المقدمـــة :

لنشأة الدولة أسباب ومسببات، يهيئها الله سبحانه، فهو سبحانه مسبب الأسباب والموفق للعمل، يقول تعالى: { È@è% ¢Oßg¯=9$# y7Î=»tB Å7ù=ßJø9$# ÎA÷sè? šù=ßJø9$# `tB âä!$t±n@ äíÍ\s?ur šù=ßJø9$# `£JÏB âä!$t±n@ Ïèè?ur `tB âä!$t±n@ AÉè?ur `tB âä!$t±n@ ( x8ÏuŠÎ/ çŽöyø9$# ( y7¨RÎ) 4n?tã Èe@ä. &äóÓx« ֍ƒÏs% }(1).

فالملك يعطيه الله فئة من البشر لحكمة؛ لينظر ماذا يؤدون فيه من حقوق، فيثبت ويدوم إذا أدى القائمون حقوقه، أو ينزع منهم ليكون في فئة أخرى.

وقيام الدولة لابد له من ركائز تثبته، كالعمد التي يقوم عليها البيت، فإن كانت الركائز قوية وثابتة، قويت الدولة، وطال أمدها، وتمكن عزها. أما إن كانت ضعيفة وهشة، فإن نفوذها يتقوض، ومداها يقصر.

وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً: في أن العرب لا يحصل لهم ملك، إلا بصبغة دينية، من نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم على الجملة (2).

والجزيرة العربية التي كان أهلها في بداوة وجاهلية، تزدريهم الأمم المحيطة بهم، لما استجابوا للرسالة السماوية التي جاء بها محمد بن عبدالله - e - من عند ربه، وحرصوا أوّلاً على فهم تعاليم هذا الدين، وتطبيقها عملاً، استجابوا للجهاد، فسارت الجحافل تحت راياته، مشرقة ومغربة، لنشر دين الله، الذي أمرهم الله بنشره، ولإبلاغ الأمم دين  الله الحق، منفـذين قـول الله سبحانه : {¼çm¯RÎ)ur ֍ø.Ï%s! y7©9 y7ÏBöqs)Ï9ur  t$ôqyur tbqè=t«ó¡è? } (3).

فحقق الله على أيديهم الخير الكثير، ودخل في الإسلام أمم أحبوا هذا الدين، وبرزوا في علومه، ومع اتساع الدولة الإسلامية، انتقلت قاعدة الإسلام من المدينة إلى دمشق ثم بغداد والأندلس وبقيت الجزيرة العربية خاضعة لسلطان الدولة الإسلامية، إلا أنه بعد أن بدأ سلطان الدولة العباسية يضعف، مع الانشقاقات، ونهش الطامعين في أطرافها، أهمل وسط الجزيرة: اليمامة وما حولها. فضعف مع ذلك سلطان الدولة عليها، بل أصبحت في حكم المنسيّ.

وترتب على ذلك انعدام الولاية، وحل محلها ولاية القبيلة، وانتشر الجهل لانعدام العلماء، وبعدهم عن منابع العلم ومجالسه، فعادوا إلى شبه الانعزال، وازداد نفوذ البداوة.

ومع الزمن أصبحت كل بلدة يحكمها فرد، وكل قبيلة يتزعمها شيخ، فكان كل جزء من حاضرة وبادية ينصب عليه من يسوس أمره، ويتصرف في أحكامه العرفية والقبلية.. وكان القوي يتسلط على الضعيف، والقادر يستبد بمن هو دونه، وضاقت الموارد.

أمّا الدين فقد ضعف سلطانه أكثر من سلطان الولاية، لتفشي الجهل، وضعف الوازع الإيماني، ونشأ عن ذلك أمور بعيدة عن تعاليم الإسلام في العقيدة والعبادات، وفي الأحكام الشرعية في الشؤون المختلفة.

وإرهاصات لانبثاق عهد جديد، نشأ في القرن العاشر، سلطة حاكمة تابعة للأحساء، واتجاه علمي جيد، في مدينة العيينة، بعد عودة الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة المتوفى في الجبيلة عام 948هـ (1541م) (4)، من الشام بعد أخذه العلم من علماء الحنابلة هناك، فجلس في جامع العيينة، وتوافد عليه وعلى علماء العيينة عشرات الطلاب، بل بلغوا المئات، عند ذلك نشأ مدّ علمي، بدأت تتسع معه الدائرة في نجد وما حولها، وبدأ التنافس فيه، إلا أن التأثير السياسي والعقدي، أقل مما كان يجب أن يكون عليه.

فمثلاً اليمامـة ، وبالذات امتداد وادي حنيفة، حيث تكثر المزارع والقرى  ومعها يتزايد عدد السكان لتوافر أسباب ذلك. كانت كل بلدة تحت إمرة شيخ، ولا يخضع أحد للآخـر إداريـاً.

أما العقيدة ، فرغم توافر العلماء وحلقاتهم في أشيقر والعيينة وغيرهما من الحواضر، حيث يقول ابن بسام: " لقد حدثني والدي وهو من حفظة التاريخ أن في العيينة أكثر من ثمانين عالماً، يدرسون العلم في جامعها في آن واحد" (5) فإنها لم تحظ باهتمام كبير، حيث كانت البدع منتشرة، والأضرحة في كل بلدة وقرية، والحدود الشرعية معطلة، والمعاصي ظاهرة، والناس مستمرئون لذلك مادام العلماء وطلاب العلم ساكتين، ولا آمر بمعروف ولا ناهي عن منكر، وقد أورد ابن غنام في جزء من تاريخه رسائل للشيخ تصور هذه الحالة وشبهات من يدعي طلب العلم(6) وابن بشر في كتابه عنوان المجد أورد نماذج من ذلك(7) ، مما يدعو إلى الحاجة لتوافر العالم المصلح، صاحب النية الصادقة، والحزم القوي.

فالعلم إذا توافر، وصاحبته الهمة في الدعوة، والاحتساب في سبيلها يحقق الله به الشيء الكثير، فقد يصعب على العالم بمفرده تخطي الطريق الشائك، وما فيه من عقبات، إذ لابد من قوة سياسية، وقوة إدارية، تعاضد العلم والهمة في الدعوة، ليتواءم القلم مع السيف.

وقد هيأ الله ذلك العالم، الذي جرد نفسه للدعوة بنية وعزيمة، إنه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، (1115-1206هـ) (1703-1791م).  الذي بدأ إعلان دعوته الإصلاحية في حريملاء، إلا أنه لما وجد الجو غير ملائم، انتقل إلى العيينة، ووجد في ابن معمر في البداية سنداً يشد ظهره ، لكنه سرعان ما اصطدم بعقبات سببها رئيس الأحساء ، كادت تجهض الدعوة، لولا أن الله قيض لها مسانداً مخلصاً ذهب إليه الشيخ فاراً بنفسه، وخائفاً على الشعلة التي توقدت أن تنطفئ، فكان ذلك العضد القوي، المساند للشيخ ودعوته: الأمير محمد بن سعود (000-1179هـ) (000-1765م) وبعد الالتقـــاء، انفتحــت القلوب لهذا العمل، وتصافحت اليدان عام 1157هـ (1744م) وتعاهدا على التضامن في سبيل الدعوة إلى دين الله الحق، وتنقية البلاد والعباد من الأمور الدخيلة، على هذا الدين، حتى تعود له طهارته ونقاوته، بمثل ما سار عليه الصدر الأول من سلف أمة الإسلام.

فأعطى الأمير محمد بن سعود - رحمه الله-