب أهلته للزعامة، ولقيادة بلاده نحو الوحدة والسير بها لمواكبة أحداث عصره، والتفاعل معها على الصعيدين الداخلي والخارجي،وقد كان لمفهومه لمعاني القوة والوحدة والتضامن واستقلال الرأي، ولارتباطه بثقافته العربية الإسلامية، ولإدراكه لمعنى التعامل مع العالم الخارجي وضرورته لكون بلاده جزءاً لا يتجزأ منه، أثر مهم في تحقيق الوثبة التي شهدتها الجزيرة العربية منذ مطلع هذا القرن وحتى تأسيس المملكة وتوحيدها، كما التزم عبدالعزيز في تعامله الخارجي بأخلاقيات متميزة.

وما نقدمه هنا ليس سوى بعض أمثلة نستشهد بها على رسوخ هذه الجوانب التي أشرنا إليها في شخصيته.

إذا عدنا إلى لحظة دخوله للرياض فإننا نرى أن روح القيادة فيه قد دفعته لوضع خطته لاسترداد الرياض، وأن قوة العزيمة  قد جعلته يخطو هذه الخطوة التي كان فشلها قد يؤدي ليس فقط لهزيمته، وإنما لجعل إمكان استرداد أرضه مستعصية أو ربما مستحيلة. فأكدت عملية الهجوم على الرياض أيضاً على حكمته.

كان بعد رؤيته عاملاً آخر ساعد في تحقيق أهدافه، فالملك عبدالعزيز كان يتخذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، فعندما دخل الرياض اختار أن يتوجه في فتوحاته نحو الجنوب أولاً، رغم وجود أنصار لآل سعود في الشمال حتى لا يلفت نظر عدوه ابن رشيد، في وقت كان فيه جيشه قليل العتاد والعدد،وحينما كان الأتراك يحكمون قبضتهم على الجزيرة العربية لم يقم بهجمات ضدهم، إلى أن جاء الوقت المناسب، حين جرت معركة الشنانة، التي أشرنا إليها من قبل، وذلك في عام 1322هـ/1904م، حيث انهزمت قوات العثمانيين وابن رشيد،ورغم أن ضم الحجاز كان هدفاً يصبو إليه  لأنه السند الأكبر لوحدة الجزيرة العربية و الجسر الذي يعزز صلته بالعالمين العربي والإسلامي ، إلا أن عبد العزيز لم يسع لفتحه إلا  حينما حانت الفرصة المواتية.

وقد كان مفهوم الوحدة من المفاهيم الرئيسة عند الملك عبدالعزيز، و سعى لترسيخه في وجدان الناس، ليس عن طريق السيطرة و بسط النفوذ، وإنما عن طريق تعميق معناه لديـــهم حينما قادهم إلى توحيد أجزاء الجزيرة العربية، فرأوا القوة التي استمدوها بوحدتهم.

ويمتد مفهوم الوحدة لديه ليتخذ شكلاً أرحب بامتداده على الصعيدين الإسلامي والعربي، فعند اندلاع الحرب العالمية الأولى كتب عبدالعزيز إلى جيرانه (ابن رشيد فــــي حائل، والشريف حسين في الحجاز،ومبـــــارك الصباح في الكويت) قائلاً: "أرى، وقد وقعت الحرب، أن نجتمع للمذاكرة عسى أن نتفق على ما ينقذ العرب من أهوالها ،أو نتحالف مع دولة من الدول لصون حقوقنا وتعزيز مصالحنا."(12) وكانت تلك هي أول خطوة اتخذها والعالم ينقسم إلى تحالفات، رأى عبدالعزيز أن انتماءه لجيرانه وأبناء أمته هو الذي يحدد أولوياته . لكن حينما اختلفوا في خياراتهم، فانحاز ابن صباح والشريف حسين للبريطانيين وابن رشيد للدولة العثمانية، آثر عبدالعزيز الحياد، وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا قد أرسلت مندوبين عنها لاستشارة القادة العرب، فكان رد عبدالعزيز على مندوبهم شكسبير: "أنت تعلم أنكم بعيدون عنا، وإن في العرب من يتهمني بالدعوة إلى مذهب خامس، فقيامي معكم وجعل رايتي المنقوش عليها "لا إله إلا الله" إلى جانب رايتكم، أمر غير نافع لي ولا لكم"(13). وقد تأكد هذا الإحساس بالمسؤولية تجاه العرب والمسلمين، حينما حرص الملك عبدالعزيز على دعوة المسلمين لعقد مؤتمر في عام 1343هـ بمكة لتعزيز علاقة الحجاز بالأمة الإسلامية.

ويشكل الحياد واستقلال الرأي جانباً مميزاً في شخصية الملك عبدالعزيز، ففي حديث له مع الكونيل هاملتون الوكيل السياسي البريطاني في الكويت، قال عبد العزيز: "إن الحسين (أمير مكة) قد استطاع التوغل في شبه الجزيرة مستعيناً بالأجانب... والأمير العربي الذي يعتمد على المساعدات الأجنبية، يبني زعامته على الرمال، وسرعان ما تكتسحها أية حركة قوية شديدة، كالنهر يجرف في فيضانه كل ما يقف في سبيله، حتى المساكن  التي شيدت على ضفتيه..."(14).

وكما أشرنا، كانت علاقاته الخارجية تتسم بأخلاقيات متميزة، ففي عام 1320هـ/1902م حين كان عائداً من معركة السلمية التي انتصر فيها ضد ابن رشيد وهو في بداية حكمه في الرياض، طلب مبارك الصباح دعمه، فهبّ لنصرته في وقت تحتاجه فيه إمارته الفتية للسهر عليها، فكانت تلك لمسة نبيلة ملؤها الوفاء والعرفان لرجل استضافه وأسرته في الأيام الصعبة، وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يحاول عبدالعزيز اغتنام الفرصة للوقوف مع البريطانيين لمواجهة الأتراك في وقت كانت روح العداء ضدهم تشتعل في العراق والشام والحجاز، فقال: "لا... لن يقول الناس ثار عبدالعزيز على دولة تتسمى بدولة الخلافة في عهد محنتها".

تضافرت كل تلك الجوانب في شخصية الملك عبد العزيز، لتجعل توحيد الجزيرة العربية أمراً ممكنا، ولولا ذلك لكانت الجزيرة العربية دويلات منقسمة، وليست دولة موحدة تسند بوحدتها العرب والمسلمين.

2– مراحل تأسيس الدولة:

في 15 شوال 1320هـ/15 يناير 1902م، بعد استعادة الرياض، تمت البيعة للأمير عبدالعزيز، وأصبح يسمى أمير نجد،وبعد وفاة والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل أصبح عبدالعزيز يحمل لقب "الإمام"، مثلما جرت عليه العادة في الدولتين السعودية الأولى والثانية حيث كان يسمى الحاكم بالإمام، وكان عبد العزيز قد دخل نجد في غياب أي حكومة أوبنية سياسية تسيطر على الوضــع، فسار تدريجياً نحو تأسيس كيان سياسـي ووضع قوانين مستمدة من التشريع الإسلامي، تهتدي بالحركة الإصلاحية التي أسسها محمد بن عبدالوهاب وتبناها محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى و من بعده حكام الدولتين الذين توالوا بعده.

ومنذ دخول الرياض وحتى دخول جدة ظل ديوان الشيوخ– الذي يتكون من شُعَب وإدارات ويرأسه الملك عبد العزيز– يشرف على تسيير أمور الدولة، وقد تطورت الشُعَب والإدارات لتتحول بعد فتح الحجاز إلى وزارات.

وفي عام 1328هـ/1910م، نجح الملك عبدالعزيز في تأسيس الِهِجَر في نجد، وتكوين وحدات عسكرية من "الإخوان" تدعم تأسيس الدولة،وتضمن حمايتها ، وتشارك في توسعها.

ثم انعقد بالرياض في عام 1339هـ/1921، مؤتمر حضره علماء البلاد ورؤساء القبائل والأعيان وتقرر أن يكون لقب عبد العزيز هو صاحب العظمة سلطان نجد وملحقاتها،و ولّى عبدالعزيز في الإمارات التابعة لنجد أمراء يديرون شؤونها، ويتبعون له سياسياً وإدارياً، ويشرفون على استتباب الأمن فيها، ففي عام 1331هـ/ 1913م، ولّى عبدالله ابن جلــــوي أميراً على القصيم، لاحتواء حركة العصيان التي تمت في عام 1326هـ/1908م، ثم تولى ابن جلوي إمارة الأحساء والعشائر التي حولها، وعيّن بدلاً منه في القصيم عبدالرحمن بن سويلم.

أخذت دولة عبد العزيز تتخذ شكلها الحديث بعد فتح الحجاز، حيث شرع بعد تحقيق الاستقرار في تنظيم الدولة وتوزيع المهمات،وخصص وظيفة أسماها "النيابة العامة"، يقوم القائم بأعبائها برئاسة الحكومة بمكة والإنابة عنه في الحجاز، فاختار ابنه الأمير فيصل ليكون "النائب العام"، وذلك في عام 1344هـ/1926م.

ثم قام الملك عبدالعزيز بتكوين المجموعة التي عرفت باسم "الجمعية العمومية" وكلفها بصياغة أول نظام للدولة، نُشر في الجريدة الرسمية الصادرة بتاريخ 21 صفر 1345هـ/31أغسطس 1926. عرف هذا النظام–أو الدستور بالمعنى الحديث– باسم "التعليمات الأساسية لمملكة الحجاز"، وبعد ثلاثة أشهر من ذلك تلقى عبد العزيز البيعة كملك على الحجاز وأصبح لقبه "جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها"،  بينما أُطلق على المملكة اسم "مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها".

تنص التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية" على وحدة الدولة، وعلى قيام الدولة الملكية الإسلامية القائمة على الشورى والاستقلال على الصعيدين الداخلي والخارجي،أما عاصمة الدولة فقد تقرر أن تكون هي مكة المكرمة، ويتولى إدارة المملكة جلالة الملك مطبقاٌ لأحكام الشرع، وفقاً لهذه التعليمات يعين الملك نائباً عاماً له، وتتناول هذه التعليمات أيضاً التنظيم الإداري الذي ظلّ قابلاً للنمو والتعديل وفقاً لمقتضيات الواقع.

كما تضمنت هذه التعليمات الأساسية، تكوين أنظمةً تحكم شؤون الدولة، فهناك على سبيل المثال، نظام إدارة الحج، ونظام  تشكيلات المحاكم الشرعية، ونظام تملك العقارات... حيث تمتد هذه "الأنظمة" لتشمل كل القطاعات الحيوية، وبدأت الحكومة بتشكيل وزارتين، تبعتهما وزارة ثالثة،وفي أواخر عهده بلغ عددها خمس وزارات(سنتطرق لها في الفقرة التالية، ضمن مؤسسات الدولة وأجهزتها). يشرف الملك عبدالعزيز إشرافاً تاماً على سير الأمور في دولته ،ولا يُنفذ شيء دون استشارته.

في 12 جمادى الأولى 1351هـ/10أغسطس1932م انعقد بالطائف اجتماع للعلماء  والأعيان وممثلي رعايا المملكة وجمع من المواطنين، رفعوا للملك عبدالعزيز قراراً ينادي بتوحيد المملكة تحت اسم المملكة العربية السعودية، وفي 17 جمادى الأولى 1351هـ/ 18 سبتمبر 1932م، أصدر الملك عبد العزيز– بناءً على قرار اجتماع الطائف– مرسوماً ملكياً يقضي بتوحيد أجزاء المملكة تحت اسم "المملكة العربية السعودية".

بعد توحيد المملكة شرع عبدالعزيز في صنع أمة حديثة مزودة بأجهزة للدولة، تعمل من أجل تقدمها، فقرر إنشاء  وزارات يعين على رأسها وزراء يقومون بأعبائها ،وأن يتولى الملك بنفسه عملية تكوين جيش مزود بأجهزة حديثة (نتناول هذه الجوانب في الفقرة التالية الخاصة بمؤسسات وأجهزة الدولة).

3– مؤسسات وأجهزة الدولة:

تقدمت أجهزة الدولة ومؤسساتها منذ استعادة عبدالعزيز للرياض تقدماً تدريجياً لتستوعب متطلبات الحياة الجديدة، واتخذت أجهزة الدولة شكلها الحديث بعد فتح الحجاز في عام 1344هـ/1924، نحاول هنا أن نستعرض التقدم الذي شهدته هذه الأجهزة  في عهد الملك عبدالعزيز منذ نشأة دولته، إلى أن أصبحت أجهزة مركزية تعزز مفهوم وحدة الدولة، وقد  اعتمد عبدالعزيز في بناء مؤسسات دولته نظاماً يضمن للقضاء استقلاله، ويسمح للإدارات الحكومية المختلفة بتطبيق السلطات التنفيذية المخولة لها وفق التشريعات والقوانين الصادرة، بينما يقوم مجلس الشورى بمراقبة أداء الجهاز التنفيذي ويؤدي مهمته سلطة استشارية، وهكذا استطاع الملك عبدالعزيز أن يتوصل في تلك الفترة من تاريخ الجزيرة العربية، إلى وضع مؤسسات للدولة تتبع نظاماً يشابه نظام الفصل بين السلطات المعمول به في الأنظمة الحديثة، الذي يفصل بين الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية في الدولة.

أ) – الديوان الملكي:

كان ديوان الملك عبدالعزيز يتكون من  عدة أقسام. أولها "المجلس الخاص"، ويسمى أعضاؤه بالجماعة. وينعقد المجلس مرتين في اليوم برئاسته، ويحضر جلسات المجلس الأمير عبدالله بن عبدالرحمن(أخو الملك) وولي العهد، ووزراء الدولة، والمستشارون. ويحق حضوره أيضاً للوزراء والسفراء والوزراء المفوضين الذين يتواجدون بالرياض لحظة انعقاد الجلسات.

ومن الأقسام الأخرى التي يضمها الديوان الملكي، هناك الشعبة السياسية التي تهتم بالشؤون الخارجية، ثم شعبة الشؤون الداخلية، وشعبة أهل الجهاد التي ترعى شؤون الجنود غير النظاميين، بعد أن أصبح للدولة جيشها النظامي الخاص بها،هذا بالإضافة لأقسام أخرى تختص في شؤون الحاشية، والحسابات، والحرس الشعبي، والوفود والضيافة... وهناك شعبة الإذاعة التي تنقسم إلى قسمين عربي وأجنبي، يعنى القسم العربي بتناول أهم ما يرد في المحطات العربية، و يقوم القسم الأجنبي بإعداد الأخبار الواردة  من المحطات الأجنبية وترجمتها.

ب) – الشـورى:

تقدم مفهوم الشورى عند الملك عبد العزيز انطلاقاً من تحكيم الشريعة الإسلامية في ممارسة الحكم ليتخذ أشكالاً تتماشى مع التطور السياسي والاجتماعي الذي تشهده دولته. فكان مستشاروه– الذين كان يطلق عليهم اسم "الرَّبْع"– يجتمعون لديه ليعرض عليهم أمور الدولة ويستمع لرأيهم، ثم يتدارس معهم الأمر موضع الشورى ليعمل في النهاية بما يستقر عليه الرأي.

وبعد دخول مكة، أمر عبدالعزيز  بدعوة علمائها وأعيانها و مواطنيها ليحددوا وقتاً يختارون فيه أشخاصاً يقومون بإدارة شؤونها، وطالب الناس أن يختاروا أهل الكفاءة والجدارة، ولخص عبدالعزيز فكرته أثناء مخاطبته للمجتمعين، إذ قال: "تجدون بعض الحكومات تجعل لها مجالس للاستشارة، لكن كثيراً من تلك المجالس وهمية، أكثر منها حقيقة. تُشكل ليقال:إن هناك مجالس وهيئات، ويكون العمل في يد شخص واحد، ويُنسب العمل إلى العموم،أما أنا فلا أريد لهذا المجلس أشكالاً وأوهاماً، وإنما أريد شكلاً حقيقياً يجتمع فيه رجال حقيقيون يعملون جهدهم في تحري المصلحة العامة"(15).

انعقد بعد ذلك اجتماع انتخب خلاله "المجلس الأهلي"، وصدر بيان ملكي لتكليف المجلس بالنظر في نظام المحاكم الشرعية ،والأوقاف، والأمن الداخلي، وسن لوائح البلدية، وتنظيم التجارة، و العناية بصحة العاصمة، ونشر التعليم الديني، وتعميم القراءة والكتابة فيها، وتنظيم وسائل البرق والهاتف.

وحينما صدرت في عام 1345هـ/1926م "التعليمات الأساسية للملكة الحجازية" (التي أشرنا إليها آنفاً) تكوّن بمقتضاها "مجلس الشورى" الذي كان المجلس الأهلي تمهيداً لها. وكان مجلس الشورى يتكون من ثمانية أعضاء، ويرأسه النائب العام، الأمير فيصل ابن عبد العزيز، وينوب عنه في غيابه معاونه أو أحد مستشاريه، وتوسع اختصاص هذا المجلس بحيث تعرض عليه الحكومة أعمالها في المجالات الإدارية المختلفة كميزانية  دوائر الحكومة، والرخص الخاصة بالمشاريع الاقتصادية والعمرانية...

وفي عام 1347 صدر مرسوم بتكوين نظام أساس جديد للمجلس، يعطي الإدارة السنية صلاحية تحديد عدد أعضاء المجلس،كما تقرر أن يقوم الملك بتعيين نائب دائم لرئيس المجلس، الذي هو النائب العام، ويقوم المجلس بانتخاب نائب ثانٍ من بين أعضائه يحل محل النائب الأول في حال غيابه.

ثم أخذ المجلس يتقدم وفقاً لاحتياجات الدولة، فأضيف لاختصاصاته في عام 1351هـ/1932م، أمر العناية بشؤون الحج والحجاج. وفي سنة 1364هـ/1945م أضيفت لأعباء المجلس مهمة النظر في " شؤون لجنة التأديب الخاصة وأعمالها، وتمييز مقررات المجالس التأديبية في المملكة"، وذلك بعد صدور نظام عام جديد للموظفين.

وكلما زادت أعباء المجلس كلما ارتفع عدد أعضائه. فأصبح عدد أعضاء المجلس، بجانب  الرئيس ونوابه الأول والثاني، ثلاثة عشر عضواً، بالإضافة للسكرتير والسكرتير المساعد.

وبالإضافة لمهمة المجلس التي هي مزيج من العمل التشريعي والاستشاري، أعطاه الملك عبد العزيز صلاحيتين إضافيتين هما:

أولاً: أن يلفت المجلس نظر الحكومة (التي تشكل السلطة التنفيذية) لأي  خطأ يقع في تطبيق القوانين والأنظمة المعروضة .

ثانياً: إعطاء الحق للنائب العام (الذي هو أيضاً رئيس المجلس) في إعادة النظر في القوانين التي يقع فيها خلاف بين الحكومة والمجلس، فإذا عرضت الحكومة على المجلس مشروعاً فرفضه، أو أجرى  عليه تعديلاً لم تقبل به الحكومة، يعيد النائب العام المشروع للمجلس مع إبداء ملحوظاته لإقناع المجلس بقبول رأي الحكومة لصوابه، وضرورة العدول عن رأيه أو تعديل قراره،وفي حالة رفض المجلس  للحلول التي يقترحها رئيسه أو إصراره على تعديله الأول يعرض المجلس الأمر على الملك بواسطة رئيسه، وذلك قبل مضي شهرين. ويكون القول الفصل في الأمر للملك.

ج) – الــوزارات:

اتخذت الوزارات شكلها المتعارف عليه الآن بعد فتح الحجاز.  وكان "الديوان الملكي" في نجد، هو الذي يقوم بتسيير شؤون الدولة، وينقسم إلى شعب وإدارات، وهي بمثابة الوزارات بالمعنى الحالي، وتمّ في البدء إنشاء ثلاث وزارات فقط تعنى بالخارجية والماليـة والشؤون الحربية، أعقبها إنشاء وزارتين أخريتين قبل وفاة الملك عبدالعزيز.

وزارة الخارجية:

كانت وزارة الخارجية هي أول وزارة يتم إنشاؤها، وذلك بعد أن اتخذت الإدارات المكلفة بالإشراف على العلاقات الخارجية أشكالاً مختلفة تنهض وفقاً لنهضة علاقات الملك عبدالعزيز بالعالم الخارجي، و وفقاً لنهضة الأحداث العالمية، ففي بداية تأسيس دولته، كان الملك عبدالعزيز يتولى الإشراف على الشؤون الخارجية بنفسه، وكان يوفد من ينوب عنه في إتمام اللقاءات الدولية، وعقد الاتفاقيات مع الدول الأخرى، فقد مثله– على سبيل المثال– الأمير أحمد بن ثنيان في عقد معاهدة القطيف، المعروفة باسم "معاهدة دارين" الموقع عليها مع الإنجليز، وفي التوقيع على "معاهدة المحمرة" بين نجد والعراق.

وفي عام 1338هـ/1919م، أوفد الملك عبد العزيز ابنه فيصل في زيارته الأولى لأوروبا،ثم تتالت بعد ذلك الاتفاقيات التي وقعت عليها المملكة، وتعززت علاقاتها مع العالم الخارجي.

 

وفي عام 1344هـ/1926م، تمّ إنشاء "مديرية الشؤون الخارجية" في جدة. وظلت تعمل إلى أن تأسست "وزارة الخارجية" بموجب قرار ملكي صادر في عام 1349هـ/1930م ينص أيضاً على تولية مهماتها للأمير فيصل بن عبدالعزيز، لتصبح أول وزارة يتم إنشاؤها في المملكة العربية السعودية،وقد كان الملك عبدالعزيز يولي هذه الوزارة اهتماماً خاصاً، وظلّ الأمير فيصل  يتولى مهماتها بعد وفاة والده الملك عبدالعزيز وحتى ولايته لعهد المملكة. وبقيت "تحت نظره حتى بعد توليه عرش أبيه"(16).

مضت المملكة قدماً في طريق تعزيز علاقاتها مع الدول الأخرى، حيث وضع الملك عبدالعزيز  بعد فتح الحجاز نظماً تحكم علاقاته الخارجية تنص على تعيين سفراء ووزراء مفوضين وقناصل،كما اتسع  التمثيل الأجنبي في بلاده.

وزارة المالية:

وقد شهدت وزارة المالية أيضاً تقدماً تدريجياً إلى أن أصبحت وزارة بالمعنى الحديث. فعند توحيد أجزاء المملكة، انتشرت في أنحائها إدارات لجباية الزكاة، تتبع للحكام الإداريين في البلدان المختلفة، والذين يتبعون مباشرة للملك عبدالعزيز، ولربط هذه الإدارات ببعضها قرر الملك عبدالعزيز إنشاء إدارة مركزية موحدة تشرف عليها، فتمّ في عام 1346هـ/1927م  إنشاء "المديرية العامة للمالية" ومقرها مكة، وعلى رأسها "مدير المالية العام". ثم تحولت المديرية إلى وكالة يتولى أعباءها "وكيل المالية العام".

ولما اتسعت مهمات "وكالة المالية العامة"، رأى الملك إنشاء وزارة كاملة للمالية. فأنشأت وزارة المالية في عام 1351هـ/1932م، وتم تعيين وزير لها، هو عبدالله السليمان. ثم صارت إدارات "التموين" و"الحج" و "الزراعة" و"الأشغال العامة" و"السيارات"، وغيرها من الإدارات، تتبع لوزارة المالية، وعند اكتشاف مناجم الذهــــب و آبار البترول أنشأت الوزارة إدارة خاصة تعنى بهذه الشؤون هي "إدارة المعادن".

صارت وزارة المالية تتسع وتتطور وفقاً لاحتياجات البلاد، فأصبحت لها فروع بمدن المملكة المختلفة، و تأسست مديريات عديدة تابعة لها تقع تحت إشراف "المديرية العامة المركزية"، بالإضافة للإدارات الكبرى التي تتبع هي وفروعها مباشرة للوزارة، مثل مديرية الحج العامة وفروعها  بجدة والمدينة، ومكتب المعادن والشركات، ومكتب مراقبة النقد، و أمانات الجمارك...

وزارة الدفاع:

أكمل الملك عبدالعزيز فتوحاته بتوظيف قواته المحاربة من الإخوان،وحينما اكتمل توحيد المملكة– بفتح الحجاز وسار عبدالعزيز في سيره نحو  إكمال عملية البناء– رأى ضرورة تكوين جيش نظامي، فاستفاد من البنى الأساسية التي كانت موجودة من قبل، وانضم له أفراد الجيش الهاشمي الموجودين في جدة، وشاركوا في نشأة قوات الشرطة والأمن وخفر السواحل وتشكيل وحدات عسكرية في جهات مختلفة من الحجاز.

وفي عام 1348هـ، تأسست مديرية الأمور العسكرية (17)، وبعد خمسة أعوام من ذلك، أدى تقدم القوات النظامية إلى تكوين وكالة الدفاع، التي شهدت "إعادة لتشكيل وحدات الجيش... وإنشاء مدرسة عسكرية في الطائف،وفي عام 1359هـ ألغيت مديرية الأمور العسكرية و أقيمت بدلاً عنها رئاسة الأركان الحربية" (18).

تحولت وكالة الدفاع إلى وزارة في عام 1363هـ، وعين الأمير منصور بن عبدالعزيز وزيراً لها، فعمل على تطوير الوزارة وتحديثها، وعلى افتتاح مدرسة للإشارة واللاسلكي، ومدرسة للطيران، وشرع في بناء المصانع الحربية في الخرج (19).

مجلس الوزراء:

تشكل في الحجاز  في عام 1345هـ،  مجلس تنفيذي من رؤساء الدوائر الحكومية لمساعدة النائب العام في إنجاز مهماته الإدارية. ثم تطور المجلس التنفيذي حتى انبثق منه في عام 1350هـ مجلس الوكلاء الذي يرأسه النائب العام، ويضم في عضويته وكيلي الخارجية والمالية ورئيس ديوانه ومعاونه و نائب رئيس مجلس الشورى(20)، وفي 3 ذي الحجة 1372هـ/20يوليو1953م، افتتح أول مجلس للوزراء. وفي 3 صفر 1373هـ/11 أكتوبر1953م، صدر مرسوم ملـــكي يقضي بتعيين الأمير سعود بن عبدالعزيز رئيساً لــــه.

د) – القضاء:

في بداية  عهد الملك عبدالعزيز كان في كل مدينة  قاضٍ وأمير، مهمة القاضي هي النظر في الخلافات بين الناس والبت فيها، وعند رفض أحد الخصمين للحكم الصادر، يُرفع الحكم للأمير لتنفيذه،أما القضايا المهمة فهي ترفع للإمام،وقد كان الملك عبدالعزيز يلتزم بالتشريع الإسلامي في إصدار أحكامه، كما كان يحدث في عهد الدولتين الأولى والثانية، وكان للقضاء حرمته واحترامه،ومما سهّل القضاء وجود مرجـع موحد يستند القضاة إليه بعد القرآن والسنة، هو مذهب الإمام أحمد ابن حنبل ومؤلفاته ومؤلفات علماء مذهبه وفقهائهم.

وفي بداية عهد الاستقرار، وضع الملك عبدالعزيز نظماً إدارية خاصة توحد القضاء وتعطيه استقلاله، و كان الملك عبدالعزيز يعين قضاة البدو والحضر الذين يتقيدون بأحكام الشرع، بينما كانت في الحجاز محاكم صلح ومحاكم شرعية، يقوم الملك بتعين قضاتها، وكان في الرياض قاضيان، أحدهما لسكان المدن، والآخر لسكان البادية الذين يأتون إلى المدينة، وتنقسم هذه المحاكم إلى قسمين أحدهما يعنى بالقضايا الصغيرة التي يريد أصحابها الاحتكام للشرع . أما النوع الآخر من المحاكم فيعنى بالقضايا الأكثر تعقيداً.

رئاسة القضاة:

تتخذ رئاسة القضاة مقرها في مكة، وتتألف من : رئيس القضاة، ومعاون رئيس القضاة، وهيئات التدقيق الشرعية (التي تتألف من رئيس القضاة ومعاونه وأعضاء رئاسة القضاة، وتقوم بتدقيق الأحكام الشرعية الواردة للرئاسة من أجل الاستئناف أو لإعادة النظر في القضايا)، و ديوان رئاسة القضاة (الذي يضم أقسام التحرير والقضايا والحسابات).

دوائر القضاء:

تنقسم الدوائر المرتبطة برئاسة القضاة إلى عدة أقسام، منها دائرة تفتيش المحاكم، ودائرة كتاب العدل، وبيوت المال، وهيئات  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودائرة المرشدين.

أنواع المحاكم: تنقسم المحاكم إلى أربعة أنواع:

أولاً:  المحاكم الكبرى، وتوجد في مكة والمدينة والرياض، وهي تنظر في كل القضايا بمختلف أنواعها. وفي بعض المدن الأخرى، مثل جدة والطائف، هناك محاكم شرعية في كلٍ منها قاضيان، وتقوم بمهمات المحاكم الكبرى.

ثانياً: المحاكم المستعجلة، وهي تنظر في القضايا الجنائية والحدود التي لا قطع فيها أو قتل، كما تنظر في الخلافات المالية التي تقل الأموال المعنية فيها عن 300 ريال.

ثالثاً: المحاكم الشرعية في الملحقات، وهي تنظر في القضايا التي تقع في نطاق اختصاص المحاكم الكبرى والمستعجلة في المدن الكبرى.

رابعاً: القضايا الجزئية، وينظر في هذا النوع من القضايا قضاة مختصون في القضايا الصغيرة في بعض الأماكن القريبة من المدن.

 

الجزء الثالث : البنــــاء الحضـــاري  :

1– مواجهة فتنة الإخوان:

حينما شرع عبدالعزيز في تحديث دولته وإعدادها لتواكب متطلبات عصره حدثت الأحداث المعروفة بتمرد الأخوان أو فتنة الدويش ، التي استغل فيها قادتها بساطة البدو وحميتهم الدينية ، فصوروا لهم الوسائل العصرية كالسيارات واللاسلكي والطائرات كنوعٍ من البدع والسحر، فقاموا بتمرد كلف عبدالعزيز في مواجهته كثيراً من الجهد والمـال و الوقت.

فما هي فتنة الإخوان ، وكيف واجهها الملك عبد العزيز؟ ولماذا كانت مواجهتها ضرورة من أجل مواصلة البناء الحضاري؟ هذا هو ما سنتعرض إليه في هذه الفقرة،  لتوضيح موقف الملك عبدالعزيز الذي جاء من منطلق الحرص على مواكبة بلاده لمتطلبات عصره، ومن باب الحرص أيضاً على صورتها أمام العالم، وعلى علاقاتها الخارجية التي أثرت فيها الفتنة، وعلى وحدة دولته، و وحدة المسلمين أيضاً.

شارك سلطان بن بجاد شيخ عتيبة في وقعة تربة التي مهدت لضم الحجاز مشاركة مهمة. كما شارك من قبلها مع عبدالعزيز في حصار حائل، وشارك  مع خالد بن لؤي في دخول الطائف سنة 1343هـ.

وحينما شرع عبد العزيز في بناء الدولة وتحديثها– كما أسلفنا– اجتمع فيصل الدويـــش وسلطــــان بن بجاد وضيدان بن حثلين سراً في الأرطاوية، وذلك في عام 1344هـ/1926م، ليعبروا عن غضبهم على عبد العزيز، ليس بسبب عدم تحقيقه لطموحاتهم، وإنما لتوجهاته الجديدة التي عدوها متنافية مع تعاليم الدولة السعودية، فأعلنوا اعتراضهم على استخدام الآلات والأجهزة الحديثة، كما احتجوا على فرض الضرائب على البضائع المستوردة، فقد رأوا أنها تتعارض مع الشرع،واعترضوا أيضاً على إرسال عبدالعزيز لابنه سعود إلى مصر التي وصفوها بأنها من "بلاد الشرك"، وعلى إرساله لابنه فيصل إلى لندن،وانتقدوا عقده للمعاهدات مع الأوروبيين ولقاءاته بهم، فتعاهدوا على ما اسموه محاربة الشرك.

تساهــــل عبدالعزيز في بادئ الأمــر وتعامل معهم بصبر طويل. وفي 25 رجب 1345هـ/ أوائل عام 1927، عقد عبدالعزيز، بعد مبايعته ملكاً على الحجاز، مؤتمراً دعا إليه زعماء الإخوان، وضّح فيه موقفه الذي ظلّ ثابتاً على تعاليم الشرع، وحريصاً على مصالح المسلمين، وانتهى الاجتماع بفتوى أصدرها علماء نجد تبيح استخدام الوسائل الحديثة، لكنها نصت على بنود لتهدئة غضب الإخوان، منها أن لا تطبق في نجد القوانين والنظم الجديدة المعمول بها في الحجاز، و أن يتم الالتزام بحكم الشرع فقط، من جانب آخر، أشارت الفتوى إلى ترك أمر الجهاد للإمام، إذ إن رؤساء الفتنة قد لاموا عبد العزيز على عدم مواصلة الجهاد بعد فتح الحجاز. بعد ذلك، انقطع رؤساء الفتنة  الثلاثة عن زيارة الملك عبدالعزيز بالرياض، وفشلت محاولاته  في تقريبهم إليه.

وفي عام 1345هـ/1927م، رأت حكومة عبدالعزيز أن الحكومة العراقية قد خرقت بروتوكول العقير، الذي أشرنا إليه سابقاً، بإقامتها مركزاً للشرطة وإرسالها حامية من الجند للإقامة على الحدود، إذ يمنع البروتوكول استخدام موارد المياه في أغراض حربية.

وما أن بدأت المحادثات بصورة ودية بين الحكومتين حتى استغل الدويش هذه الفرصة ليستعين بجماعة من الأخوان لمهاجمة مركز الشرطة، وقتلوا المقيمين به من الجند والعمال. وكان الدويش يرمي بذلك  لإظهار عبدالعزيز أمام الإخوان بمظهر الضعف والتساهل، كما أراد إثارتهم عليه مستغلاً روح الحرب والغزو فيهم ،فراح يواصل غزواته على حدود الدول المجاورة، معرضاً رجاله والمملكة أيضاً إلى  رد فعل القوى الاستعمارية في المنطقة التي كان تمتلك وسائل متقدمة للدفاع، مما هدد أمن المنطقة، وعرض علاقات عبدالعزيز مع الدول العظمى المحيطة به للخطر.

تأزم الموقف بتدخل الإنجليز ضد هجوم الدويش، فأرسلت الحكومة البريطانية مندوباً عنها لمفاوضة الملك الذي توقف عن التفاوض بسبب إصرار الحكومتين العراقية والبريطانية على بناء مراكز الشرطة على الحدود، كما ازداد الأمر تعقيداً بشكوى الحضر من تعصب الإخوان الديني وتشددهم.

بعد ذلك عاد عبدالعزيز إلى الرياض ودعا إلى عقد الجمعية العمومية ليطرح عليها موضوع خرق الحكومة العراقية  لاتفاقها، وموضوع موقف الدويش والإخوان. فافتتح الملك عبدالعزيز المؤتمر في جمادى الأولى 1347هـ/1928م بخطبة يوضح فيها موقفـــه الثابت إزاء خدمة قضايا المسلمين والمحافظة على الشريعة، وانتهى الاجتماع بتجديد العلماء للبيعة على عبدالعزيز، وأكدوا بأن الوسائل الحديثة كاللاسلكي لا تتنافى مع الشرع.

أما الإخوان، فقد ظلوا على تشددهم.بينما اهتم عبدالعزيز بمواكبة النهضة العلمية في العالم مستفيداً من هذه الاختراعات في ربط أجزاء مملكته الواسعة، في وقت لم تكن فيه وسائل المواصلات الأخرى قد انتشرت في بلاده، وكما يقول التويجري: "فإن الملك عبد العزيز لم يتراجع وبقي وحيداً مؤمناً بأن هذه المخترعات من عطاء الله، فأقام شبكة من اللاسلكي في جميع أجزاء المملكة، وقال: دولة شابة يجب أن تكون حاضرة عندي في كل لحظة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر"(21).

لكن ابن بجاد استغل سذاجة البعض من سكان الهجر وتعصبهم، واستثار فيهم روح البداوة وحب الغزو، فسار الغوغاء منهم وراءه، ففتكوا بمجموعة من تجار القصيم، وحاول شن غارات في الشمال. تجاه هذا الموقف، أذن عبدالعزيز بمواجهتهم، فنشبت معركة "السبلة" يوم 19شوال 1347هـ/1929م. وكانت تلك هي المعركة الرئيسة ضد تمرد الأخوان، تبعتها معارك صغيرة أخرى للقضاء على أطراف الفتنة. طلب الدويش صفح الملك عبدالعزيز بعد الهزيمة التي مني بها في السبلة، فعفا عنه. لكنه ما لبث أن تابع تمرده.

لجأ الدويش للعراق، فكتب عبدالعزيز للمندوب السامي البريطاني يحتج على إيوائه. وفي شعبان 1930م سلمت الحكومة البريطانية بالعراق الدويش وابن حثلين للملك عبدالعزيز، فتم اعتقالهما. وانتهت بذلك فتنة الإخوان التي كلفت حكومة الملك عبدالعزيز كثيراً،  فقد كان حزم الملك عبدالعزيز في القضاء على الفتنة، رغم تساهله في بادئ الأمر، ينبع من حرصه على توجه بلاده الحضاري وانفتاحها على أمم العالم و استيعابها لمستحدثات عصره. كما أن الفتنة قد هددت الأمن، وهو عنصر مهم من عناصر البناء الحضاري، يكفل استقرار البلاد وتقدمها، لذا كان لا بد من مواجهتها بالحزم.

ورغم هذا الحزم، فقد لمسنا الجانب الإنساني في تعامل عبدالعزيز مع الإخوان وصبره الطويل ورحابة صدره قبل أن يتخذ قرار مواجهتم، وذلك لتقديره للعمل الذي لعبوه في تكوين جيوشه في لحظات التعبئة ودعم الحكم، ولكن أيضاً لإدراكه لجوانب السذاجة والطيبة والتعصب لدى هؤلاء البسطاء، هذه الجوانب التي استغلها رؤوس الفتنة في تأليبهم على عبدالعزيز.

2– العلاقات الخارجية وتعزيز مكانة المملكة في العالم:

لا شك أن التفاعل مع العالم الخارجي هو أحد عناصر البناء الحضاري المهمة للأمم، لذلك حرص الملك عبد العزيز، منذ أن شرع في توسيع دولته، على تعزيز علاقاته  الخارجية وتطويرها، خاصة حينما صارت له بعد فتح الأحساء والقطيف حدود مع الكويت وقطر والبحرين ، وعلاقات مع الحكومة البريطانية الإنجليز . وحينما بسط نفوذه في كل أنحاء نجد، فرض نفسه قوة جديدة في المنطقة، وشرع في إبرام المعاهدات والاتفاقيات مع القوى الكبرى من أجل تأمين حدوده، وفرض الاعتراف به، مثلما حدث في اتفاقية القطيف المعروفة باسم معاهدة دارين، والتي انتزع بها اعتراف الإنجليز عبر توقيعهم عليها. كما أشرنا من قبل.

وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كانت دولة عبد العزيز أكبر إمارات الجزيرة العربية اتساعاً. وبالطبع لم تكن أراضيه بمعزل عن بقية العالم( وإن كانت لا تقع تحت سيطرة القوى الكبرى أو نفوذها. )فبدأ وضع الدولة الجديدة وملحقاتها يتغير في موازين السياسة العالمية،وبعد الحرب الأولى حينما انهارت دولة الخلافة العثمانية، التي كانت منطقة الحجاز واقعة تحت تأثيرها، أصبح عبدالعزيز قوة إسلامية جديدة تفرض وجودها، حتى قبل ضمه للحجاز(22) وبعد الاستيلاء على الحجاز، مضى عبدالعزيز قدماً نحو تأكيد تأثيره على المحيطين العربي والإسلامي، ولم يكن الانفتاح على العالم الخارجي يعني بالنسبة له الاعتماد على القوى الأجنبية في توسيع دولته وتعزيز وحدتها،يقول الزركلي: "بعد قيام الشريف حسين بثورته على الترك، متفقاً مع البريطانيين، كان السير برسي كوك (المقيم البريطاني في الخليج)  يتحدث يوماً مع عبدالعزيز، فذكر الخلافة وانتقالها إلى العرب، وسأل عبد العزيز عن رأيه في أن تكون له؟ فأجاب: الشريف حسين أجدر بها"(23). من هنا نلحظ تأكيد عبد العزيز على حياد دولته على الساحة العالمية واستقلالها، ورغبته في أن يتم فتح الحجاز على يده وحده، مثلما كان الحال مع بقية أجزاء الجزيرة العربية، رافضاً هذه اليد الممدودة من قِبل الإنجليز، ومعتمداً على جيوشه من الإخوان، "القوة المسلحة الأهم والأكثر رهبة في الجزيرة العربية"، وفق تعبير بنوا ميشان (24).

كما أثبتت الاتفاقيات التي عقدها الملك عبدالعزيز ، منذ اتفاقية العقير في أواخر عام 1334هـ/1915م إلى اتفاقيتي بحرة وحدة (1925م)، مفهوماً متقدماً للعلاقات الخارجية، يرتكز على مبدأي التفاعل مع العالم الخارجي والاستقلال تجاهه في الوقت نفسه. ولحظة فتح الحجاز، التزم عبد العزيز بهذا المفهوم نفسه للعلاقات الخارجية. فحينما دخل بن لؤي وبن بجاد إلى مكة، اعتمدا على جيوشهما من الإخوان كما أسلفنـا القــــــول. فوجدت القوى الأجنبية نفسها ملزمة بالحياد أيضاً؛كما يتضح من الرسالة التي بعـث بها إلى ابن لؤي وابن بجاد، معتمدو الحكومات وقناصلها البريطانية والإيطالية والفرنسيــة والهولندية والإيرانية: "وصلنا كتابكما، ولا نخفى عليكما أن حكوماتنا التزمت الحياد التام في الحرب القائمة بين نجد والحجاز، فنحن محايدون ولا يمكننا التدخل بأي وجه كان في هذا الخصام" (25).

وما أن اكتمل ضم الحجاز واستتب الأمن والاستقرار في أنحاء البلاد،  حتى انفتحت في عام 1352هـ/1933م، جبهة للصراع مع اليمن، كان قد بدأ ظهورها منذ موت السيد محمد الإدريسي 1341هـ/1923م (26)، الذي خلفه ابنه علي ولصغر سنه لن يستطع الحفاظ على الدولة، وعندئذٍ هبّ أهالي المخلاف في عزلة ومبايعة عمه الحسن بن علي الذي عقد معاهدة  في مكـــة مع حكومة الملك عبدالعزيـــز في عام 1345هـ/1926م، وُضع بمقتضاها حكم الأدارسة في جازان وتهامة تحت حماية الملك عبد العزيز. رفض الإمام يحيى الاعتراف بوضع هذه الأراضي تحت  السيادة السعودية، فكرر الهجمات عليها، وفي عام 1352هـ/1933م، تقدم بجيوشه إلى جبال جازان وتجاوزها إلى نجران. فحاول عبدالعزيز عقد اتفاق على الحدود خلال مؤتمر عُقد بأبها، لكن الإمام يحيى عاد إلى بلاده دون اتفاق (27)، اضطر عبدالعزيز لمواجهة هجمات الإمام يحيى بإرسال قواته لمواجهته في عام 1352هـ/1934م. فتقدم جيش بقيادة الأمير سعود بن عبدالعزيز نحو المناطق الجبلية في الشمال، بينما تقدم جيش ثانٍ بقيادة الأمير فيصل نحو الجنوب على الساحل، فاستولى على "ميدي" و"حرض" و"الحديدة" (28).

إزاء هذه الأحداث، حاولت القوى الكبرى في المنطقة، بريطانيا العظمى وإيطاليا، الاطمئنان على مصالحها،حيث تخوفت بريطانيا على ميناء عدن الذي يعد مفتاحاً  للطريق البحري نحو الهند،بينما تخوف الإيطاليون من أن يسيطر السعوديون على باب المندب الذي يعد جسراً بين الصومال و إريتريا الواقعتين تحت حكم إيطاليا منذ عام 1885م (29). ولما دخل الأمير فيصل بن عبدالعزيز لميناء الحديدة وجد باخرة إيطالية، تبعتها قطع من الأسطولين البريطاني والفرنسي؛فعالج الموقف بحكمة وحزم (30). وبعد انهيار جيش إمام اليمن(يحيى حميد الدين) وافق الملك عبد العزيز بإيقاف الزحف حينما طلب منه الإمام يحيى ذلك، وقبِل بالوساطة العربية التي قامت بها أطراف من سوريا ومصر ولبنان وفلسطين. فانعقدت بذلك معاهدة الطائف في 6 صفر 1353هـ/21مايو1934م.

ارتضى الملك عبدالعزيز هذا الحل السلمي الذي نصت عليه معاهدة الطائف، قبولاً منه بمساعي الأخوة العربية وبالعمل الذي يمكن أن يقوم به العرب في حل قضاياهم فيما بينهم.

وفي إطار تعزيز علاقاته الخارجية، كلف الملك عبدالعزيز ابنه فيصل بالعديد من المهمات في هذا المجال، فقد أوفده في عام 1338هـ/1919م في أول زيارة له لأوروبا. أعقبتها زيارة ثانية في عام 1344هـ/ 1926م، بعدما تمّ تعيينه  نائباً عاما للملك بالحجاز، ومسؤولاً عن "مديرية الشؤون الخارجية"، النواة الأولى لوزارة الخارجية، التي تولى أعباءها في عام 1349هـ/1930م،وقد استقبلته السلطات البريطانية  في زيارته الثانية، كما يقول بنوا ميشان، استقبالاً يعبر عن "تقديرها لدور والده، كراعٍ للأراضي المقدسة، وتأثيره في المسلمين التابعين للإمبراطورية البريطانية خاصة  في الهند وماليزيا حيث يصل  عددهم لمئات الملايين"(31).

كانت وزارة الخارجية– كما ذكرنا من قبل–هي أول وزارة تمّ إنشاؤها في المملكة،وليس ذلك سوى تأكيد على اهتمام الملك عبد العزيز بترسيخ مكانة بلاده على الساحة الدولية، وتعبيراً عن إحساسه بالمسؤولية تجاه المسلمين وهو يوطد صلاته مع العالم الإسلامي عبرها، وهذا ما يفسر كون وزير خارجيته هو نفسه نائبه في الحجاز.

وعلى الصعيد العربي، أثبت عبدالعزيز اهتمامه وحرصه على المشاركة في حل قضايا العرب و سعيه لدعم الوحدة العربية. فحينما اندلعت ثورة فلسطين ضد البريطانيين في عام 1355هـ/1936م سارع الملك عبدالعزيز بتقديم العون المادي للمنكوبين، واتصل بملك اليمن وملك العراق وأمير شرق الأردن يطالبهم باتخاذ موقف عربي موحد من أجل حل القضية المشتعلة نارها بين الفلسطينين والحكومة البريطانية حقناً للدماء العربية، ولبّى أهل فلسطين دعوة ملوك العرب، وابتداءً من عام 1355هـ/1937م تمت مراسلات عديدة بين الملك عبدالعزيز والحكومة البريطانية وممثليها من جانب، وبينه وبين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت من جانب آخر، من أجل الوصول لحل للقضية الفلسطينية، معبراً في لقاءاته بهم عن وجهة النظر العربية والإسلامية.

وفي 27 أكتوبر 1357هـ/1938م، اتصل الملك عبدالعزيز بالملوك والحكام العرب من جهة، وبالحكومة البريطانية من جهة أخرى، وأبرق لممثليه لدى مصر وبقية الحكومات العربية تمهيداً لعقد "مؤتمر لندن" ،الذي توصل للاتفاق على عقده لدى الزيارة التي قام بهــا للرياض السير بولارد مبعوثاً من الحكومة البريطانية(32)،وقد شارك وزير الخارجية الأمير فيصل بن عبدالعزيز، في محادثات هذا المؤتمر في لندن على رأس الوفد السعودي حاملاً رسالة من الملك عبدالعزيز لرئيس الحكومة البريطانية في ذلك الوقت (تشمبرلين).

وفي يناير 1945م/1364هـ بعث روزفلت برسالة للملك عبدالعزيز يعرب فيها عن رغبته في لقائه، فأجاب الملك عبدالعزيز فوراً بالموافقة قائلاً: "هذه مصلحة ننتهزها لمساعدة  فلسطين وسوريا ولبنان"(33). فوصل الملك عبدالعزيز إلى قناة السويس ثم إلى البحيرات المرة، حيث تمّ الاجتماع بينه وبين الرئيس روزفلت يوم الخميس الثاني من ربيع الأول 1364هـ/15 فبراير1945م.

عبر الرئيس الأمريكي  عقب هذا اللقاء عن إعجابه بشخصية الملك عبدالعزيز، وأبدى حرصه على اغتنام مثل هذه الفرص التي تسمح لرؤساء العالم بالتفاهم والتعاون لحل ما استعصى من قضاياهم، وتحدث الملك عبدالعزيز في بيان مستفيض حول ما تعانيه سوريا ولبنان من وطأة الانتداب الفرنسي، حينئذ أجابه الرئيس الأمريكي بأن لديه رسالة من الجنرال ديغول حول استقلال سوريا ولبنان، كما أوضح الملك عبدالعزيز حق العرب في فلسطين. وعند عودته إلى واشنطون أدلى الرئيس روزفلت بتصريح رسمي أمام الكونغرس في الأول من مارس 1945م، مشيداً بهذا اللقـــــاء(34).

وبعد انتهاء اللقاء بين الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت، وصل إلى مقر إقامة الملك عبدالعزيز في مصر، رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بصحبة وزير الخارجية أنطوني إيدن وآخرين من كبار السياسيين والقادة العسكريين، فاستقبلهم الملك عبدالعزيز الذي اجتمع منفرداً بتشرشل لمدة ساعة.

وقد كان الملك عبدالعزيز في طليعة المنادين بتوحيد كلمة العرب وصون حقوقهم، وبعد الحرب العالمية الثانية، برزت فكرة إنشاء الجامعة العربية، وفي 20شوال 1363هـ/7 أكتوبر 1944م. وقعت حكومة مصطفى النحاس على "بروتوكول الإسكندرية"، وقررت عرضه على الحكومات العربية، كل واحدة على حدة لمعرفة رأيها(35).  وحين قام الملك فاروق بزيارة المملكة العربية السعودية، تمّ الاتفاق في 10 صفر 1364هـ/ 25يناير 1945م، على إنشاء  "جامعة الدول العربية"،وفي 8 ربيع الآخر من السنة نفسها/22مارس 1945م، تمّ التوقيع على ميثاق الجامعة العربية، وكانت المملكة العربية السعودية واحدة من الدول المؤسسة.

وفي إطار هذه المهمة الذي تؤديها المملكة في حقل السياسة العربية وعلى الساحة الدولية تلقى الأمير فيصل بن عبدالعزيز وزير خارجية المملكة العربية السعودية تعليمات من والده في الرياض بالاتصال بوزير الخارجية الأمريكية لإعلان رغبة المملكة في الانضمام إلى الأمم المتحدة، وقد مثل الأمير فيصل بن عبدالعزيز المملكة في مؤتمر الأمم المتحـــدة المنعقد بسان فرانسيسكو في 13جماد الأولي 1364هـ/25أبريل 1945م، وحينما تقدم للتوقيع على الإعلان العام للأمم المتحدة، ألقى كلمة عبر فيها عن التقاء مبادئ السلام المنصوص عليها، مع مبادئ السلام في تعاليم الدين الإسلامي.

3– الأمـــن:

كانت الجزيرة العربية قبل توحيد أجزائها على يد الملك عبدالعزيز تعاني من انعدام الأمن وانتشار قطاع الطرق واللصوص، وكان الملك عبدالعزيز يدرك ظاهرة الغزو والنهب في البادية والخطر الذي تمثله؛ فاهتم منذ بداية تأسيس  دولته باستتباب الأمن،وأدرك ضرورته كعامل من عوامل دعم الاستقرار وترسيخ الوحدة، وللوصول لهذه الغاية استفاد من تجارب أسلافه، في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية في تحقيق الأمن ومكافحة النهب والسرقة وقطع الطرق،  وتطهير البادية من هذه الظواهر التي تهدد أمن القوافل والعابرين ـ لكنها لا تعد عيباً في عرف البادية ـ وتشكل مصدر رزق للأعراب، لذا بنى تنظيماً أمنياً يتماشى مع متطلبات عصره.

حارب عبدالعزيز حالة عدم الاستقرار ونقص الأمن بتحضير البادية ونشر المطاوعة بين القبائل، وتعدد حفر الآبار الارتوازية، إذ إن التنازع على مصادر المياه كان من أسباب النزاعات بين البدو. "وجعل لقبائل البادية سجلاً في ديوانه، وسهل لكل منها سبل الاتصال به وبأمراء المقاطعات"(36).

وعبر البــــلاغ العام الذي  أعلنه الملك عبد العزيز– في 8 جمادى الثانية من عام 1344هـ عند فتح الحجاز– نلمح الاهتمام الذي يوليه للأمن كعنصر من عناصر الاستقرار، كما نلمح الحزم الذي اتسم به وهو يطالب المواطنين بالانتباه لأهمية الأمن في بناء البلاد؛ نقطتف هذه الأجزاء من كلمات الملك عبدالعزيز:

"إخواني: تفهمون إني بذلت جهدي، وما تحت يدي في تخليص الحجاز لراحة أهله وأمن الوافدين إليه: إطاعة لأمر الله..."

"ولقد كان من فضل الله علينا وعلى الناس أن ساد السكون والأمن في الحجاز، من أقصاه إلى أقصاه، بعد هذه المدة الطويلة التي ذاق الناس فيها مر الحياة وأتعابها."

"... وإنني إن شاء الله تعالى سأبذل جهدي فيما يؤمن البلاد المقدسة، ويجلب الراحة والاطمئنان لها.

"إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزغات الشياطين، والاسترسال للأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار".

وبعد ضم الحجاز تعمق لديه الاهتمام ببسط الأمن ليشمل القادمين للأراضي المقدسة؛  فاستعمل القوة والحزم في ردع عمليات النهب وقطع الطرق التي يتعرض لها أهل البلاد والحجاج، واستفاد من الأسس التي كانت موجودة في الحجاز في هذا المجال، فأنشأ بمكة المكرمة– في عام 1344هـ–  مديرية الشرطة العامة التي تتألف من إدارات وأقسام ومراكز، تنتشر في أنحاء المملكة، و يرأسها جميعها "مدير الأمن العام" الذي يتبع للنائب العام للملك بالحجاز، وفي عام 1349هـ أصبحت هذه الإدارات تقع مباشرة تحت رئاسة مدير الأمن العام، و في عام 1354 تأسست مدرسة للشرطة تهدف إلى تخريج ضباط ومساعدي ضباط(37).

وفي عام 1363هـ تحولت مديرية الشرطة العامة إلى مديرية عامة للأمن، عرفت باسم "إدارة الأمن العام"(38)، وكانت للشرطة إدارات وتشكيلات في عدد كبير من المدن، يتبع مديروها للحكام الإداريين بالمدن من الناحية الإدارية التنفيذية، وترتبط بمديرية الأمن العام من ناحية نظامية (39) ،فتوسعت مسؤولياتها وأعمالها، واستقدم لها خبراء من البلدان العربية لتطوير أجهزتها، كما ابتعث عدد من رجالها إلى الخارج للتخصص في شؤون الأمن العام.

وبالإضافة للأمن في الأراضي الداخلية أولى الملك عبدالعزيز اهتماماً بالأمن على السواحل. فتمّ في عام 1350هـ/1931م إنشاء "مديرية مصلحة خفر السواحل"، وتتخذ مقرها الرئيس بجدة، وتضم "دائرة المرافئ" والدوريات البرية والبحرية، وتعنى بتوفير الأمن على السواحل.

وهكذا أسهم الأمن في تطوير الحياة في الجزيرة  العربية، وجعلها قادرة على مواكبة العصر، وكان عنصراً من العناصر التي أرست دعائم توحيدها،وأدى تقدم الأجهزة والإدارات الأمنية فيما بعد لتكوين وزارة الداخلية في عام 1370هـ.

3– إقامة دعائم النهضة:

بعد اكتمال توحيد أرجاء المملكة، وتحقيق الأمن والاستقرار– اللذين وفرا المناخ الملائم لضمان هذه الوحدة واستمرارها– اتجه الملك عبدالعزيز نحو تحقيق البناء الحضاري، كما رأينا في الأبواب السابقة من هذا الجزء. ،وليكتمل هذا البناء شرع في تنفيذ المشاريع الأساسية التي مهدت للنهضة الحديثة في البلاد،نستعرض هنا أهم هذه المشاريع.

المياه: كان العائق الأساس للتنمية، هو قلة موارد الدولة، لذا فكر الملك عبدالعزيز في دفع التنمية الاقتصادية عن طريق حل مشكلة المياه، التي هي مشكلة أساسية في بلاد تتسع الصحراء في معظم أراضيها، فاستدعى خبراء أمريكيين في المياه الجوفية، اكتشفوا مخزوناً هائلاً من المياه، ورافق تحديث مصادر المياه تحديثاً في الزراعة، وتحسين وسائلها،واستيراد المعدات اللازمة، فتمّ مد أنابيب للمياه تسمح بري المشاريع الزراعية،ولمزيد من الإنتاج الزراعي استعان الملك عبدالعزيز بخبراء ومهندسين زراعيين أمريكيين ،وضاعف عدد المشاريع الزراعية.

النفط: في عام 1938م اكتشف الخبراء الأمريكان حقولاً مهمة للنفط في المنطقة الشرقية. و"منذ ذلك الحين أصبحت البلاد تنال اهتمام القوى الكبرى"(40). حصلت شركة غولف أويل على امتياز استخراج النفط، وفي عام 1352هـ/1933م تنازلت الشركة عن امتيازها لشركة أمريكية أخرى هي ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا، وازداد استخراج النفط أهمية، وتم بناء خط للأنابيب يمتد من المنطقة الشرقية حتى ميناء صيدا في لبنان.

وفي عام 1938م اكتشف الزيت بكميات يمكن بيعها، وكانت تلك حقبة جديدة في تقدم التنقيب عن النفط. فأنشأت خطوط الأنابيب من الحقول إلى الساحل، وازدهرت سريعاً الظهران ورأس تنورة، وفي مايو1358هـ / 1939م شحنت أول سفينة من حاملات الزيت بحضور الملك عبدالعزيز في رأس تنورة (41)، وازداد النمو في زمن ما بعد الحرب ـ ما بين عامي 1365–1369هـ/1946–1950م. وفي عام 1370هـ/1951م نجحت عملية التنقيب عن النفط في أعماق البحر، باكتشاف حقل النفط في منطقة السفانية (بين سواحل المملكة وساحل الكويت).

أدت هذه الوثبة الاقتصادية إلى انتقال المملكة من عهد الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الحديث.

المواصلات وطرق الاتصال:

أصبح البترول المورد الاقتصادي الرئيس للملكة، ووظفت الدولة مواردها الجديدة في  تزويد نفسها بوسائل  حديثة للاتصال تمكنها من تقريب أجزائها وتعزيز وحدتها. فأصدر الملك عبدالعزيز أمراً بإنشاء طرق تمتد لمسافة 43 ألف كيلومتر، تكتمل على مدى عشرين عاماً، كما أمر في الوقت نفسه ببناء خطوط حديدية عبر الصحراء،وفي عام 1951م انتهى إنشاء الخط الحديدي الذي يربط الرياض بالدمام.

وفيما يختص بالاتصالات السلكية واللاسلكية، اهتم الملك عبد العزيز– حتى قبل اكتمال توحيد المملكة– بربط المناطق الصحراوية  بشبكة لاسلكية أفادته كثيراً في حروبه، وساعدت الحكومة  في حفظ الأمن، ولتطوير هذا الجانب أمر الملك عبد العزيز بإنشاء أربع مدارس لتعليم الاتصالات اللاسلكية في جدة ومكة والمدينة والرياض(42)، وتطورت في عهده  مراكز الهاتف واللاسلكي، وانتشرت شبكة حديثة للاتصالات في المدن الكبرى، وصل عدد مراكزها إلى أكثر من ستين مركزاً، وكما أشرنا من قبل– في بداية هذا الجزء الخاص بالبناء الحضاري– إلى المشاكل التي واجهها الملك عبد العزيز من قبل الإخوان، واحتجاجهم على هذه الوسائل الحديثة كبدعة تتعارض مع التعاليم الإسلامية، و كيف أن الملك عبد العزيز قد أولى اهتماماً لهذا الجانب من جوانب البناء الحضاري، حينما واجه حركة الإخوان أخيراً بالحزم الذي كان لا بد له، كمؤسس دولة وواضع أسس لحضارتها المعاصرة من استخدامه.

التعليم:

أعطى الملك عبد العزيز أهمية خاصة للتعليم، وخصص ميزانية مهمة لتطويره، وبجانب مجانية التعليم، كانت الدولة تخصص مكافآت للطلاب، وقد اتضح اهتمام عبد العزيز بالتعليم منذ إنشاء الهجر، إذ عده أداة لتحضير البادية  في ذلك الوقت، وكان التعليم يقتصر على تعليم مبادئ القراءة والكتابة وأصول الدين، وعند فتح الحجاز كانت الحركة التعليمية التي أسسها العثمانيون أرضية مناسبة ترتكز عليها النهضة التعليمية، لذا أنشئت بمكة في عام 1344هـ/1926م، إدارة المعارف العامة، وهي إدارة حكومية تتبع للنائب العام، تختص بالتربية والتعليم(43)، وفي عام 1345هـ/1927م تمّ إنشاء "المعهد العلمي السعودي" لتخريج مدرسي المدارس الابتدائية والأولية، وفي تلك المدة، انتشرت المـــدارس في المدن، أما في الهجر والقبائل فقد كان "المطاوعة" يقومون بتعليم القرآن الكريم والعبادات والقراءة والكتابة، إلى أن شملتها النهضة العلمية لإنشاء المدارس لاحقاً،أما في نجد، فقد انتظمت المدارس النظامية الحديثة بعد عام 1350هـ/1931م(44).

وكان لإنشاء "مدرسة تحضير البعثات" أثر كبير في وضع أسس بناء  التعليم الحديث، فأسهمت بالتالي في بناء الدولة الجديدة، وقد شملت هذه البعثات إيفاداً للطلاب لمصر ولبنان والولايات المتحدة، وكان من مهمات المدرسة إعداد الطلاب للبعثات، وسد الثغرات الناجمة عن عدم وجود بعض التخصصات بالمدارس السعودية،  وقد كان للتعليم الأهلي أيضاً أثر بارز في تحقيق النهضة العلمية بالبلاد.

الصحة:

كانت الصحة في الجزيرة العربية من أهم ما أولاه الملك عبدالعزيز عنايته،فعمل على نهضة الرعاية  الصحية والعلاج في جميع أنحاء المملكة، وفي الحجاز على وجه الخصوص، لكونه راعياً للأراضي المقدسة، ومضيفاً لحجاج بيت الله، وتقع على عاتقه بذلك مسؤولية توفير الرعاية الصحية لهم.

شرع عبدالعزيز في وضع نظام حديث للصحة بإنشاء "مصلحة الصحة العامة" في عام 1343هـ/1925م كنواة أولى لوزارة الصحة (تكونت في عام 1370هـ) ، وتتخذ من مكة مقرها الرئيس وجعل لها فروعاً بالمدن الكبرى، حيث قسّم البلاد لمناطق صحية، واهتمت "مصلحة الصحة العامة" بمجال الإسعافات الطبية في البادية ومناطق البدو الرحل، فأنشأت نظام "الطبابة السيارة"، التي هي إدارة صحية متجولة مزودة بالخيام والسيارات والأدوية، إلى جانب ذلك تمّ إنشاء مراكز صحية ساحلية تتبع لإدارة المحاجر الصحية، التي تطورت مع تقدم المواصلات الجوية لتكون لها مراكز بالمطارات أيضاً. وفي إطار توفير العناية الطبية اللازمة للحجاج تمّ إنشاء مستشفى سيّار بعرفات،وتطورت المستشفيات المهمة في مكة والطائف وجدة والرياض.

شملت هذه النهضة الصحية استقدام أخصائيين وخبراء للعمل في البلاد ،وإرسال الأطباء الموجودين للتخصص في الدول المتقدمة علمياً، وطلبت المملكة تعاون المنظمات والهيئات العالمية والاستفادة من خبراتها.

تنظيم قوانين العمل والعمال: صدر في عام 1366هـ/1947م نظام للعمل والعمال(45) ، وهو نظام مماثل للنظم الخاصة بتنظيم قوانين العمل المعمول بها في الدول المتحضرة، ويحدد هذا النظام شروط العمل وظروفه، التي تكفل للعاملين حقوقهم وفق عقود واضحة البنود، مبرمة مع أصحاب العمل، كما تفرض على أصحاب المشاريع شروطاً تكفل صحة أماكن العمل وسلامتها، وتلزمهم بتوفير الظروف التي تكفل راحة العاملين وأسرهم ورفاهيتهم،وكان "مكتب المعادن والأشغال العامة هو الذي يشرف على شؤون العمل والعاملين في المملكة في أيام الملك عبدالعزيز. ثم تحول فيما بعد إلى "مكتب العمل والعمال".، ثم تمّ ضمه لمجلس الوزراء بعد أن أصبح يحمل اسم "مصلحة العمل والعمال"، كنواة أولى لوزارة "العمل والشؤون الاجتماعية" التي تمّ إنشاؤها بعد وفاة الملك عبد العزيز بسبع سنوات.

 

خاتمـــــة:

قامت دولة المملكة العربية السعودية كامتداد للدولتين السعوديتين الأولى والثانية. ولم يكن استعادة الرياض خطوة اتخذها عبد العزيز نحو استرداد ملك أجداده فحسب، وإنما توجهاً نحو تأسيس دولة عربية إسلامية كبرى قادرة على احتلال مكانة مهمة على الساحة العالمية، فالحقبة التي شهدت تفتح عبدالعزيز وبداية نضجه وهو في الكويت كانت هي حقبة امتداد نفوذ القوى الكبرى والاستعمار الغربي في العالمين العربي والإسلامي، ولم تكن هذه القوى تعطي حينها اهتماماً لأراضي الجزيرة العربية باستثناء الحجاز، وحين أصبح عبد العزيز سلطاناً لنجد وملحقاتها أثبت وجوده قوة جديدة في المنطقة، سرعان ما وجدت  اهتمام واعتراف القوى العظمى عبر الاتفاقيات التي وقعتها معه، والتي كان عبد العزيز يهدف من ورائها إلى انتزاع الاعتراف به وبحدود دولته وتأمين وحدتها، وهو ما نجح فيه.

وضع الملك عبد العزيز  أسساً راسخة لدولة حديثة، ينبني عليها التطور الطبيعي الذي يأتي بعده، وقد بلغت أجهزة دولته رقياً يتماشى مع متطلبات العصر، ونجد أن الملك عبد العزيز   رغم غياب أنظمة دستورية في العالم العربي في تلك الفترة، باستثناء الدستور المصري لعام 1922م ليتخذها مرجعاً في بناء مؤسسات دولته، ورغم تجربة الملك عبدالعزيز التي انحصرت في واقعه المحيط به قد استطاع بعبقريته إنشاء مؤسسات للدولة  لا تقل في طبيعة بنائها عن الأجهزة الموجودة في الدول المتقدمة، إذ توصل لنظام يفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، وقد كان لمجلس الشورى– المسؤول عن إصدار التشريعات بالبلاد– دوراً استشارياً يشابه إلى حد كبير المجالس الاستشارية و البرلمانية الموجودة في الدول المتقدمة.

وعند دخول الحجاز أكد الملك عبد العزيز على وحدة أراضي دولته، فكانت "التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية" دستوراً بالمعنى المعاصر، تخضع له أجزاء الدولة الفتية، مؤكداً على أن "المملكة مرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة ولا الانفصال بوجه من الوجوه"، كما جاء في نص هذه التعليمات.

وكان تجاوب عبد العزيز مع مستجدات عصره ومع الأوضاع الجديدة سريعاً؛ فحين دخل الحجاز استفاد من التجربة المتقدمة نسبياً، وجعل من بعض أوجهها أساساً ترتكز عليه النهضة الحضارية في البلاد، كاستفادته من الهيكل التعليمي الذي كان موجوداً بالحجاز، فعمل على تطويره ليمتد على مستوى بقية أجزاء المملكة، واستفاد من تجارب العالم حوله على الصعيد العلمي والاقتصادي والسياسي، فتطورت بلاده اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وعزز مكانتها في العالم وأكدّ على مهمتها في العالمين العربي والإسلامي.

وقد كان توحيد المملكة وربط أجزائها و وضعها تحت دولة موحدة هو نفسه فكرة متقدمة، إذ لم يكتف عبد العزيز بتبعية المناطق التي فتحها، وإنما جعل منها كياناً موحداً يخضع للمؤسسات والأجهزة التي وضعها، أدى هذا الهيكل المتماسك إلى وضع أسس الاستقرار، واستفاد منه الشعب السعودي في تحقيق نضجه السياسي، وعلى هديه سار أبناؤه، الذين تولوا الحكم من بعده، في طريق استكمال مسيرة البناء، مواكبة لتطور عالمنا، وتضمن للمملكة مكانتها على الصعيدين العربي والإسلامي وعلى الساحة الدولية.

وحين رحل عبدالعزيز لم تكن الجزيرة العربية شتاتاً من القبائل، ولا إمارات منقسمة ومتحاربة، وإنما دولة معاصرة تدين ببنيتها لهذا الرجل العبقري الفذ السابق لأوانــه.

 

 

 

الهـوامـش

 

 (1) أمين الريحاني: تاريخ نجد الحديث،دار الجيل،بيروت، ص46

(2) المصدر السابق، ص71 .

(3) خيرالدين الزركلي: شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيزـ الجزء الأول، ص61دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، 1985م.

(4) المصدر السابق، ص64.

(5) المصدر نفسه، ص 152.

(6) المصدر نفسه ص 275ـ276 .

(7) الحارثي، سعد العرابي: الملك عبد العزيزـ رؤية عالمية، ص363ـ364دار القمم للإعلام، الرياض، الطبعة الأولى،1415هـ/ م1944م.

(8) الريحاني، المصدر السابق، ص264، والزركلي، المصدر السابق، ص181، نقلاً  عن الريحاني.

(9) الزركلي، المصدر السابق، ص204.

(10) المصدر السابق، ص285، نقلاً عن مخطوطة خالد الفرج.

(11) المصدر السابق، ص344.

(12) المصدر السابق ص216

(13) المصدر السابق ص220.

(14) المصدر السابق، ص217 .

(15) المصدر نفسه ص 570.

(16) المصدر السابق ص369

(17) العثيمين، عبد الله صالح، تاريخ المملكة العربية السعودية، 2/338 عهد الملك عبد العزيز، مكتبة العبيكان، الطبعة الثالثة، 1418هـ/1997م.

(18) المصدر نفسه ص339.

(20)     المصدر نفسه ص339ـ340 .

(20) المصدر نفسه ص304ـ305 .

(21) التويجري، عبد العزيز بن عبد المحسن، لسراة الليل هتف الصباح، الملك عبد   العزيز ـ دراسة وثائقية، ص 614رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 1997م.

(22) بنوا ميشــــان، جاك، فيصل ملك الجزيرة العربية، ص 14منشورات ألبان ميشيل، باريس، 1975م.

(23) الزركلي، المصدر السابق، ص 217.

(24) بنوا ميشان، المصدر السابق، ص 17.

(25) الزركلي، المصدر السابق، ص340.

(26) المصدر نفسه، ص 535.

(27) المصدر نفسه، ص ص 602ـ603

(28) بنوا ميشان، المصدر السابق، ص 48، الزركلي ص 603

(29) بنوا ميشان، المصدر السابق، ص 48

(30) الزركلي، المصدر السابق، ص 603

(31) المصدر نفسه، ص51.

(32) خير الديــــن الزركلي، الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز، دار العلم للملايين، بيروت، 1991م، ص261.

(33) المصدر نفسه، ص269.

(34) المصدر نفسه، ص271.

(35) المصدر نفسه، ص278.

(36) الزركلي، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيزـ 1/450.

(37) العثيمين، المصدر السابق، ص 334

(38) المصدر السابق، ص344

(39) الزركلي، المصدر السابق، ص455.

(40) الموسوعة العالمية الفرنسية، الجزء الخاص بالملك عبد العزيز، تحت عنوان: عبدالعزيزالثالث، ابن سعود، ص 15ـ16.

(41) الزركلي، المصدر السابق، ص701.

(42) المصدر نفسه، ص 415.

(43) العثيمين، المصدر السابق، ص326ـ327.

(44) خيرالدين الزركلي، المصدر السابق، ص645.

(45) خير الدين الزركلي، الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز ص358.

 

 

المـراجـع

 

مراجع عربية :

§        التويجري، عبد العزيز بن عبد المحسن، لسراة الليل هتف الصباح، الملك عبد العزيزـ دراسة وثائقية، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 1997م.

§        الحارثي، سعد العرابي: الملك عبد العزيزـ رؤية عالمية، دار القمم للإعلام، الرياض الطبعة الأولى،1415هـ/ 1944م.

§        الريحاني، أمين، تاريخ نجد الحديث، دار الجيل، بيروت،(د.ت).

§        الزركلي، خيرالدين، شبه الجزيرة العربية في عهد  الملك عبد العزيز، الجزء الأول، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، أبريل 1985م.

§        الزركلي، خير الديـــن، الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيـــز، دار العلم للملايين، بيروت، 1991م.

§        العثيمين، عبد الله صالح، تاريخ المملكة العربية السعودية، الجزء الثاني، عهد الملك عبدالعزيز، ، مكتبة العبيكان، الطبعة الثالثة، 1418هـ/1997م.

 

مراجع أجنبية:

ـ بنوا ميشان،فيصل ملك الجزيرة العربية، منشورات ألبان ميشيل، باريس، 1975م

§         Benoit–Méchin, Jacques,Fayçal, Roi d’Arabie, Albin Michel, Paris, 1975.

ـ الموسوعة العالمية، المادة الخاصة بالملك عبد العزيز(عبدالعزيزالثالث، بن سعود) ص15ـ16

§         Encyclopédie Universalis, Paris, Article: ‘Abd al–’Aziz III ibn Sa’ûd, pp15–16.