تمهيــد:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله وبعد:
فقد اخترت الكتابة عن موضوع (الدولة
السعودية والدعوة الإصلاحية) مشاركة في هذا المؤتمر.
وقد اخترت هذا الموضوع لأهميته في
نظري، وللارتباط الوثيق بين قيام الدولة السعودية من أول يوم في تاريخها إلى اليوم
بحركة الإصلاح في نجد، والتلاحم الشديد بين هذه الدولة الإسلامية ورسالتها في
الحياة، والتي بها دخلت الدولة السعودية
التاريخ الحضاري، وخرجت بها من محيط الدرعية المحدود إلى أرض الله الواسعة، ومن
النعرة القبليــــة المجردة إلى أخـــوة الإسلام الرحيبة، فكانت بها رائــــدة
حركات الإصلاح في العالم الإسلامي في العصر الحديث، وصار السعوديون هم حملة هذه
الدعوة ولا يستقيم لهم أمر إلا بحملها، والمحافظة على أسسها ومضامينها.
فاحتلوا بهذه الرسالة مكانة في نفوس
الناس في جزيرة العرب لا يطمح إليها غيرهم، حفرت بها محبتهم في نفوس الأجيال،
وارتفعت بها راياتهم على كل الرايات، بها قامت الدولة السعودية، وعليها تستقيم
أمورها في القيادة والريادة.
والحديث عن هذه الدولة العظيمة يقتضي
الحديث عن الأسس التي قامت عليها، والرسالة التي تحملها إلى الناس كافة، وعن رصيد
هذه الأسرة الكريمة التاريخي في الوفاء بحق مبادئ الدعوة الإصلاحية في جزيرة
العرب، والتضحيات الجسيمة التي قدمها قادتها وأفرادها وكل المؤمنين بها عبر
التاريخ، والسير الوضيئة لأئمة هذه الدولة ورجالاتها، والإنجازات التي تحققت في
ظلها في كل العصور.
وقد حاولت
في هذا البحث المتواضع أن أعطي صورة مجملة عن الحالة السياسية والدينية والمعيشية
في الجزيرة العربية قبيل قيام الدولة السعودية، وما كانت عليه من سوء وتخلف
وانحراف ، وما ظهر فيها من البدع والخرافات والجهل بأمور الدين والدنيا، والتقصير
في أداء فرائض الإسلام والجهل بأصوله وأحكامه.
وأن ذلك كله من بواعث حركة الإصلاح في
الجزيرة العربية، وقيام الدولة السعودية، وأن الدولة السعودية دخلت التاريخ
الحضاري بتلك البيعة المباركة التي تمت بين الإمامين الإمام محمد بن سعود والإمام
محمد بن عبدالوهاب، وظلَّ قادتها أوفياء لمبادئ الدعوة ومنهاجها في العمل الإصلاحي
ومضامينها التي تضمنتها كتب إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ورسائله
وإجاباته، ومثلتها الدولة السعودية في واقع الحياة في أدوارها المختلفة، كما أخذت
العبرة والدروس البالغة في نجاح مشروعها الحضاري في إقامة دولة إسلامية عزيزة
الجانب، في حين فشلت كل المشاريع الأخرى
الإصلاحية، التي حاول أصحابها إقامتها على غير الإسلام، وفي مسيرة هذه الدولة عبر
التاريخ وما يحصل لها من لطف الله في التأديب كلما تراخت الدولة في الالتزام
بمبادئ الدعوة التي قامت عليها، حتى تعود إلى مركز القيادة مرةً أخرى وهي أقوى مما
كانت عليه.
ولا شك أن الملك عبدالعزيز- رحمه الله-
مؤسس هذه الدولة العظيمة التي نتفيأ ظلالها الوارفة اليوم، من أعظم القادة العظام
في العصر الحديث؛ لأنه حقق لأمته ما لم يحققه لها غيره، أقام هذا الكيان على نفس
الأسس التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى، وكان وفياً لمبادئها ومضامينها،
ومقدراً لجهود المؤمنين بها معه في إقامة هذه الدولة الإسلامية العتيدة، وأنه حقق
مشروعه الحضاري وفق منهج إصلاحي متميز،
وأن أبناءه البررة كانوا سواعد قوية له في التأسيس، وترسية القواعد وإشادة البناء
وتطوير الحياة بكل مرافقها وأوجه النشاط فيها.
وقد حاولت في هذا البحث أن ألقي الضوء
على كل هذه الأمور الآنفة الذكر بصورةٍ مجملة، وبما يسمح به حيز هذا البحث المحدد
الصفحات، كما حاولت أن أجيب عن سؤالٍ مهم يتعلق بالمسؤولية عن تنمية مكتسبات
الدولة السعودية الحديثة وكيفية المحافظة على منجزاتها في خطوط عريضة عامة.
أرجو أن أكون بذلك قد وفيت بالتزامي
بالكتابة عن هذه الدولة العظيمة ورسالتها الإصلاحية الخالدة بصورةٍ تبين أن هذه
الدولة جسدٌ والدعوة لها بمثابة الروح ، وأن تتحقق بهذا البحث المنفعة والفائدة
والتذكير بالأسس التي قامت عليها هذه الدولة وأن يحظى بالقبول من لجنة المؤتمر
الموقرة ،والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
تعد
الفترة الواقعة بين القرن العاشر ونصف الثاني عشر الهجري من أحلك فترات التاريخ
بالنسبة للجزيرة العربية وأشدها عتمة، إذ إن هذه المنطقة من العالم الإسلامي ظلت
بعيدة عن مراكز الخلافة التي قامت في الشام وبغداد والقاهرة واستنبول، وقليلة الحظ
من العناية التي كانت تحظى بها كثيرٌ من البلاد الإسلامية، لا سيما في العصور
المتأخرة في أواخر العهد العباسي، ثم في دولة آل عثمان لا في مجال واحد بل في
مجالات متعددة، منها الأمن والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية وغيرها ،ولم تقم
في هذه المنطقة من العالم الإسلامي دولة مستقلة ترعى شؤون هذه الناحية بعد الدولة
الأخيضرية، بل ظلت مرتبطة ارتباطاً عاماً بدولة الخلافة في استنبول ،ويدير شؤون كل
بلد أو قرية أميرها المحلي . ودولة الخلافة العثمانية في هذه الفترة من التاريخ قد
دبَّ في أوصالها الضعف والوهن ودخلت مرحلة الشيخوخة والهرم، وظهرت فيها بوادر
الانحلال واستبداد الوزراء والولاة وقادة الجيش الانكشاري في كثير من أمور الخلافة، وجباية الأموال وفرض
الضرائب وإيقاع المظالم.
والجزيرة العربية في هذه الفترة
التاريخية قد تراكمت عليها آثار الإهمال الطويل، وفقد فيها الأمن، وقلَّ فيها
العلم، وفشا فيها الجهل، وضعفت فيها الزراعة والتجارة، وكثرت فيها الحروب والفتن،
وظهرت فيها العصبيات الجاهلية للأسرة والقبيلة والبلد، وصار كل رئيس قبيلة فيها
كأنه قائد جيش تحت إمرته المئات من المسلحين، وأحياناً عشرات الألوف، فكانت بذلك
هذه الناحية من العالم الإسلامي قليلة الخيرات والعوائد، ومكلفة في ضبط أمنها
ورعاية شؤونها، ولهذا لم يكن لخلافة آل عثمان في هذه الفترة التاريخية مصلحة
تستدعي تحمل نفقات توطيد الأمن وتأمين السبل ونشر العلم، ومع هذا فإن الدولة
العثمانية في هذه القرون تعيش فترة ضعف شديد سميت على أثره بالرجل المريض ولهذا
اكتفت الخلافة العثمانية بالتواجد في الحرمين الشريفين، وسواحل الجزيرة العربية،
وأهملت داخل الجزيرة، ولهذا تركت هذه الناحية وشأنها فسادت فيها الفوضى وعم الخوف
وقطعت السبل وكثرت الفتن وصار النهب والسلب من أهم وسائل الكسب.
وقد عاشت نجد في هذه الفترة التاريخية
أشدَّ فترات تاريخها في كل جانب من جوانب الحياة، حتى فقدت كل أنواع الأمن والراحة
،وبشكلٍ لم يشهد التاريخ له مثيلاً من قبل.
هذا ومع أن تاريخ الجزيرة العربيـــة
في تلك الحقبــــة لم يكتــــب، وما كتب منــــه لا يتجاوز ذكر بعض الحوادث
العظيمة ذكراً مجرداً لا يوضح ملابساتها ودوافعها أو موضعها، والآثار التي ترتبت
عليها ،وكما قال المؤرخ عثمان بن بشر " وأعلم أن أهل نجد وعلماءها القديمين
والحديثين لم يكن لهم عناية بتاريخ أوطانهم ولا من بناها ولا ما حدث فيها وسار
إليها وسار منها إلا نوادر يكتبها بعض علمائهم هي عنها أغنى، لأنهم إذا ذكروا
قتالاً أو حادثة قالوا : في هذه السنة جرت الواقعة الفلانية ولا يذكرون صفتها ولا موضعها ،ونحن نعلم من زمن
آدم إلى اليوم كله قتال ،ولكن نريد أن نعرف الحقيقة والسبب وما يقع فيها من
الغرائب والعجب وكل ذلك في تاريخهم معدوم" (1).
ومع هذا الإهمال والتقصير من علماء نجد
في العناية بتاريخ هذه المنطقة فإن نظرةً فاحصةً فيما دوَّنه الشيخ عثمان بن بشر
في تاريخه وما عنون له بكلمة (سابقة) وأتى في كل سابقة تحت كل سنة لاحقة من
الأحداث ما يدل على سوء حال نجد في أخبار تلك السوابق التي بدأها بأول سابقة في
سنة خمسين وثمانمائة وكانت تقطر دماً، إذ ذكر فيها أن صدر وادي حنيفة يسكنه ثلاث أسر
هي أسرة آل معمَّر في أعلى وادي حنيفة من الجبيلة إلى حريملاء،فوق " غصيبة
لآل يزيد إلى دون الجبيلة، وفي هذه السنة يقول ابن بشر: " قدم ربيعة بن مانع
من بلده المسماة الدرعية عند القطيف على ابن درع صاحب (حجر والجزعة) قرب الرياض
فأعطاه ابن درع (المليبد وغصيبة) المعروفين في الدرعية فنزل ذلك وعمره حتى قال : ثم ولد لمانع المذكور
ربيعة وصار له شهرة واتسع وحارب آل يزيد ثم بعد ذلك ظهر ابنه موسى وصار أشهر من
أبيه، واستولى على الملك في حياة والده، واحتال على قتل أبيه ربيعة، فجرحه جراحاتٍ
كثيرة وهرب إلى أحمد بن حسين ابن طوق رئيس العيينة، فأجاره وأكرمه لأجل معروفٍ
سابق عليه، ثم إن موسى سطا بالمزايدة وجميع المؤلفة على آل يزيد في النعمية
والوصيل وقتل منهم في ذلك الصباح ثمانين رجلاً، وتشتت آل يزيد ولم تقم لهم قائمة "(2).
هذه الصورة التي ذكرها الشيخ عثمان بن
بشر في تاريخه عن حالة الناس في وادي حنيفة خاصة ونجد بصفةٍ عامة في هذه السابقة
تحكى حياة الناس في مختلف أقاليم نجد، فثلاث عوائل في الجزء الأعلى من وادي حنيفة،
كل أسرة لها حدود وإمارة واستقلال عن أختها، وبينها تقوم الحروب والفتن والمنازعات
على الحدود والمراعي والمياه ولأتفه الأسباب، وكم في هذا الوادي من البلدان والأسر
التي لها الأوضاع نفسها وتتكرر فيها هذه الصور، هذا في القرن التاسع الهجري.
والسابقة الأولى في تاريخ ابن بشر وفي
كل قرنٍ من القرون التالية حوادث وأخبار لا تقل عن هذه الصورة، ولكن على يد بعض
الأشراف والأتراك، في حملاتٍ ظالمة مارسوا فيها أشدَّ أنواع الظلم والتعسف ونهب
الأموال وسفك الدماء وتخريب الديار.
وفي سابقةٍ أخرى قال رحمه الله: "
وفي سنة إحدى وأربعين وألف خرج زيد بن محمد الشريف أمير مكة جلوي على نجد، وتولى
مكانه نامي بن عبدالمطلب من جهة الترك، ثم انهزمت دولته وتولى زيد المذكور، وكانت
ولاية نامي مائة يوم بعدد حروف اسمه، وفيها مقتل آل تميم، قتلوا في مسجد القارة
المعروفة بصبحاء في سدير".
وفي القرن الحادي عشر ذكر ابن بشر في
سوابقه " أنَّه في سنة 1058هـ قتل دوَّاس
ابن محمد بن عبدالله بن معمر رئيس بلدة العيينة، وتولى في العيينة محمد بن
حمد بن عبدالله وأجلى منها آل محمد فلم تتم لهم الولاية في العيينة إلا تسعة
أشهر"(3).
وفي القرن الحادي عشر الهجري: نقل
الشيخ ابن بشر في سوابقه " أنَّه في سنة أربع وثمانين وألف وقعة القاع
المشهورة بين أهل التويم وأهل جلاجل، قتل رئيس جلاجل إبراهيم بن سليمان ورئيس بلد
التويم محمد بن زامل بن إدريس بن حسين بن مدلج، وعدة رجال من الفريقين، وفيها تولى
راشد بن إبراهيم في بلد مرات القرية المعروفة ناحية الوشم، وفيها قتل أمير الدرعية
ناصر بن محمد وأحمد بن وطبان"(4).
وفي القرن الثاني عشر الهجري ذكر ابن
بشر في سوابقه: " أنه في سنة خمس ومائة وألف هجرية وقعت الحرب بين أهل سدير
وقتل فيه محمد بن سويلم بن تميم رئيس بلد الحصون ، وفيها كانت وقعة بين أهل ثادق
وأهل البير قتل فيها حمد بن جميعة وغيره وأخذ أهل ثادق خيل ابن معمر، وفيها عدا
نجم بن عبدالله على آل كثير وحجروه في بلد العطار وأظهروه آل أبي سلمة"(5).
ولم تكن هذه الحوادث والفتن خاصة بنجد
، بل يجري مثلها في مكة والمدينة والأحساء وغيرها من نواحي الجزيرة العربية.
فيذكر ابن بشر " أنه في سنة
1105هـ ظهر سعد بن زيد صاحب مكة على نجد ووصل الحمادة المعروفة ثم رجع ووقع بينه
وبين الحاج فتنة وكثر القتل والقتال في مكة والحرم"(6).
وفي سابقة أخــــرى قال: " وفي
سنة ثلاث أو اثنين ومائة وألف هجرية مات محمد آل غرير رئيس آل حميد وبني خالد وقتل
ابن أخيه ثنيان بن براك، وقتل أيضاً في مسيرهم الأول حسن جمال وابن عبدان ثم قتل
سرحان وتولى في بني خالد سعدون بن محمد آل غرير، قال العصامي في تاريخه وفيها تولى
في مكة الشريف سعيد بن سعد بن زيد ولايته الثانية من السنة المذكورة"(7).
ونختم ما اخترناه من سوابق مؤرخ نجد
الواقعة قبل ظهور الدولة السعودية، هذه السابقة إذ يقول فيها: " وفي سنة
عشرين ومائة وألف قتل سلطان بن حمد العيسى رئيس الدرعية وتولى بعده أخوه عبدالله
ثم قتل، وفيها قتل حسين بن مفيز صاحب التويم البلد المعروف في ناحية سدير، قتله
ابن عمه فائز بن محمد وتولى بعده في التويم ، ثم إن أهل حرمة ساروا إلى التويم
وقتلوا فائزاً المذكور ، وجعلوا في البلد فوزان ، ثم غدر ناصر بن حمد بفوزان
فقتله، فتولى في التويم محمد بن فوزان فتمالأ عليه رجال وقتلوه، منهم المفرع وغيره
من رؤساء البلد وهم أربعة رجال فلم تستقم ولاية لأحدهم فقسموا البلد أرباعاً كل
واحد شاخ في ربعها، فسموا المربوعة أكثر من سنة.
قال ابن بشر وإنما ذكرت هذه الحكاية
ليعرف من وقف عليهـــا وعلى غيرها من السوابق نعمة الإسلام والجماعة والسمع
والطاعة، ولا تعرف الأشياء إلا بأضدادها فهذه قرية ضعيفة قليلة الرجـــال والمال
وصار فيها أربعة رجال كلٌ منهم يدعي الولاية على ما هو فيـــه"(8).
تلك أمثلة مختصرة عما كان يتم في قلب
جزيرة العرب قبل قيام الدولة السعودية، كل قرية فيها أمير مستقل بشؤونها ،
ومسؤوليته لا تتعدى حدود بلده ، وعمران قريته، ومرعى سوارحهم ، وكثيرا ما تقع
الخلافات والفتن والحروب بين القرية وجارتها في الوادي الواحد والناحية الواحدة
ولأتفه الأسباب ، وغارات قبائل البادية متكررة على بعضها البعض، بل وعلى قرى
الحاضرة ومواشيهم وثمار نخيلهم، والحروب واقعة ومستمرة في تأرجحٍ يوم لك ويوم
عليك، فلا يوجد للخلافة العثمانية سلطان في هذه البلاد يزع الناس بعضهم عن بعض،
ويؤمن السبل ويقضي بين الناس وفق نظام محدد، ويأخذ حق المظلوم ويردع الظالم، بل
ترك الناس يموج بعضهم في بعض وهم في خوفٍ دائم وفتن متتابعة وسبل مقطوعة وتمزق لم
يشهد له التاريخ مثيلا.
ولم تقم الفتن والحروب بين قريةٍ وأخرى
فحسب، بل تقوم الفتن داخل البلد الواحد، وبين الأسر القاطنـــة فيها، وأحياناً
تقـــوم الفتن داخل القريـــة الواحدة والأسرة الواحدة على الأمارة وغيرها، بل يقع
الخلاف والاقتتال بين الرجل وأخيه أو ابنه وأبيه، فكل بلدٍ منقسم على نفسه وكل
أسرة بين أفرادها خلافٌ، بل ثارات ودماء تؤجـــج روح الثأر والانتقام، حتى وجد في
القريـــة الواحدة أكثر من أمير، بل أربعة أمراء في قرى صغيرة الحجم ، قليلة عدد
الأفراد ، مثل : بلد التويم في إقليم سدير كما سلف، والأمثلة الشواهد على سوء
الحالة السياسية في نجد خاصة ، والجزيرة العربية عامة كثيرة لا يتســـع البحث
لذكرها، وما أوردناه من شواهـــد من سوابـــق المؤرخ عثمــان بن بشر- رحمه الله-
كافٍ لإعطاء صورة عن تردي الأحوال السياسية في جزيرة العــرب.
فدولة الخلافة العثمانية في
القسطنطينية واستنبول مكتفية بتبعية هذه الجزيرة لسلطانها بوضع حاميات محددة
الإمكانات ليس لديها قدرة على تأمين السبل ولا إقامة العدل، ولا شأن لها بالتعليم
ولا القضـــاء، بل غاية جهودها منصبة في بناء قلاع لتأمين هذه الحاميات، وتأمين
مــــرور مصالح الخلافـــة عبر هذه الجزيـــرة، وتقوم بين الحين والآخر بحملات
تأديبية لبعض القبائـــل والبلدان التي تعارض بعض هذه المصالح أو تعتدي عليها أو
لا تقوم بما تؤمـــر بـــه.
وسوء الأحوال السياسية التي ذكرنا بعض
الشواهد التاريخية عليها كانت أحد أسباب قيام الدولة السعودية وحركتها الإصلاحية
التي دخلت بها التاريخ الحضاري من أوسع أبوابه وكتب لها به العمر المديد بحمد
الله، ونرجو لها مستقبلاً مشرقاً واستمساكاً بهذا الدين أتم وأكمل.
يستلزم الحديث عن الحالة الدينية في
جزيرة العرب من القرن التاسع إلى منتصف
القرن الثاني عشر الهجري الحديث عن الحالة الدينية في العالم الإسلامي كله؛ لأن
هذه الجزيرة جزء من العالم الإسلامي، وعضو من أعضائه يتأثر به ويؤثر فيه، فأحوالهم
مترابطة، وحياتهم متشابهة، وإن اختلفت النسبة من بلدٍ لآخر في الصحة والمرض،
والاستقامة أو الانحراف في مختلف جوانب الحياة.
ورسالات الأنبياء عليهم السلام ودعوات
الإصلاح في أثرها ومدها أشبه ما تكون بجسمٍ ضخم يرمى به في بحيرة ماءٍ راكدة، فإن
هذا الجسم العظيم يحدث في الماء حركةً واهتزازا وموجاً عالياً مستديراً عند مركز
هذه الدائرة، ثمَّ يأخذ هذا الموج في الاتساع في كل الجهات لكنه كلما بعد عن مركز
هذه الدائرة أخذ في الانخفاض حتى لا تكاد تميز.
وقد
ميز الله هذه الأمة المسلمة بأن جعل الحركة والنشاط المتكرر سمة من سماتها، وأن
أمواج حركة الإصلاح والتجديد تأتي فيها متتابعة حتى يرث الله الأرض ومن عليها،
ومصداق ذلك قوله e : (خير القرون قرني ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم)، ثمَّ ذمَّ القرون المتأخرة ،ومع ذلك فقد قال e : (يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها)،
ثمَّ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورةً لا يضرهم من خذلهم ولا من
خالفهم حتى يأتي أمر الله).
والأمة المسلمة في فجر تاريخها وعصورها
الزاهرة كانت أمة رائدة في كل شأن من شؤون الحياة، في العقيدة والشريعة والأخلاق
وإقامة العدل بين الناس، وفي تعمير الحياة واستثمار الموارد البشرية والموارد
الطبيعية، وقيادة البشر إلى البر والهدى بسلطان هذا الدين، حتى صار هذا التفوق
الذي عرفها به كل أجناس البشر أهم عامل من عوامل الفتح الإسلامي ودخول الناس في
دين الله أفواجاً، بجهادٍ تارة وبغير جهادٍ تارةً أخرى، بل طواعية بالاقتناع
والقدوة الحسنة والمثال الكريم.
وكانت هذه الأمة تؤثر في غيرها من
الأمم إذ هي متقدمة عليهم في كل شيء، ولا يؤثر فيها غيرها لما هم فيه من تخلف
وانحطاط وسوء أحوال.
أما الفترة الزمنية الواقعة بين القرن
الثامن إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري فتعتبر فترة بعدت فيها الأمة عن عهد
الرسالة وعهود الإسلام الزاهرة، ومع أنها اتسعت فيها دائرة الإسلام فإنَّ ارتفاع
موجه وتأثير أمنه في جوانب الحياة قد ضعف في كل جانب من الجوانب، فقد شاب كل جانب
من جوانب مصادر عزها شائب، فقد ظهر الوضع في الحديث والإسرائيليات في التفسير
والفلسفات والمنطق في علم التوحيد والكلام، وأثرت الترجمات في الفكر الإسلامي ودخل في هذا الدين في مختلف العصور الصادق
والكاذب وأهل الأهواء، ودخل في مجال السياسة وزراء وقادة جيوش العجم، من تسلط بعضهم على الخلافة في عهود
مختلفة فحكموا باسم غيرهم، ثمَّ استلموا قيادة العالم الإسلامي مع ما عليه كثير
منهم من الجهل بالدين، وما لديهم من رواسب أفكار قديمة من فارسيةٍ وروميةٍ وهندية
وغيرها، فإذا ضمَّ إلى هذه الشوائب تدهور الحياة السياسية في العالم الإسلامي كما
أسلفنا في مجال الحالة السياسية، وما حصل فيها من انقسام وتخلف وتفكك في المجتمع
الإسلامي عامة وفي جزيرة العرب بصفةٍ خاصة، اتضحت صورة التخلف العلمي في العالم
الإسلامي، وضعف المدارس الإسلامية، وقلة العلماء المحققين وأهل العلم والاجتهاد في
الدين؛ فظهر التقليد المقيت، والعصبيات الجاهلية للمذهب والبلد والقبيلة، وعقد
الولاء والبراء عليها، وتنحت هذه الأمة المسلمة عن مركز القيادة، وأصبحت محلاً
للتأثر بالثقافات والأفكار والعقائد المختلفة، وانكفأت الأمة على نفسها، فلم يستطع
علماؤها أن يقدموا لهذه الأمة ما تحل به مشكلاتها، أو يقودها إلى مقعدها القديم،
بل لم يستطيعوا أن يحافظوا على نقاء العقيدة ونفى البدع، بل صار التقليد هو الشائع
ومشايعة الحكام الجهلة هو وسيلة الحياة الآمنة، وإتباع العامة والدهماء وإقرارها
على ما تعارفت عليه هو الطريق الآمن، وحتى من عرف الحق ورغب في التزامه وإنكار
المنكر ربّما لا يستطــيع أن يتحمل تبعات هذا العمل العظيم الذي يخالف ما ألفته
العامة، والعلماء والقـــادة جيلاً بعد جيـــل، فسلك الطريق الأسلم والأقـــرب إلى
العافية والبعد عن الأذى.
والجزيرة العربية في اشتراكها مع
العالم الإسلامي في كل ما سبقت الإشارة إليه من بعد الأقاليم الإسلامية عن مراكز
الخلافة الإسلامية في الشام وبغداد والقاهرة والقسطنطينية، وأنها من أقلها موارد
مالية وعائدات لا سيما بعد فقدها للوازع السياسي، فقد ساءت حالتها السياسية بشكلٍ
قل أن يوجد مثله، وقد سلف الحديث عن الأوضاع السياسية والاستشهاد عليها من سوابق
المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر.
وعلماء الاجتماع يجمعون على أنَّ العلم
والثقافة لا ينموان ولا يزدهران إلا في ظل الأمن الوطني والاستقرار السياسي، وأنه
بفقدهما ينقطع العلم أو يكاد، ولهذا فإنَّ قلة العلماء المحققين، وأهل الاجتهاد
ظاهرة بارزة في كل البلاد الإسلامية في هذه الفترة بصفة عامة، وفي قلب الجزيرة
بوجه خاص.
ولهذا فإن ما ذكره العلماء من تراجم
العلماء في نجد في تلك الفترة يعتبر قليلا جداً إذا قيس بعدد السكان وحاجتهم إلى
العلماء، مع أن كثيراً ممن سموا علماء شداة في العلم وليسوا بعلماء، وكلهم من أهل
التقليد أو معظمهم، ولهذا فلا غرابة أن تكون الحالة الدينية في الجزيرة العربية
على هذه الصورة التي وصفت بها في النصوص التاريخية الموجودة بأيدينا اليوم من
السوء والتخلف، وما يوجد فيها من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر، وما ألفه الناس عامة
من أنواع البدع والانحراف عن المنهاج السوي عند الحاضرة والبادية، وما يختص به بعض
بادية نجد من ترك فرائض الإسلام وواجبات الدين، كالصلاة والصوم وأداء الزكاة
وإنكار ما علم من الدين بالضرورة وعدم الإيمان بالبعث والحساب وغيرها من أصول
الإيمان وشرائع الإسلام، وذلك لإغراقهم في البداوة وعدم المعرفة بالدين وعدم
التحضر.
ولم يكن هذا قاصراً على إقليم دون غيره
أو قبيلة دون غيرها، بل هذا وضعٌ عام كما تدل عليه الشواهد التاريخية والنصوص
المنقولة عن تلك القرون.
وإذا كان المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر قد
نقل لنا في سوابقه شواهد كثيرة ومؤلمة عن الأوضاع السياسية في جزيرة العرب من
القرن التاسع الهجري حتى نصف القرن الثاني عشر، فإن الشيخ حسين بن غنَّام قد نقل
لنا صورة أخرى معتمة عن الحال الدينية في البلاد العربية عامة، وفي الجزيرة
العربية بصفة خاصة، وخاصة منها ما يتصل بالعقيدة وما خالطها من مظاهر الشرك
وانتشار البدع وإلف الناس لذلك من غير نكير يذكر، فيما عدا قلة من العلماء يعرفون
الحق وانحراف الناس عنه ولكنهم لا يستطيعون تحمل تبعة الجهر بما يعتقدون، ويخافون
على أنفسهم من العامة والعلماء والأمراء.
يقول الشيخ حسين بن غنَّام في مستهل
حديثه عن حالة المسلمين قبيل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب: " كان أكثر
المسلمين في مطلع القرن الثاني عشر الهجري
قد ارتكسوا في الشرك وارتدوا إلى الجاهلية وانطفأ في نفوسهم نور الهدى
لغلبة الجهل عليهم واستعلاء ذوي الأهواء والضلال فنبذوا كتاب الله تعالى وراء
ظهورهم، واتبعوا ما وجدوا عليهم آباءهم من الضلالة، وقد ظنوا أن آباءهم أدرى بالحق
وأعلم بطريق الصواب فعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين أمواتهم وأحيائهم
يستغيثون بهم في النوازل والحوادث ويستعينون بهم على قضاء الحاجات وتفريج الشدائد
بل إن كثيراً منهم كان يرى في الجمادات كالأحجار والأشجار القدرة على تقديم النفع
والضرر، وقد زين لهم الشيطان أنهم ينالون ثواباً لتقربهم به إلى الله عزَّ وجل
" (9).
وقد أطال الحديث في ذلك وذكر أنَّه ليس
خاصاً بالجزيرة العربية، بل إن هذا الوصف عام لديار المسلمين فقال: " ولقد
انتشر هذا الضلال حتى عمَّ ديار المسلمين كافة" (10).
وبعد هذا الوصف المجمل لحالة الناس
قبيل قيام الدولة السعودية بدأ يذكر تفاصيل ما أجمله بذكر الأماكن التي كانت تقصد
في نجد لطلب تفريج الكرب وكشف النُّوَب وقضاء الحاجات ومنها:
1-
قبر زيد بن الخطاب في بلد
الجبيلة، وكان الناس يقصدونه يدعون لتفريج الكرب وكشف النوب.
2-
الموضع المعروف في الدرعية
بـ(قريوة) يزعمون أن فيها قبور بعض الصحابة فيعكفون على عبادتها.
3-
ما يزعمون من قبر ضرار بن
الأزور في شعيب (غبيراء) قال وكانوا يأتون فيه من المنكرات ما لا يعهد مثله(11).
4-
(بليدة الفداء)، حيث يكثر ذكر
الفحال وكانت تأتيه النساء والرجال
ويفعلون عنده أقبح الأفعال ويتبركون به ويعتقدون فيه، وأن المرأة كانت تأتيه إذا
تأخرت عن الزواج فتضمه بيديها ترجو أن يفرج عنها كربها وتقول (يا فحل الفحول أريد
زوجاً قبل الحول)(12).
5-
شجرة الطرفية: وكانت طوائف من
الناس تنتابها فيتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا ولدت المرأة ذكراً لعله يسلم
من الموت(13).
6-
غار في أسفل الدرعية: يزعمون أن
الله تعالى خلقه في الجبل لامرأة تسمى بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت
ودعت الله فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير فأجارها عن ذلك السوء، فكانوا
يرسلون لهذا الغار اللحم والخبز ويبعثون بصنوف الهدايا(14).
7-
رجلٌ اسمه (تاج)، قال سلكوا فيه
سبيل الطواغيت فصرفوا إليه النذور وتوجهوا إليه بالدعاء واعتقدوا فيه النفع والضر
وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجاً، وكان هو يأتي إليهم من بلد الخرج إلى
الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور
والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة جميعهم يعتقدون فيه اعتقاداً عظيماً فخافه
الحكام، وهاب الناس أعوانه وحاشيته فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، إلى أن قال:
وزعموا أنَّه أعمى وأنه يأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده وغير ذلك من
الحكايات والاعتقادات التي ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم(15).
ولم تكن هذه المظاهر الشركية خاصة
بمنطقة نجد وحدها، بل هي ظاهرة موجودة في عرض البلاد الإسلامية وطولها، فقد ذكر
الشيخ حسين بن غنَّام في تاريخه مثل هذه المظاهر وأكثر في الحرمين الشريفين وجدة
والطائف فقال: " وأما ما يحصل الآن في الحرم المكي الشريف- زاده الله تشريفا- فهو يزيد عن غيره كثيراً ففي تلك
البقاع المطهرة تأتي جماعات الأعراب من الفسوق والضلال والعصيان ما يملأ القلب
أسىً وحزنا، فلقد انتهكت فيه الحرمات والحدود وكان لأهل الباطل فيه جولات"(16)،
ثم أخذ بعد هذا الكلام العام يذكر بعض النماذج المحددة والمشاهد المسماة، وما يفعل
العامة عندها من مظاهر الشرك والبدع والخرافات مثل:
ما يفعل عند قبة أبي طالب، وقال:
فصاروا يأتون قبره بالسماعات والعلامات يستغيثون به عند حلول المصائب ونزول
الكوارث(17).
وكذا ما يفعل عند قبر المحجوب، قال:
فكانوا يعظمون أمره ويحذرون سره ويلتمسون عنده الشفاعة لتغفر ذنوبهم، فإن التجأ
متعدٍ أو سارقٍ أو غاصب مالٍ إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحدٌ بما يكره ولا
يتوصل إليه عقاب(18).
1-
ما يفعل عند قبر ميمونة بنت
الحارث أم المؤمنين-
رضي الله عنها- في سَرِف، وعند قبر خديجة- رضى الله عنها- في المعلاة من اختلاط النساء بالرجال
وفعل الفواحش والمنكرات وارتفاع الأصوات عندهما بالدعاء والاستغاثة وتقديم القربة
مما لا يسوغ لمسلم أن يبيحه ويحله فضلاً عن أن يرى فيه قربة يدرك بها أجراً وفضلا(19).
2-
ما يأتون أيضاً عند قبر عبدالله
بن عباس- رضي الله عنهما- في الطائف من الأمور التي تشمئز منها نفس الجاهل فكيف بالعالم، فيقف عند قبره
المكروب والخائف متضرعاً مستغيثاً، وينادي أكثر الباعة في الأسواق (اليوم على الله
وعليك يا بن عباس) فيسألون الحاجات من غير أن يزجرهم أحد أو ينكر عليهم ما صنعوا.
3-
ما يفعل عند قبره e من الأمور العظيمة المحرمة كتعفير الخدود والانحناء والسجود
خضوعاً وتذللاً واتخاذ ذلك القبر عيدا.
4-
ما يفعل عند قبر (حمزة) وفي
البقيع وقباء، وقال: إنه يكلُّ اللسان عن وصف ما يفعل عندها ويعجز القلم عن بيانه
مهما يكتف بذكر القليل منه.
أما في جدة فقد قال فيها قد عمت البلوى
وبلغ الضلال والفحش غايةً ما بعدها غاية، ففيهـــا:
1-
قبرٌ طوله ستون ذراعاً عليه قبة
يزعمون أنه قبر (حواء) وضعه بعض الشياطين من قديم وهيأه وسواه فيجبي عنده السدنة
من الأموال كل سنة ما لا يكاد يخطر على البال ولا يدخل إنسان ليسلم على أمه إلا
وعجل بتقديم الدراهم.
2-
معبد يسمى (العلوي)، قال فاقوا
في تعظيمه جميع الخلق ، وأربوا في الغلو فيه على جميع ما ذكرنا فلو دخل قبره سارقٌ
أو غاصب أو قاتل لم يعترضه مؤمن ولا فاسق بمكروه.
أما اليمن فهي الأخرى فيها من الأضرحة
والمشاهد التي تقصد لجلب النفع ودفع الضـــــرر مثل غيرها من بلدان العالـــم
الإسلامي، وعن ذلك يقول الشيخ حسين بن غنَّام: " وأما ما يفعل في بلدان اليمن
من الشرك والفتن فأكثر من أن يستقصي، ثم بدأ يعدد القبور والمشاهد التي تقصد في
ربوع اليمن، وذكر منها:
1-
قبر (الهادي) في شرق صنعاء
يغدون عليه جميعاً ويروحون، يدعونه ويستغيثون به فتأتيه المرأة إذا تعسر عليها
الحمل، أو كانت عقيماً فتقول كلمةً عظيمةً قبيحة.
2-
قبر ( البرعي) عند أهل برع، وهو
رجلُ يرحل إلى دعوته كل دانٍ وقاص، ويؤتى إليه من مسيرة أيام وليالٍ لطلب الإغاثة
وشكاية الحال، ويقيمون عند قبره للزيارة ويتقربون إليه بالذبائح، كما حقق أخباره
من شاهدها عيانا.
3-
قبر(ابن علوان) عند أهل الهجرية
ومن جاورهم وحذا حذوهم، يلجأون له كلما جزَّ بهم أمر ويسميه بعضهم (منجي
الغارقين).
4-
قبر الشيخ(صديق) في الحديدة: لا
يركبون البحر ولا ينزلون البر حتى يجيؤوا
إليه.
وما يوجد في نجد والحجاز واليمن يوجد مثله في حضرموت وبلدان الساحل،
يقول الشيخ حسين بن غنام في تاريخه صفحة 20: " وأما حال (حضرموت) و(يافع)
و(عدن) فقد ثوى فيها الغي وطمى الفساد وعندهم (العيدروس) يفعل عند قبره من السفه والضلال ما يغني مجمله
عن التفصيل" .
وقال: " وأما أهل (اللحية) فعندهم
(الزيلعي) وهم يسمونه (الشمس) لأن قبره مكشوف ليست عليه قبة، وكانوا يصرفون إليه
النذور جميعها، وقد بلغوا أقصى الجهل والضلال والبغي في تعظيمه ودعوته ".
وعندهم قبر (رابعة)، وهو مشهور ولا
يحلفون إن أرادوا الصدق في اليمن إلا بها.
وأما بلدان الساحل فعندهم من ذلك شيء
كثير فعند أهل مخاء قبر (علي بن عمر الشــــاذلي) انصرف أكثرهم إلى دعوته
والاستغاثة به، يقصدون قبره زرافاتٍ ووحدانا لا تفتر ألسنتهم عن ذكره ... الخ.
وقال عن نجران: " وعندهم الطامـــة الكبرى والمعضلة الجسيمة في
أراضي نجران وما يليها من البلاد وما حولها من الأعراب فلقد أتوا من تعظيم الرئيس
المسمى عندهم (السيد) المتقدم في رياستهم وسياستهم والمتصرف في جميع شؤونهم ...
الخ ما أفضى إلى الضلال والإلحاد".
وما كانت حالة المسلمين خارج جزيرة
العرب بأحسن من حال أهل الجزيرة في الناحية الدينية، بل إن مظاهر الشرك والبدع
والضلالات فيها ظاهرة وكان فيها ما هو مثله وأشد منه، مع أنها كانت مراكز الخلافة
وحواضر العالم الإسلامي وفي مركز القيادة والاقتداء في هذه الأمة مثل مصر والشام
والعراق وغيرها.
وفي هذا يقول المؤرخ الشيخ حسين بن
غنام- ص 18-
تحقيق ناصر الدين الأسد: " وأما ما في بلدان مصر وصعيدها من الأمور التي
ينـزه المرء نفسه عن ذكرها وتعدادها خصوصاً عند قبور العلماء والعباد كما ذكرها
الثقات في نقل الأخبار، فأكثر من أن يحصى، فمنها أنهم يأتون قبر أحمد البدوي وقبور
غيره من العباد والزهاد والمشهورين بالخير فيستغيثون ويندبون ويسألونهم المدد000
الخ ".
والشام وهي مركز الخلافة الأموية
الفاتحة ومركز العلم فقد ضلعت في هذه المخالفات وظهرت فيها مظاهر الشرك والبدع،
وفي وصفها يقول الشيخ حسين بن غنام-
في تاريخ نجد، تحقيق ناصر الدين الأسد، ص 21-:
" وأما ما في حلب ودمشق وأقصى الشام وأدناه فيفوق الوصف ويتجاوز الحصر، كما
يذكر من شاهده، فقد بلغ أهل تلك البلاد من العكوف على عبادة القبور وتقديم
القرابين والنذور إليها والمجاهرة بالفجور والفسق ووضع الخراج على البغايا وأخذ
المكوس منزلةً لا يوقف لها على حد".
والعراق وهي مقر الخلافة الإسلامية في
العهد العباسي لمئات السنين، ومركز من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي لم
تسلم من هذا البلاء الذي أصاب هذه الأمة في القرون المتأخرة التي نتحدث عنها، بل وجد
فيها من مظاهر الشرك والانحراف مثل ما وجد عند غيرها وأكثر، وفي هذا يقول الشيخ
حسين بن غنام في تاريخ نجد: " وفي الموصل وبلاد الأكراد وما يليها وفي العراق
وخاصة بغداد والمشهد من المنكر ما لا يحتاج إلى بيان ".
فالناس هناك يؤمون قبور الإمـــام أبي
حنيفة ومعـــروف الكرخي والشيخ عبدالقـــادر-
رضي الله عنهم- ، ويتوجهون إليهم بالدعاء والاستغاثة
وهم يبكون ويتضرعون ويظهرون من التعظيم والخضوع أعظم مما يتوجهون به إلى الله في
الصلاة، وما ذلك إلا لاعتقادهم بأن كل ذلك وسيلة ناجعة.
ثم قال: " ومثل ذلك ما يفعل عند
مشهد الكاظم ومشهد الحسين من الشرك المنكر
والكفر القبيح فشبَّ عليه الأطفال وشاب عليه الرجال من الجهال حتى لا يكاد يسمع
بين هؤلاء الضالين ذكر الله، وإنما ديدنهم ترديد ذكر علي والحسين وبقية الآل
".
ثمَّ ختــــم الشــــيخ حسين بن غنام
حديثه عن حالـــــة العالم الإسلامي قبيل قيام الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالدعوة
وما ذكره من مظاهر الشرك والبدع التي عمت العالم الإسلامي في تلك الفترة من
التاريخ وذكر أمثلة لها فقال: " وكفى بما ذكرناه من حجة عليهم في خروجهم عن
الإسلام فقد غلوا فيه وأتوا من الشرك أعظم مما فعل النصارى بالمسيح ص22 ... الخ
".
ولا شك في أن الشيخ المؤرخ حسين بن
غنام وغيره من مؤرخي دعوة الإصلاح في قلب الجزيرة العربية حين يطلقون الشرك والكفر
على من يمارس هذه الأعمال المنكرة عند قبور الصالحين والأولياء أنهم لا يقصدون
تكفير عموم المسلمين في العالم الإسلامي بهذه المظاهر ، كما قد يتبادر إلى ذهن بعض
الشدات في العلم ، وإنّما كانوا يقصدون
تكفير من يفعل هذه الأفعال الشركية فعلاً بعد أن يعلم حكمها الشرعي ، ويصر على
ممارستها مخالفاً بذلك الأدلة، وليس كل الناس يمارسون هذه المظاهر والأفعـــال
والأقوال الشركيـــــة ، ولا كلهم يقر من يفعلها ، ومن يمارسها من العامـــة لا
يعرفون حكمها الشرعي، ومن عرف حكمها ثم أصر على فعلها جاز تكفيره وتنفيره من
المنكرات الحادثة في حياة المسلمين، ، وهذا الصنف الأخير هو المقصود بما في كلمات
هذا المؤرخ وغيره من المؤرخين والدعاة في إطلاق كلمة الكفر والشرك على من يمارس
هذه الأفعال الشركية والكفرية فالأفعال شركية والفاعل مشرك إذا علم الحكم وأصر على
فعله أو أقره أو دافع عن فاعليه.
ولهذا فإن الشيخ محمد بن عبدالوهاب- رحمه الله-
يقول في رسالته إلى الشيخ عبدالرحمن السويدي في العراق: " وأما التكفير فأنا
أكفر من عرف دين الرسول e ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه
وعادى من فعله، فهذا الذي أكفره وأكثر الأمة والحمد لله ليسوا كذلك " .
هذا كما أن الجزيرة العربية وغيرها
تتكون من بادية تعيش متنقلة في الصحراء تبعاً للكلأ والمرعى والماء ، لا يستقرون
في موطن ، ولا يوجد لديهم مدارس ولا تعليم ولا أي وسيلة للتثقيف، يغلب عليهم الجهل
، ويندر فيهم العلم ، ويجهلون أساسيات الدين وما يعلم منه بالضرورة.
ومن حاضرةٍ تقيم في البلدان بصفة دائمة
ويوجد لديهم مدارس ومراكز تعليم وهم على أثارة من علم وإن اختلفت درجة العلم قلةً
وكثرةً من بلدٍ إلى آخر.
ويقع الخطأ في النقل والحكم إذا أطلق
على كل السكان في الأقاليم حكمٌ واحد هو ما تكون عليه البادية والعرب الرحل،
والتحقيق يقتضي التفريق وإعطاء كل شريحةٍ من شرائح المجتمع الوصف المناسب لها بلا
خلطٍ ولا مبالغة، ولهذا فرَّق الشيخ محمد بن عبدالوهاب بين البادية والحاضرة في
قوله: " من المعلوم عند الخاص والعام ما عليه البوادي أو أكثرهم فإن كابر
معاندٌ لم يقدر على أن يقول إن عنيز وآل الظفير وأمثالهم كلهم مشاهيرهم والأتباع
إنهم مقرون بالبعث ، ولا يشكون فيه ، ولا يقدر أن يقول إنهم لا يقولون إنَّ كتاب
الله عند الحضر وإنهم عايفينه، متبعون ما أحدث آباؤهم مما يسمونه الحق ويفضلونه
على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من مائة
ناقض " (20).
وهذا النص من رسالة الشيخ محمد بن
عبدالوهاب يخاطب به علماء عصره الذين يعرفون حالة الناس في الجزيرة العربية ولو
كان ما يقوله غير واقع في الناس لرفض الناس قوله وأنكروا عليه حصول ما ذكره، ولكن
جواب معاصريه من أعدائه وخصومه كان أنه لا يضر هؤلاء الناس ما ذكره ما داموا
يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذه الكلمة تحميهم من الكفر ولو
فعلوا كل ما ذكر.
هذه صــــورة مجملة عما كانت عليه حالة العالم الإسلامي عامة قبيل دعوة
الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية وميلاد الدولة السعودية في جزيرة العرب خاصة،
وهي صورة مؤلمة ومحزنة لما فيها من مظاهر التخلف وإهمال الشرع وعدم استعمال العقل
وهذه أهم المبررات لقيام دعوة الإصلاح
والتجديد في نجد وقيام الدولة السعودية.
لم تكن الجزيرة العربية في العصر
الجاهلي ولا في صدر الإسلام بأقل من غيرها من الأقاليم الإسلامية في مواردها
الاقتصادية والتجارية، بل كانت تعد من أغنى بلاد الله بالحبوب والتمور وتصدير
المواشي وغيرها، وقصة كلٍ من أعشى قيس مع كفار قريش، وثمامة بن أثال مع النبي e ، وهما من أهل اليمامة تدلان على مكانة اليمامة الاقتصادية وأن
منع بيع حبوب اليمامة وتمورها من أهم أسلحة المقاطعة الاقتصادية المؤثرة، كما أن
قصة يحيى بن طالب الحنفي صاحب حجيلاء اليمامة وهروبه إلى العراق في العهد العباسي
من الديون التي ركبته بسبب المداينة مع السلطان كما تقول بعض الروايات ويؤيدها قول
يحيى بن طالب نفسه في إحدى مقطوعاته الشعرية المؤثرة، إ ذ يقول:
مداينة السلطان باب مذلةٍ وأشبه
شيءٍ بالقناعة والفقر.
ويذكر بعض الرواة أن يحيى بن طالب اتفق
مع الخليفة العباسي على بيع حبوب اليمامة للخليفة فجمع ما أمكنه شراؤه من مزارعي
أهل اليمامة في وادي (قرقري) وبيعها للسلطان مؤجلة القيمة ،فلما حلَّ الأجل تأخر
السلطان في الوفاء فأحرجه أصحاب الحقوق فخرج فاراً بنفسه إلى بغداد وقد تجاوز
الستين من عمره ولم يكن يعرف له قبل ذلك شيء من الشعر ثمَّ إنه في غربته أطلق
قصائد وجدانية مؤثرة حتى كانت حديث المجالس في بغداد، بل في دار الخلافة حتى غنى
بإحدى هذه المقطوعات أحد المغنين أمام الخليفة هارون الرشيد فسأل عن صاحب هذه
المقطوعة فذكر له اسمه وقصته فطلبه فلم يجده في بغداد وأحيط بأنه سافر إلى مرو
فكتب إلى واليه في مرو بأن يقضيه دينه ويرحله إلى بلده فلما بحث عنه والي مروا وجد
أنه قد مات فيها.
فالجزيرة العربية معروفة بوفرة إنتاجها
وكثرة خيراتها وخصوبة مراعيها وحسنها ، ووفرة إنتاجها الحيواني، مع توافر المياه
العذبة والأودية الخصيبة والواحات الخضراء والرياض الغناء والأراضي الواسعة ذات
النباتات المتنوعة، وكانت تلك الموارد
الطبيعية تعطي عطاءً جيداً في ظل الأمن والاستقرار وأمن السبل وتوافر وسائل العرض
والطلب.
ولما ساءت الأوضاع السياسية، وتفرقت
كلمة الأمة واضطرب حبل الأمن في كثير من أجزاء الجزيرة العربية، وحل الخوف محل
الأمن، والتنازع محل الإخاء، وقامت الفتن بين كل قبيلة وأختها وكل بلدة وجارتها،
بل وجدت الفتن والاقتتال داخل القبيلة الواحدة والأسرة الواحدة في البلد الواحد.
نتج عن هذا الاختلال كله تدهور في
الموارد المالية، وتخلف شديد في الاقتصاد، وساءت الأحوال إلى درجة خطيرة أذنت
بخراب الحياة وانحلا ل عقد نظامها، مما أضطر بعض السكان إلى الهجرة من قلب نجد إلى
البلدان المجاورة طلباً للعيش، وهروباً من الأوضاع التي سادت في الجزيرة العربية
قبيل قيام الدولة السعودية في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري.
ويمكن إرجاع مجمل أسبـــاب تدهور
الحيـــاة الاقتصادية في نجد وقلب جزيرة العرب إلى أسبـــاب من كسب الإنســـان،
وأخرى سماوية لا يد له مباشرة في حدوثها، وإن كانت بسبب المعـــاصي كما قـــال تعالى: { !$tBur Nà6t7»|¹r& `ÏiB 7pt6ŠÅÁ•B $yJÎ6sù ôMt6|¡x. ö/ä3ƒÏ‰÷ƒr& (#qàÿ÷ètƒur `tã 9ŽÏWx. }.
أما الأسباب التي هي من فعل الإنسان المباشر فهي:
أولاً: انعدام
القيادة السياسية الموحدة التي تقوم على شؤون الأمة في رعاية مصالحها وحفظ أمنها
وتنظيم شؤون معاشها وحراسة دينها والاكتفاء بمجرد التبعية العامة للخلافة
العثمانية التي لا تعنى سوى وضع يدها عليها مع إهمال كل شأن من شؤونها.
وقد تولد عن هذا الوضع السياسي العام
أوضاع شاذة بكل المعايير منها:
1-
انقطاع السبل
فلم تعد الطرق بين البلدان آمنةً، ولا التنقل بينها سهلاً، بل إنه محفوف
بالمخاطر والنهب والسلب والقتل، وأصبح قطع الطريق مهنةً يتكسب بها بعض الناس
ويعيشون عليها ،وعرف في نجد ما يسمى بـ(الحناشل) جمع حنشلي وعملهم أشبه بفعل الصعاليك
في الجاهلية الأولى بل أحط، وهم عبارة عن مجموعات صغيرة أو أفراد مسلحين يترصدون
للناس في الليل والنهار في الأماكن التي يختارونها لفرائسهم، فيأخذون المال
ويقتلون من يقاومهم عن شيء من ذلك مما يضطر الناس إلى التنقل خفية مع الطرق غير
المعروفة أو بشكل جماعي واستعداد كبير.
2-
اختلال الأمن ، واضطراب حبله ، وقيام الفتن بين
الناس وعدم وجود الوازع الذي يكف الناس
بعضهم عن بعض ويأخذ للمظلوم من ظالمه ، وظهور العصبيات المقيتة ، وتأصل
وجود الثارات ، والرغبة في الانتقام ، واعتبار ذلك هو السبيل الوحيد لحفظ الحقوق
والذب عن الحمى، وما أسلفنا الحديث عنه في الحالة السياسية في هذه الفترة غني
بالأدلة على ذلك وكافٍ عن الإعادة.
3-
الغارات والمغازي المحلية: ففي ظل الظروف
السياسية التي وصفنا من قبل أصبحت الغارات والمغازي المحلية ظاهرة بارزة في الحياة
الاجتماعية في جزيرة العرب، إذ صارت كل قبيلة عربية ترى أن من حقها أن تغزو قبيلة
عربية أخرى من جيرانها أو من غيرهم، ويستحلون في هذه المغازي الأموال والدماء ،
ويشاد بالغالب فيها ، ويذمَّ المغلوب ، وتعتبر هذه الغارات من أهم طرائق الكسب، بل
كان الحاضرة مع جيرانهم يفعلون ذلك ويتكرر منهم، وتغير البادية على الحاضرة ،
وهكذا في صراع ليس له أول ولا آخر، وصار التقاتل والثارات والغارات بين شرائح
المجتمع الواحد سمة بارزة في الحياة في جزيرة العرب مما أسرع في انكماش الزراعة
والصناعة والتجارة وغيرها من وسائل الكسب المشروع وإحلال النهب والسلب محل ذلك، فساءت
الأحوال وتدهورت الحياة الاقتصادية إلى درك سحيق.
ومن تأمل سوابق المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر- رحمه الله-
وجد فيها صوراً كثيرة لما ذكرنا منه.
فيقول- رحمه الله-
في سوابقه : " وفي سنة اثنتين وسبعين وألف هجرية سار عبدالله بن معمر أمير
العيينة إلى القرية المعروفة بالبير في المحمل ومعه عسكرٌ كثير وفيهم الشيخ القاضي
سليمان بن علي وغيره من الأعيان، وذلك أن أهل البير أخذوا قافلة من اللباس لأهل
العيينة لأن رئيسها عبدالله المذكور أخذ
لهم إبلاً من سوائبهم فأخذوا القافلة لأجلها فسار إليهم ليسطو عليهم فلما
وصل إلى البير بجنوده جعل السطوة وأهل النجدة من قومه تحت جدار من جدران البير
فأراد الله سبحانه أن الجدار ينهدم على تلك السطوة فمات منهم خلقٌ كثير تحت الهدم،
قال: ومسير الشيخ وأمثاله معهم للإصلاح بينهم"(21).
وفي سابقة أخرى يقول ابن بشر رحمه الله: " وفي سنة إحدى عشرة وألف
وقعة (السبلة)، وهو موضع معروف في بلد الزلفي والدهناء، وهذه الوقعة على الظفير
من بني خالد، وذلك أن بني خالد ساروا
إليهم وقائدهم عبدالله بن تركي بن محمد بن حسين آل حميد فواقعوهم وصارت على الظفير
هزيمة وأخذوا عليهم نعماً كثيرة وقيل إنها بعد دخول السابعة(22).
4-
غارات الأشراف على نجد: وهي غارات كثيرة ومتعددة
ولا تعدو هذه الغارات أن تكون للحصول على مغانم مالية أو لتأييد شخص على غيره أو
فئة على أخرى ولكنها تجر دماراً على نجد وتزيد الأحوال السيئة سوءاً، وقد ذكر ابن
بشر في سوابقه "أنه في سنة سبع وخمسين وألف هجرية سار زيد بن محسن أمير مكة
على نجد ونزل الروضة البلدة المعروفة في سدير وقتل رئيسها محمد بن ماضي بن محمد بن
ثاري وفعل ما فعل من القبح والفساد وولى فيها رميزان بن غشام من آل أبي سعيد إلى
أن قال وفيها سار زيد بن محمد الشريف إلى نجد ونزل بنبان الموضع المعروف في العارض
وأخذ من أهل العيينة دراهم كثيرة وثلاثمائة جمل "(23).
ونقل ابن بشر في تاريخه عن العصامي " أنه في سنة ستة وثمانين
وتسعمائة هجرية سار الشريف حسن بن أبي نمي صاحب مكة على نجد وحاصر (معكال) المعروف
في الرياض ومعه من الجنود نحو خمسين ألفا وطال مقامه فيها وقتل فيها رجالاً ونهب
أموالاً وأسر منهم أناساً من رؤسائهم، وأقاموا في حبسه سنة ثم أطلقهم على أنهم
يعطونه كل سنة ما يرضيه وأمَّر فيهم محمد بن فضل انتهى" (24).
وهذه الغارات التي يشنها أمراء مكة على نجد لها تأثيرها المباشر على
الحالة الاقتصادية في هذه الناحية التي هي من قبلها تعيش تدهوراً شديداً فتكون بها
كضغثٍ على إبالة.
5-
غارات بني خالد من الأحساء، وهي غارات كثيرة
أكثر من غارات إمارات مكة وأكثر تأثيراً لتكرارها وتواصل آثارها لا سيما بعد
1080هـ إلى قيام الدولة السعودية، وفي هذا ينقل ابن بشر في سوابقه: " أنه في
سنة إحدى وثمانين وألف ظهر براك بن غرير
ابن عثمان بن مسعود بن ربيعة آل حميد صاحب الأحساء وطرد الظفير وأخذ آل
نبهان من آل كثير على بلد آل سدوس "(25).
وذكر في سابقته عام ثلاثة وتسعين وألف:
" مات براك بن غرير بن عثمان رئيس آل حميد وبني خالد وتولى بعده أخوه محمد
وصال على أهل اليمامة" (26).
وفي سابقة أخرى قال ابن بشر: "
وفي سنة ست وعشرين ومائة سار سعدون بن محمد آل غرير وعبدالله بن معمر وأهل العارض
وقصدوا اليمامة ونازلوا أهلها ونهبوا منها منازل "(27).
فكانت هذه الغارات والغزوات والحملات
على نجد من أسباب إضعافه وتدهور الحياة الاقتصادية وتقلص الرقعة الزراعية فيه، وإنهاك التجارة
والصناعات وإضعاف المهن وتضييق موارد الرزق وحصول المجاعات وتفشي الأمراض وفقدان
الرعاية الصحية والاجتماعية وغيرها.
ثانياً: آفات سماوية ليس للإنسان فيها سبب مباشر وذلك مثل:
أ- الدهر وقلة الأمطار
ونضوب المياه وموت المواشي، وقد حدث هذا وتكرر في جزيرة العرب فأسهم في إضعاف
الناس في الحياة الاقتصادية، ومن ذلك ما ذكره ابن بشر في سوابقه بقوله: " وفي
سنة ستٍ وسبعين وألف هجرية، هذه السنة هي
أول المحل والوقت المشهور بصلهام الذي هلك فيه البوادي وماتت مواشيهم كعدوان
وغيرهم، وقال ثم استمر الغلاء والقحط في السنة وهلك أكثر(هيتم) وبعض أهل
الحجاز" (28).
كما نقل ابن بشر في سوابقه أنه " في سنة سبع وثلاثين ومائة وألف
والمحل والقحط والغلاء إلى الغاية في هذا الوقت الشديد المسمى(بسحى) ومات أكثر
الناس جوعاً وفي التي قبلها ومات أكثر بوادي حرب وبوادي الحجاز وغلا الزاد في
الحرمين حتى لا يوجد ما يباع وأكلت جيف الحمير " (29).
ب-
آفات الجراد والدباء: وهو من أخطر الآفات التي
تتعرض لها المزروعات في الجزيرة العربية وتؤثر عليها تأثيراً بالغاً في الزروع
والثمار وإضعاف المراعي وتسبيب الجوع والغلاء وتضييق موارد الرزق، وقد تكرر ظهور
هذه الآفة في فترات من تاريخ الجزيرة العربية
أسهم في إضعاف وضعها الاقتصادي والتجاري.
وعن
ظهور هذه الآفات في بعض تلك الأزمنة التي نتحدث عنها يقول ابن بشر في سوابقه:
" وفي سنة سبعين وألف هجرية
ظهر جراد كثيرٌ في أرض الحجاز ،ثم أعقبه الدباء أكل جميع الزروع والأشجار وحصل
بسببه غلاءٌ بمكة وغيرها وأرخه بعضهم بقوله: غلاءٌ وبلاء ".(30)
وفي سابقة أخرى يقول ابن بشر: " وفي سنة سبعٍ وثمانين وألف كثر
الجراد وكثر موت الناس من أكله من شدة القحط والغلاء والجوع وهي منتهى الوقت
المعروف بجرادان ، وجلا فيها مانع بن عثمان وآل حديثة وذريته أهل (القارة)
المعروفة في سدير وقصدوا الأحساء ".(31)
ج-
البرد والسيول والرياح: والبرد - بفتح الباء والراء - والسيول الجائرة والرياح العاصفة تمثل
في بعض السنين كوارث طبيعية تؤثر على الزروع والثمار والمواشي وغيرها من الأموال والممتلكات،
وقد ذكر ابن بشر في سوابقه أنه: " في سنة إحدى وتسعين وألف هجرية وقع بمكة
سيلٌ عظيم أغرق الناس، قال العصامي في تاريخه: وأخرب الدور وأتلف من الأموال ما لا
يحصر وأغرق نحو مائة نفس وهدم نحو ألف بيت وعلا على مقام إبراهيم وعلى قفل باب
الكعبة وشاهدت وأنا على باب المسجد النافذ على البيت الشريف، والماء ملأ الطريق
وهو يكون في المسجد وأقطار من الجمال عليها الركبان دهمها السيل ورأيت الماء وصل
من الجمل وهو قائم منخره ثم زاد واقتلع القطار بما عليه وسبح بعض الجمال حتى
المنبر فارتفع عليـــه" (32).
كما ذكر ابن بشر في سابقةٍ أخرى "
أنه في تمام المائة بعد الألف نزل مطرٌ فيق وبردٌ شديد وجمد المطر فوق أعساب
النخيل وغيرها حتى على أهداب عيون الإبل وسميت سنة سليسل "(33).
وفي مجـــال كوارث الرياح والعواصـــف
يقول ابن بشر في سابقةٍ تاليــة: " إنه في سنة ثمانٍ وتسعين وألف، وقع فيها
ريحٌ عاصف رمت من نخيل الحوطة المعروفة في سدير ألف نخلــة "(34).
كما ذكر في سابقةٍ رابعة في سنة اثنين
وعشريــن ومائــــة وألف قال: " أنزل الله برداً -
بفتح الراء- وأذهب زروع (ملهم) وهبَّ ريحٌ شديدة
تكسَّر منها نخيلٌ كثيرة في البلدان وهدمت قصر (رغبة)" وقال: " وفيها
أنزل الله سيلاً وسحباً أغرق منزلتهم وهدم البيوت والمساجد وأوقع الله برداً
بإسكان الراء أهلك من الزروع ما كان في سنبله"(35).
د-
جفاف الآبار: وهو عادةً يكون
أثراً من آثار تتابع تأخر المطر وعدم نزول الغيث أو نزوله بكميات قليلة وكثيراً ما
تتعرض الجزيرة العربية لذلك فتجف الآبار وتقل الثمار وتحصل المجاعات والغلاء، وقد
ذكر ابن بشر شواهد على ذلك في سوابقه فقال: "وفيه- أي سنة ثمانٍ وعشرين ومائة وألف هجرية- غارت الآبار وغلت الأسعار ومات مساكين
جوعاً إلى سنة إحدى وثلاثين "(36)، كما سبق أن
ذكرنا نصاً عن المجاعة التي حدثت عام سبعة وثلاثين ومائة وألف، وأنه مات أكثر
الناس جوعاً وفي التي قبلها مات أكثر بوادي حرب وبوادي الحجاز وأكلت جيف الحمير
".
هذه مقتطفات من سوابق ابن بشر كشواهد على كثير
من العوامل الطبيعية التي تضافرت مع العوامل التي هي من فعل الإنسان مباشرة ساعدت
على تدهور الحالة الاقتصادية والمالية والإنتاج الزراعي والحيواني وكساد التجارة
وبوار الصناعات وقد نتج عن هذا كله أمور عديدة من أهمها:
· حصول المجاعات الشديدة .
· تفشي الأمراض .
· هجرات من الجزيرة العربية إلى البلدان المجاورة .
· تقلص العلم وفشو الجهل وظهور العصبيات.
وقد وصف المؤرخ ابن بشر حالة أهل
الدرعية المادية عند قدوم الشيخ محمد بن عبدالوهاب إليها وأنهم كانوا في أشد
الحاجة وأضيق العيش فقال: " ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية واستوطنوها كانوا
في أضيق عيشٍ وأشد حاجة، ابتلوا ابتلاءً شديدا، فكانوا في الليل يأخذون الأجرة
ويحترفون، وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة، وأهل الدرعية
يومئذ في غاية الضعف وضيق المؤنة" (37).
فإذا كانت هذه حال أهل الدرعية وهم في
أخصب وادٍ وأحسن موقع لطلب الرزق بالوسائل التي كانت تتخذ لحصول الثمار والإنتاج
فما بالك بغيرها من البلدان والقرى التي هي أقل خصوبة وأضعف إمارة وأقل مجالات
للعمل والبحث عن العيش الكريم، ولهذا فعن الجزيرة العربية في هذه الفترة التاريخية
يصح أن يقال إنها تلد ولا تغذي.
الفصل
الرابع : بـواعث دعوة الإصلاح في نجد :
توافر لدعوة الإصلاح والتجديد في نجد
وقيام الدولة السعودية في العصر الحديث من الأسباب الكافية والبواعث الشديدة ما
مهد الطريق لظهورها ، وجعلها هي الحل الأفضل لكل المشكلات التي كانت تعيشها الجزيرة
العربية في تلك الفترة العصيبة والأوضاع السياسية والدينية والمعيشية التي تحدثنا
عنها في صدر هذا البحث ، والتي وصلت بالمجتمع العربي في جزيرته إلى أسوأ الحالات ،
وإلى انكماش العلم والتعليم وفشو الجهل والتقليد لما كان عليه الآباء والأجداد
وظهور العصبيات الجاهلية للجماعة والقبيلة والبلد والأسرة التي وصلت بالناس إلى أن
يضرب بعضهم رقاب بعض ، وتهيج النفوس بالثارات والانتقام ، وتنشأ المظالم على أيدي
الحكام الظلمة وضعاف العلماء الذين
يجارونهم في ظلم رعاياهم وفرض الأتاوات والضرائب عليهم ، وظهور مظاهر الشرك والبدع
والخرافات وغيرها من المعاصي وإنكار البعث والحساب وترك الصلاة والزكاة من بعض
البوادي والتهاون من الحاضرة في أداء فرائض الإسلام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن
الأرض لا تخلو من قائم لله،بحجته على الخلق بحمد الله، ففي هذه الأوساط التي تسود
فيها المظالم والمخالفات والبعد عن الدين الحق يوجد من علماء الأمة الإسلامية من يعرف الحق ويدعو إليه
ويبصر الناشئة به ولكنهم كانوا مغمورين وسط هذا الجهام العام الطام من الانحراف
والفوضى التي أصبحت مألوفة في الحياة العامة عند أغلب الناس وفي صفوف أكثر الفئات
تأثيراً في الحياة من الأمراء الظلمة وعلمائهم الذين يجارونهم فيما يفعلون أو
يزينون لهم ما يفعلون برعاياهم، وقد ذكرت لنا النصوص التاريخية نماذج من هؤلاء
العلماء بل من هذه المدارس العلمية المنتشرة في الجزيرة العربية التي اتصل بها
إمام الدعوة الإصلاحية في نجد الشيخ محمد بن عبدالوهاب في مراحل تعليمه في نجد وفي
رحلاته العلمية في أطراف الجزيرة العربية، فقد أخذ مبادئ العلوم الشرعية عن والده
وأشياخ بلده ثم رحل في طلب العلم والتقى بالعلماء في الحرمين الشريفين والشام
والعراق والبصرة والأحساء ثم عاد إلى بلده، وفي هذه الرحلة المباركة شاهد أوضاع
الناس في كل تلك الديار السياسية والدينية والمعيشية المتردية التي حفزته على
التفكير بجدية واحتساب للدعوة، وفي نفس الوقت التقى في هذه الرحلات أصحاب المدارس
الإصلاحية في جزيرة العرب ومنها:
1- مدرسة الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيف، من أهل المجمعة من إقليم
سدير، فقد نقل ابن بشر عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب-
رحمه الله- أنه التقى به في المدينة المنورة
فقال: " كنت عنده يوماً فقال لي: أتريد أن أريك سلاحاً أعددته للمجمعة، قلت:
نعم، فأدخلني منزلاً عنده فيه كتبٌ كثيرة وقال: هذا الذي أعددنا لها "(38).
فهذا النص يدل على أن هذا العالم منكرٌ
لما كان عليه عامة الناس في نجد، وأنه صاحب دعوة إلى الحق ، وأنه قد حصل له مع
المنحرفين ممن يدعون العلم بحثٌ ومناوشات في مسائل العقيدة ، وإنه إنما جاء
للمدينة المنورة للتزود منها بالعلم النافع والكتب الموثوقة وإنه مصممٌ على العودة
إلى المجمعة لإقامة الحجة على المعارضين له في دعوته، وهذا طالب علم وصاحب دعوة لا
بد له من تلاميذ وأتباع وإن كانوا مغمورين.
2- مدرسة الشيخ محمد حياة السندي : أحد علماء المدينة المنورة
وصاحب المدرسة الإصلاحيــة التجديديـــة، " ويذكر ابن بشر- رحمه الله-
" أن الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيـــف أخذ الشـــيخ محمد بن عبدالوهــاب
وهو في المدينة المنورة وذهب به إلى الشيخ العلامــة محمد حياة السندي المدني
فأخبره بالشيخ محمد وعرفه بأهله فأقام عنده الشيخ وأخذ عنه"(39).
وكان علامة المدينة الشيخ محمد حياة
السندي صاحب مدرسة علمية تدعو إلى التوحيد الخالص وتنكر وتحارب ما عليه الناس في
زمانهم من مظاهر الشرك والبدع والخرافات السائدة عند عامة الناس في جزيرة العرب
وفي عامة العالم الإسلامي، يقول ابن بشر: " ويحكى أن الشيخ محمد وقف يوماً
عند الحجرة النبوية عند أناسٍ يدعون ويستغيثون عند حجرة النبي e فرآه محمد حياة فأتى إليه فقال الشيخ ما تقول في هؤلاء قال: إن
هؤلاء متبرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون" (40).
فاتصال الشيخ محمد بن عبدالوهاب بعالم
المجمعة الشيخ عبدالله بن سيف وذهابهما معاً إلى العلامة الإمام محمد حياة السندي
والأخذ عنه، كل هذه الخطوات تدل على أن
هناك توافقا فكريا ومحبة روحية تجمعهم وتوحد كلمتهم وكلهم طلاب علمٍ ورؤساء مدارس علمية لهم طلاب ورواد يعرف بعضهم
بعضاً بالذكر والتسامع والالتقاء على مشرب دعوي واحد.
3-
مدرسة الشيخ المجموعي: من أهل المجموعة، قرية من
قرى البصرة، وهو صاحب مدرسة علمية تدعو إلى التوحيد الخالص وتنكر ما عليه كثير من
الناس من مظاهر الشرك والبدع وهو على قدر كبير من العلم حيث يؤمــه طلاب العلم من
كثير من البلاد الإسلاميـــة، وقـــد تتلمذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب على هذا الشيخ
الجليل وانتســـب إلى مدرسته العلمية وقد أظهر الإمــام محمد بن عبدالوهاب إنكاره
لما يفعل عند القبور والأضرحــــة فأيده واستحسن ما يقوله، يقول المؤرخ ابن بشـــر
في تاريخه عن الشيــخ محمد بن عبدالوهاب ورحلته في طلب العلم: " وتجهز إلى
البصرة يريد الشام فلما وصلها جلس يقرأ فيها عند عالم جليل من أهل (المجموعة)- قرية من قرى البصرة- في مدرسة فيها ذكر لي
أن اسمه محمد المجموعي فأقام مدة يقرأ عليه فيها وينكر أشياء من الشركيات والبدع
وأعلن بالإنكار واستحسن شيخه موقفه وقرر له التوحيد وانتفع بـــه" (41).
4- الشيخ عبدالله بن محمد بن عبداللطيف الأحسائي: ولما عاد
الإمام محمد بن عبدالوهاب من البصرة إلى الأحساء في طريقه إلى أهله في نجد اختار
النزول عند هذا العالم الجليـــل من علماء الأحساء لما يعرفه عنه من سلامـــة
العقيدة وموافقته فيما يقوم به من الدعـــوة إلى الله وتـــرك البدع ومظاهـــر
الشرك عند القبور، يقول المؤرخ ابن بشر: "وقصـــد الأحساء فلما وصل إليها نزل
على الشيخ العالم عبدالله بن محمد الأحســـائي" (42).
فهؤلاء العلماء الأربعة الذين عرفوا
بسلامة العقيدة ومعرفة الحق بدليله بينهم من التقارب والاتفاق على تقرير التوحيد
لطلابهم إنما يمثلون مدارس علمية وفكرية تجديدية تشد من أزر إمام الدعوة وتمثل
أرضية للانطلاقة الإصلاحية المطلوبة، وإذا كان التاريخ حفظ لنا أسماء هؤلاء
الأربعة فإن ما أهمله المؤرخون من أمثالهم أكثر من ذلك مما يمكن أن يقال عنها إنها
تمثل حركة فكرية نظرية اجتهادية تعبد الطريق إلى الدعوة الإصلاحية العلمية العملية
وتنميها وتهيئ لها أرضية النجاح وتعطيها البعد الفكري والنظري، ولهذا فإن الإمام
محمد بن عبدالوهاب لما جهر بدعوته استحسنها كثير من الناس، يقول المؤرخ ابن بشر:
" فلما صار ينكر هذه الأشياء واستحسن الناس ما يقول لكن لم ينهوا عما فعل
الجاهلون ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون "(43).
وثالث
البواعث:
مواهب
الشيخ الشخصية ، وصدق توجهه وعزمه على خوض المعركة مع مظاهر الانحراف والتخلف ورفع
راية التوحيد واستعداده لتحمل تبعات هذا العمل الخطير بعد أن تأهل بسلاح العلم
الشرعي ، وسعى جهده إلى توفير القوة السياسية التي تسانده ، والأرض التي ينطلق
منها ، والجماعة التي تؤمن بهذه الدعوة ، وتضحي في سبيل نجاحها ، والخروج بهذه
الأمة من ذلك النفق المظلم ، والأوضاع الشاذة ، فكانت هذه الدعوة وبها كانت الدولة
السعودية.
المبحث
الثاني : الفصل الأول : البيعة المباركة :
بعد أن عاد الإمام محمد بن عبدالوهاب
من رحلته في طلب العلم، وشاهد أوضاع المسلمين الدينية والسياسية والمعيشية في كثير
من الأقطار العربية داخل الجزيرة العربية وخارجها، وتزود بما استطاع من علم
الشريعة والتقى العلماء المحققين من أهل التوحيد في نجد والحجاز والعراق، عاد إلى
أهله في بلد حريملاء وواصل تعلمه وتعليمه للناس، وبدأ ينكر على الناس ما يفعل
الجهال عند القبور وأضرحة الصالحين، فاستجاب له عدد من الناس، وأنكر عليه
الأكثرية، واستمر في ممارسة إنكار المنكر والدعوة إلى التوحيد، وأعلن دعوته بعد
وفاة والده عام 1153هـ، فضاق بها بعض الناس فهمَّ عبيد من آل حميان في حريملاء
بقتله سراً، وتسوروا عليه جدار بيته ليلاً فعلم بهم أناسٌ فصاحوا بهم فهربوا، ثم
انتقل الشيخ بعدها إلى العيينة وأميرها يومئذ عثمان بن حمد ابن معمر فتلقاه
وأكرمه، فقرر له التوحيد وحاوله على نصرته ، ووعده الشيخ إن نصر هذه الدعوة بالنصر
والتأييد، فاستجاب له أمير العيينة، فأعلن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وتبعه أناس من أهل العيينة، ويقول: ابن بشر وابن غنام في تاريخيهما:
" إنه كان في العيينة أشجار تعظم وقبور تزار ويقام عليها قباب ومشاهد مبنية
على قبور الصحابة والأولياء ويفعل عندها ما لا يجوز فعله شرعاً فسعى- رحمه الله-
ومن معه وبمساعدة رئيس العيينة عثمان بن معمر لإزالة كل هذه المشاهد وفي مدة قصيرة
من إقامة الشيخ في العيينة أزيلت كل هذه المظاهر ولم يبق وثن في البلاد التي تحت
حكم عثمان بن معمر ".
وكان لحادثة أمره- رحمه الله-
برجم الزانية في بلد العيينة أثر تجاوز حدود نجد إلى الأحساء والحجاز وغيرها
استثير بها العلماء والحكام على الإمام ودعوته، وظهر بها أمره وخطورته وتصدى له
بعض العلماء في نجد بالإنكار عليه، ودار بينه وبينهم جدلٌ طويل، فلما أعياهم
الأمر، وظهر عليهم الشيخ في إجاباته استعدوا عليه سليمان آل محمد رئيس بني خالد
والأحساء وقالوا: " إن هذا يريد أن يخرجكم من ملككم ويسعى في قطع ما أنتم
عليه من الأمور ويبطل العشور والمكوس "(44).
فكتب أمير الأحساء إلى عثمان بن معمر
يأمره بقتله أو إجلائه عن بلده وشدد عليه وهدده كما يقول ابن غنام فأمر أمير
العيينة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالخروج من بلده فخرج-
رحمه الله- من العيينة في سنة سبع أو ثمان وخمسين
ومائة وألف إلى بلد الدرعية، وقد ترك في العيينة تلامذة أوفياء وطلاباً نجباء منهم
بعض أمراء أسرة آل معمر، فنـزل في الليلة الأولى كما يقول ابن غنام على عبدالله بن
سويلم ثم انتقل في اليوم التالي إلى دار تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم، يقول ابن
غنام فلما سمع بذلك محمد بن سعود قام من فوره مسرعاً إليه ومعه إخوانه ثنيان
ومشاري ، فأتاه في بيت أحمد بن سويلم ، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به عن نسائه
وأولاده ، ثم بدأ الحديث بين الإمامين بمعرفة حقيقة ما يدعو إليه الإمام محمد بن
عبدالوهاب ويطرح شروط الإمام محمد بن سعود على الإمام محمد بن عبدالوهاب، وانتهى
البحث والنقاش بالبيعة المباركة التي تمت بين الإمامين المجددين رحمهما الله
،وبإعلان قيام الدولة السعودية في قلب الجزيرة العربية التي كان لها الأثر العظيم
في إصلاح الحياة السياسية والدينية والاجتماعية وإنعاش الاقتصاد، وبعد جهود عظيمة
وجهاد متواصل وبذل لا مثيل له تشهد به كتب التاريخ وواقع الحياة في جزيرة العرب
حتى تحقق لها النصر، اعتبرت الدعوة الإصلاحية في جزيرة العرب هي رائدة الحركات
الإسلامية في العالم الإسلامي في العصر الحديث.
ويحسن في هذا المقام أن نورد النص
التاريخي الذي لخص هذه المحادثات وما دار فيها ونص البيعة التي تمت بين الإمامين
وقامت عليها الدولة السعودية من أول يوم في تاريخها المجيد، يقول المؤرخ حسين بن
غنام في ذلك بعد أن ذكر أن الإمام محمد بن سعود أمن الإمام محمد بن عبدالوهاب قال:
" فأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله e ، وما دعا إليه ، وما كان عليه صحابته - رضي الله عنهم- من بعده ، وما أمروا به وما نهوا عنه وأن
كل بدعة ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم
إخواناً، ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسول الله
e ، بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم، فلما تحقق الأمير
محمد بن سعود معرفة التوحيد وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا
شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه فأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد
لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن اشترط عليك اثنتين : نحن إذا قمنا في نصرتك
والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا
غيرنا، والثانية أن لي على الدرعية قانوناً آخذه منهم في وقت الثمار وأخاف أن تقول
لا تأخذ منهم شيئاً، فقال الشيخ: أما الأولى فابسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم،
وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها
".
فبسط الأمير محمد يده وبايع الشيخ على
دين الله ورسوله والجهاد في سبيله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر فقام الشيخ ودخل معه البلد واستقر عنده.
ثم إنه كما يقول ابن بشر رحمه الله:
" فلما استقر في الدرعية تسلل إليه شيعته الذين في العيينة ومن ينتسب إلى
الدين ومعهم أناسٌ ممن حولهم من البلدان لما علموا أن الشيخ استقر ومنع ونصر"
(45).
وأما عن وضع الناس في الدرعية عند قدوم
الشيخ محمد بن عبدالوهاب إليها فقد كانت سيئة جداً سواء من ناحية الجهل أو من جهة
ضيق العيش، وفي ذلك يقول المؤرخ ابن بشر: " ولما استوطن الشيخ الدرعية كانوا
غاية في الجهالة وما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر والتهاون بالصلاة والزكاة
ورفض شرائع الإسلام فتخولهم الشيخ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم أمرهم
بتعلم معنى لا إله إلا الله، قال: أمرهم بتعلم ثلاثة الأصول وهى معرفة الله بآياته
ومخلوقاته، ومعرفة الإسلام ومعرفة النبي e والإيمان برسالته وأن من أنكره أو شك
فيه فهو كافر" (46).
قال: " فلما استقر في قلوبهم
معرفة التوحيد بعد الجهالة أشرب في قلوبهم محبة الشيخ وأحبوا المهاجرين وآووهم
"(47).
هذا مجمل ما تم عمله في هذه المرحلة في
مجتمع الدرعية، وهي مركز تكوين القاعدة وتربية الجماعة المؤمنة بهذه الدعوة وهي
خطوة لا يمكن تخطيها في مجال الإعداد والتربية الجهادية القادمة.
أما في المحيط الخارجي فإن القيادة
الجديدة في الدرعية قامت بالكتابة لأهل البلدان تدعوهم إلى التوحيد، وترك الشرك
والبدع وشرح مبادئ الدين الحق وخصوا بهذه الرسائل الأمراء والرؤساء والقضاة وأهل
العلم والمشايخ وطلبوا منهم الاستجابة لهذه الدعوة والخضوع لسلطانها.
وانقسم الناس أمام هذه الدعوة بين
مستجيب ورافض يسخر منها ومن وإماميها ويرميهما بالجهل وعدم المعرفة وسخروا منها
واستهزؤا بها، فما زال الإمامان يواصلان الدعوة ويحتضنان أتباعها الراضين بها حتى
كثر عددهم وقويت شوكتهم.
ثم جاء الأمر بالجهاد للمعارضين لهذه
الدعوة وحض الناس على النهوض والانخراط في سلك المجاهدين في سبيل الله، فاستجاب
أتباعهم وعقدوا ألويته،ويذكر المؤرخ ابن بشر " أن أول جيش غزا على سبع ركائب
فلما ركبوها وأعجلت بهم النجائب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا
ركوبها فأغاروا قال أظنه على بعض الأعراب فغنموا ورجعوا سالمين " (48).
ولم يكن دور الإمام محمد بن عبدالوهاب- رحمه الله-
قاصراً على التعليم والدعوة والجوانب الشرعية بل كان يمارس هذه وغيرها من المهام
السياسية، فيقوم بما يعرف اليوم بعمل وزارة المالية ووزارة الإعلام والتعليم
ومستشار في وزارة الدفاع والداخلية واستمر على ذلك حتى كبرت سنه فتفرغ للعبادة بعد
أن استقرت الدولة السعودية واستوت على سوقها، رحم الله إمامي هذه الدعوة وحمداً لله على هذه البيعة المباركة.
الفصل
الثاني : مضامين الدعوة الإصلاحية :
لم تكن الدعوة الإصلاحية في قلب
الجزيرة العربية دعوة سرية غير واضحة المعالم ولا محددة المضامين، ولكنها كانت
دعوة علنية علمية جماهيرية واضحة تدرس، مبدؤها في المساجد وحلقات الدروس للمبتدئين
والمنتهين والعلماء والعامة كلٌ بحسب حاله وحاجته، تخاطب البعيد كما تقرر وتدرس
للقريب، تأخذ وتعطي مع الأتباع والمعارضين على السواء وتستند في حوارها وتفاعلها
مع الجميع على الدليل من الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح في القرون المفضلة، وكتابات
الشيخ محمد بن عبدالوهاب تبدي وتعيد في بيان مضامين هذه الدعوة والغاية منها، سواء
منها ما كان في شكل دروس ومحاضرات، أو في صورة رسائل شخصية مع العلماء في الداخل
والخارج، أو إجابات عن أسئلة تطرح على الإمام أو تهم توجه إلى دعوته، أو في كتب
ومؤلفات تكتب للجميع فمن أراد التعرف على مضامين هذه الدعوة على وجه التفصيل الذي
لايتسع له المقام في هذا البحث فإن عليه الرجوع إلى آ ثار الإمام نفسه ثم بأقلام
تلامذة المدرسة الإصلاحية.
أما مضامين هذه الدعوة على وجه الإجمال
فتتلخص فيما يلي:
1-
الدعوة إلى الله على بصيرة ونشر
العلم الصحيح والعقيدة الصافية وإحياء الشريعة.
2-
تحقيق المتابعة لرسول الله e فيما جاء به من عند الله
من غير زيادة عليه أو نقص منه.
3-
محاربة الشرك بأنواعه والبراء
منه وأهله والعمل على تحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة.
4-
محاربة البدع والخرافات وما يفعل
عند قبور الأولياء والصالحين والتحذير من المعاصي والآثام على مختلف صنوفها
وأشكالها .
5-
هدم القباب وإزالتها والمشاهد
التي تقام على الأضرحة والمزارات ومنع الناس من العكوف عندها أو التبرك بأصحابها.
6-
تعظيم الدليل الشرعي كتاباً كان
أو سنة، والاقتداء بسيرة السلف الصالح في القرون المفضلة الثلاثة، وتقديمها على أي
رأي مهما كان مصدره، واحترام الأئمة المجتهدين في الدين الذين شهدت لهم الأمة
بالعدالة والثقة والأمانة ورسوخ القدم في العلم كالأئمة الأربعة المتبوعة مذاهبهم
اليوم وأمثالهم من معاصريهم أو طلابهم وأئمة الهدى في كل العصور.
7-
إحياء مبدأ الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر مع مراعاة الشروط في الأمر والنهي التي قررها- رحمه الله-
في رسالته إلى أهل حوطة سدير وغيرها، وتربية الأمة على عدم السكوت على الباطل أو
التخاذل في نصرة الحق وأهله.
8-
تعظيم فرائض الإسلام كالصلاة
والزكاة والصوم والحج وإقامة الجمع والجماعات والأعياد وغيرها من شرائع الدين، وحث
الناس على التمسك بها وأدائها كما أمرنا الله بها وعلمنا رسول الله e من غير زيادة عليها أو نقص منها مع النية الصادقة والإخلاص في
العمل.
9-
إقامة العدل بين الناس ونصب
القضاة وتحري العدل في الأحكام على ضوء الكتاب والسنة ورعاية المصالح العامة
والمقاصد الشرعية وتوفير السلطة التنفيذية التي تزع الناس وتنفذ الأحكام الشرعية.
10-
إقامة دولة إسلامية تقوم على
الكتاب والسنة تجمع شتات الأمة وتوحد كلمتها ويخضع الجميع لسلطانها، ويعطون لها
السمع والطاعة في المعروف مع القضاء على أسباب الفرقة والاختلاف وتعدد الإمارات
التي كانت سائدة قبل قيام هذه الدعوة المباركة، وحقن الدماء التي كانت تنـزف في
غير هدف صحيح ولا غاية شريفة.
11-
إحياء روح الجهاد والتضحية في
سبيل الله لنشر الدعوة إلى الله وتصحيح العقيدة ومحاربة البدع والخرافات وإزالة كل
عائق يحول بين هذه الدعوة وجمهور المسلمين أو يشق عصا الطاعة.
تلك أهم مضامين الدعوة الإصلاحية التي
قام بها الإمامان، الإمام المجاهد الصالح محمد بن سعود والإمام الداعية المصلح
محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله.
ولقد تحقق بهذه الدعوة المباركة على يد
مؤسسيها لهذه الأمة خير كثير ورفع بها ظلمٌ عظيم وانتشر بواسطتها علمٌ شرعي غزير
وصححت بها أوضاع سياسية ودينية ومعيشية كانت في غاية السوء والانحطاط، وتكونت بها
دولة عظيمة دخلت بها الدولة السعودية التاريخ الحضاري من أوسع أبوابه، ولا تزال
تعطي وتبني وتشيد ونرجو لها مديداً من العمر ومستقبلاً زاهراً مشرقا.
الفصل الثالث : الدولة السعودية
ومشروعها الحضـاري :
الحضارة
الإسلامية أعظم حضارة إنسانية عرفها الإنسان في تاريخه الطويل، وأعمقها أثراً في
بناء الإنسان السوي في تكوين الشخصية المتوازنة في جوانبها المختلفة، وفي تعريف
الإنسان بنفسه ووظيفته في الحياة، والهدف من وجوده والغاية التي ينبغي أن يسعى
لتحقيقها، وفي تعريف المرء بربه وما له من حق واجب على عباده، وما رتبه الله على
أداء هذا الواجب من آثار حميدة، وما يتعرض
له الإنسان من أخطار في التخلف عن القيام بواجبه تجاه ربه وخالقه، وتعريفه
بدينه وبكل ما يتضمنه من تنظيم أمور الدين والدنيا من عقيدة وأحكام وعبادات
ومعاملات وآداب وسلوك وأخلاق وغيرها، وإعطائه منهاج حياة كاملا يستند إلى الوحي
الإلهي والتطبيقات العملية في حياة الرسول – e – وأصحابه الكرام، وأئمة الهدى في عصور الإسلام
الزاهرة، وقد ظلت هذه الحضارة الإسلامية الحضارة الرائدة في العالم كله بما تحقق
في ظلها من عدل وتنمية للحياة في مختلف جوانبها، وبما يحقق مرضاة الله وسعادة
الإنسان في الدنيا وتحريره من عبودية أخيه الإنسان وأهوائه ونزعاته ونزواته وإخراجه من دواعي هوى نفسه وجعله
عبداً لله وحده لا شريك له، وحين أخذت هذه الأمة المسلمة بهذا المنهج الإلهي في
مختلف جوانب حياتها كانت لها الريادة في الحياة الكريمة والسيادة في الخلق
والتمكين في الأرض، وكانت محل الأسوة في العمل والقدوة في السيرة ومضرب المثل في
التطوير والتنمية والتأثير في حياة الأمم، حتى دخل معظم الناس في دين الله برضا
وطيب خاطر وبلا إكراه، بل بنشر الهدى وضرب المثل الكريم والقدوة الحسنة والنظافة
والأمانة في التعامل والتسامح مع الآخرين والرأفة بالخلق والإشفاق على المخالفين،
ونشر الأخوة الإسلامية الرحيمة، والمساواة بين العباد ورفع الظلم عنهم، وإقامة
موازين العدل بين بني البشر، وكانت هذه الأمة محط أنظار الناس في ترفيه الحياة
وتطويرها والتأثير في الآخرين، حتى أمَّ جوامعها ومدارسها المنتشرة في حواضر
العالم الإسلامي طلاب العلم من كل حدب وصوب من مختلف أجناس البشر، لينهلوا من هذا
المعين الصافي العذب، ويتزودوا الدنيا والآخرة من إناء واحد؛ ليرجعوا إلى قومهم
دعاة للهدى وأئمة في الإصلاح، واستمرت هذه الأمة تقدم وتعطي وتنمي وتشع، والناس
منها تقتبس مدة فترة النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين، وفي الدولتين الأموية
والعباسية، وصدر الدولة العثمانية، حتى طال بها الزمان وامتد بها الأمد، وتعاقبت
فيها الأجيال ونشأت في الإسلام أجيال لا تعرف الجاهلية، وواجهت هذه المسيرة
الطويلة كثير من الهجمات العسكرية في الحروب الصليبية وغيرها، وفي الغزو الفكري
الذي بدأت طلائعه في وقت مبكر بترجمة العلوم والفلسفات القديمة عن الفرس والرومان
والهنود وغيرهم، وبما كدر صفو الإسلام في نفوس كثيرة من ناشئة المسلمين، واستمرت
هذه الهجمات والغزو الفكري تحاول العودة والكر بعد كل هزيمة لها في ساحات الصراع
العسكري والفكري، حتى بدأ الضعف يدب إلى نفوس المسلمين بسبب الجهل بالإسلام نفسه،
والتساهل في تطبيق منهاجه القويم وما ترتب على ذلك من ظهور بوادر الجمود والتخلف
في حياه المسلمين بعد مرور مئات السنين عليهم، وبعدهم عن عهد الرسالة الخاتمة،
والانتقال في العلم من عهود الاجتهاد والتجديد في الأحكام ومواجهة ما جدَّ من
قضايا وأحداث بأحكام اجتهادية صائبة، وانتقل العالم الإسلامي من الاجتهاد إلى
التقليد، ومن مركز القيادة ومقود الحياة إلى الرضا بالقعود في مؤخرة الناس،
وانتقلت الأمة المسلمة بعد ذلك في عهد النهضة الأوربية من مركز التأثير في الآخرين
إلى محل التأثر بهم والإعجاب بما لديهم، والشك في صواب منهاجها لا سيما بعد
الهزائم التي تعرضت لها الأمة في أواخر عصر الدولة العثمانية، وبدأت الهجمات
المعادية بشقيها العسكري والفكري تأخذ مساراً آخر في حياة المسلمين وتمسك بزمام
المبادرة، لا سيما بعد أن ساءت حياة المسلمين بتخليهم عن المنهج الرباني في كثير
من جوانب حياتهم، وقل فيهم العلم وكثر فيهم الجهل، وظهر فيهم التخلف في الوقت الذي
بدأت فيه النهضة الأوربية في مجالات متعددة فكرية ومادية واجتماعية وإنتاج مادي
عبقري، وبدأت تطرح في الساحة الدولية أفكار غريبة وضلالات خطيرة، تشكك في صلاحية
هذا الدين للحياة مطلقاً، أو أنه جاء لإصلاح الحياة في فترة زمنية محددة بعهد
الرسالة والخلفاء الراشدين فقط وقد انتهت، وأنه لا يصلح للحياة بعد ذلك، وعزوا ما
حلَّ بالمسلمين من ضعف وتخلف وجمود وتفرق واختلاف وسوء أحوال إلى التمسك بهذا
الدين الذي لم يعد في نظرهم صالحا للحياة في ظل النهضة الحديثة، وإن من شروط
النهضة الجديدة المرتقبة التخلي عن الدين وقيوده وضوابطه.
وقد استمرت هذه الأفكار تطرح وتعاد
بمناسبة وبغير مناسبة حتى فتن بها كثير من ناشئة المسلمين عن اجتهاد أو تقليد
بحثاً عن مخرج لما كانت عليه الأحوال في النصف الأخير من عهد الخلافة العثمانية
التي كانت امتدادا للحضارة الإسلامية وقد أصابها الهرم وكثرت فيها العلل والأمراض
وتسلط فيها الوزراء والقادة والولاة في الأقاليم ووقع بالأمة الإسلامية ظلم وتعسف
وقهر وفرض عليهم إتاوات وضرائب أثقلت كواهل الناس باسم الزكاة والجهاد والمشاركة
في تقديم الخدمات وأجمع أهل الأقاليم في دولة الخلافة على البحث عن مخرج لما كانوا
عليه من سوء حال وزيادة تردي الأوضاع وتخلف المسلمين وإهدار حقوقهم وكرامتهم في
وقت بدأت فيه أوربا تظهر بوادر نهضتها وتطوير الحياة فيها وتطمع في مد يديها على
العالم الإسلامي وإخضاعه والاستئثار بمقدراته، وقد طرحت في الساحة الإسلامية أفكار
عديدة ومناهج مختلفة لمشاريع الإصلاح المطلوب للخروج من الأزمة التي كان العالم
الإسلامي يعيشها في القرن الثاني عشر الهجري، ولم يكن من بين هذه المشاريع مشروع
إسلامي بل كانت المشاريع المطروحة تقوم على أساس قومي أو علماني أو سلالي وغيرها
ولم يكن الإسلام مطروحاً كمخرج من الأزمة الخانقة لما روج الأعداء عن هذا الدين
العظيم بأنه سبب تخلف المسلمين وأساس بلائهم وأنه لا تقدم لهم إلا بنبذه والتخلي
عنه فكانت الأنظار متجهة إلى مشاريع إصلاحية من خارج هذا الدين، إذ إنه في نظر كثير
ممن يملكون وسائل التأثير يعتبر من مخلفات الماضي وغير صالح لقيادة الحياة في
الوقت الحاضر.
وقد قامت بعض مشاريع إصلاحية على غير
أساس إسلامي بل على أسس مستقاة من أفكار الغرب مثل مشروع الإصلاح الذي تبناه محمد
علي باشا في مصر والأشراف في الحجاز والأتراك في داخل تركيا، وكل هذه المشاريع قد
باءت بالفشل ولم يكتب لها النجاح لأنها مشاريع غير قادرة على استنهاض همم الأمة
المسلمة.
وفي ظل هذه الظروف التي كان دعاة
الإصلاح يبحثون فيها عن حل خارج دائرة الإسلام جاءت الدولة السعودية منذ نشأتها
بمشروعها الحضاري القائم على الدعوة الصريحة إلى العودة بهذه الأمة المسلمة إلى
أصول دينها القويم المتمثلة في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة وتصحيح
الاعتقاد ونبذ الشرك والبدع والخرافات وإصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية
والثقافية والعلمية وإقامة دولة إسلامية تقضي على مظاهر الفرقة والاختلاف وتضرب
أطناب الأمن والاستقرار وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقيم الجمع والجماعات وتحرس الدين وتقيم الحدود وتزع الناس
بعضهم عن بعض وتنشر ظلال العلم الشرعي والثقافة العامة وترفع راية الجهاد في سبيل
الله لتأمين الدعوة وحماية الأمن والنظام وتؤكد استقرار العدل ونصب القضاة ونصرة
المظلومين وحماية المستضعفين، وظهر من خلال الممارسة الفعلية في الحياة فشل كل
مشاريع الإصلاح التي قامت على الأسس غير الإسلامية ونجح مشروع الدولة السعودية
الحضاري في إقامة دولة إسلامية عزيزة الجناب كاملة البناء قوية الأصول تحقق في ظلها
كثير مما تطمح إليه الأمة في جزيرة العرب وتم لها ما لم يتم لغيرها من القوة
والتمكين في الأرض، وظلت شامخة البناء على مر العصور صامدة في وجه التحديات ونرجو
لها عمراً مديدا- إن شاء الله- في ظل الإسلام وخدمة أمته والدفاع عن
قضاياه والدعم لمواقف أبنائه.
وإذا كانت الدولة السعودية ومشروعها
الحضاري قد تعرضت في فترات من التاريخ إلى بعض الهزائم المؤقتة التي زال فيها
سلطانها السياسي وفرح المتفرجون الحاقدون بهزيمة المشروع الإسلامي على يد أعدائه
في فترات من التاريخ لأسباب ليس هذا محل الحديث عنها ليثبتوا مقولة أن الإسلام لم
يعد صالحاً لقيادة الحياة المعاصرة وأن فترة تطبيقه قد مضت ليبحثوا عن مشاريع
إصلاحية من خارج الإسلام فإن الجواب عن هذه المقولات الخاطئة يأتي بصورة عملية في
عودة هذا المشروع مرة بعد أخرى على يد رواده في الدولة الأولى والثانية والثالثة،
ذلك أن هذا المشروع ضاربٌ بجذوره في الحضارة الإسلامية وامتداد طبيعي لها وصورة من
صورها الممكنة وهي أيضا كذلك ضاربة بجذورها في نفوس المسلمين أفراداً وجماعات لا
يرضون بهذا المشروع بديلا ولا يبغون عنه
حولا.
وإذا تمكن الأعداء من إزالة الكيان السياسي
لهذا المشروع الحضاري بكثرة العدة والعدد والمال فإن جذوره الكامنة في النفوس تظل
حية متقدة تنتظر فرصة الظهور وغفلة العدو، وهي في ذاتها تملك مقومات البقاء وتحقيق
النصر بعد الآخر، وهذا يفسر للباحث السر في نجاح القادة السعوديين لإحياء مشروعهم
الحضاري في كل دور من أدوار الدولة السعودية الثلاثة.
والخطر كل الخطر على هذا المشروع
الحضاري للدولة السعودية في التخلي عن رفع راية الإسلام أو نسيانها في زحمة
الأحداث أو مجاملة أعداء هذا الدين وتعرض المبادئ الأساسية لهذا المشروع الحضاري
للترك أو الإهمال أو التراخي، {ª!$#ur ë=Ï9%yñ #’n?tã ¾ÍnÌøBr& £`Å3»s9ur uŽsYò2r& Ĩ$¨Z9$# Ÿw šcqßJn=ôètƒ} .
الفصل الرابع : المبادئ التي
قامت عليها سياسة المملكة العربية السعودية :
الدولـة السعودية منذ فجــر تاريخها
قائمة على أسس واضحـة ومبـادئ قويمة يشـترك في الإيمان بها الحاكم والمحكــوم
ويضطر من لا يؤمن بها أن يحترمها وأهلها، وهذه المبادئ معلنة أصولهـــا في أول
يـــــوم من تاريخها على يد الإمـــام
محمد بن سعود والإمام محمد بن عبدالوهاب، فقد ذكر المؤرخون نص البيعة بين الإمامين
وأنها كانت "على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام
والأمر بالمعروف والنـهي عن المنكر"(49).
فالمبايعة على دين الله ورسوله تعني
القيام بمقتضيات هذا الدين جملةً وتفصيلا، في العقيدة والشريعة والعبادة والأخلاق
والسلوك والآداب قولاً وعملا واعتقاداً ودعوة وتعليماً ونصرةً وولاءً وبراء، وتعني
كذلك رفض كل ما يخالف هذا الدين في كل جانب من جوانبه السالفة الذكر ومقاطعته
ونبذه ، و الجهاد في سبيل الله وإن كان داخلاً في دين الله إلا أنه خص بالذكر في
هذه البيعة المباركة لما له من أهمية في إقامة الحق وتأييده وصد الباطل وأهله
والتخلية بين الدعاة إلى الله تعالى وبين جماهير المسلمين وضرب أي قوة تحول بين
الناس وبين سماع الحق وقبوله واتباع أهله.
والجهاد يعني فيما يعنيه إعداد القوة
الممكنة مادياً وبشرياً وروحياً ومعنوياً، كما تعني الأخلاق الإسلامية في ممارسة
الجهاد الفعلي الذي جاء بالوفاء بالعهود
والمواثيق والتفريق بين القتال المشروع والقتال الممنوع، كما تعني مجاهدة النفس
وحملها على القيام بالواجبات الدينية والدنيوية وتحقيق الطاعة والاتباع للحق وأهله
وتقييده بأن يكون في سبيل الله لا لطلب العلو في الأرض أو الفساد فيها أو نصرة جنس
أو قبيلة أو قومية على أخرى أو لأي غرض من
الأغراض التي لا تكون خالصة لوجه الله ونصرة دينه وحماية جناب الدين وتوطيد
أركانه.
وأما إقامة شرائع الإسلام فإنه يندرج
تحتها إقامة الصلوات في الجماعة وإقامة الجمع والأعياد والحج وتأمين السبل وإقامة
الحدود وإلزام العامة بفرائض الإسلام كما أرادها الله منهم وحراسة الدين من كل
حاقد أو عابث أو فاسد أو مخرب وإلزام الناس بالاستقامة على شرع الله في السراء
والضراء في أمور الدين وشؤون الدنيا بالقول والفعل والقدوة الحسنة.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو
من الدين ومن شرائع الإسلام كذلك ولكنه نص عليه في هذه البيعة لأهميته وأثره في
حياة الأمة، فالمعروف ما عرف من الشرع حسنه والدعوة إليه وقبوله والمنكر ما أنكره
الشرع وعرف بالعقول قبحه والتنفير منه، ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عده
بعض العلماء ركن من أركان الإسلام ومن شأن هذا المبدأ أن يجعل الأمة أمة حية في
أخذها وعطائها وتناولها لكل الأمور الدينية والدنيوية وأن تكون مدعوة بحكم دينها
إلى أن تكون أمة يقظة تشارك في كل الشؤون بقدر من الحرية والوعي والمشاركة الفاعلة
وفق مقياس للأمور ثابت مستقر يشترك الجميع في العلم به وإدراكه واحترامه وهو
الشرع، ويعطي الحق لكل فرد في التعبير عن رأيه بالطريقة التي تنفع ولا تضر وتجمع
ولا تفرق ويمنع مصادرة الرأي الآخر وتكميم الأفواه وسد باب التناصح بين الناس أو
بين الإمام ورعيته، بل إنه بهذا المبدأ العظيم في الإسلام يكون كل فرد في الأمة
مسؤولاً عما يجري فيها من مخالفات أو تقصير ظاهر آثم بترك قول الحق والسكوت عن
المنكر، آثم بترك النهي عن الباطل وقبوله وغض الطرف عن فاعله.
وبهذا المبدأ العظيم تحمل الأمة
أفرادها وقادتها على الاستقامة ويصح بدن الأمة وتمنع الانفجارات التي يسببها
الاحتقان وشدة الضغط على الحريات ومصادرة الرأي الآخر وتتولد عن الكبت وتهميش
المجتمع في شؤون حياته، ويتم الأخذ بهذا المبدأ وفق الضوابط الشرعية التي تتحقق
بها المصلحة العامة ودفع المفاسد ومنع الضرر وإزالة المنكر وتثبيت المعروف.
فهذا النص القصير في فقراته الأربع قد
تضمن الأصول الكلية التي قامت عليها الدولة السعودية من أول يوم في تاريخها ويدخل
تحت كل أصل من هذه الأصول ما تضمنه الشرع من تفاصيل وجزئيات وتنظيمات وضوابط محلها
كتب الفقه في مختلف أبوابه وفصوله، ولهذا فإن الأئمة من آل سعود في مختلف أدوار
الدولة السعودية إذا سئلوا عن دستور دولتهم قالوا: (دستورنا القرآن والسنة).
وقد
أكد هذه المعـــاني التي تضمنتها البيعة الأولى أئمة هــذه الدولــة في الدور
الثــاني الذي استقام على عهد الإمامين العظيمــين تركي بن عبدالله وفيصــل بن
تركي في الرسائــل والنصائح الدينيـة التي كانـــا يبعثان بها إلى رعايــاهم
وبعملهم على وفقها في تدبير شؤون الدولة وإدارتها، كما كررها وفصـل فيها مؤسس
الدولة السعودية المعاصــرة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل في التعليمات
الأساسية التي أصدرها في 16/2/1345هـ ونشرت في الجريدة الرسمية في 21/2/1345هـ
وذلك قبل أن يكون لقب الملك (ملك الحجاز ونجد وملحقاتها) بثلاثة أشهر وقبل توحيد
أجزاء المملكة وتسميتها بالعربية السعودية بنحو ستة أعوام وأهم ما في هذه
التعليمات كما يقول خير الدين الزركلي في تاريخ شبه الجزيرة العربية في عهد الملك
عبدالعزيز ج1 ص230 إلى ص231:
1-
المملكة مرتبطة بعضها ببعض
ارتباطا لا يقبل التجزئة ولا الانفصام بوجه من الوجوه.
2-
الدولة دولة ملكية شورية
إسلامية مستقلة في داخليتها وخارجيتها.
3-
عاصمة الدولة مكة ولغتها
الرسمية اللغة العربية.
4-
إدارة المملكة بيد الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل وهو مقيد بأحكام الشرع.
5-
جميع أحكام المملكة تكون منطبقة
على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح.
6-
يعين من قبل الملك نائب عام.
ويقول خير الدين الزركلي: كانت أول مادة في هذه التعليمات من إملاء الملك
عبدالعزيز بمكة، وهذه التعليمات الأساسية دونت كما أسلفت في وقت مبكر جداً من دخول
الملك عبدالعزيز مكة المكرمة، وهذا يعني أن هذه الأسس هي التي كانت في ذهن القائد
وهي نفس الأسس والمبادئ التي قامت عليها الدولة السعودية في كل أدوارها السابقة
وهي التي كانت ولا تزال مستقرة في نفوس
قادة هذه الدولة وفي نفوس الناس في جزيرة العرب ولا يختلف عليها أحد بحمد
الله ويمكن إيجازها في نقاط مجملة هي:
1-
قيامها على الكتاب والسنة في كل
شأن من شؤون الحياة.
2-
إظهار شرائع الإسلام كالعدل
وإقامة الجمع والجماعات والحج والصوم والزكاة وإقامة الحدود والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ونشر العلم ومحاربة الجهل والتعصب.
3-
إحياء شريعة الجهاد في سبيل
الله لإعلاء كلمة الله وتأمين الدعوة إلى الله وإزاحة كل العوائق التي تقوم بين
الناس وبين معرفة الحق واتباعه وحراسة الدين.
4-
إيمانها بوحدة أقاليم الدولة
السعودية وعدم قبولها للتجزئة والقضاء على أسباب التفرق والانقسام ومسببات الفتن
وتأمين الأمة من كل الأخطار التي تتهددها وتحقيق استقلالها وبعدها عن الأحلاف
والتبعية.
5-
محاربة الشرك بأنواعه والبراء
منه وأهله وإزالة الخرافات والبدع ومظاهر أعمال السحر والشعوذة والدجل وغيرها.
6-
رعاية مصالح الأمة في الداخل
بنشر العلم وتنمية المجتمع في مختلف جوانب التنمية العلمية والثقافية والصحية
والاجتماعية والعمرانية والبنى الأساسية وإعداد الإنسان المسلم لتحمل مسؤوليته في
الحياة بما يتلاءم والمستجدات في الحياة.
7-
إقامة علاقات الأخوة والود مع
البلاد العربية والإسلامية وتوطيد العلاقات مع الحكومات الأجنبية واحترام العهود
والمواثيق الدولية والوفاء بكل العقود والعهود.
8-
إن سياسة المملكة وعلاقاتها
وتعاملها في الداخل والخارج تقوم على الثوابت من الأخلاق الإسلامية والعادات
العربية الأصيلة مع رعاية المصالح المشتركة.
9-
إعداد القوى البشرية المؤهلة
والأجهزة الحكومية المتطورة والنظم المحلية العادلة والعلاقات الدولية التي تحقق
طموحات الدولة في تقديم الخدمات للأمة وتوفر أسباب العدل وإسعاد المجتمع وتعاهد
هذه القوى والأجهزة بالتطوير والتحديث وزيادة الفاعلية في ضوء مقتضيات الدين
وحاجات المجتمع والمستجدات في الحياة.
الفصل الخامس : التطور التاريخي
لهذه الدولة :
في عام سبع وخمسين ومائة وألف للهجرة
النبوية انتقل الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية عارضاً نفسه على أميرها الإمام
محمد بن سعود- رحمهما الله-
كما كان رسول الله e يعرض نفسه قبل الهجرة النبوية الشريفة
على قبائل العرب في مواسم الحج لطلب التأييد والنصرة، وفي هذا العام نفسه تمت
البيعة بين الإمامين المجددين كما تمت بيعة العقبة في مكة المكرمة الأولى منها
والثانية.
وبهذه البيعة تمت ولادة الدولة السعودية
في مدينة الدرعية التي كان أهلها في تلك الفترة من الناحية العلمية في غاية
الجهالة ومن الناحية المعيشية في أضيق عيش كما ذكر ذلك المؤرخ ابن بشر بقوله:
" وأهل الدرعية يومئذ في غاية
الضعف وضيق المؤنة "(50) وقال: "
ولما استوطن الشيخ الدرعية وكانوا في غاية الجهالة وما وقعوا فيه من الشرك الأكبر
والأصغر والتهاون في الصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام "(51)،
وكانت إمكانيات إمارة الدرعية الجهادية وخبراتهم محددة للغاية إذ لم يعتادوا
الهجمات والغارات على الأعداء كما وصف ذلك ابن بشر إذ قال: " فأول جيش غزا في
سبع ركائب فلما ركبوها وأعجلت بهم النجائب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم
يعتادوا ركوبها "(52).
هذه الدولة الفتية جعلت من الدرعية
مركزاً علميا مشعا فكانت مقصد طلاب العلم وموئل رواده عمرت مساجدها بحلقات الدروس
ومجالس التعليم والفتيا ومركز تخريج العلماء ونشر القضاة ومصدر التوجيه الفكري
والثقافي ومصدر برامج الإعداد الجماعي تدرس مختصرات كتب إمام الدعوة بعد صلاة
الفجر وبعد صلاة العشاء ويطالب الصغار والكبار بمعرفة الله ومعرفة دين الإسلام
ومعرفة نبيه ومتطلبات أداء الفرائض الإسلامية التي لا يعذر بجهلها أحد وظلت دائرة
التعليم والتوعية تتسع شيئا فشيئا حتى عمت جميع البلاد التي وصلت إليها مظلة
الدولة السعودية.
وكانت الدعوة الإصلاحية تحمل في أصول نشأتها الروح الجهادية التي تحمل
أتباعها على نشر الهدى بالدعوة والموعظة الحسنة وإقامة الحجة على المعارض فإذا وضح
الطريق وعرف الحق وقبله صار من أهلها، ومن عاند وكابر ورفض لأي اعتبار كان عدَّ من
أعداء الدعوة، وجاز لها إبعاد تأثيره على العامة وتنحيته عن مجرى الحياة العامة
والتخلية بين الدعوة وجمهور المسلمين.
ولهذا بدأت هذه الدعوة في كتابة الرسائل وبعث البعوث ودعوة
أهل القرى والبلدان والبوادي إلى الدخول في هذه الدعوة والسمع والطاعة لإمامها
وفتح مجال البحث والمناقشة مع العلماء والأمراء ورؤساء الناس فاستجاب لها بعض
وتحفظ عليها بعض آخر وعارضها آخرون فبدأ الحوار والنقاش والجدل فلما أقيمت الحجة
على المعارضين ووضح الحق للكل وبدأ الاضطهاد لأتباع هذه الدعوة في بعض البلدان
بدأت الدولة السعودية الوليدة في تجهيز الجيوش لرد العدوان عليها وحماية
المستضعفين من أتباعها في البلدان والقرى المجاورة ونصرة المظلومين فصارت الدرعية
مركزاً علمياً مهماً ومنطلقا لجيوش الجهاد في سبيل الله وخرجت بذلك من واقعها المحلي إلى النظرة الكلية الشمولية التي
لا تقف عند حد.
ولقد عانت هذه الدولة العظيمة في بداية
نشأتها من أعدائها ومعارضيها ما الله به عليم، وقدمت لهذا الدين من خيرة أبنائها
وأعز رجالها ما يشهد به التاريخ وكانت معاناتها من الجيران والأقربين أكثر من
غيرهم ولكنها ظلت على الحق صامدة لا تتزعزع ولا تلين لها قناة بل لا تزيدها
المصائب والأحداث والتحدي إلا قوة وصلابة وصمودا حتى انقاد لها الناس تباعاً بعد
معاناة طويلة وتضحيات غالية وصبرٍ شديد.
وبإلقاء نظرة سريعة على امتداد الدولة
السعودية في عهد أئمتها العظام في دورها الأول يمكن أن يقال إن الدولة السعودية
بهذه الدعوة الإصلاحية قد دخلت التاريخ الحضاري من أوسع أبوابه ابتداءً من عام
1157هـ الذي تمت فيه البيعة المباركة بين الإمامين المصلحين في الدرعية، فأول من
استجاب لها إمارة العيينة وعرقة ومنفوحة وذلك في عامها الأول ثم تبعتها حريملاء
وضرماء في عام 1161هـ، وفي عام 1161هـ وصلت المعارك بين أئمة الدعوة وخصومها إلى
الوشم كما امتد نفوذها وجيوشها إلى الخرج وسدير وفي العام نفسه نقضت كل من حريملاء
وضرما البيعة وأعيدتا إلى حظيرة الدعوة في عام 1167هـ، وفي عام 1169هـ وفد أهالي
القويعية والعرض وأعطوا البيعة على السمع والطاعة، وفي عام 1176هـ وصلت جيوش
الدولة السعودية في الشرق إلى الأحساء وكانت في الوقت نفسه تقوم بصد هجمات بني
خالد في وقعة السبلة عام 1166هـ ووقعة الحاير مع العجمان والنجارين في عام 1187هـ،
ومضت كل هذه الفترة وطيلة حياة الإمام محمد بن سعود ومدينة الرياض غير خاضعة
للدرعية وفي حرب دائمة معها وركناً للمعارضة رغم وصول جيوش الدولة السعودية إلى
الأحساء في الشرق والزلفي وسدير في الشمال والوشم والعرض في الغرب والشمال الغربي
من الدرعية.
وتوفي الإمام محمد بن سعود عام 1179هـ
والدولة السعودية لا تزال تعارك في منطقة العارض
وسدير والزلفي والوشم والخرج
والعرض والأحساء.
ثم
جاء عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود فتوسعت في عهده الدولة السعودية حتى
وصلت القصيم في عام 1183هـ والخرج، وفي عام 1201هـ وصلت جيوش الدولة السعودية
ومؤيديها إلى حائل على يد حجيلان بن حمد بأمر الإمام عبدالعزيز بن محمد، وفي عام
1199هـ انتهت المعارضة في ناحية الخرج وأعطوا البيعة للإمام عبدالعزيز بالسمع
والطاعة، وفي عام 1202هـ بايعت جميع قبائل الدواسر للدولة السعودية واستمرت الدولة
السعودية في الامتداد والتوسع بعد أن استقرت الأوضاع في منطقة العارض وسدير والوشم
والعرض والخرج ووادي الدواسر والقصيم، وبعد خروج أســـــاس المعارضة داخل قاعدة
الدولة السعودية في منطقة العارض بخروج دهام بن دواس من الرياض في عام 1187هـ
ووصلت جيوش هذه الدولة إلى صفوان في عام 1203هـ، وفي عام 1205هـ بدأت المناوشات
بين هــــذه الدولة وبين أشراف مكــــة المكرمــة وفي العام الذي يليه وصلت جيوش
هذه الدولة إلى القطيف واستمرت هذه الدولة في الامتداد السريع في عهد الإمام
عبدالعزيز بن محمد حتى وصلت في عام 1212هـ إلى أرض السماوة في العراق، وفي عام
1216هـ وصلت غاراتها إلى كربلاء في قلب العراق وهدمت القبة الموجودة على ضريح
الحسين رضي الله عنه وامتدت في جهة الغرب إلى دخول مكة المكرمة في طاعتها وهادمة
للقباب والمشاهد، وفي عام 1218هـ لقي الإمام عبدالعزيز بن محمد ربه شهيداً في مسجد
الطريف في مدينة الدرعية – رحمه الله –
وذلك بغدر من رجل قدم إلى الدرعية في صورة رجل زاهد مهاجر إلى الدرعية.
ومن أجل أن نعرف ما وصلت إليه هذه
الدولة السعودية في عهد هذا الإمام المجاهد ننقل نص من ابن بشر- رحمه الله-
في ذكر أمراء هذا الإمام في أقاليم دولته، إذ يقول: " وكان أميره على تهامة
وما يليها من اليمن عبدالوهاب المعروف بكنيته (أبو نقطة)، وعلى الحجاز وما يليه من
النواحي عثمان بن عبدالرحمن المضايفي ، وعلى عمان صقر بن راشد رئيس رأس الخيمة ،
وعلى الأحساء ونواحيه سليمان بن محمد بن ماجد، وعلى القطيف ونواحيه أحمد بن غانم ،
وعلى الزبارة والبحرين سليمان بن خليفة ، وعلى وادي الدواسر ربيع بن زيد الدوسري ،
وعلى ناحية الخرج إبراهيم بن سليمان بن عفيصان، وعلى المحمل ساري بن يحي بن سويلم،
وعلى ناحية الوشم عبدالله بن محمد بن غيهب في بلد شقراء وعلى ناحية سدير عبدالله
بن جلاجل، وعلى ناحية القصيم حجيلان بن حمد في بريدة، وعلى جبل شمر محمد بن
عبدالمحسن بن فايز ابن علي في بلد حائل "(53).
وبعد وفاة الإمام عبدالعزيز بن محمد
بويع بالإمامة ابنه سعود بن عبدالعزيز وفي عهده ازدهرت الدولة السعودية واستمر
امتدادها وتوسعها، إذ بايع أهل المدينة الإمام سعود بن عبدالعزيز في عام 1220هـ
وحج الإمام سعود في عام 1221هـ وأخرج من كان في مكة من جنود الأتراك.
وفي نفس هذا العام بايع الإمام سعود
معظم أهل عمان على السمع والطاعة له والخضوع لسلطانه، وفي جهة شمال المملكة وصلت
جيوش الدولة السعودية في هذا العهد إلى أرض حوران في الشام وذلك في عام 1225هـ،
وفي عام 1229هـ توفي الإمام سعود بن عبدالعزيز- رحمه الله-
بعد أن ضمَّ إلى الدولة السعودية الحجاز ومكة والمدينة والجوف وغيرها.
وفي نفس العام بويع بالإمامة ولي عهده
ابنه عبدالله بن سعود من جميع الرغبة باديةً وحاضرة وانتظمت له الأمور واستقامت
ولكن كما يقول ابن بشر: " إن الدولة المصرية بذلت جهدها في حرب المسلمين بسبب
الذنوب "(54)،وبدأت هذه الحملات العسكرية في أواخر عهد الإمام
سعود إلا أنها كانت تدحر في كل مرة حتى أعدوا أكبر حملة قامت بها الدولة العثمانية
بواسطة واليها في مصر ، وبالجيش الذي قاده إبراهيم باشا ودخل من جهة ينبع عام
1231هـ واستمرت هذه الحملة في الزحف إلى الدرعية رغم ما واجهته من مقاومة شديدة في
طريقها ولا سيما في مدينة الرس التي استعصت على إبراهيم باشا رغم طول حصاره لها
واستعماله أشد وسائل العنف في مهاجمتها ولكن أهلها استماتوا في الدفاع عنها وعن
الدعوة الإصلاحية التي تقوم عليها الدولة السعودية وأبلوا بلاء حسناً وضربوا مثلاً
أعلى في التضحية والفداء والصبر على الحصار والحرب غير المتكافئة، ثم استمرت حملة
إبراهيم باشا في الاستيلاء على المدن والقرى واستمالة البادية بالمال، فمروا
بشقراء وضرما التي صمدت في وجه الحملة حتى آخر قوة لها وأخيراً صارت المنازلات
العنيفة في الدرعية ووادي حنيفة وقد أبدت الدولة السعودية في هذه المعركة ثباتاً
وصبرا وتضحية ليس لها نظير ولكن الله غالب على أمره، إذ وجد الإمام عبدالله بن
سعود نفسه مضطرا إلى المصالحة وتسليم نفسه
عام 1233هـ بعد أن قدمت هذه الدولة خيرة رجالها وأغلى أبنائها واستنفدت كل طاقاتها
وإمكاناتها وبذلك انتهى هذا الدور من
أدوار الدولة السعودية الأولى وقد قضى إبراهيم باشا على الدرعية قضاءً مبرما فلم
يترك فيها ساكناً ألبتة ، بل جعلهم ما بين قتيل وشريد ، بل لم يترك شيئاً من
مبانيها على سوقه ، بل هدمها عن آخرها ولم يترك فيها لبنة على لبنة وفعلوا بأهل
نجد ما لم يفعله أحد قبلهم.
أما سيرة الأئمة من آل سعود في هذا
الدور فهي في غاية الإشراق لاقتدائهم بالصحابة وأئمة الهدى في الصدر الأول في
الطاعة والعبادة والرفق بالرعية والعطف على الضعفاء والمساكين والتسامح والعفة
والطهارة ومحبة الخير للناس والمساواة بين الخلق وإقامة العدل بين العباد، وهم
كذلك قدوة في الإيمان الصادق بهذه الدعوة الإصلاحية وأهدافها ومضامينها والشجاعة
والتضحية والفداء في سبيلها، وقد ذكر ابن بشر وغيره من المؤرخين صوراً مشــــرقة
لكل إمام من هؤلاء الأئمــــة الأربعة لا يتسع المقام لذكرها وختمها بقوله: "
وبالجملة فمحاسنهم وفضائلهم أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر ولو بسطت القول في
وقائعهم وغزواتهم وما مدحوا به من الأشعار وما قصد بابهم الرؤساء والعظماء من
أقاصي الأقطار وما حمل إليهم من الأموال والسلاح والخيل الجياد التي لا يدركها
العد لجمعت فيها عدة أسفار ولكني قصدت الإيجاز والاختصار" (55).
وقال عن الدرعية التي حين قدم إليها
الشيخ محمد بن عبدالوهاب كان أهلها في أضيق عيش:
" ولقد رأيت الدرعية بعد ذلك في
زمن سعود- رحمه الله تعالى- وما فيه أهلها من الأموال وكثرة
الرجال والسلاح المحلى بالذهب والفضة الذي لا يوجد مثله والخيل الجياد والنجايب
العمانيات والملابس الفاخرة وغير ذلك من الرفاهيات ما يعجز عن عده اللسان ويكل عن
حصره الجنان والبنان، ولقد نظرت إلى موسمها يوما في مكان مرتفع وهو في الموضع
المعروف بالباطن بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود والمعروفة بالطريف
ومنازلها الشرقية المعروفة بالبحيري التي فيها أبناء الشيخ ورأيت موسم الرجال في
جانب وموسم النساء في جانب وموسم اللحم في جانب وما بين ذلك من الذهب والفضة
والسلاح والإبل والأغنام والبيع والشراء والأخذ والإعطاء وغير ذلك وهو مد البصر
ولا تسمع فيه إلا كدوي النحل من النجناج
وقول بعت وشريت والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي وفيها من الهدم السلاح
والقماش ما لا يعرف إلا يوصف فسبحان من لا يزول ملكه "(56).
أما الإمام عبدالله بن سعود الذي سقطت
في عهده الدرعية في يد إبراهيم باشا فإن المؤرخــــين قد أثنوا عليه ثناءً عظيماً
فقد كان هو قائد الجيوش السعودية في عهد أبيه سعود-
رحمه الله- وكان رجلاً صالحا ثبتاً في اللقاء حسن
التدبير في القيادة شجاعاً لايعرف الجبن، ويقول عنه المؤرخ عثمان ابن بشر رحمه
الله: " وكان عبدالله ذا سيرة حسنة مقيماً للشرائع آمراً بالمعروف ناهياً عن
المنكر كثير الصمت حسن السمت باذل العطاء ولكن لم يساعده القدر وهذه سنة الله في
عباده ".
وقال: " كان ثابت التدبير في
مغازيه ثبتاً في مواطن اللقاء وهو أثبت من أبيه في مصابرة الأعداء وكانت سيرته في
مغازيه وفي الدرعية وفي مجالس الدروس وفي قضاء حوائج الناس وغير ذلك على سيرة أبيه
سعود فأغنى عن إعادتها "(57)، ولكن لكل
أجل كتاب فقد تكالبت عليه قوى الشر والعدوان وأجفلت عليه الدولة العثمانية بكل
ثقلها وإمكاناتها مما فاق الدولة السعودية في العدة والعدد والأموال.
وإذا كانت الدولة العثمانية قد نجحت في
القضاء على هذه الدولة في شكلها السياسي فقد ظلت الدعوة الإصلاحية حية في نفوس
أتباعها، تتطلع إلى الظهور في الوقت المناسب وبالشكل الملائم، وهذا ما حدث فعلاً
بقيام الدولة السعودية مرة أخرى على يد الإمام تركي بن عبدالله آل سعود.
وقد ذكر المؤرخون أن نجداً بعد هدم
الدرعية قد انتثر عقدها وتفرقت كلمة الناس فيها واستقل كل أمير بأمر بلده وجماعته
وعادت العداوات والأضغان وكثرت الفتن واضطرب حبل الأمن وقطعت السبل وصار الناس
يضرب بعضهم رقاب بعض في حروب جاهلية بلا
هدف سام ولا رأي رشيد.
أما الإمام تركي بن عبدالله- رحمه الله-
فإنه بعد تسليم الدرعية هرب منها إلى جبال علية جنوب غرب الرياض وهي جبال منيعة
تسكنها قبيلة آل شامر من العجمان فأقام عندهم وتزوج بنت غيدان بن جازع بن علي
فولدت له ولداً أسماه جلوي لأنه ولد في جلونة من بلده ، وظل مع البادية ثم نزل بلد
الحلوة المعروفة فلما أراد الله بالناس خيرا بدأ الإمام تركي حركته التجديدية من ا
لحلوة وقصد بلد عرقة وحارب الترك وكان رجلاً شجاعاً بارعاً في الــحروب يتسم
بالحلم والأناة واليقظة، وكاتب أهل البلدان في عام 1239هـ من الخرج وضرما وحريملاء
فوجد منهم تأييداً، ثم سطا الإمام تركي على ناصر السياري في ضرما واستولى عليها،
ثم منها سار إلى ثادق قاعدة المحمل وكاتب أهل سدير وطلب منهم السمع والطاعة وترك
الحروب والفتن التي نشبت بينهم بعد هدم الدرعية فركب إليه أهل سدير وبايعوه ثم
استنفر الناس في المحمل وسدير وحاصر المجمعة حتى فتحها ، ثم وفد إليه أهل الغاط
والزلفي وكاتبه أهالي شقراء ثم سار بجنوده إلى حريملاء وحاصرها وقاتل أهلها حتى
أخضعها ثم سار بالجميع إلى منفوحة وأخرج منها عساكر الأتراك ومنها قصد الرياض فحاربها
واستولى عليها وأخرج من كان فيها من جنود الأتراك في عام 1240هـ واتخذها قاعدة
للدولة السعودية في دورها الثاني، وفي العام نفسه سار إلى الخرج واستولى على مدنها
وقراها واحدة بعد الأخرى.
وفي عام 1241هـ قدم على الإمام تركي
ابن عمه مشاري بن عبدالرحمن بن مشاري آل ثنيان هارباً من مصر فأكرمه وأجله المكانة
اللائقة به وولاه بعد ذلك إمارة منفوحة ثم عزله، وفي عام 1242هـ بدأت مناوشات
الإمام تركي مع بني خالد في المنطقة الشرقية فأخذهم وغنم منهم غنائم كثيرة في
المكان المعروف بالعتك، وفي عام 1245هـ وصلت جيوش الإمام تركي بن عبدالله إلى
الأحساء بقيادة محمد بن عفيصان، وفي عام وفاته 1249هـ وصلت الجيوش السعودية إلى
القطيف والدمام في الساحل الشرقي لهذه الدولة في دورها الثاني وفيها قتل الإمام
تركي غيلة بعد صلاة الجمعة عند باب المسجد الجامع على يد عبد من عبيد مشاري بن
عبدالرحمن بن ثنيان، وكانت مدة إمامة تركي بن عبدالله تسع سنوات من 1240هـ حتى
1249هـ.
يقول المؤرخ ابن بشر عن الإمام تركي:
" إنه – رحمه الله – كان شجاعاً
مقداماً مجاهداً في سبيل الله، افتتح قرى نجد واستولى عليها بالحرب والصلح بعد أن
كان بعضهم يضرب رقاب بعض وكان كل بلد أميرها شاهر سيفه لمحاربة البلد التي تليه
فجاهد حق الجهاد حتى أطاعت له البلاد والعباد وصاروا كلهم جماعة وبايعوه على السمع
والطاعة"(58) وكانت سيرته شبيهة بسيرة أسلافه في الدور الأول في
تمسكه بهذا الدين ومبادئ الدعوة الإصلاحية كتمسكهم، وصفه ابن بشر في تاريخه فقال:
" الإمام تركي بن عبدالله الذي أطفأ الله به نار الفتنة بعد اشتعال ضرامها
وهان على كثير من الناس دينها وإسلامها كأنهم لم يكونوا على إسلام ولم يجتمعوا على
إمام وتهاون كثير منهم بالصلاة وأفطروا في شهر رمضان إلى أن قال: دعاهم إلى
الجماعة والسمع والطاعة حتى ضرب الإسلام بجرانه وسكنت الأمة في أمنه وأمانه" (59).
وكانت بداية إمامة فيصل بن تركي عام
1249هـ وقبلها كان ولي عهد أبيه وقائد جيوشه وهو على درجة كبيرة من الورع والديانة
وحب الخير وقد اجتمع فيه من خصال الخير ومواهب القيادة ما يجعله محل احترام وتقدير
ومحبة رعاياه ومضرب المثل في حسن التدبير والرفق بالناس والكرم ورعاية الأمة في
أمور دينها ودنياها وإن كان عهده مضرب المثل في العدل والبعد عن المظالم وحراسة
الدين وجمع الكلمة، يقول عنه ابن بشر:
" إنه لما جلس فيصل على سرير الملك وعظ الناس وحثهم على طاعة الله تعالى والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر"(60).
وقال: " وكان يحب العلماء
ومجالستهم وتوقيرهم واحترامهم، وكان على طريقة آبائه في تعاهد الرعية بالنصيحة
" وقال: " وكان رحيماً بالأرامل والفقراء والضعفاء ولم يكن سفاكاً للدم
الحرام ولا غاصباً لما في أيدي الأنام من الحطام "(61).
واستمرت إمامة فيصل بن تركي من عام
1249هـ حتى 1254هـ أي مدة خمس سنوات ثم عاد إليها اعتبارا من 1259هـ حتى 1282هـ
مدة 23 عاماً فكانت مدة حكمه 28سنة كلها سنوات عدل وانتظام وإعزاز للدين وأهله،
وأمن واستقرار ورخاء مع ما تخلل هذه الفترة التاريخية من حملات تركية ومحاولات
لتدمير هذه الدولة بقيادة إسماعيل أغا ثم بقيادة خورشيد باشا، وقد أسر– رحمه الله–
مرتين وأخذ إلى مصر وخرج منها وعاد إلى نجد ليستأنف نشاطه، الأولى كانت في عهد
أبيه والثانية في عهده الأول.
وفي تقرير للكولونيل (لويس بيلى) معتمد
بريطانيا في الخليج الذي قام بالاتصال بالإمام فيصل بن تركي وزيارته بناءً على طلب
حكومته يقول عن حدود الدولة السعودية في عهد الإمام فيصل: " إن السعودية في
عهد الإمام فيصل كان يحدها من الشمال خط يمتد من جنوب العامر غرب الكويت مباشرة
عند نهايتها الشرقية، ومن الجنوب تحد بالربع الخالي أو الصحراء الكبرى في اتجاه
الخليج الفارسي، ومن الشرق تمتد الحدود إلى الخليج وإلى الكويت من طرفها الشمالي
فنازلاً إلى أبي ظبي بعد أن يمر الحدود إلى الداخل قليلا حتى يصل إلى البريمي
وينحني نحو الجنوب الشرقي وتمتد وراء التلال مسقط وعمان ومن الغرب يحدها خط يمتد
تقريباً من الشمال والجنوب بين الحجاز من جهة ووادي الدواسر من جهة أخرى" (62).
وفي عام 1282هـ فقدت الدولة السعودية
الثانية إماماً عظيماً من أئمتها في هذا الدور وخسرت البلاد السعودية إماماً
رحيماً رفيقاً برعيته عادلاً في حكمه وموفقاً في أعماله، أمنت في ظله البلاد وسعدت
بحكمه العباد في أمر دينها ودنياها، ثم خلفه ابنه الأكبر عبدالله الفيصل في الفترة
من عام 1282هـ وحتى 1288هـ فسار في الناس بسيرة أبيه في أول عهده ثم حصل خلاف بينه
وبين أخيه سعود بن فيصل حمل فيه السلاح والتقت فيه الجموع وتعددت المعارك ودخلت
البلاد في فتن وحروب سماها الريحاني وغيره (أهلية) وكانت هذه الفـــترة من أشد
فترات التاريخ في منطقة نجـــد، يقول الريحاني: " قد كانت هذه السنة 1871م،
1288هـ والتي تليها سنين قحط في نجد فجاءت المجاعة تنجد الحرب على أهله، نعم قد
توالت النكبات وتعددت فمن لم يمت بالسيف مات جوعاً، وكان الناس يأكلون جيف الحمير
ويحرقون جلود الأباعر ويدقونها، بل كانوا يدقون حتى العظام ويأكلون مسحوقها
".
وقد امتدت فترة الفتن والحروب بعد وفاة
الإمام فيصل بخمس سنوات حتى خروج آل سعود من نجد ولجوئهم إلى الكويت ما يقارب
ثلاثين عاما.
وانتهت بذلك الدولة السعودية الثانية
وكانت مدتها تسعـــــة وستين عامــــا وطويـــــت صفحتها كوجود سياسي إلا أن الأسس
التي قامت عليها دعوتها الإصلاحيـــة ظلت باقية في النفوس تتطلع إليهـــــا
الجماهير بفارغ الصبر وتحن إلى عودتها إلى ساحة نجد متى توافرت الظـــروف
المناسبـــة والمناخ الملائــم على يد إمام جديـــد من أئمتها الأشاوس ، وقد اختار
الله لهذه المهمة وقيـــام الدولة السعوديـــة الثالثـــــة الملك عبدالعزيــز بن
عبدالرحمن آل فيصل– رحمهم الله– والحديث عنه يأتي إن شاء الله .
المبحث الثالث : الفصل الأول :
نهج الملك عبدالعزيز الإصلاحي :
يعد الملك عبدالعزيز– رحمه الله– من
عباقرة الرجال في العصر الحديث الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، لما منحه الله
من المواهب العظيمة، وبما له من رصيد تاريخي في خدمة هذا الدين ولما لآبائه من قدم
صدق في الإصلاح الديني والاجتماعي ولما رفعه من راية التوحيد من أولى خطواته
الإصلاحية ومشروعه الحضاري الذي يأتي ضمن وفي سياق الدولة السعودية منذ قيامها.
وتتجلى هذه العبقرية في نهجه الإصلاحي
منذ دخوله ساحة الصراع في الجزيرة العربية في أيام الحرب وفي أيام السلم على
السواء.
ففي أيام الحرب تجلت مواهبه في خط سيره
من أول يوم إذ اتجه إلى قاعدة ملكه وملك آبائـــه الأشاوس ومركز أنصاره ومؤيديه
ومقر مدرسة الإصلاح الأولى، مدرسة الإمام محمد بن عبدالوهاب– رحمه الله–، والتركيز
على تأمين قاعدة انطلاقه في قلب هذه الجزيرة وحسن رأيه في استشراف المستقبل في ظل
التناقضات الدولية التي كانت تحيط بالجزيرة العربية بين الدولة العثمانية التي قد
أدركتها الشيخوخة بعد أن أمضت من عمرها ما يقارب ستمائة عام، وظهرت عليها آثار
الهرم، وبين القوى الأخرى التي تتطلع إلى دور جديد ومهم في هذه الجزيرة يهدف إلى
إسقاط ذلك النظام القديم الذي أكل عليه الدهر وشرب ودب المرض في أوصاله وأشرف على
الموت لا سيما بعد الحرب العالمية التي خاضتها تركيا، وقد وظف كل هذه الظروف
والمعطيات لإنجاح مشروعه الحضاري وأفاد منه أي إفادة هذا من جهة، ومن جهة أخرى
فإنه قد استطاع بتوفيق الله ثم بعبقريته الفذة أن يحول القبائل العربية ذات القوة
والنفوذ في الجزيرة العربية من قبائل رحل تعيش على السلب والنهب وما يسمى
بالمغازي والتي ليس لها غاية معينة أو هدف
غير الكسب السريع وغير المشروع انطلاقا من قاعدة يوم لك ويوم عليك إلى حالة من
الهدوء والاستقرار والتجمع على هدف معين واضح وهو محل احترام وتقدير جميع الناس
وفي نفس الوقت تربيتهم على بعث الروح الجهادية الهادفة التي تبني ولا تهدم وتؤيد
ولا تخذل وتكون دائماً معه على أعدائه وتعد الخروج عنه جريمة لا تغتفر.
ذلك المشروع العبقري هو ما يسمى توطين
البادية وإنشاء هجر الإخوان لكل القبائل العربية ذات الشأن والنفوذ في الجزيرة
العربية مثل مطير وعتيبة وقحطان وحرب وشمر وبني هاجر والعجمان والمرة والدواسر
وسبيع والسهول والأشراف في الخرمة وتربة وغيرهم من القبائل العربية وتخصيص كل
قبيلة بهجرة أو أكثر يستوطنون فيها ويقيمون فيها وينطلقون منها، وقد سبق هذا
التوطين حملة توعية دينية واسعة النطاق بواسطة الدعاة والوعاظ والمشايخ الذين
ندبوا لهذه المهمة بين القبائل العربية يدعونهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر
وتعليم متطلبات فرائض الإسلام والاستيطان الذي يتوافر معه التدين بصورة أتم وتقام
الجمع والجماعات ويكف الناس بعضهم عن الاعتداء على بعض، وإشعارهم بأن من مستلزمات قبول هذه الدعوة وإحياء الدين
الاستيطان وترك البداوة وتعلم القرآن الكريم ومعرفة الأحاديث الشريفة وسيرة السلف
الصالح في كل جانب من جوانب حياتهم لا سيما في سير المغازي و الجهاد في سبيل الله.
وقد بدأت فكرة توطين البادية في وقتٍ
مبكر من دخول الملك عبدالعزيز الرياض، إذ بدأ المشروع في عام 1328هـ وأعتقد أن
إقبال البادية على التدين كان قبل ذلك بزمن طويل ولكن الملك عبدالعزيز نماه
واستثمره أفضل استثمار فصارت هذه الهجر ثكنات عسكرية دينية تطوعية سكانها مجاهدون
يطلبون الشهادة في سبيل الله، ويرون في الملك عبدالعزيز أنه إمام واجب الطاعة
فرفعت راية الجهاد في سبيل الله في خدمة مشروع الملك عبدالعزيز رحمه الله ، فلم
تكسر له راية ، بل كانت راية جذابة ليس لها شبيه بين الرايات المرفوعة وقتها في جزيرة
العرب، استهوت كل الأفئدة ومالت إليها كل النفوس وطرب لها كل حاد فانضوى تحتها كل
أحد حتى بعض قبائل شمر في حرب الملك عبدالعزيز مع حكام حائل الشمامرة وحتى الأشراف
في الخرمة وتربة في حرب الملك عبدالعزيز مع الشريف، وانطلق من هذه الهجر بهذه
الحركة الدينية جيوش لا تقهر إذ هي تطلب النصر أو الشهادة، وهذه الكتائب بهذه
الروح ولهذا الهدف تفسر للباحث هذا الامتداد السريع للملك عبدالعزيز في جزيرة العرب ونصره الكاسح
على خصومه، إذ ملك بهم سلاحاً لا يملكه غيره من خصومه، وبقدر ما هو قوة في يد
الملك عبدالعزيز الذي قام بالدين ولنصرته وإقامة حدوده ورفع راية الجهاد في سبيله،
فهي إضعاف لخصومه بإظهار مثالبهم من الناحية الدينية، وصرف النظر عن احترامهم أمام
الجميع، وفي هذا المشروع تتجلى عبقرية الملك عبدالعزيز مع توفيق الله في إصلاح
جيشه ودعم رايته وفرض احترامه على القوى التي ترقب الوضع في المنطقة وتضطرهم إلى
التفاهم معه ودعم مشاريعه ومواقفه والتخلي عن خصومته، وإلى جانب ذلك كله فإن كل
بلد أو قبيلة تدخل في طاعته يتحقق لها في ظل حكمه الأمن و ا لاستقرار والعدل
الشرعي وتأمين الخائف والعفو عن المخطئ ونصرة المظلوم.
أما منهجه في الإصلاح في أيام السلم
فهو واضح جداً، فهو ينطلق في الإصلاح من الدين ويربط كل التنظيمات بالشرع المطهر
وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ويعتمد على مبدأ
الشورى في الرأي، قد جاء في التعليمات الأساسية التي صدرت في مكة المكرمة في 16صفر
عام 1345هـ، أي بعد توحيد أجزاء المملكة في البند الثاني من التعليمات ما نصه
(الدولة دولة ملكية شورية إسلامية مستقلة داخليتها وخارجيتها).
وفي البند الخامس (جميع أحكام المملكة
تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح).
وبهذه
التعليمات الأساسية للمملكة أنشئ أول مجلس للشورى بعد توحيدها عام 1345هـ، وقبل
هذا المجلس وفور دخول الملك عبدالعزيز مكة المكرمة سنة 1343هـ أمر– رحمه الله–
بدعوة جمهرة من العلماء والأعيان من أهلها فاجتمعوا وقال لهم: (أريد منكم أن
تعينوا وقتاً يجتمع فيه نخبة من العلماء والأعيان والتجار وينتخب كل صنف من هؤلاء
عدداً معيناكما ترضون وتقررون، وعقد بعد ذلك اجتماعا آخر أسفر عن انتخاب اثني
عشر شخصاً تألف منهم مجلس سمي (المجلس
الأهلي)، وصدر أمر ملكي عهد إليه فيه بالنظر في نظام المحاكم الشرعية وتدقيق مسائل الأوقاف ووضع نظام للأمن الداخلي وسن
لوائح للبلدية ولصحة العاصمة ونشر التعليم الديني فيها وتعميم القراءة والكتابة
وتنظيم التجارة ووسائل البرق والبريد، ثم شكل مجلس الشورى من ثمانية أعضاء برئاسة
النائب العام الملك فيصل رحمه الله، ووسعت اختصاصاته وهكذا كان هذا المجلس محل
العناية والتطوير مرة بعد أخرى حتى عام 1369هـ،(63)
وهكذا بدأت التنظيمات والإصلاحات تتوالى في كل جانب من جوانب الحياة وبما يحقق
للأمة أمنها واستقرارها وإقامة العدل بين أفرادها وتوفير متطلبات الدولة الحديثة
وفي مقدمة ذلك ما يلي:
1-
وضع التعليمات الأساسية التي هي
بمثابة خطوط عريضة لدستور البلاد للتعريف بالدولة وشكلها وترتيباتها الإدارية
وروابطها وعلاقاتها وعاصمتها واستقلالها ووحدة أراضيها وأقاليمها وضوابط قوانينها وأنها دولة إسلامية وجميع أحكامها
تكون منطبقة على الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح وصدرت هذه
التعليمات في 16/2/1345هـ.
2-
توزيـــع المسؤوليات عن إدارة
البــلاد وتعيين نائب عام عنه في الحجاز عام 1344هـ، فجعل الملك فيصل– رحمه الله–
نائباً عاماً عنه وأسند له إدارة الحكومة في مكة المكرمة، ثم أضاف إليه رئاسة مجلس
الشورى سنة 1345هـ، فوزارة الخارجية في رجب عام 1349هـ وإلى جانب ذلك أنشئت بعض
الوزارات مثل الخارجية التي أنشئت عام 1344هـ ووزارة المالية عام 1346هـ ثم توسع
في إيجاد الوزارات ضمن توزيع المسؤوليات في المملكة بعد توحيدها في تدرج مستمر.
3-
التركيز على استتباب الأمن
وتحقيق الاستقرار، وهي مهمة صعبة في بلد حديث العهد بالأمن والنظام مع اتساع رقعة
المملكة وصعوبة الاتصال فيها ووجود العصبيات والثارات ورواسب الماضي في النهب
والسلب والسرقة وقطع الطريق وإخافة الناس، ولهذا فإن من أهم ركائز الإصلاح في عهد
الملك عبدالعزيز تحقيق الأمن والاستقرار للجميع والاحتكام إلى الشرع فيما يختلف
فيه وفي حقن الدماء ومنع الناس بعضهم من بعض، ولهذا فقد أنشئت إدارة للأمن العام
تسمى (مديرية الشرطة العامة) بمكة مؤلفة من إدارات وأقسام ومراكز موزعـة في أنحاء
المملكة ومرجعها جميعا مدير الأمن العام وذلك عام 1344هـ وظلت هذه الإدارة محل
الرعاية والتطوير التدريجي والتوسع ووفرت لها الإمكانات اللازمة لتحقيق الأمن
والاستقرار ماديةً كانت أو بشرية أو معنوية، وقد عانت هذه الإدارة الكثير في سبيل
نشر الأمن مما لا يتسع المقام للحديث عنـــه.
4-
دعم القضاء الشرعي وتوفيره في مختلف
مناطق المملكة واختيار القضاة الأكفاء وإنشاء إدارة له مستقلة مقدمة في الرعاية
والاهتمام على كافة مؤسسات الدولة، ففي عام 1343هـ أنشئت (إدارة القضاء) في مكة
المكرمة واستمرت تحت هذا المسمى لمدة عام بعدها عدل مسماها إلى (رئاسة القضاء)،
ويرتبط بهذه الرئاسة دوائر شرعية عديدة منها:
أ – دائرة
تفتيش المحاكم.
ب– كتاب العدل.
ج – بيوت المال.
د – هيئات
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هـ – المرشدون والوعاظ.
وتضم رئاسة القضاء أربعة أنواع من
المحاكم هي:
أ – محاكم كبرى.
ب – محاكم مستعجلة.
جـ
– محاكم
شرعية في الملحقات.
د – محاكم في القرى.
وعممت هذه المحاكم في مختلف مناطق المملكة وتوسع في توفيرها بتدرج زمني
مستمر حسب الإمكانات والحاجة، وتعتبر رئاسة القضاء أقدم جهاز حكومي في خطة الملك
عبدالعزيز الإصلاحية، يأتي بعدها أو معها تنظيم الأعمال الصحية التي أنشئت في عام
1343هـ لما تتطلبه مواسم الحج السنوية من عناية بالرعاية الصحية.
وصدر أول تنظيم قضائي في تاريخ القضاء في المملكة بمرسوم ملكي عام 1346هـ، عالج هذا المرسوم ما
يتصل بالمحاكم واختصاصاتها وتصنيفها وبعض إجراءات التقاضي والأجهزة الأخرى المتممة
لها، كما صدر أمر سام بالموافقة على أول نظام لكتاب العدل في 26/2/1346هـ في
ثلاثين مادة وقد حدد هذا النظام واجبات كتاب العدل نحو عملهم،كما حدد وظائف كتاب
العدل وتنظيم الإجراءات للمعاملات والعقود والسندات والصكوك.
(انظر نشرة – وزارة العدل رسالة وعطاء – ص31،بدون تاريخ)
وبهذه الرئاسة للقضاء توافرت أسباب العدل وفض المنازعات وقطع أسباب
الخلاف بين الناس بالطرق الشرعية العادلة، وهذا من أبرز معالم الإصلاح في عهد
الملك عبدالعزيز رحمه الله.
5-
الاهتمام بالتعليم وإعداد
الناشئة وتهيئة الكوادر البشرية القادرة على الإسهام في بناء هذه الدولة الحديثة،
وفي هذا السبيل أنشئ في وقت مبكر من عمر الدولة السعودية المعاصرة أول إدارة
للمعارف العامة مرتبطة بالنائب العام بمكة المكرمة عام 1344هـ تتولى فتح المدارس
النظامية في المدن والقرى وتشرف على التعليم الأهلي وتتولى إرسال البعوث التعليمية
لتلقي مختلف العلوم في الخارج وقد تدرج في تطوير هذا الجهاز التعليمي في خطوات
متتابعة حتى استوى على سوقه بصفته جهازاً واسعاً ذا كفاءة عالية وخدمات جليلة
واسعة طورت بها المملكة القوى البشرية وأهلت بها الفرد السعودي للإسهام في خدمة
بلاده وتطوير مرافقها.
6-
العلاقات الخارجية: وكان الملك
عبدالعزيز قد أولى اهتمامه بالعلاقات الخارجية وكان يتولاها بنفسه ومستشاريه حين
كانت مقتصرة على العلاقات التي تتم عن طريق الخليج وكان يستعين بأحمد بن ثنيان في
مهام كثيرة، أما بعد ضمّ مكة المكرمة وجدة فقد أخذت العلاقات الخارجية شكلاً جديدا
واهتماما خاصا وأسندت مهامها في أول الأمر إلى الدكتور عبدالله الدملوجي وأنشـئـت
(مديرية الشؤون الخارجية) عام 1344هـ وقد مرت هذه المديرية كغيرها من المديريات
بمراحل من التطوير والتوسيع حتى صارت وزارة كاملة على أحدث تنظيم.
وإلى جانب ما سبق فقد بدأ التمثيل
الدبلوماسي بين المملكة وخمس دول أجنبية في وقت مبكر هو عام 1344هـ ثم تتابعت
التوسعات في التمثيل الدبلوماسي وإقامة العلاقات في نمو مطرد لتوطيد العلاقات
وخدمة قضايا المملكة والعالم الإسلامي والإسهام في تحقيق السلام العالمي.
ويطول الحديث عن جوانب الإصلاح في عهد
الملك عبدالعزيز إلا أنه يمكن القول إن التنظيم الصحي أخذ حصته من العناية في وقت
مبكر إذ أنشئت (مصلحة الصحة العامة) عام 1343هـ وتعميم الاتصالات بالهاتف غير
السلكي إذ تم ربط المملكة كلها بشبكة غير سلكية أفادته في حروبه وفي تحقيق الأمن
والاستقرار وتسهيل الاتصال بعد ذلك.
كما اهتم الملك عبدالعزيز بوضع نظم
الدولة لا سيما بعد دخوله الحجاز فقد بدأ وضع الأنظمة في عام 1345هـ أي بعد دخول
جدة بعام واحد فقط وكانت هذه الأنظمة تصدر تباعاً حسب مقتضيات الحاجة ومتطلبات
تنظيم الأعمال وقد تجاوزت النظم الصادرة في عهد الملك عبدالعزيز 36 نظاماً إلى جانب التعليمات والتعاميم وقد ذكر
منها خير الدين 24 تعميما تتعلق بموضوعات مختلفة وبهذه الإصلاحات والمؤسسات
والوحدات الإدارية والأنظمة والاهتمام بحسن التطبيق تحقق للملكة قفزة نوعية مكنها
منها هذا المنهج الإصلاحي العريض الذي قفز بها إلى مصاف الدول المستقرة المعاصرة،
ويمكن تحديد ملامح منهج الملك عبدالعزيز الإصلاحي في النقاط التالية:
1-
الإبداع: والمقصود به طرح أفكار
مبتكرة تخدم مشروعه الإصلاحي، ومنهج الملك عبدالعزيز غني بالأفكار المبتكرة ،
وتتبعها يوقعنا في التطويل ، ويكفي أن نذكر مثالا واحدا سبقت الإشارة إليه للتدليل
على قدرته الإبداعية، ذلك هو الشروع في توجيه البادية إلى التدين ، وتربيتهم
التربية الجهادية ، وتوطينهم فيما يعرف بالهجر ، وسميت هجر الإخوان بالهجر ؛ لأن
من استوطنها فقد هجر البداوة والجهل وهاجر إلى الله ورسوله وصرف اهتمامه إلى قراءة
القرآن وحفظه وفهم معانيه ومعرفة السنة وقراءة كتب السيرة النبوية وجهاد الصحابة
وتضحياتهم وشوقهم إلى الجنة والاستشهاد في سبيل الله، فهذا المشروع من أروع ملامح
منهج الملك عبدالعزيز إذ كون به جيشا لايقهر وحول به قبائل الجزيرة العربية
المتناحرة إلى إخوة في الإسلام حتى صار الإنسان بدخوله في هذه الدعوة أخاً لمن
شاركه هذا التوجه ولو كان من أبعد الناس ، وعدواً لمن لم يدخل فيها ولو كان أخاه ،
وبذلك قاتلت قبائل شمر مع ابن سعود ضد ابن
رشيد، وقاتل الأشراف شريف مكة مع الملك عبدالعزيز من أجل رابطة الدين وهذا غاية
الإبداع في الفكر والتخطيط لنجاح مشروعه الإصلاحي.
2-
الفورية: وتتمثل هذه في مبادرة
الملك عبدالعزيز في الأوقات المناسبة في طرح مشاريعه الإصلاحية وتنفيذها التي تخدم
مشروعه الحضاري العام فهو حين تدخل تحت طاعته أي بلد يبادر على الفور في إقامة
متطلبات هذه البلدة من الأمن والاستقرار وإقرار العدل وتأمين الناس على أنفسهم
وأموالهم وأعراضهم وتحصينها من الأعداء، فبناء أسوار الرياض فور دخولها واستنهاض
الأنصار والمؤيدين في منطقة العارض والخرج والجنوب في الحوطة والحريق والحلوة
والأفلاج والمحمل وسدير والوشم ثم القصيم في فترة وجيزة جداً، هذا في حالة الحرب.
والفورية ظاهرة كذلك في أيام السلم، فإن ضم جدة كان في 6/6/1344هـ، وفي
هذا العام نفسه وزع المسؤوليات ووضع نائباً عاما له في الحجاز وأصدر عدة تعليمات
تتصل بتنظيم العلاقات الخارجية والتمثيل الدبلوماسي وإيجاد أجهزة للتعليم والصحة
والأمن وخفر السواحل والاتصالات وغيرها، ورئاسة القضاء، وفي العام الذي يليه
مباشرة بدأ في إصدار الأنظمة كنظام الصحة العامة ونظام إدارة الحج، وفي العام
الثالث صدرت أنظمة تشكيل المحاكم وكتاب العدل ومجلس المعارف ونظام تسجيل المطوفين
وغيرها.
3- التدرج: وقد اتسم منهج الملك عبدالعزيز الإصلاحي بالتدرج
المستمر في كل شأن من الشؤون حسب الظروف والإمكانات ومتطلبات الحياة في أيام السلم
والحرب معا، ففي أيام الحرب دخل الرياض ثم حصنها وبدأ يجمع أنصاره ومؤيديه بلداً
بعد آخر ويقاتل خصومه في معارك واحدة بعد الأخرى وهو في هذا كله ينظم ويرتب الأوضاع
في كل بلد تدخل تحت طاعته، وهو في السلم كذلك يوجد الوحدات الإدارية ثم يطورها
ويضع الأنظمة ثم تراجع وتطور حسب متطلبات الحياة، ولو أخذت أي وحدة إدارية لترصد
التطورات التي مرت بها وأنها بدأت بداية متواضعة ثم أخذت تنمو وتتسع خدماتها
ومتطلباتها في خطوات متدرجة حتى استوت على سوقها، وهكذا الأنظمة تصدر ثم تراجع
وتطور مرة بعد أخرى حتى تكون لدينا مجموعات ضخمة من الأنظمة التي تحكم أنشطة
الدولة في مختلف مرافقها والتدرج سمة ظاهرة في كل جانب من جوانب بناء الدولة
الحديثة التي أرسى قواعدها الملك عبدالعزيز رحمه الله.
4- الشمولية: فإن منهج الملك عبدالعزيز في الإصلاح يتسم
بالشمولية في النظرة والبناء، فإنه في الوقت الذي يقاتل خصومه في الشمال لا يغفل
عن أعدائه في الجنوب أو في الغرب بل تشمل عنايته كل هذه النواحي، وفي الوقت الذي
ينشئ رئاسة القضاء لإقامة العدل ينشئ في الوقت نفسه وحدة لأعمال الصحة، وفي الوقت
الذي يقيم فيه إدارة الأمن العام لتوطيد الأمن يعمل على إقامة العلاقات الخارجية
والتمثيل الدبلوماسي وإدارة المعارف ويوزع المسؤوليات، وهو في الوقت الذي يهتم فيه
بالأمن في الحجاز يهتم بالأمن في الشمال والجنوب والشرق والوسط بنظرة واسعة شمولية
حققت له النجاح الذي كان يطمح إليه.
5- حسن اختيار الرجال: وهذه من أهم سمات الملك عبدالعزيز في
الإصلاح، فهو متفوق في حسن اختيار رجال دولته، إذ يختار الأقوياء وذوي الخبرة في
الحرب في مجال الحرب ويستعمل صاحب العلم والورع والتقى والأمانة للقضاء وهكذا في
كل مجال يختار من الرجال المناسب للقيام عليه بكفاءة وبذلك حقق لمشروعه الحضاري
تفوقاً يلمسه الكل.
وهو مع حسن اختياره لا يترك لكل مسؤول
أن يتصرف باسم الدولة دون رقيب أو حسيب ولكنه مع حسن الاختيار كان متابعاً لأعمال
عماله عارفاً بتصرفاتهم ويقوم أنشطتهم على ضوء ما يتوافر لديه من معلومات، ولهذا
فإنه– رحمه الله– كان ينتقد عمه عبدالله الفيصل في سياسته في هذا الجانب، وهو أنه
إذا ولىَّ شخصاً على أمر من أمور الدولة تركه لاجتهاده ومنحه ثقته وقد يظلم ويسئ
وينفر الناس بتصرفاته باسم الدولة فلا يجد من يرفع ظلمه مما نفر الناس عنه وكرهوا
إدارته.
6-
إظهار هيبة الدولة: الملك
عبدالعزيز رجل عدل وإنصاف ومن أجل تحقيق ذلك كان مهتما ً بالقضاء الشرعي وتعزيزه
وتقديم إنشائه على غيره وتنظيمه وجعله مبسوطاً لكل الناس إذا طلبوه ولا يؤخذ أحد
من غير شرع، فالشرع هو المقدم في تحقيق الحقوق وفصل المنازعات وأجهزة الأمن مهمتها تنفيذية صرفة فمن طلب الشرع لم
يمنع عنه مهما كان، ولكن إذا صدر حكم شرعي في أي قضية تبعه تنفيذ فوري صارم يقوم
به المعوج وتؤخذ به الحقوق ويتم به إظهار هيبة الدولة واحترامها للشرع ورد الحقوق.
هذه أهم ملامح منهج الملك عبدالعزيز في
الإصلاح، كما رأيتها وهي سماتٌ عظيمة حقق بها تميز مشروعه الحضاري.
الفصل الثاني : الملك عبدالعزيز
وتأسيس المملكة العربية السعودية :
حظيت
شخصية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية والدولة
السعودية المعاصرة بما لم تحظ به أي شخصية عظيمة في التاريخ الحديث، ومع ذلك فلا
يزال فيه مجال واسع للدراسة والبحث عن هذه الشخصية واستخلاص الدروس والعبر والكشف
عن أسرار هذا التفوق والنبوغ ومقومات هذا النجاح العظيم الذي حققه في فترة تاريخية
وجيزة وبجهود ذاتية محدودة وإمكانات متواضعة وفي ظروف دولية معقدة وبعد إخفاقات
متعددة في استعادة البيت السعودي وبناء أركانه، وبعد معاناة شديدة في محاولة تجديد
الدور السعودي الثالث وعودته .
وحين يحاول الإنسان الكتابة عن هذه
الشخصية الفذة وما تحقق على يدها مما يشبه المعجزة في فترة زمنية محدودة ليتعرف
على سر هذا التفوق والظهور والتميز على
كثير من الشخصيات المعاصرة لها والتي لها نفس الطموح وتملك كثيراً من المواهب
والقدرات إلا أنها قد حجبها ظهور هذا القائد الفذ وسبقها إلى نيل العلا والمكارم
فكان كالشمس تختفي معها الكواكب، فإن البحث والدراسة تتطلب من صاحبها أن يمد نظره
إلى الماضي بكل ما فيه من دروس وأرصدة تاريخية ساعدت هذه الشخصية في تحقيق
طموحاتها وظهور مواهبها وتعميق النظرة في واقع الحياة التي عاشتها هذه الشخصية
وتفحص الظروف الدولية التي كانت قائمة في تلك الحقبة الزمنية وما فيها من تناقضات
وتضاد أحياناً وما فيها من فراغ تاريخي يحتاج إلى ملء وما لهذه الشخصية من مواهب
قيادية وسياسية وإصلاحية وما تتمتع به من تفوق في كثير من جوانب الشخصية كالحكمة
والشجاعة وحسن التدبير والعفو والمسامحة وقبول أعذار المعتذرين وبعد النظر في
معالجة القضايا والثقة بنفسه في نجاح مشروعه واعتماده على المشاورة والاستفادة من
عقول الآخرين وقوة التأثير على الآخرين في
كل المواقف ووضوح حجته ومخاطبة الآخرين من خلال مصالحهم المشتركة لا من مصلحته
وحده ومعرفته بعادات العرب وأعرافهم وأنسابهم وصلاتهم وعلاقاتهم واستثمار ذلك كله
وتوظيفه في إنجاح مشروعه الحضاري.
أما تناول هذه الشخصية من حيث رصيدها
التاريخي فإن هذا يعود بنا إلى تاريخ الدولــة السعوديــة منذ نشأتها على يـــد
الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب – رحمهما الله تعالى– وما كان لهذه
الأمة في ظل هذه الدولة السعودية من عزٍ وتمكين ووحدة سياسية وثقافية وفكرية وما تحقق
في ظلها للجميع من أمن ورخاء وعدل وإخاء وعودة بالأمة الإسلامية في جزيرة العرب
إلى ما كان عليه المسلمون في الصدر الأول في نقاء العقيدة وعدل الشريعة وإخلاص
العبادة وتطهيرها من كل البدع والخرافات والأوهام، ورخاء العيش وتوافر أسباب
الحياة الكريمة وما ضربه أئمة هذه الأسرة الكريمة من أمثلة عظيمة في حسن السياسة
وكمال التدبير وتحري العدل ونصب القضاة وحراسة الشريعة وتساوي الناس أمامها ، وما
في سيرهم من الصفاء والنقاء والابتكار والنصح للرعية والعطف على الضعفاء والمساكين
ورعاية الأيتام والقدوة الحسنة والمثال الفذ في كل جانب من جوانب الحياة والعفة عن
المال العام مما جعل شعب الجزيرة العربية يعترف لهؤلاء الأئمة بالتقدم والأهلية
ويحيطهم بالحب والتقدير والاحترام والتقديم على من سواهم من الناس، وحين انتهت
الدولة السعودية في دورها الأول على يد إبراهيم باشا ككيان سياسي ظلت الدعوة قائمة
في نفوس الناس في جزيرة العرب والشعب جاهز للانضواء تحت لوائها متى سنحت الفرصة
لظهور رايتها على يد أحد أتباعها البررة، وهذا هو الذي سهل قيام الدولة السعودية
في الدور الثاني على يد الإمام تركي بن عبدالله ،وقد وجد الناس في سيرة هذا الإمام
وابنه فيصل بن تركي نفس سيرة أجدادهما فأكدت هذه السيرة ما كان مستقراً في نفوس
الناس من حب وولاء لهذه الأسرة وتطلع إلى ظهور مصلح جديد كلما أحست هذه الأمة بسوء
الأحوال وانتشار الظلم والتراخي في أمور الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وهذا كله مهد الطريق وعبَّده لمؤسس الدولة السعودية المعاصرة الملك عبدالعزيز
وجعله أملاً منتظراً للناس عند ظهوره، أما الظروف التي عاشتها هذه الشخصية
المتفوقة منذ نشأتها فهي تبدأ من مشاهدتها لوضع الأسرة السعودية في عهد أبناء فيصل
بن تركي من الاختلاف والتفرق وتسلط الأعداء عليها وما عاشته هي وشعبها من معاناة
وآلام ومآسٍ في ظل تلك الفترة الحالكة وما تعرضت له من أذى شديد وتشرد وتنقل الملك
عبدالعزيز مع والده – يرحمهم الله – من مكان إلى غيره ومن حياة الحاضرة إلى العيش
مع البادية حتى انتهى بهم المطاف إلى الكويت للإقامة فيها وترقب الحالة السائدة في
جزيرة العرب عامة وفي نجد بصفة خاصة.
عاش كل هذه الظروف بملابساتها وأسبابها
ونتائجها وعرف بها أحوال الناس وعاداتهم وظروفهم وأساليب التعامل معهم وعلاقاتهم
على مستوى القادة والشعوب والقبائل والجيران وعرف طرق الكر والفر وآثارها.
ففي هذه المرحلة المبكرة من حياته أخذ
هذه الدروس العلمية وتشرب الحياة السياسية والعسكرية وتزود بأساسيات هذه العلوم
عملاً وممارسة ولما يبلغ الحلم.
أما الدروس التالية لهذه المرحلة فقد
تلقاها في المنفى في الكويت الذي كان محط رحل السياسيين في تلك الفترة وملتقى
الثقافات ومنها تمتد كثير من الخيوط التي تحرك الحياة السياسية والاقتصادية في
الجزيرة العربية في تلك الحقبة التاريخية، إذ كانت بريطانيا لها نفوذها القوي في
الكويت ولها سياساتها الخاصة في جزيرة العرب ولها ساستها وقوادها الذين هم على صلة
قوية بالأحداث وتحريكها، والدولة العثمانية هي الأخرى لها تواجدها وتأثيرها في
الأحداث في المنطقة على مقربة من الكويت في البصرة والأحساء والقطيف والعراق، وكل
من هاتين الدولتين لها أهدافها وسياستها الخاصة في المنطقة وهي غالباً ما تكون
متضادة لأن كلاً منهما يريد أن يكون هو الفاعل والمؤثر في الساحة السياسية ، أحدهما
له تواجد عسكري فعلي والآخر له حضوره المحدد ولكنه طامع في التوسع، أحدهما شيخٌ
هرم أكل الزمان من عقله كما أكل من جسمه والآخر شابٌ فتي متطلع إلى مستقبل أفضل.
والكويت والبصرة وهما يضمان هذه
التناقضات والأفكار والسياسات محل انطلاق للحركات السياسية ومصدر تمويل الكثير
منها، وفي هذه الأجواء النشطة في مجالات السياسة والقيادة تشرب الملك عبدالعزيز كل
الدروس والعبر التي يحتاج إليها في مشروعه الحضاري ووقف على السياسة الدولية
المحيطة بالجزيرة العربية وقرر الاستفادة منها واستثمارها في تحقيق أهدافه، ولما
باشر عمله العسكري الفعلي والقيادي العملي في عام 1318هـ كان مزوداً بكل متطلبات
المعركة التي صمم على خوضها لتحقيق هدفه ولم يأخذها من كلية أكاديمية تدرس العلوم
السياسية والنظرية ولا من كلية عسكرية تؤهل للقيادة ولكنه تلقاها من مدرسة الحياة
بكل أبعادها وبكل عبرها ودروسها من الدروس العملية والممارسة الفعلية لا من
النظريات ومجرد الأفكار التي تكون أحياناً بعيدة عن متطلبات النجاح أو لا تتوافر
لها المهارة المطلوبة في تنفيذها.
أما عن ناحية الأوضاع الداخلية في
جزيرة العرب فإن وقعة الصريف التي كانت بين مبارك الصباح وأتباعه وبين ابن رشيد
حاكم نجد وقتها والتي حقق فيها ابن رشيد
نصراً كاسحاً على مبارك الصباح وذلك في عام 1318هـ، فإن هذه المعركة بما تحقق فيها
من نصر كبير لابن رشيد تمثل ذروة انتصار وقوة عبدالعزيز بن متعب الرشيد وكان يمكن
بها إطالة عمر دولة الرشيد لو أحسن استثمارها بخفض جناحه لأتباعه وعفوه عمن أساء
إليه من رعيته وتسامحه مع من خالفه وقبل عذر من اعتذر وحط الإتاوات والضرائب عن
شعبه واستمال وجوه الناس بالعفو عنهم والتسامح معهم ورفع الظلم عن المظلومين
ورعايته للمحتاجين وتوثيق صلته بشرائح مجتمعه المختلفة.
ولكن ما حصل بهذا النصر العظيم هو
إصابته بالغرور ، واستعماله القوة والقسوة على الناس ، وعدم قبوله لعذر المعتذر عن
خطئه أو تقصيره ، وضربه بيد من حديد على كل من خالفه أو تأخر عن مناصرته ، وزيادة
الضرائب والإتاوات ، ونكال القبائل ، وظلم الرعية ، وظن ألا قوة يمكن أن تقف في
وجهه ؛ فنفر الناس منه ، وحقدوا عليه ، وسئموا سياسته وظلمه وتطلعوا إلى أي فرصة
تسنح للتخلص منه ، فكانت هذه المعركة العظيمة وما ترتب عليها من تصرفات وآثار هي
بداية العد التنازلي لهذا الحاكم القوي العنيد والدولة الكبيرة التي زالت على يد
هذه الشخصية العظيمة بعد معارك طاحنة ومنازلات حامية وحروب طويلة كانت على يد
الملك عبدالعزيز ، طوى صفحتها سطراً فسطرا حتى النهاية، وإذا كانت القسوة والعنف
وحصول المظالم والانتقام من الخصوم وفرض الإتاوات والضرائب مثلت أرضية لقبول
التغيير في الأوضاع السياسية فإن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية عن هذا الجانب في
استمالة الناس وصرف وجوه الناس عن راية ابن رشيد إلى الراية الجديدة التي حملها
الملك عبدالعزيز، فالراية في حكم دولة الرشيد تقوم على عنصر قبلي عروبي وعصبية
شمرية وهي مصدر قوة تلك الدولة، فإن راية الملك عبدالعزيز ترفع شعار الدين
والتوحيد والعروبة معاً ولاتقوم على عصبية قبلية وهذا من أهم مقومات النصر في
معركة البقاء، فقبيلة شمر قبيلة عظيمة وذات شأن في الجزيرة العربية ولكنها ليست كل
العرب ولا يسلم لها بالتفوق مع ما في أهلها من شمائل عظيمة ومكارم أخلاق فاضلة
وشجاعة وفروسية نادرة وغيرها من الصفات الحميدة التي تشاركها فيها كثير من القبائل
والأسر.
أما الإسلام فهو دين الجميع وهدف الكل
وصوته مقدم على كل صوت ورايته فوق كل راية، ولهذا فقد كان لرفع الملك عبدالعزيز
هذه الراية العظيمة من رجل عرفت أسرته برفع هذه الراية بصدق في مختلف العصور، وبهذه
الراية عرفت الأمة العدل والإنصاف والأمن والاستقرار والاستقلال والتقدم ولمّ
الشمل وجمع الكلمة ونشر الأخوة الإسلامية فكانت هذه الراية تسرق الأنظار وتستهوي
الأفئدة لا من القبائل غير شمر بل من قبيلة شمر نفسها التي تركت قطاعات كبيرة منها
راية العصبية وانضوت تحت لواء العقيدة فكان رفع هذه الراية عاملاً من عوامل تحقيق
النصر وبروافد هذا التكوين المتآزر على تهيئة أرضية النجاح لهذا القائد الفذ في
الأجواء المشحونة برياح التغيير ظهرت شخصية الملك عبدالعزيز وتوافرت أسباب بروزها
وظهور مواهبه القيادية والسياسية والعسكرية والإصلاحية حين برز في ساحة المواجهة
ليدير معارك التغيير وإقامة البناء الجديد على قواعد الدولة السعودية الأولى ونفس
أسسها ومنطلقاتها ومنهاج عملها والغاية منها.
أما أوصاف الملك عبدالعزيز كما ذكرها
معاصروه فإنه كان رجلاً فارعاً في طوله متناسقا في جسمه قوياً في بنيته حتى كان
يعرف عند العامة بلقبه (نايف) لأنه من أطول الرجال في جزيرة العرب وقد وصفه ضاري
الرشيد فقال: " هو رجل مديد القامة حتى إنــه لم يكن في نجد اليوم أطول منه
وهو مع ذلك متناسب الأعضاء حسن الوجه أبيض وشعره أسود خفيــف اللحية والعارضين وهو
جــواد محبوب ذو رأفة في عشيرته وممالكه"(64)،
ويذكر الملك عبدالعزيز– رحمه الله– أنه كان يخجل من الناس ويحس بالحرج من طوله حتى
قال لمحمد أسد: " كنت أضطر إلى خفض رأسي وكتفي عندما أمشي بين غرف القصر أو
في شوارع الكويت كيما يبدو أقصر مما أنا عليه في الحقيقة"(65).
ومحمد جلال كشك يعلل هذا الطول بقوله:
" كان بحاجة إلى جسد من حجم خاص ليطيق حمل هذه الطاقة الجبارة التي تفوق قدرة
العصبة من الرجال"(66).
وأما حين يتحدث فإن لديه ثقة في نفسه
وصدقاً، يقول فيأسر السامع ويسحر الحضور
ويبهر بها الناس وهو يعتز بإسلامه وعروبته وبحرصه على مصلحة شعبه ومصالح
الآخــرين، واضح الرأي قوي الحجة حاضر البديهة يصفه الأستاذ محمد جلال كشك بقوله:
" كانت لديه قدرة ساحرة على احتواء الآخرين من شتى الثقافات والانتماءات
والخلفيات، أخضع البدو بشهامته وسخائه ورجولته بل فحولته التي تفتن العربي الأصيل
وبايعه الريحاني اللبناني المسيحي الأمريكي الجنسية وفيلبي الملحد ممثل
الإمبراطورية ولاذ به تلامذة محمد عبده والأفغاني في العلم العربي وعشاق الخلافة
من مسلمي الهند وثوار ليبيا والوفديون في مصر والوطنيون في سوريا والعراق، كلهم
بايعوه زعيماً للعالم العربي واعتبروه المنقذ الوحيد للعالم الإسلامي" (67).
وحين قابله الريحاني لأول مرة قال:
" إنه أكبر رجل في العالم العربي" (68)،
والملك عبدالعزيز يملك طاقة هائلة من القوة والنشاط في العمل، فهو يعمل معظم ساعات
ليله ونهاره بكل نشاط وحيوية في تدبير شؤون دولته وأمور بلاده دون أن يعتريه كلل
أو ملل، وهو مع ذلك محاور قدير يطرح وجهة نظره بكل وضوح ويستطيع الدفاع عنها
وإقناع الآخرين بصواب رأيه .
يذكر الأستاذ محمد جلال كشك بأنه عقب
أول لقاء بين الملك عبدالعزيز والبعثة البريطانيــة التي ضمت فيلبي: كتبت
البعثـــة في تقريرها " إن ابن سعــود لا يكل ولا يمل من عقـــد الاجتماعات
وسماع الشكـاوى والالتماسات والفصل في الخصومات ومناقشة زواره، ولا يتوقف عن العمل
إلا لأداء الصلاة من الفجر إلى ساعة متأخرة من الليـــل "(69).
وكان الملك عبدالعزيز – رحمه الله– قبل
كل هذا وبعده مؤمناً بالله وحده واثقاً بنصره شديد التعلق بربه في السراء والضراء
دائم الثناء عليه يؤمن بأن ما يناله من خير فمن الله وما يصيبه من أذى فمن نفسه
وتصرفاته، وهو دائم الطاعة محافظ على الصلاة وإقامتهــــا في الجماعة، محافظ على
السنن والرواتب وصلاة الوتر وله وردٌ دائم
يقرأه بين صــــلاة الفجر وشروق الشمس في الحضر والسفر ويغضب غضباً شديداً
إذا انتهكت محارم الله تظهر آثاره عليه، يلجأ إلى الله بالدعاء في كل الظروف ويدعو
للمسلمين ويعلن للناس بأنه ناصح لهم ساعٍ في تحقيق مصالحهم ويدعو على نفسه إن كان
غاشاً لهم أو غير ناصح لهم أو إذا كان وجوده فيه مضرة عليهم مما يدل على صدق نيته
وسلامة قصده وهو مع هذا وذاك قائــــد عسكري شجاع لا يهاب الموت، وسياسي بارع قد
أحكمته التجارب وعلمته الحياة بطول الممارسة العملية للقيادة السياسية، كيف تدار
الحياة في الحرب والسلم. وكل ما سلف وغيره يفسر لنا ما استطاع أن يحققه هذا
القائـــد العظيم من إنجازات في فترة وجيزة، ربما حلا لبعض الدارسين أن يسميه
معجزة إذ هي إنجازات مذهلة وواسعة جداً غير بها الخارطة السياسية في جزيرة العرب
ووحد بها هذه الأمة المسلمة في كيان واحدٍ متجانس في العقيدة والفكر والثقافة
والطموح والآمــــال.
وبنظرةٍ سريعة على الخارطة السياسية
لانتصارات الملك عبدالعزيز منذ دخول الرياض في 5 شوال عام 1319هـ حتى توحيد المملكة العربية
السعودية في 6/6/1344هـ يتضح
سرعة استجابة كل من الرياض ومنطقة الخرج والحوطة والحريق والحلوة والأفلاج ووادي
الدواسر، فحين دخل الرياض بدأ في تحصين أسوارها بتعاون كبير من الأهالي وتمَّ ذلك
بسرعة فائقة، ثم خرج بنفسه إلى الخرج وترك والده في إدارة الرياض فاستجابت له
منطقة الخرج والحوطة والحريق والتقى ابن رشيد في الدلم في عام 1320هـ أي بعد عدة
شهور من دخوله الرياض ودخل تحت طاعته إلى جانب أهل الجنوب من الخرج إلى وادي
الدواسر أقاليم الشعيب والوشم وسدير والزلفي ووصل إلى حدود القصيم، وفي عام 1322هـ
دخلت تحت طاعته عنيزة وفي العام نفسه دخلت بريدة وبقية مدن وقرى القصيم وكذا
البكيرية والشنانة، وفي عام 1324هـ وفي شهر صفر منه صارت وقعة روضة مهنا التي قتل
فيها عبدالعزيز بن متعب آل الرشيد رئيس دولة الرشيد، وفي العام الذي يليه كانت
وقعة الطرفية 1325هـ وبذلك وحد الملك عبدالعزيز قاعدة حكمه من وادي الدواسر إلى
حدود القصيم في مدة لا تتجاوز ست سنوات.
ثمَّ اتجه إلى المنطقـــة الشرقية التي
كانت بيد الأتراك في 5 جمادى الأولى من عام 1331هـ ثم دخل الأحساء وبعدها القطيف
ثم اتجه إلى جهة الغرب فكانت وقعة تربة في 25 شعبان من عام 1337هـ، وفي العام الذي
يليه وفي شهر شوال من عام 1338هـ تمَّ ضمّ منطقـــة عسير، ثم جـاء تسليم حائل في
29 صفر عام 1340هـ ثم دخل تحت طاعتـــه الطائف في 7 صفر عام 1343هـ ودخلــت بعده
مكــة المكرمة تحت حكمه في 19/6/1344هـ، أما جدة فقد كان تسليمها في 16 جمادى
الآخرة عام 1344هـ وبذلك تمَّ توحيد أجزاء المملكة العربية السعودية في كيان قوي
واحد بدلاً من الكيانات الضعيفة المتعددة التي كانت قائمة في مناطق متعددة من هذه
المملكة.
وبهذه النظرة السريعة على خارطة
انتصارات الملك عبدالعزيز يتضح السرعة الهائلة والاستجابة الفورية من قاعدته
الأساسية العارض والخرج والأفلاج والحوطة والحريق ووادي الدواسر والمحمل والشعيب
وسدير والوشم ثم القصيم وتأخر ضمّ كل من حائل والحجاز وعسير ، وأنه لو لم تكن
الاستجابة الفورية والمخلصة من قاعدة ملكه لما تمَّ له كل ما حصل ، وهذا كله يؤيد
ما ذكرنا في أثناء هذا البحث من المقومات التي توافرت لهذا الزعيم بدءاً برصيده
التاريخي ورفعه راية الدين وحسن استثماره للظروف التي كانت قائمة داخلية كانت منها
أو خارجية ، إلى جانب مواهبه الذاتية التي جعلته يحسن توظيف هذه المعطيات لتحقيق
مشروعه الحضاري الذي ينعم الناس اليوم بنتائجه المتمثلة في دولة عظيمة ذات كيان
قوي ونظام عادل يعيش الناس في ظلها أخوة إسلامية رحيمة وعدلاً شاملا وأمناً كاملاً
وتتوافر فيها وسائل العيش الكريم وتتحقق في بناء مؤسساتها تنمية شاملة وتطور سريع
وتتمتع هي بسمعة طيبة وثقل سياسي تخدم به قضايا الأمة الإسلامية وتدافع بها عن
حقوقهم في مختلف المجالات.
الفصل الثالث : المملكة في عهد
أبنائه :
لم يلحق الملك عبدالعزيز بالرفيق الأعلى
إلا بعد أن أتم توحيد المملكة العربية السعودية، وحدد الأسس التي قامت عليها، ووضع
الملامح العامة لدستورها وقيامها على الشورى، وبعد أن وضع اللبنات الأولى في
بنائها في كثير من مجالات الأنشطة التي تقوم عليها.
وكان أبناء الملك عبدالعزيز يشاركونه
في مرحلة التأسيس ويؤازرونه في الحرب والسلم، يقودون الجيوش ويمارسون السياسة
ويمثلون المملكة العربية السعودية في المناسبات والمحادثات وإقامة العلاقات مع
الدول في الخارج ودول الجوار وكانوا سواعد قوية في تحقيق طموحه وإقامة مشروعه في
أيام السلم بالمشاركة في التأسيس والبناء وتحمل المسؤوليات ومباشرة الأعمال
الإشرافية والقيادية في حياته كلٌ في المجال الذي يناسبه وبالقدر الذي يستطيعه
والتوجيه الذي يتلقاه.
ولما لحق الملك عبدالعزيز– رحمه الله–
بالرفيق الأعلى كان أبناؤه ورجال دولته قد تخرجوا في مدرسة الملك عبدالعزيز
العملية ومارسوا العمل الفعلي تحت إشرافه وتوجيهه، وأصبحوا مؤهلين للعملية الأهم
والأشد وهي عملية تعميق جذور الدولة، وإرساء قواعدها وإشادة بنائها وتحديث أساليب
الأداء فيها، وتطوير أجهزتها وإعطاء الثقة في دوام عطائها واستمرار مسيرتها وأنها
تملك وسائل التحديث والتطوير حسب مقتضيات الظروف والأحوال ومتطلبات المتغيرات
الكثيرة والمتجددة.
وإذا كان الملك عبدالعزيز بدأ إصلاحاته
المدنية وتحسين موارد الدولة بالتفكير في الزراعة والمياه بعد توحيد المملكة
مباشرة ليرفع من مستوى معيشة شعبه وجلب الخبراء للبحث عن المياه الجوفية والأراضي
الخصبة وتبع هذا التفكير العميق والسليم كشوف لم تخطر له ولا لغيره من سكان
المملكة على بال، إذ حصل على مطلوبه من البعثات والخبراء الذين استقدمهم للبحث عن
المياه في معرفة المياه وإمكانات المناطق في الزراعة ومع ذلك قامت فكرة أهم منها وهي البحث عن البترول وإعطاء عقود امتياز
وكان ذلك بداية وضع الرجل يده على الطريق في استثمار خيرات هذا البلد لصالح أهله
وبداية الخروج من الأزمة الاقتصادية التي أحس بها الملك عبدالعزيز بعد توطيد
المملكة وجمع أجزائها وما ينتظر الناس من هذه الدولة الفتية من تحسين أوضاع الناس
ومحاربة الجوع والفقر والخوف والجهل والمرض ففتح الله له بهذه المحاولات بعض خزائن
الأرض وأعطته الأمل في التحسين السريع في أوضاع مجتمعه وترفيه شعبه إذ المال هو
عصب الحياة ومحرك النشاط وبه تستقيم شؤون الحياة.
ولما انتقلت الأمانة من بعد القائد
المؤسس إلى أبنائه البررة غذوا السير في تطوير البلاد وتنمية مواردها وإعداد
الإنسان فيها وتأهيله للإسهام في بناء وطنه فأشادوا ما بناه المؤسس وانشأوا ما
اقتضته الضرورة ومصلحة البلاد وطوروا أساليب العمل وأنماط الممارسات وأرسوا قواعد
البناء على أسس علمية حديثة وحافظوا على المنطلقات الأساسية والثوابت في سياسة
المملكة ووسعوا علاقات المملكة ومشاركتها في المجالات الدولية واضطلعت بمسؤوليتها
عن المسلمين في مختلف أقطار الأرض في دعمهم وتوجيهم والدفاع عن قضاياهم وأسهموا
بقدر كبير في خدمة اللغة العربية ونشرها وحفز الناس على تعلمها والإفادة منها في معرفة
هذا الدين من أصوله الأساسية الكتاب والسنة.
وليس من السهل في هذا البحث المتواضع
المحدود أن يتناول الباحث منجزات أبناء الملك عبدالعزيز في البناء في الداخل في
المجالات المختلفة فذلك بحثه طويل ومجاله واسع وإنما يكفي إعطاء بعض الملامح
العامة عن هذه المنجزات بوجه عام ومن أهم هذه الملامح:
1- إن أبناء الملك عبدالعزيز ساروا على نهج أبيهم في منهجه
الإصلاحي وزادوا عليه ما اقتضته ظروف التطور والمتغيرات المحلية والدولية نوعاً
وكما، فقد طوروا كل الوحدات الإدارية التي أسسها الملك عبدالعزيز في حياته مثل
الأمن والقضاء والتعليم والصحة والتشييد والعمران والطرق والاتصالات الداخلية
والخارجية وغيرها وإدارة كافة المرافق في مراحل متتابعة وتطورات سريعة في تحديث
الإدارات وتجديد النظم وتطوير الإجراءات وتوسيع الوحدات ونشرها في مختلف مناطق
المملكة وتوسيع هذه الخدمات حتى شملت كل المواطنين.
2- إنهم وإن قدموا واحدا منهم ليكون ملكا على البلاد فإنهم
يعملون معه جميعاً كفريق عملٍ متآزر يقوم كل منهم على ثغر من الثغور ويرعى جانباً
من خدمات الدولة لمواطنيها، فهذا ولي عهد
وهذا في الداخلية وآخر في الخارجية وهذا في الدفاع وذاك وزير وآخر نائب له
وهذا أمير منطقة وآخر نائب له وهكذا، وهذا
التعاون والتآزر قد عاد بفوائد عديدة على المواطنين والوطن بأن يكون أبناء الملك
عبدالعزيز على قربٍ من شعبهم ورعاية مصالحهم وحلِّ مشاكلهم ومعرفة معاناة من يعاني
منهم وهم أقدر الناس على مواجهة كل طارئ وحل كل مشكل وتعديل كل مائل وتصحيح كل خطأ
وتنفيذ كل أمرٍ صائب أو حقٍ ثابت.
3- إن منجزات أبناء الملك عبدالعزيز كبيرة وواسعة إذا أخذت من
واقع الإحصائيات والخطوط البيانية تفوق كل تصور فالتعليم مثلاً الذي بدأ في عهد
الملك عبدالعزيز بمدارس حكومية محدودة وبعدد من الطلاب قليل أو ببعث عشرات الطلاب
للخارج إذا قيس بما تحقق في مسيرة التعليم في المملكة في عهود أبناء المؤسس الملوك
سعود وفيصل وخالد وخادم الحرمين الشريفين ، تبين للباحث والدارس حجم المنجزات
وضخامة الأعمال وتظهر جهود هؤلاء القادة العظام في دفع عجلة التقدم والبناء في
المملكة من حيث عدد المدارس والطلاب والمراحل التعليمية والجامعات وأنماط التعليم
ومستوياته ومجالاته، وإذا أخذنا قطاعاً آخر من قطاعات الدولة مثل الصحة فإن
المنشآت الصحية التي أنشئت في عهد الملك عبدالعزيز كانت خدمات محدودة بحدود الزمان
ومحدودية دخل الدولة وقتها ومحدودية المكان– بمكة وموسم الحج– فإذا قيست المرافق
التي برزت في عهد الملك المؤسس إلى ما تحقق في عهود أبنائه البررة بعدد المستشفيات
والمستوصفات والمراكز الصحية الحكومية المنتشرة في كل بلد وفي كل منطقة من مناطق
المملكة وعدد المستفيدين من هذه الخدمات الصحية ووجود مستشفيات متخصصة راقية مثل
المستشفى التخصصي والمستشفى التخصصي للعيون والمراكز الصحية المتقدمة في مجالات
القلب والكلى وغيرها من التخصصات ومراكز إعداد القوى المؤهلة في هذه المجالات من
أبناء المملكة حتى صارت هذه المستشفيات والمراكز الصحية المتقدمة مقصد كبار الناس
وصارت تغني عن السفر للعلاج في أرقى دول العالم والحمد لله وهكذا الحال في كل قطاع
من القطاعات التي بذرت نواتها في عهد الملك المؤسس وما تمَّ فيه من تطوير وتوسيع
رأسي وأفقي كمي ونوعي يظهر هذا جهود الأبناء البررة المبذولة وحجم المنجزات.
4- إحداث أجهزة ووحدات إدارية مهمــة لم يكن لها وجـــود في عهد
الملك المؤسس – رحمه الله– مثل قطاع الحرس الوطني الذي يعد من القطاعات المهمة
اليوم ويخدم فيه قطاع كبير من المواطنين في المجالات العسكرية والإدارية والفنية
وغيرها وله وجود في كثير من مناطق المملكة ويعتبر قوة عسكرية ضاربة معدة لحماية
الوطن والمواطنين وتأكيد الأمن الوطني.
وقطاع تعليم البنات على ضخامة حجمه
وسعة مجالات خدمته وإتاحة فرص تعليم واسعة بواسطته لنصف المجتمع في تحصيل العلم والأخذ بأسباب الثقافة والمعرفة
ومحو الأمية وإعداد المتخصصات في مختلف مجالات القطاعات النسوية في المجتمع
السعودي والإشراف على التعليم الأهلي وضبط مساره وهذا القطاع قد شمل القرى والمدن
والهجر وانتفع به حتى البادية المتنقلين في البرية ومضارب البادية وبذل المكافآت
السخية للطلاب والطالبات في مدارس تحفيظ القرآن والجامعات وتقديم هذا التعليم
للجميع مجاناً مع ما يصحبه من رعاية صحية واجتماعية وتسهيلات ونقل وغيرها، وقد
عمَّ هذا التعليم كل بيت وكل طالبة ووفرت له كل المتطلبات اللازمة مجاناً وخصص لكل
مرفق من هذه المرافق الآنفة الذكر وغيرها ميزانيات سنوية متكررة تبلغ مليارات
الريالات في كل عام.
5- تميز المملكة في علاقاتها: وتتميز المملكة في عهد الملك
عبدالعزيز وفي عهد أبنائه من بعده بقيامها على ثوابت القيم الإسلامية والأخلاق
العربية الأصيلة التي جعلتها مضرب المثل في الصدق والالتزام واحترام الكلمة
والوفاء بالوعود والعهود واتسامها بالعقلانية والهدوء والاتزان مما جعل لرأيها
ومواقفها وزناً في المجتمع الدولي وجعل لها ثقلها في المنطقة مما أكسبها الاحترام
والتقدير من كل الدول على السواء.
6- دورها في جمع كلمة المسلمين : وذلك بالإسهام الفعال في إنشاء
المؤتمر الإسلامي ودعم فروعه وهي كثيرة
مثل البنك الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي ومنظمة التربية وغيرها المنبثقة عنه وكذا
دعم رابطة العالم الإسلامي وإنشاء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لتعليم
أبناء المسلمين وإحياء روح التضامن الإسلامي بمختلف الوسائل والتوسعات المتتالية
في الحرمين الشريفين وإشادة بنائها وخدمة المشاعر المقدسة لتوسيع فرص الحج والعمرة
للراغبين فيهما من المسلمين والإسهام في نشر الدعاة إلى الله ودعم الجمعيات
الإسلامية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم وتيسير الحصول على المصحف الشريف من طباعة
مجمع الملك فهد، كل ذلك دعماً للعمل الإسلامي الجماعي وتحسين الروابط بين المسلمين
وجمع كلمتهم على الحق وإشاعة الثقافة المشتركة المرتبطة بدين الإسلام وإحياء الروح
الإسلامية الجامعة لأجناس البشر بلا تمييز ولا تفضيل إلا بمعيار التقوى والصلاح
وتقديم النفع للمسلمين في دينهم ودنياهم وكل هذه الجهود محل احترام وتقدير كل مسلم
والحمد لله.
كل هذه الجهود وغيرها مما يصعب حصره
والحديث عنه بشكلٍ مفصل في هذا البحث المتواضع
المحدد له حيز معلوم.
ولا شك أن سكان المملكة العربية
السعودية في مختلف الأقاليم والمناطق يشعرون بقدر كبير من الرضا عما تمَّ إنجازه
بقدر من الاحترام والتقدير والعرفان بالجميل لقادة هذه المملكة لما قدموه ويقدمونه
من إنجازات كبيرة وتطورات واسعة في خطوات متواصلة وتتابع مستمر ويتطلعون إلى مزيد
من العطاء والتقدم في ظل عقيدتنا السمحة ومقتضيات ديننا الحنيف وأصالتنا العربية
ومورثاتنا القويمة وأخوتنا الإسلامية المعطاة.
الفصل الرابع : المسؤولية عن
تنمية هذه المكتسبات والمحافظة عليها:
يعد من نافلة القول أن هذه الدولة
السعودية التي امتد عمرها مئات السنين ودخل تحت طاعتها معظم أقاليم الجزيرة
العربية وحصل تلاحم شديد في أفكار سكانها وعقيدتهم إذ جمع بين قلوبهم حب هذا
الدين والولاء لأئمة هذه الأمة في هذه
الدولة العريقة التي قد تحقق في ظلها– بفضل الله ثم بفضل جهاد قادتها المخلصين من
أبنائها وجهودهم– منجزات عظيمة ومكاسب جمة وأعمال مثمرة في مختلف مجالات التنمية
البشرية منها والثقافية والتعليمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية وغيرها
نهضت بمجتمع الجزيرة العربية الموغل في البداوة والتخلف إلى مصاف الشعوب المجاورة
في المجالات كلها في فترة وجيزة وبسرعة مذهلة إذ وفر لهذا المجتمع من البذل السخي
والتوجيه السديد والرعاية الحانية ما تستحقه فارتفعت هذه الدولة المعاصرة بمستوى
أبنائها في التعليم والتربية والثقافة والرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية
والروابط الاجتماعية إلى حد يشهد ببروزه كل منصف ،ولا يزال قادة هذه الدولة يدفعون
بهذه الأمة إلى الأمام بسرعةٍ شديدة ولم يعد السؤال المطروح في هذه الفترة عما
تمَّ من إنجازات فهي معالم بارزة للجميع والنقلة النوعية والكمية التي تحققت لهذه
الأمة في ظل هذه الدولة سبقت التقديرات والتوقعات بمسافات ولكن السؤال المطروح
اليوم هو كيف نحافظ على هذه المكتسبات والإنجازات العظيمة وكيف ننميها، ولا شك أن
هذا السؤال مهم جداً وليس من السهل الإجابة المستوعبة له على وجه التفصيل، ولكن
يمكن الإشارة في خطوط عريضة إلى أهم متطلبات الحفاظ على هذه المكاسب وأن الجهود
المبذولة ينبغي أن تكون على مستوى ضخامة الإنجاز وأهميته ومستوى التقدم والنمو
الذي تمَّ في بناء المجتمع في كل جانب من جوانب الحياة ، بل أكثر حتى تمسك بزمام
قيادة المجتمع إلى خيره وبر أمانه ويأتي في مقدمة هذه المطالب:
1- المحافظة الشديدة على الأصول التي قامت عليها الدولة السعودية
منذ نشأتها ومشروعها الحضاري الذي كتب له النجاح والاستمرار والثبات رغم قوة
العواصف وضخامة التحديات في حين أخفقت كل المشاريع الإصلاحية الأخرى وذهبت أدراج
الرياح لأنها لم تقم على أصول مكينة ولا على فكرة صائبة وهذه الأصول سبق أن تحدثنا
عنها في مضامين الدعوة الإصلاحية في هذا البحث، فالحفاظ على هذه الأصول كما أرادها
الله من عباده إيماناً بها وعملاً بمقتضاها وتطبيقاً لها في الممارسات العملية في
واقع الحياة وبقدر الإمكان البشري والاستطاعة الممكنة هي أهم مقومات الحفاظ على
هذه المكتسبات وعدم الترخص فيها أو الخروج عليها تحت أي مبرر من ضرورة أو حاجة أو
غيرها وعدها من المقدسات التي يعتبر الخروج على الثابت والواضح منها معاداة
للمجتمع وخروجاً على ما يؤمن به ويحترم الالتزام به، وهذه الأصول هي التي تميز
حكام الدولة السعودية وأئمتها في القديم والحديث بالأخذ بها ، وبها تميزوا على
غيرهم من الأسر والقادة الآخرين وصار لهم بالأخذ بها والتزامها وتطبيقها مكانة
عالية لا يرقى إليها سواهم إذ عهد المجتمع في هؤلاء القادة من الإيمان بهذه الأصول
والدعوة إليها والعمل بها والجهاد في سبيلها وتقديم قوافل الشهداء من أبنائها في
سبيل الحفاظ عليها ونشرها ما لم يقم به غيرهم فصارت لهم في النفوس مكانة خاصة بهم
لا يرقى إليها أحد سواهم.
2- إحياء حركة الدعوة السلفية الإصلاحية التي قام بها الإمامان محمد
بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب وإعادة الحركة الديناميكية الفاعلة إليها وذلك بشرح
مبادئها وتطوير أساليبها وتجديد مفاهيمها وفق مقتضيات العصر ومتطلبات الصراع
الفكري السائد في الساحة الدولية والإقليمية وغيرها ومعالجة ما جدَّ في الحياة من
قضايا وأفكار وتصورات ومشكلات على ضوء مبادئها وأصولها وتنمية قدرات أتباعها
والمؤمنين بها وتهذيب أساليب الدعوة إليها وطرحها بديلاً صالحا عن كل الأفكار التي
تطرح في الساحة غير مستندة إلى أصول هذا الدين لتصحح بها كل المفاهيم الخاطئة التي
تنسب إلى الدين لتظل هذه الدعوة السلفية الصافية النقية باقية على نقائها وعذوبتها
وعطائها في إنارة الفكر المعاصر وحماية الناشئة من الأفكار والأطروحات الوافدة
الغريبة على هذه الأمة في عقيدتها وتاريخها وموروثاتها.
وإذا كان من طبيعة الحياة الاجتماعية
وجود الأفكار المتعددة والآراء المتفقة والمتعارضة أحياناً فإن الذين يطلبون من
مجتمعهم أن يكونوا على رأي واحد أو أن يكون مجتمعهم بلا أفكار متعددة متفقة حيناً
ومختلفة أو متضادة أحيانا أو أن لا يقبل أي فكر دون أن يبذل أي جهد لملء الفراغ
الفكري في المجتمع الذي يراد له الانسجام فإنما يطلب شيئاً ليس من طبيعة الحياة
والأحياء، إذ إن الأفكار والتوجهات والتصورات من لوازم الحياة ومن نتاج الأحياء
ولا يمكن أن يكون اجتماع بلا تأثير أو تأثر بما حوله من أطروحات أو أفكار أو
ممارسات.
والذين يطلبون من المجتمعات أن تحيا بلا
أفكار ولا تأثر أو تأثير هم أشبه بمن يطالب البحر بأن يخرج عن طبيعته التي فطره
الله عليها في مده وجزره وتدافع أمواجه ليكون ماء راكداً بلا أمواج ، صافياً بلا
كدر أملس كوجه المرآة، ولو ركد البحر وخرج عن طبيعته لفسد ماؤه وتعذرت حياة
الكائنات فيه.
وما دام التدافــع في الرؤى والأفكار
والأطروحات سنة من سنن الله في الحياة ، وأن الحيـــاة بهذا التدافع تصح وتصفو
ويعذب ماؤها وينفى الخبث منهـا فلا يضر وجوده مع هذا التدافع الذي يكون فيه النصر والغلبة للحق وأهله– بإذن
الله– كما قال تعالى: { Ÿwöqs9ur ßìøùyŠ «!$# }¨$¨Y9$# OßgŸÒ÷èt/ <Ù÷èt7Î/ ÏNy‰|¡xÿ©9 Ùßö‘F{$# } فامتنع
الفساد لوجود التدافع الذي يكون الحق طرفاً فيه، ولذا فإن المطلوب في الحفاظ على
مكتسبات الدولة ليس في مطالبة الحياة بما هو ليس من طبيعتها ولكن مسايرة هذه
الطبيعة وحسن توجيهها إلى الوجهة السليمة وذلك بتوظيف معطيات هذه الدعوة السلفية
التي قامت عليها الدولة السعودية في توجيه الفكر وإبراز معالم هذه الحركة وحسن
إعداد دعاتها والمؤمنين بصحتها واستقامة طريقها مع تحديث وسائل نشرها وتجديد أسلوب
دعاتها وتوسيع مفاهيمها لتشمل ما جدَّ من رؤى وأفكار وأوثان ومعبودات من دون الله
جديدة تدخل في حقيقتها في مفاهيم التوحيد وحقيقة دلالات الشرك ومظاهره مما لم يكن
موجوداً في زمن صاحب الدعوة من الأفكار والتصورات والاعتقادات والممارسات وأن تدخل
هذه الدعوة السلفية الإصلاحية الساحة مزودة بمتطلبات الحركة والنشاط وتوجيه الفكر
إلى المسار الصحيح الذي يحقق للإنسان السعادة في الدنيا والآخرة والعبرة في عالم
العقيدة والفكر هو بالحقيقة لأي دعوة والهدف منها والغاية التي ترمي إليها لا
بالأسماء المجردة أو الدعاوى، فقد يسمى الشيء بغير اسمه وقد يحمل ما يضاد معناه ويشوه
صورته وينفر الناس منه وهذا يعني المحافظة على نقاء وجه السلفية التي قامت عليها
الدعوة الإصلاحية في جزيرة العرب.
3- إنَّ إحياء حركة الدعوة السلفية تتطلب جهوداً واسعة في إعداد
الكوادر المؤمنة بهذه الدعوة والقادرة على حسن عرضها وإظهار محاسنها والقدرة على
الدفاع عنها ودرء الشبهات التي تثار حولها، وتعني كذلك وضع منهاج عمل تربوي متجدد
يأخذ في اعتباره استثمار حقائق العلم الحديث وتوظيف معطيات مختلف العلوم في نشر
الحق ودعوة الناس إليه وتحقيق التفوق في ميدان الصراع الفكري العقدي والاستفادة
الواعية من كل الوسائل المتاحة اليوم في إبراز حقيقة هذه الدعوة المباركة والدفاع
عنها وإعطاء دعاتها فرصة الامتداد والانتشار والاختلاط بالناس بصورة دائمة.
هذا مع الحرص الشديد على أن تكون كل
الممارسات التي تتم في الدولة متفقة مع مبادئ هذه الدعوة والأصول التي قامت عليها
الدولة السعودية ومشروعها الحضاري وتتفق مع الشريعة الإسلامية قدر الإمكان ومنع كل
الظواهر التي يمكن أن يتخذ منها خصوم هذه الدعوة سلاحاً ضدها والنيل منها والتشكيك
في صدق توجهها أو وفاء دعاتها بالتزاماتهم تجاهها حتى يتفق القول مع العمل والدعوة
مع الممارسة وذلك في حدود الممكن وبما يجلب المصلحة ويحقق المنفعة ويدفع المفسدة.
4- اعتبار مبدأ الشورى من المبادئ الأساسية في إدارة البلاد ،إذ
إنها ضرورة بشرية يحتاجها الناس بالفطرة واستعملوها في مختلف العصور والمجتمعات
حتى الجاهلية وفي مجتمع القبيلة، وهي كذلك ضرورة إسلامية إذ دلَّ القرآن الكريم
والسنة المطهرة عليها وعمل بها الصحابة وشهد الواقع التاريخي والفعل على أنها
ضرورة لا غنى للناس عنها.
وتأكد هذا في العصر الحديث مع رواج
الديمقراطية الغربية والدعوة إليها واعتبارها المخرج الوحيد من كل الأزمات التي
تمر بها المجتمعات البشرية لا سيما في العالم الثالث، مع أن الديمقراطية ذات أصول
إغريقية ونتاج عقلي غربي لا تتفق مع الإسلام ولا تتوافق مع أصول مشروع الدولة
السعودية الحضاري وإن كانت هذه الديمقراطية الغربية أرحم من الحكم الاستبدادي
المتفشي في الدول النامية، ولكن الدول التي أخذت بهذا المبدأ في الحكم من دول
العالم الثالث ولم تبذل في سبيل إقامتها جهداً بل أخذتها نقلاً وتقليدا لم تفد
منها بل صارت مجرد أشكال وصور بلا حقيقة.
ولاشك في أن مبدأ الشورى يختلف عن
الديمقراطية الغربية في مصدره وتقريره وفي طريقة تكوينه وفي الهدف منه وصفات أهله
وفي ما تجري فيه المشاورة وما لا يخضع للمشاورة وأن هذا المبدأ يفوق مبدأ
الديمقراطية الغربية ويسمو عليها متى أخذ
كما أراده الله من عباده وكما طبقه رسوله e وأصحابه وأئمة الهدى في القرون
المفضلة.
وهذا المبدأ لا يعطي عطاءه إلا إذا أخذ
بكل أحكامه وتفاصيله كما جاءت في الشريعة الإسلامية وأعطي حظه من العناية وتوسيع
فرص المشاركة في القضايا الأساسية ودراسة المشاكل التي تمس حياة الناس وأوضاعهم
وفي حماية المصالح العامة والمال وغيرها وأن ترك مبدأ الشورى هو من أسباب الصراع
والانقسام الحاصل بين الشعوب وحكامها في
العالم الإسلامي، هذا إلى جانب أن تقرير
مبدأ الشورى أحسب أنه من متطلبات المرحلة إعطاء هامش مناسب لحرية الرأي المنضبط في
التعبير عن الرأي ومناقشة المشاكل التي تمس حياة الناس وإعطاء فرص مناسبة للحوار
والوصول إلى أفضل الطرق في المعالجات ومنع مصادرة الرأي الآخر في المسائل
الاجتهادية لما في ذلك من التنفيس عن النفوس واستعمال التفكير العلمي في المعالجات
ومنع الاحتقان وحصول الانفجارات والظواهر السيئة أو المواقف السلبية وغيرها.
5- التأكيد على مبدأ العدل بين الناس وإصلاح أجهزته الإدارية
وتجديد وسائله وتحديث ممارسته بطرق أكثر تيسيراً وأسرع إجراءً وأكثر فاعلية
ومحاربة الظلم بأنواعه والتأكيد على جعل الشرع مبسوطاً للجميع والناس أمامه سواسية
وتوحيد أجهزته وتنقية نظم القضاء ولجان فض المنازعات من أي مخالفة للأصول التي
قامت عليها الدولة مع الاهتمام بتنفيذ أحكامه على الصغير والكبير وعدم تطويل
إجراءات التنفيذ التي تكون أحيانا سبباً في ترك الحقوق وطمع الناس بعضهم في بعض
بذريعة طول الإجراءات ومدة تقرير الحق وتنفيذه.
6- الاستمرار في الأخذ بوسائل التنمية الشاملة وبمفهومها الواسع
واستثمار الموارد المالية والبشرية في تحقيق معدلات نمو مرتفعة في خطط تنموية
متتابعة للوصول بهذا المجتمع إلى ما يطمح إليه قادته في كل جانب من جوانب التنمية
وفي خطوط متوازنة يعضد بعضها بعضا ويؤازره وإعداد الإنسان المؤهل القادر على
الإسهام بجهده وفكره وممارساته في بناء وطنه ورفع معدلات نموه بصورة مطردة في
المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية وغيرها.
7- الاستمرار في تطوير الأجهزة الحكومية وتحديثها والأنظمة التي
تحكم النشاط المجتمعي في مختلف جوانبه
وذلك بواسطة التقويم المستمر والمراجعة الدائمة للأجهزة والنظم والممارسات ومحاولة
تطويرها من وقتٍ لآخر لمواكبة العصر ومتطلبات المستجدات في الحياة واعتبار التأهيل
والتدريب المستمر للقوى العاملة عملية دائمة ومستمرة ومتجددة للوصول بها إلى إعلاء
مستوى الكفاءة الممكنة.
8- الاجتهاد في اختيار القيادات الإدارية الفنية الاجتماعية
وغيرها، وجعل الرجل المناسب في المكان المناسب وفق معايير محددة وضوابط دقيقة وعدم
ترك ذلك للصدفة أو التدرج الوظيفي أو للعلاقات والمظاهر أو بلا معايير أو ضوابط
واعتبار الكفاءة والقدرات والأمانة والإيمان برسالة هذه الدولة في مقدمة معايير
الاختيار وتعاهد هذه القيادات بالتدريب المناسب والتوجيه الدائم وتقويم عطائها من
وقتٍ لآخر، إذ إنَّ هذا من أهم وسائل المحافظة على سلامة بناء الأجهزة الحكومية
وضمان فعاليتها وحصول آثارها المطلوبة في خدمة المجتمع وتحسين الأداء وحفظ المرافق
العامة ورعاية المصالح العامة كذلك.
بعد هذه السياحة السريعة في تاريخ
الدولة السعودية وتلاحمها مع الدعوة الإصلاحية السلفية منذ فجر تاريخها إلى يومنا
الحاضر والتي يعتبرها بعض الباحثين هي الحل الإسلامي.
يتضح للدارس أن هذا المشروع الحضاري
إنما ولد ونشأ لظروف دينية وسياسية واقتصادية بررت وجوده، وكان ضرورة اجتماعية
دينية وسياسية لمواجهة الحالة المتردية في جزيرة العرب في كل جانب من هذه الجوانب،
إذ كانت هذه المنطقة من العالم الإسلامي واقعة تحت سلطان الدولة العثمانية، وكانت
هذه الدولة في عهدها الأخير قد ظهرت عليها بوادر الضعف والهرم، وساءت في ممالكها
الأحوال وتسلط فيها الولاة، وسادت فيها المظالم وكثر فيها الإهمال، لا سيما تلك
المناطق البعيدة التي قلت مواردها
والعوائد منها، فتركت لأهلها تسودها الفوضى والتناحر، وانحل فيها عقد الأمان، وصار
في كل قرية أمير يتصرف فيها كما يريد، ولا يتجاوز سلطانه عمران قريته أو بلده،
فقطعت السبل، وكثر النهب والسلب، وقطع الطريق، ولم تكن الحالة الدينية بأفضل من
الحالة السياسية، فقد ظهر في الأمة الجهل وعدم العلم أو كاد، وظهر فيها التقليد
والعصبيات الجاهلية وانحرف الناس عن العقيدة، وظهرت في الأمة مظاهر الشرك والبدع
والتبرك بأضرحة الأولياء والصالحين، وانكفأت الأمة على نفسها، فلم تعد لها قيمة
تذكر، بل ظلت تلهث وراء أمورٍ غيبية جاهلية، لا تستند إلى علمٍ شرعي صحيح، ولا إلى
عقلٍ سوي وازن للأمور، بل تسير وراء أحلام ورؤى وأوهام وحكايات لا نصيب لها من
الصحة والصواب.
وباختلال الأحوال السياسية والانحراف
عن المنهج الحق في العقيدة والفكر، وظهور البدع وفقدان الأمن والاستقرار، ساءت
كذلك الأحوال الاقتصادية بانقطاع السبل، وفقد الأمان والحرمان من التبادل التجاري،
حتى فشي الفقر والجوع، وظهرت المجاعات، وأكل الناس حتى جيف الحمير، واضطروا إلى
الهجرة من هذه الأقاليم إلى البلدان المجاورة طلباً للحياة، وسعياً وراء لقمة
العيش، وتأمين الحياة، فكانت هذه الظروف والأحوال السيئة في كل جانب من هذه
الجوانب من مبررات قيام هذه الدعوة السلفية والإصلاحية، التي أقام السعوديون عليها
مشروعهم الحضاري الذي نتفيأ ظلال أمنه،
ونسعد بقطف ثماره، ونتطلع إلى مستقبل مشرق في مسيرته الناجحة بإذن الله.
وكانت بداية انطلاقة هذا المشروع
الخيِّر تلك البيعة المباركة التي تمت على يد الإمامين، الإمام محمد بن سعود
والإمام محمد بن عبدالوهاب سنة سبع وخمسين ومائة وألف هجرية في مدينة الدرعية،
وبهذه البيعة المباركة دخلت الدولة السعودية التاريخ الحضاري من أوسع أبوابه
وأحدثت تحولات جذرية في مجتمع الجزيرة العربية بعد صراع عنيف بين أبناء هذه الدعوة
المؤمنين بها وبين خصومها في المجتمع المحلي والخارجي وكانت الغلبة والنصر فيه
للفئة المؤمنة الصابرة وتم إرساء قواعد المشروع الحضاري على أصول الإسلام الثابتة
بالكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح وحماية جنابه بالتربية الجهادية التي كانت أحد
أركان هذا المشروع منذ قيامه وتحددت مضامين هذه الدعوة في مؤلفات إمامها ورسائله
وأجوبته عن ما وجه له من أسئلة وما رمي به من تهمٍ وغيرها.
كما تحددت المبادئ والأسس التي قامت
عليها الدولة السعودية بصفتها كيانا سياسيا له كينونته وثوابته في التعامل وإقامة
العلاقات مع الآخرين وتعامله في المحيط المحلي والإقليمي والدولي.
وإذا كانت هذه الدولة السعودية هي
الدولة الأولى التي بنت مشروعها الحضاري في العصر الحديث على أسس الإسلام القويمة
وتخطت بهذا الطرح كل المشاريع الإصلاحية التي كانت مطروحة في الساحة للخروج بالأمة المسلمة في كثيرٍ من أقطارها من أزمتها
رغم التشكيك بصلاحية الإسلام لقيادة
الحياة المعاصرة في كثير من الطوائف ودعاة الإصلاح والتجديد وقد تعرضت للنقد
والتشكيك في نجاحها، وقد فرح كثير من نقادها بما تعرضت له من اخفاقات في بعض فترات
التاريخ، فإن عودة هذه الدولة مرة بعد أخرى إلى مقعد القيادة ومركز الريادة بعد كل
غياب لها يعد رداً عملياً على كل محاولات التشكيك ونقد المشروع وإثبات أن الإسلام
والأخذ به في قيادة الحياة هو السبيل الوحيد للخروج بهذه الأمة من كثير من أزماتها
واخفاقاتها، وأن كل مشروع يتجاوز هذا
المحور مصيره الفشل والاندثار مهما انتعش أو ظهر في فترة تاريخية محددة والواقع
التاريخي شاهد على ذلك إذ أخفقت كل المشاريع الإصلاحية التي بنيت على غير الإسلام.
والملك عبدالعزيز هو أحد القــادة العظام الذين تم على أيديهم إحياء
مشروع الدولة السعودية الحضاري وإقامة هذا البناء الشامخ والكيان السياسي الكبير
الذي يعد من أهم الكيانات السياسية في المنطقة وقد ساعده في إقامة هذه الدولة
رصيده التاريخي ورفعه لراية الإسلام وحسن استثمار الظروف السياسية التي كانت قائمة
مع بداية إقامة هذا البناء والتدافع الذي كان بين القوى السياسية في المنطقة
والاستفادة من الظروف الداخلية التي كانت غير مريحة للمجتمع السعودي مع بداية
دعوته وإقامة دولته الحديثة وكفاءته وقدراته ومواهبه في إدارة الأحداث وتوجيهها
لخدمة مشروعه الجديد في ثوبه القديم في أصوله ومبادئه وفق منهج إصلاحي واضح
المعالم، وإذا كان المؤسس قد أرسى قواعد البناء ووسع رقعة الأرض وحدد الأهداف
والمبادئ ورسم المسار فإن أبناءه الأماجـــد قد تميزوا بإشادة البناء وتأكيد
الأصول وتوسيـــع آفاق التنمية والدفع بالمجتمع السعودي من البـــداوة إلى التقدم
والتحضر في إطار الشريعة الإسلامية ومقتضيات الدين الحنيـــف والمحافظة على
الهويـــة الإسلامية وينتقلون بهذه الأمـــة من حسنٍ إلى أحسن إن شاء الله.
والسؤال المطروح في هذه الفترة الزمنية
التي تتزاحم فيها الأفكار وتتدافع الأمم وتوظف فيه معطيات العلم الحديث لتحقيق
التفوق من كل طرف وفي هذا السباق المتسارع هو كيف نحافـــظ على هذه المكتســبات
والإنجازات ونحافظ على القيم الإسلامية والعقيدة الصافية والدولة التي ترعى شؤون
الأمة المسلمة وتأخذ بسفينتها إلى بر الأمان وتحقق لها خطوات تقدم مستمرة، وقد
حاول هذا البحث أن يضع تصوراً عاماً للإجابة عن هذا السؤال العريض المهم في الوقت
نفسه وأن من أهم مقومات البقاء المحافظة على الأصول التي قام عليها المشروع وإحياء
منهجه التربوي السياسي والاجتماعي وعدم التفريــط في شيء من ذلك تحت أي ذريعة، ولا
شك أن هذه الأمة – بحمد الله – تملك من القدرات والكفاءات والعقيدة والأفكار
والتصورات السليمة مايجعلها قادرة – بحمد الله – على مواجهة التحديات المعاصرة
والوقوف في وجه كل الرياح التي تهب من حين لآخر ذات اليمين أو ذات الشمال متى أحسن
استثمار ذلك في خدمة هذا البناء والمحافظة على هذا الكيان العتيد ولنا ثقةٌ في
الله بأن يحفظ هذا الدين والقائمين عليه والدولة التي تحرسه وتدافع عنه وأن يسدد
خطاهم، والله من وراء القصد وهو حسبـــنا ونعم الوكيل.
الهـوامـش
(1)
عنوان
المجد في تاريخ نجد لمؤلفه عثمان بن بشر ،ص4
(2)
المصدر
السابق جـ1 ص16،17
(3)
المصدر
السابق جـ1 ص56
(4)
المصدر
السابق جـ1 ،ص70
(5)
عنوان
المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر جـ1
ص111
(6)
المصدر
السابق جـ1 ص111.
(7)
المصدر
السابق جـ1 ،ص103
(8)
المصدر
السابق ص160
(9)
تاريخ
نجد للشيخ حسين بن غنَّام تحرير وتحقيق ناصر الدين الأسد ص13
(10)
المصدر
السابق ص14
(11)
تاريخ
نجد للشيخ حسين بن غنام ص15
(12)
المصدر
السابق،ص15
(13)
المصدر
السابق ص15
(14)
المصدر
السابق ،ص15
(15)
تاريخ
نجد للشيخ حسين بن غنام ص15
(16)
المصدر
السابق ص16
(17)
المصدر
السابق ص16
(18)
المصدر
السابق ،ص16
(19)
المصدر
السابق ص17
(20)
القسم
الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب – الرسائل الشخصية،الرسالة رقم3 ص25،26
(21)
عنوان
المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر ص59
(22)
المصدر
السابق جـ1 ،ص 52،53
(23)
عنوان
المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر جـ1،ص23
(24)
المصدر
السابق جـ1 ،ص66
(25)
المصدر
السابق ج1،ص80
(26)
المصدر
السابق جـ1 ص185
(27)
المصدر
السابق جـ1،ص140
(28)
عنوان
المجد في تاريخ نجد لابن بشر ،جـ1 ص25.
(29)
المصدر
السابق، جـ1 ص58.
(30)
المصدر
السابق جـ 1 ص 75.
(31)
المصدر
السابق جـ 1،ص78،79.
(32)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 99
(33)
المصدر
السابق جـ 1، ص 88
(34)
المصدر
السابق جـ 1، ص 166
(35)
المصدر
السابق جـ 1، ص187
(36)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 13
(37)
عنوان
المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن بشر جـ
1، 7.
(38)
المصدر
السابق جـ 1، ص7.
(39)
المصدر
السابق جـ 1، ص 7.
(40)
المصدر
السابق جـ 1،ص7 ،8.
(41)
المصدر
السابق جـ 1، ص 7، 8.
(42)
المصدر
السابق جـ 1، ص7 .
(43)
تاريخ
نجد للشيخ حسين بن غنام ص86 .
(44)
عنوان
المجد في تاريخ نجد بن بشر جـ 1، ص 12
(45)
المصدر
السابق جـ 1، ص 14 .
(46)
المصدر
السابق جـ 1، ص14.
(47)
المصدر
السابق جـ 1، ص 14 ،15 .
(48)
المصدر
السابق جـ 1، ص12
(49)
عنوان
المجد في تاريخ نجد بن بشر جـ 1، ص 13 .
(50)
المصدر
السابق جـ 1، ص 14 .
(51)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 64 .
(52)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 131 .
(53)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص178 .
(54)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 130 .
(55)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 13 ، 14 .
(56)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 211 .
(57)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 56 .
(58)
المصدر
السابق جـ 2 ، ص 7 .
(59)
المصدر
السابق جـ 1 ،ص 65 .
(60)
المصدر
السابق جـ 1 ، ص 9 .
(61)
تاريخ
الدولة السعودية للدكتورة مديحة أحمد درويش ص 66 .
(62)
انظر
شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز لخير الدين الزركلي جـ 2 ص 72 .
(63)
السعوديون
والحل الإسلامي ص63 محمد جلال كشك .
(64)
السعوديون
والحل الإسلامي ص 89 .
(65)
المصدر
السابق ص63 .
(66)
المصدر
السابق ص 43 .
(67)
المصدر
السابق ص 43 .
(68)
المصدر
السابق ص 43 .
المـراجـع
§
الألوسي – محمود شكري. تاريخ نجد ط2 ،تحقيق بهجة الأثري عام 1347هـ.
§
ابن بشر – عثمان بن عبدالله،عنوان المجد في تاريخ نجد
جـ2 ط مكتبة الرياض الحديثة.
§
درويش –
مديحة أحمد:تاريخ الدولة
السعودية،ط4 دار الشروق 1407هـ.
§
الريحاني – أمين بن فارس:تاريخ نجد الحديث،طعام 1988م.
§
الزركلي – خير الدين: شبه الجزيرة العربية في عهد
الملك عبدالعزيز جـ2 ط3 عام 1985.
§
الشبل – عبدالله بن يوسف: الإمام محمد بن عبدالوهاب
حياته ودعوته،ط جامعة الإمام عام 1399.
§
آل الشيخ – الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن:مصباح الظلام
في الرد على من كذب الإمام،تقديم ومراجعة إسماعيل عتيق.
§
سادلير – الكابتن ج/فورتر:رحلة عبر الجزيرة العربية
خلال عام 1819م،تحقيق ونشر غانم العجمي ط 1 عام 1402هـ.
§ آل طامي – الشيخ أحمد بن حجر :الشيخ محمد بن
عبدالوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه ،ط مطبعة الحكومة
السعودية بمكة المكرمة عام 1395هـ.
§
عبدالله بن محمد العجـــلان:حركة التجديد و الإصلاح في نجد في
العصر الحديث ،ط1 عام 1409هـ –1989م.
§
ابن غنام – حسين بن أبي بكر :تاريخ نجد/تحقيق د.ناصر
الدين الأسد ط 3 عام 1414هـ –1994هـ.
§
فيلبي – سانت جون:بعثة إلى نجد 1336هـ –1337هـ 1918م –1918م،ترجمة الدكتور عبدالله العثيمين،ط
1عام 1418هـ/1997م.
§
كشك – محمد جلال: السعوديون والحل الإسلامي ،ط 3 عام
1402هـ/1982م.