مقدمـــة:

الحمد للَّه رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين .

وأشهد أن لا إله إلا اللَّه الواحد الأحد الصمد .

وأشهد أن محمداً عبد اللَّه ورسوله خاتم النبيين المبعوث رحمه للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى اللَّه بإذنه وسراجاً منيراً .. أما بعد :

فقبل أن نبدأ الكلام عن الملك الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود من جميع جوانبه ، فلابد أن نشير إلى نسب الأسرة السعودية الحاكمة .

فهو : عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبداللَّه بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم ، ويمتد نسبهم إلى ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان .

فيلتقي نسب البيت السعودي بنسب النبي محمد – e – في جده ربيعه بن نزار ابن معد بن عدنان .

والأسرة الحاكمة في السعودية .. تنحدر من صلب ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان .

وينتمي آل سعود إلى عشيرة عنزة كما هو المشهور ، وهناك قول قوي بأن أسرة آل سعود من بني حنيفة الذين يرجعون إلى بكر بن وائل ، وإليه يميل بعض كبارهم ، وقد سمعت سمو الأمير عبداللَّه بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود وهو من الأمراء البارزين يؤيد هذا وهو من الذين يحرصون على معرفة الحقائق والتاريخ الصحيح ، ومعروف أن بني حنيفة وعنزة كلها ترجع إلى بكر بن وائل .

وكانت منازل آل ربيعة بن نزار – ومنهم بنو وائل – في حجر " اليمامة " من وادي اليمامة ، و" غبيرا " قرب الدرعية ، و" القرينة " وماحولها بالقرب من بلدة "حريملاء " ، كما قطن آل ربيعة هجر والقطيف وحجر اليمامة وماجاور هذه الديار .

 

كان الأمير مانع بن المسيب ولقبه " المريدي جد آل مقرن بن مرخان يقطن بلدة "الدروع " من أعمال القطيف ، ويربطه بابن درع رئيس حجر اليمامة صلة نسب ، فجمعت هذه الصلة بينهما وتراسلا حقبة من الزمن ، وأسفرت هذه المراسلة عن دعوة الأمير مانع من القطيف ، وأقطعه من أملاكه أرض " المليبد " و" غصيبــة " قرب الدرعيـــة . فاستقر فيها مع صحبه وآله في ســنة 850هـ ، ولما توفي الأمير مانع تولى بعده ابنه ربيعة زمام الإدارة وكان حسن السيرة ، جسوراً مقدامــاً ، وحصل على شهرة بالغة في تلك الأصقاع وكثر أنصاره في كل مكان .

 

الدولة السعودية الأولى:

لقد أنجــب الأمير سعود بن محمد عدة أولاد منهم : محمد ومشاري وثنيان ، وكان هذا كفيف البصر ، وفرحان .

وأنجب الأمير محمد بن سعود أربعة أولاد هم : عبداللَّه وعبدالعزيز وفيصل وسعود .

وأنجب الأمير عبداللَّه بن محمد ولدين هما : تركي وسعود .

وأنجب الأمير تركي بن عبداللَّه أربعة أولاد هم : فيصل وعبداللَّه وجلوي وفهد .

وأنجب الأمير فيصل عدة أولاد ومنهم : عبداللَّه وسعودُ ، وعبدالرحمن .

وأنجب الأمير عبدالرحمن حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود عطــر اللَّه ثراه وإخوتــه محمداً وسعداً وعبداللَّه ومساعداً وأحمد وسعداً الأصغر .

وقد أنجب الملك عبدالعزيز عدداً من الأمراء منهم من تولى بعده وراثة العرش واحداً بعد واحد وهم حتى الآن : سعود وفيصل وخالد وفهد بن عبدالعزيز وهو عاهل العهد الزاهر .

خلد اللَّه ملكهم وأدام عزهم ومجدهم ، وقد نشأوا بحمد اللَّه على توجيهات ملك المملكة العربية السعودية المؤسس الباني كلهم ، صغارهم وكبارهم متشبعين بالعقيدة السلفية ، ومكارم الأخلاق ، وعادات العرب الأصيلة ، وكلهم بحمد اللَّه قد تولوا الحكم بأمانة وصدق وحسن نية ، فأداروا حكم البلاد كل في وقته بما يعود بالخير والسعادة على الوطن والمواطنين ، وكان الأخير منهم وهو خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وهو في عهده أبرز الملوك والرؤساء المعاصرين.

لقد كان لهذا البيت السعودي الكريم شأن كبير في الجهاد والنضال لإعلاء كلمة اللَّه والعرب والمسلمين ، وإعادة تأسيس دولة عربية كبرى ، ولكن سلاطين وملوك آل عثمان في تركيا الذين تعاقبوا على الحكم قد أفسدوا على هذا البيت العربي الكبير خططه ومراميه وغاياته وأهدافه ، وسخر آل عثمان في سبيل امتداد سلطانهم وتخليده عملاءهم على الملحقات والأقاليم العثمانية ، وفي طليعتهم محمد علي باشا الكبير والي مصر ، وأشراف مكة على التعاقب والتوالي ، فكانت  الحروب بينهم سجالاً .

وكان البيت السعودي المالك قد لعب دوراً خطيراً في سبيل إعادة مجد العرب وعزهم سؤددهم كما أسلفنا ، إلى أن تمكن من إنشاء المملكة العربية السعودية الحاضرة، مؤسس المملكة وحامي قواعد الدين وبناء المجتمع على أسس ومبادئ إسلامية وعربية أصيلة الملك المجاهد عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود رحمه اللَّه  .

وقد قام هذا البيت السعودي الأصيل بحماية العقيدة الإسلامية من درن الشرك والبدع والخرافات ، وتطهير نفوس الأمة الإسلامية من أدرانها ، وإرساء قواعد تلك العقيدة في النفوس ، وإحياء التراث العربي الأصيل ، وقيام سياسة عربية إسلامية معتدلة لاتطرف فيها ولاغلو ولا فساد .

وقد تبنى موحد الجزيرة العربية وباني مجدها الجهاد المتواصل والكفاح الدائم لكل معتد أثيم يريد بالمملكة العربية السعودية والجزيرة العربية الهدم والقضاء على مبادئها وأصولها ، والعلماء الأعلام من آل الشيخ وغيرهم يشدون عضده ويبينون للناس مقام هذا الإمام ووجوب السمع والطاعة له والجهاد معه ، ويصدرون الفتاوى الشرعية في أي مسألة يسأل عنها مما يتشبث بها المخالفون، فقد خاض رحمه اللَّه عدة معارك ضد الأعداء في الداخل والخارج اقتفاء لآثار سلفه زمن الدعوة الإسلامية عهد الإمام محمد ابن سعود التي بدأت سنة 1158هـ /1739م تقريباً ، لما لهذا الكفاح من تأثير عملي في إنشاء الدولة السعودية الحاضرة في جزيرة العرب ، التي وحدها العاهل العظيم الإمام الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود ، الذي كان هدفه وغايته نصرة الكتاب والسنة المأثورة عن النبي e ، متخذاً دعوة الإمام المجدد العلامة المحدث محمد ابن عبدالوهاب التي جاءت متابعة لرسول اللَّه e وخلفاءه الراشدين وصحابته ومن تبعهم من صالح سلف هذه الأمة مرجعاً إسلامياً .

 

والإمام مجدد الدعوة الإسلامية ليس له مذهب خاص الذي سماه أعداؤه "المذهب الوهابي " .

فمذهبه في الفروع والأصول مذهب أهل السنة والجماعة وهو حنبلي المذهب ، وهو يناوئ كل المحدثات في العبادة والتقرب إلى اللَّه والوسائل الشركية فوسيلته العمل بما جاء به محمد e عن اللَّه من كتاب أو سنة صحيحة ثابته درج عليها السلف الصالح والصدر الأول من علماء الإسلام في كافة مذاهبهم المعتبرة عند المسلمين ، ولم يكن له مايشذ به عن هذه القاعدة الإسلامية الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة .

 

الملك الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود :

كان عبدالعزيز يقيم مع والده وإخوته وعائلته شاباً يافعاً طموحاً ، يفكر في استعادة ملك آبائه وأجداده ، وكان يزور –صحبة والده وأحياناً منفرداً –حاكم الكويت الشيخ مبارك بن صباح الحاكم القوي القدير على إدارة أعمال الكويت وتصريف سياستها وارتباطها بالدول العربية وغير العربية ، ولفت نظره هذا الشاب عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود ، وأعجب به غاية الإعجاب ، ولما عرف الشيخ مبارك تصميم الفتى على استعادة ملك آبائه وأجداده بموافقة والدة الإمام عبدالرحمن شجعه وقال ما معناه : امض في سبيلك فحليفك النصر والتوفيق ؛  فقرر عبدالعزيز –بعد موافقة والده –أن يسافر بصحبة أربعين رجلاً من إخوته وبني عمومته وحاشيته من أهل نجد ومن لحق بهم ، فغادر الكويت بعد أن عرف أن أمير شمر في حائل قد توفي ، وقوى عزيمته في المضي في طريقه لأداء واجبه .

 

طريق العودة :

في العاشر من شهر جمادى الثانية سنة 1319هـ الموافق لأواخر شهر أيلول سنة 1901م ترك عبدالعزيز الكويت بصحبة أربعين فارساً من أقاربه وأصدقائه وحاشيته وسار بهم في قلب الصحراء .

في طريقه راح ينضم إليه طالبو الكسب والمغانم من قبائل البدو حتى ناهز عدد أتباعه ألف مقاتل ، فاجتاز الفيافي ورمال الدهناء حيث أغار على مضارب بني قحطان الموالين لابن رشيد فضربهم وشتتهم ، وأخذ مواشيهم ، ثم هاجم قبائل من مطير فهزمهم وغنم أموالهم وأكمل طريقه باتجاه يبرين ، فانتشرت أخباره بين البدو فراحوا يتبعونه وينضمون إليه .

ولكن هذه النشوة لم تعمر كثيراً ،لأن ابن رشيد كان قد طلب من والي الإحساء التركي أن يمنعه من التمول ، وكان قد أقبل فصل الشتاء فتركه مرافقوه من البدو سعياً وراء الماء والكلأ ، وابتعد عنه آخرون خوفاً من انتقام الأتراك .

وكان قــد وصـــل رسول أبيه ، ومعـــه رسالة بدعوه يدعوه مع مبارك بالعودة إلى الكويت كفا لغضب السلطة العثمانية واحترازاً من غدر عبدالعزيز بن رشيد .

جمع عبدالعزيز رجاله في حرض وكان ذلك في أواخر شهر رجب سنة 1319هـ الموافق الثاني عشر من شهر تشرين الأول سنة 1901م ، فتبين له أنه لم يعد هناك من حواليه إلا رفاقه الذين قد صحبوه من الكويت فقرأ عليهم رسالة أبيه ثم قال لهم : "لا شك أن وضعنا حرج ، وطريقنا إلى النصر صعبة وربما مستحيلة ، ولكن أنا شخصياً لقد سبق واتخـــذت قرار العودة لدى خروجي من الكويت ، النصر والغلبة أو الاستشهاد في ساحة الوغى ، أما أنتم فلكم الحرية أن تتخذوا الآن قراركم ، فمن يريد العودة إلى الكويت ، إلى حياة الذل والمنفى ، إلى يساري ، ومن يفضل الموت على الـــذل إلى يميني" .

فوثب جميع الحاضرين واصطفوا إلى يمينه ، وقد أدركت قلوبهم عزة النفس وروح العنفوان ، فاستلوا سيوفهم وأقسموا باللَّه على السير معه إلى النهاية .

وكان رسول أبيه يشاهد ويسمع ، فأدار عبدالعزيز طرفه نحو الرسول وقال له : اذهب إلى الإمام ،وبلغه سلامنا ، خبره بما قد شاهدت وسمعت ، واطلب إليه الدعاء لنا ، وقل له : موعدنا إن شاء اللَّه في الرياض قريباً .

 

وهناك ارتاحوا قليلاً حيث استبقى عبدالعزيز ثلاثة وثلاثين منهم مع أخيه محمد ، واصطحب السبعة الآخرين معه ، وكان بينهم ابناً عمه ، عبداللَّه وفهد ابنا جلوي ، وكان قد طلب إلى أخيه محمد أنه إذا لم يصله أي خبر منه في اليوم التالي فعليه عندئذ أن يعود أدراجه مع رجاله إلى الكويت لأن عبدالعزيز وصحبه يكونون قد استشهدوا في ساحة الشرف ، وانطلق الأمير الشاب مع رفاقه السبعة نحو سور الرياض ، وكان هدفه الأول احتلال حصن " المصمك " الذي يحتمي فيه الحاكم ويدعى عجلان بن محمد العجلان .

وكان هناك بيوت مواجهة لبوابة الحصن الرئيسية تسكن إحداهما زوجة عجلان ، وإلى جوارها منزل يسكنه فلاح يتاجر بالبقر ويدعى جويسر .

تسلل عبدالعزيز مع رجاله حتى وصل إلى بيت جويسر ، طرق الباب ، فصاحت المرأة من الداخل : من الطارق في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟ أجابها عبدالعزيز أنا ابن مطرف لقد أتيت من قبل الأمير عجلان أطلب من جويسر أن يشتري له بقرتين ، فلم تقتنع المرأة بكلامه ، ولم تفتح له الباب . فقال لها عبدالعزيز متوعداً : إن الأمير عجلان سوف يقتص منك ومن زوجك إذا لم تمتثلا لأوامره ، وبعد لحظات فتح الباب، فهجم عبدالعزيز مع رجاله إلى الغرفة  وأمسك بالرجل ، وهدده بالموت إذا ما أتى بأي حركة ، ثم استفسر من جويسر عن الطريق إلى منزل عجلان بعد أن أرسل أحد رجاله يطلب من أخيه محمد أن يوافقه مع سائر الرجال إلى الداخل .

كان هناك منزل يفصل بين بيت جويسر ومسكن عجلان حيث تقيم إحدى زوجاته ، فاجتاز عبدالعزيز المنزل المجاور ثم اقتحم الباب وراح يُفتش الغرف حتى وجد في إحداهما شخصين نائمين ، فظن لأول وهلة أنهما عجلان وزوجته ، صوب بندقيته، وتقدم نحوهما ، ورفع الغطاء عنهما ، فإذا هما امرأتان ، إحداهما زوجة عجلان ، والأخرى شقيقتها . سألها عبدالعزيز : أين زوجها ؟ فأجابته أنه نيام داخل الحصن ، ثم يكمل طريقه إلى منزله ، فيتناول طعام الإفطار ، وبعدئذ يعود أدراجه إلى داخل الحصن عبر بوابه صغيرة تدعى الخوخة ( الخرقة ) .

كانت الساعة آنذاك حوالي الثانية بعد منتصف الليل ، جمع عبدالعزيز رجاله في إحدى الغرف فأكلوا بعض التمر ، كانوا قد وجدوه في المنزل،  ثم طلب إليهم أن يرتاحوا قليلاً ريثما يبزغ الفجر ، ناموا حوالي ساعة وأفاقوا مع إطلالة الفجر ، فتسحروا وصلوا وتوكلوا على اللَّه ، وراحوا يترقبون خروج عجلان من الحصن .

أطلت شمس الخامس من شهر شوال سنة 1319هـ الموافق للخامس عشر من شهر كانون الثاني سنة 1902م ، وفجأة سمعوا صهيل الخيل فرأوا عجلان مع عشرة من رجالــه خارجــاً من بوابة الحصن الرئيسية التي عادت فأقفلت وراءهم . استعرض الخيل في الساحة ثم توجه إلى منزله .

كان عبدالعزيز ينتــظر مع رجاله بأعصاب باردة وهدوء تام ، تركه يتجه نحو منزله وعندما أصبح على مقربة من الباب خرج هاجماً عليه ، فتفاجأ عجلان وحاول العودة إلى داخل الحصن ، لحقه عبدالعزيز بسرعة وصوب بندقيته إليه فأخطأ قتله وأصابه في ذراعه ، ثم ما لبث أن أمسك به قبل أن يصبح داخل البوابة .

كان رجاله قد اقتحموا ساحة النصر وبدأوا مصارعة مرافقي عجلان ، بينما راحت الحامية ترميهم عبر حائط الحصن برصاصهم ، استمر العراك بين عبدالعزيز وعجلان فتمكن هذا الأخير من رفسه على خاصرته فرماه أرضاً ، وصوب أحد رجاله بندقيته نحو عبدالعزيز ، فعاجله عبداللَّه بن جلوي بطلقة فرماه قتيلاً ثم استل رمحه ورمى عجلان به فأخطأه ، فاستقر في بوابة الحصن ، ولايزال حتى يومنا هذا ، وتمكن عجلان أن يفلت من عبدالعزيز ، وهرول صاعداً درج المسجد فلحق به عبداللَّه بن جلوي ورماه برصاصة أصابته فقتل .

انسحبت الحامية إلى داخل الحصن ، فتبعها رجال عبدالعزيز وأعملوا السيف بأفرادها وفتكوا بمعظم جنودها ، ثم ما لبثت أن استسلم من بقي على قيد الحياة ، فأمنهم عبدالعزيز على أرواحهم .

ثم نادى المؤذن الملك للَّه ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل ، فتجمهر الناس واحتشدوا حول عبدالعزيز وهتفوا بالتوفيق وبايعوه بالإمارة بعد أن اصطفوا خلفه في الجامع وصلوا للرب شاكرين .

هكذا عــادت الرياض من جديد إلى أسيادها ، إلى آل سعود ، فيوم الرياض ، هو يوم انتصار الحق على الباطل ، هو يوم البطولة والشجاعة ، وهو يوم الأصالة والمروءة ، هو يوم استعادة الأرض والكرامة ، وهو نشوة الأبطال الأشاوش الميامين ويوم الفرحة بأهل الدار المبعدين ، ولكنه قبل كل شيء يوم عبدالعزيز يوم موعده مع النصر ، مع المجد ، مع العلا ، وقد طلب من والده في الكويت قدوم أخيه سعد مع أعداد من الحاشية فوصلوا الرياض ، وحصنها عبدالعزيز بعد أن بنى أسوارها ومداخلها الرسمية في خلال خمسة أسابيع ، ثم أرسل في طلب الإمام عبدالرحمن وأهله بالرجوع إلى الرياض ولبى الإمام عبدالرحمن رحمه اللَّه دعوة الإمام عبدالعزيز واستقبله الإمام عبدالعزيز على مسافة ثلاثة أيام من الرياض ، فقال الملك عبدالعزيز لوالده : " الإمارة لكم وأنا جندي في خدمتكم " ، فبادر الإمام عبدالرحمن قائلاً :" هذا ما لاأقبله " .

وهذه رسالة من الملك الإمام الصالح عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود يعرف بها المستمع عقيدة هذا الملك الإمام وعلاقته الشريفة الإسلامية بكتاب اللَّه وسنة رسوله e ، وعلاقته بالعلم والعلماء الذين هم أنصاره وأعوانه في إقامة دولته الإسلامية العربية وتوحيد مملكته على أساس العلم والعقيدة والإخلاص والولاء .

" من عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود إلى الإخوان وفقنا اللَّه وإياهم إلى فعل الخيرات وترك المنكرات آمين .

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ، وبعد ذلك تفهمون أن اللَّه سبحانه وتعالى قد أنعم علينا بنعمة الإسلام ، ومن علينا بأن جعلنا من أهله ، ولايخفى عليكم مامضى عليه أسلافكم من الأعراب من انحرافهم عن الدين والتقيد بشريعة سيد المرسلين بما يأتونه من ارتكاب الأمور التي تغضب اللَّه ورسوله ، من استحلال الدماء ، ونهب الأموال وترك فرائض الإسلام ، فأنتم اليوم لما أن اللَّه جل شأنه مَنَّ عليكم بهدايته لكم على دينه القويم وجب عليكم أن تقيدوا تلك النعمة بالشكر للمنعم تبارك وتعالى ، وأعظم الشكر للَّه هو اتباع أمره واجتناب نهيه على وفق ماجاء به نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ، وأن لا تحيدوا عنه ذات اليمين وذات الشمال فتكونوا من الهالكين، إني أريد أن أشرح لكم حقيقة مانحن عليه من العقيدة في الدين التي أشار إليها العلماء في جوابهم السابق في هذا المجلس ، فاسمعوا واحفظوا عني ما أقوله لكم تنجوا من المهالك . إن أصل الدين كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه محمد e  وماكان عليه الصحابة والتابعـــون لهم بإحســـان . فهم السلف الصالح ثم الأئمة الأربعة من بعدهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي اللَّه عنهم وعن سلف الأمة من الصحابة ومن تبعهم إلى يوم القيامة ، فإن هؤلاء الأئمة المقتدى بهم عند جميع المسلمين من أهل الكتاب والسنة ، فإنه لاخلاف بينهم في أصل الدين من توحيد اللَّه تعالى في ربوبيته وفي ألوهيته وأسمائه وصفاته ، وهذا والحمد للَّه ثابت في كتبهم الموجودة بين أيديكم ، وإن حصل بينهم اختلاف في الفروع فما ذاك إلا من شدة حرصهم وتمسكهم بكتاب ربهم وماصح عن نبيهم e واستخراج معانيها ، كل منهم على قدر ما آتاه اللَّه من العلم والفهم في دينه ، وكلهم إن شاء اللَّه تعالى على حق ، ومن سلك طريقهم وحذا حذوهم إلى يوم القيامة فهذا الذي ندين اللَّه به ، وهو اعتقادنا نحن واعتقاد مشايخنا وأسلافنا وهو الصراط المستقيم ، والميزان العدل ، فمن استقام عليه فهو المتبع المهتدي ، ومن حاد عنه وهو جاهل فيجب عليه الرجوع والتوبة إلى اللَّه تبارك وتعالى ، ومن خالفه معتقداً بطلانه فهذا ليس على شيء من الدين لا أصله ولا فرعه نعوذ باللَّه من ذلك ، ولايقال عن هذا أنه مكذب للمشايخ بل مكذب لكتاب اللَّه وسنة نبيه e ، وإن من حضر منكم هذا المجلس المبارك وسمع كلام العلماء بغير واسطة فقد قامت عليه الحجة ، وليس هو بمعذور بما يأتيه من المخالفة . وعلى الشاهد أن يبلغ الغائب وإني أحذركم من التفرق في الدين ، وتتبع الخلافات فيه ، فإن هذا من أعظم أسباب الهلاك ، وإنكم في زمن قد تشعبت فيه الأمة الإسلامية ، وكثرت فيه الفرق ، وفشت فيها البدع ودنس وجه الدين بما ليس منه ، وكثرت فيه شبه الضالين المضلين ، غير أنه بحمد اللَّه لم يخلُ زمان من قائم للَّه في أمر دينه ينفي عنه غلو المغالين وانتحال المبطلين ، أولئك هم علماء الدين وهم ورثة الأنبياء ، وهم الحافظون لدين اللَّه تعالى حيث أقامهم لذلك .

{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ، وكل يدعي أنه القائم للَّه بحفظ دينه ولكن ميزان العدل في ذلك هو اتباع هذا النبي الكريم ، { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ }  إني أرشدكم إلى أعظم قائم للَّه تعالى في نصر دينه بعد الأئمة الأربعة رضي اللَّه عنهم ، وذلك بعد أن كثرت الملل والنحل وتشعبت الأهواء وتفرق الناس شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون ، ذلك هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام محمد بن قيم الجوزية رحمهما اللَّه تعالى ، ومن هو على طريقهما في الدعوة والتحقيق إلى يوم القيامة ، فقد قام هذان الشيخان بما أوجبه اللَّه على العلماء من بيان الحق وعدم كتمانه ، ولم تأخذهما في اللَّه لومة لائم ، فقد توفي الشيخ ابن تيمية رحمه اللَّه بينما كان محبوساً في قلعة دمشق وماذنبه إلا بيان الحق والدعوة إليه ، وإبطال ماخالفه من العقائد الزائفة والطوائف ( والطرق ) الضالة الفاسدة ، فهذه كتب هذين الشيخين بحمد اللَّه بين أيديكم قد سهل اللَّه نشرها بعد أن كانت مدفونه في زوايا الترك والإهمال فعليكم بمطالعتها فإنها بأدلة الكتاب والسنة تجلو عن القلوب صدأها ، ومآثر الصحابة وهديهم تجلو عن الأبصار غشاءها ، وهذا شيخنا ذلك الإمام الوحيد في زمانه الجليل القدر رحمه اللَّه تعالى قد قام بما قام به هذان الشيخان من الدعوة إلى تحقيق التوحيد للَّه تعالى في أسمائه وصفاته وتوحيده في ألوهيته بإفراده بالعبادة له وحده لاشريــك له لجميع أنواعها وهذا التوحيد هو أصل بعثة الرسل من نوح إلى نبينا محمد e . قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِي }، وهذا التوحيد هو أصل الأصول للدين الذي لايجوز التقليد فيها ، فعليكم بالتفقه في دينكم ، واتباع نبيكم e وسلفكم الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وقد تقدم لكم البيان بأننا في الأصل على القرآن والسنة وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه .

إن هذا المقام ليس مقام تفصيل وإطاله بل هو مقام نصيحة وتنبيه لكم فيما تأتونه من أمور دينكم بأن تكونوا فيه على بصيرة ، قال تعالى : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} . وقال تعالى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } . فمن كان منكم يؤمن باللَّه واليوم الآخر وقصده في هجرة البداوة وانتسابه إلى الخير طلب رضا اللَّه تعالى والتماس ماعنده من الثواب لمن تاب إليه وأناب فلا يتمسك أحدكم بأمور دينه برأيه ، وليس الدين بالاستحسان فكل طريق إلى الحق غير طريق نبيه e فإنه مسدود ، وكل عمل على غير سنته فهو إلى صاحبه مردود ، ولاتبتعدوا وقاربوا فمن سار على الدرب وصل ، وهذا مايجب علينا لكم من النصيحة فمن خالف ما بيناه لكم بقول أو فعل فذمتنا وذمة المسلمين منه بريئة ، وليأمن البطش في ماله ومن أنذر فقد أعذر . نرجو اللَّه أن يوفقنا وإياكم للخير وأن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه .

وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ) .

تحريراً في

10 ذي القعدة سنة 1332هـ

قلت : فهذه الرسالة الصادرة من الإمام الملك عبدالعزيز تدل على ارتباط الملك عبدالعزيز بالعلماء الأعلام ، وعلى أنهم بحمد اللَّه له مؤيدون ومناصحون ومناصرون ورسائلهم المنشورة ، وفتاواهم تحت رايته معلومة ، ولايجادل فيها إلا مغموص بالجهل وكراهية علماء نجد الأعلام .

وقال العلماء الأجلاء :

من سعد بن حمد بن عتيق وسليمان بن سحمان وصالح بن عبدالعزيز وعبدالعزيز بن عبداللطيف وعمر بن عبداللطيف وعبدالرحمن بن عبداللطيف ومحمد ابن إبراهيم إلى فيصل الدويش وسلطان بن بجاد وذعار بن ربيعان وعايد البهيمة وهندي الذويبي وبندر بن جعيلان وعبدالمحسن بن جبرين وقعدان بن درويش وتركي الضيط سلمهم اللَّه من الأهواء ، وألزمهم كلمة التقوى ، آمين ، وبعد :

فأشرفنا على كتابكم الذي أرسلتم إلى الإمام عبدالعزيز سلمه اللَّه تعالى ذكرتم في آخره أنا لا نجتمع وإياك إن خالفت شيئاً مما ذكرنا إلا كما يجتمع الماء والنار ، وهذه كلمة ذميمة وزلة وخيمة ، تدل على أنكم أضمرتم شراً ، وعزمتم على الخروج على ولي أمر المسلمين والتخلف عن سبيل أهل الهدى ، وسلوك مسلك أهل الغي والردى ، ونحن نبرأ إلى اللَّه من ذلك ، وممن فعله ، أو تسبب فيه ، أو أعان عليه ، لأنا مارأينا من الإمام عبدالعزيز ما يوجب خروجكم عليه ونزع اليد من طاعته ، وإذا صدر منه شيء من المحرمات التي لاتسوغها الشريعة فحسْبُ طالب الحق الدعاء له بالهداية وبذل النصيحة على الوجه المشروع ، وأما الخروج ونزع اليد من طاعته فهذا لايجوز ، وأنتم تزعمون أنكم على طريقة مشائخكم ، وأنكم ماتخالفونهم في شيء يرونه لكم ولاندري من هؤلاء المشائخ أهم مشائخ المسلمين أم غيرهم ؟ ممن سلك غير سبيلهم ، ويريد فتح باب الفتن على الإسلام والمسلمين ، أين الخط الذي قد شرفتمونا عليه؟ أين السؤال الذي سألتمونا عنه وأفتيناكم فيه ؟ أين الأمر الذي شاورتمونا عليه ؟ حتى الخط الذي تدعون إنكم تنصحون الإمام عبدالعزيز عن أمور يفعلها أنتم مشائخ أنفسكم تحللون وتحرمون على أنفسكم ؛ ولا ترفعون لنا خبراً في شيء ، ودعواكم أنكم على طريقة المشائخ يكذبه ماصدر منكم ؛ وقد علمتم حقيقة ماعندنا ومانعتقده من حيث ماحدث منكم الخوض وكثرت منكم الخطوط والمراسلات للإمام ؛ وعرفناكم بما عندنا ، ومانعتقد وندين اللَّه به ؛ وهو وجوب السمع والطاعة لمن ولاه اللَّه أمر المسلمين ، ومجانبه الوثوب عليه ، ومحبة اجتماع المسلمين عليه ، والبغض لمن رأى الخروج عليه ومعاداته اتباعاً لقوله e : " اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم " والذي نرى لكم التوبة إلى اللَّه سبحانه والاستغفار ، وعدم التمادي والاسترسال مع دواعي الجهل والغي والضلال ، وأن تلتزموا ما أوجبه اللَّه عليكم من القيام بالواجبات واجتناب المحرمات ، وملازمة طاعة من ولاه اللَّه أمركم ؛ وانظروا وتفكروا في أحوالكم سابقاً ولاحقاً ، واعرفوا نعمة ربكم واشكروه عليها ، فإنكم كنتم أولاً في جاهلية عريضة ، وحالة عن الحق بعيدة ، رؤساؤكم أكثرهم طواغيت كبار ، وعوامكم جفاة أشرار ، لا تعرفون حقائق دين الإسلام ، ولاتعلمون من الحق إلا بما تهوى نفوسكم مع ماكان بينكم من سفك الدماء ونهب الأموال وقطيعة الأرحام ، وتعدي حدود اللَّه وغير ذلك من المحرمات ، وعظيم المنكرات ؛ ثم هداكم اللَّه لمعرفة دينه والعمل بتوحيده ، وسلوك مسلك أهل الإسلام والتوحيد ، وانتشرت بينكم كتب السنن والآثار ، ومصنفات علماء الإسلام ، ثم أنتم الآن انتقلت بكم الأحوال إلى أنكم تحاولون الخروج على الإمام ، ومنابذة أهل الإسلام ، ومفارقة جماعتهم ، فاتقوا اللَّه عباد اللَّه ، واذكروا قوله تعالى : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} . فما أشبه الليلة بالبارحة ، وهذا الذي ذكرناه لكم وأشرنا به عليكم من السمع والطاعة للإمام وعدم نزع اليد من طاعته ، وعدم الشقاق والخلاف ، وترك أسباب التفرق والاختلاف ، ومجانية سبل أهل الغي والضلال والاعتساف هو اعتقادنا الذي نحن عليه مقيمون ، وله على مر الزمان معتقدون ، وبه متمسكون ، وعليه موالون ومعادون ظاهراً وباطناً سراً وعلانية ، ومن نسب إلينا غيره فهو علينا من الكاذبين الظالمين ، وسيجزيه اللَّه بما يجزي به الظالمين والمفترين ، فإن تبتم إلى ربكم ورجعتم عما عن لكم واستحسنته نفوسكم فالحمد للَّه رب العالمين ، والمنة للَّه في ذلك عليكم ، وإن أبيتم إلا الشقاق والعناد وسلكتم مسالك أهل الغي والفساد ، فاعلموا أنا نبرأ إلى اللَّه منكم ، ونشهد اللَّه وملائكته وعباده المؤمنين على خطئكم وضلالكم ، وأنكم قد خالفتم ماكان عليه سلف الأمة وأئمتها وعلماء الملة والدين وقد قال تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً }، وفي الحديث عن النبي e : " من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين " ، فنسأل اللَّه أن يوفقنا وإياكم لسلوك صراطه المستقيم ، وأن يجنبنا جميعاً مواقع سخطه وعذابه الأليم ، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه أجمعين .

الرهبة تقع في القلوب :

لقد كان لهذا النداء الخطير الذي وجهه الإمام عبدالعزيز آل سعود شارحاً فيه نداء طائفة العلماء السالف الذكر ، ومتضمناً ذلك التهديد والوعيد لمن خالفه ، الأثر المستجاب في نفوس الرعية وألقى في قلوبها الرهبة والخشية ، فتطورت الأخلاق من حسن إلى أحسن ، وتبدلت العادات من البداوة الخشنة الجاهلة إلى الحضارة الآمنة المتعلمة، وتمسك الشعب بالحق والاستقامة ، وأعرض عن الحسد والرياء والكذب والغيبة والنميمة وماماثلها من الخصال والعادات الباطلة ، وساد في جميع أرجاء البلاد الصدق والإخلاص والتآلف والتحاب والأمان التام بعضهم لبعض وإطاعة الواحد للآخر ، ومعاونته في سبيل الحق .

وقد دعا الإمام عبدالرحمن إلى اجتماع كبير حضره كافة أفراد الشعب في مسجد الجامع الكبير وأعلن الإمام عبدالرحمن تنازله عن الإمارة للإمام البطل الفاتح عبدالعزيز ، وقد قبل عبدالعزيز تنازل والده واشترط أن يكون والده مشرفاً على أعماله، ويرشده إلى مافيه الخير والسداد والرشاد ، فبايعه والده بالإمامة ، وتبعه الناس، وتمت البيعة الأولى للملك عبدالعزيز في سنة 1320هـ / 1902م ، وقدم له والده سيف سعود الكبير فألقى الملك عبدالعزيز آل سعود على الإثر كلمة أكد فيها أنه سيكون الحاكم المؤمن المخلص ، الذي يعمل لنشر كلمة التوحيد ، ويقيم أحكام الدين، ويقضي على البدع والخرافات .

وقد قام الإمام عبدالعزيز رحمه اللَّه بعقد مؤتمر في الريــــاض في صيف عام 1339هـ / 1928م ، حضره الأمراء والعلماء ورؤساء العشائر وقرروا بالإجماع أن يكون لقب الإمام عبدالعزيز سلطان نجد وملحقاتها .

تم في سنة 1340هـ / 1921م فتح الملك عبدالعزيز حائل بعد قتل عبدالعزيز ابن متعب بن رشيد في روضة مهنا ، ودخلها ومعه المؤن والأموال والأرزاق ووزعها على الناس ، وجاء أميرها محمد بن طلال ومعه كبار آل رشيد مستسلمين ، وعفا الملك عبدالعزيز عن آل رشيد ، وأحسن معاملتهم وقربهم إليه وصاهرهم ، ثم استمرت الفتوحات وتوحيد المناطق بلدة بعد أخرى ، ثم قام الملك عبدالعزيز بغزو شريف مكة بعد أن منع أهل نجد من الحج خمس سنين ، فتم الاستيلاء على الطائف والهدا ، ثم زحفت الجيوش إلى مكة فدخلوها محرمين ملبين ممتثلين لفتوى علماء الشريعة في المؤتمر الذي أقيم في الرياض بأنه لايجوز دخول الحرم بالسلاح أو القتال ، ثم زحفوا إلى جدة فحاصروها ودارت رحى الحرب حولها سنة كاملة كما قال الشاعر :

تكامل حول والقنا يقرع القنا            وقد سألت عنا الديار الشواسع

وقد استسلمت جدة بعد أن خرج منها علي بن الحسين وأتباعه واستسلمت لقوات الملك عبدالعزيز والحمد للَّه .

وبعد أن تم توحيد كافة أقطار شبه الجزيرة العربية ، وتم الاعتراف من كافة الدول الأوروبية وغيرها ، لقب الملك عبدالعزيز بلقب [ ملك المملكة العربية السعودية ] ، وسعدت الأمة العربية والإسلامية بهذا الخبر ، فقد قامت في الشرق العربي مملكة عربية إسلامية قوية قائمة على قواعد ثابتة شرعية وإسلامية ، وعادات عربية قائمة على مكارم الأخلاق .

وقد قام رحمه اللَّه برحلات خارج المملكة ؛ فزار مصر واجتمع بالملك فاروق ورجال السياسة والحكم فقوى الروابط والعلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية، كما تم بينه وحكومة بريطانيا في عهد تشرشل الداهية وحكومة الولايات المتحدة فاجتمع برئيس الولايات المتحدة روزفلت ، وقد دهش هؤلاء السياسيون الكبار من شخصيته ومباحثاته وأعجبوا بفكره ونظراته السياسية ، وكأنهــم اعتبـــروه ملك العرب الذي يملأ كرسي الحكم عظمة وقوة وعزة واعتدالا .

وقد تلقى الإمام الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود كثيراً من العلوم وخاصة العقيدة الإسلامية من العلامة الشيخ عبداللَّه بن عبداللطيف حتى حصلت له المعرفة التامة والإيمان واليقين بعقيدة التوحيد الخالصة من شوائب الشرك والبدع والخرافات ، حتى صفى ذهنه ونور اللَّه قلبه بنور الوحيين الكتاب والسنة ، واهتم بالمحافظة والدعوة إلى تحكيم كتاب اللَّه وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه e ، وسأمر بك أيها القارئ الكريم على جوانب هامة من سيرة هذا الملك الصالح التي أصبحت في الجزيرة العربية مثلاً أعلى ، فأرسى قواعد الدين الإسلامي ، وجاهد وحض الناس على الجهاد في سبيل الدعوة وإرساء قواعد الملة والدين ، أسس المملكة العربية السعودية ووحد كلمتها ، وجمع القبائل حوله من كافة القبائل والعشائر بعد أن صفى المجتمع من جميع الشوائب والشبه ، ووحد القلوب على كلمة الإخلاص لا إله إلا اللَّه حتى أصبح جميع سكان المملكة العربية السعودية يدينون له بالولاء والسمع والطاعة ، وبين حين وآخر يظهر في المجتمع جماعات سلكت مع جلالته مسلك المعارضة وكان ذلك مع الأسف الشديد باسم الدين والتعصب والجاهلية العمياء ، فقد حاربه جماعات من رعيته وشعبه ثم تصدى لهم بالجهاد والقتال وهي قضايا معروفة للجميع ، فنصره اللَّه وأعزه وحمى به حمى الإسلام ، ثم إنه اهتم بتعليم البوادي وتأهيلهم في قرى ومدن تسمى الهجر .

الهجر والإخوان :

الإخوان : وما أدراك من هم الإخوان ؟ .

هم أهل الهجر في الغطغط والإرطاوية وغيرها .

هم ذراع عبدالعزيز العسكرية .

هم سكان البادية ، أهل التوحيد ورجال الحميه .

هم الذين زرعوا الرعب في قلوب العدو والانهزامية .

هم الذين قاتلوا في سبيل اللَّه أهل الشرك .

هم جنود اللَّه ، أهل الحرب والشجاعة والفروسية ، في قلوبهم شعلة الإيمان ، وفي نفوسهم روح التزمت والعصبية .

أما الإخوان ، هم أهل البادية الذين بنى لهم عبدالعزيز الهجر ليسكنوا ويستقروا فيها ، فيتبدل بذلك نمط حياتهم وتتغير نزعاتهم وعاداتهم البدوية التي تقوم على الحل والترحال سعياً وراء الماء والكلأ وعلى الغزو والقتال طمعاً بالغنائم والأموال .

فأهل البادية يعيشون في حالة حرب دائمة ، حرب مع الطبيعة التي تحرمهم سبل العيش بسبب قيظها وحرها وجفافها ، وحرب مع القبائل الأخرى طمعاً بالنهب والسلب . فالغزو شريعة الصحراء ، والقتل والنهب حلال الظافرين ، العصبية القبلية محفورة في قلوب الأطفال والنساء والرجال ، أما الولاء والإخلاص فلا يتعدى الحاجة والغاية ، وخاتمته في أغلب الأحيان تهرب أو تمرد أو خيانة .

هؤلاء العرب الإخوان ، الذين كانوا يقاتلون بشراسة من أجل المال والحلال تغيروا بعـــد أن سكنوا الهجر ، وتعلموا أصول الدين فصفت قلوبهم وقوي إيمانهم ، فراحوا يحاربون في سبيل اللَّه ببسالة وبأس وعناد ، فأصبحوا جنوب اللَّه الميامين ، ورجال عبدالعزيز البواسل .

حاربوا إلى جانب عبدالعزيز فاستبسلوا فتكوا بالأعداء وقهروا الجيوش الجرارة ، وانتـــصروا في كل مكــان فذاع صيتهم في كل الجزيــرة ، وارتاع النــاس من بطــشهم ، لكنهم تخطــوا في تصرفاتهم حدود المعقول ، فجالوا وصالوا وتجبروا ، فراحوا يكفرون الناس ويقتلون كل من لا يسير على مثالهم ، فقطعوا حبل الأمن والسلام وزرعوا الفوضى والرعب في قلوب الأنام ، فضج الناس وتذمر أهل الحضر وسكان البادية من تجاوزاتهم وتصرفاتهم فدعا عبدالعزيز أهل نجد إلى مؤتمر عقد في الرياض سنة 1337هـ / 1918م حضره علماء الشرع ورؤساء القبائل وأهل الرأى والشورى ، صدر عنه قرارات مهمة ، الغاية منها وضع حد لتعنت الإخوان لتصحيح شواذهم وشرح ما التبس عليهم ، وخلاصته :

"إن معتقد المسلمين بدو وحضر واحد ، وأصل المعتقد كتاب اللَّه وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة ثم السلف الصالح ثم أئمة المسلمين ، فكلهم اعتقادهم واحد أصلاً ، قد يكون بينهم اختلاف في الفروع ولكنهم كلهم على حق إن شاء اللَّه ".

ولما كان حال سكان بعض الهجر هو التمرد والتطرف اهتم الملك رحمه اللَّه بأحوالهم .

ولم يتم بناء الهجر الإرطاوية والغطغط ودخنه وغيرها من الهجر البالغة سبعين هجرة إلا بعد أن اهتم بها في أوليات اهتمامه الإمام الملك عبدالعزيز فجعل في كل بلد كفايتها المناسبة إذ ذاك ، فنظم قراهم وأمن وسائل الحياة فيها وكان من أهم الأمور تعليمهم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وشيء من السنة النبوية ، ولما تيسر لهم ذلك فقامت هذه المدن والقرى وانتعشت ، وتبدلت الحال من حال البداوة والجهالة والغفلة إلى المعرفة والقراءة والكتابة وحفظ ماتيسر من القرآن والحديث، فحسنت حال البادية بشكل ملموس ، حتى أصبح البدوي يشارك في كثير مما يلم به الحاضرة من مبادئ القراءة والمعرفة ووسائل العيش ، وفي آخر عهده افتتحت مدارس كثيرة للتعليم في هذه المدن والقرى والهجر حتى عم التعليم جميع البوادي ، وبدؤوا يتذوقون حلاوة العلم والمعرفة ، ويدركون كثيراً من الأخطاء الشائعة عندهم جرياً على عاداتهم وتقاليدهم ، وتأثروا بتعاليم الإسلام الذي دعا إليها خاتم النبيين .

وأن قوة إيمانه باللَّه وصفاء عقيدته ونقاء سريرته ، وحسن سيرته قد حملته على أن يدرس باهتمام دعوة الإمام المصلح السلفي الإسلامية دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب عليه رحمه اللَّه ، وكان رحمه اللَّه يلهج بدعوة الشيخ محمد ويشرحها شرح العارف العالم لأنـــه على بصيرة من دينـــه وعقيدتـــه ، والملك الإمام عبدالعزيز –رحمه اللَّه –كثيراً ما كان في مجالسه مع العلماء يقرر كلمة التوحيد ويشرح معناها ويحض العلماء على التمسك بها ، والدعوة إلى التزامها وتحقيقها ، وقد ناصرها الأئمة من البيت السعودي الكريم للدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية .

وكان رحمه اللَّه يشير دائماً إلى ماتم بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب من مبايعة على نصرة دين الإسلام ودعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإسلامية السلفية ، ويشير إلى ما درج عليه الإمام تركي بن عبداللَّه آل سعود في الدولة السعودية الثانية .

وكان يقول رحمه اللَّه : " وأنا أشهد اللَّه وأشهدكم بأني من أنصار هذه الدعوة السلفية كلمة التوحيد عليها نحيا وعليها نموت" . ثم يأخذ الحديث مع العلماء بإسهاب ، ويأمرهم وينصحهم بالقيـــام بواجـــب هذه الدعوة والحرص على ثباتها وقوتها ، وله –رحمه اللَّه –مجالس خاصة مع سماحة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف تتعلق بالحرص على شباب آل الشيخ وتوجيههم التوجيه النافع .

وكان رحمه اللَّه يعمر مجالسه بقراءة بعض كتب التفسير ، وكان قارئه هو الشيخ عبدالرحمن القويز فإذا ما أخذ مجلسه أمر القارئ أن يقرأ ، ثم بعد القراءة يدور الحديث منه مع من حضر مجلسه العامر من الأمراء والعلماء والوجهاء كبار الزوار ، ولا يكاد يخلو مجلسه من الحكم والآراء الرشيدة ، وكذلك الحال في جميع مجالسه ورحلاته حتى وهو على ظهور الجياد إذ ذاك كان الأدباء والشعراء يحفون به وهو يقول: ( وش عندك يافلان ) ، ويأخذون في نشيد الأشعار والآداب الحماسية المثيرة .

عالمان كبيران يجب التنويه بمكانتهما وجهودهما الإسلامية :

1 – الإمام الشيخ عبدالرحمن بن حسن حفيد الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب تلقى العلم عن جده وأعمامه ومن في طبقتهم من العلماء الأجلاء ، وفي رحلته إلى الديار المصرية التقى بعلماء الأزهر فوجدوه عالماً متبحراً في كثير من العلوم الإسلامية والعربية ، وقد أخذ عنهم إجازات علمية أثنوا فيها على شخصيته وعلمه وفضله ورجاحة عقله ، ثم عاد إلى نجد فاستقبله الإمام تركي بن عبداللَّه ورحب به وأجله واحترمه ، وكان أهل نجد يسمونه المجدد الثاني لما لرسائله ودروسه وأبحاثه من قوة علمية ورجاحة في الاستدلال وبيان الحق ، وكان هو ومن في طبقته من المشايخ والعلماء مؤيدين ومؤازرين للإمام تركي بن عبداللَّه زعيم الدولة السعودية الثانية .

2 – الإمام العلامة عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب كان علامة واسع الاطلاع ، غزير العلم والمعرفة والإحاطة بأقوال جميع الفرق الإسلامية ، وكان من البلاغة وقوة البيان وحسن الاستدلال مضرب الأمثال ، وقد أطلق عليه بعضهم الشيخ الأزهري لأنه قد درس في الأزهر دراسة متينة أهلته لحمل الشهادات العليا من علماء الأزهر أثناء إقامته في مصر .

وقد عاد من مصر إلى الديار النجدية ورحب به من قبل الأمراء من آل سعود وكافة الشعب ، وكان ذلك في أول عهد الإمام فيصل بن تركي ، وكان خير معين له بالنصح والولاء والإخلاص ، وقد كلفه الإمام فيصل بمهام كبيرة ، ولما وقع الخلاف بين عبداللَّه بن فيصل وأخيه سعود بن فيصل وحاصر عبدالله الرياض بجيش جرار من البوادي فنزلوا جنوب الرياض بغية احتلالها فخرج الشيخ إلى هناك ، ونزل بساحتهم ناصحاً ومنذراً بخطورة هذا الخلاف ، وثنى عبدالله عن مهاجمة الرياض ، فكان له بهذا العلم مسعى سياسي إسلامي هادف وهو لايفضل عبداللَّه على سعود أو سعود على عبداللَّه ، واعتبر الغلبة والطرف الذي بيده مقاليد الحكم هو الطرف الشرعي ، وأن الحكم يدور مع علته فمن حكم وغلب وانتصر وقبل من المواطنين فهو الحاكم الشرعي، وهذه الحلقة السياسية مفقودة في الكلام على ما تم بينه وبينهم ، وكان له مواقف إسلامية ووطنية مشهورة تحدث عنها في قصيدة عصماء .

 

العلماء المعاصرون للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود

 الذين هم وراءه بالنصح والولاء والإخلاص:

ومن العلماء العلامة الكبير " شيخ مشايخنا " الشيخ سعد بن حمد بن عتيق تلقى علومه في الهند ، وأجيز بإجازات عالية ، وبعد أن أنهى مهمته في الطلب والدراسة عاء إلى الديار النجدية وكان له عند الملك عبدالعزيز مكانة التجلة والاحترام ، فهو من عباد اللَّه الصالحين الغيورين على شريعة الإسلام والولاية الإسلامية ، وكان رحمه اللَّه فقيهاً محدثاً ملماً بكافة العلوم والأدلة الشرعية والعقلية التي يستأنس بها ، وأذكر أن بعض المنتسبين عندما أراد الملك عبدالعزيز استعمال المبرقات ( التلغراف ) حاولوا الكتابة للملك عبدالعزيز وقبل رفع الكتاب إلى الملك حضروا في بيت الشيخ سعد يطلبون منه التصديق على ما حرروه ، وضم صوته إلى صوتهم فلما قرىء عليه الكتاب قال لهم : إني أعارضكم، وأرى أن ما كتبتموه غير شرعي فلم يكن لكم في ما أدليتم به من الأدلة الشرعية شيء ، وأنا وأنتم لانعرف حقيقة مثل هذا الاختراع ، والأصل في الأحكام هو الكتاب والسنة وأصول الشريعة ، وليس فيها كلها مايجعلكم تحكمون بحرمة استعمال ( التلغراف ) فاللَّه تعالى يقول : { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } ، فإياكم أن ترفعوا هذا الكتاب وهو مبني على غير دليل . هذه خلاصة ماصار منه رحمه اللَّه حررتها بالمعنى وهي معلومة معروفة لدى المشايخ والعلماء رحمهم اللَّه جميعاً وغفر لهم ، ورأى علماء آل الشيخ وغيرهم واحد في هذه المسألة كما تراه في هذه الفتوى بشأن المبرقات .

من محمد بن عبداللطيف وسعد بن حمد بن عتيق وسليمان بن سحمان وعبداللَّه بن عبدالعزيز العنقري وعمر بن محمد بن سليم وصالح بن عبدالعزيز وعبداللَّه بن حسن وعبدالعزيز بن عبداللطيف وعمر بن عبداللطيف ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن عبداللَّه وعبداللَّه بن زاحم ومحمد بن عثمان الشاوي وعبدالعزيز بن محمد الشثري إلى من يراه من إخواننا المسلمين سلك اللَّه بنا وبهم صراطه المستقيم ، وجنبنا وإياهم طريق أهل الجحيم ، آمين .

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته : أما بعد :

فقد ورد على الإمام –سلمه اللَّه – سؤال من بعض الإخوان عن مسائل ، وطلب منا الجواب عنها فأجبناه بما نرى . أما مسألة البرقي فهو أمر حادث في آخر هذا الزمان ولانعلم حقيقته ، ولا رأينا كلاماً عنه من أحد من أهل العلم فتوقفنا في مسألته، ولانقول على اللَّه ورسوله بغير علم ، والجزم بالإباحة أو التحريم يحتاج إلى الوقوف على حقيقته .

ومن أبرز العلماء الذين رحبوا بقدوم الملك عبدالعزيز يوم فتح الرياض عبداللَّه بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب ، الشيخ العلامة ، والحبر الفهامة ولد في مدينة الهفوف في الإحساء سنة 1265هـ ، وذلك حينما كان والده في الإحساء لتقرير عقيدة التوحيد ، وبيان طريقة السلف في الأسماء والصفات ، ومناقشة علماء الإحساء وتوضيح الشبه التي كانوا يظنونها من الدين فأزالها حتى ظهر الحق فيها ، وقد عاد والده الشيخ عبداللطيف من الإحساء إلى الرياض وخلف ابنه عبداللَّه في بيت جده لأمه الشيخ عبداللَّه بن أحمد الوهيبي ثم المشرقي ثم التميمي النجدي أصلاً الإحسائي مولداً ومنشأ ، وكان بيته بيت علم وفضل وورع فجد أمه الشيخ أحمد الوهيبي عالم ، وأبو أمه الشيخ عبداللَّه بن أحمد الوهيبي من العلماء الأجلاء ، وكان الشيخ –رحمه اللَّه عليه –من العلماء الأجلاء وكان موضع ثقة للملك عبدالعزيز يأخذ برأيه في كثير من المسائل .

وهو –رحمه اللَّه –على جانب كبير من العقل ومكارم الأخلاق ، وهو عمدة آل الشيخ في زمنه ، وإليه يرجع كثير من الأمور وهو كريم جداً رحمه اللَّه .

الشيخ العلامة الفقيه محمد بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن عبدالوهاب جد الشيخ العالم الفقيه عبدالعزيز بن عبداللَّه بن محمد آل الشيخ المفتي العام للمملكة حالياً كان الشيخ محمد رحمه اللَّه من كبار العلماء الذين لهم مشاركة وتأثير برأيه وفكره وعلمه لدى الملك عبدالعزيز رحمهم اللَّه وكانت له مجالس علمية يلقي فيها الدروس على تلامذته وطلاب المعرفة ، وكان محققاً في علوم العقيدة الإسلامية ، وله فتاوي علمية معتبرة فهو من كبار العلماء رحمه اللَّه .

الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف ، ولي القضاء في عهد الملك عبدالعزيز وكان فقيهاً عالماً ورعاً يدين بالنصح والولاء والطاعة لولي أمر المسلمين .

الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف ، ولي القضاء وهو من العلماء الذين يدينون بالولاء والطاعة لولي أمر المسلمين .

الشيخ عبداللَّه بن حسن بن حسين بن علي بن حسين آل الشيخ كان رئيساً للقضاء في مكة المكرمة وكان من العلماء المشهورين المعروفين بالولاء والإخلاص والسمع والطاعة لولي الأمر .

الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد ابن عبدالوهاب . الشيخ العلامة مفتي البلاد السعودية ورئيس قضاتها ومرجع أمورها الدينية والإسلامية ، ولد في مدينة الرياض وذلك في يوم السابع عشر من شهر محرم من عام 1311هـ ، تلقى مبادئ القراءة والكتابة في سن التمييز ، وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وعمره إحدى عشرة سنة وكان والده من كبار العلماء فشرع يقرأ عليه في مختصرات العلم من التوحيد وأصول العقيدة قراءة حفظ وفهم ، وكذلك في رسائل الأئمة الأعلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبدالوهاب ، كما تلقى العلم عن شيخه الشيخ العلامة سعد بن حمد بن عتيق ، أخذ عنه علم التفسير وأصوله ، وعلم الحديث وأصوله ، والفقه وأصوله ، وقرأ عليه كثيراً من كتب الأئمة الأعلام وشروح كتب الحديث مدة طويلة وقد أدركته وأنا صغير أذهب معه لزيارة شيخه سعد بعد أن كبر سنه وضعفت قواه .

وفي السنة السابعــة عشرة من عمره فقد بصره فصبر واحتسب ولم تثنه هذه المصيبه عن مواصلة الدراسة وتحصيل العلم بل زادته رغبة وقصرته على العلم دون غيره، وقد أجمع من عارفوه –كما تدل سيرته وتصرفاته وأعماله –على أن اللَّه تعالى وهبه عقلاً كبيراً ، وفهما ثاقباً ، ومنحه جلداً وصبراً ، ورزقه قوة في بدنه وفكره وما أبقاه له من حواسه .

وقد التقى –رحمه اللَّه –بعدد من العلماء والمحدثين البارزين منهم العلامة المحدث الشيخ عبدالستار الصديقي الدهلوي ، التقى به في مكة المكرمة وقد أجازه بمروياته في إتحاف الأكابر وهذا نص الإجازة :

بسم اللَّه الرحمن الرحيم وبه نستعين

الحمد للَّه وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، فإني أجزت الشيخ الإمام المحدث محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف النجدي الحنبلي الأثري بجميع ماذكر في هذا المجموع الذي قدمته وحررته في أوله بيدي ، وأنا أحقر الورى أحد ساكني أم القرى خادم العلم بالمسجد الحرام الراجي من ربه حسن الختام ، أبو الفيض وأبو الإسعاد عبدالستار الصديقي ابن المرحوم الشيخ عبدالوهاب الدهلوي الكتبي تغمده اللَّه برحمته وأسكنه بحبوحة جنته في يوم عاشوراه من محرم الحرام من سنة 1349هـ .

بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على محمد أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم إلى يوم الدين أما بعد :

فقد وصل إلى الفقير أحقر الورى أحد ساكني أم القرى خادم العلم بالمسجد الحرام رزقه اللَّه تعالى حسن الختام الإمام الشيخ العلامة الهمام البصير بقلبه من حسن ظنه من فرط حبه ألا وهو صاحب هذه المجموع الشيخ: محمد بن إبراهيم ابن عبداللطيف النجدي سلك اللَّه بي وبه مسلك أهل الحق ، ووفقنا لما به النجاة يوم يبعث الخلق ، وطلب مني سماع الحديث المسلسل بالأولية والمسلسل بسورة الصف فأسعفته مطلوبة ، وذكرت له سندي إلى البصري في ذلك ، ثم أرسل إلى هذا الإثبات يسألني اتصال سندي وذكره بهم فأجبته : فقلت أما الأمم للشيخ إبراهيم المدني فإني أرويها بعموم الإجازة عن محدث الهند الشيخ محمد نذير حسين الدهلوي ، وهو عن الشيخ محمد إسحاق ، وهو عن جده لأمه الشيخ عبدالعزيز ، عن أبيه الشيخ ولي اللَّه ، عن الشيخ أبي الطاهر ، عن والده الشيخ إبراهيم ، وأما بغية الطالبين للشيخ أحمد النخلي المسكي فإني أرويها عن المحدث السيد محمد صالح الزواوي ، عن الشريف محمد بن علي السنوسي ، عن السيد ياسين المرغني ، عن أبيه عبداللَّه المحجوب آنليون ، عن النخلي به وبإسنادي إلى أبي الطاهر عن العلامة ابن عقيدة ، عن المؤلف ، وأما قطف الثمر للشيخ صالح الفلاني المدني فإني أرويه عن الشيخ عبدالرحمن سراج بن عبداللَّه سراج عن المؤلف وإما إتحاف الأكابر للإمام الشوكاني فإني أرويه عن السيد حسين الحبشي ، عن الشريف محمد بن ناصر الحازي عن المؤلف ، هذا ماتحصل لدي من الاتصال لهؤلاء الأثبات ، وفيها الكفاية والمقنع ، وأما اتصالي لكتاب الإمداد ثبت الشيخ عبداللَّه بن سالم البصري الذي جمعه لدى ولده سالم فبسندي إلى الشيخ صالح الفلاني ، عن محمد بن عبداللَّه المغربي ، عن عبداللَّه بن سالم ، وهنا إمداد آخر جمعه الشيخ عبداللَّه بن صالح البصري بنفسه لكن إذا أطلق الإمداد لايراد إلا مما جمعه له ولده سالم المطبوع في هذا المجموع ، فتنبه له فإنه غريب ، والحمد للَّه رب العالمين ، قاله بفمه وكتبه بقلمه الفقير عبدالستار الصديقي الحنفي ابن المرحوم الشيخ عبدالوهاب الدهلوي المكي كان اللَّه له وأحسن له الختام .

في 9 محرم الحرام سنة 1349هـ    الختم

هذه الأثبات والمرويات هي أهم ماحمله العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم من إجازات ومرويات ، وهو أيضاً يحمل عدة شهادات لأحاديث ومسلسلات أخذها عن بعــض العلمـــاء من أشياخه ومن هم أعلى منه سناً ، وهو رحمه اللَّه على جانب كبير من العقل الراجـــح والرأي السديد والحكمة والسداد في مايفتي به أو يقضــي به أو يدرسه ويعلمه ويوجه به ، فقد أصبح –رحمه اللَّه –أبرز علماء عصره .

وقد نال ثقة جميع العلماء في زمانه والمفكرين والملوك والأمراء فقد كان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود يعتبر الشيخ محمد بن إبراهيم هو المرجع الأعلى في مسائل العقيدة والشريعة وللعلماء ولكافة أهل الرأي والعقل والرأي ، فهو مرجع الجميع ، ويرضى بفتواه وحكمه كل من آلت إليه رسمياً وشعبياً لسلامة نيته وحسن سيرته وطويته .

وقد حل في هذا المنصب بعد وفاة عميد الأسرة الشيخ الإمام عبداللَّه بن عبداللطيف ذي الفضائل والمكارم وحسن الرأي وشعبيته التي كانت هي معتقد الجميع، فقد حل محله ، وملأ كرسيه ، واستأنس به الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ابن فيصل آل سعود مؤسس هذه الدولة العظيمة ، التي جمعت بين أطراف المملكة من شمالها إلى جنوبها ، ومن شرقها إلى غربها ، حكمها بشريعة اللَّه ، ونفذ فيها أحكام اللَّه ، فرحم اللَّه ملوكنا وعلماءنا وأمراءنا الذين حافظوا على عقيدة الإسلام ، والذب عن دعوة سيد الأنام النبي المصطفى محمد