مقدمــة :

تتناول هذه الورقة العلمية فترة دخول الملك عبدالعزيز الرياض في 5 شوال 1319هـ /1902م ، وهو التاريخ الذي بدأ منه انطلاقته لتوحيد البلاد، ولم يسجل التاريخ الحديث لفتى قام وهو مازال في سن العشرين أو أكثر بمحاولة توحيد الجزيرة العربية، وضم لوائها تحت رايته إلا الفتى عبدالعزيز، الذي لُقب فيما بعد بعاهل الجزيرة.

لقد استهل فتى العشرين حياته العسكرية بموقعة الرياض الأولى، وفي معركة الرياض الثانية والأخيرة سجل أعظم ملحمة لاسترداد الرياض قلب نجد.

إن النصر الذي أنعم الله به على عاهل الجزيرة وسيدها قد انتزعه من عوامل الهزيمة... لقد ذاق المرارة حين بًعدت الرياض عنه وابتعد عنها، فكانت هذه المرارة الحافز له أن يتحرك ، فانتزع النصر من مخالبها، واسترجع الرياض بالكم القليل، والكيف العظيم.

لقد كانت الرياض تقتفي خطواته، وتلازمه سحابة نهاره وليله، فهي النجم الذي يهتدي به، ويجذبه إلى اقتحام المخاطر، وهي الاسم الذي لن يتعب من ترديده.  لأن في ذلك سعادته الوحيدة، وهي الذكرى التي لا يستطيع الحياة بدونها، وهي الحب الذي لا يفتر ولا يقهر.

إن الرياض لديه لم تكن إلا رمزاً لجزيرة العرب، بحياتها الهائمة المضطربة وشعبها المعذب القلق، وقبائلها المتناحرة التي قضت ألف عام، وهي تغزو بعضها بعضاً... حتى غدا سفك الدماء نهجاً لها، وأساساً لحياتها.

كان عبدالعزيز يعلم أن الرياض وحدها لا تحميه، فلابد من التوسع، وكسب الأنصار، فاتجه إلى الجنوب فاستعاد الخرج والحريق والحوطة والأفلاج، وبلغ وادي الدواسر. وكانت كل هذه المناطق الواقعة جنوب الرياض من المناطق التي حملت لواء الدعوة السلفية، وبعدها ضم سدير والوشم والمحمل والقصيم، وخاض المعارك ضد العثمانيين ، حتى أجلاهم عن الجزيرة العربية ، ثم قضى على آل رشيد ، وهؤلاء كانوا شوكة في جنبه لم يسترح إلا بعد أن اقتلع تلك الشوكة التي كانت تـؤرقه.

لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يأتي دور هذا الملك في ظروف عالمية، مصالح الدول الكبرى فيها تتنافس على مناطق النفوذ... في قلب هذا الصراع الدولي، وجد بطلنا نفسه في ظروف سياسية، وقتالية قد تهدد دولته الناشئة ، وتهدد أمنه الذي أقامه خطوة خطوة، فقد تمكن بوعيه أن يجنب الدولة السعودية رياح الأخطار التي كان أعداء الدولة يسعون جاهدين لتمزيق وحدتها السياسية.

 

الظروف العامة في شبه الجزيرة العربية :

قبل أن نبدأ في استعراض تفاصيل موضوعنا، لابد لنا من وقفة نستعرض في عجالة الوضع العام في شبه الجزيرة العربية، ثم نعرج منه لذكر الأسباب التي أدت إلى انهيار الدولة السعودية الثانية، والتي استطاع الملك عبدالعزيز أن يستفيد من ملابساتها، ويجعل منها أسباباً لنجاح الدولة السعودية الثالثة.

واجهت شبه الجزيرة العربية تحديات خارجية وداخلية وقد تمثلت التحديات الخارجية في السيطرة الأوروبية الزاحفة والسيادة العثمانية الجاثمة على الأطراف ،  أما التحديات الداخلية فكانت أخطر وأعمق، ففي منطقة الحجاز عمت الفتن وكثر الاقتتال بين أشراف مكة المتنافسين على الإمارة فيها، مما ترتب عليه ضياع الأمن وفقدان الاستقرار([1]).

على أن الأخطر من ذلك كله، كان التدهور الفكري ، والبعد عن الدين الحق، حتى وصل الأمر إلى ما يشبه الوضع قبل الإسلام ، فأصبح الدينُ الحقُ نسياً منسياً، وعاد الناس يعتقدون في الشمس والقمر ، بل اعتقدوا في النبات والجماد ،  ولم تكن هذه حالة نجد أو شبه الجزيرة العربية وحدها، بل كانت أيضاً هي حالة العالم الإسلامي كله([2]).

كانت نجد منطلقاً لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث كان الوضع فيها متدهوراً للغاية ، فقد كان هذا الإقليم مقسماً إلى عدد من الإمارات الصغيرة ، بلغ عددها سبع إمارات ، ثم إمارات ومشيخات أخرى أصغر في غربها ، وكان لكل بلد استقلاله وأميره.  وكانت الإمارات في نفس الوقت لا تربطها رابطة سياسية، بل كان يسودها النفور والجفاء والمحاربة.

كانت دعوة الشيخ في جوهرها هي دعوة إلى التوحيد والوحدة في نفس الوقت، فأهل التوحيد موحدون، وأهل الشرك متفرقون.  إن أمة تعتنق عقيدة التوحيد، وتلتزم شريعة الإسلام لا يحل لها –بحال من الأحوال– أن تتفرق وتتشتت ،  ومن هنا فإن العزم على رد الأمة إلى العقيدة والشريعة هو عزم في الوقت نفسه على ردها للوحدة([3]).

في ذلك الوقت كان على رأس إحدى الإمارات (الدرعية) أمير عًرِف بسلامة عقيدته، فانحاز للتوحيد ، وصمم على نصرة الدعوة السلفية، فساند دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بعد أن ترك الشيخ العيينة مسقط رأسه، وتم التحالف بين الشيخ والأمير على نصرة الدين ، وإقامة شرع الله([4]).

كان التحالف بين محمد بن سعود أمير الدرعية سنة 1157هـ /1744م والشيخ محمد بن عبد الوهاب، المصلح الديني بداية لجهاد محمد بن سعود، ذلك الجهاد الذي مكَّنه من توسيع نفوذه في الجزيرة العربية، وقد ظلت الدولة التي أنشأها حتى قُضي عليها سنة 1233هـ/ 1818م، ثم عادت من جديد بزعامة تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود الذي ينحدر منه الإمام عبدالعزيز بن سعود مباشرة([5]).

وكان يوجد في وسط الجزيرة العربية أسرتان بارزتان ظهر فيهما قادة عظام ، إحداهما أسرة آل رشيد ومركزها مدينة حائل الواقعة في جبل شمر، والثانية أسرة آل سعود التي كان مقرها مدينة الرياض وكان لها تاريخ متميز عن غيرها بسبب تحالفها السابق الذي أشرنا إليه([6]).

بدأت أسرتا آل سعود وآل رشيد تتصارعان من أجل السيادة على وسط الجزيرة العربية، وكان تاريخ الأسرتين متداخلاً.  ففي سنة 1250هـ /1834م  عيّن فيصلُ بن تركي جدُّ الإمام عبدالعزيز بن سعود عبد الله بن علي بن رشيد أميراً على جبل شمر([7]).

وبـمرور الوقت كان موقف آل سعود يزداد صعوبة، فبعد معارك ناجحة تمكن محمد ابن رشيد سنة 1309هـ/1891م من الاستيلاء على الرياض التي كان يحكمها حينذاك عبدالرحمن بن فيصل ، وكان في إمكان عبد الرحمن هذا أن يبقى أميراً عليها تحت ظل   آل رشيد، لكنه فضل أن يعيش بعيداً عنها على تبعيته لهم ، وقد اصطحب معه إلى المنفى بعضاً من أتباعه وابنه عبدالعزيز الذي كان عمره حينئذ ستة عشر سنة وقد بلغت هزيمة آل سعود حداً جعل الكثيرين لا يأملون في احتمال ظهورهم من جديد.  وهكذا شاء الله سبحانه وتعالى  أن تنقلب الأوضاع، فيغدوا أحد عمال آل سعود سيداً على ما تبقى من دولة السعوديين([8]).

ظل محمد بن رشيد يحكم نجداً حتى وفاته سنة 1315هـ /1897م.  ولما توفي خلفه في الحكم ابن أخيه عبدالعزيز بن مِتعب، الذي لم يكن يتوقع أية متاعب من آل سعود، ولكن لسوء حظه فإن الشاب عبدالعزيز بن سعود، كان قد ترعرع وأصبح رجلاً يتصف بالشجاعة والسجايا التي كان يتصف بها أجداده، كما اتصف بصفات زعامة ملهمة استطاعت أن تبني مملكة ثابتة الأركان في هذه الصحراء، عزَّ على غيره أن يبني عليها مثلها.  فبعد تسع سنوات فقط تمكن هذا الأمير الشاب مـن أن ينتزع من ابن رشيد ملك آبائه وأجداده، وأصبح الطريق مفتوحاً أمام عبدالعزيز ليصبح أعظم ملك عرفته جزيرة العرب([9]).

 

نشأتــه :

ولد الإمام عبدالعزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود في الرياض فـي شهر ذي الحجة عام 1293هـ الموافق لشهر ديسمبر 1876م، في وقت كـانت الأهواء السياسية فيه تتقاذف بمقدرات آل سعود وحكمهم في نجد، وتجعل مـن الأخ عدواً، ومن الأصدقاء أضداداً وخصوماً([10]).

وقد شاهد عبدالعزيز اختلاف أعمامه، وما جره على نجد عموماً، وعلى آل سعود خصوصاً من ذلة واستكانة، ورأى محمد بن رشيد الظافر مستولياً على نجد، ومنتزعاً السلطة نهائياً من آل سعود، ورأى والده  الإمام عبد الرحمن وقد انسحب من ميدان هذه الفوضى السياسية والأخلاقية السائدة بين قومه، تاركاً نجداً وأهلها لحكم الظروف، ورآه في قَطَر ضيفاً غير مرغوب فيه، ورآه في الكويت وبين قبائل العرب الرُّحَّل باحثاً عن موطن يستقر فيه بأفراد أسرته، إلى أن استقر به الأمر أخيراً بالإقامة في الكويت (1309هـ / 1891م) حيث ظل بها مدة تقرب من عشر سنوات([11]).

كان عماد آل بيت الصباح آنذاك ثلاثة أخوة هم: محمد، مبارك، جـراح.  وكان الحاكم منهم بالكويت هو كبيرهم (محمد)، الذي نزل الأمام عبد الرحمن وولده           عبدالعزيز وأهلهم في ضيافته([12]).

وبعد فترة استمرت أكثر من عامين من تواجد آل سعود بالكويت تغير كل شيء، ذلك أن مبارك لم يعد يحتمل إذلال أخيه وإساءته له، فدفعه ذلك إلى أن يزحف هو وابن عمه وأحد رجاله إلى القصر، حيث تمكن من قتل أخويه، وإعلان نفسه حاكماً على الكويت([13]).  ولما كان الناس قد ضاقوا بحاكمهم السابق وبضرائبه الباهظة، التي لم يكن ينفق منها على المدينة شيئاً، لذلك فقد رحبوا بالحاكم الجديد([14]).

كانت أيام الشيخ مبارك مليئة بالمناورات والمحاورات، و كانت تنطبع مقدماتها ونتائجها في ذهن عبدالعزيز، كما اشترك في بعضها حين آنس فيه مبارك صفات الألمعي اللبق ، وقرّبِه منه، وأفسح له المجال لحضور مجالسه، والاستماع إلى أحاديثه مع ممثلي الحكومات الإنجليزية والروسية والألمانية والتركية([15]).

لقد تعلم عبدالعزيز من مبارك جملة من الأشياء الجديدة، أساليب في العمل والتفكير كانت مجهولة ، كفن الزعامة وأصول السياسة والدبلوماسية.  لقد اتصل برجال من كل المهن، ومن كل المصادر والاتجاهات: تجاراً ،ومضاربين ،ومستكشفين، وأصحاب معارف، وموظفين، ورجال سياسة ومغامرين، وأيضاً عملاء للدول الأجنبية.  فرنسيـين وإنجليز وألمان وروس.  ولقد أدهشه أن يكتشف أهمية العلاقات التي يعقدها مبارك وسعتها.  الذي كان له صداقات في كل عواصم العالم([16]).

ورغم كل ذلك فقد كان به حنين إلى بلده الرياض ذات الهواء النقي القـادم مباشرة من الصحراء([17]).

وفضلاً عن ذلك، فقد رأى عبدالعزيز النزاع المستمر بين أمراء العرب في شبه الجزيرة العربية، والتنافس الشديد بين الدولة العثمانية والإمبراطورية البريطانية لبسط النفوذ والتوسع على ساحل الخليج العربي.

وبين عشية وضحاها أصبحت الكويت ذات أهمية عالمية؛ إذ رأى قيصر ألمانيا أن بلاده قد ضاقت بمن فيها من السكان من الشباب ذوي الحيوية، وقد أصبح السبيل أمام ألمانيا هو أحد خيارين.  إما التوسع أو الانفجار.  وكان التوسع في نظر قيصر ألمانيا يعني الاتجاه شرقاً إلى الهند.  لكن الإنجليز كانوا قد سبقوا الألمان في سائر الطرق المؤدية إلى الـهند، ما عدا هذا الطريق الذي يمر عبر تركيا والعالم العربي، ومن ثم إلى الخليج العربي. لذا أعلن القيصر أنه صديق لخليفة المسلمين وحامياً للأمة العربية... وقرر أن ينشئ خطاً حديدياً جديداً يبدأ من اسطنبول، ويمر عبر حلب وبغداد، وينتهي في الكويت، بوابة الخليج العربي([18]).

هكذا صارت القوتان الكبيرتان في العالم آنذاك 1303هـ /1897م وجهاً لوجه على بوابة الكويت، ذلك أن الإنجليز كانوا مصممين على أن لا يكون للألمان موضع قدم في هذا الطريق، لكن مبارك انتهى به الأمر بالاتفاق مع الإنجليز،  لذا عندما بدأ الأتراك بالتحرش به كما أوعز لهم الألمان، وجدوا أن الإنجليز يقفون خلفـه فباءت خططهم بالفشل([19]).

جرب الأتراك طريقاً آخر عندما رأوا مبارك قد بزَّهم بالحنكة، فقد أدخلوا في روع ابن رشيد أن كل من يحكم أواسط الجزيرة لا بد أن يحكم الكويت.  ووعد الأتراك ابن رشيد بإمداده بالسلاح والمال في مقابل أن يوافق على مشروع الخط الحديدي، وزادوا في تحريضه بأن أفهموه أن مباركاً يحتفظ عنده بكثير من معارضيه، وفي مقدمتهم آل سعود، وأقنعوه بأن الإنجليز لا يمكن لهم أن يتدخلوا في نزاع بين طرفين من رعايا الأتراك،ولم يكن ابن رشيد بحاجة إلى مزيد من التحريض ،لذلك وافق على أن يقوم بدوره الذي رسم له وبدأ التحضير له.

 

وقعة الصريف ودخول الرياض :

قرر مبارك أن يضرب قبل أن يستعد له عبدالعزيز بن رشيد، ودعى حلفاءه كي يقوموا بالتزاماتهم.  وفي عام 1318هـ /1900م حشد جيشاً عظيماً يبلغ العشرة آلاف مقاتل، وسار على رأسهم يرافقه الإمام عبد الرحمن وابنه الشاب عبدالعزيز، وابناء عمومته، وأقاربه من آل سعود.  فلما وصل الجيش إلى "الشوكي" التي تقع على حافة الدهناء الغربية، رأى عبدالعزيز آل سعود أن قيادة الجيش لا تبعث الاطمئنان في النفوس في إدارتها، فعزم على عدم المجازفة، والمغامرة بنفسه، وبشباب آل سعود، واستأذن من مبارك بالذهاب إلى وسط نجد، علَّه يستطيع إفادته من تلك الناحية ضد ابن رشيد، ولما ألفى مبارك الخطة معقولة وافق عليها([20]).

توغل الشاب عبدالعزيز عميقاً داخل الصحراء، وكان يتحرك بسرعة فائقة مستثيراً القرى والقبائل في نجد، فهبوا سريعاً إلى مساندته وتدافعوا من أجل تعضيده،               حتى إذا وصل الرياض كانت قد تجمعت معه قوة كبيرة([21]) فدخل الرياض دون مقاومة لأن أهلها كانوا مستعدين لاستقبال أي فرد من آل سعود . وقد لجأ أمير ابن رشيد مع رجاله إلى قلعة المدينة حيث تم حصاره، وحين رأى عبدالعزيز أن الحصار قد يطول قرر حفر نفق تحت القلعة، لكنه علم بعد ثلاثة أيام بهزيمة الشيخ مبارك وابنه عند قرية (الصريف).  فدعا كبار أهل الرياض، وأخبرهم أنه ذاهب ليجمع أعواناً من القبائل المجاورة ثم يعود إليهم، وكان ذلك مجرد حجة لمغادرة المدينة([22])، فليس من الحكمة أن يتعرض لمقاومة قوى ابن الرشيد المنتشية بخمرة النصر، وعاد إلى الكويت([23]).

 

نتائج معركة الصريف وأثرها في استرجاع الرياض مرة أخرى :

لقد لاحظ الأمير عبدالعزيز آل سعود بعد معركة الصريف أن مكانته تتضاءل بسرعة لا في الكويت وحدها، وإنما في نجد أيضاً، ولكي يحقق آل سعود أي انتصار على ابن الرشيد كان عليهم أن يحصلوا على مساعدة القبائل التي تعيش في المناطق الخاضعة لحكمه،  ولكن عبدالعزيز كان يعتقد أن هذا الأمر لن يتحقق في زمن قصير، وكان يدرك أن أحسن وسيلة لاستعادة مكانته هي أن يقوم بهجوم مفاجئ وجرئ – داخل أراضي ابن رشيد– يثير به إعجاب رجال القبائل، ويمكنه من كسب الأتباع الذين كان يحتاج إليهم، ولذا فقد قرر استعادة الرياض رغم أن ذلك قد بدأ – وقتذاك–  فكرة انتحارية([24]).

لقد أدرك ابن سعود تماماً أن الدولة لا تنجح في حال قيامها خارج حدود الوطن، إلا إذا كانت تعتمد على قوة منظمة مقاتلة داخلية،  لذا كان على الأمير الشاب أن يحتل قلب الدولة، ليباشر تنفيذ جميع مخططاته الأخرى التي رسمها من قبل([25]).

أتيح لابن سعود أثناء معركة الرياض الأولى أن يدرس مناطق الرياض ومحيطها ومداخلها،  وقد أعطته تجربة الحصار الذي دام أربعة أشهر ولم يتأثر ذلك الحصن، فعرف أن عليه – قبل كل شيء – الاستيلاء على الحصن الذي سيتم بواسطته استعادة مدينة الرياض، وبدون الحصن فلن يتمكن من الرياض أبداً.

وفضلاً عن ذلك فقد أتاحت له هذه التجربة أن يتعرف على طرق السير التي تجنبه العيون والأرصاد الذين ينقلون أخباره لابن رشيد، كما درس حالة البؤس التي كانت تخيّم على مدينة الرياض، وعرف قوة الخصم الذي يعتمد عليه عامل ابن رشيد وهو"عجلان بن محمدالعجلان" كما تعرف على سكان البيوت المحيطة بالقصر، وهم من أتباع آل سعود مما كان له الأثر الكبير في مساعدته عند محاولته الثانية لاستعادة  الرياض([26]).

 

الطريق إلى الرياض :

لم تطل إقامة عبدالعزيز في الكويت هذه المرة، وقد ذاق حلاوة الظفر في الرياض قبل شهور.  فأطْلَعَ والده على تصميمه ليعود إلى الرياض.

كان اختيار مدينة الرياض مهماً لأنها كانت مقر حكم آل سعود، وكان لا يزال يوجد في منطقتها تأييد كبير لعبد الرحمن بن فيصل والد عبدالعزيز،  لكنه عارضه في هذا الأمر، إلا أنه أمام رغبة ولده وافق متململاً، وهرع إلى مبارك الصباح يسأله تسهيل الأمر، ولم يكن هناك أحب لمبارك الصباح من هذا العرض.

وفي الهزيع الأول من تلك الليلة، كان عبدالعزيز يملك أربعين ذلولاً، وثلاثين بندقية، ومائتي ريال معونة من مبارك،  وأسرع إلى توديع أبيه، وطلب رضاه.

قال عبد الرحمن لابنه: " ترى يا عبدالعزيز ليس لي قصد في أن أقف في سبيل إقدامك، ولكن كما ترى، موقفنا وحالنا يقتضيان باستعمال الحكمة في إدارة أمرنا، أما وقد عزمنا.  فاسأل الله لك العون والظفر " .

مضى عبدالعزيز في أربعين راكباً من آل سعود والموالين لهم،  ونحو العشرين من أتباعهم، ولحق بهم بعض طلاب (الكسب) من العجمان وغيرهم حتى قارب عدد الملتفين حولـه ألف راكب ذلول ،وأربعمائة خيال، اجتاز بهم الصمان والدهناء، وأغار على بيوت لقحطان من أعوان ابن رشيد فغنم، وعاد إلى أطراف الاحساء وفيها متصرف من العثمانيين فتموَّن، وقصد جماعة آخرين من قحطان في (عشيرة) من جهات سدير فربح، وهاجم فريقاً من (مطير) فساق بعض مواشيهم أمامه، وتسامع البدو بخبر الغزو فتسارعوا يتبعون الظافر على عادتهم([27]).

انتاب ابن رشيد القلق فكتب إلى حكومة البصرة يذكر استفحال أمر ابن سعود، ويقترح طرده من نواحي الإحساء ففعلت، ومنعته أن يتموَّن هو ومن معه منها، وأقبل الشتاء فتفرق من صحبه من البدو، بعضهم يطلب المرعى لمواشيه، وبعضهم لا يريد أن يتعرض لسخط الدولة.

وكان ابن رشيد يستنجد بالأتراك لاحتلال الكويت ويحرضهم على آل سعود.  فقطعت الدولة (المعاش) الذي كانت تعطيه للإمام عبد الرحمن، كما سدت أبواب الأحساء في وجه عبدالعزيز.

وكتب الإمام عبد الرحمن، مشتركاً مع الشيخ مبارك إلى عبدالعزيز يدعوانه إلى الكفِّ عما هو فيه، ويحذرانه العواقب ويسألانه الرجوع إلى الكويت؛ فقرأ وهو في واحة (يبرين)([28]) على صحبه كتاب أبيه، ثم قال:" لا أزيدكم علماً بما نحن فيه،  وهذا كتاب والدي يدعونا للعودة إلى الكويت، قرأته عليكم، ومبارك ينصحنا بالعودة، أنتم أحرار فيما تختارونه لأنفسكم، أما أنا فلن أعرِّض نفسي لأن أكون موضع السخرية في أزقة الكويت، ومن أراد الراحة ولقاء أهله، والنوم، والشبع فإلى يساري ... إلى يساري وتواثب الأربعون، بل الستون إلى يمينه وأدركتهم عزَّة الأنفة، فاستلُّوا سيوفهم، وصاحوا مقسمين على أن يصحبوه إلى النهاية،  والتفت عبدالعزيز إلى رسول والده، وهو حاضر يشهد وقال له : " سلِّم على الإمام ، وخبره بما رأيت، واسأله الدعاء لنا، وقل له:موعدنا إن شاء الله في الرياض"([29]).

توجه الأمير عبدالعزيز بقوته الصغيرة، ووجهته الأولى إلى شمال الربع الخالي، وكان ذلك الاختيار ناجماً عن عاملين:

الأول: هو تأمين حرية الاتصال بينه وبين السكان في جنوب الرياض التي تضم الخرج والأفلاج والحوطة ووادي الدواسر.  ولعدم سيطرة ابن الرشيد عليها لبعدها عن مدينة حائل مركز الإمارة، ولرسوخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نفوسهم، واستعدادهم لشد أزره ومناصرته، حالما يفصح لهم عن خبيئة نواياه.

الثاني: هو واقع الربع الخالي الصحراوي، الذي يشكل منطقة أمان لعبدالعزيز، ودفع خطر أية قوى يمكن أن تهدده،  فبمجرد ظهور الخطر يمكنه الاحتماء داخل الصحراء ذات الزوابع العظيمة القادرة على محو آثار الأقدام الواضحة فيها بمجرد هبوب العاصفة، كما يمكن للمحتمي فيها أن يتزود بالماء الذي يحتاجه من واحة ( يبرين ) الشهيرة الواقعة في أطراف الربع الخالي الشمالية الغربية([30]).

تحرك عبدالعزيز من (يبرين) أو جوارها، على رأس رجاله الستين في العشرين من رمضان 1319هـ/ 30ديسمبر 1901م ووجهته الرياض.  وأدركه العيد في موضع يقال له (أبو جفان) على طريق الأحساء فعيَّد فيه.  ورحل منه ليلة الثالث من شوال فوصل إلى (ضلع الشقيب)على مسيرة ساعة ونصف بالرجال من الرياض، حيث حطَّ الرحال، وترك عند الركائب عشرين رجلاً وتقدم بالأربعين على أقدامهم وفيهم أخوه محمد وابناء عمه: عبد الله وفهد ابنا جلوي بن تركي([31]).

كانت الساعة الثالثة عربية – التاسعة ليلاً– فدخل ( نخلا) في شرقي الرياض واستبقى فيه ثلاثة وثلاثين ممن معه ، وجعل قيادتهم لأخيه محمد([32])،  وقال لهم:" لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا لم يصلكم رسول منا غداً، فأسرعوا بالنجاة، واعلموا بأننا قد استشهدنا في سبيل الله ". وكان معنى هذا أن عبدالعزيز قرر أن يستخدم أسلوب حرب التحرير الخاطفة، وأن يكون قتاله في الرياض فاصلاً... إما الشهادة وإما تخليص البلاد من الظلام الذي كانت تعيش فيه([33]).

اقتحام سور القصر :

مضى عبدالعزيز بالسبعة قدماً، وكان أول همَّه أن يقتحم قصر المسمك (ويقال له: المصمك)، وهو المعقل الذي اعتصمت به حامية ابن رشيد في العام الماضي.  وفيه كان يقيم أمير الرياض من قِبَل آل رشيد، واسمه :(عجلان بن محمد العجلان)، وكانت هناك بيوت تقارب جدار القصر الخارجي، يسكن أحدها فلاح يتجر بالبقر، اسمه (جويسر) يعرفه  عبدالعزيز، فطرق بابه ؛ فصاحت امرأة من داخله: من؟ فأجابها : أنا ابن مطرف،  أرسلني الأمير عجلان لأطلب من جويسر أن يشتري له بقرتين،  ونهض جويسر ففتح الباب، ووضع عبدالعزيز رجله داخل البيت، فأمسك بالرجل، وقال: إذا تكلمت قتلتك في الحال، ودخل البيت،  وكان على عبدالعزيز أن يجتاز بيتاً آخر ليصل إلى منزل تقيم فيه إحدى زوجات عجلان، ويبيت عجلان عندها أحياناً،  وقد تنشب المعركة؛ فأرسل إلى أخيه (محمد) أن يأتي بمن معه؛  فدخلوا متسللين([34]).

تقدم عبدالعزيز برفاقه الأُول، فاقتحموا المنزل وطافوا بغُرَفِهِ فوجدوا في إحداها شخصين نائمين في فراش واحد، لم يشك عبدالعزيز في أنهما عجلان وزوجته.  فأقبل عليهما، وقد أصلى بندقيته، وإلى جانبه أحد رجاله يحمل شمعة، فرفع الغطاء فإذا هما امرأتان فأيقظهما فاستويتا جالستين دون أن يعتريهما خوف أو هلع.  وكانت إحداهما زوجة عجلان.

وعند الساعة الثانية بعد منتصف الليل تجمع الأربعون حول عبدالعزيز في المنزل، فأكلوا شيئاً من التمر وجدوه هناك، ثم ناموا كأنهم في بيوتهم،  وعندما طلع الفجر نهض عبدالعزيز وصلَّى بهم، وجلس يسبِّح ويبتهل([35])،  والتفت إلى رفاقه بعد ذلك يتحدث إليهم حتى طلعت شمس ذلك اليوم (5 شوال 1319هـ/ 15/1/1902م ) فأخبرته زوجة ابن عجلان أن من عادة عجلان أن ينام ليلاً في القلعة، التي كانت بطبيعة الحال موصدة الأبواب كثيفة الحراسة،  وبعد صلاة فجر كل يوم يخرج من القلعة عن طريق بوابتها الرئيسية، ويدخل بيتاً مقابلاً لها تماماً، كان يمتلكه وتسكنه إحدى زوجاته،  وكان من الواضح أن تلك اللحظة هي أنسب وقت لمداهمة عجلان؛  ومن هنا قرر الأمير أن يضرب ضربته خلالها([36]).

تسلل عبدالعزيز ورجاله دون أن يراه أحد عبر الشوارع الصامتة ، ودخلوا بيتاً خالياً قرب بيت زوجة عجلان.  ثم صعدوا إلى سطحه، وقفز من سطح إلى آخر حتى وصلوا إلى بيت الزوجة المذكورة ، وبهدوء تام دخلوا غرفتها وقد تعثر أحدهم فأيقظها.  لكن قبل أن تتفوَّه بأية كلمة، وضع عبدالعزيز يده على فمها وهمس إليها أن تصمت وأخبرها أن حياتها ستكون آمنة إن هي لزمت الصمت والهدوء،  وحينئذ أخذ هو ورجاله يشربون من قهوة عجلان وظلوا ينتظرون بزوغ الفجر وظهور عدوُّهم من القلعة،  وكان بناء البوابة الرئيسية للقلعة بناء تقليدياً،  إذ كانت كبيرة بحيث تكفي أن يمر عبرها عدد كبير من الرجال والإبل،وفي وسطها خوخة تحت الحراسة الدائمة،  وكانت هذه الخوخة مصممة على أساس أن لا يمر عبرها الإنسان إلا إذا أحنى رأسه مما يتيح للحارس أن يتغلب عليه دون صعوبة إذا اتضح أنه غير مرغوب فيه ، ولم يكن هناك سوى بضع ياردات بين تلك البوابة وبين عجلان([37]).

 

ترقب عبدالعزيز خروج عجلان وكان قد خطط أن يهجم عليه بعد دخوله إلى منزله، لكن منظر عدوُّه وهو على بعد خطوات قليلة منه كان فوق ما يستطيع احتماله، وبصيحة عنيفة من صيحات الحرب، فتح الباب، وانقض على عجلان بهجوم مفاجئ،  ومع أن عجلان أخذ على حين غرَّة، إلا انه استطاع أن يدافع عن نفسه لمدة مكنَّته أن يتقهقر إلى بوابة القلعة، وبينما كان يهم بدخولها عبر الباب الصغير أمسك به عبدالعزيز، لكن عجلان استطاع أن يفلت من قبضته ويلقي بنفسه داخل القلعة حتى وصل إلى مسجدها، وعبدالعزيز ورجاله يطاردونه دون هوادة وكان أن قتل داخل المسجد بسيف ابن عم عبدالعزيز عبد الله بن جلوي، وقد تمَّ ذلك كله في 5 شوال 1319هـ/ 15 يناير 1902م([38]).

أما رجال الحامية فقد شلتهم المفاجأة عن أية حركة، وكانوا قد فقدوا معنوياتهم تماماً نتيجة لصدمة الهجوم وموت قائدهم، وظنوا أن عبدالعزيز قد غزا المدينة بقوة كبيرة،  وقبل أن يكون لديهم من الوقت ما يكفي للتفكير في القيام بأي عمل مُضاد، انطلق عبدالعزيز بشجاعة إلى وسط الباحة، وأعلن نفسه لهم قائلاً: " لا معنى للمقاومة الآن بعد موت عجلان، ثم وعدهم بالإبقاء على حياتهم إذا استسلموا؛ فألقى رجال الحامية سلاحهم فوراً ، ووضعوا في زنزاناتهم، وفي لحظة صعد أحد رجال عبدالعزيز إلى أعلى برج في القلعة وأعلن في المدينة أن : " الحكم لله ثم لعبدالعزيز بن سعـــود، أنتم في أمان وضمان"([39]) وهكذا بعــــد عشــــر سنــــوات (1309–1319هـ)/ (1891–1901م)  من رحيله من الرياض استعاد الأمير عبدالعزيز عاصمته من ابن رشيد، وبقي عليه أن يفوز ببلاده كلها، وهكذا نقل عبدالعزيز القتال داخل المدينة، دون أن يشعر به وبمن معه أحد ثم أجرى القتال في المسافة ما بين قصر عجلان وباب الحصن، وبعد اقتحامه الحصن دخل الرياض لأول وآخر مرة([40]).

هكذا تحولت الأسطورة إلى حقيقة، واستردت الأسرة السعودية بسيفها وإيمانها حكمها على الرياض عندما غزا عبدالعزيز الرياض وحررها مع صحبه، كان ابن رشيد يعسكر في حفر الباطن ويستعد للهجوم على الكويت، فلما بلغه الخبر حَقَّره وتكَبَّر، وقال:"خله يتحصن، ويسوي كل ما عنده، وأنا أجيه" ولم يقل إن شاء الله ([41]).

كان من المتوقع أن يرد ابن رشيد فوراً على دخول عبدالعزيز الرياض بإرسال حملة انتقامية لاسترداد تلك المدينة،  فقد كان الإمام عبدالعزيز قليل الأتباع.  وكانت استحكامات الرياض التي يسَّرت له دخولها بسبب تهدُّمها لا تزال غير مهيأة لمقاومة حصار قوة كبيرة، لكنه بدلاً من أن يأخذ ذلك الأمر مأخذ الجد كان أشد كبرياء من أن يعتبره منافساً ذا شأن، فلم يزحف إلى الجنوب لمعاقبته إلا في خريف عام 1319هـ/1902م مما أعطى للإمام عبدالعزيز مهلة كافية، كانت مدتها تسعة أشهر تمكن خلالها من تثبيت مواقعه([42])،  وذلك بوضع خطة كي لا تسقط الرياض في يد ابن رشيد مرة أخرى، فبدأ العمل كي تصمد الرياض أمام الحصار، وقام الجميع بمساعدته في هذا العمل، فقد كسر السور في مواقع عدة وأحكم بناءه تحسباً للهجوم في أي وقت([43]).  وأقام أبراج الاستطلاع والفتحات التي يستخدم منها السلاح، ثم بدأ أهل الرياض يخزنون المؤن، ويخرجون الذخيرة التي كانوا يخفونها أيام حكم ابن رشيد.

هكذا قرر الإمام عبدالعزيز ألا يدخل نفسه في شَرَك، ولا أن يكون أسيراً في مدينة محصَّنة تحاصره قوة أكبر، لذا عمل بكل طاقته كي تصمد الرياض أمام الحصار على أن يكون هو خارج الأسوار في الصحراء قادراً على الحركة السريعة([44]).

طلب عبدالعزيز من والده المقيم بالكويت أن يعود إلى الرياض بعد أن أطلعه على أخبار نجاحه، فهو لا يأتمن أحداً غيره للدفاع عن المدينة، وتقدم الإمام عبد الرحمن إلى الرياض في حذر شديد لأن الصحاري كانت ملأى بعيون ابن رشيد، لذا اتبع الإمام عبدالرحمن طرقاً غير مطروقة عبر صحراء الدهناء كي يصل أخيراً وبعد مشقة إلى الرياض([45])، فقدمها وهو محفوف بالمهابة، قرير العين بمشاهدتها بعد غياب عنها بلغ نحو أحد عشر عاماً (1309–1320هـ)/(1891–1902م).

وحين بدأ ابن رشيد تحركه من حائل إلى الجنوب في حملة انتقامية كان عبدالعزيز قد أعاد سيطرة أسرته على أجزاء كبيرة من المناطق الممتدة من الرياض حتى حدود الربع الخالي، وأصبح على درجة من القوة تمكِّنه من مجابهة عدوه الكبير مجابهة النَّد للنَّد([46]).

 

ما هي المناطق التي أعاد الملك عبدالعزيز سيطرة أسرته عليها :

أ – ضم الخرج والأفلاج والحوطة ووادي الدواسر :

كان عبدالعزيز يعلم أن الرياض وحدها لا تحميه، فلا بُدّ من التوسُّع وكسب الأنصار.  فاتجه إلى الجنوب حيث يجمع هدفين في وقت واحد: ضم بلاد إلى الرياض، ولا يتحرش بابن رشيد، فضم الخرج وهي تبعد عن الرياض حوالي 80 كم جنوباً وفيها الكلأ والماء، وكانت من معاقل آل سعود فيما تقدم من الزمن القريب،  وضم الحريق، والحوطة، والأفلاج، وبلغ وادي الدواسر على حدود الربع الخالي، وهذه المناطق الواقعة جنوب الرياض كانت من أولى المناطق التي حملت لواء الدعوة السلفية([47]).

وبعد أن سيطر عبدالعزيز على الخرج، والأفلاج، والحوطة، ووادي الدواسر جاء ابن رشيد فوقع في شَرَكٍ نصبه له عبدالعزيز، بانسحابه من الرياض تاركاً فيها والده الإمام عبد الرحمن، بعد أن أشيع أن ابن سعود اختلف مع والده الإمام عبدالرحمن، وأنه غادر الرياض إلى الجهات الجنوبية، فإن هجم ابن رشيد على الرياض صمد له فيها الإمام عبدالرحمن وأهلها إلى أن تصل الإمدادات من الجنوب، وإن تركها واتجه الجنوب وقع في شَرَك آخر كان منصوباً له، لكن ابن رشيد ترك الرياض ولم يهاجمها وتوجه إلى الجنوب فحصلت المواجهة في نخيل بلدة "الدلم" عاصمة الخرج،  وكانت شديدة الوطأة على ابن رشيد وجماعته، فرحل عن الدلم وقصد السلمية في الجنوب، لكنه أُخِرْجَ منها أيضاً، ثم رحل إلى الشمال تاركاً بلدان الجنوب لخصمه ابن سعود([48]).

ب– ضم سدير والوشم والمحمل والقصيم :

ما أن وصل ابن رشيد إلى حائل حتى جمع قوة جديدة، واتجه بها إلى الكويت، وهناك دعا مبارك ابن سعود لنجدته، فما كان من ابن سعود إلا أن توجه بجيشه نحو الكويت، وكان ذلك ما يريده ابن رشيد الذي ما أن رأى ابن سعود يتجه شمالاً حتى عرج جنوباً إلى الرياض، ولكن الإمام عبد الرحمن كان مستعداً فأوقفه عند السور.  وبـمجرد أن وصلت الأخبار لابن سعود لم يفكر في الإسراع إلى الرياض، بل اتجه غرباً عبر خطوط ابن رشيد غازياً القرى التي على الطريق([49])، ورغم تفرق رجال ابن رشيد وعودتهم إلى بلادهم (حائل) لم يتوقف ابن سعود ، بل استطاع أن يجلي رجال ابن رشيد من شقرا، وثرمداء وثادق ([50]).

ثم تعاقبت الحوادث بسرعة، فانسحب ابن رشيد من الوشم، وسدير والمحمل نهائياً، وضمها ابن سعود ما عدا بلدة المجمعة بالقرب من الزلفي.

وفي أواخر شهر ذي الحجة عام 1321هـ/ 1904م عزم ابن سعود على استخلاص القصيم، وسار من الرياض بقوة كبيرة، ووصل إلى مكان بالقرب من عنيزة حيث كان بها سرية لابن رشيد بقيادة قائد من السبهان، فضمها ابن سعود وأمَّر عليها آل سليم، وظلت عنيزة وظل آل سليم مخلصين لابن سعود منذ ذلك اليوم([51])، وفي هذه الوقعة انهزم ماجد بن رشيد وقتل فهيد السبهان، وأسر ابن سعود ابناء عمه أحفاد الإمام سعــود بن فيصل الذين كانوا في حائل، وخلَّصهم من القتل، وتم ضم عنيزة سنة 1321هـ/ 1904م وضم بريدة عاصمة القصيم في 15 ربيع أول، وأصبح القصيم كله تابعاً لابن سعود([52]).  فإقليم القصيم هو البوابة الرئيسية إلى قاعدة الحكم في نجد، علاوة على مساحته الواسعة، ومياهه الغزيرة، وأراضيه الزراعية، وسكانه الكثيرون نسبياً الناشطون زراعياً وتجارياً، وكان لموقعه أهميـة كبيرة في تاريخ الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، واستمرت تلك الأهمية في الدولة السعودية الثالثة([53]).

 

الأتراك يدخلون الصراع الدائر في شبه الجزيرة :

لم تثر استعادة عبدالعزيز للرياض وبلاد نجد الجنوبية اهتمام الدولة العثمـانية مثل ما أثار ضم عبدالعزيز القصيم، وامتداد سلطانه، وتعاظم شأنه كوامن القلق فيها هي ومبارك.  لذا نرى الأخير يلجأ إلى الحيلة والوقيعة، بينما عضدت الدولة العثمانية ابن رشيد خصم عبدالعزيز آل سعود فشدت أزره بالمال والجند والذخيرة، وأمدته بقوة عسكرية مشت من السماوة ووصلت إلى القصيم مع ابن رشيد أواخر ربيع الأول عام 1322هـ/1904م، فالتقت بالقوات السعودية في البكيرية بالقرب من بريدة، وحصلت بين الجانبين ملحمة كبيرة، قتل فيها أكثر من ألف من جنود الدولة، ومثل ذلك من أتباع الإمام عبدالعزيز آل سعود، وعدد كبير من أتباع ابن رشيد، وحصلت في البكيرية واقعة أخرى بعد ذلك ببرهة قصيرة بين الجانبين كان النصر فيها لجانب عبدالعزيز آل سعود، فضم البكيرية وطارد قوات شمر والدولة العثمانية إلى الخبرا، ومنها إلى الرس([54]).  وظلت المناوشات بين الفريقين مدة أربعة أشهر إلى أن حصلت معركة كبيرة في الشنانة([55])، كُسِرت فيها قوات ابن رشيد والدولة العثمانية في 18رجب 1322هـ/1904م، وغنمت فيها القوات السعودية غنائم عظيمة([56]).

لم يكن في وسع الأتراك أن يسكتوا عن مثل هذا الإذلال؛ فكارثة الشنانة قد حطمت سلطانهم في شبه الجزيرة العربية كلها، فوجه السلطان عبد الحميد الثاني لوماً شديداً إلى حاكم بغداد على أنه لم يقدِّر قوة الخصم حق قدرها، وأمره في هذه المرة بالعودة إلى القتال على أن يجند الكثير من الفرق([57]).

أسرع الإمام عبدالعزيز بعد انتصاره للاتصال بوالي البصرة العثماني معرباً عن حسن نواياه تجاه الدولة العثمانية؛ محاولة منه لتفادي إرسال قوات جديدة ضده، ولقد كانت الدولة العثمانية مهيأة للاتصال به([58]).

استعظمت الدولة شأن ابن سعود بعد أن رأت هزيمتها أمام قواته، وشرعت في مفاوضته لحل المشكلة بينه وبين ابن رشيد سلماً، وقد اقترح والي البصرة فخري باشا على الإمام عبد الرحمن حينما اجتمعا للمفاوضة بقرب الزبير أن تجعل القصيم منطقة محايدة بين ابن سعود وابن رشيد وأن تكون فيها حامية للدولة، ويكون ابن سعود قائمقام عليها لكن الاقتراح رُفِض من جانب الإمام والنجديين إلا بعضاً من آل مهنا في بريدة([59]).

قررت الدولة العثمانية إزاء ذلك تنفيذ خطتها مهما كلفها ذلك الأمر، فأنفذت قوة كبيرة بقيادة المشير أحمد فيضي باشا، عن طريق العراق، وأردفتها بقوة أخرى من المدينة المنورة بقيادة صدقي باشا.

تقدم أحمد فيضي بعساكره يريد النزول في "بريدة"  فمنعه أهلها من دخولها.  وكتبوا إلى عبدالعزيز وكان في "العمار" على نحو 25 ميلاً من بريدة إلى الجنوب، يخبرونه ويستشيرونه في مهاجمة فيضي باشا،  وتلقى عبدالعزيز رسولهم بينما كان عنده رسول آخر من فيضي باشا نفسه يقول: " إننا لم نأت لتحقيق مقاصد ابن رشيد وإنما جئنا للسلم، ويرغب في أن يقابل والده عبد الرحمن في عنيزة "،  فأجابه عبدالعزيز بالقبول، وأجاب أهل بريدة بأن يتمهلوا إلى ما بعد المفاوضة.  وكتب إلى والده في (شقرا) قاعدة الوشم - يخبره ويرجوه الركوب إلى عنيزة([60]).

اجتمع الإمام عبد الرحمن بفيضي باشا في عنيزة فكان البحث في الصلح بين ابن سعود وابن رشيد، واقترح فيضي باشا أن يكون للدولة مركزان عسكريان مؤقتان في بريدة، وعنيزة، إلى أن يتم الصلح، وبينما المفاوضات كانت تجري وعبدالعزيز على اتصال بأبيه في كل خطوة منها تلقى فيضي باشا برقية من الأستانة تأمره بالسفر في الحال إلى صنعاء لمعالجة ثورة الإمام يحيى حميد الدين؛ فعهد إلى صدقي باشا بإتمام المفاوضات وودع عبد الرحمن معتذراً ورحل، وكان ذلك في 1323هـ/(1905م) وترك إقليم القصيم ومشاكله لصدقي باشا، وتولى هذا قيادة القوات العثمانية وهي في تلك الحال المحزنة([61]).

صمت صدقي باشا، وجاراه عبد الرحمن في صمته، ثم انتقل الباشا بعسكره إلى (الشيحية) بين بريدة وحائل، وأقام لا يحرك ساكناً، وفي نفس الوقت أقام عبدالعزيز بن متعب الرشيد بعد معركة الشنانة في قرية تسمى "الكهفه" من قرى حائل يلم شعثه، ويكاتب الترك، ويراقب ما يصنع ابن سعود، ورأى من مبارك الصباح ميلاً إلى الصلح فانعقد بينهما، وعلم بانقطاع المفاوضات بين الإمام عبد الرحمن وفيضي باشا ثم صدقي باشا، وبلغه أن ابن سعود توجه إلى (قطر) لمساعدة حاكمها الشيخ قاسم بن ثاني على قمع ثورة داخلية نشبت في بلاده([62]). فانتهز ابن رشيد فرصة غياب عبدالعزيز، وأسرع إلى القصيم فكانت بينه وبين حامية ابن سعود وأنصاره فيها مناوشات ومعارك.

عاد عبدالعزيز من قطر ماراً بالأحساء وواصل سيره إلى الرياض وأخبار ابن رشيد في القصيم تتعاقب عليه، لذا زحف إلى القصيم لصد ابن رشيد عنها([63]).

وكان ابن رشيد قد نزل في (روضة مهنا) بالقرب من بريدة، وكان متعباً هو ورجاله بسبب غارة عادوا منها، فاقترب الإمام عبدالعزيز من خيام ابن رشيد وقد بدأ الليل وكانت ليلة 18 صفر 1324 هـ/14/4/1906م فترجل ومن معه، وتركوا ركائبهم للرعاة، ومشوا متخففين ظناً بأن ابن رشيد قد قام، وآوى رجاله إلى الخيـام، غير أن كشافة ابن رشيد، رأت ابن سعود قبل وصوله فاستعدوا للقتال واشتبك رجال عبدالعزيز آل سعود برجال عبدالعزيز بن رشيد متعاركين في الظلام ضرباً بالسيوف وطعناً بالخناجر، ولكماً بالأيدي، ودفعاً بالأقدام([64]).

كان يحمل راية ابن رشيد رجل يسمى (الفريخ) فأبعده رجال ابن سعود من مكانه في المعركة، ورفعوا رايتهم مكان راية ابن رشيد، وظن ابن رشيد أن الفريخ ما زال حيث كان، فأقبل على مكانه، وهو لا يميز بين الرايتين من شدة العجاج وظلمة الليل وجعل يصيح ويقول: " من هان يالفريخ...من هان يالفريخ! " .

فعرف رجال ابن سعود الصوت فتصايحوا: " ابن رشيد! ابن رشيد " وكان بـارزاً على ظهر جواده، فانصبَّت عليه الطلقات فخرَّ صريعاً، وبه بضع وعشرون رصاصة، وتدعى هذه الموقعة بذبحة ابن رشيد (أو روضة مهنا)، ويذكر الأستاذ صلاح الدين المختار أن ابن رشيد قد خرَّ قتيلاً وفي جسده حوالي خمس رصاصات، وفى رأسه بضع وعشرون رصاصة([65]).

بعد مقتل عبدالعزيز بن رشيد تولى متعب بن عبدالعزيز الرشيد الإمارة في حائل بعد أبيه، فرأى الخير في الصلح مع الإمام عبدالعزيز ففاوضه، وعقد معه اتفاقاً تنازل بموجبه عن حقوقه في القصيم، وسائر بلاد نجد، مقابل اعتراف ابن سعود له بالإمارة على حائل وأطرافها وعلى كافة شمر([66]).

أراد القائد صدقي باشا أن ينصاع إلى صالح بن مهنا، وتحريضه لاحتلاله بريدة، فلم توافقه الدولة على ذلك وأبدلته بالقائد سامي باشا الفاروقي الذي قدم من المدينة ليتولى قيادة الجيش العثماني الموجود في القصيم، و توجه الباشا من الجبل إلى الشيحية على الطريق بين حائل و بريدة، و اجتمع بعبدالعزيز آل سعود في البكيرية، فلم يقبل ابن سعود باقتراح الباشا.

وفي أوائل شوال عام 1324هـ/1906م أرسل ابن سعود إنذاراً أخيراً إلى سامي باشا بأن أهل البلاد لا يريدون العثمانيين ولا يقبلون بهم، و أن عليه الانسحاب فوراً، وخيَّروه بين الحرب أو الرحيل، فقرر الباشا الرحيل، و تعهد ابن سعود بترحيل جيش العراق إلى العراق، وجيش الحجاز إلى المدينة، وشرع كل فريق في إنفاذ ما يخصه من التعهد فوراً، وتم لابن سعود السيادة على القصيم بدون منازع([67]).

نقلت الصورة المثالية لترحيل الجند إلى السلطان العثماني فاعتبرها من باب الطاعة والولاء، حيث أن الاهتمام بجند السلطان هو اهتمام بالسلطان نفسه، و تعبير عن غبطة السلطان ورضاه بهذا العمل، فقد أنعم على الإمام عبدالعزيز (برتبة الباشـا) ومجموعة من النياشين، وأبلغ الولاة العثمانيين بحصول الرضا السلطاني لجميع رعايا نجد التابعين للإمام عبدالعزيز آل سعود، ووصلت نياشين السلطان بعد مرور شهرين على ترحيل الجيش([68]).

 

خطة عبدالعزيز لاستقرار دولته:

لقد أدرك عبدالعزيز أن الاستقرار السياسي هو العامل الأساسي والمباشر، في زيادة الكفاءة والخصائص الاستراتيجية للدولة، ويزيدها تألقاً في السماء الدولية، ويضفي عليها هالة من الأهمية الخاصة، ويكسبها القوة والنفوذ بالنسبة لما حولها من الدول([69]).

ومن هذا المفهوم وضع الإمام عبدالعزيز الأساس لنظام شديد الاستقرار، يقاوم بشدة كل المؤثرات الخارجية والداخلية، الداعية إلى بث الفرقة والتشتت.... ومن أجل أن يحقق ذلك رأى أن تضم مملكته مساحات من الأرض التي يتوفر بها كافة الموارد والخامات، والأيدي العاملة اللازمة لعمليات التطوير عددياً وفنياً... وبالقدر الذي يمكِّنه من إقامة صرح قواته العسكرية، على أساس تعبئة سليمة، وأن تكون الحدود النهائية لمملكته حدوداً آمنة، يسهل الدفاع عنها ويصعب مهاجمتها([70]).

فلا بد أن تكون مملكته مشرفة على البحر الأحمر والخليج العربي، ولها من التأثير ما يضمن تفوقها،  كذلك رأى أن تكون مملكته، جديرة بشرف الحفاظ على الأماكن المقدسة، وتأمين المسلمين حتى يؤدوا أركان دينهم، وبالذات الركن الخامس وهو الحج، وتكون مملكته مثلاً يحتذى به في التمسك بتعاليم الدين الحنيف.

عندما حلل الأمير ذلك تحليلاً سليماً وصل إلى ضرورة أن تشمل حدود مملكته: الأحساء، وحائل، وعسير والحجاز، بالإضافة إلى نجد والربع الخالي على أن ينتهي كل نفوذ للاستعمار أو للوجود العثماني في إطارها... لذا قرر الإمام عبدالعزيز ما يلي:

1-         القضاء على النفوذ العثماني والأجنبي في مملكته.

2-         الوصول إلى الخليج العربي عن طريق الأحساء.

3-         القضاء على النزعات القبلية، وتوحيد الجبهة الداخلية بالاستيلاء على حائل، والقضاء على نفوذ آل رشيد نهائياً.