مقدمــــة:

 الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله و أصحابه أجمعين وبعد:

فقد كان ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية الأولى على أساس مبادئها ، نقطة تحول بارزة في تاريخ شبه الجزيرة العربية بصفة عامة وتاريخ نجد بصفة خاصة ، وقد شمل أثر ذلك جميع المجالات دينية وسياسية و اقتصادية واجتماعية و حضارية . ومنذ أن انتهيت من دراساتي العليــا ( الماجستير والدكتوراه ) والتي كانت مركزة على الدعوة والدولة السعودية الأولى ، فكرت في كتابة بحث عن الجانب العلمي لدى أئمة الدولة السعودية الأولى، ومضت سنوات طويلة دون أن يتحقق الأمل، وذلك ناتج عن الشــح في المصادر، خاصة فيما يتعلق بالجانب الحضاري للدولة السعودية الأولى ، ومنه الجانب العلمي . ورغم أني كدت أتوقف عن إتمام هذا الموضوع للأسباب الآنفة الذكر إلا أن رغبتي في إتمام هــذا الموضــوع دفعتني للكتابة فيه – رغم صعوبته – لما له من أهمية قصـوى . وقد واجهت صعوبة كبيرة في جمع المادة العلمية اللازمة لهذا البحث ، لندرة مصادره من ناحية، ولأن هذه المادة – على قلتها – تعتمد على الاستنتاج بصفة خاصة. ورغم ذلك ، وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى كتبت هذا البحث، وقدمت فيه جهد المقل، أملا في أن يكون إسهاماً في إيضاح جهود أئمة الدولة السعودية الأولى – رحمهم الله – الذين بذلوا جهودا جبارة في سبيل مناصرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجهاد دفاعا عن كيانها أو نشرا لمبادئها – رغم مشاغلهم في إدارة شؤون الحكم، وقيادة الجيوش – إلا أنهم اهتموا بالعلم وأسهموا إسهاماً فعالاً في تطور الحركة العلمية خلال عهد الدولة السعودية الأولى ، ثم كان ذلك أساسا سار على نهجه أئمة الدولة السعودية الثانية ثم الثالثة .

 

وقد قسمت هذا البحث إلى ستة موضوعات ومقدمة وخاتمة، تحدثت في الموضوع الأول في نبذة عن الحياة العلمية في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى، شاملة العقبات التي واجهت التعليم في نجد في تلك الفترة والعوامل التي أسهمت في تطور الحركة، ومظاهر ذلك . ثم تحدثت عن أنواع العلوم في تلك الفترة ولماذا ركزوا على بعض العلوم دون بعضها الآخر ؟ ونتيجة ذلك . ثم تحدثت في الموضوع الثاني عن أئمة الدولة السعودية الأولى ، شمل الحديث نسب الأسرة السعودية ، ومقر إقامتها الأول ، ومقرها الجديد ثم سلسلة نسب الأسرة ، بدءا من جدهم مانع المريدي، حتى الإمام محمد بن سعود . وفي الموضوع الثالث تحدثت عن العلماء الذين تتلمذ الأئمة على يديهم. وفي الموضوع الرابع أشرت إلى العلوم التي أخذها أئمة الدولة السعودية الأولى . وفي الموضوع الخامس ناقشت اهتمام أئمة الدولة بالعلم ، ومظاهر ذلك الاهتمام، وفي الموضوع السادس، أبرزت مظاهر القدرة العلمية لدى أئمة الدولة السعودية الأولى . ثم ختمت البحث بالإشارة إلى أبرز النتائج التي ناقشها البحث . وفي النهاية أتقدم بالشكر الجزيل والعرفان لكل من أسدى إلي نصحــا، أو قدم لي مساعدة وأصلي وأسلــم على نبينا محمد e وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

نبذة عن الحياة العلمية في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى :

كان التعليم في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى على نطاق ضيق ،فقد كان معدوما بالنسبة لفئة كبيرة من السكان وهم البادية ، كما كان قليلا بالنسبة للفئة الأخرى من السكان وهم الحاضرة، ولاشك أن أسبــابا متعددة أدت إلى هذه النتيجة .لعل من أبرزها صعوبة الحياة الاقتصادية بصفة عامة ،وانشغال أكثر الناس بالبحث عن لقمة العيش، وعدم وجود من يتولى التعليم برعاية ماليــة .(1) كما كان للعزلة التي عاشتها منطقة نجد وشبه الجزيرة العربية عن العــالم الإسلامي والتي كان لها أثر واضح في تقلص المدارس العلمية، وعزوف الطلاب عنها، ونقص العلم بموت علمــائه، وانكمــاش طلابه ، وكســاد سوقه، وعدم تقدير الناس لأهـله. يضاف إلى ذلك توقف الاجتهاد، واعتقاد الناس أن بابه قد أقفــل .(2) ومن الأسباب أيضا سوء الحال السياسية والحروب والفتن المتواصلة بين أســر وبلدان منطقة نجد، وبين هذه وأسر وبلدان المناطق المجاورة. وربما كـان للحال الصحية وكثرة الأمراض والأوبئة التي تؤدي إلى وفاة بعض العلمـاء، أثر في عرقلة مسيرة التعليم في نجد في تلك الفترة، إذ حلت في بعض أقــاليم نجد بعض الأوبئة التي أودت بحياة كثير من الناس ،ومنهم بطبيعة الحـال طلبة العلم أو العلماء، خاصة وباء عام 1099 هـ الذي عم أقاليم العارض والوشم وسدير . (3) ومن هذه الأوبئة وباء سنة 1126 هـ الذي أزهق بعض الأرواح في العارض كان منهم بعض العلماء .(4)

ومن عوامل ضعف التعليم في نجد في تلك الفترة ، تردي الأوضاع الأمنية مما أدى إلى عدم وجود تعليم نظامي ، بل كان التعليم أهليا ، يعتمد على الجهود الفردية ومقصورا على قلة من الناس ، تسمح لهم ظروفهــم، أن يخصصوا جزءا من وقتهم للتعليم ، وبخاصة أبناء القضــاة الذين كان لديهم القدرة على دفع الأجر الرمزي للمعلم .(5) ورغم ذلك فقد كانت هناك محاولات لنشر العلم حسب الإمكانات المتوافرة آنذاك ، منها الكتاتيب المحدودة جدا لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وخــاصة قراءة القرآن الكريم . ويــبدو أن العامل الديني كان له أثر واضح في إقبال أرباب الأسر القادرة ماليا على تعليم أبنائهم قراءة القرآن الكريم أو أجزاء منه على الأقل ، كما كان للعامل الديني  أثر في دفع القادرين علميا إلى بذل ما في وسعهم لتعليم غيرهم ما يعرفونه من علوم الشريعة .(6) وكان أولياء الأمور يد فعون أجورا رمزية أحيانا لمدرسي أبنائهم ، كما كان العلماء يبذلون ما يستطيعون لتعليم الآخريـن ، وكان بعضهم يدرسون في المساجد دون أجور .لكن من الملاحظ أنهم كانوا يهتمون بمرحلة التعليم الأولي إلى جانب القرآن الكريم بتدريس الخط والإملاء وقواعد الحساب الأربع ، على أن هذه المرحلة لا ترتبط بمدى زمني، وإنما تعتمد على جهد الطالب واستعداده وإدراكه، وعندما يدرك ولـي الأمر كفاية ما حصله ابنه لسد الحاجة يقوم بسحبه من الدراسة، ليساعده في أعمال الزراعة أو التجارة أو المهنة أو الحرفة، حتى يعينه على كسب الرزق، وليس هناك مؤهـــــلات يحصل عليها الطالب في نهاية المرحلة ، كما أن التعليم في هذه المرحلــة مقصور على البنين .(7)

ومن الملاحظ تركيـز علماء تلك الفترة على مادة الفقه خاصة المذهب الحنبلي ، أما العلوم الشرعية الأخرى فكان الاهتمام بها أقل مـــــن الاهتمام بهذه المادة التي كانت تؤهل المتخرج فيها إلى تولي القضــــاء، وكان إتقانها كافيا فيما يـبدو لذلك التأهيل . ومن هنا وجد الاكتفاء الذاتي من القضاة النجديين في أكثر بلدان منطقة نجد. (8)

على أن من الأهداف الأخرى الإمامة والخطابة والتدريس والإفتاء وكتابة العدل وتولي العقود، مثل عقود الأنكحــة . وكانت حاجة المجتمع هي التي تتحكم في تقرير المواد ومن ثم يكون مدى الإقبال عليها . وكانت مقتضيات البحث عن الرزق ومسؤولية الدفاع عن البلد تفرض على هؤلاء الاقتصار على علوم الضرورة في أقصى حدودها ، ومن ثم جاء التركيز على دراسة الفقه باعتبار أحكامه القواعد التي تنظم المجتمع وتحكم حياته .(9)

وتطلعنا المصادر النجدية على إشارات تؤكد اهتمام علماء نجد في تلك الفترة بالفقه دون غيره من العلوم الأخرى فالشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة المتوفى سنة 948 هـ ، كانت لــه اليد الطولى في الفقـــه ، وله مصنفات منها : ( التحفة البديعة والروضة الأنيقــة )(10)  .

وفي القرن الذي بعده هناك سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد ، الذي قال عنه ابن بشر : " كان سليمان رحمه الله تعالى فقيه زمانه متبحرا في علوم المذهب وانتهت إليه الرياسة في العلم وكان علماء نجد في زمانه يرجعون إليه في كل مشكلة من الفقه وغيره ... صنف كتابا في المناسك وذكر أنه شرح الإقناع فلما علم أن منصور البهوتي شرحه أتلف سليمان شرحه " .(11) ومن هؤلاء أيضا الشيخ الفقيه عبدالله بن محمد بن ذهلان الذي كان له في الفقه معرفة ودراية ، وتلميذه الشيخ أحمد بن محمد المنقور صاحب مجموع الفقه المشهور (الفواكه العديدة في المسائل المفيدة ) الذي رحل إلى شيخه المذكور خمس مرات للقراءة عليه ، كما أخذ عنه أيضا محمد بن ربيعة العوسجي ، المعروف في بلد ثادق من بلدان المحمل في نجد .(12)

وكان اهتمام علماء نجد ببعض العلوم الأخرى كالتفسير والحديث وبعض العلوم العربية، راجعا إلى كونها علوماَ مساعدة ، وتعين على فهم الأحكــام الشرعية وليست غاية في حد ذاتها، على الرغم من أن اهتمامهم بتلك العلوم قليل جــدا . (13 ) وعلى سبيل المثال كانوا يبحثون عن طريق دراسة علـم النحـــو في مختصرات كتبه إلى تعلم مايقوم ألسنتهــم عن اللحن ، وماعدا هذا من العلوم ، يعتبرون تعلمه مضيعة للوقت ، ومشغلة عما هــو أولى منه.(14)

ولعل اهتمام علماء نجد في تلك الفترة بالفقه ، أدى إلى نتيجة سيئة تمثلت في إهمال علوم العقيدة . ومن هنا انتشرت في نجــد في تلك الفترة بعض مظاهر الانحراف عن العقيدة الإسلامية الصحيحة كالبدع والخرافات ، وتقديس الأولياء والصالحين ، والاعتقاد بالأشجار والأحجار ، ولهذا بدأ علماء نجد في تلك الفترة ، يدركون خطورة هذا الوضع الناشئ عن إهمال علوم العقيدة ، وحاول بعض علماء نجد في تلك الفترة الخروج منها إلى مناطق أخرى للتزود بعلوم العقيدة ، ومن هؤلاء الشيخ عبدالله بن إبراهيــم بن سيف الشمري النجدي من أهل المجمعة في نجد الذي ترك نجدا ، وانتقل إلى المدينة المنورة ، للمجاورة فيها ، والتفقه في علوم العقيدة ، التي كانت تنقص أهل نجد في تلك الفترة ، وقد أوضح للشيخ محمد بن عبد الوهاب (15) عند لقائه به في المدينة المنورة خلال رحلته العلمية إليها هذا المفهوم ، عندما أخبره أنه أعد سلاحا لأهل المجمعة ، وأطلع الشيخ محمد على خزانة مليئة بكتب العقيدة ، وهذا يعطي دليلاً على أن الشيخ ابن سيــف عقد العزم على الاستعداد – عن طريق التفقه في علوم العقيدة – لإصــلاح الأوضاع الدينية في نجد في تلك الفترة .(16) ولم يشذ عن قاعدة اهتمام علماء نجد بالفقه إلا عالم واحد هو الشيخ عثمان بن أحمد بن قائد ، الذي ألف رسالة في العقيدة أسماهـا (نجاة الخلف باعتقاد السلف) لكن هذا العالم توفي خارج نجد ، ولعل مناقشاته مع العلمــاء الآخرين هناك ، كانت سببا في اهتمامه بهذا العلــم.(17)

على أن الحركة العلمية في نجد كانت في تقدم مستمر ، يأتي دليلاً على هذا الحكـم أن عدد علمــاء القرن الحادي عشر الهجري ( 17م) حوالي ضعف عدد علماء القرن الذي سبقــه وأن عدد علماء النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري ، يعادل عدد علماء القرن الحادي عشــر كــله ، كذلك يلاحظ أن عدد المسافرين من طلبة العلم النجديين إلى الأقطار الأخرى للتعلم على أيدي علمائها قد قــل بالتدريج ، ولعل من أسباب ذلك وجود علماء نجديين متمكنين من معرفة العلوم الشرعية ، مما أتاح لطلاب العلم الفرصـة للتعلم داخل نجد دون الحاجة للسفر. (18)

أما أهم المراكز العلمية التي كان طلبة العلم في نجد يقصدونها  في تلك الفترة خارج نجد فكانت بلاد الشام ، خاصة دمشق لوجود أساتذة المذهب الحنبلي فيها ، وكذلك الأحساء لقربها من نجد وكثرة علمائها ، والمدينة المنورة ، ومكة المكرمة .فمن العلماء الذين درسوا في دمشق الشيـخ عبدالله بن إبراهيـم بن سيفالمشــار إليه سابقــا وفوزان بن نصر الله بن مشعــاب من عنيزة، وقد درس ابن سيـــف على أبي المواهب ، شيـــخ الحنــابلــة في دمشــق ، ودرس فوزان على عبد القادر التغلبي وعبد القادر النصــري. أمــا الأحساء فقد درس فيها منيــع العوسجــي على يد الشيــخ عبد الرحمن ابن عفالق. وفي المدينة المنورة درس ابن سيف على علمائها والوافدين إليهــا .وذلك بعد دراستــه في دمشق . وفي مكــة المكرمــة أخذ حسن بن عبد الله أبا حسين من أشيقــر عن علمائها والوافدين إليهــا ، وقد أجيـز دون الإشــارة إلى من أجــازه. (19)

أمـا داخل نجد، فقد برزت بلدة أشيقر – من بلدان إقليم الوشـم في نجد – كأهم المراكز العلمية في تلك الفترة ،و قد قصدها بعض طلبة العلم في نجد ممن لم يولدوا فيها، وتعلم فيها من ولدوا بها لكثرة علمائها(20). خاصة خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري (18 م)، كما برزت بدرجة أقــل مراكز أخرى داخل نجد منها العيينة، المجمعة، حوطة سدير، روضة سديـر، عنيــزة .(21)

وقد برزت في نجد بعض الأســر العلمية، أبرزها آل مشرف من الوهبــة من تميــم ، الذين احتلــوا مركز الصدارة العلمية في نجد في تلك الفترة.

 

على أن هناك أُســراً علمية أخرى مثل أسرة آل قصيــر ، وأســرة آل إسمــاعيل وأسرة آل بســام ، وأســرة آل منقور وأسرة آل أبا بطين ،وكذلك أســرة آل شبــانـــة. على أن الجدل قد يصل بعلماء نجد إلى تحكيم غيرهــم من علمــاء يرونهــم أرسخ علمــاً وأوســع اطــــلاعـا ، لمعرفة رأيهــم سواء في الشام أو نجد أو مكة المكرمة أو غيرها من البلدان والمناطق المجاورة .(22)

 

نبـذة عـن أئمـة الدولة السعودية الأولى :

يختلف المؤرخون في نسبة الأســرة السعودية إلى قبيلــة عنــزة ، علــى الرغــم من شيوع هذه النسبــة لدى كثير من الناس.(23) لكن المصــادر النجدية تشير إلى نسبة الأســرة السعودية إلى بني حنيفــة .(24)

ومن المعروف أن عنــزة وبني حنيفــة من وائـــل ، ولهذا فالأســرة السعودية تنسب إلى وائل . علمــا بأن الأســرة السعودية قبل تسميهــا بهذا الاسم تدعى آل مقــرن، نسبة إلى مقــرن بن مرخــان ، جد محمد بن سعــود مؤسس الدولة السعودية الأولــى.(25)

ويخلص العجــلاني إلى أن المؤرخيــن- وإن اختلفوا في بعض الطرق- متفقون في كثرتهــم على أن آل سعــود من وائل من ربيعــة من عدنـــان.(26)

وكان مانع المريدي- أحد أجداد آل سعود- يرأس فرعا من عشيرة يقــال لها الدروع ، تقيم في قرية قرب القطيف في المنطقة الشرقية ، تدعى الدرعيــة ،وذلك قبل منتصف القرن التاسع الهجري (م15 م) .(27)

ولا تعطي المصادر تفصيلات عن أســرة مانع قبل هذا التاريخ لكن من المعروف أن فروعا من بني حنيفة ، قد انتقلت من واديهـا إلى شرقي الجزيرة العربية في فترات تاريخية مختلفة .لكن من غير المعروف متى حدث انتقال أسلاف مانع المريدي إلى هناك .(28)

ويـبدو أنه حصل تبادل رسائل بين مانع- المشار إليه- وفرع آخر من الدروع، يقيم في اليمامـــة من نجد، يتزعمه ابن درع صاحب حجر والجزعة- جهة مدينة الرياض الحالية تضمنت هذه الرسائل رغبته بقدوم مانع عليه ، والنزول في جواره ، فقبل مانع ذلك .(29) وكان ذلك عام 850 هـ .ومرة أخرى لا تشــير المصادر التاريخية إلى سبب المراسلات بين ابن درع ومانع ، والتي انتهــــت بقدوم الثاني إلى منطقة الأول ، ولعل الظروف السياسية أو الاقتصادية هي التي حتمت رغبة الطرفين في دعم كل منهما للآخر. وبعد قدوم مانع المريدي إلى نجد أقطعه قريبه ابن درع موضعي (غصيبة والمليبيد)، اللذين أنشئت عليهما بلدة الدرعية، عاصمـة الدولة السعودية الأولى .(30) وقــد أطلق مــانع المريــدي وأتبــاعــه على بلدتهم الجديدة اسم الدرعية ، إحياء لاسم بلدتهم القديمة التي هاجروا منها، أو نسبة لابن درع الذي منحهم ذلك المستقر، اعترافــــا بفضله وتخليدا لذكره. (31)

وخلال ثمانين ومائتي سنة – وهي الفترة الفاصلة بين قدوم الأسرة السعودية إلى نجد حتى تولي محمد بن سعود إمارة هذه البلدة – مرت الأسرة السعودية بظروف تشبه الظروف التي مرّ بها كثير من الأســـر التي كانت تحكم بلـــدان نجد في تلك الفترة . كانت هذه الأســـرة ضعيفة ثم قويـــت وتوسع نفوذهـــا على حساب جيرانها من آل يزيد الحنفيـــين، وكغيرها كذلك من الأسر قام بـــين أفرادهـــا صراع حول السلطة حتى ضعــف أمرهـــا، وانتزع الإمارة منها رجل يقال له سلطان بن حمد القبس وذلك عــام 1107هـ.(32)

أمــا سلسلة نسب الأسرة السعودية بدءا من مانع المريدي حتى الأمـير محمد بن سعود، فهي مانع المريدي ، ثم ربيعة بن مانع، وموسى بن ربيعة، ثم ابراهيم بن موسى الذي خلف أربعة أولاد هم مرخان بن إبراهيم، عبدالله بن إبراهيم، سيف بن إبراهيم، عبد الرحمن بن إبراهيم ثم خلَف مرخان بن إبراهيم، مقرن بن مرخان، ربيعة بن مرخان ، اللذين خلفــا عددا من الأبناء، حيث خلف مقرن بن مرخان محمد ابن مقرن، وعياف بن مقرن ، وعبد الله بن مقرن، ومرخان بن مقرن، كما خلف ربيعة بن مرخان ، وطبان بن ربيعة ، الذي خلف آل وطبان بن ربيعة رؤساء الزبير، وربيعة بن وطبان ، ومرخان بن وطبان، وخلًف ربيعة بن وطبان ، موسى بن ربيعة، كما خلَف مرخان بن وطبان ، زيد بن مرخان.  أما محمد بن مقرن فخلَف سعودا ومقرنا، وخلف سعود محمدا ، وخلَف مقرن عبدالله .ومحمد بن سعود هذا هو الذي تولى إمارة الدرعية عــام 1139 هـ ، كــما تولى زعــامة الدولة السعودية الأولى عــام 1157هـ. (33)

وكما أشرنــا ففي الفترة (1107هـ – 1121هـ ) انحسـر حكـم الأسرة السعودية عن الدرعية،  وتولى سلطان بن حمد القبس، الذي ينتسب إلى بني خـالد، حكم الدرعية.  وبعد أن طال حكمه وكرهه الناس ، قام أهل الدرعية بقتله ، فتولى مكانه أخوه عبدالله . ولم تستمر ولايته أكثر من سنـة.

وهكــذا فقد ابتعدت الأسرة السعودية عن حــكم الدرعية فترة أربع عشرة سنة، أطلق على هذه الفترة ، فترة الحكم الأجنبي . وبعد هذه الفترة ، عاد حكم البلدة إلى حكامها الشرعيين من الأسرة السعودية . (34) وأصبح موسى بن ربيعة بن وطبان أميرا على الدرعية ، لكنه خلع عن الإمــارة بعد فترة وتولاها سعود بن محمد بن مقرن، حتى وفــاتــه عـــــام 1137 هـ .  ثــم تولى زيد بن مرخان – كبير آل وطبــان – لكن الأمير محمد بن سعود كـان له تأثير قوي جدا على سير الأحداث في بلدة الدرعية. (35)

وعندما حل الوباء ببلدة العيينة عام 1138هـ، وتوفي بسببه أميرها القوي عبدالله ابن معمر، كما توفي معه عدد كبير من رجال تلك البلدة، حاول أمير الدرعية زيد بن مرخان استغلال هذه الظروف مع فريق من قبيلة سبيع، خاصة أن العيينة كانت تحتضن أحد خصومه، وهو موسى بن ربيعة. لكن أمير العيينة الجديد محمد بن معمر عمل خطة أنقذته من الهجوم القادم عليه، حيث دعا زيد بن مرخان إلى العيينة، للتفاوض على أساس تلبية مطالبه، وحينما قدم زيد إليه مع من كانوا معه، غدر بهم، وقتل زيد بن مرخان، وكان ذلك عام 1139هـ فعاد أهل الدرعية إليها بقيادة محمد بن سعود، الذي أصبح أميراً على هذه البلدة منذ ذلك التاريخ. (36)

على أن موسى بن ربيعة الموجود في العيينة حضر المواجهة بين أهل الدرعية وأهل العيينة، فأصيب برصاصة كان فيها مقتله.(37)

ومحمد بن سعود هو محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة بن مريد، وينتهي نسبه إلى نزار بن معد بن عدنان. وفي عهده قامت الدولة السعودية الأولى عام 1157هـ بعد ميثاق الدرعية بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب إثر وصوله إلى الدرعية قادماً من العيينة. حيث ناصر الإمام محمد بن سعود الشيخ محمد بن عبدالوهاب ووعده الحماية، كما وعده الجهاد في سبيل نشر الدعوة، وقد حكم الإمام محمد بن سعود فترة طويلة تقدر بأربعين سنة، منها ثماني عشرة سنة قبل قيام الدولة، أميراً على الدرعية، واثنتان وعشرون سنة بعد قيام الدولة السعودية الأولى، حيث توفي عــام 1179 هـ (38) .

تولى بعد الإمام محمد بن سعود ابنه، الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، الذي ولد عــام 1133 هـ . ( 39) أو قبل ذلك بعام واحــد. (40)

وقد حكم فترة طويلة تعــادل فترة حكم والده إذ توفي في عــام 1218 هـ وكان عمــره حين وفــاته خمساً وثمــانين سنـــة . (41)

تولى بعد الإمام عبد العزيز ابنه الإمــام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ، الذي ولد عــام 1165هـ ، وكــان وليــا لعهد والده الإمــام عبد العزيز بن محمد ، الذي عينه عــام 1202 هـ ، بمشورة من الشيخ محمد بـــــــن عبد الوهاب . وقد توفي في عــام 1229هـ ، وكانت مدة حكمه إحدى عشرة سنة .(42) ، على أن هناك من يرى أن الإمام سعود بن عبد العزيز ولد قبل ذلك التاريخ ، وتحديدا عــام 1160هـ . (43)

تولى الحكم بعد الإمام سعود بن عبد العزيز ، ابنه الإمــام عبد الله بن سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود ، وقد حكم في الفترة ( 1229هـ –1233هـ)وهو العــام الذي سقطت فيه الدولة السعودية الأولى ، إثر الحملات التي أرسلتهــا الدولة العثمــانية عن طريق واليهــا على مصر محمد علي باشا، وقد توفي الإمام عبد الله بن سعود بعد ذلك بعــام واحد، أي في عــام 1234هـ.(44)

 

 

 

العلمــاء الذين أخذ عنهم أئمــة الدولة السعودية الأولى :

الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

كان من أبرز العلماء الذين أخذ عنهم أئمة الدولة السعودية الأولى ، زعيم الدعوة الإصلاحية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ولم تكن علاقة أفراد الأسرة السعودية بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وليدة وصولـه إلى الدرعية ، بل كانت سابقة لوصوله عندما كان بالعيينة ، حيث كان عدد من أفراد الأسرة السعودية في الدرعية على علاقـة وثيقة بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن هؤلاء الأمير عبدالعزيز بن محمد بن سعــود ، الذي كان يراســـل الشيــــخ محمد بن عبدالوهاب عندما كان في العيينة طالبا منه تفسير سورة الفاتحة ، فكتب لـه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذلك التفسير الرائع . علما أن الأمير عبد العزيز بن محمد كان في ذلك الوقت صغير الســن قد ناهز سن الاحتلام .(45) ولذلك كان عدد من أفراد الأسرة السعودية أتباعا للشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل وصوله إلى الدرعية ، ومن هنا سارعوا في الاستجابة لدعوته ، وتنفيذ ماطلبه منهم بإزالة ما كان يتعارض مع مبادئ العقيدة الإسلامية الصحيحة من مظاهر الانحراف ، خاصة الأشجار التي كان يعتقد فيها النفع والضر من دون الله .

وعندما قام أهل العيينة بمساعدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على إزالة هذه المظاهر وقطعــوا شجرة الذيب في العيينة ، قام أتباع الدعوة في الدرعية ، ومنهم بعض أفراد الأسرة السعودية مثل الأمير ثنيــان بن سعود، والأمير مشاري بن سعود أخوي الأمير محمد بن سعود، وكذلك أحمد بن سويلم، بقطع شجرة قريــوه في الدرعية.(46) كما قام قاضي الدرعية الشيخ عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بالشرح على رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الموجهة إلى أهل الرياض ومنفوحــة . كما أن الأمير ثنيان ابن سعود أخا الأمــــير محمد بن سعود ، كان ممن راسلهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أحمد بن محمد بن سويلم ، وأن الأمير ثنيان ، سأل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن معنى قوله تعالى: { óOn=÷æ$$sù ¼çm¯Rr& Iw tm»s9Î) žwÎ) ª!$# öÏÿøótGó$#ur šÎ7/Rs%Î! } ، وعن الحديث المذكور في مسند الإمام أحمد بن حنبل (أن نوحا عليه السلام نهى بنيه عن الشرك وأمرهم بلا إلــه إلا الله )، وأوضح له الشيخ أنه تكرر سؤاله له عن مثل هذه الأمور.( 47 )

أما بعد وصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية ، فقد استفاد منه أتباع الدعوة ، وفي مقدمة من استفادوا منه أفراد الأسرة السعودية ، الذين كانوا يلازمونه ويفدون إليه في بيته للدراسة على يديه ، ومن هؤلاء الإمام محمد بن سعود نفسه وأبناؤه، الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود ، والأمير سعود بن عبد العزيز ، والأمير عبد الله بن سعود . (48)

وتأسيسا على علاقة الأمير عبد العزيز بن محمد بالشيـخ محمد بـن عبد الوهاب السابقة لوصوله إلى الدرعية فقد استفاد منه فائدة كبيرة ، وكان الشيخ محمد بن عبدالوهاب، يكن له محبة خــاصة مفرطة ، وكــــــان يقــول عنــه: (هذا ناصر الدين ويثني عليــه ). (49)، وقد لازم الأمير محمد بن سعود ، وابنه الأمير عبد العزيز ، وابنه الأمير سعود حضور دروس الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومجالسه العلمية . (50) أما الإمام سعود بن عبد العزيز فقد لازم الشــيخ محمد بن عبد الوهاب بالقـــــــراءة مدة سنتين ، كما لازم مجالس الدروس عنده (51) .

الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب :

استفاد أئمة الدولة السعودية الأولـــى من الشيــخ عبد الله بــن محمـد بن عبدالوهاب. فكان الإمام سعود بن عبد العزيز وابنه الأمير عبد الله بن سعود، يحضران درسا خاصا عند الشيخ عبدالله، بل إن الإمام سعود بن عبدالعزيز لازم على حضور درس الشيخ عبد الله بن محمد ، حتى ذكر أنه لم يتخلف عنه إلا لعذر شرعي . (52) .

وقد تتلمذ الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز ، على الشيخ عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب ، واستفاد منه فائدة كبيرة . كما استفاد منه والده الإمام سعود بن عبدالعزيز وجده الإمام عبد العزيز بن محمد ، وكان لهم بمثابة أبيه من الإمام محمد بن سعود، وابنه الإمام عبدالعزيز .(53)

 

الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهاب :

تتلمذ الإمام عبد العزيز بن محمد ، وابنه الأمير سعود بن عبد العزيز على يــد الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهاب . (54)

الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب :

تتلمذ الإمام عبد العزيز بن محمد ، وابنه الأمير سعود بن عبد العزيز، على يد الشيخ علـي بن محمد بن عبد الوهاب ، كما تتلمذ عليه الإمام عبد الله بن سعود بن عبدالعزيز، وكان يقرأ عليه في الكتب العلمية من كتب التفسير والتوحيد والحديث والتاريخ. (55)

الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب :

كان الإمام سعود بن عبد العزيز ، يحضر مجلسا للدرس بعد صـلاة المغرب للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب . (56) ولعل الإمــام سعود بن عبد العزيز كان يدرس في هذا المجلس صحيح الإمــام البخاري . (57)

الشيخ عبد الله بن حمـاد :

كان الإمام سعود بن عبد العزيز ، وأكثر رجال أسرتــه يحضرون مجلسـا للدرس بعد صلاة الظهر كان يتولى القراءة في هذا الدرس الشيخ عبد الله بن حماد إمـام مسجد الطريـف وهو الحي الذي تسكن فيه الأسرة السعودية ( 58) .

الشيخ القاضــي عبد الرحمن بن خميــس :

كان الشيخ القاضي عبد الرحمن بن خميس ، يتولى القراءة في مجلس الدرس الذي كان يعقد بعد صلاة الظهر بحضور الإمــام سعود بن عبد العزيز ،

وأكثر رجــال أسرته وكــان الشيخ عبد الرحمن ينوب في القراءة أحيانا عن الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب . (59)

 

العلوم التي أخذها أئمة الدولة السعودية الأولى :

لاشك أن أئمة الدولة السعودية الأولى ، قد تعلموا علوما  كثيرة ، يأتي في مقدمتها علوم الشرع ، وبخاصة علوم العقيدة، كما أنهم لم يهملوا العلوم الأخرى بل أخذوا منها  على قدر استطاعتهم وبما تسمح به ظروفهــم .ويمكن تقسيم العلوم التي أخذها الأئمــة إلى ثلاثــة أقســام العلوم الشرعية ، علوم اللغة والأدب، العلوم الأخرى.

أولا: العلوم الشرعية:

اهتم أئمة الدولة السعودية بالقرآن الكريم – دستور الأمة الإسلامية ، والمصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي – قراءة واستدلالا، ولذلك لم تخل رسالة من رسائل أئمة الدولة السعودية الأولى من الاستشهــاد به ونجد الإمــام سعود بن عبدالعزيز ابن محمد في إحدى رســائله يستشهد بمـــا مجموعــه مــائة وأربع وعشرون آيــة من كتاب الله.(60) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الاهتمــام بكتاب الله وتدبره وفهمــه، والقدرة على تفسيره ولذلك تمكن من الاستدلال في كل القضــايا التي تطرقت لهــا رســالته المشار إليهـا . واهتم الإمــام كذلك بالأحــاديث النبوية الشريفة بصفتـها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، واستشهــد بكثير من أحــاديث الرسول – e – في الرسالة المذكورة ، للرد على اتهــامات والـــي العراق العثماني ، الموجهة إلى الدعوة الإصلاحية وأتباعها. (61)، وبما أن أئـــمة الدولة السعودية الأولى ، تلقوا علومهم في الغالب على يد إمام الدعوة الإصلاحيــة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه وأحفاده , فكان طبعيا أن يهتموا بعلوم الشرع بالدرجة الأولى , إذ إن المـــعروف أن الشيخ محمــد ابن عبدالوهاب وأتباع الدعوة ركــزوا في دروسهــم على القرآن الكريم وتفسيره, وكذلك الحديث النبوي الشريف.(62) ومن ثم كان الاهتمــام مركزا على علوم العقيدة, حيث كان الإمــام محمد بن سعود وأبناؤه يقومون بزيارة الشيخ محمد بن عبد الوهــاب في داره مرتين في اليوم صباحاً ومســاءً لتلقي دروس التوحيــد . ( 63) , ولاشك أن أئمة الدولة السعودية الأولى , قد برزوا بصورة خــاصة في علوم الشرع الإســلامي , وبرز منهـم بصورة أخص الإمــام سعود بن عبدالعزيز , الذي كـان ضليعــا في التشريع الإسـلامي(64) , وقد ســار على سيرة أبيه الإمــام عبدالعزيز بن محمد العلمية , حيث كــان عالمــا بالحديث والتفسير والتوحيد والفقــه خــاصة فقه الإمــام أحمد بن حنبل , وشارك العلمــاء بالبحوث العلميــة , وكــان يملي النصــائح النافعــة المتضمنــة، كما أسلفنـا الآيــات والأحــاديث . ( 65) وقد ازداد اهتمام الأئمة بدروس التفسير والحديث خـاصة في عهد الإمــام سعود بن عبد العزيز , الذي كان يحضر يوميــا ثلاث حلقــات دراسية , كان يدرس علـم التفسير في اثنتين منها صبــاحا تلك التي تعقد في السوق , وفي الظهر التي تعقد في قصر الإمــارة ,وكان يركز في الدراسة في الحلقة الأولى على تفسير كل من الطـــــبري وابن كثير , وفي الحلقة الثانية تفسير ابن كثير وكتــاب رياض الصالـــحين , وهو يشتمل على الحديث والتفسير والعقيدة والفقــه . أما الدرس الثالث والذي كــان يعقد بعد صلاة المغرب في مسجد القصر , فقد كـان يقرأ فيه صـــحيح الإمام البخــاري . وهذه الدروس استمرت في أوقاتها ومقرراتها الدراسية في عهـــد الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز . (66)

وفي مجال الاهتمـــــام بالقرآن الكريم , الــــذي حظي بنصيب وافر من الأئمـة من آل ســــــعود, حيث كانوا يخصصون معلمين في قصورهم للقرآن الكريم ,بـل إن الإمـــام سعود بن عبد العزيز كان يحب سمــاع القرآن الكريم من غيــره, فكان إذا خرج إلى مغازيه وحججه كما يقول ابن بشر :" اجتمع معه خلائق عظيمة ثم يأمر رجــلا من طلبة العلم وحفًاظ القرآن حسن الصوت جهيرا مجودا يتلو عليهم سورة من القرآن ثم تنصت كــل تلك الجموع لكلام الله والإمام أشدهــم خضوعا وإنصـاتا حتى ينتهي منــها ثم يأمره بقراءة سورة أخرى . . . ", يفعل ذلك في مغازيه وحججه كل يوم إلا نادرا , كما يفعل ذلك في الدرعيــة .

ويكثر من هذا إذا دخل المسجــد , حيث يطلب من قارئ حسن الصوت مجودا يقرأ عليه سورة من القرآن أو سورتين . ومن المؤكــد أن الإمام كان كثير العطــاء خاصـة لمعلمي القرآن الكريم (67) وقد أكثر الشعراء من مدحه في هذا المجــال , حيث قال عنه أحد شعراء عمـان :

 

إذا جزت باب السيف تلقــــــــــــاه فارســـــا

وإن جزت باب الخوف تلقى مخـــــافـــــــة

وإن جزت باب الدين تلقى ديــــــــــــــــانة

وإن جزت باب العلــم تلقاه عالمـــا

وإن جزت باب السلم تلقى مسالمــا

وإن جزت باب الحكــم تلقاه حاكما

وفي هذا الجانب قــال ابن غنـام في وصف الإمــام عبد العزيز بن محمد , وابنه الأمير سعود بن عبد العزيز :

رفيـــــق شفيق عـالـــــم متــــورع

مجـالسهم روض من العلم معشــــب

فلا أوحش الله الديار بفقدهــــــــــم

عفيف نظيف لا سئوم ولا ضجـــر

وناديهمو مازال يعمره الذكـر

ولا زال للعلم الشريف بهم نشر (68)

 

وهكذا فإن أئمة الدولة السعودية الأولى قد تعلموا جــل علوم الشرع مثل القرآن, الحديث, التفسير , التوحيد و الفقــه .

ثـانيـا : علوم اللغة والأدب :

لعل اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بالعلوم الأخرى , قد جاء بعد اتساع الدولة وثباتهـا وكثرة علماء الشرع, والنابغين فيه ولذلك بدأوا الاهتمام بالعلوم الأخرى غير علوم الشرع, والتي تتطلبها الدعوة والدولة التي قامت على أسـاسها . ومن هنا بدأ الاهتمام بعلوم اللغة, حيث تــم جلب المبرزين  في هذه العلوم إلى الدرعية ليقوموا بتدريسهــا, وكــان من أبرز هؤلاء حسين ابن عنــام من أهل الأحساء حيث كان يحضر درســه خلق كثير, ومن هنا كانت الدرعية قبلة الطلبة من مختلف الجهات , يفدون إليها فيجدون فيها مايثلج صدورهم من العلوم والمعارف (69) على أن هذا الاهتمام من قبل أئمة الدولة بهذه العلوم, يمثل المرتبة الثانية بعد علوم الدين (70) ولعل اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بعلوم اللغة والأدب ودواوين الشعر أدى إلى نبوغ بعضهم في هذا الجانب بصورة خــاصة , فقد كان الإمام سعود بن عبد العزيز بارعــاً في القراءة وحسن الخـط والفصاحة وإذا تكلم أنصت له كل سامع(71). والمتتبع لرســائل الأئمة المتعددة يلحظ بروزهــم في هذا الجانب من حيث البلاغة , والثقة المتناهية في الرد على خصوم الدعوة , التي قامت الدولة السعودية على أســاس مبــادئهــا (72) وهم بهذه الصفة يقومون بدورهـم مجادلين بألسنتهم وسنانهم .

ثالثا: العلوم الأخرى :

اهتم أئمة الدولة السعودية الأولــى بالعلوم الأخرى إلى جانب العلوم الشرعيــة وعلوم اللغة والأدب , فاهتمــوا بالتاريخ , ومعرفة أخبار الأمم الماضية , وكانوا يعلمون أبناءهــم هذه العلوم بعد علوم الدين وعلوم اللغة والأدب (73) وقد برز في هذا الجانب الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، الذي اهتم بالتاريخ وأخبار الملوك والأمم, حتى أنــه كان يحفظ أكثر التواريخ عن ظهر قلب, ويحب الأسماع إلى الأخبار من القادمين إلى الدرعيــة من الدول الأخرى , وكان يسأل عن حالهــم وحال ملوكهــم وممالكهم ومحاصيل بلادهــم وتحديدهــا , وكيفية أطوار أهلــها وكان الإمام عبد العزيز يحفظ من ذلك شيئــا كثيرا (74).

 

اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بالعلم :

ومظاهر ذلك أسهم أئمة الدولة السعودية الأولى في تطور الحركة العلمية بما بذلوه من جهد في سبيل ذلك , على الرغم من مسؤوليــات الحكم, والجهاد في سبيل نشر الدعوة الإصلاحيــة , وكان اهتمام الأئمة بالعلم لا يقـــل عن اهتمــام إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد تعددت مظاهر اهتمام الأئمة بالعلم ورعــاية الحركة العلمية, ولعل أبرزهــا :

 

تقدير العلماء وتشجيع طلبة العلم :

أدرك أئمة الدولة السعودية أهمية العلم , وأثره في محاربة الجهــل والقضاء على الأميــة. ومن هنا نلحظ محبتهـم للعلمــاء وطلبة العــلم وحفظة القرآن الكريم , كما أنهــم حرصوا على حضور المجالس العلمية ودروسها ليكونوا قدوة لغيرهم في هذا المجال(75) وأكثروا من العطاء لأهــل العلم علمـاء وطلبة ومعلمين – خاصة معلمي القرآن – وأئمة مسـاجد ومؤذنيها . وكانوا يقدمون إعانات لأهــل العلم في مختلف البلدان . وقد برز منهم في هذا الجانب الإمام عبد العزيز بن محمد , والإمــام سعود بن عبد العزيز حيث أرسل الإمام عبد العزيز إلى عمـالـه في منطقة سدير ثلاثة آلاف ريـال , لتوزيعـها على طلبـة العلم وحفظة القرآن الكريم والمعلمين والأئمة والمؤذنين وأصحاب الحاجات . كما أثر عن الإمــام سعود بن عبد العزيز محبتـه لأهل العلم وطلبته وكثرة العطاء لهــم , بل إنــه دأب على توجيه أمراء البلدان لتكريمهم , كمــا حرص على إرسال مبالغ مالية, يبلغ متوسطها ألف ريال لكل بلدة وإنفاقها على المحتاجين وأئمة المساجد والمؤذنين وطلــــبة العلم , ومعلمي القرآن الكريم (76) ولا شك أن مثل هذا الإنفاق السخي والمستمر كان من العوامل الرئيســة لتشجيع من له طموح على الأخــذ بنصيب من العلم , ومن ثم التأهل لتولي أحد المناصب الدينية والعلمية , التي كان يهدف لتحقيقها والعناية بها ورعايتها أئمة الدولة السعودية الأولى (77) ومن مظاهر اهتمامهم بالعلم والعلماء , أنهم كلفــوا أمير كل بلدة باختيار عدد من أفراد السكان في حدود خمسة عشر رجــلاً وإلزامهــم بالتعليم وبذل ما يكفيهــم من المال (78) وخصصوا رواتب شهرية لمن يتفرغ للعلم ويلازم حلقــاته من أهل المدن والقرى والبوادي (79) ولم يكتف الأئمة بتشجيع طلبة العلم من أبناء الأسر القادرة , بل قاموا بالرعاية التامة لطلبة العلم من الضعفــاء وحثهــم على القدوم إلى الدرعية والقيام بكل ما يحتاجونــه , رغبة في تسهيل مهمتهم العلمية. (80)

ومن مظاهر اهتمام الأئمة بالعلم , إكرامهم وتقديرهم للعلمـاء , فعندما تم الاستيلاء على المدينـــــة المنـــورة في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز , كان فيها الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد, فأكرمـه الإمام سعود كعــادته في إكرام العلماء , وعينه قاضيــا فيها , فباشر قضاءهـــا بعفــــة ونزاهـة, وأخــــذ يدرس العامـــة كتب الشيخ محمد بن عبدالوهـــــاب ورسائله ، وعلمــــاء الدعوة, ويشرح لهم خالص التوحيد ويبين لهم عقيدة السلف , وكان له أثر كبير في ذلك , حيث كان يناظر المخالفين ويرد عليهم (81)

ولعل تقدير الأسرة الحاكمة في الدرعية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ,عندما وصل إلى الدرعية قادما من العيينة حيث قام الإمام محمد بن سعود , وأخواه ثنيان ومشاري بزيارة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منزل تلميذه أحمد بن سويلم وسلموا عليه وبادروه بالقبول والتقدير , وبذلوا له غاية الإكــرام . لعل هذا أبلغ تقدير يقدم للعلم والعلماء في تلك الفترة المهمة من تاريخ الدعــوة . (82)

ويحسب للأئمة من آل سعود , أنهم أمروا بالتدريس على المذاهب الأربعة وتأييد أتباعها ومعتنقيها وكذلك تعليم أحكام التوحيد , التي كانت تنقص البلاد في تلك الفـــترة, وإحياء المـــذاكرة وتعيين المعلمين في المدارس كل في مذهبه (83) مما أوجد مناخــا تعليميا تنافسيا , أدى إلى تطور الحركة العلمية في البلاد . وقد أسهم المناخ التعليمي في الدرعية على ازدهار الحركة العلمية خارج الدرعية أيضــا , لأن الذين كانوا يدرسون في الدرعية , يصغون كثيرا للمذاكرة , لعلمهم أن أهل بلادهــم سوف يسألون عما درسهــــم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباع الدعوة , خــاصة أولئك الذين لا يستقرون في الدرعية, ويفضلون العودة إلى بلادهــم (84) لكن الملاحظ تركيزهـم في هذه الدروس على التوحيد , وأصول الإسـلام والمذاكرة فيهــما (85)

ومن العوامل التي أسهمت في إثراء الحركة العلمية في تلك الفترة , إلزامية التعليم, خاصة بعد انتقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعيــــة فقد تــم إلزام كــل واحد تعلــم القراءة والكتابة مهما كانت سنــه ومهما كانت منزلته , حتى الأمــراء كانوا يتعلمون القراءة مثل بقية الناس , ولذلك صار منهم العلمــاء والمدرسون . وقد ســار التعليم في الدرعيــة على الأسلوب التقليدي , فبدأ بكتابة القرآن الكريم وحفظه, ثم وضع الرســائل السهلــة العبارة القريــبة إلى عقول البسطــاء في بيان التوحيد . وقد تجاوزت جهــود الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتبــاعه الدرعية في مجال مكافحة الأمية وشملت كل قرية وواحــة ففتحت المدارس فيها . بل إن هذه الجهود شملت البلدان والقرى والبوادي , كما أشرنا , وكان الأئمة يرسلون المعلمين إلى جميـع القبـــائل , لنشــر التعليــم بين النــاس .(86)

وعند نهاية الدولة السعودية الأولى , كانت الحركة العلمية قد اكتملت روافدها(87) وترعرع آخر أئمة الدولة السعودية الأولى الإمام عبد الله بن سعود في هذه البيئة العلمية, التي ارتوى من روافدها وعاش منذ طفولته بين أركانها. ومن الدلائل على بلوغ الحركة العلمية هذه المنــزلــة , ما أشـــارت إليه بــعض المصادر في تلك الفترة من أن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا – والي مصر من قبل الدولة العثمانية – بعد استسلام الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز وسقوط الدرعية جمع نحــو خمسمــائة رجـل من أئمة الدعوة الإصـلاحية , وجــاء بشيوخ السنة لديه لمناظرتهــم وجدالهـم , فتحاوروا أربعة أيــام , وعندما طال على إبراهيم باشا الحوار معهــم , أمر بهم فقتلوا من قبل جنوده (88) ومن المؤكد أنه كان بالدرعية ثمانية وعشرون مسجــدا , وثلاثون مدرسة ومنها تبدو مكانة الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى من الناحية العلمية(89) ولا شك أن المساجد كانت جذوة يشع منها نور العلم .

ولعل توافر خمسمائة عالم في بلد الدرعية , التي يبلغ عدد سكانها في تلك الفترة حوالي ثلاثين ألف نسمة , تبدو نسبة العلماء فيها عالية , حيث يصبح لكل ستين رجلاً عالم واحد, يحصل هذا في وقت سيطر فيه الجهل على الأقطار الأخرى , ومن الصعب أن توجد هذه النسبة في الأقطار المتقدمة علميـا في تلك الفترة. (90)

 

اختيار القضاة والدعاة والمعلمين وممثلي الأئمــة من العلماء :

حرص أئمة الدولة السعودية الأولى على اختيار القضاة والدعـاة والمعلمين وممثلي الأئمة من العلماء. وعلى سبيل المثال لا الحصر أمر الأميـر عبدالعزيز بن محمد في عــام 1170 هـ قضــاة بلدان سدير بالذهاب معه إلى الدرعية لمواجهة الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب , فجاءوا معه ومنهم قاضي حوطة سديــر الشيخ إبراهيم ابن أحمد بن محمد المنقور فقـابل الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود وأقراه على قضاء بلده فعاد إليها ثم بقي في قضائها واستمر في نشاطه العلمي فيها حتى توفي(91) وحرص الأئمة على اختيار مبعوثيهــم إلى البلدان المجـاورة من العلمــاء الأفــاضل, ليتمكنوا من شرح حقيقة الدعوة لأهــالي تلك البلدان ,فقد بعث الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد الشيخ عبد العزيز بن حمـــد سفيرا إلى إمــام صنــعاء في اليمن, وكان خير ممثل للدولة السعودية الأولى هناك , ولقي الثناء عليه من علمــاء صنعــاء فضلا وفهمـا , عقلا وذكــاء وحسن محاضرة . كما أرسله الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بعد ذلك إلى والي مصر محمد علي باشــا , لكن مهمته لم تنجــح نظــرا لتحريض السلطان العثماني واليه على مصر على التشدد مع أتباع الدعوة والاستمرار في قتالهــم, على الرغم من إشادة مؤرخ مصر , عبد الرحمن الجبرتي بممثل الإمام الشيخ عبد العزيز بن حمد , خلال لقــائه بــه في مصر (92) وحرص الأئمة كذلك على إرسال المعلمين إلى البلدان التي تدخــل في طاعة الدولة لتعليم أهلها أمور الدين, حيث وجــه الإمام سعود بن عبد العزيز بإرســال علماء من نجــد إلى البحرين, لتعليم أمور الدين وعندما أخبره أهل البحرين بوجود علماء لديهم ذكر أنــه لابد من إرســال علماء من نجد, لبراعتهم في علوم العقيدة خــاصة. وهو ما كان ينقص هذه البلدان في تلك الفترة , فرضوا بذلك (93) ، وأرسلــوا كذلك أحمد بن سويلم مع أهالي ثادق, الذين قدموا إلى الدرعية وذلك لتعليمهم التوحيد والأحكام . كذلك كانوا يقومون بجلب عدد كبـــير مـن العلمــاء وطلبة العلم إلى الدرعية , لمقابلة الشيخ محمد بن عبدالوهاب والدراسة على يديه. كما حصــل عام 1170هـ بعد منازلة أهالي جلاجل, عاد مع الأمير عبد العزيز إلى الدرعية كل من حمد بن غنام وإبراهيم بن منقور وابن عضيب, كذلك أرسلوا لأهــل اليمامة – في إقليم الخرج – حمد العريني معلمــا, وأرسلوا كذلك عبد الله بن فــاضل معلما للتوحيد والأحكام لأهل وادي الدواسـر بعد دخولهم في طاعة الدولة وقبول الدعوة . وهذا أسلوب اتبعته الدولة مع غالبية البلدان التي تدخل في طاعتهــا . (94)

ومن المبعوثين العلماء الذين اختارتهم الدولة لتمثيلها في البلدان والمناطق المجاورة الشيخ عبدالعزيز الحصين من أهالي الوشــم , فقد أرسل إلى مكة المكرمة لشرح ما كان يدعو إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمـلا في دخول هذه الجهات في طاعة الدولة وقبول الدعوة . وقد مثل الدولة في المرة الأولى عــام 1185هـ وكان يحمل معه رسالة من الإمام عبد العزيز والشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى شريف مكــة (95) كما أرسل في عــام 1204هـ إلى مكة المكرمة ومعه رسالة من الشيخ محمد بن عبد الوهاب . وكان الشريف غالب قد طلب من الإمام عبد العزيز أن يرسل لـه رجلا عارفا ليبين حقيقة ما دعــوا إليه وما هم عليه, فأرسل إليه القاضي عبد العزيز بن عبد الله الحصيــن , وقد أدى الشيخ عبدالعزيز مهمته بنجـاح (96) ولهذا الغرض نفســه أرســل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر, على رأس وفد من العلماء لمناظرة علماء مكة المكرمة , خاصة في مجال التوحيد والعقيدة وكان ذلك عام 1211هـ . وفي عـام 1220هـ حمل الشيخ حمد خطابا من الإمام سعود إلى الشريف غــالب . (97)

وبما أن الدولة السعودية الأولى اهتمت بعلوم الدين, وفي مقدمتها علوم العقيدة , فقد حرص أئمتها على اختيار علماء الأصول والقواعد من العلماء الذين يرسلون إلى البلدان بغرض الدعوة إلى الله , ومن هؤلاء العلماء على سبيل المثال لا الحصــر عبدالرحمن بن ذهــلان, راشد بن درعان, عثمان بن عبد الله بن عبيكــان, حمد بن قـاسم, أحمد الوهيبي, سليمان بن ماجد, محمد بن سلطــان و أولاده وكذلك حسن ابن عيدان ومحمد بن سويلم, وعبد العزيز بن سويلم, وعثمان العود , وعبدالرحمن ابن نامي, عبد الرحمن بن خريف, وحمد بن نــاصر بن معمر وغيرهــم كثير. (98)

 

استدعاء العلماء البارزين في المناطق المجاورة إلى الدرعية :

نتيجة اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى وأتباع الدعوة بعلوم الدين , وتوافر أعداد كبيرة منهم في الدرعية , حرص الأئمة من آل سعود على جلب العلماء البارزين في المناطق الأخرى في علوم لم تكن متوافرة في الدرعيــــة – في إطار تكامل العلوم – إليها . وهذا أدى إلى تطوير الحركة العلمية في الدرعية وأدرك الأئمة الحاجة إلى علوم اللغة والأدب – لتقويم ألسنتهم – ومن هؤلاء العلماء حسين بن غنــام , عبد الله بن مبارك بن بشير (99)، وفي عــام 1210هـ عاد مع الأمير سعود بن عبد العزيز من الأحساء مجموعة من العلماء , كان لهم أثر كبير في إثراء الحركة العلمية في الدرعية, منهم عــلي ابن أحمد آل عمران , ومبارك ومحمد العدســاني, ورجال كثير غيرهم (100).

 

اختيار العلماء لمرافقة أفراد الجيش في الغزوات :

بلغ حرص أئمة الدولة السعودية الأولى على التعليم , أنهم كانوا يصطحبون معهم في الغزوات علمــاء , يعقدون مجالس علمية ينتفع بها أفراد الجيش الغازي (101) فقد أرسل الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد الشيخ قرنــاس بن عبد الرحمن – من أهل الرس – إلى بعض أتباع الدعوة الذين يحاصرون أهل المدينة المنورة وكانت مهمته قاضيا ومعلما وأخذ يتردد عليهم في مكانهم كل سنة (102) كما أرسل الإمام سعود أيضــا , سرية قليلة إلى عمــان , لتعليم فرائض الدين و الاطــلاع على أحوالهــم (103) بل كان الأئمة أنفسهم يقومون بدور المعلمين خلال الغزوات لوعظ أفراد الجيش الغازي وحثهم على الصبر والطاعة , وتذكيرهم بنماذج من سيرة الرسول e وأصحـابه البررة رضي الله عنهم أجمعيـن , كما كانوا يشجعونهم على الثبات , ورباطة الجأش , وإظهــار البطولات (104) ومن المؤكد تأثير مثل هذا الأسلوب في أفراد الجيش الغازي, سلوكــا وشجــاعة.

 

عقد مجالس الدروس :

من مظاهر اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بالعلم والتعليم , حضور مجالس الدروس, ومدارس التعليم المنتشرة في الدرعية والتي كان يتولى التدريس فيها أبنــاء الشيخ محمد بن عبدالوهــاب, حسين, عبد الله، علي, إبراهيم. ويجتمع فيها طلبة العلم من أهل الدرعية وغيرها, وكان لكل عالم من أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب المشار إليهم, مدرسة قرب بيتـه, يدرس فيها طلبة العلم في كل وقت , وتجري لهم نفقة من بيت مال الدولة. (105)

ولم يقتصر أئمة الدولة السعودية الأولى على المجالس العلمية التي يحضرها أبناء الشيخ محمد بن عبدالوهاب , بل كان لهم مجالس خاصة بالأسرة بعد صلاة الظهر في القصر , في موضع خصص لهذا الغرض . وقد وصف ابن بشر هذه المجالس بقوله : "وبعد صلاة الظهر يقبل الناس على الدرس عنده في قصره في موضع بناه وأعده لذلك بين الباب الخارج والباب الداخل على نحــو من خمسين ســارية ويجعل مجالسه ثلاثة أطوار كل مجلس فوق الآخر فمن أراد الجلوس في الأعلى أو الأوسط أو الذي تحته أو فوق الأرض أتسع لــه ذلك " . ومن أبرز العلماء الذين كانوا يحضرون المجلس الخاص للتدريس  إمام مسجد الطريف , عبد الله بن حماد , وفي بعض الأحيان القــاضي عبدالرحمن بن خميس , إمام مسجد القصر , ويمارس في هذا الدرس القراءة والتفسير, مثل تفسير ابن كثير , ورياض الصالحين (106) ويتكرر المجلس بعد صلاة المغرب داخل القصر في سطــح مسجد الظهر المشــار إليه , ولا يتخلـــف أحد عن هذه المجالس إلا نادرا (107) وكانت هذه الدروس تعقد كل يوم إلا قليلا (108) وإلى جانب المجالس الخاصة للدرس التي أشرنا إليها , كانت هناك مجالس عامـة حيث كان الإمام سعود بن عبد العزيز يجلس للناس مجلسا عامــا في وادي الدرعيــة , كان يعقد في الجهة الشرقية صيفـا, وفي الجهة الغربية شتاءً , ويتجمع حوله عدد من الناس لا يحصى عددهم وكان الإمام سعود يتصدر هذه الجلســات وحوله العلماء والفقــهاء والمتعلمون . وبعد صلاة الظهر يعيد الجلسة , وبعد المغرب يقرأ في المطولات .(109)

 

مظـاهر القدرة العلميـــة لدى أئمة الدولة السعودية الأولى :

تحدثنا في الموضوع السابق عن اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بالعلم, ومظاهر ذلك الاهتمام ونتحدث هنا عن مظاهر القدرة العلمية لدى الأئمة. ومما لا شك فيه أنهم بلغوا شأوا بعيدا في هذا الجانب , وتعددت مظاهر القدرة العلمية لديهــم , سواء من خلال بروزهم خلال مجالس الدرس الخاصة والعامة أو قدرتهم العلمية من خلال دراسة رسائلهم ونصائحهم , أو قدرتهم المتمثلة في إجاباتهم عن المسائل الفقهية التي سئلوا عنها أو مكتباتهم وما اشتملت عليه من علوم , أو كان ذلك من خلال رأيهم وبعد نظرهم وحكمتهم. وفي هذا المجال نلحظ قدرة الإمام محمد بن سعود من خلال الحوار الذي دار بينه وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب بعد وصوله إلى الدرعية في عام 1157هـ , حيث يتضح لنــا أن الإمام محمد بن سعود على قدر كبير من العلم والثقافة الدينية فعندما تبايعا على نصرة كلمة لا إله إلا الله والجهاد في سبيلها وبسط يده للشيخ محمد بن عبدالوهاب,  قال له الشيخ : ( الدم بالدم والهدم بالهدم ) لم يعترض الإمام محمد بن سعود هذه الكلمة لمعرفته بمفهومها , ولو لم يكن لــه معرفة بالدين لأنكر هذه الكلمة وقال : بايعني على ما نبايع عليه بعرفنا وألفاظنا وما جرت عليه العادة , لكنه استسلم لها لأنه عرف أنها من كلام رسول الله e , حين بايع أصحابه (110) ومعنى هذه الجملة أي دمي دمــك وهدمي هدمــك , ومن المعروف أن الناس في الجاهلية الأولى إذا تحالفــوا وتعاهدوا أوقدوا نارا ودنوا منها حتى تكاد تحرقهم وعددوا منابع النار ثم يتصافحون عندها ويقولون : الدم الدم والهدم الهدم, والمعنى دماؤنا دماؤكــم وهدمنا هدمكــم , والهدم اسم البناء المهدوم أي فما هدم لكم من بنــاء أو شأن فقد هدم لنــا وما أريق لكم من دم فقد أريق لنـــا, يلزمنا من نصرتكم ما يلزمنا من نصرة أنفسنا , وعبروا على استعمال ذلــك يتوارثونه إلى أن جــاء الإســلام وكان الحلف بين رسول الله e وبين الأنصــار فقال صلوات الله وسلامه عليه لهم : ( الدم الدم والهدم الهدم ) ثم إن الإمام محمد بن سعود قال للشيخ : ( أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والتمكين ) فتسليمه واطمئنانه إلى أن كلمة لا إله إلا الله هي العز والتمكين , وقوله وهو مؤمن بيقين : ( إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه وأبشر بالنصر لك ولما أمرت بــه والجهاد لمن خالف التوحيد ). (111)

فقبوله هذه الكلمة من الشيخ محمد بن عبد الوهاب , وما ذكره من الالتزام للشيخ بالمناصرة والجهاد يؤكد أن الإمام محمد بن سعود له اطلاع واسع على السنة المحمدية والسيرة النبوية . يضاف إلى ذلك ما يروى من أن الإمام محمد بن سعود وهو على فراش الموت, استدعى ولديه عبد العزيز , وعبد الله  إلى حجرته, فقال لعبد العزيز أنه اختاره خلفا له , وكلف عبد الله القيام ببعض الأعمال المهمة , ونصحهما طالبا منهما أن يكونا رحيمين بالضعفاء والمغلوبيــن . ثم أوصاهما أن يجتهدا في الغزوات والفتوح ولكن في حكمة وحذر , وقال لهما كلمته المشهورة : (لاتفجروا الصخـر) (112) هذه الكلمة التي قالها الإمام محمد بن سعود , ناصحا ابنيه بالمحافظة على ملكهمــا لو أمعنا النظر فيها لوجدنا أن لها  عدة معانٍ , وترمي إلى مقاصد كثيرة منها  أن يكونوا يدا واحدة في التعاون مع بعضهما وعدم استفزاز الجيران في التوسع والانتشار, خاصة الأقوياء منهم كالدولة العثمانية في ذلك الوقت .ولذا قيل لو تذكر الإمام سعود بن عبد العزيز هذه الوصية لما كانت كارثة سقوط الدرعية على يد والي مصر من قبل الدولة العثمانية , الذي جند حملات متتابعة بقيادة ابنيه أحمد طوسون , ثم إبراهيم بــاشا , الذي تمكن من إسقاط الدولة السعودية الأولى . فالدولة العثمانية كانت تحيط بأملاك الدولة السعودية الأولى شمالا وشرقا وغربا . ومن هنا لو كانت هذه الوصية من عند غير الإمام محمد بن سعود لقيل عنها : إنها نظرة فلسفية في حفظ الملك ولكثر التعليق عليهـا والتحليل لها. وهي وإن دلت على شئ فإنما تدل على حكمة وصواب رأي الإمام محمد ابن سعود , ومضي عزيمته .

أما بقية الأئمة من آل سعود , فمظاهر القدرة العلمية لديهم متعددة ,  ولذا سوف نشير إليها وفق عناصر تتناسب مع هذا التعدد .

 

مظاهر القدرة العلمية خلال مجالس الدروس :

أشرنا فيما سبق إلى مجالس الدروس التي كان يعقدها الأئمة عامة وخاصة سواء ما كان يحضرها أهل الدرعية والوافدون إليها , أو ما كانت لهم ولأولادهم وما يتخللها من مناقشة حول عدد من العلوم (113) لكن نشير هنا إلى دور الأئمة في هذه المجالس العلمية , حيث تشير المصادر إلى أن الإمام سعود بن عبد العزيز بعد انتهاء القراءة في الدروس المختارة, ينهض ويشرع في الكلام على تلك القراءة ويحقق كلام العلماء والمفسرين, يقول ابن بشر:

" فيأتي بكل عبارة فائقة وإشارة رائقة فتمتد إليه الأبصار وتحير من فصاحتـه الأفكــار وكان من أحسن الناس كلاما وأعذبهم لسانا وأجودهم بيانا . . . إلخ " (114). ومن الملاحظ أن الإمام عبد العزيز بن مــــحمد بن سعود قد اهتـــم بطلبة العلم الصغار حيث كان ينظر في خطوط طلبة العلم من الصغار من خلال الاطلاع على ألواحهــم بعد خروجهم من عند المعلم , فيجزل العطاء لمن تحاسن خطــه منهم,ويعطي البقية دون ذلك . (115)

ومن المؤكد أن قدرة الأئمة في التعليق على القراءة بحضور العلماء , وطلبة العلم, يوضح مقدرتهم العلمية الفائقة , خاصة أن الله وهبهم الذكاء, وسرعة الحفظ والفهم, حتى أن بعضهم عد في مقدمة العلماء في زمانه في التفسير والحديث والفقه وغير ذلك من علوم الدين, خاصة علمي التفسير والفقه اللذين كان يحسنهما , على الرغم من مشاغل الحكم والسياسة , إلا أنه كان يتابع بنفسه مجالس الدروس العامة ويقيم أعمال الطلبة ويكافئ الأذكياء منهم (116) وكان الإمام سعود – أيضا – خطيبا بارعا أجمع العارفون على فصاحته وبلاغته وحسن بيانه , وكان يخاطب الناس على قدر عقولهم وله مواعظ بعضها في ذروة البلاغة وبعضها كتب بأسلوب عامي وكان مولعا بالعلم, حيث كان يتولى التعليم في بعض الأحيان فيدهش حتى العلماء بما كان يحسنه من العلوم(117) وكان إلى جانب ذلك, يجيد الجدل الديني حيث إن الإعجاب بفصاحته من الأمور المتفق عليها , فقد كان صوتـــه جهوريا وحلوا في الوقت نفسه , حتى قيل : (إن كلماته كلها تصل إلى القلب ) ولا شك أن مسائل الفقه أحيانا تحتاج إلى مناقشة , وهذه تفرغ صبره أحيانا , فتجعله يجادل بحدة عظيمة ساخرا من خصمه وموبخــا له على جهلــه بالمناظــرة . وكان الإمام سعود بن عبدالعزيز إذا طال اللقاء ينهيه بقوله : ( والله أعـــلم ) (118) .

 

مظاهر القدرة العلمية في إجابات الأئمة عن المسائل الفقهية :

بلغ الأئمة من آل سعود شأوا بعيدا في هذا المجال , وبرزت مقدرتهم العلمية من خلال إجاباتهم السديدة عن بعض المسائل التي سئلوا عنها في بعض الأحاديث ومسائل الفقه , فقد سئل الإمام عبد العزيز بن محمد عما جاء في بعض كتب الحديث ما معناه (أنه يرد على الحوض جماعة من أصحابي فيعدل بهم ذات الشمال هل ورد في تعيينهم أثر خاص . . . الخ) فأجاب : هذه الأحاديث ثابتة في الصحاح والمساند , لكن لم يرد نص فيما علمنا بتعيينهم , وذكر العلماء أن هذا في أهل الردة الذين ارتدوا بعد وفاة النبي e كأصحاب مسيلمة الكذاب, والأسود العنسي وكثير من بوادي العرب الذين جاهدهم رسول الله e ومن معه من الصحابة , حتى أدخلهم في الإسلام الذي خرجوا منه وقتلوا منهم من قتلوا, فعلى هؤلاء تنزل الأحاديث , وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من هذه الأمة . وأما من جعلها متناولة لأكثر الصحابة وخيارهم الذين شهد لهم رسول الله e بالجنة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار , فقد كذب وافترى واتبع غير سبيل المؤمنين وهؤلاء كأهل البدع من الروافض والخوارج الذين كفروا جمهور الصحابة رضي الله عنهم . فهؤلاء وأمثالهم ممن استحوذ عليهم الشيطان فأضلهم عن الصراط المستقيم وجعلوا من أصول دينهم التبري من جمهور الصحابة وبغضهم وسبهم , لأنهم ظنوا ذلك من إتمام التولي لعلي وأهل البيت رضي  الله عنهم. وهذا من حمقهم وجهلهم نعوذ بالله من الخذلان . (119)

وسئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود عن نكاح المتعة , الوارد في حله قوله تعالى: {$yJsù Läê÷ètGôJtGó$# ¾ÏmÎ/ £`åk÷]ÏB } [ النساء آية (24)]. هل ورد لها ناسخ ؟

فأجاب : ثبتت الأحاديث عن رسول الله – e – بتحريمه , كما ثبتت بالصحيحين من حديث علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين . وأوضح الإمام عبدالعزيز أن الآية ليس فيها تصريح بحل المتعــة , وإنما فيها الأمر بإيتـاء المستمتع بها من النســاء أجورهن . وهذا يعم كل من دخل بها من النساء فإنه أمر بأن تعطى جميع الصداق , بخلاف المطلقة قبل الدخول التي لم يستمتع بها , فإنها لا تستحق إلا نصفه .

وأمـا ما ورد في بعض القراءات (( إلى أجل مسمى )) فقيل ليست متواترة وغايتها أن تكون كأخبار الآحــاد , ونحن لا ننكر أن المتعة أحلت في أول الإســلام ثم حرمت , فيكون هذا الحرف منسوخــا بما ثبت في الصحيحين عن رسول الله e : ( حرم متعة النســاء يوم خيبر ) ( 120) .

وسئل الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود عن رجل عَبَدً اللهَ على ظاهر دين الإسـلام, يأتي بالواجبات ويترك المقبحات ولا يقلد في دينه أحدا من أرباب هذه المذاهب المشهورة, بل إن كان فيه أهلية النظر في أدلة الكتاب والسنــة عمل بها وإلا سأل من وجده من العلماء. فهل هذا ناج أم لا ؟ فأجاب : بعد أن حمد الله وصلى وسلم على رسوله e وعلى آله وســلم وابتدأ بالآيـــة الكريمـــة :{ `tBur ÆìÏÜム©!$# tAqß§9$#ur y7Í´¯»s9'ré'sù yìtB tûïÏ%©!$# zNyè÷Rr& ª!$# NÍköŽn=tã z`ÏiB z`¿ÍhŠÎ;¨Y9$# tûüÉ)ƒÏdÅ_Á9$#ur Ïä!#ypk9$#ur tûüÅsÎ=»¢Á9$#ur 4 z`Ý¡ymur y7Í´¯»s9'ré& $Z)ŠÏùu ÇÏÒÈ }[ النســـاء آيــــــة (69)] ثــــــــم أوضــــــــح أن الله – سبحانه وتعالى – أخبر أن من أطاع الله ورسوله من الأولين والآخرين فهو ناج من العذاب , ويحصل جزيل الثواب وهو أمر مجمع عليه بين الأمة ولله الحمد لا اختلاف فيه. وأوضح الإمام أن المعول عليه التطبيق والعمل , إلى أن يشير بقوله إذا عرفتم ذلك فنقول في جواب المسألة الكبرى : من عبد الله وحده لا شريك له, وأخلص العبادة بأنواعها لله وحده لا شريك له , فلم يستغث إلا بالله ولم يدع إلا الله وحده ولم يذبح إلا لله وحده ولم ينذر إلا لله وحده ولم يتوكل إلا عليه , ويذب عن دين الله وعمل بما عرف من ذلك بقدر استطاعته فهو نـاج بلا شــك , وإن لم يعرف هذه المذاهب المشهورة. (121)

وسئـــل الإمام عبد العزيز بن محمد أيضا هل تصح الإمامة في غير قريش ؟ فأجاب: الذي عليه أكثر العلماء أنها لا تصح في غير قريش إذا أمكن ذلك , وأما إذا لم يمكن ذلك واتفقت الأمة على مبايعة الإمام واتفق أهل الحل والعقد عليه صحت إمامته, ووجبت طاعته ولم يصح الخروج عليه وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة , كقوله e: ( عليكم بالسمع والطــاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشــي . . . الخ ). وسئل – رحمه الله – عن خمس المغنم , هل مصرفه من تضمنتهم آية الأنفال ؟ ومن المراد بالقربى ؟ وهل اليتامى والمساكين في الآية منهم أم لا ؟ وهل ورد لها نــاسخ فللإمام صرفه في نفسه وفي من شــاء ؟ فأجاب : أجمع العلماء على أن الآية محكمة غير منسوخة , وإنما اختلفوا في المراد بذوي القربى فقال كثير منهم هم قرابة الرسول  e, وقال بعضهم هم قرابة الرسول e وقرابة الإمام معهم . وأما اليتامى والمساكين في الآية, فقال كثير من أهل العلم : إن المراد بهم فقراء المسلمين ومساكينهم . (122)

أما الإمام سعود بن عبد العزيز, فسئل عن مسألة جرى بين رجلين خصومة في عقد بيع نخل متقدم ودخل عليه عقد ثــان, وقام بعض الناس على بعض يتنازعون في عقود ماضية في أموال قد استولى عليها أهلها , وحضروا عند آل الشيخ , واتفق رأيهم على ما أفتى به الشيخ رحمه الله وغيره من قضاة المسلمين , واستغله الذي هو في يده مدة والمدعي موجود ولا أنكر, وادعى فلا لـه طريق إلا إن تبين مقالة فيها نص صحيح أو إجماع أهل العلم أو اتفق عليه قضاة المسلمين الموجودين, وإلا ما يثبت له دعوى بفتيا الواحد في مثل هذه المقالة التي يقضي فيها قاض من قضاة المسلمين ولا يتعرضها الآخر إلا بإجماع القضاة أن هذه الفتيا مخالفة لشرع , فإن نقضها واحد ما صح نقضه فإن تقوى أمير أو مأمور على مسلم وأكل ماله بظلم أو بيع فاسد , فيأتي وأقوم له إن شاء الله تعالى . (123)

من جهة أخرى أشارت بعض المصادر إلى أن الإمام سعود بن عبدالعزيز , قد اجتهد في بعض المسائل الفقهية . (124)

أما الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز , فقد وصفه بعض الكتاب بقوله : "كان عبدالله يتفوق على العلماء أنفسهم في الفقه كان بليغا وكانت كلماته تقع في القلوب, كان ذكيا جدا ومتواضعا وكان سعود يستشيره وحده من بين أولاده " (125) وهذا يعطي دليلا على قدرة الإمام عبد الله بن سعود من الناحية العلمية .

 

مظاهر القدرة العلمية في رسائلهم ونصائحهم :

تشتمل رسائل أئمة الدولة السعودية الأولى ونصائحهم على ما يؤكد قدرتهم العلمية , ولعل المطلع على رسائل الإمام عبد العزيز بن محمد , يلاحظ تعمقه في علوم العقيدة التي هي أساس العلوم , ففي رسالته إلى أهل بلدان العجم والروم , نجده يستشهد بالآيات القرآنية وباستمرار في كل قسم من أقسام التوحيد كما يوضح في هذه الرسالة التفاسير الصحيحة للآيات التي استشهد بها, وكذلك استشهاده بالأحاديث النبوية والمطلع كذلك على رسالتيه إلى المخلاف السليماني , والقاسمي يدرك مدى تعمقه وفهمه لعلوم الشرع, وقدرته الفائقة في الرد على ما ينافي التوحيد أو ينافي كماله, وتفريقه بين توحيدي الألوهية والربوبية . (126)

 أما الإمام سعود بن عبدالعزيز , فقد ظهر أثر العلوم التي تعلمها واضحا عليه من خلال نصائحه التي كتبها إلى رعايــاه من المسلمين , في حسن التنظيم و مضمون الكلام وعدم القصور في الإطلاع على العلوم , كما يقول  ابن بشــر : " وقد رأيت العجب في المنطوق والمفهوم . . . الخ " كما تميـز بالبلاغة , وغزارة العلم " وإذا تحدث في المحافل أو مجالس الذكر بهر عقـــل من لم يكن قد سمعـــه وخيل إليه أنه لم يسمع مثله " (127) وأثر عن الإمام سعود بن  عبد العزيز أن رسائله ونصائحه تناسب المعني بها , فهو يخاطب الناس على قدر عقولهم , فله مواعظ بعضها في ذروة البلاغــة , وبعضها كتب بأسلوب عامي. (128) وقد أكثر الإمام سعود من توجيه النصائح لرعاياه لحثهم على التخلي عن الذنوب والبعد عن المحظورات , كما حصل في عام 1224هـ بعد الوباء الذي حل بالدرعية ومات بسببه خلق كثير , حتى أتى عليهم أيام يموت فيها أربعون أو ثلاثون في اليوم الواحد من أهل الدرعية , فكتب الإمام سعود نصيحة عظيمة لأهل الدرعية , كما أرسلها كذلك إلى أهل النواحي الأخرى , حثهم فيها على التخلي عن الذنوب والتوبة النصوح , وذكر فيها كثيرا من المحظورات وأورد الأدلة بالترهيب عنها ودعا الله في آخرها دعاء عظيما أكثر فيه من الثناء عليه والتوسل بأسمائه الحسنى , لرفع الضر والوباء عن الناس(129) ومن الملاحظ أن وصايا الإمام سعود للرعية , تدهش السامع و القارئ لعمق معرفته بالفقه , واستدلالــه بآيات من القرآن وأقوال من الحديث النبوي الشريف, ومقتطفات مما كتبه أشهر الفقهاء(130) كما أن رسائله تتضمن ما يفيد بقدرته العلمية, وإيمانه وقوة عزيمته وشجاعته .  ففي رسالته إلى علي نائب باشا بغداد, نلحظ كثرة استشهاده بآيات من القرآن الكريم وبعض التفاسير لها , وكذلك استشهاده بأحاديث الرسول e , وإيضاح موقف الدولة السعودية من محاولات الدولة العثمانية القضاء عليها , عن طريق والي العراق العثماني , وحقيقة الصلح الذي جرى بين السعوديين ووالي العراق العثماني, ومن الذي طلبه؟ وردود الإمام سعود على ما أشار إليه عــلي من المغالطات, وثبات المبادئ التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى , وعزمها على تصحيح الممارسات الخاطئة في الجهات التي تصل إليها, وما قامت به من جهود في مجال العقيدة والقضاء على البدع والخرافات . ومن الملاحظ كذلك قوة أسلوب الإمام سعود وقدرته الفائقة على الإقناع والإتيان بالدليل في كل مجال يتحدث عنه . وفي هذه الرسالة سخر الإمام سعود من علي باشا وظلمه وجوره على رعيته في العراق , وغدره بأبناء سليمان باشا بعد وفاته وأكله أموالهم . ثم ينتهي الإمام سعود إلى إيضاح أمر مهم وهو عدم نية السعوديين في المهادنة والمسابلة في كل أمر يتعارض مع تعاليم الإسلام . ويختتم الإمام سعود رسالته المذكورة باستعداد السعوديين للتحدي بالمواجهة وليس بالكلام ويختم رسالته بالصلاة والسلام على رسول الله e .(131)

وفي رسالة أخرى إلى والي الشام يوسف باشا , بدأها بحمد الله وشكره, وإثبات الشهادتين ثم دعوته لوالي الشام الإيمان بالمبادئ التي دعت إليها دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب , وأهمها تحقيق التوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه, ثم أوضح أن الاختلاف بين السعوديين وغيرهم هو إخلاص العبادة لله, والمتابعة أي نفي الشرك ونفي البدع, والدعوة إلى الرجوع عند الاختلاف إلى كتاب الله. ويشير الإمام سعود إلى استعداد السعوديين, إرسال علماء الدعوة لمناظرة علماء الشام إن طلبوا ذلك, أو استقبال علماء الشام ومناظرتهم في البلاد السعودية . وفي رسالة أخرى إلى الوالي نفسه, يغير الإمام من حدة أسلوبه معه في الرسالة السابقة ولعل هذا بعد رد والي الشام عليه, ورغبته في كسب والي الشام إلى جانبه . ويلاحظ في هذه الرسالة, تركيز الإمام سعود على قضية التوحيد إثباتا ونفيا , مع الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة, وإيضاح حرص أتباع الدعوة على تطبيــق المبادئ التي دعت إليها الدعوة مهما كلفهم ذلك من جهد ( 132)

أما الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز , فلا يقل شأنا عن والده , وجده وتدل رسائله على علو كعبه ومقدرته العلمية , ففي رسالته إلى طوسون بن محمد علي, نلاحظ تقديره واحترامه للمرسل إليه , وتأكيده على الوفاء بما التزم به من شروط في الصلح بينه وبين طوسون , دون الالتزام بما عده طوسون مطالب للصلح من طرفه, وركز الإمام على التأكيد لطوسون على الوفاء بالعهد وعدم الحنث به مهما كلفه ذلك , وأنه وعساكره في أمان الله ثم أمانه وطالبه بإرسال كتاب إليه يتعهد فيه له بأمان الله ثم أمان السلطان وأمانه لكل رعاياه من الحاضرة والبادية وكتاب آخر بالأمان لأهالي الشنانة والنبهانية – من بلدان منطقة القصيم – كما تعهد الإمام بالتزامه إرسال رهائن إليه في حالة رغبته السفر قبلهم , أو استعداده السفر قبل طوسون وعليه تقديم رهائن لــه. وبعد أن تلقى الإمام عبد الله رسالة محمد علي بــاشا , والتي أكد فيها عزمه على الحرب, عقد الإمام مؤتمرا من أفراد أسرته , وزعماء البلاد وتذاكروا الموقف , فأجمعوا على الحرب وأذاع الإمام بيــانا على الناس قال  فيه : " لقد عقدنا مع السلطان صلحــا بواسطة طوسون بــاشا ولكن محمد علي مزق هذا العهد إنه يريد منا أن نتخلى عن عقيدتنا لنعتنق معتقداته تلك المعتقدات التي تجعل من السلطان معبودا وتبيح السكر والربـا والميسر وغير ذلك من المحرمات ", كما يشير إلى أن محمد علي نقض العهد , وهو متعطش إلى دماء المسلمين لسفكها ولذلك صممنا على محاربته لنحتفظ بديننا ووطننا وشعوبنــا التي تؤمن بوحدانية الله وسينصرنا الله على القوم المشركين . وقد قرأ الأئمة والخطباء هذا البيان في المســاجد . (133)

وتبرز مظاهر القدرة العلمية لدى أئمة الدولة السعودية الأولى من خلال دراسة رسائلهم المهمة , خاصة الإمام عبد العزيز بن محمد , والإمام سعود بن عبد العزيز , والإمام عبد الله بن سعود . أما عبد العزيز بن محمد فرســائله كثيرة , وأهمها ما كان بينه وبين العلماء , أو ما كان يأمر بتوزيعها وتعميمها لنشر الدعوة التي قامت على أســاسها الدولة السعودية الأولى , المنقحة من شوائب الشرك والزيغ والضلال (134) وبدراسة هذه الرسائل نلاحظ ما يلي :

1- تحوي هذه الرسائل الكثير من الآيات القرآنية التي استشهد بها لإثبات ما يعتقد وما يدعو إليه, من أن الشفاعة لله وأما خلقه فلا يشفعون إلا بإذنه  ولمن ارتضى . ونجده يركز على هذه الناحية, التي هي أهم أسس الدعوة الإصلاحية , في نفي الشرك مع الله لأي أحــد لا ولي ولا قبر ولا أشجار ولا أحجار .

2- الأحاديث النبوية الشريفة , حيث نجد حديث ( لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ) يتكرر هذا الحديث في عدة رســائل . وهناك أحاديث كثيرة ربما تربو على أربعين حديثا , يستشهد بها . كما نجده في رسالته التي أرسلها إلى العلماء في المشرق والمغرب يظهر لهم طول بــاعه بالعلم, إذ ضمنها ما يقارب الستين آيــة يذكرها بعد أن يشرح الغاية من الاستشهاد بها . وفي الرسالة نفسها نجده يصلي على النبي محمد – e  أربعا وستين مــرة , إذ كلما ذكره باسمــه أو بالإشارة إليه بقول أو فعل أو أمر أو نهي. وهذا يبطل تهمة الذين يقولون : إن أتباع الدعوة لايصلون على النبي , بل ربما قال (سيدنا ) رسول الله , وهو ينفي التعصب الذي يوصف به أتباع الدعوة من قبل أعدائهم الذين يفترون الكذب .

3- يلاحظ أحيانا أنه يشير إلى الآيات من غــير أن يوردها , حيث نجــده فـــي  رســالته إلى العلماء في المشرق والمغرب , وهو يشرح كلمة التوحيد يدلي بمدلول الآيات التي وردت في سور يونس و الزمر والزخرف وغيرها . وهذا يدل على طول باعه في علوم القرآن , وما يمت إليه بصــلة ودرجة حفظه له.

4- استعمال السجع , وهو كثير في خطــب ورسـائل أهــل ذلـــك الـــعصر كقولــه : " فنحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه الكفاية لمن اعتبر وتدبر وبعين بصيرة نظر وفكر فإنه حجة الله وعهده ووعده ووعيده ", "فالتوحيد ليس هو محل الإجتهاد فلا تقليد فيه ولا عناد " وهكذا نجد مقتطفات كثيرة من رسائله يخالطها السجع .

5- استدلاله بآراء من كتب المذاهب غير المذهب الحنبلي , كقوله مستشهدا بقول الإمام مالك بن أنس – رحمه الله –، فيما ذكره إسماعيل بن إسحــاق في المبسوط عنه , وعن القاضي عيــاض في الشفاء والمشارق وغيرهما من أصحاب مالك " لا أرى أن يقف عند قبر النبي e ويدعو له ولكن يسلم ويمضي " وقال أيضا في المبسوط عن مالك " لا بأس لمن قدم من السفر أو خرج إليه أن يقف عند قبر النبي e ويسلم عليه ويدعو لأبي بكر وعمر أما إطالة الوقوف وتكرره في اليوم عدة مرات فأنكرها وقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا من الصحابة ولا غيرهم ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها " . وهذا دليل على أنه قرأ كتب الفقهــاء الآخرين غير الإمام أحمد بن حنبل .(135) ولا يختلف الإمام سعود بن عبد العزيز , ولا الإمام عبد الله بن سعود عن الإمام عبد العزيز في كثير من خصائص رسائلهما.

 

مكتبــات الأئمة  :

من المؤكد أن ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب , وقيام الدولة السعودية الأولى قد أسهما بدرجة كبيرة في تطور الحركة العلمية . وما قام به أئمة الدولة السعودية الأولى من جهود خاصة في هذا المجال , أدى إلى هذه القفزة العلمية التي حققتها الدرعية في مجال التعليم , لأنها قاعدة الدولة ومقر العلماء من أبناء الشيخ محمد وأتباع الدعوة , ولذا كانت مقصدا لطلبة العلم داخل نجد وخارجها (136) وبلغت خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري وما بعده أيام سعدها وأوج عزها , زاخرة بالعلماء الكبار والجهابذة الحفاظ من تلاميذ الشيخ محمد وغيرهم من الوافدين إليها والمقيمين بها من العلماء الأعلام (137) ولعل هذا المناخ التعليمي الملائم كان عاملا من العوامل التي شجعت على جمع الكتب وتكوين المكتبات الخاصة والعامة , ومنها مكتبات الأئمة من آل سعود الذين برز منهم بشكل خاص الإمام سعود بن عبدالعزيز الذي أشارت بعض المصادر إلى اقتنائه مكتبة كبيرة (138) كما أوضحت بعض المصادر المعاصرة لأحداث سقوط الدرعية , أنه بعد استسلام الإمام عبد الله بن سعود وسقوط الدرعية , دخل إبراهيم باشا بن محمد علي باشا بيت الإمام عبدالله بن سعود وأخذ منه مجموعة هائلة من الكتب وقد أرسلت هذه الكتب إلى المدينة المنورة ابتهاجا بسقوط الدرعية , وكان الهدف من إرسالها أن يقوم المختصون في العلوم الدينية بفحصها (139) ومما يدل على كثرة أعداد الكتب التي نهبت من بيت الإمام عبد الله بن سعود, ما أشار إليه بعض الكتاب من أن إبراهيم باشا لما تجاوز بلدة حريملاء انتقى من الكتب عشرة أحمـــــال, وأحــــرق الباقي. (140) ومن هنا نتبين أن للأئمة من آل سعود مكتبات ضخمة تناسبت مع قدرتهم العلمية التي وصلوا إليها , وكانت دلــيلا واضحا على المستــوى الذي بلـغوه في هذا المجـال.

 

خـاتمـــة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله e , وبعد

فإن من أبرز النتائج التي توصل إليها بحث الجانب العلمي لدى أئمة الدولة السعودية الأولى, في الموضوع الأول والمتعلق بنبذة عن الحياة العلمية في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى, حيث أشرنا إلى العقبات التي واجهت التعليم في تلك الفترة , ورأينا أن أبرزها الظروف الاقتصادية التي أدت إلى انشغال الناس بالبحث عن لقمة العيش عن العلم والتعليم . كما أن الظروف الصحية , وانتشار الأوبئة كان له أثر في الحد من طلب العلم لكثرة وفيات العلماء وطلبة العلم , وكذلك كان للظروف السياسية والأمنية أثر في تعطيل الجهود المبذولة – على قلتها – للنهوض بحركة العلم واعتداء القوي على الضعيف وعدم أمن الطرق اللازمة للانتقال من مكان إلى آخر , والحروب والفتن التي كانت تطبع تاريخ نجد في تلك الفترة , كما أن الظروف السياسية, أدت إلى عدم قيام دولة قوية ترعى العلم وتصرف عليه . ومن الظروف كذلك العزلة التي كانت عليها منطقة نجد بصفة خاصة , وشبه الجزيرة العربية بصفة عامة , وما أحدثته هذه العزلة من عدم وصول علماء إلى نجد , يسهمون في رفع نير الجهل عن أهل نجد بالإضافة إلى توقف الاجتهاد واعتقاد من وجد في نجد من العلماء أن بابه قد أقفل . ورغم هذه العقبات التي واجهت التعليم في تلك الفترة إلا أنه كانت هناك محاولات لنشر العلم , كان للعامل الديني أثر واضح فيها سواء بالنسبة للغاية من التعليم أو بالنسبة لمن يقوم به رغبة في الأجر والثواب من الله . وكانت هذه المحاولات تقتصر على الأسر القادرة , وبوجه خاص أبناء القضاة نظرا لمقدرتهم المادية إذ إن القضاء ذو دخل يرجح أنه جيد . أما علومهم فقد ركزوا على الفقه دون غيره من العلوم لأنه يؤهل للقضاء وإمامة الصلاة ويبدو أن النجديين يرون ذلك كافيا لتركيزهم على الفقه وقد أدى ذلك إلى الاكتفاء الذاتي من القضاة , لكنه من جانب آخر أدى إلى إهمال العلوم الأخرى , خاصة علوم العقيدة ومن هنا انتشرت في نجد بعض مظاهر الانحراف عن العقيدة الإسلامية الصحيحة ووجدت البدع والخرافات, نتيجة عدم وجود علماء مؤهلين في هذا المجال , يوضحون للناس أثر هذه الممارسات على عقائد الناس. ولذا أشرنا إلى أن أحد علماء نجد وهو الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف أوضح للشيخ محمد بن عبدالوهاب عندما زاره في المدينة المنورة أنه أعد سلاحاً لأهل بلده – المجمعة – وأطلع الشيخ محمد على غرفة مليئة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم , وغيرهما من العلماء الذين ألفوا في العقيدة , وهذا يوضح نقص هذه العلوم لدى النجديين .

أما الموضوع الثاني وهو نبذة عن أئمة الدولة السعودية الأولى , فتحدثنا عن نسب الأسرة السعودية , وأوضحنا اختلاف المصادر في نسبة الأسرة السعودية إلى قبيلة عنــزة ورجحنا انتساب الأسرة السعودية إلى بني حنيفة , وأن انتسابهم إلى قبيلة عنزة – رغم شهرة ذلك لدى الناس – لايعدو كونه انتسابا سياسيا , لكثرة الأسر والأفراد والقبائل المنضمة إلى قبيلة عنزة، فيما يشبه اتحاد القبائل رغم البعد عن شيخ القبيلة الأول. وأشرنا إلى موطن الأسرة السعودية في قرية الدرعية قرب القطيف في المنطقة الشرقية وأن انتقالهم من نجد إلى هناك ربما كان لظروف اقتصادية, رغم عدم وصولنا إلى معرفة تاريخ انتقال الأسرة من نجد إلى المنطقة الشرقية . ثم أشرنا إلى انتقال الأسرة من هناك إلى نجد بزعامة مانع المريدي , إثر اتصالات بينه وبين قريبه ابن درع الموجود في حجر اليمامة التي كانت جزءاً من مدينة الرياض الحالية ولعل الاتصالات بين الطرفين جاءت لأسباب سياسية واقتصادية ثم منح ابن درع قريبه مانع المريدي وأسرته موضعي غصيبة والمليبيد , ثم تسمية هذا المكان باسم مستقرهم الأول ,و كان ذلك عام 850هـ . وأوضحنا سلسلة نسب الأسرة السعودية ابتداء من مانع المريدي إلى الأمير محمد بن سعود .

أما الموضوع الثالث, ويتعلق بالعلماء الذين أخذ عنهم أئمة الدولة السعودية الأولى فبينا أنهم أخذوا عن زعيم الدعوة الإصلاحية الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأبنائه وأحفاده وهذا ما انعكس على الأئمة سواء في غزارة علمهم أو في نوعية العلوم التي أخذوها, ونظرا لتتلمذهم على زعيم الدعوة وأبنائه وأحفاده, فقد استفادوا من الثورة الفكرية التي صاحبت ظهور الدعوة وانتشارها, والجدل بين أتباعها و معارضيها.

أما الموضوع الرابع , والمتصل بالعلوم التي أخذها الأئمة , فأوضحنا أن الأئمة طرقوا جميع العلوم المتوافرة آنذاك , وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة, باعتبارهما أول العلوم وأهمها لدى المسلمين جميعا . وكذلك أخذوا الفقه وأحكامه ونبغوا فيه , والتفسير خاصة الطبري وابن كثير , ورياض الصالحين, كما تعلموا علوم العقيدة التي اهتم بها زعيم الدعوة وأتباعها . ومن الملاحظ أن الأئمة عندما أجادوا هذه العلوم , فكروا في  علوم أخرى ذات أهمية لهم , وتدعو الحاجة إليها ومنها علوم اللغة والأدب , وكذلك التاريخ وأخبار الأمم والملوك .

أما الموضوع الخامس فكان عن اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بالعلم ومظاهر ذلك, فقد عددنا مظاهر ذلك الاهتمام ومنها عقد المجالس العلمية للدروس, وتشجيع طلبة العلم, وتقدير العلماء وصرف المكافآت والعطايا لطلبة العلم والعلماء, وكذلك اختيار القضاة والدعاة والمعلمين مـن أبرز العلماء وإرسالهم إلى البلدان و المناطق المجاورة, وخاصة التي تدخل في طاعة الدولة لإيضاح حقيقة الدعوة وإرشاد الناس للتخلي عن ما يعارضها من الممارسات المنتشرة في ذلك الوقت. كما ركز الأئمة على اختيار الممثلين لهم في المناطق والبلدان المجاورة من العلماء النابغين لتمثيل الدولة والدعوة خير تمثيل. وبلغ من اهتمام الأئمة بالعلم وحرصهم عليه أن أمروا العلماء بمرافقة الجيوش في الغزوات. وهذا أمر مهم جداً لنصحهم وإرشادهم وحثهم على الالتزام بالتصرفات الإسلامية , حيال العدو وكذلك حثهم على الصبر والشجاعة في مواجهة الأعداء .

أما الموضوع الأخير فيتعلق بمظاهر القدرة العلمية لدى أئمة الدولة السعودية الأولى وأوضحنا قدرتهم أثناء عقد المجالس العلمية للدروس والمتمثلة في ممارسة التعليم والمناقشة, وقدرتهم الفائقة في هذا المجال, وكذلك حكمهم وتقويمهم للدارسين وتشجيعهم للنابغين منهم بالعطاء الأوفر, وكذلك مداومة الأئمة على عقد هذه المجالس ثلاث مرات يوميــا, سواء المجالس العامة أو الخاصة.  ومن مظاهر قدرة الأئمة العلمية, إجاباتهم عن مسائل فقهية مما يؤكد المستوى العلمي الكبير الذي وصلوه, وكانوا يجيبون إجابات سديدة وموفقة, وقد مثلنا لهذه الإجابات في ثنايا البحث. وإن كان بعض الأئمة قد فاق البعض الآخر في هذا المجال . ومن مظاهر قدرتهم العلمية الخصائص التي تميزت بها رسائلهم ونصائحهم ووصاياهم سواء باستشهادهم في رسائلهم بالقـــرآن والسنة ومـــا صح عن سلف هذه الأمة أو ببلاغتهم وحسن خطـابتهم التـي أشاد بها كثير من الكتـــاب والمؤرخين . أو كان ذلك بتعمقهم في علوم العقيـــدة والفقه والتفســـير مما يؤكد نجاحـــهم في التحصيل. أو التزام رسائـــلهم بكثير من المظاهر البـلاغية, كالسجـع مثــلا ومناسبــة رســائلهم لمن أرسلت إليه, ومخاطبة الناس على قدر عقولهم . ومن مظـــاهر قدرتهـم العلمية, تمكنــهم من جمع مكتبات كبـيــرة , تضم آلافا من الكـتب. ولا شك أن هذا مظهر مهم من مظاهر القدرة العلميـة لديهم .

 

الهـوامـش

 

(1) العثيمين , عبد الله بن صالح , تاريخ المملكة العربية السعودية , ط 5 , 1993 م , 1/50 .

(2) العجلان , عبد الله بن محمد , حركة التجديد والإصلاح في نجد , ط1 , 1409هـ , الرياض , ص 226 .

(3) ابن عيسى , إبراهيم بن صــالح , تاريخ بعض الحوادث في نجد ووفيات بعض الأعيان وأنسابهم وبناء بعض البلدان, الرياض, دار اليمامة للطباعة والنشر, 1386هـ, ص 73 , 74 .

(4) الفاخري , محمد بن عمر , الأخبار النجدية , تحقيق د . عبدالله الشــبل , لجنة البحوث والترجمة والتأليف والنشر , جامعة الإمام محمد بن سعود  د . ت , ص 95 . ابن عيسى , المصدر السابق , ص 91 .

(5) الشبــل , عبد الله بن يوسف , التعليم في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب , مقال بمجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحســاء , العدد الثاني , السنة الثانية 1402 – 1403 هـ , ص ص 517 , 518 .

(6) العثيمين , المرجع السابق , 1 / 50 .

(7) الشبل , المرجع السابق , ص ص 509 , 510 .

(8) العثيمين , المرجع السابق , 1 / 53 .

(9) الشبل , المرجع السابق , ص ص 509 , 510 .

(10) ابن عيسى , المصدر السابق , ص 47 .

(11) عثمان بن عبد الله , عنوان المجد في تاريخ نجد , تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبدالله آل الشيخ , ط 2 , 1391 هـ , 2 / 210 .

(12) ابن بشــر , المصدر نفســه , 2 / 218 .

(13) الشبل , المرجع السابق , ص 510 .

(14) البسام , عبد الله بن عبد الرحمن , علماء نجد خلال ستة قرون , ط1 , 1398 هـ , منشورات مكتبة النهضة الحديثة مكة المكرمة , 1 / 17 .

(15) هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد ابن بريد بن مشرف بن معضــاد بن ريـس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعــــود بن عقبة بن سـنيع بن نهشــل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن عمر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معــــد بن عدنان . ولد في العيينة عام 1115 هـ . ابن عنــام , حسين بن أبي بكر, روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإســلام, ط 1, 1368هـ , منشورات المكتبة الأهلية بالرياض , 1 / 25 , 26 . ابن بشر, المصدر السابق, 1 / 113 .

(16) ابن بشر , المصدر نفسه , 1/ 20 .

(17) البســام , المرجع السابق , 3 / 683 – 686 .

(18) العثيمين , المرجع الســابق , 1 / 51 , 52 .

(19) البسام , المرجع السابق, 2/217. و 3/956. العيسى, مي بنت عبد العزيز, الحياة العلمية في نجد, ط1, د . ت, منشورات دارة الملك عبد العزيز بالرياض , ص ص 45 ,46 .

(20) العثيمين , المرجع السابق , 1/ 51 .

(21) العيسى , المرجع السابق , ص 77 .

(22) الشبل , المرجع السابق , ص 517 . العيسى , المرجع نفسه , ص 79 .

(23) العثيمين , المرجع السابق , 1 / 80 .

(24) ابن عيسى , المصدر السابق , ص 36 . ابن بشر , المصدر السابق , 2/ 15 .

(25) العثيمين , المرجع السابق , 1/ 80 .

(26) منير , تاريخ البلاد العربية السعودية , ط2 , 1413هـ , دار الشبل الرياض , 1/ 79 .

(27) العجلاني , المرجع نفسه , 1/ 51 .

(28) العثيمين , المرجع السابق , 1/ 80 , 81 .

(29) ابن بشر , المصدر السابق , 2/ 29 . ابن عيسى , المصدر السابق , ص 36 . العجلاني , المرجع السابق , 1/51

(30) العثيمين , المرجع السابق , 1/ 81 . العجلاني , المرجع السابق , 1/51 .

(31) العثيمين , المرجع نفسه , 1/82 .

(32) العثيمين , المرجع نفسه , 1/ 82 .

(33) الصــانع والعلي , عبد الرزاق بن عبد المحسن , و عبد العزيز بن عمر , إمارة الزبير بين هجرتين بين سنتي 979 – 1400 هـ , ط1 , 1406هـ , الكويت , 1/ 71 . استنادا على دليل دارة الملك عبد العزيز بالرياض , إعداد قسم البحوث عام 1401هـ .

(34) العجلاني , المرجع السابق , 1/ 57 , 58 .

(35) ابن بشر , المصدر السابق , 2/216 , 228 , 229 , 236, 237 .

(36) ابن بشر , المصدر نفسه , 2/ 237 . العثيمين , المرجع السابق , 1/82 , 83 .

(37) ابن بشر , المصدر نفسه , 2/237 .

(38) ابن بشر , المصدر نفسه , 1/ 63 .

(39) ابن بشر , المصدر نفسه , 2/ 233 .

(40) الزركلي , خير الدين , شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز , ط 3 , 1985م , منشورات دار العلم للملايين , بيروت لبنان , 1/37 .

(41) ابن بشر , المصدر السابق , 1/167 .

(42) ابن بشر , المصدر نفسه , 1/ 225 , 101 .

(43) الشوكاني , محمد بن علي , البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع , ط1 , 1348 هـ, منشورات دار المعرفة, بيروت لبنان , 1/ 262 .

(44) ابن بشر , المصدر السابق , 1/ 225 , 279 .

(45) العجلاني , المرجع السابق , 2/ 33 . ابن غنام , المصدر السابق , 1/ 222 .

(46) ابن غنام , المصدر نفسه , 1/ 31 .

(47) ابن غنام , المصدر نفسه , 1/ 148 , 158 , 181 .

(48) ابن قاســم, عبد الرحمن بن محمد, الــدرر السنية في الأجوبة  النجدية , ط6 , 1417 هـ , 11/ 31 .

(49) مؤلف مجهول , لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب , تحقيق عبد الرحمن بن   عبداللطيف آل الشيخ , منشورات دارة الملك عبد العزيز , الرياض , د . ت , ص 36 .

(50) العيسى , المرجع السابق , ص 252 . أحمد علي , آل سعود , ط2 , 1994 م , مكة المكرمة, دار الشبل للطباعة والنشر , ص 44 .

(51) ابن بشر , المصدر السابق , 1/225 .

(52) ابن قاسم , المصدر السابق , 11/31 . أحمد علي , المرجع السابق , ص 44 .

(53) البسام , المرجع السابق , 1/49 .

(54) لمع الشهاب , المصدر السابق , ص 185 .

(55) أحمد علي, المرجع السابق, ص ص 54 , 55. لمع الشهاب , المصدر السابق, ص 185 .

(56) أحمد علي , المرجع نفسه , ص 44 .

(57) ابن بشر , المصدر السابق , 1/230 . 

(58) أحمد علي , المرجع السابق , ص 44 .

(59) أحمد علي , المرجع نفسه , ص 44 .

(60) ابن قاسم , المصدر السابق , 9/ 264 – 289 .

(61) ابن قاسم , المصدر نفسه , 9/ 264 – 289 .

(62) أحمد علي , المرجع السابق , ص 44 .

(63) لمع الشهاب , المصدر السابق , ص 33 .

(64) ج ج لوريمر , دليل الخليج , القسم التاريخي , ترجمة ديوان سمو أمير قطر , 3 / 1586

(65) ابن عبد القادر , محمد بن عبد الله بن عبد المحسن , تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء في القديم والجديد , ط2 , 1402هـ , منشورات مكتبة المعارف , الرياض , 1/ 128 .

(66) ابن بشر , المصدر السابق , 1/ 116 , 25 , 228 , 229 , 230 , 225 .

(67) ابن بشر , المصدر نفسه , 1/ 230 , 231 , 233 .

(68) ابن بشر , المصدر نفسه , 1/ 233 , 234 , 235 .

(69) لمع الشهاب, المصدر السابق, ص 54 . آل الشيخ, عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن , مصبح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام , ص 143 .

(70) لمع الشهاب , المصدر نفسه , ص 54 .

(71) الحنبلي , راشد بن علي , مثير الوجد في أنساب ملوك نجد , تحقيق عبد الواحد راغب , ص 47 .

(72) ابن قاسم , المصدر السابق , 9 / 264 – 289 .

(73) لمع الشهاب , المصدر السابق , ص 54 .

(74) لمع الشهاب , نفســه , ص 181 .

(75) ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 171 . العيسى , المرجع السابق , ص 151 .

(76) ابن بشر , المصدر نفسه , 1 / 174 , 229 , 232 , 233 .

(77) العيسى , المرجع السابق , ص 251 .

(78) ابن قاسم , المصدر السابق , 11/ 31 , 12 .

(79) أحمد علي , المرجع السابق , ص 35 .

(80) العجلاني , المرجع السابق , 2 / 21 .

(81) البسام , المرجع السابق , 1 / 164 .

(82) ابن غنام , المصدر السابق , 2/ 3, 4 .

(83) ابن غنام , المصدر نفسه , 2/ 160 .

(84) العجلاني , المرجع السابق , 2 / 15 .

(85) ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 129 .

(86) خزعــل, حسين خلف الشيخ, تاريخ الجزيرة العربية في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب , دار ومكتبة الهلال , بيروت لبنان , د . ت , ص ص 339 , 340 .

(87) العجلاني , المرجع السابق , 1 / 102 .

(88) الخوري , وشحــادة , سليم جبرائيل , وسليم ميخائيل , آثار الأدهار , القسم التاريخي , ط1 1877 م , بيروت لبنان , ص 73 .

(89) العجلاني , المرجع السابق , 4 / 162 .

(90) العجلاني , المرجع نفسه , 4 / 25 , 137 .

(91) البسام , المرجع السابق , 1 / 98 , 99 .

(92) ابن حميــد , محمد بن عبد الله , السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة , ط1 , 1416 هـ، منشورات مؤسسة الرسالة , بيروت لبنان , 2/ 692 .

(93) لمع الشهاب , المصدر السابق , ص ص 78 , 83 , 84 .

(94) ابن غنام , المصدر السابق , 2 / 50 , 51 , 96 , 135 , 144 . ابن عبد القادر , المصدر السابق , 2 / 361 .

(95 ) ابن غنام , المصدر نفسه , 2 / 80 .

(96) ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 106 .

(97) البسام , المرجع السابق , 1 / 239 – 243 . ابن غنام , المصدر السابق , 2 / 200 .

(98) العجلاني , المرجع السابق , 2 / 14 , 16 .

(99) ابن قاسم , المصدر السابق , 11 / 31 , 12 .

(100) ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 137 .

(101) العثيمين , المرجع السابق , 1 / 180 . فاسيليف , تاريخ العربية السعودية , ترجمة دار التقدم, موسكــو , الاتحاد السوفيتي , 1986 م , ص 160 .

(102) ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 186 .

(103) ابن بشر , المصدر نفسه , 1 / 191 .

(104) الندوي , مسعود , محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه , ترجمة عبد العليم البستـــوي , منشورات إدارة الثقافــة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية , عام 1404هـ , ص 103 .

(105) ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 117 .

(106) ابن بشر , المصدر نفسه , 1 / 229 .المقصود بالإمام في نص ابن بشر, الإمام سعود بن عبدالعزيز . 

(107) المصدر نفسه , 1 / 229 , 230 .

(108) المختـــار , صلاح الدين , تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها و حاضرها , ط1 , 1957 م , منشورات دار مكتبة الحياة , بيروت لبنان , 1 / 135 .

(109) ابن خميس , عبد الله بن محمد , الدرعيــة العاصمة الأولى , ط1 , 1402 هـ , مطابع الفرزدق , الرياض  , ص 428 .

(110) عن ميثاق الدرعية , ارجع إلى ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 25 , 24 . ابن غنام ، المصدر السابق , 2 / 3,4

(111) ابن بشر , المصدر نفسه , 1 / 24 , 25 .

(112) العجــلانــي , المرجع السابق , 1 / 117 .

(113) انظر موضوع مظاهر اهتمام الأئمة بالعلم , خاصة ما يتصل بمجالس الدروس .

(114) المصدر السابق , 1 / 229 .

(115) ابن بشر , المصدر نفسه , 1 / 173 .

(116) ابن بشر , المصدر نفسه , 1 / 225 , 226 . العجــلاني المرجع السابق , 3 / 18 ,19

(117)العجلاني , المرجع نفسه , 3 / 18 , 19 .

(118) بوركهارت , جوهان لودفيج, مواد لتاريخ الوهابيين, ترجمة د . عبد الله العثيمين , ط2, 1412 هـ , منشورات جامعة الملك سعود , الرياض , ص 35 .

(119) ابن قاسم , المصدر السابق , 10 / 277 , 278 .

(120) ابن قاسم , المصدر نفسه , 7 / 220 .

(121) ابن قاسم , المصدر نفسه , 2 / 170 , 171 , 172 .

(122) ابن قاسم , المصدر نفسه , 9 / 6 , 7 , 303 , 304 .

(123 ) ابن قاسم , المصدر نفسه , 7 / 575 .

(124) الخوري , و شحادة , المصدر السابق , ص 247 .

(125) العجلاني , المرجع السابق , 4 / 160 . نقلا عن المؤرخ الأجنبي غوان .

(126) ابن قاسم , المصدر السابق , 1 / 258 – 264 , 269 – 274 , 265 – 268 .

(127) المصدر السابق , 1 / 225 , 226 .

(128) العجلاني , المرجع السابق , 3 / 18 , 19 .

(129) ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 192 .

(130) فاسيليف , المرجع السابق , ص 177 .

(131) العجلاني , المرجع السابق , 3 / 195 – 209 .

(132) العجلاني , المرجع نفسه , 3 / 210 , 211 , 214 – 217 .

(133) العجلاني , المرجع نفسه , 4 / 59 – 69 .

(134) ابن سحمان , سليمان , الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية , ط1 , 1342 هـ , مطبعة المنار , مصر , ص ص 4 – 34 .العجلاني , المرجع السابق , 2 / 213 – 260 .

(135) للإطلاع على المزيد من مظاهر القدرة لدى الإمام عبد العزيز ارجع ابن غنام , المصدر السابق , 2 / 80 , 81 , 144 , 145 , 200 .ابن بشر , المصدر السابق , 1 / 168 – 175 .

(136) ابن بشر , المصدر نفسه , 1 / 115 , 120 .

(137) آل الشيخ , عبد الرحمن بن عبد اللطيف , مشاهير علماء نجد وغيرهم, ط1, 1392هـ , منشورات دار اليمامة الرياض , ص 29 .

(138) فاسيليف , المرجع السابق , ص 152 .

(139) سادلير , ج  فورستر , رحلة عبر الجزيرة العربية خلال عام 1819م , ط1 , 1403هـ، ترجمة أنس الرفاعي , تحقيق سعود بن غانم الجمران العجمي , ص 150 .

(140) آل إسماعيل, محمد بن عبد الرحمن بن حسين , إنجاز الوعد بذكر الإضافات والاستدراكات على من كتب من علمــــــــــاء نجد , ط1 , 1988 م , منشورات مكتبة المعارف , الرياض , ص 80 .

 

المصادر والمراجع

 

§        آل إسماعيل , محمد بن عبد الرحمن بن حسين , إنجاز الوعد بذكر الإضافات و الاستدراكات على من كتب من علماء نجد , ط1 , 1988م , منشورات مكتبة المعارف , الرياض .

§        بوركهارت , جوهان لودفيج , مواد لتاريخ الوهابيين , ترجمة د / عبد الله العثيمين , ط2 , 1412 هـ , منشورات جامعة الملك سعود , الرياض .

§        ابن بشر , عثمان بن عبد الله , عنوان المجد في تاريخ نجد , تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللطيف ابن عبد الله آل الشيخ , ط2 , 1391هـ , جزءان .

§        البسام , عبد الله بن عبد الرحمن , علماء نجد خلال ستة قرون , ط1 , 1398هـ، منشورات مكتبة النهضة الحديثة, مكة المكرمة , ثلاثة أجزاء .

§        الحنبلي , راشد بن علي, مثير الوجد في أنساب ملوك نجد, تحقيق عبد الواحد راغب , ط1 , 1399هـ , منشورات دارة الملك عبد العزيز الرياض .

§        ابن حميد , محمد بن عبد الله , السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة , تحقيق بكر بن عبد الله أبــو زيد , د/ عبد الرحمن العثيمين , ط1 , 1416هـ , منشورات مؤسسة الرسالة , بيروت لبنان .

§        خزعل , حسين خلف , تاريخ الجزيرة العربية في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب , منشورات دار مكتبة الهلال , بيروت لبنان , د . ت .

§        الخوري , وشحادة , سليم جبرائل وسليم ميخائيل , آثار الأدهار , القسم التاريخي، ط1 , 1877م , بيروت لبنان .

§        ابن خميس , عبد الله بن محمد , الدرعية العاصمة الأولى, ط1 , 1402هـ, مطابع الفرزدق, الرياض .

§        الزركلــي , خير الدين , شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز , ط3 , 1985م، منشورات دار العلم للملايين , بيروت لبنان , جزءان .

§        سادلير , ج فورستر , رحلة عبر الجزيرة العربية خلال عام 1819م , ط1 , 1403هـ , ترجمة أنس الرفاعي , تحقيق سعود بن غــانم الجمران العجمي .

 

§        ابن سحمان , سليمان, الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية, ط1, 1342هـ مطبعة المنار , مصر .

§        الشبل , عبد الله بن يوسف , التعليم في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن  عبد الوهاب , مقال بمجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء , العدد الثاني , السنة الثانية , 1402 – 1403 هـ .

§        آل الشيخ , عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن , مصباح الظلام في الرد على من كــذب على الشيخ الإمام , تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي , د. ت .

§        آل الشيخ , عبد الرحمن بن عبد اللطيف , مشاهير علماء نجد وغيرهم , ط1, 1392هـ , منشورات دار اليمامة , الرياض .

§        الشوكاني , محمد بن علي , البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع , ط1 , 1348هـ , منشورات دار المعرفة بيروت , لبنان .

§        الصانع و العلي , عبد الرزاق بن عبد المحسن , وعبد العزيز بن عمر , إمارة الزبير بين هجرتين بين سنتي 979هـ – 1400هـ , ط1 , , 1406هـ, الكويت . 

§        ابن عيسى , إبراهيم بن صالح , تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد ووفيات بعض الأعيان وأنسابهم وبناء بعض البلدان , الرياض , دار اليمامة للطباعة والنشر , 1386هـ .

§        علي , أحمد , آل سعود , ط2 , 1994 م , مكة المكرمة , دار الشبل للطباعة والنشر .

§        العثيمين , عبد الله بن صالح , تاريخ المملكة العربية السعودية , ط5 , 1993م الجزء الأول .

§        العجلان , عبد الله بن محمد , حركة التجديد والإصلاح في نجد , ط1 , 1409هـ الرياض .

§        ابن عبد القادر , محمد بن عبد الله بن عبد المحسن , تحفة المستفيد بتاريخ الأحســاء في القديم والجديد , ط2 , 1402هـ , منشورات مكتبة المعارف , الرياض , جزءان .

§        العجلاني , منير , تاريخ البلاد العربية السعودية , ط2 , 1413هـ , دار الشبل , الرياض , أربعة أجزاء .

§        العيسى , مي بنت عبد العزيز , الحياة العلمية في نجد منذ قيام دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وحتى نهاية الدولة السعودية الأولى , ط1 , د . ت , منشورات دارة الملك عبدالعزيز, الرياض .

§        ابن غنام , حسين بن أبي بكر , روضة الأفكار و الأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام , ط1 , 1368هـ , منشورات المكتبة الأهلية بالرياض , جزءان .

§        فاسيليف, تاريخ العربية السعودية, ترجمة دار التقدم, موسكو, الإتحاد السوفيتي, 1986م .

§        الفاخري , محمد بن عمر , الأخبار النجدية ، تحقيق د/ عبد الله الشبل , لجنة البحوث والترجمة والتأليف والنشر , جامعة الإمام محمد بن سعود , د . ت .

§        ابن قاسم , عبد الرحمن بن محمد , الدرر السنية في الأجوبة النجدية , ط6 , 1417هـ , الأجزاء 1 , 2 , 7 , 9 , 10 , 11 .

§        لوريمر , ج ج , دليل الخليج , القسم التاريخي , ترجمة ونشر ديوان سمو أمير قطــر , د . ت .

§        المختار , صلاح الدين, تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها, ط1, 1957م  منشورات دار مكتبة الحياة , بيروت , لبنان , جزءان .

§        مؤلف مجهول , لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب , تحقيق عبد الرحمن ابن عبداللطيف آل الشيخ , منشورات دارة الملك عبد العزيز , الرياض ,  د . ت .

§        الندوي , مسعود , محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه ,  ترجمة عبد العليم البستـــوي , منشورات إدارة الثقافة والنشر , جامعــة الإمام محمد بن سعود الإسلامية , عام 1404هـ , الرياض .