مقدمــــة:

 الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله و أصحابه أجمعين وبعد:

فقد كان ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية الأولى على أساس مبادئها ، نقطة تحول بارزة في تاريخ شبه الجزيرة العربية بصفة عامة وتاريخ نجد بصفة خاصة ، وقد شمل أثر ذلك جميع المجالات دينية وسياسية و اقتصادية واجتماعية و حضارية . ومنذ أن انتهيت من دراساتي العليــا ( الماجستير والدكتوراه ) والتي كانت مركزة على الدعوة والدولة السعودية الأولى ، فكرت في كتابة بحث عن الجانب العلمي لدى أئمة الدولة السعودية الأولى، ومضت سنوات طويلة دون أن يتحقق الأمل، وذلك ناتج عن الشــح في المصادر، خاصة فيما يتعلق بالجانب الحضاري للدولة السعودية الأولى ، ومنه الجانب العلمي . ورغم أني كدت أتوقف عن إتمام هذا الموضوع للأسباب الآنفة الذكر إلا أن رغبتي في إتمام هــذا الموضــوع دفعتني للكتابة فيه – رغم صعوبته – لما له من أهمية قصـوى . وقد واجهت صعوبة كبيرة في جمع المادة العلمية اللازمة لهذا البحث ، لندرة مصادره من ناحية، ولأن هذه المادة – على قلتها – تعتمد على الاستنتاج بصفة خاصة. ورغم ذلك ، وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى كتبت هذا البحث، وقدمت فيه جهد المقل، أملا في أن يكون إسهاماً في إيضاح جهود أئمة الدولة السعودية الأولى – رحمهم الله – الذين بذلوا جهودا جبارة في سبيل مناصرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والجهاد دفاعا عن كيانها أو نشرا لمبادئها – رغم مشاغلهم في إدارة شؤون الحكم، وقيادة الجيوش – إلا أنهم اهتموا بالعلم وأسهموا إسهاماً فعالاً في تطور الحركة العلمية خلال عهد الدولة السعودية الأولى ، ثم كان ذلك أساسا سار على نهجه أئمة الدولة السعودية الثانية ثم الثالثة .

 

وقد قسمت هذا البحث إلى ستة موضوعات ومقدمة وخاتمة، تحدثت في الموضوع الأول في نبذة عن الحياة العلمية في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى، شاملة العقبات التي واجهت التعليم في نجد في تلك الفترة والعوامل التي أسهمت في تطور الحركة، ومظاهر ذلك . ثم تحدثت عن أنواع العلوم في تلك الفترة ولماذا ركزوا على بعض العلوم دون بعضها الآخر ؟ ونتيجة ذلك . ثم تحدثت في الموضوع الثاني عن أئمة الدولة السعودية الأولى ، شمل الحديث نسب الأسرة السعودية ، ومقر إقامتها الأول ، ومقرها الجديد ثم سلسلة نسب الأسرة ، بدءا من جدهم مانع المريدي، حتى الإمام محمد بن سعود . وفي الموضوع الثالث تحدثت عن العلماء الذين تتلمذ الأئمة على يديهم. وفي الموضوع الرابع أشرت إلى العلوم التي أخذها أئمة الدولة السعودية الأولى . وفي الموضوع الخامس ناقشت اهتمام أئمة الدولة بالعلم ، ومظاهر ذلك الاهتمام، وفي الموضوع السادس، أبرزت مظاهر القدرة العلمية لدى أئمة الدولة السعودية الأولى . ثم ختمت البحث بالإشارة إلى أبرز النتائج التي ناقشها البحث . وفي النهاية أتقدم بالشكر الجزيل والعرفان لكل من أسدى إلي نصحــا، أو قدم لي مساعدة وأصلي وأسلــم على نبينا محمد e وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

نبذة عن الحياة العلمية في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى :

كان التعليم في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى على نطاق ضيق ،فقد كان معدوما بالنسبة لفئة كبيرة من السكان وهم البادية ، كما كان قليلا بالنسبة للفئة الأخرى من السكان وهم الحاضرة، ولاشك أن أسبــابا متعددة أدت إلى هذه النتيجة .لعل من أبرزها صعوبة الحياة الاقتصادية بصفة عامة ،وانشغال أكثر الناس بالبحث عن لقمة العيش، وعدم وجود من يتولى التعليم برعاية ماليــة .(1) كما كان للعزلة التي عاشتها منطقة نجد وشبه الجزيرة العربية عن العــالم الإسلامي والتي كان لها أثر واضح في تقلص المدارس العلمية، وعزوف الطلاب عنها، ونقص العلم بموت علمــائه، وانكمــاش طلابه ، وكســاد سوقه، وعدم تقدير الناس لأهـله. يضاف إلى ذلك توقف الاجتهاد، واعتقاد الناس أن بابه قد أقفــل .(2) ومن الأسباب أيضا سوء الحال السياسية والحروب والفتن المتواصلة بين أســر وبلدان منطقة نجد، وبين هذه وأسر وبلدان المناطق المجاورة. وربما كـان للحال الصحية وكثرة الأمراض والأوبئة التي تؤدي إلى وفاة بعض العلمـاء، أثر في عرقلة مسيرة التعليم في نجد في تلك الفترة، إذ حلت في بعض أقــاليم نجد بعض الأوبئة التي أودت بحياة كثير من الناس ،ومنهم بطبيعة الحـال طلبة العلم أو العلماء، خاصة وباء عام 1099 هـ الذي عم أقاليم العارض والوشم وسدير . (3) ومن هذه الأوبئة وباء سنة 1126 هـ الذي أزهق بعض الأرواح في العارض كان منهم بعض العلماء .(4)

ومن عوامل ضعف التعليم في نجد في تلك الفترة ، تردي الأوضاع الأمنية مما أدى إلى عدم وجود تعليم نظامي ، بل كان التعليم أهليا ، يعتمد على الجهود الفردية ومقصورا على قلة من الناس ، تسمح لهم ظروفهــم، أن يخصصوا جزءا من وقتهم للتعليم ، وبخاصة أبناء القضــاة الذين كان لديهم القدرة على دفع الأجر الرمزي للمعلم .(5) ورغم ذلك فقد كانت هناك محاولات لنشر العلم حسب الإمكانات المتوافرة آنذاك ، منها الكتاتيب المحدودة جدا لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وخــاصة قراءة القرآن الكريم . ويــبدو أن العامل الديني كان له أثر واضح في إقبال أرباب الأسر القادرة ماليا على تعليم أبنائهم قراءة القرآن الكريم أو أجزاء منه على الأقل ، كما كان للعامل الديني  أثر في دفع القادرين علميا إلى بذل ما في وسعهم لتعليم غيرهم ما يعرفونه من علوم الشريعة .(6) وكان أولياء الأمور يد فعون أجورا رمزية أحيانا لمدرسي أبنائهم ، كما كان العلماء يبذلون ما يستطيعون لتعليم الآخريـن ، وكان بعضهم يدرسون في المساجد دون أجور .لكن من الملاحظ أنهم كانوا يهتمون بمرحلة التعليم الأولي إلى جانب القرآن الكريم بتدريس الخط والإملاء وقواعد الحساب الأربع ، على أن هذه المرحلة لا ترتبط بمدى زمني، وإنما تعتمد على جهد الطالب واستعداده وإدراكه، وعندما يدرك ولـي الأمر كفاية ما حصله ابنه لسد الحاجة يقوم بسحبه من الدراسة، ليساعده في أعمال الزراعة أو التجارة أو المهنة أو الحرفة، حتى يعينه على كسب الرزق، وليس هناك مؤهـــــلات يحصل عليها الطالب في نهاية المرحلة ، كما أن التعليم في هذه المرحلــة مقصور على البنين .(7)

ومن الملاحظ تركيـز علماء تلك الفترة على مادة الفقه خاصة المذهب الحنبلي ، أما العلوم الشرعية الأخرى فكان الاهتمام بها أقل مـــــن الاهتمام بهذه المادة التي كانت تؤهل المتخرج فيها إلى تولي القضــــاء، وكان إتقانها كافيا فيما يـبدو لذلك التأهيل . ومن هنا وجد الاكتفاء الذاتي من القضاة النجديين في أكثر بلدان منطقة نجد. (8)

على أن من الأهداف الأخرى الإمامة والخطابة والتدريس والإفتاء وكتابة العدل وتولي العقود، مثل عقود الأنكحــة . وكانت حاجة المجتمع هي التي تتحكم في تقرير المواد ومن ثم يكون مدى الإقبال عليها . وكانت مقتضيات البحث عن الرزق ومسؤولية الدفاع عن البلد تفرض على هؤلاء الاقتصار على علوم الضرورة في أقصى حدودها ، ومن ثم جاء التركيز على دراسة الفقه باعتبار أحكامه القواعد التي تنظم المجتمع وتحكم حياته .(9)

وتطلعنا المصادر النجدية على إشارات تؤكد اهتمام علماء نجد في تلك الفترة بالفقه دون غيره من العلوم الأخرى فالشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة المتوفى سنة 948 هـ ، كانت لــه اليد الطولى في الفقـــه ، وله مصنفات منها : ( التحفة البديعة والروضة الأنيقــة )(10)  .

وفي القرن الذي بعده هناك سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد ، الذي قال عنه ابن بشر : " كان سليمان رحمه الله تعالى فقيه زمانه متبحرا في علوم المذهب وانتهت إليه الرياسة في العلم وكان علماء نجد في زمانه يرجعون إليه في كل مشكلة من الفقه وغيره ... صنف كتابا في المناسك وذكر أنه شرح الإقناع فلما علم أن منصور البهوتي شرحه أتلف سليمان شرحه " .(11) ومن هؤلاء أيضا الشيخ الفقيه عبدالله بن محمد بن ذهلان الذي كان له في الفقه معرفة ودراية ، وتلميذه الشيخ أحمد بن محمد المنقور صاحب مجموع الفقه المشهور (الفواكه العديدة في المسائل المفيدة ) الذي رحل إلى شيخه المذكور خمس مرات للقراءة عليه ، كما أخذ عنه أيضا محمد بن ربيعة العوسجي ، المعروف في بلد ثادق من بلدان المحمل في نجد .(12)

وكان اهتمام علماء نجد ببعض العلوم الأخرى كالتفسير والحديث وبعض العلوم العربية، راجعا إلى كونها علوماَ مساعدة ، وتعين على فهم الأحكــام الشرعية وليست غاية في حد ذاتها، على الرغم من أن اهتمامهم بتلك العلوم قليل جــدا . (13 ) وعلى سبيل المثال كانوا يبحثون عن طريق دراسة علـم النحـــو في مختصرات كتبه إلى تعلم مايقوم ألسنتهــم عن اللحن ، وماعدا هذا من العلوم ، يعتبرون تعلمه مضيعة للوقت ، ومشغلة عما هــو أولى منه.(14)

ولعل اهتمام علماء نجد في تلك الفترة بالفقه ، أدى إلى نتيجة سيئة تمثلت في إهمال علوم العقيدة . ومن هنا انتشرت في نجــد في تلك الفترة بعض مظاهر الانحراف عن العقيدة الإسلامية الصحيحة كالبدع والخرافات ، وتقديس الأولياء والصالحين ، والاعتقاد بالأشجار والأحجار ، ولهذا بدأ علماء نجد في تلك الفترة ، يدركون خطورة هذا الوضع الناشئ عن إهمال علوم العقيدة ، وحاول بعض علماء نجد في تلك الفترة الخروج منها إلى مناطق أخرى للتزود بعلوم العقيدة ، ومن هؤلاء الشيخ عبدالله بن إبراهيــم بن سيف الشمري النجدي من أهل المجمعة في نجد الذي ترك نجدا ، وانتقل إلى المدينة المنورة ، للمجاورة فيها ، والتفقه في علوم العقيدة ، التي كانت تنقص أهل نجد في تلك الفترة ، وقد أوضح للشيخ محمد بن عبد الوهاب (15) عند لقائه به في المدينة المنورة خلال رحلته العلمية إليها هذا المفهوم ، عندما أخبره أنه أعد سلاحا لأهل المجمعة ، وأطلع الشيخ محمد على خزانة مليئة بكتب العقيدة ، وهذا يعطي دليلاً على أن الشيخ ابن سيــف عقد العزم على الاستعداد – عن طريق التفقه في علوم العقيدة – لإصــلاح الأوضاع الدينية في نجد في تلك الفترة .(16) ولم يشذ عن قاعدة اهتمام علماء نجد بالفقه إلا عالم واحد هو الشيخ عثمان بن أحمد بن قائد ، الذي ألف رسالة في العقيدة أسماهـا (نجاة الخلف باعتقاد السلف) لكن هذا العالم توفي خارج نجد ، ولعل مناقشاته مع العلمــاء الآخرين هناك ، كانت سببا في اهتمامه بهذا العلــم.(17)

على أن الحركة العلمية في نجد كانت في تقدم مستمر ، يأتي دليلاً على هذا الحكـم أن عدد علمــاء القرن الحادي عشر الهجري ( 17م) حوالي ضعف عدد علماء القرن الذي سبقــه وأن عدد علماء النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري ، يعادل عدد علماء القرن الحادي عشــر كــله ، كذلك يلاحظ أن عدد المسافرين من طلبة العلم النجديين إلى الأقطار الأخرى للتعلم على أيدي علمائها قد قــل بالتدريج ، ولعل من أسباب ذلك وجود علماء نجديين متمكنين من معرفة العلوم الشرعية ، مما أتاح لطلاب العلم الفرصـة للتعلم داخل نجد دون الحاجة للسفر. (18)

أما أهم المراكز العلمية التي كان طلبة العلم في نجد يقصدونها  في تلك الفترة خارج نجد فكانت بلاد الشام ، خاصة دمشق لوجود أساتذة المذهب الحنبلي فيها ، وكذلك الأحساء لقربها من نجد وكثرة علمائها ، والمدينة المنورة ، ومكة المكرمة .فمن العلماء الذين درسوا في دمشق الشيـخ عبدالله بن إبراهيـم بن سيفالمشــار إليه سابقــا وفوزان بن نصر الله بن مشعــاب من عنيزة، وقد درس ابن سيـــف على أبي المواهب ، شيـــخ الحنــابلــة في دمشــق ، ودرس فوزان على عبد القادر التغلبي وعبد القادر النصــري. أمــا الأحساء فقد درس فيها منيــع العوسجــي على يد الشيــخ عبد الرحمن ابن عفالق. وفي المدينة المنورة درس ابن سيف على علمائها والوافدين إليهــا .وذلك بعد دراستــه في دمشق . وفي مكــة المكرمــة أخذ حسن بن عبد الله أبا حسين من أشيقــر عن علمائها والوافدين إليهــا ، وقد أجيـز دون الإشــارة إلى من أجــازه. (19)

أمـا داخل نجد، فقد برزت بلدة أشيقر – من بلدان إقليم الوشـم في نجد – كأهم المراكز العلمية في تلك الفترة ،و قد قصدها بعض طلبة العلم في نجد ممن لم يولدوا فيها، وتعلم فيها من ولدوا بها لكثرة علمائها(20). خاصة خلال النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري (18 م)، كما برزت بدرجة أقــل مراكز أخرى داخل نجد منها العيينة، المجمعة، حوطة سدير، روضة سديـر، عنيــزة .(21)

وقد برزت في نجد بعض الأســر العلمية، أبرزها آل مشرف من الوهبــة من تميــم ، الذين احتلــوا مركز الصدارة العلمية في نجد في تلك الفترة.

 

على أن هناك أُســراً علمية أخرى مثل أسرة آل قصيــر ، وأســرة آل إسمــاعيل وأسرة آل بســام ، وأســرة آل منقور وأسرة آل أبا بطين ،وكذلك أســرة آل شبــانـــة. على أن الجدل قد يصل بعلماء نجد إلى تحكيم غيرهــم من علمــاء يرونهــم أرسخ علمــاً وأوســع اطــــلاعـا ، لمعرفة رأيهــم سواء في الشام أو نجد أو مكة المكرمة أو غيرها من البلدان والمناطق المجاورة .(22)

 

نبـذة عـن أئمـة الدولة السعودية الأولى :

يختلف المؤرخون في نسبة الأســرة السعودية إلى قبيلــة عنــزة ، علــى الرغــم من شيوع هذه النسبــة لدى كثير من الناس.(23) لكن المصــادر النجدية تشير إلى نسبة الأســرة السعودية إلى بني حنيفــة .(24)

ومن المعروف أن عنــزة وبني حنيفــة من وائـــل ، ولهذا فالأســرة السعودية تنسب إلى وائل . علمــا بأن الأســرة السعودية قبل تسميهــا بهذا الاسم تدعى آل مقــرن، نسبة إلى مقــرن بن مرخــان ، جد محمد بن سعــود مؤسس الدولة السعودية الأولــى.(25)

ويخلص العجــلاني إلى أن المؤرخيــن- وإن اختلفوا في بعض الطرق- متفقون في كثرتهــم على أن آل سعــود من وائل من ربيعــة من عدنـــان.(26)

وكان مانع المريدي- أحد أجداد آل سعود- يرأس فرعا من عشيرة يقــال لها الدروع ، تقيم في قرية قرب القطيف في المنطقة الشرقية ، تدعى الدرعيــة ،وذلك قبل منتصف القرن التاسع الهجري (م15 م) .(27)

ولا تعطي المصادر تفصيلات عن أســرة مانع قبل هذا التاريخ لكن من المعروف أن فروعا من بني حنيفة ، قد انتقلت من واديهـا إلى شرقي الجزيرة العربية في فترات تاريخية مختلفة .لكن من غير المعروف متى حدث انتقال أسلاف مانع المريدي إلى هناك .(28)

ويـبدو أنه حصل تبادل رسائل بين مانع- المشار إليه- وفرع آخر من الدروع، يقيم في اليمامـــة من نجد، يتزعمه ابن درع صاحب حجر والجزعة- جهة مدينة الرياض الحالية تضمنت هذه الرسائل رغبته بقدوم مانع عليه ، والنزول في جواره ، فقبل مانع ذلك .(29) وكان ذلك عام 850 هـ .ومرة أخرى لا تشــير المصادر التاريخية إلى سبب المراسلات بين ابن درع ومانع ، والتي انتهــــت بقدوم الثاني إلى منطقة الأول ، ولعل الظروف السياسية أو الاقتصادية هي التي حتمت رغبة الطرفين في دعم كل منهما للآخر. وبعد قدوم مانع المريدي إلى نجد أقطعه قريبه ابن درع موضعي (غصيبة والمليبيد)، اللذين أنشئت عليهما بلدة الدرعية، عاصمـة الدولة السعودية الأولى .(30) وقــد أطلق مــانع المريــدي وأتبــاعــه على بلدتهم الجديدة اسم الدرعية ، إحياء لاسم بلدتهم القديمة التي هاجروا منها، أو نسبة لابن درع الذي منحهم ذلك المستقر، اعترافــــا بفضله وتخليدا لذكره. (31)

وخلال ثمانين ومائتي سنة – وهي الفترة الفاصلة بين قدوم الأسرة السعودية إلى نجد حتى تولي محمد بن سعود إمارة هذه البلدة – مرت الأسرة السعودية بظروف تشبه الظروف التي مرّ بها كثير من الأســـر التي كانت تحكم بلـــدان نجد في تلك الفترة . كانت هذه الأســـرة ضعيفة ثم قويـــت وتوسع نفوذهـــا على حساب جيرانها من آل يزيد الحنفيـــين، وكغيرها كذلك من الأسر قام بـــين أفرادهـــا صراع حول السلطة حتى ضعــف أمرهـــا، وانتزع الإمارة منها رجل يقال له سلطان بن حمد القبس وذلك عــام 1107هـ.(32)

أمــا سلسلة نسب الأسرة السعودية بدءا من مانع المريدي حتى الأمـير محمد بن سعود، فهي مانع المريدي ، ثم ربيعة بن مانع، وموسى بن ربيعة، ثم ابراهيم بن موسى الذي خلف أربعة أولاد هم مرخان بن إبراهيم، عبدالله بن إبراهيم، سيف بن إبراهيم، عبد الرحمن بن إبراهيم ثم خلَف مرخان بن إبراهيم، مقرن بن مرخان، ربيعة بن مرخان ، اللذين خلفــا عددا من الأبناء، حيث خلف مقرن بن مرخان محمد ابن مقرن، وعياف بن مقرن ، وعبد الله بن مقرن، ومرخان بن مقرن، كما خلف ربيعة بن مرخان ، وطبان بن ربيعة ، الذي خلف آل وطبان بن ربيعة رؤساء الزبير، وربيعة بن وطبان ، ومرخان بن وطبان، وخلًف ربيعة بن وطبان ، موسى بن ربيعة، كما خلَف مرخان بن وطبان ، زيد بن مرخان.  أما محمد بن مقرن فخلَف سعودا ومقرنا، وخلف سعود محمدا ، وخلَف مقرن عبدالله .ومحمد بن سعود هذا هو الذي تولى إمارة الدرعية عــام 1139 هـ ، كــما تولى زعــامة الدولة السعودية الأولى عــام 1157هـ. (33)

وكما أشرنــا ففي الفترة (1107هـ – 1121هـ ) انحسـر حكـم الأسرة السعودية عن الدرعية،  وتولى سلطان بن حمد القبس، الذي ينتسب إلى بني خـالد، حكم الدرعية.  وبعد أن طال حكمه وكرهه الناس ، قام أهل الدرعية بقتله ، فتولى مكانه أخوه عبدالله . ولم تستمر ولايته أكثر من سنـة.

وهكــذا فقد ابتعدت الأسرة السعودية عن حــكم الدرعية فترة أربع عشرة سنة، أطلق على هذه الفترة ، فترة الحكم الأجنبي . وبعد هذه الفترة ، عاد حكم البلدة إلى حكامها الشرعيين من الأسرة السعودية . (34) وأصبح موسى بن ربيعة بن وطبان أميرا على الدرعية ، لكنه خلع عن الإمــارة بعد فترة وتولاها سعود بن محمد بن مقرن، حتى وفــاتــه عـــــام 1137 هـ .  ثــم تولى زيد بن مرخان – كبير آل وطبــان – لكن الأمير محمد بن سعود كـان له تأثير قوي جدا على سير الأحداث في بلدة الدرعية. (35)

وعندما حل الوباء ببلدة العيينة عام 1138هـ، وتوفي بسببه أميرها القوي عبدالله ابن معمر، كما توفي معه عدد كبير من رجال تلك البلدة، حاول أمير الدرعية زيد بن مرخان استغلال هذه الظروف مع فريق من قبيلة سبيع، خاصة أن العيينة كانت تحتضن أحد خصومه، وهو موسى بن ربيعة. لكن أمير العيينة الجديد محمد بن معمر عمل خطة أنقذته من الهجوم القادم عليه، حيث دعا زيد بن مرخان إلى العيينة، للتفاوض على أساس تلبية مطالبه، وحينما قدم زيد إليه مع من كانوا معه، غدر بهم، وقتل زيد بن مرخان، وكان ذلك عام 1139هـ فعاد أهل الدرعية إليها بقيادة محمد بن سعود، الذي أصبح أميراً على هذه البلدة منذ ذلك التاريخ. (36)

على أن موسى بن ربيعة الموجود في العيينة حضر المواجهة بين أهل الدرعية وأهل العيينة، فأصيب برصاصة كان فيها مقتله.(37)

ومحمد بن سعود هو محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة بن مريد، وينتهي نسبه إلى نزار بن معد بن عدنان. وفي عهده قامت الدولة السعودية الأولى عام 1157هـ بعد ميثاق الدرعية بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب إثر وصوله إلى الدرعية قادماً من العيينة. حيث ناصر الإمام محمد بن سعود الشيخ محمد بن عبدالوهاب ووعده الحماية، كما وعده الجهاد في سبيل نشر الدعوة، وقد حكم الإمام محمد بن سعود فترة طويلة تقدر بأربعين سنة، منها ثماني عشرة سنة قبل قيام الدولة، أميراً على الدرعية، واثنتان وعشرون سنة بعد قيام الدولة السعودية الأولى، حيث توفي عــام 1179 هـ (38) .

تولى بعد الإمام محمد بن سعود ابنه، الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، الذي ولد عــام 1133 هـ . ( 39) أو قبل ذلك بعام واحــد. (40)

وقد حكم فترة طويلة تعــادل فترة حكم والده إذ توفي في عــام 1218 هـ وكان عمــره حين وفــاته خمساً وثمــانين سنـــة . (41)

تولى بعد الإمام عبد العزيز ابنه الإمــام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ، الذي ولد عــام 1165هـ ، وكــان وليــا لعهد والده الإمــام عبد العزيز بن محمد ، الذي عينه عــام 1202 هـ ، بمشورة من الشيخ محمد بـــــــن عبد الوهاب . وقد توفي في عــام 1229هـ ، وكانت مدة حكمه إحدى عشرة سنة .(42) ، على أن هناك من يرى أن الإمام سعود بن عبد العزيز ولد قبل ذلك التاريخ ، وتحديدا عــام 1160هـ . (43)

تولى الحكم بعد الإمام سعود بن عبد العزيز ، ابنه الإمــام عبد الله بن سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود ، وقد حكم في الفترة ( 1229هـ –1233هـ)وهو العــام الذي سقطت فيه الدولة السعودية الأولى ، إثر الحملات التي أرسلتهــا الدولة العثمــانية عن طريق واليهــا على مصر محمد علي باشا، وقد توفي الإمام عبد الله بن سعود بعد ذلك بعــام واحد، أي في عــام 1234هـ.(44)

 

 

 

العلمــاء الذين أخذ عنهم أئمــة الدولة السعودية الأولى :

الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

كان من أبرز العلماء الذين أخذ عنهم أئمة الدولة السعودية الأولى ، زعيم الدعوة الإصلاحية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ولم تكن علاقة أفراد الأسرة السعودية بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وليدة وصولـه إلى الدرعية ، بل كانت سابقة لوصوله عندما كان بالعيينة ، حيث كان عدد من أفراد الأسرة السعودية في الدرعية على علاقـة وثيقة بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن هؤلاء الأمير عبدالعزيز بن محمد بن سعــود ، الذي كان يراســـل الشيــــخ محمد بن عبدالوهاب عندما كان في العيينة طالبا منه تفسير سورة الفاتحة ، فكتب لـه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذلك التفسير الرائع . علما أن الأمير عبد العزيز بن محمد كان في ذلك الوقت صغير الســن قد ناهز سن الاحتلام .(45) ولذلك كان عدد من أفراد الأسرة السعودية أتباعا للشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل وصوله إلى الدرعية ، ومن هنا سارعوا في الاستجابة لدعوته ، وتنفيذ ماطلبه منهم بإزالة ما كان يتعارض مع مبادئ العقيدة الإسلامية الصحيحة من مظاهر الانحراف ، خاصة الأشجار التي كان يعتقد فيها النفع والضر من دون الله .

وعندما قام أهل العيينة بمساعدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على إزالة هذه المظاهر وقطعــوا شجرة الذيب في العيينة ، قام أتباع الدعوة في الدرعية ، ومنهم بعض أفراد الأسرة السعودية مثل الأمير ثنيــان بن سعود، والأمير مشاري بن سعود أخوي الأمير محمد بن سعود، وكذلك أحمد بن سويلم، بقطع شجرة قريــوه في الدرعية.(46) كما قام قاضي الدرعية الشيخ عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بالشرح على رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الموجهة إلى أهل الرياض ومنفوحــة . كما أن الأمير ثنيان ابن سعود أخا الأمــــير محمد بن سعود ، كان ممن راسلهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أحمد بن محمد بن سويلم ، وأن الأمير ثنيان ، سأل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن معنى قوله تعالى: { óOn=÷æ$$sù ¼çm¯Rr& Iw tm»s9Î) žwÎ) ª!$# öÏÿøótGó$#ur šÎ7/Rs%Î! } ، وعن الحديث المذكور في مسند الإمام أحمد بن حنبل (أن نوحا عليه السلام نهى بنيه عن الشرك وأمرهم بلا إلــه إلا الله )، وأوضح له الشيخ أنه تكرر سؤاله له عن مثل هذه الأمور.( 47 )

أما بعد وصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية ، فقد استفاد منه أتباع الدعوة ، وفي مقدمة من استفادوا منه أفراد الأسرة السعودية ، الذين كانوا يلازمونه ويفدون إليه في بيته للدراسة على يديه ، ومن هؤلاء الإمام محمد بن سعود نفسه وأبناؤه، الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود ، والأمير سعود بن عبد العزيز ، والأمير عبد الله بن سعود . (48)

وتأسيسا على علاقة الأمير عبد العزيز بن محمد بالشيـخ محمد بـن عبد الوهاب السابقة لوصوله إلى الدرعية فقد استفاد منه فائدة كبيرة ، وكان الشيخ محمد بن عبدالوهاب، يكن له محبة خــاصة مفرطة ، وكــــــان يقــول عنــه: (هذا ناصر الدين ويثني عليــه ). (49)، وقد لازم الأمير محمد بن سعود ، وابنه الأمير عبد العزيز ، وابنه الأمير سعود حضور دروس الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ومجالسه العلمية . (50) أما الإمام سعود بن عبد العزيز فقد لازم الشــيخ محمد بن عبد الوهاب بالقـــــــراءة مدة سنتين ، كما لازم مجالس الدروس عنده (51) .

الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب :

استفاد أئمة الدولة السعودية الأولـــى من الشيــخ عبد الله بــن محمـد بن عبدالوهاب. فكان الإمام سعود بن عبد العزيز وابنه الأمير عبد الله بن سعود، يحضران درسا خاصا عند الشيخ عبدالله، بل إن الإمام سعود بن عبدالعزيز لازم على حضور درس الشيخ عبد الله بن محمد ، حتى ذكر أنه لم يتخلف عنه إلا لعذر شرعي . (52) .

وقد تتلمذ الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز ، على الشيخ عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب ، واستفاد منه فائدة كبيرة . كما استفاد منه والده الإمام سعود بن عبدالعزيز وجده الإمام عبد العزيز بن محمد ، وكان لهم بمثابة أبيه من الإمام محمد بن سعود، وابنه الإمام عبدالعزيز .(53)

 

الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهاب :

تتلمذ الإمام عبد العزيز بن محمد ، وابنه الأمير سعود بن عبد العزيز على يــد الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهاب . (54)

الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب :

تتلمذ الإمام عبد العزيز بن محمد ، وابنه الأمير سعود بن عبد العزيز، على يد الشيخ علـي بن محمد بن عبد الوهاب ، كما تتلمذ عليه الإمام عبد الله بن سعود بن عبدالعزيز، وكان يقرأ عليه في الكتب العلمية من كتب التفسير والتوحيد والحديث والتاريخ. (55)

الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب :

كان الإمام سعود بن عبد العزيز ، يحضر مجلسا للدرس بعد صـلاة المغرب للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب . (56) ولعل الإمــام سعود بن عبد العزيز كان يدرس في هذا المجلس صحيح الإمــام البخاري . (57)

الشيخ عبد الله بن حمـاد :

كان الإمام سعود بن عبد العزيز ، وأكثر رجال أسرتــه يحضرون مجلسـا للدرس بعد صلاة الظهر كان يتولى القراءة في هذا الدرس الشيخ عبد الله بن حماد إمـام مسجد الطريـف وهو الحي الذي تسكن فيه الأسرة السعودية ( 58) .

الشيخ القاضــي عبد الرحمن بن خميــس :

كان الشيخ القاضي عبد الرحمن بن خميس ، يتولى القراءة في مجلس الدرس الذي كان يعقد بعد صلاة الظهر بحضور الإمــام سعود بن عبد العزيز ،

وأكثر رجــال أسرته وكــان الشيخ عبد الرحمن ينوب في القراءة أحيانا عن الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب . (59)

 

العلوم التي أخذها أئمة الدولة السعودية الأولى :

لاشك أن أئمة الدولة السعودية الأولى ، قد تعلموا علوما  كثيرة ، يأتي في مقدمتها علوم الشرع ، وبخاصة علوم العقيدة، كما أنهم لم يهملوا العلوم الأخرى بل أخذوا منها  على قدر استطاعتهم وبما تسمح به ظروفهــم .ويمكن تقسيم العلوم التي أخذها الأئمــة إلى ثلاثــة أقســام العلوم الشرعية ، علوم اللغة والأدب، العلوم الأخرى.

أولا: العلوم الشرعية:

اهتم أئمة الدولة السعودية بالقرآن الكريم – دستور الأمة الإسلامية ، والمصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي – قراءة واستدلالا، ولذلك لم تخل رسالة من رسائل أئمة الدولة السعودية الأولى من الاستشهــاد به ونجد الإمــام سعود بن عبدالعزيز ابن محمد في إحدى رســائله يستشهد بمـــا مجموعــه مــائة وأربع وعشرون آيــة من كتاب الله.(60) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الاهتمــام بكتاب الله وتدبره وفهمــه، والقدرة على تفسيره ولذلك تمكن من الاستدلال في كل القضــايا التي تطرقت لهــا رســالته المشار إليهـا . واهتم الإمــام كذلك بالأحــاديث النبوية الشريفة بصفتـها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، واستشهــد بكثير من أحــاديث الرسول – e – في الرسالة المذكورة ، للرد على اتهــامات والـــي العراق العثماني ، الموجهة إلى الدعوة الإصلاحية وأتباعها. (61)، وبما أن أئـــمة الدولة السعودية الأولى ، تلقوا علومهم في الغالب على يد إمام الدعوة الإصلاحيــة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه وأحفاده , فكان طبعيا أن يهتموا بعلوم الشرع بالدرجة الأولى , إذ إن المـــعروف أن الشيخ محمــد ابن عبدالوهاب وأتباع الدعوة ركــزوا في دروسهــم على القرآن الكريم وتفسيره, وكذلك الحديث النبوي الشريف.(62) ومن ثم كان الاهتمــام مركزا على علوم العقيدة, حيث كان الإمــام محمد بن سعود وأبناؤه يقومون بزيارة الشيخ محمد بن عبد الوهــاب في داره مرتين في اليوم صباحاً ومســاءً لتلقي دروس التوحيــد . ( 63) , ولاشك أن أئمة الدولة السعودية الأولى , قد برزوا بصورة خــاصة في علوم الشرع الإســلامي , وبرز منهـم بصورة أخص الإمــام سعود بن عبدالعزيز , الذي كـان ضليعــا في التشريع الإسـلامي(64) , وقد ســار على سيرة أبيه الإمــام عبدالعزيز بن محمد العلمية , حيث كــان عالمــا بالحديث والتفسير والتوحيد والفقــه خــاصة فقه الإمــام أحمد بن حنبل , وشارك العلمــاء بالبحوث العلميــة , وكــان يملي النصــائح النافعــة المتضمنــة، كما أسلفنـا الآيــات والأحــاديث . ( 65) وقد ازداد اهتمام الأئمة بدروس التفسير والحديث خـاصة في عهد الإمــام سعود بن عبد العزيز , الذي كان يحضر يوميــا ثلاث حلقــات دراسية , كان يدرس علـم التفسير في اثنتين منها صبــاحا تلك التي تعقد في السوق , وفي الظهر التي تعقد في قصر الإمــارة ,وكان يركز في الدراسة في الحلقة الأولى على تفسير كل من الطـــــبري وابن كثير , وفي الحلقة الثانية تفسير ابن كثير وكتــاب رياض الصالـــحين , وهو يشتمل على الحديث والتفسير والعقيدة والفقــه . أما الدرس الثالث والذي كــان يعقد بعد صلاة المغرب في مسجد القصر , فقد كـان يقرأ فيه صـــحيح الإمام البخــاري . وهذه الدروس استمرت في أوقاتها ومقرراتها الدراسية في عهـــد الإمام عبد الله بن سعود بن عبد العزيز . (66)

وفي مجال الاهتمـــــام بالقرآن الكريم , الــــذي حظي بنصيب وافر من الأئمـة من آل ســــــعود, حيث كانوا يخصصون معلمين في قصورهم للقرآن الكريم ,بـل إن الإمـــام سعود بن عبد العزيز كان يحب سمــاع القرآن الكريم من غيــره, فكان إذا خرج إلى مغازيه وحججه كما يقول ابن بشر :" اجتمع معه خلائق عظيمة ثم يأمر رجــلا من طلبة العلم وحفًاظ القرآن حسن الصوت جهيرا مجودا يتلو عليهم سورة من القرآن ثم تنصت كــل تلك الجموع لكلام الله والإمام أشدهــم خضوعا وإنصـاتا حتى ينتهي منــها ثم يأمره بقراءة سورة أخرى . . . ", يفعل ذلك في مغازيه وحججه كل يوم إلا نادرا , كما يفعل ذلك في الدرعيــة .

ويكثر من هذا إذا دخل المسجــد , حيث يطلب من قارئ حسن الصوت مجودا يقرأ عليه سورة من القرآن أو سورتين . ومن المؤكــد أن الإمام كان كثير العطــاء خاصـة لمعلمي القرآن الكريم (67) وقد أكثر الشعراء من مدحه في هذا المجــال , حيث قال عنه أحد شعراء عمـان :

 

إذا جزت باب السيف تلقــــــــــــاه فارســـــا

وإن جزت باب الخوف تلقى مخـــــافـــــــة

وإن جزت باب الدين تلقى ديــــــــــــــــانة

وإن جزت باب العلــم تلقاه عالمـــا

وإن جزت باب السلم تلقى مسالمــا

وإن جزت باب الحكــم تلقاه حاكما

وفي هذا الجانب قــال ابن غنـام في وصف الإمــام عبد العزيز بن محمد , وابنه الأمير سعود بن عبد العزيز :

رفيـــــق شفيق عـالـــــم متــــورع

مجـالسهم روض من العلم معشــــب

فلا أوحش الله الديار بفقدهــــــــــم

عفيف نظيف لا سئوم ولا ضجـــر

وناديهمو مازال يعمره الذكـر

ولا زال للعلم الشريف بهم نشر (68)

 

وهكذا فإن أئمة الدولة السعودية الأولى قد تعلموا جــل علوم الشرع مثل القرآن, الحديث, التفسير , التوحيد و الفقــه .

ثـانيـا : علوم اللغة والأدب :

لعل اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بالعلوم الأخرى , قد جاء بعد اتساع الدولة وثباتهـا وكثرة علماء الشرع, والنابغين فيه ولذلك بدأوا الاهتمام بالعلوم الأخرى غير علوم الشرع, والتي تتطلبها الدعوة والدولة التي قامت على أسـاسها . ومن هنا بدأ الاهتمام بعلوم اللغة, حيث تــم جلب المبرزين  في هذه العلوم إلى الدرعية ليقوموا بتدريسهــا, وكــان من أبرز هؤلاء حسين ابن عنــام من أهل الأحساء حيث كان يحضر درســه خلق كثير, ومن هنا كانت الدرعية قبلة الطلبة من مختلف الجهات , يفدون إليها فيجدون فيها مايثلج صدورهم من العلوم والمعارف (69) على أن هذا الاهتمام من قبل أئمة الدولة بهذه العلوم, يمثل المرتبة الثانية بعد علوم الدين (70) ولعل اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بعلوم اللغة والأدب ودواوين الشعر أدى إلى نبوغ بعضهم في هذا الجانب بصورة خــاصة , فقد كان الإمام سعود بن عبد العزيز بارعــاً في القراءة وحسن الخـط والفصاحة وإذا تكلم أنصت له كل سامع(71). والمتتبع لرســائل الأئمة المتعددة يلحظ بروزهــم في هذا الجانب من حيث البلاغة , والثقة المتناهية في الرد على خصوم الدعوة , التي قامت الدولة السعودية على أســاس مبــادئهــا (72) وهم بهذه الصفة يقومون بدورهـم مجادلين بألسنتهم وسنانهم .

ثالثا: العلوم الأخرى :

اهتم أئمة الدولة السعودية الأولــى بالعلوم الأخرى إلى جانب العلوم الشرعيــة وعلوم اللغة والأدب , فاهتمــوا بالتاريخ , ومعرفة أخبار الأمم الماضية , وكانوا يعلمون أبناءهــم هذه العلوم بعد علوم الدين وعلوم اللغة والأدب (73) وقد برز في هذا الجانب الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، الذي اهتم بالتاريخ وأخبار الملوك والأمم, حتى أنــه كان يحفظ أكثر التواريخ عن ظهر قلب, ويحب الأسماع إلى الأخبار من القادمين إلى الدرعيــة من الدول الأخرى , وكان يسأل عن حالهــم وحال ملوكهــم وممالكهم ومحاصيل بلادهــم وتحديدهــا , وكيفية أطوار أهلــها وكان الإمام عبد العزيز يحفظ من ذلك شيئــا كثيرا (74).

 

اهتمام أئمة الدولة السعودية الأولى بالعلم :

ومظاهر ذلك أسهم أئمة الدولة السعودية الأولى في تطور الحركة العلمية بما بذلوه من جهد في سبيل ذلك , على الرغم من مسؤوليــات الحكم, والجهاد في سبيل نشر الدعوة الإصلاحيــة , وكان اهتمام الأئمة بالعلم لا يقـــل عن اهتمــام إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد تعددت مظاهر اهتمام الأئمة بالعلم ورعــاية الحركة العلمية, ولعل أبرزهــا :