تقديـــم :
مفهوم الريادة التعليمية ومتطلباتها
الريادة في كل موضوع تعني أساساً قيام المفكر أو
المصلح أو الحاكم بتبين دقيق لخصائص وإمكانات الواقع، وتبصر نافذ بما يكمن فيه من
إمكانات، ثم يأتي وراء ذلك ابتكار فعل أو طريق أو مؤسسة لفتح طريق المستقبل
والسماح للإمكانات التي يمثلها الواقع أن تنمو. وتتم هذه العملية في إطار فريد من
الابتكار ومن خلال قدرة نفسية وعقلية للمفكر على نقل أهمية ما يدعو إليه إلى جمهور
المواطنين والعاملين معه، ومن خلال مقدرة على حشد قواهم ، وتجديدها لتحقيق الفعل
الرائد، وشق الطريق الجديد وإقامة المؤسسة التي تفتح أفق المستقبل وتسمح بالتطور
والنمو .
فإذا طبقنا هذا المفهوم العام للريادة على مجال
التعليم، واجهتنا صعوبات خاصة تتعلق بموضوع التعليم نفسه، تستدعي مزيداً من
التحديد للمفهوم نتيجة لوضع التعليم الخاص كنظام داخل مجموعة النظم الأخرى في
المجتمع، فالتعليم ينصرف ويرتبط بقطاعات مختلفة من المجتمع ، فيها الآباء والأبناء
والمعلمون والإداريون، ويحتاج النظام إلى دعم مالي ربما لا يسهــل في بداية الأمر
تبين حجمه أو ضرورتـه ، مما يضع صعوبــات أمام قبولــه وتقويمـــه، كما أننا نواجه
–فيما يتعلق بالتعليم– بحقيقة أساسية أخرى –يختص بها التعليم على وجه الخصوص – وهي
أن التعليم نظام محافظ دائماً يرتبط ارتبًاطا قويًا بتاريخه السابق وحاضره، ويصعب
تحريكه أو اقتلاعه من جذوره أو دفعه إلى التطور إلا بفعل ريادي خلاق ومبتكر، لأن
نظام التعليم بطبيعته نظام يولد نفسه ، ويتضمن عناصر بقائه ، واستمراره نتيجة
لارتباطه بالتراث القديم للمجتمع ، وتوريثه لقيم الماضي داخل نظامه نفسه.
ولابد إذن من أن يتمــــيز الفعــل أو الفكر أو
المؤسسة الرائدة في مجال التعليم بأنها – على رغم جدتها – لا تمثل مفارقة كاملة
للماضي أو الواقع، ولكنها تعيد صياغة هذا الواقع الحاضر ، وتقدمه في ثوب جديد ليس
بالغريب، حتى يقبله المجتمع أو يستطيع أن يقبله وإن تطلَّبَ ذلك قدراً من الضغط أو
التركيز أو الإصرار.
ولابد إلى جانب ذلك من أن تحاط التجربة الرائدة
برعاية قوية ، من سلطة مقبولة مقررة من المجتمع ، حتى تتمكن البذور الجديدة من أن
يتوافر لها الوقت الكافي لأن تمدّ جذورها وتجذب لها جمهوراً من المنتفعين ، وإن
كان بينهم معارضون مخالفون، وذلك نتيجة لضرورة ظهور إمكانات النجاح والاستمرار،
فالفكرة أو المؤسسة الرائدة تحمل دائماً في داخلها بذور التفاؤل والترغيب ، وإن
احتاجت زراعتها إلى قدر من الضغط والترهيب.
كما أنها في حاجة ضرورية للمساندة القوية من فكر
وسلطة الرائد، بل وأحيانا تدخُّله الشخصي ليعطيها المساندة اللازمة لأن تواجه
صعوبات النشأة الأولى ، وضرورات التكيف مع الواقع، ومع ما يحتاجه المستقبل، وهي
لذلك تتطلب تركيزاً في المتابعة ، واهتماماً يكاد يكون شخصياً من الرائد، ومواصلة
للمتابعة والاهتمام منه؛ لأنها إذا حرمت هذه المساندة القوية ضاعت معالمها
بسرعة ، واعتدت عليها قوى الماضي لتعيدها
إلى موات جديد.
وبعد هذا العرض المركز لمفهوم الريادة وتطبيقه على
مجال التعليم، وبعد هذه الإشارات الموجزة إلى الضرورات اللازمة لنجاح الفكر الرائد
وغرسه في أرض الواقع والمستقبل، يمكن الإشارة بعد ذلك إلى عناصر الريادة التعليمية
التي وجدناها في فكر الملك الموحد عبد العزيز آل سعود، وهي العناصر التي نستطيع من
خلال هذا العرض المختصر أن نتبين ظهورها وخاصية ريادتها، وأن نتابع كيف ازدهرت
بذورها وترعرت.
وهذا إذن هو ما استهدفت عرضه في هذا البحث الموجز عن
إحدى تجارب الملك عبد العزيز الرائدة.
والله ولي
التوفيق ....
ريادة الملك عبد
العزيز رحمه الله
في خدمـة القضاء
والدعـوة " دار التوحيـد":
هذه تجربة فريدة متميزة من تجارب الملك عبد العزيز
نرى فيها جانبًا جديدًا من ريادته التعليمية ، ومن إصراره على القيام بهذه التجربة
وغيرها ورعايتها وتوجيهها عن قرب. ودار التوحيد تجربة فريدة أولاً في اسمها الذي
كان من اختيار الملك ليعلي شعار دولته ويثبته، كما أنها كانت فريدة في أنها أول
معهد ديني نظامي يهدف به الملك إلى تخريج شباب عقدي ، مؤهل لوظائف القضاء والتعليم
والعمل في السلك الحكومي والوظائف الدينية الأخرى([1])، وعلى الرغم من
أن الدار كانت قريبة من نفس الملك ، عزيزة عليه ، فإنها تتميز بأننا نرى فيها سلوك
الرائد الذي يريد أن يقتحم الصعاب ، وأن يواجه المعارضة بكل حزم حتى يصل إلى تحقيق
هدفه.
فكرة فريدة وتجربة رائدة :
دار التوحيد تنفرد وحدها باسمها الذي كان تعبيرًا عن
فكر العاهل الكبير الملك عبد العزيز رحمه الله، الذي أقام دولته على التوحيد،
وكانت رسالته الأولى والأساسية هي رفع راية التوحيد.
ولا تنفرد الدار باسمها فقط الذي يرجع فيما أعلم إلى
الملك نفسه ، وإلى رأيه الخاص في أهدافها وما أراده منها، ولكن الدار تنفرد أيضا
بموضعها في تاريخ التعليم بالمملكة العربية السعودية، فقد كانت دار التوحيد من أول
تجارب الملك المعلم التربوية، وأبرزها وكانت فاتحة لتطوير مهمّ وخطير في نظام
التعليم الثانوي وإعداد المعلمين، كما أنها فتحت الطريق للتعليم العالي، وقد نستطيع ونحن ننظر إلى تاريخ التعليم من موضعنا
الآن أن نقول : إن دار التوحيد قد تركزت فيها مجموعة من خصائص التجارب التربوية
الإصلاحية التي قام بها الملك عبد العزيز في هذا الوقت المبكر من حكمه ، ومن
تاريخه مع التعليم، فقد كانت الدار مثل المعهد العلمي السعودي 1345هـ ، ومثل مدرسة
تحضير البعثات 1345هـ ، مدرسة خارج النظام التعليمي تم وضعها قبل أن يكتمل هذا
النظام ، فكانت مثلهما وسيلة لتطوير هذا النظام واستكمال عناصره، فإذا كان المعهد
العلمي قد أنشئ ليواجه النقص في أعداد المدرسين الصالحين للتدريس في المدارس
الابتدائية، وكان البداية لتطوير إعداد المعلمين، وواجهت مدرسة تحضير البعثات
النقص في تأهيل المبتعثين للخارج ، ووضعت الأساس لتطوير التعليم المتوسط والثانوي،
فإنه يحق لنا أن نتذكر أن دار التوحيد كانت النواة لتطوير مؤسسات التعليم الديني،
وتخريج الأفواج الأولى من المؤهلين لمتابعة دراساتهم العليا، وكانت أنموذجًا
مبكرًا للمعاهد العلمية الدينية ، التي
بدأت بعد تأسيس الدار بست سنوات 1370هـ ، ولتأسيس كلية الشريعة قبل ذلك عام 1369هـ
.
وهذا التفرد في اسم الدار وفي موضعها في تاريخ النظام
التعليمي لم يكن هو كل ما تفردت به الدار. فقد كانت الدار من ناحية أخرى تجربة قريبة
من نفس الملك عبد العزيز وكانت عزيزة عليه ، وكانت أهدافها وموقعها من اختياره ،
ومن قراره مباشرة ، ولهذا فقد حرص على أن يفرض نجاح الدار وتأسيسها منذ البداية.
وكان الملك حريصا على أن ينضم للمعاهد التي أنشئت في الحجاز كالمعهد العلمي
السعودي ودار التوحيد أعدادً من الطلبة النجديين ، الذين كان يأمر باختيارهم
وتوجيههم إلى هذه المعاهد للاستفادة منهم مستقبلاً في تطوير الحركة التعليمية في
نجد ، لقلة من يرغب العمل من الحجاز في نجد حينذاك، لصعوبة مناخها ونأيها عن المدن
الغربية كالطائف، ومكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة.
ويجب أن نتذكر أيضًا أن موقع الطائف كمصيف مكن أهلها
والقادمين إليها من الاطلاع على شتى الاتجاهات الأدبية والعلمية والاختلاط
بالعلماء والشعراء في فصل الصيف، فالطائف إذن كانت بيئة صالحة لبذر هذه البذرة
الصالحة الجديدة داخل هذا الجو العلمي ، وإلى جوار مسجد عبدالله بن عباس t
بالطائف ، الذي كان بمثابة الجامعة لتعدد حلقات الدراسة فيه، واختلاف المواد التي
تدرس فيه من علوم دينية وشرعية وأدبية ونحوية ورياضية، قبل أن تقوم المدارس
الأهلية المنظمة ، كانت الطائف إذن بموقعها الجغرافي وجوها اللطيف وبتراثها الأدبي
والاجتماعي القديم وتجاربها في المدارس
مكانا يسوغ اختيار الملك لها ؛ ليضع فيها تجربته الجديدة والمدرسة الفريدة
التي أراد أن يثري بها نظامه التعليمي، وليس هناك شك لدى مؤرخي التعليم أن صاحب
فكرة تأسيس الدار هو الملك عبد العزيز نفسه يرحمه الله، وقد كان هدفه كما تبينه
مؤرخو الدار هو تخريج شباب عقدي مؤهل لوظائف القضاء والتعليم والعمل في السلك
الحكومي والوظائف الدينية الأخرى ، وقد أخذ خريجو الدار – كما نعلم جميعًا – مناصب
عليا في خدمة الدين والمليك والوطن.
لجنة تأسيس الدار :
ومن الثابت تاريخيًّا أن الملك أمر بتشكيل لجنة
لإبراز مشروع الدار إلى حيز الواقع بمتابعة مباشره منه، وكان أعضاء اللجنة هم
الشيخ يوسف ياسين والشيخ عبد السلام غالي والشيخ عبدالله بن سليم والشيخ محمد بهجت
البيطار.
وقد اختارت اللجنة حي " قروى" غربي مدينة
الطائف مقراً لهذه المؤسسة التي اتفق على تسميتها " دار التوحيد"، وتم
إعداد البناية التي روعي في تصميمها توفر الجو العلمي والشكل التعليمي ، وألحق
بالمبنى " مهجع لطلاب القسم الداخلي" ، وقد تم تأثيث المبنى بسرعة ، بما
يلزم من أدوات وأثاث كافٍ بأوامر مباشرة من الملك ، وتم افتتاح العمل الجديد
وتحقيق المبادرة الجديدة في مطلع عام 1364هـ ، ورأس الدار المربي الفاضل بهجت
البيطار من القطر السوري، ويعاونه في ذلك ابناه يسار وعاصم، ثم وجد أن الدار بحاجة
إلى مدير يعاون الرئيس فرشح بهجت البيطار أحمد الكردي من القطر السوري، وكـــان
معظم أعضاء هيئة التدريس من الأخوة المصريين القادمين من الأزهر من خيرة المربين ،
وكان فيها من المملكـة الشيخ عبدالله الصالح الخليفي – رحمه الله – يدرس الفقه ،
والشيخ عبدالله المسعري يدرس التوحيد ، والاستاذ محمد أبوسياد – رحمه الله – يـدرس
الفرائض، أما بقية المواد فيدرسها أساتذة أفاضل من الأزهـر .
ولكن التاريخ يحكي أنه عندما قرر الملك عبد العزيز
فتح دار التوحيد وبين أهدافها طلب أن يختار لها طلبة من أنحاء متفرقة من نجد ،
وكان للقصيم حظ من ذلك حيث عهد إلى المسؤول اختيار طلاب ممن حفظوا القرآن ولديهم
مبادىء في الكتابة بإجبارهم بدخول الدار ، فكان أن أرسل إلى أمير القصيم بمساعدة
الشيخ عبدالله العامر – مكلف بجمع طلاب للدار – تتوافر فيهم شروط معينة ، فكان أن
استعمل العنف في ذلك ، بإرغام ولي أمر الطالب بإجبار ابنه بالتوجه للطائف للالتحاق
بالدار، فخاف الأهالي وبعضهم أخفى ابنه لئلا يدخل الدار ويتعلم ، وأصبح حديث
المجالس بين العامة هناك يتداولون المصطلح المحلي : " شِفْ – أخذت الحكومةُ
عيال الناس يتعلمون " صديق عينك ما يعرف ألف باتا". ليسلم من إجباره على
السفر للتعلم ، ويجلس عند أهله .
كما سجل الأستاذ فهد المارك في كتابه عن " شيم
الملك عبد العزيز" شيئًا عن ذكرياته عن دار التوحيد، حيث يقول : " وقد
أمر الملك عبد العزيز بأن يكون هذا المعهد مقصورًا على طلاب نجديين ، وأن يكون
عددهم مائة ، من حملة الشهادة الابتدائية
، أو ممن لديهم من المعلومات التي تلقوها من المشايخ ما يعادلها. ولما لم يكن في
نجد مدرسة ابتدائيــــة إلا في الرياض أو في المدن الثـــلاث عنيزة وشقراء
والمجمعة ، فقد جيء بطلاب تلك المدارس من أهلهم بقوة الترهيب وحافز الترغيب. فمن
حيث الأولى فقد بعث الملك لهؤلاء الطلاب مندوبين يأتـون بهم إلى المعهـــد دون
موافقـــة أهلهــم، بل بما يشبه القـــوة ، ومن حيث الثانيـــة فقد وفر للطـــلاب
السكن والغذاء الحسن الذي قد لا يتوفر للكثير منهـــم عند أهلهم على اعتبار أن نجد
لم تتوفر فيها الخــيرات كما هي الآن .." ([2]).
ويواصل فهد المارك ذكرياته فيقول : " إن الملك
قرر أن يمنح الطالب مرتبًا شهريًّا قدرة 15 ريالا ثمن كسوته، أما كتبه الدراسية
فكلها موفرة من الحكومة، والطالب المتزوج – مثلي بصفتي من طلاب ذلك المعهد ومثل الأخ الشيخ عبدالله بن خميس والشيخ
عبدالله الشلاش والشيخ سعيد الجندول – جميعا نُمْنَحُ خمسة وستون ريالا ..".
ويتبين بوضوح من شهادة فهد المارك المعاصرة نية الملك
الواضحة لجعل هذا للنجديين ، وأن العدد المقرر للفوج الأول كان قرابة مائة، ولقد
أدت ريادة الملك وإصراره الواضح حتى على استخدام القوة إلى الازدهار التعليمي الذي
تشهده نجد.
وإذا كنا لا نعرف شهادة أخرى فيها من التفصيل ما كان
في شهادة فهد المارك إلا أن المتفق عليه بين المعاصرين أن الملك قد استخدم قدراً
من الضغط والقوة، ومع ذلك يقول تقرير لأحمد الشائع " أن الدار قد استقبلت في
عامها الأول حوالي ثلاثين طالبا لاغير ، ولم يكن عدد المدرسين يزيد عن ثلاثة كلهم
من الشام ، ومن بينهم العلامة الشيخ بهجت البيطار، ونظرا لتفرد شهادة فهد المارك فإننا نواصل
الرجوع إليها في كتابه " شيم الملك عبد العزيز([3])" حيث يقول
إن إصرار الملك الحضاري على تنفيذ ريادته قد قوبل من جانب أولياء الطلاب بنوع من
المقاومة فقد " ضجوا وهاجوا وماجو فكأن أبناءهم أخذوا ليوضعوا رهائن في
السجن" ، أما الطلاب فقد كانوا بين يوم وآخر يضربون عن الدراسة، ويورد فهد
المارك شيئا مما شاع عند فتح دار التوحيد مشيراً إلى " أن بعض الناس قال
حينما التقى بآخر : عسى ولدك ما يقرأ".
وقد يكون صحيحًا ما أورده حمد إبراهيم الحقيل من أن
" بعض أولياء التلاميذ من طيبي القلوب حسني النيات ممن ليس لهم إلمام بمعرفة
عقبى مصالح هذه الدار، قد موهت علـيهم الحقائق ، وأسـاؤوا الفهم ، وقد أبرقوا إلى
جلالته – رحمه الله – طالبين إعفاء أولادهم من دخول الدار"([4]).
ولم تصلنا برقية أولياء الأمور ، ولا رد الملك
بالتفصيل ولكن حمد إبراهيم الحقيل يورد معنى البرقية التي رد بها الملك وليس نصها،
ولكن المهم أن الملك كان واضحاً حاسماً في رده إذ قال بحسم شديد" لاسبيل إلى
الإعفاء"، ويؤكد هذا المعنى دور الملك واتجاه ريادته عندما تتضح لديه الفكرة
، وتتجمع لديه القدرة على التنفيذ ، فهو إذن لا يعفي نفسه أو مواطنيه من مواصلة
طريق العلم ، والتقدم بل يصحبهم فيه وإليه بكل إصرار وعزم.
وقد يكفي هذا الملخص لنشأة دار التوحيد ، وما صاحبها
لتكوين تلك الصورة المبجلة للملك ، ولمكانة العلم والتعليم في نفسه، كما أنه يجعل للملك
مكانة خاصة بين المخططين التربويين الذي يضعون خطط التغيير الاجتماعي عن طريق
التعليم ويقفون وراءها حتى يتم تنفيذها. لقد كانت الدار تمثل تغييراً جذرياً
وجوهرياً في النظم التعليمية وأساليبها لم يألفه الناس ، وكان لابد من مرور الوقت
وثبات النتائج حتى تتغير الاتجاهات والمواقف .
لقد كان من الواضح – رغم كل الصعاب – أن الملك يستشرف
المستقبل ، ويرى الطريق الذي ستفتحه دار التوحيد أمام تطور وازدهار مؤسسات التعليم
الديني في المملكة على جميع المستويات ، كما أنه كان يرى ، ويحدد كل هذه الأدوار
الجليلة التي قام بها خريجو الدار في مختلف مناحي العمل الوطني بالمملكة.
ولن نتابع هنا تطور الدار وتطور مناهج الدراسة فيها
وقيمتها وأثرها في النظام التعليمي الذي وضعه الملك فإن هذا كله يحتاج إلى دراسة
مستقلة.
ولكننا نختتم هذا العرض بتقدير قيم للدار ولرسالتها
كتبه المربي الدكتور عبدالله محمد الزيد([5]) وهو يُسجل في
صفحات قليلة تقديره لدار التوحيد ويشبهها بمدرسة "سمرهل " الإنجليزية
التي أسست في بريطانيا في أوائل القرن الحالي : " حيث المرونة وتدريب الطلاب
وتشجعهم على تحمل أعباء التعليم أنفسهم بأنفسهم "ويرى أنها تفوق تجربتها
تجربة المدرسة الإنجليزية على الرغم من أنها لم تتوافر لها عناصر البقاء التي
توفرت لدار التوحيد..".
ونظرا لقيمة شهادة الدكتور عبدالله محمد الزيد
وأهميتها فإننا نواصل الاقتباس منها قوله :
" تعد هذه المدرسة ظاهرة تربوية فريدة ، ليس
بأهدافها وبرامجها فحسب ، بل بطرق التدريس وبالمرونة ثم بالوسط العلمي الجاد الذي
كان يغلب على جميع نشاطات وبرامج المدرسة الصفية واللاصفية([6]) ويعتبرها ظاهرة
تعد تجربة تربوية خلاقة في تاريخ التربية المعاصرة في المملكة العربية السعودية،
وقد حظيت الدار بجهود مجموعة من الرواد الأوائل للتعليم تولوا رئاسة الدار
وإدارتها، وكانت إدارة الدار تمثل إدارة مستقلة ، وإن شغل مدير المعارف نفسه وظيفة
المدير للدار لعدة سنوات، وظلت رئاسة دار التوحيد مستقلة حتى عام 1373هـ ، وهو
العام الذي تشكلت فيه وزارة المعارف ، فأصبحت تابعة لها مباشرة.
وقد كانت الدراسة في مطلع تأسيس الدار أشبه بالتدريس
الديني العالي في المساجد، فقد كانت كلها أشبه بفصل كبير واحد ، تدرس فيه العلوم
الدينية ، وعلوم اللغة العربية فقط، ولما تولى إدارة الدار مدير المعارف الشيخ
محمد بن عبدالعزيز بن مانـع – رحمه الله – قسم الدراسة إلى خمس سنوات ، ووضع خطة دراسة
شاملة([7]).
وقد خرَّجت الدار أعداداً كبيرة من القضاة والمدرسين
والكتاب والشعراء المعروفين والباحثين التربويين الذي شغلوا مناصب عليا في مؤسسات
الدولة التعليمية والتنفيذية.
وكانت ريادة الملك التي تستشرف المستقبل تعرف ما
ينتظر كل أولئك من أدوار في بناء النظام التعليمي للمملكة ، كما أنه – هذا ملمح
فريد عن ملامح ريادة الملك عبدالعزيز – كان بعد خمس سنوات فقط من تأسيس دار
التوحيد كان يعد لإنشاء أول كلية للتعليم العالي في المملكة هي كلية الشريعة التي
تأسست عام 1369هـ ، ويحسن بنا أن نرد القارىء مرة أخرى إلى شهادة الدكتور الزيد
الذي كان يحكي عن تجربة شخصية في التعليم داخل الدار ، ويتحــدث خلال ذلك عما كان
يسمى النادي ، وهو حفل خطابي وتمثيلي يقيمه الطلاب في ليلة الجمعة من كل أسبوع ،
ويتبارون فيه بإلقاء الخطب والقصائد الشعرية والمسرحيات .. فكان أن صقلت مواهب
مطمورة ، وتخرج خطباء يتميزون بالشجاعة الأدبية ، وبالقدرة على الارتجال ومواجهة
المواقف الجديدة.. على أن المعلمين بالدار لم يكونوا بمنأى عن أنشطة الطلاب، فقد
كانوا يشاركون أبناءهم قصائدهم وخطبهم .. ومع ذلك ظل تنظيم النادي وتنفيذ حفلاته
أمرا طلابياً ، تعدى في آثاره الطلاب والمدرسين وفصول الدراسة إلى أن أصبح حدثاً
أسبوعياً تنتظره المدينة من الآباء والأعيان في كل أسبوع بحماس ورغبة شديدة، وبهذا
الأسلوب نجحت المدرسة في ربط المجتمع بها وهو مبدأ تربوي تعجز عن تنفيذه مدارس
الوقت الحاضر.. وتتصل شهادة الدكتور الزيد ليشير إلى الرحلات المشتركة بين الطلبة
والأساتذة وإلى المشاركة الجماعية في تقويم الطلاب ، وكيف كان ينفذ هذا التقويم
بحزم لا يقبل التراخـــي.
وهكذا نختـــتم ذلك العرض لتجربة رائدة بدأت بصعوبة
وضغوط ، وانتهت بنجاح وترحيب من المجتمع كله ونجاح متواصل لدعوة التوحيد وللتعليم الديني
في المملـــكة.
الهوامــش