المقدمـــة :
لنشأة
الدولة أسباب ومسببات، يهيئها الله سبحانه، فهو سبحانه مسبب الأسباب والموفق
للعمل، يقول تعالى: { È@è% ¢Oßg¯=9$# y7Î=»tB Å7ù=ßJø9$# ’ÎA÷sè? šù=ßJø9$# `tB âä!$t±n@ äíÍ”\s?ur šù=ßJø9$# `£JÏB âä!$t±n@ –“Ïèè?ur `tB âä!$t±n@ ‘AÉ‹è?ur `tB âä!$t±n@ ( x8ωuŠÎ/ çŽöy‚ø9$# ( y7¨RÎ) 4’n?tã Èe@ä. &äóÓx« փωs% }(1).
فالملك يعطيه الله فئة من البشر لحكمة؛
لينظر ماذا يؤدون فيه من حقوق، فيثبت ويدوم إذا أدى القائمون حقوقه، أو ينزع منهم
ليكون في فئة أخرى.
وقيام الدولة لابد له من ركائز تثبته،
كالعمد التي يقوم عليها البيت، فإن كانت الركائز قوية وثابتة، قويت الدولة، وطال
أمدها، وتمكن عزها. أما إن كانت ضعيفة وهشة، فإن نفوذها يتقوض، ومداها يقصر.
وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً: في
أن العرب لا يحصل لهم ملك، إلا بصبغة دينية، من نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم على
الجملة (2).
والجزيرة العربية التي كان أهلها في
بداوة وجاهلية، تزدريهم الأمم المحيطة بهم، لما استجابوا للرسالة السماوية التي
جاء بها محمد بن عبدالله - e -
من عند ربه، وحرصوا أوّلاً على فهم تعاليم هذا الدين، وتطبيقها عملاً، استجابوا
للجهاد، فسارت الجحافل تحت راياته، مشرقة ومغربة، لنشر دين الله، الذي أمرهم الله
بنشره، ولإبلاغ الأمم دين الله الحق،
منفـذين قـول الله سبحانه : {¼çm¯RÎ)ur Öø.Ï%s! y7©9 y7ÏBöqs)Ï9ur
t$ôqy™ur tbqè=t«ó¡è? } (3).
فحقق الله على أيديهم الخير الكثير،
ودخل في الإسلام أمم أحبوا هذا الدين، وبرزوا في علومه، ومع اتساع الدولة
الإسلامية، انتقلت قاعدة الإسلام من المدينة إلى دمشق ثم بغداد والأندلس وبقيت
الجزيرة العربية خاضعة لسلطان الدولة الإسلامية، إلا أنه بعد أن بدأ سلطان الدولة
العباسية يضعف، مع الانشقاقات، ونهش الطامعين في أطرافها، أهمل وسط الجزيرة:
اليمامة وما حولها. فضعف مع ذلك سلطان الدولة عليها، بل أصبحت في حكم المنسيّ.
وترتب على ذلك انعدام الولاية، وحل
محلها ولاية القبيلة، وانتشر الجهل لانعدام العلماء، وبعدهم عن منابع العلم
ومجالسه، فعادوا إلى شبه الانعزال، وازداد نفوذ البداوة.
ومع الزمن أصبحت كل بلدة يحكمها فرد،
وكل قبيلة يتزعمها شيخ، فكان كل جزء من حاضرة وبادية ينصب عليه من يسوس أمره،
ويتصرف في أحكامه العرفية والقبلية.. وكان القوي يتسلط على الضعيف، والقادر يستبد
بمن هو دونه، وضاقت الموارد.
أمّا الدين فقد ضعف سلطانه أكثر من
سلطان الولاية، لتفشي الجهل، وضعف الوازع الإيماني، ونشأ عن ذلك أمور بعيدة عن
تعاليم الإسلام في العقيدة والعبادات، وفي الأحكام الشرعية في الشؤون المختلفة.
وإرهاصات لانبثاق عهد جديد، نشأ في
القرن العاشر، سلطة حاكمة تابعة للأحساء، واتجاه علمي جيد، في مدينة العيينة، بعد
عودة الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة المتوفى في الجبيلة عام 948هـ (1541م) (4)،
من الشام بعد أخذه العلم من علماء الحنابلة هناك، فجلس في جامع العيينة، وتوافد
عليه وعلى علماء العيينة عشرات الطلاب، بل بلغوا المئات، عند ذلك نشأ مدّ علمي،
بدأت تتسع معه الدائرة في نجد وما حولها، وبدأ التنافس فيه، إلا أن التأثير
السياسي والعقدي، أقل مما كان يجب أن يكون عليه.
فمثلاً اليمامـة ، وبالذات امتداد وادي
حنيفة، حيث تكثر المزارع والقرى ومعها
يتزايد عدد السكان لتوافر أسباب ذلك. كانت كل بلدة تحت إمرة شيخ، ولا يخضع أحد
للآخـر إداريـاً.
أما العقيدة ، فرغم توافر العلماء
وحلقاتهم في أشيقر والعيينة وغيرهما من الحواضر، حيث يقول ابن بسام: " لقد
حدثني والدي وهو من حفظة التاريخ أن في العيينة أكثر من ثمانين عالماً، يدرسون العلم
في جامعها في آن واحد" (5) فإنها لم تحظ
باهتمام كبير، حيث كانت البدع منتشرة، والأضرحة في كل بلدة وقرية، والحدود الشرعية
معطلة، والمعاصي ظاهرة، والناس مستمرئون لذلك مادام العلماء وطلاب العلم ساكتين،
ولا آمر بمعروف ولا ناهي عن منكر، وقد أورد ابن غنام في جزء من تاريخه رسائل للشيخ
تصور هذه الحالة وشبهات من يدعي طلب العلم(6)
وابن بشر في كتابه عنوان المجد أورد نماذج من ذلك(7) ،
مما يدعو إلى الحاجة لتوافر العالم المصلح، صاحب النية الصادقة، والحزم القوي.
فالعلم إذا توافر، وصاحبته الهمة في
الدعوة، والاحتساب في سبيلها يحقق الله به الشيء الكثير، فقد يصعب على العالم
بمفرده تخطي الطريق الشائك، وما فيه من عقبات، إذ لابد من قوة سياسية، وقوة
إدارية، تعاضد العلم والهمة في الدعوة، ليتواءم القلم مع السيف.
وقد هيأ الله ذلك العالم، الذي جرد
نفسه للدعوة بنية وعزيمة، إنه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، (1115-1206هـ)
(1703-1791م). الذي بدأ إعلان دعوته الإصلاحية في حريملاء،
إلا أنه لما وجد الجو غير ملائم، انتقل إلى العيينة، ووجد في ابن معمر في البداية
سنداً يشد ظهره ، لكنه سرعان ما اصطدم بعقبات سببها رئيس الأحساء ، كادت تجهض
الدعوة، لولا أن الله قيض لها مسانداً مخلصاً ذهب إليه الشيخ فاراً بنفسه، وخائفاً
على الشعلة التي توقدت أن تنطفئ، فكان ذلك العضد القوي، المساند للشيخ ودعوته:
الأمير محمد بن سعود (000-1179هـ) (000-1765م)
وبعد الالتقـــاء، انفتحــت القلوب لهذا العمل، وتصافحت اليدان عام 1157هـ (1744م)
وتعاهدا على التضامن في سبيل الدعوة إلى دين الله الحق، وتنقية البلاد والعباد من
الأمور الدخيلة، على هذا الدين، حتى تعود له طهارته ونقاوته، بمثل ما سار عليه
الصدر الأول من سلف أمة الإسلام.
فأعطى الأمير محمد بن سعود -
رحمه الله- الوعد، وقدم للشيخ العهد بالتحمل في
هذا السبيل، احتساباً لما عندالله، وطمعاً فيما يرضيه سبحانه، ذلك أن أفضل الأعمال
الدعوة إلى إظهار دين الله الحق، وهي مهمة أفضل الخلق أنبياء الله ورسله.
عند ذلك بشره الشيخ محمد بن عبد
الوهاب، بالنصر والتمكين والعزّ له ولذريته من بعده(8)
ثم بدأت المسيرة في تأسيس الدولة السعودية، على ركيزة الدين، حيث هو أمكن دعائم
الملك. وأرسخها ثباتاً، وقد امتدت الجذور حتى الآن، على القواعد والأسس نفسها، في
ثلاثة أدوار متعاقبة، والدولة السعودية الآن، تخطو في العقد الثالث، من القرن
الثالث، يستمدّ قادتها قوتهم ونصرهم من الله اعتماداً عليه، وتطبيقاً لشرعه.
ذلك أن الدولة السعودية التي قامت حمية
لدين الله، ومن أجل تبليغ الدعوة الإصلاحية. رغم ما اعترض طريقها، وما جرى من
تكالب ضدها، فإنها تنهض كلما كبت، وتستعيد نشاطها كلما أريد لها أن تضعف، أما
خصومها الذين تصدوا لها بشدة، فقد أصبحوا أثراً بعد عين، ومن كان مع الله كفاه.
وما نريد التعرض له في هذا البحث، هو
نشأة هذه الدولة، وثباتها لأكثر من قرنين وستين عاماً، في وجه العواصف والتيارات
الموجهة إليها من الخصوم، والتكالب على تقويضها من جهات عديدة، وإلصاق العيوب
المخترعة، رغبة في تشويه الدعوة، حتى يكثر الأعداء.
لكن قادتها -
بحمد الله-
في أدوارها الثلاثة، لسان حال كل واحد منهم يردد مع المتوكل الليثي قوله:
إذا
مات منا سيد قام سيد قؤول لما قـــال الكرام فعول
وكلما
أريد لراية السلف منهم السقوط، تصدى لها الخلف ليرفعها من جديد، حتى لاتنهزم لأنه
قد اختير لها من البداية شعار كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، رمزاً
ولا ينبغي لهذه الكلمة أن تنهزم، ولا لمن يدافع عنها بصدق أن ينثني عزمه، بل يحرص
القادة على بذل الغالي والرخيص في سبيل رفعها عالية ، وستبقى -
بإذن الله- ثابتة على النهج، في تداول بين الكبير
والصغير، والأقدم إلى من بعده، لأنها قامت على بنيان أسس على تقوى، واحتضنتها قلوب
صادقة النية، فيلائم منهجهم قول عبدالله بن معاوية:
نبني كمـــــا كانـــت أوائـــلنا تبني ونفعل مثل ما فعلــوا
إلا أن الملك عبدالعزيز ، كما قال عنه
الريحاني: كان يقول في الشطر الثاني (ونفعل فوق ما فعلوا) (9).
ولعل من المبررات للحديث عن نشأة
الدولة السعودية التحدث بنعمة الله على هذه البلاد التي نعمت بالاستقرار والأمن في
ضوء شريعة الله.
وأن هذه الدولة في أدوارها الثلاثة، قد
حاول الأعداء الكيد لها، وما الكيد لها إلا كيد للإسلام، لأنها الوحيدة في العالم
التي دستورها القرآن، وتطبق في أحكامها القضاء الشرعي: وفق كتاب الله وسنة رسوله e ، وما أجمع عليه جمهور العلماء.
ثم لحرصها على تطبيق الحدود وإشهارها،
فإنها لا تخاف لوم اللائمين، ولا يهزها
قول المغرضين. فكان من نتيجة ذلك عاجلاً ما يرى من توافر الأمن وتآلف القلوب،
وتلاحم القيادة مع القاعدة، والسير في جميع الشؤون من منطلق العقيدة، وما شرعه
الله لعباده، ولا أعدل ولا أحكم من حكم الله، حيث أصبحت مساراتها المختلفة، وما
يرسم من منهج في التعليم والدعوة، مثلاً يحتذى، ومنبعاً ثراً يستقى منه الحريصون
على العمل، وفق منهج الإسلام السليم، الطريقة المشجعة على العمل.
المدخــــــل :
من المناسب أن يوضح كل باحث عناصر
بحثه، لكي يتصور القارئ الطريقة التي رسمها لنفسه، ولا يعني هذا أن يكون ما طرقه
مستكملاً لموضوعه، إذ قد يرى غيره ما لا يراه هو، والناس مختلفون في التصور،
وطريقة العمل، لكنه عندما يقول: إنما أريد بحثاً لا يتعدى هذا الإطار الذي رسمته ،
فإنما يحدد لنفسه إطاراً معيناً إذ قد يكون للباحث وجهات نظر يحكمها الحيّز
المحدد، وما لا يراه مناسباً للإضافة وغير ذلك .
وما قيدت نفسي به في هذا البحث من
عناصر بعد المقدمة والمدخل، هي ستة تليها الخاتمة:
1 - الدولة السعودية في دورها الأول 1157-1233هـ
باختصار.
2 - أسس الدعوة الإصلاحية (في إطار الرابطة بين صفاء
الإسلام.. وثبات الدولة).
3 - منهج الإمامين : محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب
-رحمهما الله- في بناء
الدولة.
4 - المبادئ الأساسية التي قامت عليها الدولة: (تشمل
بعض الأسس: كمجالس العلم، تأصيل القيم، تصحيح العقيدة، أثر الزكاة والصلاة، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، إقامة الحدود).
5 - التطور التاريخي (في أدوارها الثلاثة). والثبات
على منهج الإصلاح في الدعوة.
6 - أبرز النتائج في أثر الدعوة الإصلاحية:
(الاستقرار. الأمن. الهدوء النفسيّ، الرابطة بين الراعي والرعية).
7 - الخاتمة : تحتوي على نتائج البحث وأبرز معالمه.
الدولة السعودية الأولى :
الكاتبون عن حالة نجد قبل قيام الدولة
السعودية الأولى، يستمدّون أصول كتاباتهم من المؤرخين حسين بن غنام (000-1225هـ) (1810م) الذي عاصر الدولة السعودية الأولى
وقيامها، وعثمان بن بشر الثانية (1210-1290هـ)
(1795-1873م) الذي أدرك آخرها في شبابه، وعاصر
الدولة السعودية الثانية، في الأعم الأغلب وكل منهما يتحدث بأسلوبه وطريقته في
تصور الأمور .
ونستعرض هنا نموذجاً لما قاله المتأخرون مستمدة مادته من مؤرخي نجد:
- يقول أمين الريحاني: كانت بلاد نجد والأحساء إلى
قطر والكويت مقطعة الأوصال، مشتّتة الأحوال، لا صلة لقبيلة بأخرى تثمر خيراً، أو
تدوم، ولا بين الحواضر المستقلة بعضها عن بعض، صلات ولاء إلا نادراً، وكان الأمراء
وشيوخ القبائل كل في قطره وفي قبيلته، يحكم مستقلاً عن الأمراء الآخرين، ومعادياً
لهم في أكثر الأحايين (10).
- ويقول الدكتور منير العجلاني: لم يقم بنجد أي إمارة
قوية، مما هيأ لأمراء الأحساء وأشراف مكة، أن يبسطوا نفوذهم على كثير من أمراء نجد
المتفرقين، بل المتعادين، وذلك ما بين القرن الرابع حتى ظهور الدولة السعودية
الأولى، ولكن نجداً واليمامة على كل حال، بقيت حرة من النفوذ الأجنبيّ، فلم يدخلها
جنود الترك ولا غيرهم (11) .
- وقد زار الرحالة التركي المعروف "حاجي
خليفة" (1017-1067هـ -
1609 - 1655م ) بلاد اليمامة، وتعجب من
أمرائها، وشيوخها، لأنهم لايدينون بالولاء للسلطان العثماني، ولا يعرفونه (12).
- وعبدالله فيلبي في كتابه تاريخ نجد يقول: وقبل أن
يكتشف كولومبس أميركا بنصف قرن، توجه سنة 850هـ (1446م) مواطن من عامة أهل القطيف،
ومن ضاحية هناك تسمى الدرعية، ليزور ابن عمه ابن درع الذي كان قد استقر منذ زمن
بعيد في منفوحة، وكان ابن عمه هذا زعيم عشيرة الدروع، الذين كانوا يقطنون في القرى
المهجورة من (جزع) (13)، وحجر
اليمامة في الوقت الحاضر، وكان رجلاً موسراً، ذا ممتلكات واسعة، تحتاج إلى عناية
وتطوير، فأقطع ضيفه قطعتين من الأرض، تبعدان اثني عشر ميلاً، في أعالي الوادي عن
أراضيه: إحداهما تدعى الغصيبة، والأخرى المليبد (14).
وعلى هذه الصورة البسيطه بدأت هجرة الدروع إلى ذلك الوادي واستقرارهم فيه (15).
- ويرى ابن خميس أن الوافد اسمه : مانع المريدي وأن
هذين الموقعين اللذين أقطعهما مانعاً ابن عمه، وما بينهما هو مكان الدرعية الآن،
فيسمى من يومئذ (منتصف القرن التاسع الهجري) بالدرعية نسبة إلى هؤلاء الدروع، أو
نقلاً لمسمى قريته التي كان يسكنها، وما نع المريدي هذا هو الجد الثالث عشر للملك
عبدالعزيز رحمه الله، ولم يزل نفوذ ذرية مانع يقوى، وعددهم يكثر، حتى أصبحت له
الصدارة، وتلاشى الآخرون في ظل نفوذهم (16)
- وبعد أن أظهر الإمام محمد بن عبدالوهاب (1115-1206هـ) (1703-1791م) رحمه الله دعوته الإصلاحية، التي أراد
بها تصحيح العقائد، وتنقية الأعمال التعبدية من الشرك، لم يجد التأييد والمناصرة،
التي بهما اتسعت دائرة الدعوة إلا من الإمام: محمد بن سعود (000-1179هـ)
(000-1765م) عندما وفد عليه في الدرعية عام
1157هـ (1744م)، وتبادلا الحديث، ومما قاله الشيخ محمد للأمير محمد بن سعود: أنت
ترى نجداً كلها، وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة، والاختلاف، والقتال
لبعضهم البعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك، ثم جعل
يبين له الإسلام شرائعه وما يحل وما يحرم، وتبايعا على إظهار دين الله: وأن الدم
بالدم، والهدم بالهدم، وعلى أن الشيخ لا يرغب عنه، إن أظهره الله، إلا أن الإمام
محمد بن سعود، شرط في مبايعته للشيخ، أن لا يتعرضه فيما يأخذه من أهل الدرعية، مثل
الذي كان يأخذه رؤساء البلدان على رعاياهم، فأجابه على ذلك بالرجاء أن يخلف الله
عليه من الغنيمة أكثر من ذلك، فيتركه رغبة فيما عند الله سبحانه . ثم عقب على هذا
ابن بشر بقوله، فكان الأمر كذلك، ووسع الله عليهم، في أسرع ما يكون، فامتلأت البلد
في السنة السابعة والخمسين بعد المائة والألف، وهاجر إلى الشيخ أصحابه الذين
بايعوه في العيينة (17).
ومنذ ذلك التاريخ، سار الإمامان، في
سبيل الدعوة، لتصحيح العقائد، وتوضيح حقيقة ما تعنيه كلمة الإخلاص: أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بسلاحين في طريقين متوازيين سلاح الكلمة
المستمدة من منبع الإسلام الصافي بالرسائل والوعظ والإبانة والردود، ومجالس العلم.
وسلاح القوة ضد من عاند، وأبى الانصياع إلى الحق بتجريد السيف، وتجهيز الجيوش
والقتال في سبيل الله.
وقد اقتفى الإمامان في هذا المسلك
أسلوب القدوة الأولى من هذه الأمة، في طريق تبليغ شرع الله، وتوسيع دائرة الإسلام،
فيمن يلونهم، ثم الذين يلونهم وهكذا وفق النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة نبيه e في مثل قوله الكريم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا
الله) الحديث (18).
وقد لقيا في هذا السبيل أموراً عديدة
من الخصوم والمكابرين، وأصحاب المصالح والأهواء، ولكنها سنة الله فيمن يتصدى لمثل
هذا الأمر، لابد أن يحتمل ويصبر والعاقبة للمتقين.
وقد توفي الإمام محمد بن سعود عام
1179هـ (1765م) بعد أن سبقه اثنان من أبنائه، ومجموعة كبيرة من الرجال المتحمسين
لنشر هذه الدعوة، وإبلاغها للآخرين، صافية نقية من الشوائب والأمور المحدثة.
وخلفه في تسلم الراية، ومواصلة المسيرة
ابنه المظفر عبدالعزيز.
عبدالعزيز بن محمد :(1132-1218هـ)
(1720-1803م).
الإمام الثاني من أئمة الدولة السعودية
الأولى، قائد محنّك ، وشجاع ترسخت دعائم الدولة بقواعدها الإسلامية الثابتة على
يديه.
ومثلما أن الملك عبدالعزيز بن
عبدالرحمن، هو المعيد للدولة السعودية في دورها الثالث كيانها وهيبتها، فإن
عبدالعزيز بن محمد هو المثبت للدعائم التي وضع أسسها والده الإمام محمد.
فالإمام عبدالعزيز، بعد توفيق الله له،
قام على يديه كيان أول دولة في وسط الجزيرة العربية ثابتة بالمفهوم العام للدولة،
بعد أن كانت الأوضاع مبعثرة، والترابط بين الأهالي من حضر وبدو مفقوداً.
جاء عبدالعزيز لتسلم المقاليد بعد وفاة
والده، والدولة في مبدأ النشأة، ضعيفة مادياً وبشرياً، ولكنها قوية في العقيدة،
اطمأن رجالها إلى النصر والتأييد، لأن من سار في هذا الدرب بصدق وإخلاص لله، وفي
سبيل الله لابد أن ينتصر.
يقول سبحانه:{
žcuŽÝÇZuŠs9ur ª!$# `tB ÿ¼çnçŽÝÇYtƒ 3 žcÎ) ©!$# :”Èqs)s9 ̓tã }(19) ومع أن
السهام تتناوش الدولة من كل جانب، إلا أنه سار سيرة حسنة بالتوجيه والقيادة
وبتشجيع العلم، ومتابعة الأمن، وبإقامة الحدود وتنظيم الدولة.
فاتسعت البلاد، وانتشرت الفتوحات، وكان
في بداية الأمر يقود الجيوش بنفسه، إلا أنه فيما بعد أسندها إلى ابنه سعود،
واستعمل قواداً آخرين، فامتد ملكه إلى العراق، حيث دخلت جيوشه كربلاء، وإلى بادية
الشام، يقول الريحاني: وكان قبل وفاته بخمس عشرة سنة، قد عــــــين ابنه سعوداً
خلفاً، فبايعه الناس إذ ذاك على الإمامة عملاً برأي الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولا
عجب إذا اعتزل عبدالعزيز العمل في شيخوخته، وهو الذي قضى أربعين سنة من حياته في
الغزو والحروب، فلا كلّ ولا ملّ، ولا قعد بعد هزيمة، ولا لها بعد انتصار، فقد كان
يزحف برجاله من أقصى البلاد إلى أقصاها، في يومي البؤس والنعم، فيهب يوماً على
حواشي الربع الخالي، ويوماً في القصيم، ويوماً في الأحساء، ويوماً في السماوة
بالعراق، وآخر في وادي الدواسر، كأنه من العناصر كالمطر أو السموم، وقد كان مطراً
للموحدين، وسموماً على أعدائهم، يغزو في بعض السنين ست غزوات، ويعود بالغنائم إلى
الدرعية فيقسمها بين رجاله على السواء (20).
مقتل الإمام عبدالعزيز :
قال ابن بشر في تاريخه : في هذه السنة (يعني
1218هـ) في العشر الأواخر من رجب، قتل الإمـــام عبدالعزيز بن محمد، في مسجد
الطريف، المعروف في الدرعية، وهو ساجد في أثناء صلاة العصر، مضى عليه رجل قيل: إنه
كردي من أهل العمادية، بلد الأكراد المعروفة عند الموصل، اسمه عثمان، أقبل من وطنه
لهذا القصد، محتسباً حتى وصل الدرعية، في صورة درويش، وادعى أنه مهاجر، وأظهر
التنسك بالطاعة، وتعلم شيئاً من القرآن، فأكرمه عبدالعزيز وأعطاه وكساه، وطلب من
يعلمه أركان الإسلام، وشروط الصلاة، وأركانها وواجباتها، مما كانوا يعلمونه الغريب
المهاجر إليهم، وكان قصده غير ذلك، فوثب إليه من الصف الثالث، والناس في السجود،
وطعنه في أبهره، رحمه الله، أو في خاصرته أسفل البطن بخنجر معه، كان قد أخفاه،
وأعـــده لذلك (21).
ويرى أحمد علي في كتابه آل سعود أن
القاتل رجل شيعي (22).
ويحدد حسين خزعل في تاريخه اليوم الذي
قتل فيه الإمام عبدالعزيز، بيوم 18 رجب 1218هـ، 3 تشرين الأول 1803م (23).
أبرز معالم عصره :
أجمع الكاتبون عن الإمام عبدالعزيز بن
محمد على الثناء عليه، وحسن سياسته للدولة، وعلى أعماله وتنظيم البلاد، وتأمين
السبل، وحبه للعلم وتشجيعه لطلابه، واهتمامه بالدعوة إلى دين الله، كما يلحظ هذا
في رسائله التي تتصف باللين والحكمة والموعظة الحسنة.
ولعل المتأخرين منهم أخذوا عن ابن بشر
كثيراً من المعلومات، أما الغربيون فقد كان ثناؤهم عليه من تتبعهم لأعماله،
ومتابعة إدارته للدولة.
وقد حرص حسين بن خلف بن الشيخ خزعل،
على توضيح بعض أعماله وصفاته في هذا العرض الموجز فقال: كان الإمام عبدالعزيز
معروفاً بالشجاعة والإقدام، صبوراً على المكاره، كريماً سخياً عادلاً، لا تأخذه في
الله لومة لائم، ينفذ الحق ولو في أهل بيته، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر،
عالماً بالحديث والتفسير والتوحيد، وقد كان يشارك العلماء في البحوث العلمية،
ويملى النصائح النافعة المرصعة بآيات القرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة، كما كان
كثير الخوف من الله، كثير العبادة والتهجد والطاعة له. وهو أول من لقب بالإمام بين
العائلة السعودية. كما كان حازماً، ساهراً على مصالح الرعية والبلاد، التي دانت
لحكمه، يبث الصدقات فيها، مستقيماً في الحكم، عادلاً كثير الرأفة، والرحمة
بالرعية.
وكانت جميع البلاد التي تحت يده آمنة
مطمئنة، في عيشة راضية، ولم يقم بين سكانها خصام، لزيادة طاعتهم له، وعمتهم الراحة
والاطمئنان، وشاعت بينهم الأخوة والاستقامة، وكان الإمام عبدالعزيز كواحد منهم،
ليس له تمييز، فلم يكن بينهم معتدٍ ولا سارق، ولا قاطع طريق، بحيث كان المسافر
يجوب البلاد شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً، ومعه الأموال الكثيرة لا يخشى أحداً
إلا الله، وأسقط المكوس، ولم يفرض على رعيته من الجباية غير العشر وهذا حق الله في
الزكاة . أما عن حالة الدعوة فقد قال: هناك فرق كبير، وبون شاسع بين حالة الدعوة
والدولة، في عصر الأمير محمد ابن سعود، وعصر ولده الإمام عبدالعزيز بن محمد، فقد
كانت الدعوة في عصر الأمير محمد في دورها البدائي ضعيفة محدودة القوّة.
أما في عصر الإمام عبدالعزيز فقد
انطلقت وتوسعت، وصار لها كثير من الأنصار والمؤيدين والمؤمنين، وتوسع نطاقها
توسعاً كبيراً، وازدادت قوتها، وتجمع لديها الخيل والسلاح، والرجال المتمرّسون
للحرب، ويمكن لنا أن نعد عصر الإمام عبدالعزيز، عصر توسع وانطلاق، فقد تم له في
إعلاء كلمة الله، وإخلاص العبادة لله، وتنفيذ أحكام شرع الله، إخضاع أواسط الجزيرة
العربية، واستقر سلطانه، على شواطئ الخليج، وتحدى الدولة العثمانية وهاجمها من جهة
العراق، فصار للدعوة والدولة شأنهما أو أصبحتا موضع اهتمام الأوساط الدولية
والسياسية في الداخل والخارج (24).
ومن هذا الوصف لوضع القائد والدولة،
وسياسته في رعيته وفي تأصيل الأسس في قيام الدولة وثباتها يستطيع المتابع، أن يعرف
أن هذا المؤرخ المحايد، الذي لم يكن من رعية الإمام عبدالعزيز، قد أبان واقع حال
الدولة وما وصلت إليه، وأن سر ذلك في هذه الفترة الوجيزة، هو أن الأساس دعوة دينية
صادقة، لحمتها وسداها شرع الله والحرص على تطبيقه، فتبدلت البلاد وأهلها من حال
الجهل والنسيان، إلى الظهور وحسن السمعة.
وقد تحدث بمثل هذا كثير من المنصفين
والدارسين لوضع الدولة ذلك الوقت: عرب وغير عرب، ومسلمون وغير مسلمين.
الإمام سعود بن عبدالعزيز : (1162-1229هـ) (1749-1814م):
هو الثالث من أئمة آل سعود، في الدور
الأول من أدوار الدولة، وكان له أعمال كثيرة في حياة أبيه، ساعدت في توسيع الدولة،
وتمكين مكانتها، وزيادة مهابتها، خاصة بعد ما امتد الحكم إلى الحجاز، ودخل الحرمان
الشريفان تحت قيادته.
ومع كونه الساعد الأيمن لوالده في
أعمال الدولة وسياستها، فقد كان عالماً، له دروس وقراءات في مجالسه، وقد واظب على
الحج، حيث قال ابن بشر: إنه حج مرتين في زمن أبيه، وسبـع حــجات أيام حكمه، كما
يعد أول من كسا الكعبة بأحسن الأقمشة الحريرية الحمـــراء من آل سعـــود، في عام
1221هـ (1806م) ثم في عــــام (1222هـ) (1807م) كساها من القيلان الفاخر، وجعل
إزارها وكسوة بابها حريراً مطرزاً بالذهب والفضة (25)ثم
صارت سنة فيهم حتى اليوم، حيث أسس الملك عبدالعزيز مصنعاً لكسوة الكعبة عام 1346هـ
(1928م)، وطـــوره أبناؤه من بعــــده، فوضع حجر أســـاس المصنع الجديد خـــادم
الحرمين الشريفين عندمـــا كان وزيــــراً للداخليه نيابة عن الملك فيصل عام
1392هـ (1972م)، وافتتحه عندما كان ولياً للعهد فى أم الجود عام 1397هـ (1977م )،
ثم كانت الاهتمامات الكبيرة بالحرمين الشريفين وبكتاب الله عزوجل، وبالمساجد
والأعمال الإسلامية، وقضايا المسلمين ، مما يبرهن على أن الدولة قامت على الإسلام،
وأن قياداتها ترعى الإسلام وكل ما يهم المسلمين، دون تغير أو تبدل.
سيرتــه وأعمالــه :
في سنة وفاته تحدث عن أعماله ابن بشر
ومما قاله: له المعرفة التامة في تفسير القرآن أخذ العلم عن الشيخ محمد بن
عبدالوهاب، وله معرفة في الحديث والفقه وغير ذلك، وكان ناصحاً لرعيته، رأيت منه العجب
في المنطوق والمفهوم، وكانت رسائله لرعيته كلها نصح وتوجيه، فهو بليغ في حديثه،
وواسع في علمه، وقوي في إقناعه، وكان كثير الاستشارة مع خواصه، من رؤساء البوادي،
وبعد أخذ رأيهم يلتقي بخواصه وأهل الرأي من أهل الدرعية، وكان رأيه يميل مع رأيهم.
وكان ثبتاً شجاعاً في الحروب، محبباً إليه الجهاد منذ الصغر، ولم يتخلف في جميع
المغازي والحجج، ويغزو معه بجملة من العلماء من أهل الدرعية، وأهل النواحي،
ويستخلف في الدرعية أحد أبنائه، ولايعرف أنه هزم له راية.
وكان في جميع أموره يحرص على تطبيق
السنة، فإن أراد الغزو لمكان أظهر أنه يريد غيره للتعمية، وعند السفر لا يخرج إلا
يوم الخميس، أو يوم الإثنين، ويبدأ السفر من قصره إلى المسجد، حيث يصلي ثم يسير،
ولا يتحدث إلا برد السلام، وذكر الله، وعند القدوم يبدأ بالمسجد، وبعد الصلاة يذهب
إلى قصره.
ويأمر بجمع المقاتلين معه كل يوم،
ليحدثهم ويعظهم، ويأمرهم بما أمر رسول الله e أصحابه به في الغزوات، بعدم الغلول،
وعدم الظلم، وعدم قتل النساء والأطفال والمسنين، ويأمر بجمع الغنائم وقسمتها، وفق
ما يعمل رسول الله e ، والخلفاء الراشدون، وكان يكثر من
الصدقات (26) .
وقد توسع ابن بشر في الحديث عن سيرته
وأعماله اليومية، في الحضر والسفر، ودروسه وصدقاته وضيافته وكرمه، وأمره بالمعروف
ونهيه عن المنكر، وفي عبادته وعلمه.
اتساع الدولة في عهده :
في عهـد الإمــام سعود، الذي دام قرابــة أحد
عشر عاماً، امتدت حدود الدولـــة - كما قال
العجلاني- من أطراف عمان والخليج شرقاً، إلى
نجران واليمن جنوباً، إلى شواطئ الفرات وبادية الشام شمالاً، إلى البحر الأحمر
غرباً (27) . وقد أورد العجلاني نقولات كثيرة عن مؤرخين
أشادوا بسعود، منها ما جاء في قاموس الأعلام: سعود بن عبدالعزيز، يعرف بسعــود
الكبير، إمام من أمـــراء نجد، وليها بعد مقتـــل أبيـــه بالدرعية سنة 1218هـ
(1803م)، وجند جيشاً كبيراً، خضع به معظم الجزيرة العربية، وكان موفقاً لم تهزم له
راية، موصوفاً بالذكاء، على جانب من العلم والأدب، فصيح اللسان، شجاعاً مدبراً،
وفي أيامه حشدت الدولة العثمانية جيوشاً من الترك وغيرهم، بقيادة محمد علي باشا
سنة 1226هـ (1811م) (28).
ومنها قول عبدالرحمن بن عبداللطيف آل
الشيخ في كتابه آل سعود: نشأ الإمام سعود قوياً حازماً مهاباً بل كان من نوادر
الزمن، وأفذاذ الرجال، قرأ القرآن وحفظه، وأخذ يمارس الرماية والفروسية، وكان
مظفراً ميموناً، فتح كثيراً من قرى نجد وبلدانها، وفتح الأحساء والقطيف، وعمان
والزبارة، والبحرين، وغزا كربلاء، وهدد العراق، واستولى على مكة عام 1218هـ
(1803م)، وتخلى عنها بعد شهر لظروف حربية، ولما منع الأشراف أهل نجد من الحج اتجه
بجيشه في عام 1220هـ (1805م) وفتح الحرمين الشريفين، وبعد ذلك غزا أطراف الشام عام
1225هـ (1810م)، فداخل الرعب ولاة الشام، وخافت الدولة العثمانية القضاء على
الخلافة، فأوفدت إليه بواسطة وزير العراق رجلاً يدعى عبدالعزيز القديمي، يعرضون
عليه ثلاثين ألف مثقال من الذهب راتباً سنوياً من الدولة، على شرط المهادنة والمسابلة،
فلم يقبل، ثم أوفدت رجلاً آخر اسمه عبدالعزيز بك، لنفس الغرض، فرجع كما رجع الأول (28).
ذلك أن الإمام سعود لم يكن هدفه جمع
المال، وإنما يريد الاستجابة لشرع الله، وتطبيق أمر الله وأمر رسوله في تصحيح
العقائد، ونبذ البدع والشرك، كما هي مهمة المجددين من هذه الأمة.
وقد
جرى بين جيوش الإمام سعود، وجيوش طوسون بن محمد علي حروب، ثم مع محمد علي نفسه،
الذي قدم من مصر لغرض القضاء على الدولة السعودية، ولم ينجح في الوصول إلى نجد، ثم
مع قواده الذين أرسلهم محمد علي إلى الطائف وتربة وغيرها، مع هؤلاء تمت المجابهة
مع جيوش الإمام سعود، ولم تنل منه شيئاً يذكر. حيث مات مئات من المصريين بالوباء
يقول الريحاني في غزو المصريين عام 1228هـ (1813م) لمكة والطائف : ولم ينجح
المصريون من أهوالها الطامية الجارفة ، فقد مات منهم مئات بالوباء الذي كان حليفهم على أعدائهم ،
وقد قدرت خسارتهم كلها في الحملتين بثمانية آلاف من الرجال، ثم جاء محمد علي نفسه
بنجدات جديدة، جاء يسرع بإنجاز العمل الذي باشره ابنه، وخسر فيه هذه الخسارة
الجسيمة فوصل إلى جدة 30 شعبان من هذه السنة (29) .
كما ذكر العجلاني انهزام العساكر التركية المصرية أمام الزعيمة غالية في تربة
تاركــــين أمتعتهم وبعض مدافعهم ، وقد أمر محمـــد علي ابنه طوسون أن يمحو هذا
العار، ويستولي على تربة ولكنه تراجع منهزماً (30) كماذكر
الجبرتي في تاريخه شيئاً من هزائم طوسون وجنوده(31).
وفـاتـــه :
يقول ابن بشر في هذا العام (يعني
1229هـ) (1814هـ) توفي الإمام قائد الجنود، الذي اجتمعت له السعادة والسعود: سعود
بن عبدالعزيز، وقد أمنت البلاد في عهده، وطابت قلوب العباد، وانتظمت مصالح
المسلمين بحسن مساعيه، وانضبطت الحوادث بيمن مراعيه، فبلغ الشرف منتهاه، وكان متيقظاً بعيد الهمة، يسر
الله له من الهيبة، عند الأعداء، والحشمة في قلوب الرعايا، ما لم ينله أحد في وقته
(32).
ويقول أحمد علي في كتابه آل سعود: بعد
أن شهد الإمام عظمة بلاده، وامتداد حكمه من البحر الأحمر إلى الخليج العربي، ومن
حدود الشام إلى اللحّية وبيت الفقيه باليمن، وإلى عمان.. توفي الإمام سعود عام
1229هـ (1814م) (33).
توفي -
رحمه الله- بعد أن حفلت مدته بأعمال جليلة، في
توسيع الملك، ونشر الدعوة، وفي النصح للرعية، مع تشجيع العلم، وتوطيد الأمن،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع وكل ما يخل بعقيدة التوحيد
الصافية.
ويرى الريحاني : أن وفاة الإمام سعود،
كانت في اليوم الحادي عشر، وقيل الثامن من جمادى الأولى سنة 1229هـ، الموافق 2
أيار سنة 1814م، وكانت وفاته بالدرعية، وهو في الثامنة والستين من عمره، مات لا
بالحمى، كما قال هو غارت، نقلاً عن أحد المستشرقين، الذين كانوا يومذاك في مكة، بل
بعلة في المثانة، وقيل بعلة أخرى هي نكبة أهل نجد في الحجاز، التي عجلت ولاشك في
أجله، وكانت ولايته أحد عشر عاماً، إذا حسبناها من يوم وفاة والده عبدالعزيز،
وسبعاً وعشرين سنة، إذا عدت من يوم بويع بالإمارة في السنة الثانية والمئتين
والألف 1202هـ، وقد خص بتلك السجايا، أو بأكثرها التي تؤهل رجل التاريخ لهذا
اللقب: فقد كان في عظمته متواضعاً، وفي حكمته ورعاً، وفي عدله حليماً، وفي سياسته
جامعاً بين المروءة والمضاء، أضف إلى ذلك ذكاء لم يكن عادياً، ولم يقف به عند حد
السياسة، فقد كان مولعاً بالعلم، محباً للعلماء والطلاب، ولم يستنكف عن عقد مجالس
للمطالعة والتدريس في قصره، وتحت إشرافه عند ما يكون في العاصمـة(34).
أما الغربيون الراصدون للأحداث،
والمهتمون بهذه الدولة الناشئة التي لمعت نجومها في الأفق بسرعة، ولفتت الأنظار،
فقد تحدثوا كثيراً، واهتموا بسيرته، كما كتب المؤلفون العرب وغيرهم عنه (35).
الإمام عبدالله بن سعود : (000- 1234هـ) (000-
1818م):
هو الإمام الرابع من أئمة آل سعود في
الدور الأول من أدوار الدولة، اعتلى سدة الحكم بعد وفاة أبيه عام 1229هـ، والجيوش
الأجنبية قد ملأت السهل والجبل، في عزيمة للإجهاز على هذه الدولة، التي قامت على
التوحيد، ومحاربة الشرك، وقد اتجهت الأنظار إلى الدرعية عالمياً، في انتظار ما
تسفر عند الحوادث، لأن سمعة هذه الدولة الفتية، وسرعة اتساع دعوتها، وتزايد ظفر
قادتها في تحديهم لمن يقف دون تحقيق ما أمر الله به من إخلاص العبادة له سبحانه،
وإقامة حدوده في الأرض، كل هذا، وما بان لهم من مسيرة هذه الدعوة الذي قرّب
للأذهان أعمال الجيل الأول من هذه الأمة في نشر الإسلام، والجهاد من أجل تبليغ دين
الله الحق، ترتاح له قلوب كل مسلم مخلص لدينه، كما يجد فيه أعداء الدولة
العثمانيـــة من الغربيين الذين يريدون تقويض الخلافـــة الإسلامية، أملاً في
التصارع وتبديد القـــوى.
ولذا فإن سيرة الإمام عبدالله تقترن
بالأحداث المتعلقة بحرب الدرعية وما نتج عنها.
فكان لابد أن يجد الغازي لنفسه مبرراً،
يكسب به التأييد، ويستدر به المساندة: قولاً وعملاً ومادة.. وترتب على ذلك تشويه
الدعوة التي قامت عليها الدولة، وإلباسها أموراً تخالـــف الحقيقــة، كما ألصق
برجالها: من ساسة وعلماء - حتى العامة
لم يسلموا - أعمالاً لم تكن من أعمالهم ولا
أقوالهم، ولا معتقداتهم، مما ألهب الصدور، وحرك أهل الأهواء غيظاً على هذه الدولة:
{ª!$#ur ãNä3øts† Ÿw |=Ée)yèãB ¾ÏmÏJõ3ßsÏ9 4 uqèdur ßìƒÌy™ É>$|¡Ïtø:$# } (36)،
ولا راد لقضائه وقدره.
وبعد الحملات المتتابعة والحرب السجال
من محمد علي وابنه طوسون الذي جرى معه الصلح مع الإمام عبدالله ورجع إلى مصر ، جاء
إبراهيم باشا -ربيب محمد علي-،
فاستمرأ القتل والنهب والإخلال بالوعود، أثناء سيره، حتى وصل الدرعية في 29 جمادى
الأولى عام 1233هـ وباشر حصارها (6 أبريل 1818م)، وبجيش قدّره ابن بشر بالألوف،
وأن المدد مستمر من مصر مع السلاح والمؤن، أما الريحاني فقال: إنه مؤلف من أربعة
آلاف من المصريين والألبان، وخمسمائة من المغاربة وبضعة آلاف من عربان مطير وحرب
وعتيبة وبني خالد، ونحو ألفين من العمال والخدم، وعشرة آلاف من الجمال، حاملة
المؤنة والذخيرة، مع استمرار النجدات والإمدادات، واستمر الحصار خمسة أشهر وبضعة
أيام حتى طلب الإمام عبدالله الصلح (37).
مكاسب الغزاة :
منهـــــج الإســــــلام حفظ العهد
والوفاء بالوعد، وعدم الإضرار بمن جنح للسلم يقول سبحانه: { bÎ)ur (#qßsuZy_ ÄNù=¡¡=Ï9 ôxuZô_$$sù $olm; ö@©.uqs?ur ’n?tã «!$# 4 ¼çm¯RÎ) uqèd ßìŠÏJ¡¡9$# ãLìÎ=yèø9$# } (38) .
لكن هل طبق إبراهيم باشا والغزاة معه
أمر الله لرسوله e ، خاصة أن الحروب سجال.
لقد نقل كثير من الكتاب والمؤرخين مآسي
حرب الدرعية، وتحليلات ما نجم عنها، وابن بشر -
لكونه من المنطقة، وممن عاصر الحوادث، إذ كان عمر 23 عاماً -
قد نقل أشياء كثيرة من الحوادث والمآسي، والقتل الذي ينبئ عن الضغائن ، وكذلك
المؤرخ المصري عبدالرحمن الجبرتي .
لكن الرافعي وهو مؤرخ مصري أنصف عندما
قال: إن عبدالله لما رأى عدم مقدرته على المقاومة بعد أن فدحته الخسائر، أرسل في 9 سبتمبر عام 1818م (1233هـ) رسولاً إلى
إبراهيم باشا يطلب وقف القتال، حتى يتم الصلح، فابتهج إبراهيم باشا ابتهاجاً
عظيماً، فجاء إبراهيم وتم الاتفاق بينهما على أن تسلم الدرعية إلى إبراهيم باشا،
وأن يتعهد بالإبقاء عليها، وألا يوقع بالنجديين أو ينالهم ضرر، وأن يذهب عبدالله
بن سعود إلى الأستانة، كما هي رغبة السلطان، فرضي عبدالله بهذا الشرط (39).
فهل وفى إبراهيم باشا ومحمد علي بهذا
العهد؟. ينقل العجلاني عن الرافعي نفسه قوله: لم يف محمد علي بعهود ابنه إبراهيم
في شروط الصلح، فأرسل إلى إبراهيم قبل مغادرته الحجاز، يأمره بهدم حصون الدرعية،
وأسوارها، وتخريب منازلها، وأن يرسل إلى القاهرة إخوة عبدالله بن سعود.
ثم ينقل العجلاني سبب نقض العهد، عن
" هو غارت" وهو كاتب غربي قائلاً: إن الفظائع التي ارتكبت ضد أمراء نجد
ورجالها، إنما يحمل أوزارها محمد علي، لا إبراهيم باشا، وذلك أن محمد علي ما كان
ينوي الاحتفاظ لنفسه بنجد، وكان كل همه أن يحطم البلاد النجدية، ثم يتركها فريسة
الخلافات القبلية القديمة، ثم يستطرد العجلاني: والحق أن محمد علي هو صاحب الأمر
والنهي، لا ابنه إبراهيم، ولكن ولده كان ظالماً بطبعه، وربما ذهب إلى أبعد مما
أراد أبوه وكان ضباط الجيش المصري -أو المختلط-
وأفراده من ترك وأفارقة وشراكسة، لايدركون أنهم في بلاد إسلامية، ويجب أن يعاملوا
أهلها المغلوبين، معاملة إنسانية كريمة، وعلى العكس، كانوا يبيحون لأنفسهم ما لا
يباح، ويرتكبون من الجرائم والمظالم ما تقشعر لمجرد ذكره النفوس، وهكذا كان الغزاة
من القمة إلى القاعدة، مجموعة حاقدة لئيمة، فلا عجب إذا صدرت عنها جرائم وأفعال في
غاية الهمجية(40).
بل إن المؤرخ المصري: عبدالرحمن
الجبرتي، وهو شاهد عيان، ينقل صورة تمثل الاستهانة بحرمات الإسلام، فيقول: واستهل
شهر صفر بيوم الجمعة سنة 1235هـ وفيه: وصل جماعة من عسكر المغاربة والعرب، الذين كانوا
ببلاد الحجاز، وصحبتهم أسر من الوهابية: نساء وبنات، وغلماناً، نزلوا عند الهمايل،
وطفقوا يبيعونهم على من يشتريهم، مع أنهم مسلمون وأحرار (41).
أما ابن بشر فقد أورد نماذج من القتل والإيذاء وتعمد الإهانة بالعلماء والمشايخ
عديدة (42). بل إن تعاظم وكبرياء إبراهيم باشا ووالده تزايدا
وظهر مثل ذلك في ظلم الناس في مصر والضرائب وسحب الذهب والفضة من البلاد، لأن
الأعراب الذين يتعاونون معهم لايرضون إلا الذهب والفضة، ومن ذلك قوله : رجع إبراهيم
باشا من هذه الغيبة متعاظماً في نفسه جداً وداخله من الغرور مالا مزيد له، حتى إن
المشايخ لما ذهبوا للسلام عليه لم يقم لهم ولم يرد عليهم وجعلوا يهنئونه بالسلام
فلم يجبهم ولا بالإشارة (43).
مقتل الإمام عبدالله :
نقل الإمام عبدالله إلى مصر، ومعه
أسرته ورجاله، الذين يقدرون بأربعمائة، فقابله محمد علي، وأظهر الحفاوة به، ثم
بعثه إلى تركيا، وذكر الجبرتي في تاريخه، في حوادث عام 1234هـ (1818م) أنه: في شهر
جمادى الأولى: وصلت الأخبار عن عبدالله بن سعود أيضاً، أنه لما وصل إلى إسلامبول،
طافوا به البلدة وقتلوه عند باب همايون، وقتلوا أتباعه أيضاً في نواحي متفرقة
فذهبوا مع الشهداء (44).
وبمقتله رحمه الله، وتدمير الدرعية،
يسدل الستار على أحداث الدولة السعودية الأولى.
ما بعد سقوط الدرعية :
تحدث ابن بشر عن الفوضى التي عمت نجداً،
والمظالم التي تلت رحيل إبراهيم باشا، والمصائب التي أوقعوها بأهالي نجد، بعد
تدمير الدرعية، فهرب من هرب، وقتل من قتل، وأخذ من الأموال ما الله به عليم، حتى
أن البلدة لم يبق فيها ما يطبخ فيه الأهالي طعامهم إلا قدر واحد يتداولونه، وصار
الرجال في النهار يهربون إلى البراري والجبال (45).
يقول أحمد علي في كتابه آل سعود : حلت
سنة 1234هـ (1818م) وإبراهيم باشا في الدرعية، واختار نخل العويسية بأسفل الدرعية
مقراً لإقامته، فانتشر جنوده تنفيذاً لأوامره في جميع الجهات يفسدون، ويعبثون
ويضربون الناس، ويغتصبون منهم ما يحتاجون من طعام أو علف للماشية، وهدموا أسوار
الدرعية وحصونها، وتفرغ إبراهيم باشا، لالتقاط نفر من أهل العلم، وتقديمهم
للتعذيب، بطرق شتى ثم قتلهم، ومن هؤلاء الشيخ علي بن حمد بن راشد العريني، قاضي
مقاطعة الخرج، وأحضر الشيخ القاضي أحمد بن رشيد الحنبلي وأمر بتعذيبه وضربه، وآخر
من قتل بهذه الطريقة الوحشية العالم الجليل الشيخ/ سليمان بن عبدالله بن محمد بن
عبدالوهاب، ثم ألقى القبض على كل من وجد من آل سعود وآل الشيخ، وأرسلهم تحت
الحراسة إلى مصر، ولم يتخلف منهم أحد غير المختفي، أو الذي التجأ إلى بعض بلدان
نجد سراً، وكان ممن اختفى من آل سعود تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، وأخوه زيد،
في جنوب الرياض، كما لاذ الشيخ علي بن حسين بن الشيخ محمد ببلاد قطر وعمان، وظل
هناك حتى أيام الإمام تركي(46).
وفترة الفوضى والنهب، وتسلط الغزاة،
وإن كانت قصيرة، وهي ما بين سقوط الدرعية في آخر عام 1233هـ، حتى ظهور الإمــام
تركي بن عبدالله في عام 1235هـ، ولكن بعضهــم يرى أنها تستمر إلى استقــرار حكم
الإمام تركي بالرياض من عام 1240هـ (1824م)، هذه الفترة كانت منهكة، فقد مرت نجد
خلالها بأيام عصيبة، وقاسى أهلها أنواعاً من الخوف والجوع ونقص من الأنفس والموارد
فعساكر الأتراك ويسمون الروم كما قال ابن بشر، تفرقوا في بلدان نجد، من عام 1234هـ
(1818م)، ينهبون خيراتها، ويعذبون أهلها، واستغل هذا الوضع بعض البادية وغيرهم،
فرجعت الحال إلى الفوضى من جديد واختل الأمن، كما هي رغبة محمد علي، واتسعت دائرة
التفرق، ولكن الجوهر الحقيقي التي قامت عليه الدعوة، لم يتغير: الثبات على الدين،
وصفاء العقيدة، والولاء للقيـادة من آل سعود (47)،
فكانوا ينتظرون قيادة يلتفون حولها، وحققها الله في الإمام تركي بن عبدالله، حيث
وجدوا فيه الأمل لإعادة العمل القيادي من جديد، وفق المنهج الذي سار عليه من قبله.
ونورد هنا حالتين فقط، تمثلان الحالة
التي وصلت البلاد إليها، وإلا فالأمثلة كثيرة، تعطي صوراً مختلفة:
الأولى: لما قدم حسين بيك ثرمداء، في عام1236هـ ومعه
عساكر من الترك، أمر المنادي بأن ينادي لأهل الدرعية، من أراد بلداً ينزلها،
فليأتنا نكتب له كتاباً يرحل إليها، ثم قال لهم: اجتمعوا حتى نكتب لكم كتبكم،
فحــضر من كان غائبــاً أو مختفياً أو محترفـــاً، فلما اجتمعوا عنده، أمر الترك
أن يقتلوهم أجمعين، فجالت علهم خيــــول الروم ورجالها، وأشعلوا فيهم النار
بالبنادق والطبنجات والسيوف، حتى قتلوهم أجمعين عن آخرهم، رحمهم الله تعالى، وهم
نحو مائتين وثلاثين رجلاً، وأخذ الترك أموالهم، وشيئاً من أطفالهم، ثم ذكر ابن بشر
أسماء بعض من قتـــــل (48).
الثانية: قدم في سدير من الترك أبوش آغا، عام 1236هـ ومعه
أكثر من مائة فارس، ومثلها من الجيش، ونزل في قصر جلاجل، وفرق العساكر في البلدان،
وفعلوا ما فعلوا: ففي بلد ثادق ضرب عبدالله بن علي بن حيدر، وعبدالرحمن بن ماجد، حتى
ماتا، وضرب غيرهم، وعذبوا بأنواع التعذيب، وحبس الشيخ عبدالعزيز ابن سليمان بن
عبدالوهاب في حريملاء، ونهب بيته، وأخذ من عنده خزانة كتب عظيمة، فأخذ الزللي قاضي
حسين بيك منها أحمالاً، وأشعلوا النار في باقيها، وعذب بالضرب وأنواع التعذيب،
وقتل في القصيم عبدالله بن محمد بن حسين رئيس بلد بريدة، ومحمد بن غانم (49).
هذه الأمور جعلت الناس ينقسمون قسمين:
القوي والقادر هاجر، ومكسور الجناح تحمل في انتظار انبعاث قيادة من آل سعود،
ليلتئم بهم الشمل، وليجدوا متنفساً في ظل شريعة الإسلام، التي على أساسها قامت
الدولة السعودية في دورها الأول، وفي انتظار القائد الذي يعيد المكانة، كما كانت
من قبل، وقد حقق الله لهم ذلك في الإمام تركي، الذي لاحقه الأتراك بعد أن دخل
الدرعية عام 1235هـ، وصارت بينه وبينهم الحرب سجالاً، حتى دخل الرياض عام 1240هـ
وجعلها قاعدة للدولة، بعد أن أخرج منها أبا علي المغربي رئيس العسكر، وأن يقصد
بجميع عسكره وآلاته أوطانهم (50).
الدولة السعودية الثانية :
برزت مكانــة هذه الدولة مع الإمام
تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود (000-1249هـ، 000-1833م):
الذي استعاد المكانة شيئاً فشيئاً، بعد وصوله الدرعية، وبعد مقتل مشاري بن سعود،
الذي تنازع الإمارة مع محمد بن مشاري بن معمر، نحو سنة ونصف وأمر بقتل مشاري في
السجن، فانتقم له تركي بن عبدالله، بأن قتل ابن معمر ووالده، ثم تولى السلطة في
عام 1236هـ (1820م)، وشمر عن ساعد الجد، في سبيل استعادة الحكم، فالتف حوله
المواطنون، لأنهم قد ضاقوا ذرعاً بسنوات الفوضى وضياع السلطة، ولأنهم يرون أن هذا
الأمر، لا يستتب إلا بزعامة قوية من آل سعود، لمكانتهم، ولأن القلوب أنست بهم،
فكانت الرياض، خير بديل للدرعية، لتكون قاعدة للحكم، فصار أول من جعل الرياض عاصمة
للدولة السعودية، ولاتزال حتى اليوم. وكان من أوائل أعماله في الرياض، بناء مسجده
الجامع، وقصر الحكم اللذين جددا ونظم ما حولهما في عهد خادم الحرمين الشريفين،
فصارت المنطقة معلماً من معالم الرياض، ثم حصّن الرياض وبدأ مسيرة التوحيد،
فبايعته البلدان، وسرّوا بتسلمه الزمام.
وبتوليه ، انتقل الحكم من سلالة
عبدالعزيز بن محمد، إلى سلالة أخيه: عبدالله بن محمد، حيث بقي فيهم إلى اليوم.
ويوجد تشابه بين خروج الإمام تركي في
عام 1235هـ، والملك عبدالعزيز مؤسس الدولة السعودية في دورها الثالث، يوم 5 شوال
عام 1319هـ مطلع عام (1902م)، من حيث الشجاعة وقوة البأس والإقدام وتوقيت الخروج،
ومن حيث بدء المسيرة بالابتعاد عن الأضواء في الصحراء ومحبة الشعب لكل منهما،
والصبر وطول الانتظار، وحسن السياسية والثبات في المواقف المدلهمة، والديانة،
والعدل والتواضع، وفوق هذا وذاك توفيق الله لكل منهما في جميع المواقف، كما كان كل
منهما يحرص على تطبيق تعاليم الإسلام في تصريف شؤون الدولة، والمشورة مع العلماء
وذوي الرأي، كما هي طريقة الحكام في الدولة السعودية منذ نشأت.
أخذ الإمام تركي على عاتقه، مدافعة
الترك، ومن معهم من المصريين عن بلاده، لكنه لم يحاول الامتداد للحجاز سياسة منه،
حتى لايصطدم بالعثمانيين ومحمد علي بمصر، مرة أخرى.
وقد كانت الأسس التي ارتكزت عليها
حركته لاستعادة الحكم، أسساً دينية، امتداداً للمنهج الأول الذي اختطه الإمامان:
محمد بن سعود، ومحمد بن عبدالوهاب بعقيدة راسخة لاتكلف فيها، وبحماسة في الدعوة
إلى دين الله الحق، وتصحيح عقائد الناس عن كل ما يخل بصفائها ونقاوتها، وتطهير
الأعمال التعبدية من الشرك، وفق خط مستقيم لا يخرج عن كتاب الله، وسنة رسوله e ، لأنها عقيدة راسخة في ذهنه، ويحرص عليها في نفسه، وهي ما تدين
به رعيّته.
أسس الدعوة الإصلاحية :
عند ما يتصدى الخصوم السياسيون، أو
الكتاب الغربيون، للحديث عن الدعوة التي قام بها الإمامان: محمد بن سعود، ومحمد بن
عبدالوهاب، رحمهما الله، ثم سار عليها الحكام من آل سعود، واحداً بعد الآخر، فإن
المتبادر للذهن، أن يبرز في ذلك الحديث مظهر العداء، أو التأثر بما صاحب الحملة في
القضاء على الدرعية، وتقويض الحكم في نجد، من تشويه للصورة، وتجسيم للواقع، وتحيز
ضد منهج الدعوة ومقصدها الديني.
ومن ذلك ما حصل من خصوم الدعوة -من
الداخل والخارج- بإلباسها ثوباً لم يكن لها، حيث وجدوا
عيوباً لدعوة خارجية أباضية خرجت في شمال أفريقيا في آخر القرن الثاني الهجري،
أسسها عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم، الخارجي الأباضي المتوفى عام 207هـ (813م)(51).
وسميت تلك الفرقة باسمه الوهابية،
والنسبة صحيحة لغوياً، وقد صدر من علماء المالكية في شمال أفريقيا والأندلس فتاوى
بتكفير هذه الفرقة، ومحاربة ما تدعو إليه، فاستغل خصوم الدولة السعودية ذلك الاسم،
وما صدر عنها من فتاوى للنيل من الدعوة السلفية الإصلاحية في نجد، وزاد ذلك
تمكيناً تلك الحملة الإعلامية التي صاحبت تجهيز الجيوش لمحاربة الدرعية (52).
ولذا فقد تحدث الإعلام الموجه لصالح
الغزاة، بما ينبئ عن مؤثرات نفوسهم، وما ينعكس في مجتمعهم، الأمر الذي لابد أن
يطغى على ما يريدون تقديمه للقراء، فيما يخدم هدفهم. والشيخ محمد بن عبدالوهاب ومن
تأثر بدعوته الإصلاحية التصحيحية يخالفون ما كان عليه عبدالوهاب بن رستم الخارجي
الأباضي ويمقتون مذهبه.
ولكن عندما يتحدث المنصفون، ويكتب
المحللون بتجرد وواقعيه، فإنهم يعطون الحقيقة لذات الحقيقة، وتبرز مصداقيتهم،
لأنهم لم يكونوا أبواقاً تنقل ما يقال لهم.
والقارئ يجد في كتابات من يريد التعرض
للدولة السعودية الأولى أمرين: العداء وإبراز المؤثرات ضدها وضد الدعوة التي قامت
عليها، وهذا المنحى اعتمد على الكذب، وقلب الحقائق التي لم تصدر أصلاً، عن قيادة
الدولة السعودية الأولى -أو كما
يسمونها الوهابية- أو علمائها. ورسائل الشيخ محمد بن
عبدالوهاب رحمه الله والأئمة في الدولة السعودية الأولى وعلمائها، كلهم يقولون عما
نسب إليهم من تهم: سبحانك يا رب هذا بهتان عظيم.
والثاني : هو الذي انتهجه الدارسون
بإنصاف، والحريصون على توضيح الصورة كما هي دون نقص ولا زيادة، وقد سار في هذا
الدرب كثير من الغربيين، ومن غيرهم عرب وغير عرب، ومسلمون وغير مسلمين ومن
المسلمين العرب المؤرخ المصري عبدالرحمن الجبرتي في تاريخه عجائب الأثار (53).
وقد حرص الدكتور منير العجلاني على
إبراز جانب من هذا الاتجاه، وأورد عدداً من آراء كتاب الغرب البارزين، ذوي المكانة
في بيئاتهم ممن كتبوا وألفوا.
يقول تحت عنوان: أوائل الكتب الغربية
عن نجد والوهابية: إن كان المؤلفون القدامى عجزوا عن فهم الدعوة الوهابية، كما
ينبغي لها أن تفهم، فمن الحق أن نعترف لهم بأنهم كانوا أقرب إلى إنصاف الشيخ
وتقدير حركته، من كثير من أبناء البلاد العربية والإسلامية، في عصره وبعد عصره.
وقد أثنى غير واحد من الأوربيين على
الشيخ ودعوته، ثناءً عظيماً، وبالغ بعضهم في أمره، فوصفه بأنه "نبي"
وأراد آخرون أن يشبهوه بما عندهم فقالوا: إنه "بابا" المسلمين، وقال
بعضهم: إنه مصلح ديني من طراز "لوثر" أو "كالفان" اللذين قاما
بالدعوة إلى تنقية المسيحية مما دخل عليها في العصور المتأخرة (54).
ويـــــرى أن أول كاتب غربي في أوربـا
ظهرت كتابتـه هــو "كارستن نيبور" (55)،
وأن أول كتـــاب ظهــــــر في أوربـــــا عن الوهابية هـــــو تاريخ الوهابيـــــة
في عام 1810م (1225هـ)، للكاتب الفرنسي "أوليفيه دي كورانسيه " ونشره
كان بعد سنوات قليلة من ضم الإمام سعود بن عبدالعزيز مكة (1218هـ-1803م)
وبعد دخوله رحمه الله المدينة عام (1220هـ-1805م)،
أما نشـــــــــر مقالات صحفـية منــــه فكـــان في عام 1219هـ (1804م) (56)،
ولكنه وقـــع في أخطاء أخذها عن أعداء الدعـــوة (57).
ومما قاله كورانسيه: أعاد محمد بن
عبدالوهاب الإسلام إلى حالة يعرفها النبي ولاينكرها، بعد أن مارس المسلمون أشكالاً
غريبة من العبادات، بحيث لو عاد محمد إلى الدنيا لظن أن الإسلام زال منها، ولرأى
شيئاً عجباً فالصلاة صار لها طقوس جديدة، وعلى القبور تقام القباب والمباني، ويزعم
أن لأصحابها كرامات أو معجزات، وهناك وسطاء بين الله والناس يقبلون الرشوة (58).
كما ذكر الريحاني بعضاً من رسالة بعثها
الإمام سعود بن عبدالعزيز للسلطان سليم قال بعد المقدمة: أما بعد فقد دخلت مكة في
الرابع من محرم سنة 1218هـ، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم، بعد أن هدمت ما
هنـاك من أشباه الوثنية، وألغيت الضرائب، إلا ما كان منها حقاً، وثبّت القاضي الذي
وليته أنت طبقاً للشرع، فعليك أن تمنع والي دمشق، ووالي القاهرة من المجيء بالمحمل
والطبول والزمور، إلى هذه البلد المقدس، فإن ذلك ليس من الدين في شيء(59).
فالإمام تركي بن عبدالله تعد مسيرته في
إعادة الدولة بعدما حل بها ما حل مبنية على أسس الدعوة الإصلاحية، من حيث إبعاد
الأعداء الذين لم يحافظوا على العهود ولم يرعوا المواثيق التي أمر الله بها في
كتابه الكريم، يقول سبحانه: { (#qèù÷rr&ur ωôgyèø9$$Î/ ( ¨bÎ) y‰ôgyèø9$# šc%x. Zwqä«ó¡tB }(60). ثم
الرغبة في تطهير بلاد المسلمين عامة، مما أدخل على تعاليم الإسلام، من بدع ليست
منه، بل هو براء منها ومن ذلك: التعلق بالقبور، ودعوة أصحابها من دون الله، وتقديم
القرابين لها والنذور، وبناء المساجد عليها، وغير هذا مما يخل بعقيدة التوحيد،
التي أوضحها الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كتابه: كتاب التوحيد، واستدل على كل جزء
يورده بآيات كريمات من كتاب الله، وبأحاديث صحيحة عن رسول الله e ، ولم يأت بشيء من نفسه، يخالف هذين المصدرين اللذين هما وصية
رسول الله e لأمته، كما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه الذي رواه الإمام
أحمد بن حنبل في مسنده(61).
منهج الإمامين في بناء الدولة :
الدولة كالقلعة ، التي لا يحتمي بها
المقاتل، إلا وهي جيدة الأساس، محصنة الأركان، وأهم قاعدة تؤسس عليها الدولة،
العلم، وحسن الإدارة، وفوق هذا وذاك الصدق في العمل، وإخلاص النية لله سبحانه
وتعالى.
ولما كان الجهل شائعاً في نجد ذلك
الوقت، فقد تبع هذا الجهل شيوع أمور عديدة في أمور الدين من شرك في العقيدة
والعمل، وضلالة في العبادات، فصار الجهل عدواً قاتلاً كما جاء في المثل .
والإمام محمد بن عبدالوهاب ، بعد ما
أخذ من العلم قسطاً وافراً، بصّره الله بما عليه الناس من بعدٍ عن الحق، فأحب أن
يؤدي رسالة العلم بالتبليغ والدعوة، وأن يعلم الناس مما علمه الله، لعل الله أن
ينقذهم مما وقعوا فيه من أعمال أفسدت نقاوة الإسلام، وغيرت وجهه الصافي، وذلك بصرف
ما هو لله إلى غيره، أو إشراكه مع الله، مما هو مخالف لما جاء به محمد - e -
من عند ربه، وسار عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
لكن الناس عارضوه، وأنكروا عليه ما دعا
إليه بتغيير المألوف عندهم، كما قالت الأمم قبلهم: { $¯RÎ) !$tRô‰y`ur $tRuä!$t/#uä #’n?tã 7p¨Bé& $¯RÎ)ur #’n?tã NÏdÌ»rO#uä šcr߉tFø)•B} (62).
لقد كانت بداية أمر الشيخ في الدعوة المتمثل في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال ابن بشر في البصرة عندما أنكر عليهم بعض
الشركيات والبدع، وأعلن بالإنكار، واستحسن ذلك شيخه محمد المجموعي، وقرر له
التوحيد، وانتفع به، وكان شيخه وأولاده هم أحسن أهل بلدهم، بالصلاح ومعرفة
التوحيد، لكن ناساً من أهل البصرة، آذوا الشيخ محمد أشد الأذى، وأخرجوه منها وقت
الظهيرة، فكاد يموت عطشاً، ولحق شيخه منهم بعض الأذى (63).
ولما وصل حريملاء عائداً من الزبير
مروراً بالأحساء ، وجد والده قد انتقل إليها من العيينة، فأخذ يقرأ على والده،
وينكر ما يفعله الجهال من البدع والشرك؛ في الأقوال والأفعال، وقد كثر منه الإنكار
لذلك ولجميع المحظورات، حتى وقع بينه وبين أبيه كلام، وكذلك وقع بينه وبين أناس في
البلد، فأقام على ذلك سنين، حتى توفي أبوه عبدالوهاب عام 1153هـ (1740م)، ثم أعلن
بالدعوة والإنكار، وجهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبعه أناس من أهل
البلد، واشتهر بذلك، لكن العبيد في حريملاء، أرادوا أن يفتكوا به، ويقتلوه بالليل
سراً، فلما تسوروا عليه الجدار، علم بهم أناس فصاحوا بهم فهربوا، بعدها انتقل إلى
العيينة (64).
وبعد أن استقر الشيخ في العيينة، وجد
بها أشجاراً تعظم، ويعلق عليها، فبعث الشيخ بعد اتصاله مع رئيس البلد: عثمان بن
معمر، الذي أبدى في أول الأمر تعاوناً مع الشيخ، فأمر من يقطعها فقطعت . يقول ابن
بشر: وفي البلد شجرة هي أعظمهن عندهم، ذكر لي أن الشيخ خرج إليها، بنفسه فقطعها،
ثم صار أمره في زيادة (65).
أما ابن غنام فقد عقد فصلاً في حال
المسلمين، قبيل قيام الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالدعوة، وذكر غلو الجهال في القبور
والصالحين، في كل مدينة وقرية، فقبر زيد بن الخطاب في الجبيلة، ويزعمون أن قبر
ضرار بن الأزور في شعيب غبيرا، وبليدة الفدا، تقصدها النساء والرجال حيث يكثر
ذَكَرُ النَّخل، المعروف بالفحال، وعنده يفعلون أقبح الأفعال، وتضمه المرأة بيديها
ترجو أن يفرج عنها كربها وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل الحول، إلى جانب
أمور أخرى كلها شرك بالله، ومخالفة لأمره سبحانه والله سبحانه هو أغنى الشركاء عن
الشرك(66).
ومثل هذا ما هو موجود في بلاد أخرى:
كالشام والعراق، ومصر واليمن ونجران ومكة، وغير ذلك من الجهات (67).
ولما كان آخر هذه الأمة، لا يصلح إلا
بما صلح به أولها، كما روي عن الإمام مالك رحمه الله، وأولها لم يصلح إلا بإخلاص
الدين لله، مع صدق التوجه إليه سبحانه: قولاً وعملاً، وحسن اعتقاد، ولذا فإن صلاح
آخرها، لن يكون إلا بهذا المنهج الذي به يطهر الدين من كل أمر محدث، أو أمر مبتدع، كما قال النبي e: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه. والفرد
مهما كانت قدرته، يقف دون التصدي لمثل هذا الأمر لما فيه ويحفه من المخاطر، ولابد
من شد العضد، بقوة تسند، بعد عون الله سبحانه، حتى يظهر الأمر عالياً على مادونه،
وحتى تبرز قوة السلطة في تغيير ما استمرأه الناس من ضلالات، وأن يستبدل بما هو حق.
ذلك أن الشيخ لما أراد هدم القبة المبنية على قبر الصحابي زيد بن الخطاب -فيما
زعموا- خشي على نفسه من أهل الجبيلة، كما ذكر
ابن بشر فذهب إليها عثمان بن معمر، رئيس العيينة، مع الشيـــخ ووعده بالمناصرة،
فلما وصلا إلى قبر زيد بن الخطاب، قال لعثمان: دعنا نهدم هذه القبة، التي وضعت على
الباطل، وضل بها الناس عن الهدى، فقال: دونكها فأهدمها، فقال الشيخ: إني أخاف من
أهل الجبيلة أن ينصروها، ويقعوا بنا، ولا أستطيع هدمها إلا وأنت معي . فسار معه
عثمان بنحو ستمائة رجل، فأراد أهل الجبيلة منعهم من هدمها، فلما رأوا عثمان، وأنه
قد عزم على حربهم، تركوه يهدمها، بعد أن كفوا عنهم وخلوا بينهم وبينها، فهدمها
الشيخ بيده، لمّا تهيب هدمها الذين معه(68).
ولما كانت الشرور منتشرة، والبدع
والأباطيل مستشرية، فقد تحركت الأيدي ضد ابن معمر والشيخ، لأجهاض العهد بينهما،
فكثرت الردود على الشيخ، وتسفيه رأيه، وخاصة بعدما أقام حد الزنا على امرأة اعترفت
عنده بالزنا وهي محصنة، وتكرر منها الاعتراف، وبعد أن استخبر عن عقلها، فإذا هي
صحيحة العقل، سليمة الحواس.
بعد ذلك استعدى الأهالي عليهما رئيس
الأحساء: سليمان بن محمد، الذي هدد ابن معمر، إن لم يطرد الشيخ، أو يوقع به، فإنه
سيعاقبه، وينكل به.
لم يجد الشيخ جهة صالحة للانتقال إلا
الدرعية، حيث تخيّل بفراسته في أميرها قدرة على الحماية والمعاضـــدة، لإتمام أمر
الدعوة الذي يحتاج إلى رجل قوي الشكيمة، عنده رأي وشجاعة، لأن الأمـــر يحتاج إلى
جهد ومجاهدة، وتقديم الرأي والمدارسة قبل الإقدام على العمل.
وما
ذلك إلا أن الأمر الذي قام من أجله، أساسه ديني بحت، لأنه لله، ومن أجل نصر دينه،
أما طلب الولاية وترسيخ الملك، فلم يكن الهدف، ولكن يأتي به الله مع النصر حيث لابد أن تدار الأمور بولاية، يتربع كرسيها
إمام للمسلمين، ليقودهم ويصرف شؤونهم، ألم يقل سبحانه: {y‰tãur ª!$# tûïÏ%©!$# (#qãZtB#uä óOä3ZÏB (#qè=ÏJtãur ÏM»ysÎ=»¢Á9$# óOßg¨ZxÿÎ=øÜtGó¡uŠs9 ’Îû ÇÚö‘F{$# $yJŸ2 y#n=÷‚tGó™$# šúïÏ%©!$# `ÏB öNÎgÎ=ö6s% £`uZÅj3uKã‹s9ur öNçlm; ãNåks]ƒÏŠ ”Ï%©!$# 4Ó|Ós?ö‘$# öNçlm; Nåk¨]s9Ïd‰t7ãŠs9ur .`ÏiB ω÷èt/ öNÎgÏùöqyz $YZøBr& 4 ÓÍ_tRr߉ç6÷ètƒ Ÿw šcqä.ÎŽô³ç„ ’Î1 $\«ø‹x© 4 `tBur txÿŸ2 y‰÷èt/ y7Ï9ºsŒ y7Í´¯»s9'ré'sù ãNèd tbqà)Å¡»xÿø9$# } (69).
وصل الإمام محمد بن عبدالوهاب إلى
الدرعية في عام 1157هـ (1744م)، ففتح الله صدر الإمام محمد بن سعود، وأنار بصيرته
لهذه الدعوة، ومناصرتها بعناصرها الأساسية:
1 - الدعوة إلى تحقيـــق كلمة الإخلاص لله سبحانه،
وإفراده بالعبادة فلا شريك ولامعين معه.
2 - تنقية البلاد من الأمور الدخيلة على طهارة
الإسلام وصفائه.
3 - إزالة البدع والضلالات المنافية للدين في نقاوة
جوهره، وتعليم الناس ما يجب عليهم في أمور دينهم.
4 - هدم القباب والبنايات المقامة على القبور، والأخذ
بأمر رسول الله e لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: بألا يدع قبراً مشرفاً إلا سوّاه.
5 - إقامة حدود الله التي أمر بها سبحانه في كتابه،
وأمر بها رسوله e لأن طاعته واجبة.
6 - إزالة الضرائب عن الناس، والاستعاضة عنها بجباية
الزكاة الشرعية.
7 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتشاور في
صغائر الأمور وعظائمها.
8 - الدعوة لدين الله بالحكمة والموعظة الحسنة،
وإيضاح ما يجب على الناس اتباعه بالبيان والنصح، والمكاتبة والتبليغ.
9 - مجاهدة من لا يستجيب، كما عمل رسول الله- e - وأصحابه من بعده، ومن تبعهم بإحسان في فهم
دلالة شرع الله، وما يجب على عباد الله فيه.
- تفهّم الأمير محمد بن سعود القواعد الأساسية،
التي يجب أن يتعاضد مع الإمام محمد على إظهارها وعلم أن هذا الطريق مركب صعب، ولكن
في سبيل رضا الله، وإقامة شرعه لابد من الانقياد، في تسيير الدعوة، والاستعانة
بالله سبحانه في المسير، لتحقيق ما تهدف إليه الدعوة والتحمل في سبيلها: الدم
بالدم ، والهدم بالهدم (70).
فتعاهدا على الوفاء بهذه المبادئ،
والدفاع عنها، لكن الإمام محمد بن سعود اشترط على الإمام أمرين:
الأول: أن يتركه الشيخ محمد، وما يأخذه
على الرعية، من ضرائب أسوة بما يعمله أمراء نجد، لأن المال محبب إلى النفوس.
الثاني: ألا يرجع الشيخ إلى بلده،
ويترك الدرعية، بعد أن يظهر الله الأمر.
فأجابه الشيخ: بأن الشرط الأول، سيعوضه
الله عنه، بما يفئ عليه من غنائم، وما يرد لبيت المال من زكوات. وكل هذا حلال لا
شبهة فيه، وهو خير من الضرائب المفروضة على الناس ظلماً.
أما الشرط الثاني : فوعده الشيخ أن يفي
به، وهو عدم مبارحة الدرعية، إذا نصر الله الدعوة، ودخل الناس فيها.
- نشطت الدعوة منذ ذلك اليوم، وكانت البداية
مكاتبات مع البلدان القريبة، ودعوة أهلها لعلهم يستجيبون لهذه الدعوة التصحيحية
الإصلاحية، والتعاون بنبذ كل ما أدخل في الدين، من أمر لم يأذن الله به، وليس عليه
أمر الله، ولا أمر رسوله e ، مع النهي عن كل ما نهى الله عنه
ورسوله عليه الصلاة والسلام، لتستقيم بذلك العقيدة، وبسلامتها يصدق القلب، ويصلح
العمل، ثم يتبع ذلك خطوة أخرى لمن استجاب من الكبار والأمراء، ببعث من يعلمهم أمور
دينهم، ويوجههم لما يجب عمله، في تصحيح المعتقد، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وتوضيح ما يجب عمله، من أمور الدين: في العبادات والمعاملات، والمعتقدات،
وفي سائر الطاعات لله. حيث تحول المجتمع إلى مجتمع محب للعلم، شغوف بالمعرفة، حريص
على سلامة المآخذ، ثم تلحق بهذه خطوة أخرى وهي بعث طلاب العلم، الذين يتولون
القضاء والإمامة في الصلاة والوعظ والإرشاد في البلدان ؛ لأن العلماء والقضاة هم
الحكام الشرعيون الذين يعينون الإمام في مهمته الأساسية في إدارة الدولة وتسيير
أمورها.
- ولما كان أساس الدعوة العلم، فقد أحب الشيخ أن يكون هو القدوة عندما جلس للراغبين في طلب العلم، الوافدين على الدرعية، حيث صارت مرنا أفئدة طلاب العلم، وخصص لهم أوقاتاً ينهلـــون فيها من العلم ومنبعه الصافي، وأوقاتاً للعمل وكسب المعيشة، والأمير محمد بن سعود وراء الأمر يساعد بالمال، والتشجيع، مع تهيئة الجو العلمي المناسب لكل وافد، من داخل البلاد أو خارجها. ثم إرسالهم بعد نيلهم ما تيسّر لهم من العلم، إلى المناطق، ليعلموا الناس، ويفقهوهم في الدين امتثالاً لأمر الله سبحانه : { Ÿwöqn=sù txÿtR `ÏB Èe@ä. 7ps%öÏù öNåk÷]ÏiB ×pxÿͬ!$sÛ (#qßg¤)xÿtGuŠÏj9 ’Îû Ç`ƒÏe$!$# (#râ‘É‹YãŠÏ9ur óOßgtBöqs% #sŒÎ) (#þqãèy_u‘ öNÍköŽs9Î) óOßg¯=yès9 šcrâ‘x‹øts