المقدمــة:
الحمد
لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده :
إن
المملكة العربية السعودية التي مر على تأسيسها في هذه السنة (1419هـ) مائة عام
لجديرة بالذكر والاهتمام؛ ذلك لأن المولى – عز وجل – قد رزقها بمقومات السيادة
والصدارة على المستوى العربي والإسلامي والدولي معاً .
فالمملكة
العربية السعودية حكومة وشعباً في المقدمة في جانب الاحتفاظ بالثقافة الإسلامية
والعربية، وهي قبلة المسلمين، يستقبل شطرها جميع المسلمين في الشرق والغرب، وهي
كذلك على المستوى الدولي في المقدمة أيضاً لما رزقها الله – تبارك وتعالى – من
البترول وغيره مما يخرجه الله تعالى من أرضها . فالملك عبدالعزيز هو الرائد لهذه
السيادة والقيادة فقد بنى قواعد المملكة على الأسس التي شيدها الآباء والأجداد
بروح من التقوى والإيمان، ثم إنه هو الذي خطط لمستقبل المملكة مما نراه الآن من
الإنجازات القيمة والتقدم الباهر، وسار على دربه أبناؤه البررة وما سيعقب ذلك من
البناء والرقي والنماء في المستقبل إن شاء الله تعالى .
فالمملكة
العربية السعودية هي مهبط الوحي، ومركز الأمن والاستقرار فيها مكة المكرمة حيث ولد
الرسول e، وفيها المدينة المنورة التي هاجر إليها الرسول e، وأسس فيها العاصمة الأولى للدولة الإسلامية، وفيها الرياض التي
فتحها الملك عبدالعزيز، واستردها إلى ما كانت عليه أيام آبائه عاصمة الحكم ومركز
الشأن، فانطلقت منها إشعاعات الحق لتعم الدنيا برسالة الحق ؛ رسالة التوحيد التي
ترفرف على العالم بكل معاني السعادة والفلاح والأمن والاستقرار والرخاء .
إن
موضــوع هذا البحث هو ( الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله ) ،
إنني اخترت هذا الموضوع لأهميته ولعدة أسباب أذكر بعضها في الآتي :
1-
أن الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – هو الذي رهن نفسه لتأسيس هذه
المملكة فإما النصر وإما الشهادة، فتم بعون الله على يده بناء هذه المملكة،
واستطاع بذلك أن يحقق أمنية أجداده وأمجادهم، فقد شهد له التاريخ في الماضي
والحاضر، وسيشهد له في المستقبل على هذا العمل الجبار والتضحية المباركة .
2-
أن الملك عبدالعزيز
رجل الخير والبركة؛ فآثار أعماله الطيبة وإنجازاته القيمة واضحة المعالم كوضوح
الشمس في رابعة النهار .
3-
أن الملك
المغفور له رجل حق وصراحة وعدالة يحبه كل من سمع عنه أو اطلع على أقواله
وأفعاله؛ فقد دخلت هذه الشخصية الطيبة في
نفسي منذ عشرات السنين منذ أن اطلعت على بعض أقواله في كتاب في مسجد من مساجد جدة،
وأنا أنتظر صلاة العصر، فجاء من بين أقواله في ذلك الكتاب([1])
قوله : ( أنا رجل لا أعرف إلا القرآن والسيف) فهذه الكلمة قد أعطت ظلال المعاني لحياة
هذا الملك فهو رجل القرآن والسيف، والقرآن هو منهج المتقين والصالحين رجال البناء،
والسيف هو السبيل لتأديب المنشقين والعصاة والمتهورين ، فلا يقوم الحق والعدل إلا
بالقرآن والسيف، فقد قال تعالى عن القرآن : {ذَلِكَ
الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} ( البقرة :2)، وقال تعالى عن الحديد
الذي يصنع السيف منه : {
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ
بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحديد : 25).
وما
أحسن قول أبي تمام عن السيف حيث قال أمام الملك المعتصم لما جهز لغزو عمورية :
السيـف أصـدق
أنبـــــاء من الكتب في حده الحد
بين الجد واللعب([2])
فلا
غرابة من أن تتخذ المملكة العربية السعودية القرآن والسيف شعاراً لها بناءً على
شريعة ربها واقتفاءً لآثار أمجادها وأسلافها ، وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عثيمين
في قصيدة له عن الملك عبدالعزيز :
فجئت بالسيــــــف والقــرآن معتزماً تمضي بسيفك ما أمضـــــاه قرآن
حتى انجلى الظلم والإظلام وارتفعت للدين في الأرض أعلام وأركان
دين
ودنيـــا وبأس في الوغى ونــدى تفيض من
كفه بالجــــود خلجان
4-
أن الملك
عبدالعزيز هو أول من وحد المملكة ، وقد كانت مكونة من أجزاء شتى، وهو أول من استخرج
الثروة الطبيعية المخبوءة في أنحاء المملكة ، وأعطى الشركات امتيازات لاستخراج
النفط والذهب وغيرهما من خيرات الأرض .
5-
أن الملك
عبدالعزيز هو أول من بنى كياناً دولياً اعترف به الجميع في العالم من الدول الصغرى
والكبرى .
6-
مناسبة مرور
مائة عام على دخوله الرياض مؤذناً بقيام صرح المملكة العربية السعودية .
أكتب
عن هذه الشخصية الفذة للأسباب السابق ذكرها وغيرها كثير ؛ فهو الرجل الذي قيد نفسه
بدستور السماء الذي لا يتغير ولا يبطل ولا يبدل ، أكتب عنه لأنه ما قام هذا
الاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة إلا احتفاءً بعمله وتخليداً لذكرى
المغفور له، فقد دخل الرياض رحمه الله في تمام اليوم الخامس من شهر شوال عام
1319هـ / 1902م([3]) ،
وهذا تمام مائة سنة لهذه الذكرى الخالدة .
هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
المدخـــــل :
1–
بلاد نجد قبل تأسيس المملكة العربية السعودية :
إن
بلاد نجد خصوصاً والجزيرة العربية عموماً يغلب عليها البدع والخرافات وسوء الإدارة
قبل تأسيس المملكة وقبل الدعوة الإصلاحية ، فلم يظهر في نجد سلطان قوي صالح يوحد
أجزاءها ويسيطر على الحوادث في داخلها ويوطد الأمن والاستقرار فيها؛ فقد كثر فيها
الجهل والضلال والظلم والجور والقتال([4]) ،
وعمت فيهم الفرقة والذلة والفقر ، فمع أن هذه البلاد كانت قبل دعوة التوحيد([5])
التي جاء بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعيش في وقف الحكم العثماني إلا
أنها لم تشهد نفوذاً مباشراً للدولة العثمانية كما كان في البلاد الإسلامية الأخرى
.
وكانت
الحروب قائمة بين البلاد النجدية، وكان في كل قرية أمير، وينازعه آخرون في إمارته،
فكل أمير كما يقول ابن بشر: ( خائف ومخيف في نفس الوقت ) ([6]) ،
وكل أمير يتربص بالآخر، وينتهز الفرصة للوثوب عليه، وقد بلغ الأمر إلى أن القرية
الواحدة تتمزق بين أميرين أو ثلاثة أو أكثر، كل واحد منهم يدعي لنفسه الإمارة أو
الولاية .
2–
دعوة التوحيد :
كانت
بلاد نجد قبل دعوة التوحيد التي ظهرت في نجد على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب
(1115– 1206هـ)/ (1703– 1791م) – رحمه الله – في غاية الجهالة؛ فقد وقعوا في الشرك
الأصغر والأكبر والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام، فنقلهم من ظلمات
الجهالة إلى نور الإسلام، وتتلخص دعوته في الأمور الآتية :
(1) معنى (
لا إلـــه إلا الله ) وأنها نفي وإثبــــات ( فلا إله ) تنفي جميع المعبــــودات
و( إلا ) تثبت جميع العبادات لله وحده لا شريك له .
(2) معرفة
الأصول الثلاثة التي هي :
أ – معرفة
الله تعالى ومخلوقاته الدالة على ربوبيته وإلهيته كالشمس والقمر والنجوم والليل
والنهار والسحاب المسخر بين السماء والأرض وما عليها من الأدلة من القرآن .
ب – معرفة الإسلام وأنه تسليم الأمر لله وهو
الانقياد لأمر الله والانزجار عن مناهيه ومعرفة الأركان التي بني عليها ، وما
عليها من الأدلة من القرآن والسنة .
جـ – معرفة النبي e واسمه ونسبه ومبعثه وهجرته ، ومعرفة
أول ما دعا إليه وهو ( لا إله إلا الله )، ثم معرفة البعث وأن من أنكر البعث أو شك
فيه فهو كافر، وما على ذلك من الأدلة من القرآن والسنة، ومعرفة دين النبي e وأصحابه وهو التوحيد ، ومعرفة دين أبي جهل وأتباعه وهو الشرك
بالله تعالى([7]) .
لقد
استقبلت الدرعية الشيخ محمد بن عبدالوهاب بدعوته، فاستقبله صاحبها الإمام محمد بن
سعود بالحفاوة والمحبة والتعظيم والاحتفال به وهو الجد الأعلى للملك عبدالعزيز بن
عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – فبشره الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإمام بالعز
والتمكين ، وأن من تمسك بكلمة ( لا إله إلا الله ) وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد
والعباد، وهي كلمة التوحيد، وهي أول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، ثم إن
محمداً بسط يده، وبايع الشيخ محمد بن عبدالوهاب على دين الله ورسوله والجهاد في
سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([8]) .
ولما
نزل الشيخ الدرعية كان أهلها في أشد الضعف وضيق المؤونة، ولكنهم لما اطمأنوا إلى
الشيخ واهتموا بدعوته فصاروا يجلسون عند الشيخ في النهار يتلقون دروس الحديث
والمذاكرة، ثم إنهم يتاجرون بالليل ويأخذون الأجرة ويحترفون، فتحولت الدرعية بسبب
هذه الدعوة من الفقر والضعف والضيق إلى السعة وطيب العيش، فكثر عندهم الرجال
والأموال والسلاح المحلى بالذهب والفضة الذي لا مثيل له والخيل الجياد والنجائب
العمانية والملابس الفاخرة([9]) ،
وعموماً فقد كثر الخير فيهم، وعم الرخاء الرجال والنساء .
فالشيخ
محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – الذي خرج من بلدة العيينة بنجد لقى صعوبات كثيرة
في سبيل الدعوة إلى الدين القويم والعودة إلى ما كان عليه السلف الصالح من صفاء
العقيدة ونبذ الشرك والبدع، فلم يتم له النصر إلا بعد أن التقى بالإمام محمد بن
سعود حاكم الدرعية ، فتم بينهما العهد الذي تم بتاريخ 1157هـ/1744م، فانطلق الشيخ
محمد يصحح الأوضاع الدينية المتردية بمؤازرة الإمام محمد بن سعود، فعمت هذه الدعوة
بلاد العارض وأغلب منطقة الخرج والوشم والمحمل وسدير، وانتشرت دعوة التوحيد فيها([10]) ،
وهذه الدعوة هي التي تمسك بها الملك عبدالعزيز وبها يؤمن ومن أجلها نزلت على يده
المؤيدات الإلهية بالنصر التمكين .
3–
البيئة التي عاشها الملك عبدالعزيز :
إن
البيئة التي نشأ الملك عبدالعزيز فيها كانت بيئة صراع من كل الجوانب؛ فقد ولد في
وقت شدة المنافسة والحروب بين عميه ثم النكبة الكبرى التي حلت بأسرته عند استيلاء
ابن الرشيد على الرياض فاضطر والد الملك إلى الهجرة إلى الكويت([11])،
وأكبر من هذا كله هو وجود سيطرة الحكم العثماني على العالم الإسلامي ، ويمثل هذه
الهيمنة على الحجاز محمد علي باشا في مصر ، وقد كانت له أيضاً مطامعه الخاصة ، فكل
من الحكم العثماني وسيطرة محمد علي باشا على مصر والجزيرة العربية خطر عظيم على
الدعوة السلفية التي أيدها آل سعود وتبنوها ونشروها ونصروها .
وكانت
الصوفية المذهب المتبع في الدولة عند الأتراك وعند الحكم في مصر في ذلك الوقت، فلا
يطيب لهؤلاء خاطر مادامت دعوة التوحيد قائمة على قدم وساق، فشنوا الغارة الشعواء
ضد هذه الدعوة الفتية .
كانت
البيئة التي نشأ فيها الملك عبدالعزيز مليئة بالشدائد سواء البيئة الخاصة والعامة،
في ذلك الوقت كانت بيئته الخاصة تتفاقم فيها المنافسات والحروب بين عميه مما سبب
ضياع ملك آل سعود في ذلك الوقت، فانتقل والده من الرياض إلى منطقة الأحساء، ومكث
بها مدة، ثم نزح إلى القطيف فقطر، وأخيراً توجه إلى الكويت فاستقر بها، ونزل ضيفاً
على آل الصباح سنة 1309هـ / 1891م، كانت الكويت في ذلك العهد تنعكس عليها التيارات
السياسية والنزاعات المختلفة في العالم([12])،
فتكونت بها البيئة العامة للملك عبدالعزيز، وتتلخص هذه التيارات في الأمور الآتية
:
-
كانت ألمانيا
تريد أن تتخذ من الكويت نهاية الخط الحديدي التي تفكر في إنشائه بين برلين وبغداد
.
-
كانت روسيا
تحاول إحباط مشروع ألمانيا؛ لأنها كانت تسعى إلى بسط نفوذها في منطقة البحار
الدافئة .
-
كانت بريطانيا
تريد الهيمنة على منطقة الخليج العربي للمحافظة على مشاريعها التجارية زيادة على
طمعها في استجلاب الثروات الطبيعية في هذه المنطقة التي أصبحت أغنى مناطق البترول
في العالم .
-
كانت دولة
الأتراك تتحرك للاستيلاء على الجزيرة العربية لمنع التدخل الأوروبي فيها، وكان عاهل
الكويت الشيخ مبارك الصباح ملكاً سياسياً محنكاً لم يترك أية فرصة نجاح لهذه
الشرور الدولية التي كانت تهدد كيان دولته .
-
كان الملك
عبدالعزيز يكثر الذهاب إلى مجالس حاكم الكويت لحسن العلاقة بينهما، فاستفاد
عبدالعزيز فائدة تامة بتلك المجالسة حيث تعرف على كثير من المتطلبات السياسية
الدولية وأساليبها، وألمَّ بما كان يدور في العالم من مشاكل حول منطقة الخليج
العربي .
4– عهود الدولة السعودية :
هناك
ثلاثة عهود للدولة السعودية([13])
نذكرها مختصرة في الآتي :
أ – الدولة السعودية الأولى .
ب – الدولة السعودية
الثانية .
جـ – الدولة السعودية
الثالثة : وتشتمل هذه الدولة على الملوك الآتي ذكرهم :
(1)
الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (وحكم عام 1319–1373هـ/ 1902–1953م) ، ومدة حكمه
(54) سنة .
(2)
سعود بن عبدالعزيز (وحكم عام 1373 – 1384هـ /
1953 – 1964م)، ومدة حكمه (11) سنة .
(3)
فيصل بن
عبدالعزيز (وحكم عام 1384 – 1395هـ / 1964 – 1975م)، ومدة حكمه (11) سنة .
(4)
خالد بن
عبدالعزيز ( وحكم عام 1395 – 1402هـ / 1975 – 1982م)، ومدة حكمه (7) سنوات .
(5)
فهد بن
عبدالعزيز ( وحكم منذ عام 1402 / 1982م ) إلى اليوم .
الباب الأول : حياة الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله –
(1297 – 1373هـ / 1880 – 1953م)
نسبـــه:
هو
عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود ابن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى
بن ربيع بن مانع بن المسيب ، وهو جد آل مقرن الأعلى، ولقبه "المريدي".
وكان يسكن في بلد الدروع من نواحي القطيف، ويعود مانع هذا في أصوله إلى قبيلة بكر
بن وائل المنحدرة من جديلة بن أسد بن ربيع بن نزار بن معد بن عدنان([14]) .
ويلتقي
نسب الملك عبدالعزيز ملك البيت السعودي الكريم بنسب النبي e في جده ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان([15]) .
ويذكر
عبدالعزيز التويجري أن نسب الملك يلتقي أيضاً مع الشاعر البطل عمرو بن كلثوم بن
وائل، ومن المشهور أن عمرو بن كلثوم([16])
هو قائل هذه الأبيات:
أبــا هنـد فـــلا تعجـل علينا وأنظرنـــــــا نخبرك اليقيــــنا
بأنا نــــــورد الرايـات بيضــا ونصدرهن حمرا قد روينا
إلى
قوله :
إذا بلغ الفطـــــام لنــا صـبي تخر له الجبابـــــر ساجدينــا
ملأنا البر حتى ضــــــاق عنا وظهر البحر نملؤه سفيــــنا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كـدراً وطينا
مولــــده :
ولد
المغفور له الملك عبدالعزيز بالرياض في التاسع عشر من ذي الحجة 1293هـ/ الموافق
عام 1877م .
نشأتــــه :
لما
بلغ الملك عبدالعزيز السابعة من عمره عهد به والده إلى بعض العلماء لتعليمه القرآن
الكريم والتفقه في الدين ، وكان يخرج مع والده في كل المناسبات ، فتعلم خلال ذلك
كثيراً من تاريخ العرب وأحوالهم ، كما تدرب على ضروب من الفروسية وفنون الرماية،
واكتسب أيضاً صفاء الذهن ومضاء العزيمة من حياته في الصحراء وقت تنقلاته مع والده
حتى استقر أخيراً في الكويت، وكان يجلس مع كبار القوم وأئمتهم ، وهو مازال شاباً ،
يسمع ما يقولون ، ويرى ما كانوا يزاولونه من أعمال الرجولة والجدية ، وكان يشترك
معهم في الرأي والمشورة في أعظم الأمور وأحزمها([17]) .
سيرته مع والده وأهله :
كانت
سيرته مع والده في منتهى البر([18])
والإحسان والتقدير، فما سمع أنه عارضه في أمر من الأمور، وكان يستشيره في الصغير والكبير
، ويشكر دائماً أفضال الوالدين عليه، ويجلس بين يدي والده بوقار وصمت وخشوع حتى
يبدأه والده بالكلام، وكان كثير الترحم عليه بعد وفاته، ويطلب له الرحمة والمغفرة
، وكان كثير البر بأهله ويسأل عن أحوالهم .
عبادتــــه :
كان
المغفور له كثير الصلاة والتعبد، وكان من الذين يستغفرون الله بالأسحار ، فإذا أذن
المؤذن أدى فريضة الفجر مع الجماعة، ثم ينصرف إلى بيته، فيقرأ القرآن الكريم
والأذكار المأثورة الصحيحة، وقد اختار لنفسه ورداً يومياً جمعه لنفسه ولجميع
المسلمين سماه ( الورد المصفى المختار من كلام الله تعالى وكلام سيد الأبرار ) ،
وهذا الكتاب اسم على مسمى، وقد طبعه ولده البار صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن
عبدالعزيز آل سعود، وكان الفراغ من الطبعة الأولى لهذا الكتاب في مطبعة السنة
المحمدية في الرابع من شهر شوال سنة 1369هـ (1950م)، وذلك اليوم هو الموافق لذكرى
مــــرور خمســـــين عاماً على دخول الملك عبدالعزيز عاصمـــة ملكه وملك آبائه (
الرياض ) ، وقد علق على هذا الكتاب مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر الشيخ
محمد حامد الفقي صاحب التصانيف المفيدة والشروح والتعليقات الطيبة رحمه الله
تعالى، نذكر ذلك التعليق فيما يأتي :
(
وقد طبع هذا الورد المبارك على النسخة الخطية الخاصة بجلالة أمير الموحدين ، قرة
عيون المؤمنين ، ومحط آمال العرب والمسلمين ، ناصر الملة والدين ، وقاهر الملحدين
والمبتدعين الملك عبدالعزيز بن الإمام عبدالرحمن آل فيصل آل سعود ، أمد الله في
أيامه المباركة، أبقى ظل عدله الوارف ظليلاً على الجزيرة العربية، أطال الله عمره
قرة لعيون الموحدين ورغم أنف أعداء الحق والدين) ([19]) .
طلبــه العلم :
كان
المغفور له يجد ويشتغل في الدروس وخاصة في كتب التفسير والحديث والتاريخ والأدب،
يقول عبدالعزيز التويجري :
(
أربعة وخمسون عاماً يتلى بين يديه [ الملك عبدالعزيز ] في ساعة معينة ، كل يوم
منها فصل من التفسير ، وفصل من التاريخ ) ([20]) .
وقال
أيضاً :
(
ومن عاداته بعد العشاء أن يصغي إلى فصول من كتب التفسير والحديث ، أو كتب الأدب
والتاريخ ) .
حروبـــــــه :
لقد
قام الملك عبدالعزيز بحروب عظيمة حققت له انتصارات باهرة حيث استعاد بلاداً
إسلامية، ووحد المملكة العربية السعودية، وجعلها دولة ذات مناعة ومهابة واستقرار
ورخاء، وفيما يأتي ملخص هذه الفتوحات([21]):
استعاد
الرياض وما حواليها من آل الرشيد سنة 1319هـ / 1902م، ثم توجه إلى المقاطعات
الجنوبية من نجد، وهي الخرج والحوطة والحريق والأفلاج ووادي الدواسر، فاستردها من
آل رشيد سنة 1321هـ / 1903م .
وأول
ما قام به الملك أول قدومه إلى الرياض القضاء على عجلان مندوب ابن الرشيد في مدينة
الرياض .
وفي
سنة 1322هـ / 1905م استعاد الملك عنيزة من آل رشيد، واسترد بريدة كذلك من آل رشيد
في معركة روضة مهنا، وذلك سنة 1324هـ / 1906م، واستعاد الأحساء وسائر المنطقة
الشرقية من الحكم العثماني سنة 1331هـ / 1913م .
ولقد
اتبع الملك خطة عسكرية قبل تحرير الأحساء؛ ذلك أنه قسم جيشه إلى ثلاثة أقسام، وصنع
من جذوع النخل ومن الحبال سلالم؛ ليتسلقوا بها الأسوار ليلاً، ودخل الجيش السعودي
المدينة، وسيطروا على الأماكن الحصينة والجنود نائمون ، وفي الصباح تمكن الملك
عبدالعزيز من السيطرة على المدينة .
وإلى
الآن لم يزل هذا القول ساري المفعول؛ فمنذ العهد الأول للدولة السعودية في عام
1157هـ/1744م على يد محمد بن سعود إلى عام 1319هـ/1902م كانت عملية الحكم تنتقل من
الأب إلى الابن، وعند وفاة الملك عبدالعزيز خلفه ابنه سعود على زعامة البلاد، ثم
خلفه الملك فيصل عام 1384هـ / 1964م .
وفي
عام 1395هـ/1975م خلف الملك خالد أخاه فيصلاً ، وفي1402هـ/1982م خلف الملك فهد
أخاه الملك خالداً، وبهذا استقر النظام الجديد لقيادة المملكة العربية السعودية،
وهو انتقال الحكم فيما بين أبناء الملك عبدالعزيز آل سعود .
هذا
مصداق قول الرجل السابق: ( الملك لله ثم لعبدالعزيز )؛ فالملك عبدالعزيز ملك وأبو
الملوك، فنرجو أن يدوم هذا الحكم فيه مع استمرارهم في نصرة الشريعة الغراء
والعقيدة السلفية السمحة.
وبعد
هذا الاستطراد المناسب نعود إلى ما نحن عليه، وهو أنه في سنة 1338–1340هـ / 1919– 1922م
استرد الملك عبدالعزيز منطقة عسير ، وفي سنة 1343 – 1344هـ/1924 – 1925م ضم جميع
بـــلاد الحجاز، ثم تمكن من ضم المخلاف السليماني، فانضمت إلى المملكة العربية
السعودية سنة 1349هـ / 1930م، فتوحدت جميع أجزاء المملكة العربية السعودية بشكل
رسمي يوم 21–5–1351هـ /22–9–1932م .
إصلاحاته وتنظيماته([22]) :
ومع
أننا سنتكلم عن منهج حكم الملك عبدالعزيز وإداراته نريد هنا أن نشير إلى بعض
الإصلاحات والتنظيمات التي قام بها الملك المغفور له، وفيما يأتي ذكر لذلك :
1-
تأسيس مجلس
الشورى .
2-
تحسين أحوال
أهل البادية وتحضيرهم بتوطين كل قبيلة في قرية مستقلة قرب بئر أو نبع وتدريبهم على
الأعمال الصناعية أو التجارية أو الزراعية .
3-
توطيد دعائم
الأمن بتنفيذ حكم الله في الأرض وتأسيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
4-
تمهيد الطرق .
5-
إنشاء
المستشفيات والمستوصفات .
6-
استعمال
المخترعات العصرية .
7-
استقدام
الخبراء في التعدين والصناعة .
8-
إنشاء المنشآت
لراحة الحجاج والمعتمرين .
9-
توسيع الحرمين
.
10-
الاهتمام بطبع
الكتب الدينية .
11-
بناء المدارس
والمعاهد النظامية واستقدام المدرسين والخبراء لنشر العلم .
12-
إرسال البعوث
إلى مختلف البلاد في العالم للاستفادة من العلوم والفنون .
13-
تأسيس المكتبات
وتزويدها بالمؤلفات المختلفة .
14-
تأسيس مؤسسة
النقد العربي السعودي .
15-
وضع نواة
للطيران في جدة .
16-
تمديد أنابيب
البترول من الخليج العربي إلى البحر المتوسط .
17-
افتتاح محطة
الإذاعة السعودية .
تكوينه العلاقات الخارجية :
فقد
كون العلاقات الجيدة في السياسة بين المملكة العربية السعودية والدول الإسلامية
والأوروبية .
الباب الثاني : شخصية الملك عبدالعزيز
لقد
ساهمت البيئة الخاصة والعامة في تكوين شخصية عبدالعزيز، والتنقلات التي قام بها مع
والده في الصحراء ثم الاستقرار بعد ذلك في الكويت لهما أثر بارز في حياته، فقد
رزقه الله تعالى بذلك عزة النفس والكرامة والإباء والفروسية والشجاعة والصبر
والمجالدة ، والخبرة بالصحراء، وحسن تقدير الأمور، وحصافة الرأي، ودقة الملاحظة.
هذا بجانب التربية الدينية التي نالها من والده، ولا يفوتنا ما ذكرناه سابقاً من
أن الإمام محمد بن سعود جده الأعلى هو الذي أيد دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بقوة
سلطانه، فلم تزل روح تلك الدعوة الإصلاحية تدب في قلوب أجداد عبدالعزيز وآبائه حتى
وصلت إليه .
إن
الملك عبدالعزيز اجتمعت في شخصيته فضائل العرب؛ فرزقه الله تعالى رهافة الحس ،
وسماحة النفس ، وقوة البأس، فهو تقي نقي في دينه، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله
تعالى أحداً . لقد تكلم الكثير عن الشخصية الفذة للملك عبدالعزيز، وشهدوا له
بالفضل، وأنه رجل أيد الله به الرسالة ، وجدد به الدين، ووحد به الأمة، وفتح الله
تعالى على يديه كنوز الأرض المخبوءة ، فالمملكة العربية السعودية أصبحت بعد توفيق
الله تعالى ثم بجهود شخصيته الفذة قبلة ورابطة ومنارة في العالم([23]) .
إن
كثيراً من المؤرخين والكتاب يشبهون هذه الشخصية الفذة بشخصية عمر بن الخطاب t، وهي شخصية نادرة الوجود، فقد قال أمين الريحاني عن شخصية عبدالعزيز
في مقدمة كتاب " تاريخ نجد وملحقاته "([24]):
(
منذ عهد الخليفة عمر t حتى بداية عهدكم السعودي لم يسعد العرب
بمن يجمع شملهم ، ويوحد كلمتهم ويعزز شؤونهم ، فيجعلها تحت السيادة التي فيها
الخير الأكبر للجميع ، أي السيادة العربية الواحدة ) .
ذكر
السيد أمين الريحاني هذا الكلام مخاطباً الملك عبدالعزيز .
ويقول
أحمد حسن الزيات([25]) :
(
والملك عبدالعزيز كالخليفة عمر من المصطفين الذين صنعهم الله على عينه، أمدهم
سلطانه وعونه، وليؤيدوا رسالة أو يجددوا دعوة أو يوحدوا أمة ) .
وكان
من زعماء العرب الكبار الذين سجلهم المؤرخون في التاريخ العام من هؤلاء معاوية من
بني أمية ، والمأمون من بني العباس ، وصلاح الدين من الأيوبيين؛ فهؤلاء مع شهرتهم
ومكانتهم ونفوذهم على الجزيرة العربية لم يغيروا أحوال العرب منذ عمر ابن الخطاب
حتى جاء الملك عبدالعزيز الذي يُعَدُّ عمر ثانياً في جمع الشمل وتوحيد المقاصد ،
وتعزيز الجانب وتأسيس الملك الذي لا يماري ولا يباري .
كان
الملك عبدالعزيز رجل قول وعمل وخطابة، وكان من الذين إذا قالوا فعلوا ، ومما قال:
(
أنا لست من رجال القول الذين يرمون اللفظ بغير حساب ، فأنا رجل عملي ، إذا قلت
فعلت ، وعيب علي في ديني وشرفي أن أقول قولاً ولا أتبعه بالعمل؛ لأن هذا شيء ما
اعتدت عليه، ولا أحب أن أتعوده أبداً ) ([26]) .
وكان
المغفور له إذا تكلم تخلل حديثه خوف الله وخشيته مع ذكر الآيات والأحاديث، ويصلي
ويسلم على النبي e كلما ذكر اسمه، كما ذكر ذلك أمين
الرفاعي في حديث بعنوان "ساعة مع جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود" ، قال
:
(
أخذ جلالة الملك عبدالعزيز يتحدث إلينا في مختلف الشؤون، وهو جهوري الصوت، يهش في
وجوه المتحدثين معه، وينتقل بسرعة من موضوع إلى آخر ، يستدل في أقواله بالآيات
الكريمة والأحاديث النبوية والأبيات الشعرية ، وإذا ذكر اسم النبي e قرنه بالصلاة والتسليم ولو تكرر ذلك عدة مرات ) ([27]) .
إنني
أتيت بهذا الجانب من شخصية المغفور له؛ لأبرهن لأعداء التوحيد والدعوة السلفية أن
الصلاة على الحبيب المحبوب محمد – صلوات الله وسلامه عليه – أصبحتا دماً ولحماً في
شخصيات القادة السلفية وأئمتها ومجدديها، فقد ذهب عوام الصوفية إلى أن (الوهابيين
) كما يطلقون على أتباع هذه الدعوة الإصلاحية التجديدية السلفية بأنهم لا يصلون
على النبي e، ولم يقولوا هذا القول إلا ليحرشوا
العوام على أصحاب الدعوة السلفية، فهذا الزعم تقوّل وافتراء ليس فيه برهان ، لقد
مرت معك نوعية عبادة المغفور له وأنه صنف كتاب الأذكار الذي يحتوي على ما صح من
المأثورات الذي يذكر الله به في طرفي النهار .
فشخصية
الملك عبدالعزيز شخصية وسط أخذت من كل بستان زهرة، وخير الأمور أوسطها ، يقول
الأستاذ عباس محمود العقاد([28]) :
(
كان عبدالعزيز عنيداً مع الأقوياء ، متواضعاً مع الضعفاء ، ولكنه مع عناده كان
يسمع الرأي الآخر ، فإذا اقتنع به رجع إليه؛ لأنه اتخذ من الحق والشريعة إماماً
وحكماً، وكان يؤمن أن الأقوياء هم الذين يرجعون عن أخطائهم ، والضعفاء هم الذين
يتمسكون بها ) .
وقال
أيضاً : ( كان عبدالعزيز عدة رجال في رجل واحد ) .
وقال
أيضاً : ( إن ابن سعود من أولئك الزعماء الذين يراهم المتفرسون المتوسمون فلا
يحارون في أسباب زعامتهم وعظمتهم، ولا يجدون أنفسهم مضطرين أن يسألوا : لماذا كان
هؤلاء زعماء ؟ لأن الإيمان باستحقاق هؤلاء لمنزلة الزعامة في أقوامهم أسهل كثيراً
من الشك في ذلك الاستحقاق ) ([29]) .
أما
فيما يتعلق بالكرم فإن الملك عبدالعزيز مضرب الأمثال؛ إذ كان يرى في المال أنه
حطام الدنيا ، والحطام فان والروح باق خالد ، ولما نصحه بعض أصدقائه بالكف عن
البذل والعطاء قال لهم : ( ما أغنت قارون خزائنه ) .
فقد
صادف أنه أعطى فقيراً صرة وهو على طريقه للنزهة، فأخبره السائق أنه صرة الجنيهات
لا الريالات الفضية ، وبها ثلاثمائة جنية ذهبي، فنادى السائل ، فأقبل إليه كاسفاً
، ظناً أنه سيستردها، فقال له : ( أردت أن أهبك الريالات ، وما نويت إلا هذا ولكن الله
هو الذي وهبك هذا الذهب ، حيث أخطأت فأعطيتك صرة الجنيهات ، إنها ليست هبتي،
ولكنها هبة الله ، فخذها، واشكر الله وحده عز وجل، واشتر بها نخيلاً ، واعمل، ولا
تكسل ) ([30]) .
الباب الثالث : منهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة :
يقوم
منهج الملك عبدالعزيز في الحكم والإدارة على أساس من الحكمة والعدل والفطانة ونور
من البصيرة، كان واثقاً بالهدف الأسمى الذي بنى عليه حكومته، وهو يرسم سياسته
وخططه لبلوغ هذا الهدف، ويصدر قراراته اللازمة في ضوء هذا التخطيط؛ فهدفه الأساسي
بلوغ رضى الله تعالى ثم تذليل وسائل الرقي لرعيته، ويتصف حكمه بقوة الإدارة
والأناة في معالجة الأمور، كما يتوخى حل المشكلات بالصلح أولاً ، فهو أيضاً متسامح
مع خصومه، ويجمع بين الرحمة والشدة، فلا فرق في ذلك بين أبنائه وبين أبناء شعبه،
فبهذا المنهج السليم استطاع الملك أن يكون علاقة جيدة، مع شعبه أولاً، ثم بالدول
العربية والإسلامية والأوروبية، فانضمت المملكة العربية السعودية إلى الأمم
المتحدة، وإلى الجامعة العربية عضواً مؤسساً سنة 1365هـ/1945م.
برنامجه في الإدارة والحكم والتعامل([31]) :
كان
المغفور له تعرض عليه بعض الأمور العاجلة بعد ما ينتهي من أوراده الصباحية، فيبيت
فيها ، ثم ينام قليلاً، وبعد أن يستيقظ يتناول طعامه، ثم يخرج إلى مجلسه الخاص حيث
تعرض إليه أمور الدولة، فيأمر رجال ديوانه بما يرى حول تلك الأمور، ثم بعد ذلك
يدخل عليه الناس وشيوخ البدو والقبائل لزيارته، ويسمع شكوى الشاكي ونصح الناصح،
وبعد ذلك يذهب إلى المجلس العام ليجتمع به كل من يريد الاجتماع به، ويمكث هناك إلى
وقت الظهر، فيصلي الظهر مع الجماعة .
وبعد
صلاة الظهر يعود إلى مجلسه الخاص، فيعرض عليه ما يجد من الشؤون الهامة للبلاد
والعباد من الرعية . وكانت حدة ذكائه وفراسته تجعله يحكم على صدق أو كذب ما يسمعه
لأول وهله .
وبعد
العصر يجلس مع إخوانه وأبنائه وأقاربه وكبار الموظفين ليتبادل أطراف الحديث معهم،
وبعد ذلك يقرأ أو يصغي إلى فصول من كتب التفسير والحديث أو التاريخ أو الأدب، ثم
تتلى عليه أخبار الإذاعة التي يتلقاها العامل المكلف بها من أهم المحطات العربية والشرقية،
ثم ينفض المجلس، وينصرف إلى بيته .
وكانت
مواعيد المغفور له في الإدارة والتعامل والنوم واليقظة والعبادة منتظمة، كان
محافظاً على برنامجه اليومي في جميع المواسم والأوقات، يستيقظ قبل الفجر للتهجد
وقراءة القرآن ، وبعد طلوع الفجر يصلي الصبح جماعة، ثم يعبد ربه إلى وقت ركعتي
الشروق .
ويظهر
منهج العدل والمساواة والرحمة في إدارة الملك عبدالعزيز وحكمه فيما أصدره يوماً
لشعبه، وهذا نصه([32]) :
(
من عبدالعزيز بن سعود إلى شعب الجزيرة العربية :
على
كل فرد من رعيتنا يحس أن ظلماً وقع عليه أن يتقدم إلينا بالشكوى ، وعلى كل من
يتقدم بالشكـــوى أن يبعث بها بطريق البرق ، أو البريد المجاني على نفقتنا ، وعلى
كل موظف بالبريد أو البرق أن يتقبل الشــكوى من رعيتنا ولو كانت موجهة ضد أولادي،
وأحفادي، وأهل بيتي . وليعلم كل موظف يحاول أن يثني أحد الرعية عن تقديم شكواه
مهما كانت قيمتها أو حاول التأثير عليه، ليخفــف لهجتها أننا سنوقع عليـــه
العقــاب. لا أريد في حيــاتي أن أسمع عن مظلــوم، ولا أريد أن يحملــني الله وزر
ظلــم أحــد، أو عدم نجدة مظلــوم، أو استخلاص حق مهضــوم . ألا قد بلغت، اللهم
فاشهد !!) .
ولقد
دخل رجل من أبناء الشعب السعودي على الملك متظلماً من أحد أبنائه الأمراء كانت له
أرض بجوار أرض ذلك الأمير، فأقام الأمير قصراً على أرضه وجزء من قطعة أرض المتظلم،
فلما سمع الملك هذه الشكوى استدعى ولده، فذكر له الولد أن ذلك حدث من غير قصد،
فأطرق الملك عبدالعزيز ، ثم قال :
(
يخير الشاكي بين هدم عمارة الأمير حتى يسترد أرضه من تحتها ، أو ينال أربعة أمثال
ثمن القطعة مع التعويض المناسب من مال ولدنا الذي اعتدى على أرضه ). ووافق الرجل
على قبول الثمن والتعويض ، ودعا للملك بثواب الآخرة([33]) .
فهذا
هو العدل بعينه؛ الملك عبدالعزيز يحكم على ولده بهذا الحكم، فذلك هو العمل بحكم
الله بعينه، فليس هناك مجاملة في الحق كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً
فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ
تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } (النساء: 135) .
وقال
تعالى : { يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8) .
وقال
تعالى : { وَإِذَا
قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (الأنعام: 152) .
أمثلة
أخرى من إدارته وحكمه وتعامله :
لقد
كان لدى الملك عبدالعزيز من الذكاء والفراسة ما يجعله يحكم على الصدق أو الكذب
لأول وهلة؛ ذلك لأن الإدارة تمرن صاحبها على القرارات الإدارية استناداً على حدة الذكاء
والفراسة والحس والتخمين والخبرات السابقة، ولقد كانت للملك عبدالعزيز أمثلة كثيرة
من هذا القبيل، وفيما يأتي تلك الأمثلة:
أ – حله لمشكلة استعمال المخترعات العصرية في المملكة([34]) :
لقد
عانى الملك عبدالعزيز كل المعاناة من المتشددين أمام كل جديد الذين يرون أن
التلغراف السلكي واللاسلكي والسيارات والعجلات من البدع التي لا يرضى عنها
الإسلام، ومن ناحية أخرى شدة أولئك الذين يطالبون أن تمشي المملكة مع موكب الحضارة
والمدنية الحديثة، فاختط الملك عبدالعزيز في ذلك طريقاً وسطاً بين القوتين، فبدأ
بنشر التعليم المدني بجانب التعليم الديني وتنظيم الإدارة الحكومية على الطريقة
الحديثة، فدخلت بذلك السيارات والطيارات واللاسلكي المملكة العربية السعودية،
والشيء الذي أريد الوصول إليه في بيان ذكاء الملك في الحكم والإدارة أن بعض
المتشددين ينكر على الملك عبدالعزيز استماعه للمذياع واستعانته باللاسلكي والهاتف
، ولأنهم يظنون أن بها (شياطين) تنقل الحديث، فسألهم جلالته يوم ذاك: ( هل الشيطان
يطيق كلام الله ؟ )، فأجابوا : ( لا )، قال : ( اسمعوا )، فإذا المذياع يذاع منه
القرآن الكريم بصوت رخيم عذب، أمر جلالته أحد أتباعه بأن يسمع المنكرين بعض آيات
القرآن الكريم في الهاتف، فدهش هؤلاء المتشددون، وأيقنوا أنه ليس هناك شيطان، وليس
هناك سحر . بهذا قضى الملك على خرافة منع الاستفادة من المخترعات العصرية ما دام
لا يظهر ما ينقض تعاليم الدين بداهة .
ب – حكم الملك لامرأة ساذجة :
وهذه القصة أن زوج هذه المرأة الساذجة كان
نائماً تحت نخلة في العراء ، وكان على هذه النخلة رجل يجني ثمرة النخلة منها، فسقط
عليه وهو نائم، فقتله، فقال لها الملك: (ولكنه لم يقصد قتله)، فقال الزوجة: (لا
أبالي قصد أم لم يقصد)، فبينت الزوجة أنه لا مناص من القصاص؛ لأن هذا الرجل هو
القاتل، فلا تبالي قصد أم لم يقصد . فلما أدرك سذاجة المرأة قال لها: (حسن ما
تطلبين، وإنما يعامل القاتل بمثل عمله، فاصعدي أنت صاحبة الحق في الدم على تلك
النخلة التي سقط منها، واسقطي عليه كما سقط على زوجك فاقتليه)([35]) .
فهذه
بعض أمثلة إدارة الملك عبدالعزيز حيث يعمد إلى الحزم فيما يدعو إلى الحزم، ويتوخى
الإقناع فيما يستدعي فيه الإقناع، وكل ذلك برهان قاطع لحدة الذكاء والفراسة والحس
في منهج الملك في الحكم والإدارة .
وقد
بين الأديب أحمد أمين في كتابه " زعماء الإصلاح في العصر الحديث " أن هذا
المنهج الذي اتخذه الملك عبدالعزيز هو الطريق الصحيح لإزالة الشبهات حول الدعوة
السلفية التي جاء بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأيده ملوك المملكة العربية
السعودية، فقد أحكمت الدعاية ضدها مما جعل الناس يفرون من هذه الدعوة، ولم يفهموا
جوهرها، فاتباع هذا النوع من المنهج في الإدارة شيء مهم في كشف القناع أمام كثير
من الناس ممن جهلوا هذه الدعوة([36]) .
وعلى
العموم فقد بنى الملك منهجه في الحكم والإدارة على أساس من الحكمة والعدل، وهو
يتوخى حل المشكلات بالصلح، ويجمع في إدارته وحكمه الرحمة والشدة، ولا فرق في ذلك
بين أبنائه وأبناء شعبه، وبهذا المنهج استطاع الملك أن يربط المملكة العربية
السعوديـــة بسائر الدول الإسلاميـــة والأوروبية، فانضمت المملكة العربية
السعوديــة إلى الأمم المتحدة، كما انضمت إلى الجامعة العربية عضواً مؤسساً سنة
1365هـ/ 1945م ، أصبحت المملكة مسموعة الكلمة عربياً وإسلامياً وعضواً فعالاً
دولياً. وأما الشؤون الداخلية فقد استتب الأمن والاستقرار والرخاء في جميع المملكة
، وذلك بتطبيق شريعة الله عز وجل ، فأيده الله على ذلك بمؤيدات ربانية، وهي اكتشاف
النفط في شرق المملكة سنة 1357هـ/1938م، فخلف المغفور له مملكة عظيمة ودولة
متماسكة، وفتح لها أبواب الحضارة والمجد والرقي .
وفــاتــــه :
انتقل
الملك عبدالعزيز إلى رحمة ربه في ربيع الأول سنة 1373هـ/1953م ، وذلك في مدينة
الطائف ونقل جثمانه إلى الرياض ، حيث دفن فيها بعد حكم دام اثنتين وخمسين سنة.
وبلغ من العمر ثمانين سنة، وترك من الأولاد الكثير ، واعتنى بتثقيفهم، فهم الآن
ملوك المملكة، فهو كما أسلفنا ملك وأبو الملوك، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأحسن
مكافأته نظير ما قدمه للإسلام والمسلمين([37]) .
الهـوامـــش
([1]) لم أتمكن من ذكر اسم هذا الكتاب لطول عهدي به، ولكنني ذهبت إلى ذلك
المسجد مراراً في شارع التوبة بجدة بغية الاطلاع عليه مرة أخرى ، ولم يتيسر لي ذلك
، وهذا قبل الشروع في هذا البحث بسنوات .
([2]) فهذه أجود قصيدة من قصائد أبي تمام . انظر : الإمام شمس الدين الذهبي :
سير أعلام النبلاء ، مؤسسة الرسالة بيروت ، ط7 ، 1410هـ 10/303 . وانظر : ما قاله
الشيخ ابن عثيمين : صالح العبود ، عقيدة الشيح محمد بن عبدالوهاب السلفية أثرها في
العالم الإسلامي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، ط1 ، 1408هـ ، ص: 583،
والمؤلف نقل الأبيات من كتاب ( العقد الثمين من شعر محمد بن عثيمين ) ، جمعه ورتبه
وشرح ألفاظه سعد بن عبدالعزيز رويشد ، ص : 82 – 85 .
([3]) إن هذا هو سبب احتفالنا اليوم بهذه المناسبة العظيمة مرور مائة عام على
تأسيس المملكة حيث صار الملك لله ثم لعبدالعزيز ، ولقد تكلم الكتاب عن هذا اليوم
وأهميته، ويقول عبدالرحمن بوشنق: (وستتوالى الأجيال، وتتعاقب القرون والعرب
يتحدثون عن البطولة والشهامة والرجولة ممثلة في استرجاع الرياض لأربع خلون من شهر
شوال قبل خمسين عاماً على يد عاهل الجزيرة وباني مجدها ...), انظر : مجلة المستمع
العربي ، العدد الأول ، السنة الخامسة 1944م .
([5]) انظر : الدكتور صالح العبود : عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلفية
أثرها في العالم الإسلامي ، الجامعة الإسلامية ، 1416هـ / 1996م ، ص : 22 – 24 ،
المدينة المنورة .
([9]) انظر : المرجع السابق ، 1/13 ، وانظر : أحمد أمين : زعماء الإصلاح في
العصر الحديث، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية ، 1984م ، ص : 10 .
([11]) انظر : فؤاد الفارسي : الأصالة والمعاصرة المعادلة السعودية ، ص 351 ،
دار الأصفهاني بجدة ، ص : 33 .
([14]) انظر : أحمد العسيري : موجز التاريخ الإسلامي ، ص : 350 ، وانظر أيضاً
: ابن بشر : عنوان المجد في تاريخ نجد، 2/5 .
([15]) انظر : عبدالعزيز التويجري : الملك عبدالعزيز ، رياض الريس للكتب
والنشر، ط2 ، 1997م ، ص : 76 – 81 .
([19]) عبدالعزيز آل سعود : الورد المصفى المختار من كلام الله تعالى وكلام
سيد الأبرار ، شركة مكة للطباعة والنشر ، مكة 1402هـ ، ط 20 ، ص : 101 .
([21]) انظر : فؤاد الفارسي : الأصالة والمعاصرة المعادلة السعودية ، ص : 35 –
38 . وانظر : أحمد العسيري : موجز التاريخ الإسلامي ص : 36 .
([22]) انظر : فؤاد الفارسي : الأصالة والمعاصرة المعادلة السعودية ، ص : 38 -
69. وانظر : أحمد العسيري : موجز التاريخ الإسلامي ص : 361 .
([36]) انظر : أحمد أمين : زعماء الإصلاح في العصر الحديث ، القاهرة ، مكتبة
النهضة المصرية ، 1984م ، ص : 10 – 25 .
([37]) انظر : أحمد العسيري : موجز التاريخ الإسلامي ، ص : 361 ، وانظر أيضاً
: فؤاد الفارسي : الأصالة والمعاصرة ، ص :
39 .
ثبت
المصادر والمراجع
§
أحمد أمين : زعماء الإصلاح في
العصر الحديث ، 1965 ، مكتبة النهضة المصرية .
§
أحمد معمور العسيري موجز
التاريخ الإسلامي ، منذ عهد آدم عليه السلام إلى عصرنا الحاضر 1417هـ / 1997م ،
الطبعة الثانية 1417هـ / 1996م .
§
أمين الريحاني : تاريخ نــجد
وملحقاته وسيرة عبدالعزيز ، مكتبة دار الريحان للطباعة والنشر ، ط3 ، بيروت .
§
الدكتور صالح بن عبدالله بن
عبدالرحمن العبود : عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلفية وأثرها في العالم
الإسلامي ، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، 1408هـ .
§
الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن
بن فيصل آل سعود ، الورد الصفي المختار من كلام الله تعالى وكلام سيد الأبرار ،
مكتبة شركة مكة للطباعة والنشر ، مكة 1402هـ .
§
عبدالعزيز بن عبدالمحسن
التويجري : الملك عبدالعزيز دراسة وثائقية ، مكتبة رياض الريس للكتب والنشر .
§
العلاّمة المحقق عثمان بن بشر
النجدي الحنبلي – رحمه الله تعالى – : عنوان المجد في تاريخ نجد، مكتبة الرياض
الحديثة .
§
الدكتور فؤاد عبدالسلام الفارسي
: الأصالة والمعاصرة المعادلة السعودية ، مكتبة دار الأصفهاني للطباعة بجدة .