تثير دراسة الحركة الإصلاحية السعودية عدداً من الأسئلة عن مفاهيمها وأبعادها، وعن العوامل التي ساهمت في بروزها ضرورة ملحة لتغيير الوضع القائم ، وعن التصور الذي كان لدى الداعين إليها ، وعن مدى إشعاعها خارج دول العالم العربي أو مجموع بلاد الإسلام ، وعن مدى تجاوبها مع الفكر الإصلاحي بالمغرب . وهل هذه الحركة الإصلاحية التي كانت تعبيراً عنها ظلت تندرج ضمن السلفية الخالصة أم جاءت في أبعادها الإصلاحية ترتبط أحياناً بالتيار التحديثي ؟ .

 

الحركة الإصلاحية السعودية وشروط الظهور :

تندرج الحركة الإصلاحية السعودية التي آزرت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأفكاره ضمن الحركات الإصلاحية التي عرفها القرن الثامن عشر ، وهي كجميع الحركات لم تبرز صدفة . فقضية الإصلاح بشكل عام ، تثيرها أحياناً تناقضات داخلية تتحتم معالجتها للمحافظة على توازنات المجتمع ، أو تكون نمو قوة جديدة تفوق القوات الاجتماعية القديمة ، فتنزع بالتالي إلى تحقيق منجزات على المستوى الدولي . وهذا هو شأن الإصلاحات التي اشتهرت بها في أوروبا أواخر القرن السابع عشر وطوال القرن الثامن عشر . وتطرح مشكلة الإصلاح كذلك حينما يغدو مجتمع ما عرضة لخطر يتهدده بالإبادة من الخارج ، مما يحتم إيجاد القوة الجديدة المنافسة والكفيلة بدفع الخطر . وهذا ما يطرح في عمقه ضرورة إعادة النظر في كل أجزاء البنية الاجتماعية الأصلية ومكوناتها ، بما في ذلك قوة هذا المجتمع الدفاعية الموروثة . لاستخدامها في الحصول على النتيجة المنشودة ، هذا هو الإصلاح وهذا هو شأنه في العالم العربي أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن الماضي .

أمَّا العالمُ الإسلامي فقد عاش إبان هذه المرحلة ظروفاً انطبعت بالاضطراب والتفكك على مستويات متعددة ، ذلك أن الدولة العثمانية أمست غير قادرة على التحكم في مسيرة الأمة الإسلامية والدفاع عن وحدتها الدينية والسياسية .

إن الدولة العثمانية دولة إسلامية وكان من شروط استمرارها المحافظة على الترابط القائم بين الدين والدولة ، وبين الجند والسلطان . غير أنها في غياب هذه الشروط فقدت توازناتها واهتزت أركانها وانتشر الضعف في جميع انحائها حتى سارت تنعت " بالرجل المريض " .

ومن مظاهر هذا التفكك ضعف السلاطين وعدم قدرتهم على الإمساك بزمام الأمور نتيجة وصول بعض الأمراء إلى الحكم ، مع جهلهم وعدم إلمامهم بالأمور السياسية ، ونتيجة الصراعات الداخلية القائمة بين بعض الأمراء من جهة ، وجنوح البعض الآخر منهم لخدمة مصالحه الخاصة .

وعلى مستوى آخر تدهور نظام الانكشارية الذي يمثل الركيزة العسكرية الأساسية التي قامت عليها الدولة العثمانية ؛ ذلك أن التطور الذي حدث في توزيع ملكية الأرض في هذه الدولة انعكس سلباً على طبيعة العلاقة الرابطة بين السلطان والأنكشاري ، فلم يكن يعرف هذا الأخير حسب تكوينه الديني وسلوكه العسكري سوى الله في السماء والسلطان في الأرض ، تربطه به جميع شروط الطاعة التي لا تختلف في ممارساتها عن علاقة العبد بسيده . وهو مقابل مزاولته للخدمة العسكرية يملك أرضاً ، مما جعل من خدمته هذه التزاماً لا وظيفة . وبمجرد إصلاح قانون الملكية وانتزاع الأرض مننه تحول نظام الانكشارية من الالتزام إلى نظام الارتزاق ، وتحولت الانكشارية من قوة فاعلة لضمان استمرارية الحكم العثماني إلى مصدر للفوضى وإثارة القلاقل في جميع أنحاء البلاد ، مما نتج عنه استبداد الولاة وتفشي ظاهرة الحركات الانفصالية في الأقليات المسيحية أولاً ، وبالولايات الإسلامية ثانياً .

على المستوى الديني : فعلى الرغم من كون الدولة العثمانية دولة سنية فقد غلب على ربوعها التشيع إلى فرق متعددة تباينت فيما بينها مثلما اختلف أهل السنة في مذهبهم ، وغلبت الدولة العثمانية التصوف على حساب التشيع ، فانتشرت الطرق في أرجائها ، وكانت كل واحدة منها تدعي أنها الأصلح لقيادة الأمة ، وانتشرت البدع والضلالات ، فأمست الدولة العثمانية بذلك تمارس الحكم في زيغ عن الدين الإسلامي الصحيح ، مفتقدة بذلك المبررات الشرعية لممارسة الحكم . ففي ظل هذا الضعف السياسي وهذا الفراغ الإديولوجي أصبح العالم العربي والإسلامي مهدداً يبحث عن دواعي ضعفه ومسببات استرجاع قوته .

في وقت ابتدأت فيه المدنية الغربية تعطي أكلها ، واتسعت حضارياً الهوة بين العالم الإسلامي والعالم الأوروبي .

ففي هذا القرن لم يبق الوزن السياسي للبلدان الأوروبية هو نفسه مقارنة مع البلدان الإسلامية ، فالأولون تجاوزوا الأخيرين في الميدان السياسي وغيره . وبالتالي فالإصلاح في هذا العصر يشير إلى نهضة " يقظة الشرق العربي في موازاة مع " يقظة " العالم الإسلامي بصفة عام " ، وهو – أيضاً – وعي يمكن اعتباره نتيجة مباشرة للاحتكاك مع أوروبا الصناعية والتوسعية ، فلقد كان المسلمون دائماً على اتصال بأوروبا منذ القرون الأولى الهجرية . غير أن الجديد في القرن التاسع عشر إنما يقع على مستوى تفوق أوروبا في الميدان التقني والتقدم الذي ضمنته لها التطورات التي سهلت انتشار الأفكار الجديدة ، وحققت الانقلاب في بنياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية .

فبينما بقي العالم الإسلامي بمعزل عن هذه التحولات ، منكمشاً على نفسه ، صار الغرب في ثوراته الحضارية التقنية يقطع مراحل بدون توقف . وفي القرن التاسع عشر زادت حدة هذا الاختلال بفعل فقدان المسلمين لقوتهم على المستوى العالمي ، فضلاً عن تحولهم إلى هدف ومطمع للهيمنة الأوروبية .

والشعور بهذا الضعف هو الذي كان في الأصل حافزاً على النهضة فالأمة الإسلامية ستحاول – والوضع كذلك – أن تعثر على هويتها حداً للانحطاط والضعف اللذين يتزايد وعي النخبة بهما ، مع اعتبار أن هذه الواقعة لم تبرز بطريقة واحدة في مختلف البلدان العربية والإسلامية .

فحسب نوع السيطرة – احتلال تركي أو استعمار أوروبي – كان  الإصلاح  ينحو منحى السلفية أو التحديثية :

فالذين كانوا تحت التهديد المباشرة للاستعمار الأوروبي رأوا فيه وسيلة لامتلاك التقنيات الأوروبية وبالتالي ردع هذا الخطر ، إذ أدرك هؤلاء أنه لا يمكن للنمو والتطور أن يتحققا بدون الانفتاح على الحضارة الأوروبية والاستفادة منها .

وهناك آخرون ربطوا ضعف المجتمع الإسلامي بالابتعاد عن الدين الصحيح في ظل الحكم العثمــــاني ، واعتبروا الثاني سبباً للأول ، فالرجوع إلى الإسلام الأصيل كفيل – في رأيهم – بأن يعيد مجد الماضي وقوته ، مؤمنين بقوله تعالى " { žcÎ) ©!$# Ÿw çŽÉitóム$tB BQöqs)Î/ 4Ó®Lym (#rçŽÉitóム$tB öNÍkŦàÿRr'Î/ 3 } ([1]) . ومن هنا جاء اتهامهم للعثمانيين بأنهم أصل للانحطاط الديني ، لكونهم في ممارستهم للحكم زاغوا عن الشريعة الإسلامية ، فكون أصحاب هذا الرأي اتجاهاً سلفياً معارضاً للعثمانيين ، بينما كان الأولون يمثلون التيار "التحديثي " المعارض للاستعمار ؛ وتأتي الحركة الإصلاحية السعودية على رأس التيار السلفي .

 

1- مضامين الحركة الإصلاحية السعودية :

أ : بعدها الديني :

لقد كانت ردود الفعل الأولى عند المفكرين العرب على مظاهر الضعف والفساد والانحلال التي أصابت مجتمعاتهم ردوداً دينية ، وكانت أقوى الحركات الفكرية عندهم وأكثرها أصالة هي الحركات الدينية السلفية التي يمكن اعتبارها قاعدة للسلفية العقلانية([2]) التي ستظهر فيما بعد ، فالدراسة هنا تقتصر في هذه المرحلة على " السلفية السنية "([3]) .

ظهرت الحركة الإصلاحية السعودية التي نعتها خصومها بالوهابية([4]) في وسط شبه الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عشر ، وكانت أولى الحركات الإصلاحية التي ظهرت في البلاد العربية الخاضعة للأمبراطورية العثمانية . وهي بهذه الصفة تمثل الأصل المباشر لحركات الإصلاح الأخرى ، أو على الأقل فهي تشكل أساساً من الأسس التي انبنى عليها صرحها .

ومؤسس هذه الحركة التي أزرها آل سعود ودعموها هو الشيخ محمد بن عبدالوهاب([5]) ، الذي يعرفها على الشكل التالي : " ومذهبنا في الأصول مذهب أهل السنة والجماعة ، وطريقتنا هي طريقة السلف التي هي الأسلم والأعلم والأحكم ، وهي أننا نقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها ، ونكل علمها إلى الله مع اعتقاد حقائقها ، فإن مالكاً وهو من أجل علماء السلف لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: { ß`»oH÷q§9$# n?tã ĸöyèø9$# 3uqtGó$# ÇÎÈ } قال : الاستواء حق ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " ([6]) .

فمحمد بن عبدالوهاب طرح فكرة الرجوع إلى الإسلام زمن السلف ، ودعا إلى بعث الورع والحق الإسلاميين في نقائهما الأصلي والأمثل . ودعا إلى التمسك بالقرآن والسنة ، والتخلص من البدع ؛ ومن هنا جاءت نزعة هذا التيار نحو معارضة واقعة الخضوع وهيمنة روح التقليد ( التقليد الأعمى ) ، وهذه المبادىء لم تكن تماماً جديدة ، فابن عبدالوهاب يستلهم في الواقع أفكاره الفقهية من المذهب الحنبلي ، ويتأثر بابن تيمية([7]) .

وجاءت هذه الحركة مستجيبة لمفهوم الإصلاح في الفكر الإسلامي ، فهو العودة إلى الإسلام الأصيل استناداً إلى المبدأ الأساس الذي هو الرجوع إلى الينابيع([8]) ، وإلى الأصل من أجل أخذه مثالاً يستهدف حماية الإسلام عقيدة وشريعة .

كما أن  الإصلاح أيضاً مجهود فردي وجماعي ينحو من جهة إلى تجديد الإسلام استناداً إلى ينابيعه الأصلية : القرآن والسنة ، ومن جهة أخرى إلى العمل على أن تكون الحياة الشخصية والاجتماعية للمسلم في توافق حقيق مع المبادىء والقيم الدينية([9]) .

وهذه العلاقة بين الإسلام من حيث هو دين و الإصلاح  من حيث هو حركة تجعل من هذا الأخير على المستوى النظري وأحياناً كثيرة على مستوى الفعل استجابة وتطبيقاً للأمر القرآني : {`ä3tFø9ur öNä3YÏiB ×p¨Bé& tbqããôtƒ n<Î) ÎŽösƒø:$# tbrããBù'tƒur Å$rã÷èpRùQ$$Î/ tböqyg÷Ztƒur Ç`tã ̍s3YßJø9$# 4