تمهيــد:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فقد اخترت الكتابة عن موضوع (الدولة السعودية والدعوة الإصلاحية) مشاركة في هذا المؤتمر.

وقد اخترت هذا الموضوع لأهميته في نظري، وللارتباط الوثيق بين قيام الدولة السعودية من أول يوم في تاريخها إلى اليوم بحركة الإصلاح في نجد، والتلاحم الشديد بين هذه الدولة الإسلامية ورسالتها في الحياة، والتي  بها دخلت الدولة السعودية التاريخ الحضاري، وخرجت بها من محيط الدرعية المحدود إلى أرض الله الواسعة، ومن النعرة القبليــــة المجردة إلى أخـــوة الإسلام الرحيبة، فكانت بها رائــــدة حركات الإصلاح في العالم الإسلامي في العصر الحديث، وصار السعوديون هم حملة هذه الدعوة ولا يستقيم لهم أمر إلا بحملها، والمحافظة على أسسها ومضامينها.

فاحتلوا بهذه الرسالة مكانة في نفوس الناس في جزيرة العرب لا يطمح إليها غيرهم، حفرت بها محبتهم في نفوس الأجيال، وارتفعت بها راياتهم على كل الرايات، بها قامت الدولة السعودية، وعليها تستقيم أمورها في القيادة والريادة.

والحديث عن هذه الدولة العظيمة يقتضي الحديث عن الأسس التي قامت عليها، والرسالة التي تحملها إلى الناس كافة، وعن رصيد هذه الأسرة الكريمة التاريخي في الوفاء بحق مبادئ الدعوة الإصلاحية في جزيرة العرب، والتضحيات الجسيمة التي قدمها قادتها وأفرادها وكل المؤمنين بها عبر التاريخ، والسير الوضيئة لأئمة هذه الدولة ورجالاتها، والإنجازات التي تحققت في ظلها في كل العصور.

وقد حاولت في هذا البحث المتواضع أن أعطي صورة مجملة عن الحالة السياسية والدينية والمعيشية في الجزيرة العربية قبيل قيام الدولة السعودية، وما كانت عليه من سوء وتخلف وانحراف ، وما ظهر فيها من البدع والخرافات والجهل بأمور الدين والدنيا، والتقصير في أداء فرائض الإسلام والجهل بأصوله وأحكامه.

وأن ذلك كله من بواعث حركة الإصلاح في الجزيرة العربية، وقيام الدولة السعودية، وأن الدولة السعودية دخلت التاريخ الحضاري بتلك البيعة المباركة التي تمت بين الإمامين الإمام محمد بن سعود والإمام محمد بن عبدالوهاب، وظلَّ قادتها أوفياء لمبادئ الدعوة ومنهاجها في العمل الإصلاحي ومضامينها التي تضمنتها كتب إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ورسائله وإجاباته، ومثلتها الدولة السعودية في واقع الحياة في أدوارها المختلفة، كما أخذت العبرة والدروس البالغة في نجاح مشروعها الحضاري في إقامة دولة إسلامية عزيزة الجانب، في حين فشلت كل المشاريع  الأخرى الإصلاحية، التي حاول أصحابها إقامتها على غير الإسلام، وفي مسيرة هذه الدولة عبر التاريخ وما يحصل لها من لطف الله في التأديب كلما تراخت الدولة في الالتزام بمبادئ الدعوة التي قامت عليها، حتى تعود إلى مركز القيادة مرةً أخرى وهي أقوى مما كانت عليه.

ولا شك أن الملك عبدالعزيز- رحمه الله- مؤسس هذه الدولة العظيمة التي نتفيأ ظلالها الوارفة اليوم، من أعظم القادة العظام في العصر الحديث؛ لأنه حقق لأمته ما لم يحققه لها غيره، أقام هذا الكيان على نفس الأسس التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى، وكان وفياً لمبادئها ومضامينها، ومقدراً لجهود المؤمنين بها معه في إقامة هذه الدولة الإسلامية العتيدة، وأنه حقق مشروعه الحضاري وفق منهج  إصلاحي متميز، وأن أبناءه البررة كانوا سواعد قوية له في التأسيس، وترسية القواعد وإشادة البناء وتطوير الحياة بكل مرافقها وأوجه النشاط فيها.

وقد حاولت في هذا البحث أن ألقي الضوء على كل هذه الأمور الآنفة الذكر بصورةٍ مجملة، وبما يسمح به حيز هذا البحث المحدد الصفحات، كما حاولت أن أجيب عن سؤالٍ مهم يتعلق بالمسؤولية عن تنمية مكتسبات الدولة السعودية الحديثة وكيفية المحافظة على منجزاتها في خطوط عريضة عامة.

أرجو أن أكون بذلك قد وفيت بالتزامي بالكتابة عن هذه الدولة العظيمة ورسالتها الإصلاحية الخالدة بصورةٍ تبين أن هذه الدولة جسدٌ والدعوة لها بمثابة الروح ، وأن تتحقق بهذا البحث المنفعة والفائدة والتذكير بالأسس التي قامت عليها هذه الدولة وأن يحظى بالقبول من لجنة المؤتمر الموقرة ،والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 

المبحث الأول : الفصل الأول : الحالة السياسية في نجد قبيل قيام الدولة السعودية:

تعد الفترة الواقعة بين القرن العاشر ونصف الثاني عشر الهجري من أحلك فترات التاريخ بالنسبة للجزيرة العربية وأشدها عتمة، إذ إن هذه المنطقة من العالم الإسلامي ظلت بعيدة عن مراكز الخلافة التي قامت في الشام وبغداد والقاهرة واستنبول، وقليلة الحظ من العناية التي كانت تحظى بها كثيرٌ من البلاد الإسلامية، لا سيما في العصور المتأخرة في أواخر العهد العباسي، ثم في دولة آل عثمان لا في مجال واحد بل في مجالات متعددة، منها الأمن والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية وغيرها ،ولم تقم في هذه المنطقة من العالم الإسلامي دولة مستقلة ترعى شؤون هذه الناحية بعد الدولة الأخيضرية، بل ظلت مرتبطة ارتباطاً عاماً بدولة الخلافة في استنبول ،ويدير شؤون كل بلد أو قرية أميرها المحلي . ودولة الخلافة العثمانية في هذه الفترة من التاريخ قد دبَّ في أوصالها الضعف والوهن ودخلت مرحلة الشيخوخة والهرم، وظهرت فيها بوادر الانحلال واستبداد الوزراء والولاة وقادة الجيش الانكشاري  في كثير من أمور الخلافة، وجباية الأموال وفرض الضرائب وإيقاع المظالم.

والجزيرة العربية في هذه الفترة التاريخية قد تراكمت عليها آثار الإهمال الطويل، وفقد فيها الأمن، وقلَّ فيها العلم، وفشا فيها الجهل، وضعفت فيها الزراعة والتجارة، وكثرت فيها الحروب والفتن، وظهرت فيها العصبيات الجاهلية للأسرة والقبيلة والبلد، وصار كل رئيس قبيلة فيها كأنه قائد جيش تحت إمرته المئات من المسلحين، وأحياناً عشرات الألوف، فكانت بذلك هذه الناحية من العالم الإسلامي قليلة الخيرات والعوائد، ومكلفة في ضبط أمنها ورعاية شؤونها، ولهذا لم يكن لخلافة آل عثمان في هذه الفترة التاريخية مصلحة تستدعي تحمل نفقات توطيد الأمن وتأمين السبل ونشر العلم، ومع هذا فإن الدولة العثمانية في هذه القرون تعيش فترة ضعف شديد سميت على أثره بالرجل المريض ولهذا اكتفت الخلافة العثمانية بالتواجد في الحرمين الشريفين، وسواحل الجزيرة العربية، وأهملت داخل الجزيرة، ولهذا تركت هذه الناحية وشأنها فسادت فيها الفوضى وعم الخوف وقطعت السبل وكثرت الفتن وصار النهب والسلب من أهم وسائل الكسب.

وقد عاشت نجد في هذه الفترة التاريخية أشدَّ فترات تاريخها في كل جانب من جوانب الحياة، حتى فقدت كل أنواع الأمن والراحة ،وبشكلٍ لم يشهد التاريخ له مثيلاً من قبل.

هذا ومع أن تاريخ الجزيرة العربيـــة في تلك الحقبــــة لم يكتــــب، وما كتب منــــه لا يتجاوز ذكر بعض الحوادث العظيمة ذكراً مجرداً لا يوضح ملابساتها ودوافعها أو موضعها، والآثار التي ترتبت عليها ،وكما قال المؤرخ عثمان بن بشر " وأعلم أن أهل نجد وعلماءها القديمين والحديثين لم يكن لهم عناية بتاريخ أوطانهم ولا من بناها ولا ما حدث فيها وسار إليها وسار منها إلا نوادر يكتبها بعض علمائهم هي عنها أغنى، لأنهم إذا ذكروا قتالاً أو حادثة قالوا : في هذه السنة جرت الواقعة الفلانية  ولا يذكرون صفتها ولا موضعها ،ونحن نعلم من زمن آدم إلى اليوم كله قتال ،ولكن نريد أن نعرف الحقيقة والسبب وما يقع فيها من الغرائب والعجب وكل ذلك في تاريخهم معدوم" (1).

ومع هذا الإهمال والتقصير من علماء نجد في العناية بتاريخ هذه المنطقة فإن نظرةً فاحصةً فيما دوَّنه الشيخ عثمان بن بشر في تاريخه وما عنون له بكلمة (سابقة) وأتى في كل سابقة تحت كل سنة لاحقة من الأحداث ما يدل على سوء حال نجد في أخبار تلك السوابق التي بدأها بأول سابقة في سنة خمسين وثمانمائة وكانت تقطر دماً، إذ ذكر فيها أن صدر وادي حنيفة يسكنه ثلاث أسر هي أسرة آل معمَّر في أعلى وادي حنيفة من الجبيلة إلى حريملاء،فوق " غصيبة لآل يزيد إلى دون الجبيلة، وفي هذه السنة يقول ابن بشر: " قدم ربيعة بن مانع من بلده المسماة الدرعية عند القطيف على ابن درع صاحب (حجر والجزعة) قرب الرياض فأعطاه ابن درع (المليبد وغصيبة)  المعروفين في الدرعية  فنزل ذلك وعمره حتى قال : ثم ولد لمانع المذكور ربيعة وصار له شهرة واتسع وحارب آل يزيد ثم بعد ذلك ظهر ابنه موسى وصار أشهر من أبيه، واستولى على الملك في حياة والده، واحتال على قتل أبيه ربيعة، فجرحه جراحاتٍ كثيرة وهرب إلى أحمد بن حسين ابن طوق رئيس العيينة، فأجاره وأكرمه لأجل معروفٍ سابق عليه، ثم إن موسى سطا بالمزايدة وجميع المؤلفة على آل يزيد في النعمية والوصيل وقتل منهم في ذلك الصباح ثمانين رجلاً، وتشتت آل يزيد ولم تقم لهم قائمة "(2).

هذه الصورة التي ذكرها الشيخ عثمان بن بشر في تاريخه عن حالة الناس في وادي حنيفة خاصة ونجد بصفةٍ عامة في هذه السابقة تحكى حياة الناس في مختلف أقاليم نجد، فثلاث عوائل في الجزء الأعلى من وادي حنيفة، كل أسرة لها حدود وإمارة واستقلال عن أختها، وبينها تقوم الحروب والفتن والمنازعات على الحدود والمراعي والمياه ولأتفه الأسباب، وكم في هذا الوادي من البلدان والأسر التي لها الأوضاع نفسها وتتكرر فيها هذه الصور، هذا في القرن التاسع الهجري.

والسابقة الأولى في تاريخ ابن بشر وفي كل قرنٍ من القرون التالية حوادث وأخبار لا تقل عن هذه الصورة، ولكن على يد بعض الأشراف والأتراك، في حملاتٍ ظالمة مارسوا فيها أشدَّ أنواع الظلم والتعسف ونهب الأموال وسفك الدماء وتخريب الديار.

وفي سابقةٍ أخرى قال رحمه الله: " وفي سنة إحدى وأربعين وألف خرج زيد بن محمد الشريف أمير مكة جلوي على نجد، وتولى مكانه نامي بن عبدالمطلب من جهة الترك، ثم انهزمت دولته وتولى زيد المذكور، وكانت ولاية نامي مائة يوم بعدد حروف اسمه، وفيها مقتل آل تميم، قتلوا في مسجد القارة المعروفة بصبحاء في سدير".

وفي القرن الحادي عشر ذكر ابن بشر في سوابقه " أنَّه في سنة 1058هـ قتل دوَّاس  ابن محمد بن عبدالله بن معمر رئيس بلدة العيينة، وتولى في العيينة محمد بن حمد بن عبدالله وأجلى منها آل محمد فلم تتم لهم الولاية في العيينة إلا تسعة أشهر"(3).

وفي القرن الحادي عشر الهجري: نقل الشيخ ابن بشر في سوابقه " أنَّه في سنة أربع وثمانين وألف وقعة القاع المشهورة بين أهل التويم وأهل جلاجل، قتل رئيس جلاجل إبراهيم بن سليمان ورئيس بلد التويم محمد بن زامل بن إدريس بن حسين بن مدلج، وعدة رجال من الفريقين، وفيها تولى راشد بن إبراهيم في بلد مرات القرية المعروفة ناحية الوشم، وفيها قتل أمير الدرعية ناصر بن محمد وأحمد بن وطبان"(4).

وفي القرن الثاني عشر الهجري ذكر ابن بشر في سوابقه: " أنه في سنة خمس ومائة وألف هجرية وقعت الحرب بين أهل سدير وقتل فيه محمد بن سويلم بن تميم رئيس بلد الحصون ، وفيها كانت وقعة بين أهل ثادق وأهل البير قتل فيها حمد بن جميعة وغيره وأخذ أهل ثادق خيل ابن معمر، وفيها عدا نجم بن عبدالله على آل كثير وحجروه في بلد العطار وأظهروه آل أبي سلمة"(5).

ولم تكن هذه الحوادث والفتن خاصة بنجد ، بل يجري مثلها في مكة والمدينة والأحساء وغيرها من نواحي الجزيرة العربية.

فيذكر ابن بشر " أنه في سنة 1105هـ ظهر سعد بن زيد صاحب مكة على نجد ووصل الحمادة المعروفة ثم رجع ووقع بينه وبين الحاج فتنة وكثر القتل والقتال في مكة والحرم"(6).

وفي سابقة أخــــرى قال: " وفي سنة ثلاث أو اثنين ومائة وألف هجرية مات محمد آل غرير رئيس آل حميد وبني خالد وقتل ابن أخيه ثنيان بن براك، وقتل أيضاً في مسيرهم الأول حسن جمال وابن عبدان ثم قتل سرحان وتولى في بني خالد سعدون بن محمد آل غرير، قال العصامي في تاريخه وفيها تولى في مكة الشريف سعيد بن سعد بن زيد ولايته الثانية من السنة المذكورة"(7).

ونختم ما اخترناه من سوابق مؤرخ نجد الواقعة قبل ظهور الدولة السعودية، هذه السابقة إذ يقول فيها: " وفي سنة عشرين ومائة وألف قتل سلطان بن حمد العيسى رئيس الدرعية وتولى بعده أخوه عبدالله ثم قتل، وفيها قتل حسين بن مفيز صاحب التويم البلد المعروف في ناحية سدير، قتله ابن عمه فائز بن محمد وتولى بعده في التويم ، ثم إن أهل حرمة ساروا إلى التويم وقتلوا فائزاً المذكور ، وجعلوا في البلد فوزان ، ثم غدر ناصر بن حمد بفوزان فقتله، فتولى في التويم محمد بن فوزان فتمالأ عليه رجال وقتلوه، منهم المفرع وغيره من رؤساء البلد وهم أربعة رجال فلم تستقم ولاية لأحدهم فقسموا البلد أرباعاً كل واحد شاخ في ربعها، فسموا المربوعة أكثر من سنة.

قال ابن بشر وإنما ذكرت هذه الحكاية ليعرف من وقف عليهـــا وعلى غيرها من السوابق نعمة الإسلام والجماعة والسمع والطاعة، ولا تعرف الأشياء إلا بأضدادها فهذه قرية ضعيفة قليلة الرجـــال والمال وصار فيها أربعة رجال كلٌ منهم يدعي الولاية على ما هو فيـــه"(8).

تلك أمثلة مختصرة عما كان يتم في قلب جزيرة العرب قبل قيام الدولة السعودية، كل قرية فيها أمير مستقل بشؤونها ، ومسؤوليته لا تتعدى حدود بلده ، وعمران قريته، ومرعى سوارحهم ، وكثيرا ما تقع الخلافات والفتن والحروب بين القرية وجارتها في الوادي الواحد والناحية الواحدة ولأتفه الأسباب ، وغارات قبائل البادية متكررة على بعضها البعض، بل وعلى قرى الحاضرة ومواشيهم وثمار نخيلهم، والحروب واقعة ومستمرة في تأرجحٍ يوم لك ويوم عليك، فلا يوجد للخلافة العثمانية سلطان في هذه البلاد يزع الناس بعضهم عن بعض، ويؤمن السبل ويقضي بين الناس وفق نظام محدد، ويأخذ حق المظلوم ويردع الظالم، بل ترك الناس يموج بعضهم في بعض وهم في خوفٍ دائم وفتن متتابعة وسبل مقطوعة وتمزق لم يشهد له التاريخ مثيلا.

ولم تقم الفتن والحروب بين قريةٍ وأخرى فحسب، بل تقوم الفتن داخل البلد الواحد، وبين الأسر القاطنـــة فيها، وأحياناً تقـــوم الفتن داخل القريـــة الواحدة والأسرة الواحدة على الأمارة وغيرها، بل يقع الخلاف والاقتتال بين الرجل وأخيه أو ابنه وأبيه، فكل بلدٍ منقسم على نفسه وكل أسرة بين أفرادها خلافٌ، بل ثارات ودماء تؤجـــج روح الثأر والانتقام، حتى وجد في القريـــة الواحدة أكثر من أمير، بل أربعة أمراء في قرى صغيرة الحجم ، قليلة عدد الأفراد ، مثل : بلد التويم في إقليم سدير كما سلف، والأمثلة الشواهد على سوء الحالة السياسية في نجد خاصة ، والجزيرة العربية عامة كثيرة لا يتســـع البحث لذكرها، وما أوردناه من شواهـــد من سوابـــق المؤرخ عثمــان بن بشر- رحمه الله- كافٍ لإعطاء صورة عن تردي الأحوال السياسية في جزيرة العــرب.

فدولة الخلافة العثمانية في القسطنطينية واستنبول مكتفية بتبعية هذه الجزيرة لسلطانها بوضع حاميات محددة الإمكانات ليس لديها قدرة على تأمين السبل ولا إقامة العدل، ولا شأن لها بالتعليم ولا القضـــاء، بل غاية جهودها منصبة في بناء قلاع لتأمين هذه الحاميات، وتأمين مــــرور مصالح الخلافـــة عبر هذه الجزيـــرة، وتقوم بين الحين والآخر بحملات تأديبية لبعض القبائـــل والبلدان التي تعارض بعض هذه المصالح أو تعتدي عليها أو لا تقوم بما تؤمـــر بـــه.

وسوء الأحوال السياسية التي ذكرنا بعض الشواهد التاريخية عليها كانت أحد أسباب قيام الدولة السعودية وحركتها الإصلاحية التي دخلت بها التاريخ الحضاري من أوسع أبوابه وكتب لها به العمر المديد بحمد الله، ونرجو لها مستقبلاً مشرقاً واستمساكاً بهذا الدين أتم وأكمل.

 

الفصل الثاني : الحالة الدينية في نجد قبيل قيام الدولة السعودية :

يستلزم الحديث عن الحالة الدينية في جزيرة العرب  من القرن التاسع إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري الحديث عن الحالة الدينية في العالم الإسلامي كله؛ لأن هذه الجزيرة جزء من العالم الإسلامي، وعضو من أعضائه يتأثر به ويؤثر فيه، فأحوالهم مترابطة، وحياتهم متشابهة، وإن اختلفت النسبة من بلدٍ لآخر في الصحة والمرض، والاستقامة أو الانحراف في مختلف جوانب الحياة.

ورسالات الأنبياء عليهم السلام ودعوات الإصلاح في أثرها ومدها أشبه ما تكون بجسمٍ ضخم يرمى به في بحيرة ماءٍ راكدة، فإن هذا الجسم العظيم يحدث في الماء حركةً واهتزازا وموجاً عالياً مستديراً عند مركز هذه الدائرة، ثمَّ يأخذ هذا الموج في الاتساع في كل الجهات لكنه كلما بعد عن مركز هذه الدائرة أخذ في الانخفاض حتى لا تكاد تميز.

وقد ميز الله هذه الأمة المسلمة بأن جعل الحركة والنشاط المتكرر سمة من سماتها، وأن أمواج حركة الإصلاح والتجديد تأتي فيها متتابعة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومصداق ذلك قوله e : (خير القرون قرني ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم)،  ثمَّ ذمَّ القرون المتأخرة ،ومع ذلك فقد قال e : (يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها)، ثمَّ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورةً لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله).

والأمة المسلمة في فجر تاريخها وعصورها الزاهرة كانت أمة رائدة في كل شأن من شؤون الحياة، في العقيدة والشريعة والأخلاق وإقامة العدل بين الناس، وفي تعمير الحياة واستثمار الموارد البشرية والموارد الطبيعية، وقيادة البشر إلى البر والهدى بسلطان هذا الدين، حتى صار هذا التفوق الذي عرفها به كل أجناس البشر أهم عامل من عوامل الفتح الإسلامي ودخول الناس في دين الله أفواجاً، بجهادٍ تارة وبغير جهادٍ تارةً أخرى، بل طواعية بالاقتناع والقدوة الحسنة والمثال الكريم.

وكانت هذه الأمة تؤثر في غيرها من الأمم إذ هي متقدمة عليهم في كل شيء، ولا يؤثر فيها غيرها لما هم فيه من تخلف وانحطاط وسوء أحوال.

أما الفترة الزمنية الواقعة بين القرن الثامن إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري فتعتبر فترة بعدت فيها الأمة عن عهد الرسالة وعهود الإسلام الزاهرة، ومع أنها اتسعت فيها دائرة الإسلام فإنَّ ارتفاع موجه وتأثير أمنه في جوانب الحياة قد ضعف في كل جانب من الجوانب، فقد شاب كل جانب من جوانب مصادر عزها شائب، فقد ظهر الوضع في الحديث والإسرائيليات في التفسير والفلسفات والمنطق في علم التوحيد والكلام، وأثرت الترجمات في الفكر الإسلامي  ودخل في هذا الدين في مختلف العصور الصادق والكاذب وأهل الأهواء، ودخل في مجال السياسة وزراء وقادة جيوش  العجم، من تسلط بعضهم على الخلافة في عهود مختلفة فحكموا باسم غيرهم، ثمَّ استلموا قيادة العالم الإسلامي مع ما عليه كثير منهم من الجهل بالدين، وما لديهم من رواسب أفكار قديمة من فارسيةٍ وروميةٍ وهندية وغيرها، فإذا ضمَّ إلى هذه الشوائب تدهور الحياة السياسية في العالم الإسلامي كما أسلفنا في مجال الحالة السياسية، وما حصل فيها من انقسام وتخلف وتفكك في المجتمع الإسلامي عامة وفي جزيرة العرب بصفةٍ خاصة، اتضحت صورة التخلف العلمي في العالم الإسلامي، وضعف المدارس الإسلامية، وقلة العلماء المحققين وأهل العلم والاجتهاد في الدين؛ فظهر التقليد المقيت، والعصبيات الجاهلية للمذهب والبلد والقبيلة، وعقد الولاء والبراء عليها، وتنحت هذه الأمة المسلمة عن مركز القيادة، وأصبحت محلاً للتأثر بالثقافات والأفكار والعقائد المختلفة، وانكفأت الأمة على نفسها، فلم يستطع علماؤها أن يقدموا لهذه الأمة ما تحل به مشكلاتها، أو يقودها إلى مقعدها القديم، بل لم يستطيعوا أن يحافظوا على نقاء العقيدة ونفى البدع، بل صار التقليد هو الشائع ومشايعة الحكام الجهلة هو وسيلة الحياة الآمنة، وإتباع العامة والدهماء وإقرارها على ما تعارفت عليه هو الطريق الآمن، وحتى من عرف الحق ورغب في التزامه وإنكار المنكر ربّما لا يستطــيع أن يتحمل تبعات هذا العمل العظيم الذي يخالف ما ألفته العامة، والعلماء والقـــادة جيلاً بعد جيـــل، فسلك الطريق الأسلم والأقـــرب إلى العافية والبعد عن الأذى.

والجزيرة العربية في اشتراكها مع العالم الإسلامي في كل ما سبقت الإشارة إليه من بعد الأقاليم الإسلامية عن مراكز الخلافة الإسلامية في الشام وبغداد والقاهرة والقسطنطينية، وأنها من أقلها موارد مالية وعائدات لا سيما بعد فقدها للوازع السياسي، فقد ساءت حالتها السياسية بشكلٍ قل أن يوجد مثله، وقد سلف الحديث عن الأوضاع السياسية والاستشهاد عليها من سوابق المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر.

وعلماء الاجتماع يجمعون على أنَّ العلم والثقافة لا ينموان ولا يزدهران إلا في ظل الأمن الوطني والاستقرار السياسي، وأنه بفقدهما ينقطع العلم أو يكاد، ولهذا فإنَّ قلة العلماء المحققين، وأهل الاجتهاد ظاهرة بارزة في كل البلاد الإسلامية في هذه الفترة بصفة عامة، وفي قلب الجزيرة بوجه خاص.

ولهذا فإن ما ذكره العلماء من تراجم العلماء في نجد في تلك الفترة يعتبر قليلا جداً إذا قيس بعدد السكان وحاجتهم إلى العلماء، مع أن كثيراً ممن سموا علماء شداة في العلم وليسوا بعلماء، وكلهم من أهل التقليد أو معظمهم، ولهذا فلا غرابة أن تكون الحالة الدينية في الجزيرة العربية على هذه الصورة التي وصفت بها في النصوص التاريخية الموجودة بأيدينا اليوم من السوء والتخلف، وما يوجد فيها من مظاهر الشرك الأكبر والأصغر، وما ألفه الناس عامة من أنواع البدع والانحراف عن المنهاج السوي عند الحاضرة والبادية، وما يختص به بعض بادية نجد من ترك فرائض الإسلام وواجبات الدين، كالصلاة والصوم وأداء الزكاة وإنكار ما علم من الدين بالضرورة وعدم الإيمان بالبعث والحساب وغيرها من أصول الإيمان وشرائع الإسلام، وذلك لإغراقهم في البداوة وعدم المعرفة بالدين وعدم التحضر.

ولم يكن هذا قاصراً على إقليم دون غيره أو قبيلة دون غيرها، بل هذا وضعٌ عام كما تدل عليه الشواهد التاريخية والنصوص المنقولة عن تلك القرون.

وإذا كان المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر قد نقل لنا في سوابقه شواهد كثيرة ومؤلمة عن الأوضاع السياسية في جزيرة العرب من القرن التاسع الهجري حتى نصف القرن الثاني عشر، فإن الشيخ حسين بن غنَّام قد نقل لنا صورة أخرى معتمة عن الحال الدينية في البلاد العربية عامة، وفي الجزيرة العربية بصفة خاصة، وخاصة منها ما يتصل بالعقيدة وما خالطها من مظاهر الشرك وانتشار البدع وإلف الناس لذلك من غير نكير يذكر، فيما عدا قلة من العلماء يعرفون الحق وانحراف الناس عنه ولكنهم لا يستطيعون تحمل تبعة الجهر بما يعتقدون، ويخافون على أنفسهم من العامة والعلماء والأمراء.

يقول الشيخ حسين بن غنَّام في مستهل حديثه عن حالة المسلمين قبيل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب: " كان أكثر المسلمين في مطلع القرن الثاني عشر الهجري  قد ارتكسوا في الشرك وارتدوا إلى الجاهلية وانطفأ في نفوسهم نور الهدى لغلبة الجهل عليهم واستعلاء ذوي الأهواء والضلال فنبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، واتبعوا ما وجدوا عليهم آباءهم من الضلالة، وقد ظنوا أن آباءهم أدرى بالحق وأعلم بطريق الصواب فعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين أمواتهم وأحيائهم يستغيثون بهم في النوازل والحوادث ويستعينون بهم على قضاء الحاجات وتفريج الشدائد بل إن كثيراً منهم كان يرى في الجمادات كالأحجار والأشجار القدرة على تقديم النفع والضرر، وقد زين لهم الشيطان أنهم ينالون ثواباً لتقربهم به إلى الله عزَّ وجل " (9).

 

وقد أطال الحديث في ذلك وذكر أنَّه ليس خاصاً بالجزيرة العربية، بل إن هذا الوصف عام لديار المسلمين فقال: " ولقد انتشر هذا الضلال حتى عمَّ ديار المسلمين كافة" (10).

وبعد هذا الوصف المجمل لحالة الناس قبيل قيام الدولة السعودية بدأ يذكر تفاصيل ما أجمله بذكر الأماكن التي كانت تقصد في نجد لطلب تفريج الكرب وكشف النُّوَب وقضاء الحاجات ومنها:

1-              قبر زيد بن الخطاب في بلد الجبيلة، وكان الناس يقصدونه يدعون لتفريج الكرب وكشف النوب.

2-              الموضع المعروف في الدرعية بـ(قريوة) يزعمون أن فيها قبور بعض الصحابة فيعكفون على عبادتها.

3-              ما يزعمون من قبر ضرار بن الأزور في شعيب (غبيراء) قال وكانوا يأتون فيه من المنكرات ما لا يعهد مثله(11).

4-  (بليدة الفداء)، حيث يكثر ذكر الفحال  وكانت تأتيه النساء والرجال ويفعلون عنده أقبح الأفعال ويتبركون به ويعتقدون فيه، وأن المرأة كانت تأتيه إذا تأخرت عن الزواج فتضمه بيديها ترجو أن يفرج عنها كربها وتقول (يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل الحول)(12).

5-  شجرة الطرفية: وكانت طوائف من الناس تنتابها فيتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا ولدت المرأة ذكراً لعله يسلم من الموت(13).

6-  غار في أسفل الدرعية: يزعمون أن الله تعالى خلقه في الجبل لامرأة تسمى بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت ودعت الله فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير فأجارها عن ذلك السوء، فكانوا يرسلون لهذا الغار اللحم والخبز ويبعثون بصنوف الهدايا(14).

7-  رجلٌ اسمه (تاج)، قال سلكوا فيه سبيل الطواغيت فصرفوا إليه النذور وتوجهوا إليه بالدعاء واعتقدوا فيه النفع والضر وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجاً، وكان هو يأتي إليهم من بلد الخرج إلى الدرعية  لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة جميعهم يعتقدون فيه اعتقاداً عظيماً فخافه الحكام، وهاب الناس أعوانه وحاشيته فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، إلى أن قال: وزعموا أنَّه أعمى وأنه يأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده وغير ذلك من الحكايات والاعتقادات التي ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم(15).

ولم تكن هذه المظاهر الشركية خاصة بمنطقة نجد وحدها، بل هي ظاهرة موجودة في عرض البلاد الإسلامية وطولها، فقد ذكر الشيخ حسين بن غنَّام في تاريخه مثل هذه المظاهر وأكثر في الحرمين الشريفين وجدة والطائف فقال: " وأما ما يحصل الآن في الحرم المكي الشريف- زاده الله تشريفا- فهو يزيد عن غيره كثيراً ففي تلك البقاع المطهرة تأتي جماعات الأعراب من الفسوق والضلال والعصيان ما يملأ القلب أسىً وحزنا، فلقد انتهكت فيه الحرمات والحدود وكان لأهل الباطل فيه جولات"(16)، ثم أخذ بعد هذا الكلام العام يذكر بعض النماذج المحددة والمشاهد المسماة، وما يفعل العامة عندها من مظاهر الشرك والبدع والخرافات مثل:

ما يفعل عند قبة أبي طالب، وقال: فصاروا يأتون قبره بالسماعات والعلامات يستغيثون به عند حلول المصائب ونزول الكوارث(17).

وكذا ما يفعل عند قبر المحجوب، قال: فكانوا يعظمون أمره ويحذرون سره ويلتمسون عنده الشفاعة لتغفر ذنوبهم، فإن التجأ متعدٍ أو سارقٍ أو غاصب مالٍ إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحدٌ بما يكره ولا يتوصل إليه عقاب(18).

 1-  ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين- رضي الله عنها- في سَرِف، وعند قبر خديجة- رضى الله عنها- في المعلاة من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات وارتفاع الأصوات عندهما بالدعاء والاستغاثة وتقديم القربة مما لا يسوغ لمسلم أن يبيحه ويحله فضلاً عن أن يرى فيه قربة يدرك بها أجراً وفضلا(19).

 

 2-  ما يأتون أيضاً عند قبر عبدالله بن عباس- رضي الله عنهما- في الطائف من الأمور التي تشمئز  منها نفس الجاهل فكيف بالعالم، فيقف عند قبره المكروب والخائف متضرعاً مستغيثاً، وينادي أكثر الباعة في الأسواق (اليوم على الله وعليك يا بن عباس) فيسألون الحاجات من غير أن يزجرهم أحد أو ينكر عليهم ما صنعوا.

3-         ما يفعل عند قبره e من الأمور العظيمة المحرمة كتعفير الخدود والانحناء والسجود خضوعاً وتذللاً واتخاذ ذلك القبر عيدا.

4- ما يفعل عند قبر (حمزة) وفي البقيع وقباء، وقال: إنه يكلُّ اللسان عن وصف ما يفعل عندها ويعجز القلم عن بيانه مهما يكتف بذكر القليل منه.

أما في جدة فقد قال فيها قد عمت البلوى وبلغ الضلال والفحش غايةً ما بعدها غاية، ففيهـــا:

 1-            قبرٌ طوله ستون ذراعاً عليه قبة يزعمون أنه قبر (حواء) وضعه بعض الشياطين من قديم وهيأه وسواه فيجبي عنده السدنة من الأموال كل سنة ما لا يكاد يخطر على البال ولا يدخل إنسان ليسلم على أمه إلا وعجل بتقديم الدراهم.

 2-           معبد يسمى (العلوي)، قال فاقوا في تعظيمه جميع الخلق ، وأربوا في الغلو فيه على جميع ما ذكرنا فلو دخل قبره سارقٌ أو غاصب أو قاتل لم يعترضه مؤمن ولا فاسق بمكروه.

أما اليمن فهي الأخرى فيها من الأضرحة والمشاهد التي تقصد لجلب النفع ودفع الضـــــرر مثل غيرها من بلدان العالـــم الإسلامي، وعن ذلك يقول الشيخ حسين بن غنَّام: " وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك والفتن فأكثر من أن يستقصي، ثم بدأ يعدد القبور والمشاهد التي تقصد في ربوع اليمن، وذكر منها:

1-  قبر (الهادي) في شرق صنعاء يغدون عليه جميعاً ويروحون، يدعونه ويستغيثون به فتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل، أو كانت عقيماً فتقول كلمةً عظيمةً قبيحة.

2-  قبر ( البرعي) عند أهل برع، وهو رجلُ يرحل إلى دعوته كل دانٍ وقاص، ويؤتى إليه من مسيرة أيام وليالٍ لطلب الإغاثة وشكاية الحال، ويقيمون عند قبره للزيارة ويتقربون إليه بالذبائح، كما حقق أخباره من شاهدها عيانا.

3-              قبر(ابن علوان) عند أهل الهجرية ومن جاورهم وحذا حذوهم، يلجأون له كلما جزَّ بهم أمر ويسميه بعضهم (منجي الغارقين).

4-              قبر الشيخ(صديق) في الحديدة: لا يركبون البحر ولا ينزلون  البر حتى يجيؤوا إليه.

وما يوجد في نجد والحجاز واليمن يوجد مثله في حضرموت وبلدان الساحل، يقول الشيخ حسين بن غنام في تاريخه صفحة 20: " وأما حال (حضرموت) و(يافع) و(عدن) فقد ثوى فيها الغي وطمى الفساد وعندهم (العيدروس)  يفعل عند قبره من السفه والضلال ما يغني مجمله عن التفصيل" .

وقال: " وأما أهل (اللحية) فعندهم (الزيلعي) وهم يسمونه (الشمس) لأن قبره مكشوف ليست عليه قبة، وكانوا يصرفون إليه النذور جميعها، وقد بلغوا أقصى الجهل والضلال والبغي في تعظيمه ودعوته ".

وعندهم قبر (رابعة)، وهو مشهور ولا يحلفون إن أرادوا الصدق في اليمن إلا بها.

وأما بلدان الساحل فعندهم من ذلك شيء كثير فعند أهل مخاء قبر (علي بن عمر الشــــاذلي) انصرف أكثرهم إلى دعوته والاستغاثة به، يقصدون قبره زرافاتٍ ووحدانا لا تفتر ألسنتهم عن ذكره ... الخ.

وقال عن نجران: " وعندهم الطامـــة الكبرى والمعضلة الجسيمة في أراضي نجران وما يليها من البلاد وما حولها من الأعراب فلقد أتوا من تعظيم الرئيس المسمى عندهم (السيد) المتقدم في رياستهم وسياستهم والمتصرف في جميع شؤونهم ... الخ ما أفضى إلى الضلال والإلحاد".

وما كانت حالة المسلمين خارج جزيرة العرب بأحسن من حال أهل الجزيرة في الناحية الدينية، بل إن مظاهر الشرك والبدع والضلالات فيها ظاهرة وكان فيها ما هو مثله وأشد منه، مع أنها كانت مراكز الخلافة وحواضر العالم الإسلامي وفي مركز القيادة والاقتداء في هذه الأمة مثل مصر والشام والعراق وغيرها.

وفي هذا يقول المؤرخ الشيخ حسين بن غنام- ص 18- تحقيق ناصر الدين الأسد: " وأما ما في بلدان مصر وصعيدها من الأمور التي ينـزه المرء نفسه عن ذكرها وتعدادها خصوصاً عند قبور العلماء والعباد كما ذكرها الثقات في نقل الأخبار، فأكثر من أن يحصى، فمنها أنهم يأتون قبر أحمد البدوي وقبور غيره من العباد والزهاد والمشهورين بالخير فيستغيثون ويندبون ويسألونهم المدد000 الخ ".

والشام وهي مركز الخلافة الأموية الفاتحة ومركز العلم فقد ضلعت في هذه المخالفات وظهرت فيها مظاهر الشرك والبدع، وفي وصفها يقول الشيخ حسين بن غنام- في تاريخ نجد، تحقيق ناصر الدين الأسد، ص 21-: " وأما ما في حلب ودمشق وأقصى الشام وأدناه فيفوق الوصف ويتجاوز الحصر، كما يذكر من شاهده، فقد بلغ أهل تلك البلاد من العكوف على عبادة القبور وتقديم القرابين والنذور إليها والمجاهرة بالفجور والفسق ووضع الخراج على البغايا وأخذ المكوس منزلةً لا يوقف لها على حد".

والعراق وهي مقر الخلافة الإسلامية في العهد العباسي لمئات السنين، ومركز من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي لم تسلم من هذا البلاء الذي أصاب هذه الأمة في القرون المتأخرة التي نتحدث عنها، بل وجد فيها من مظاهر الشرك والانحراف مثل ما وجد عند غيرها وأكثر، وفي هذا يقول الشيخ حسين بن غنام في تاريخ نجد: " وفي الموصل وبلاد الأكراد وما يليها وفي العراق وخاصة بغداد والمشهد من المنكر ما لا يحتاج إلى بيان ".

فالناس هناك يؤمون قبور الإمـــام أبي حنيفة ومعـــروف الكرخي والشيخ عبدالقـــادر- رضي الله عنهم- ، ويتوجهون إليهم بالدعاء والاستغاثة وهم يبكون ويتضرعون ويظهرون من التعظيم والخضوع أعظم مما يتوجهون به إلى الله في الصلاة، وما ذلك إلا لاعتقادهم بأن كل ذلك وسيلة ناجعة.

ثم قال: " ومثل ذلك ما يفعل عند مشهد الكاظم  ومشهد الحسين من الشرك المنكر والكفر القبيح فشبَّ عليه الأطفال وشاب عليه الرجال من الجهال حتى لا يكاد يسمع بين هؤلاء الضالين ذكر الله، وإنما ديدنهم ترديد ذكر علي والحسين وبقية الآل ".

ثمَّ ختــــم الشــــيخ حسين بن غنام حديثه عن حالـــــة العالم الإسلامي قبيل قيام الشيخ محمد بن عبدالوهاب بالدعوة وما ذكره من مظاهر الشرك والبدع التي عمت العالم الإسلامي في تلك الفترة من التاريخ وذكر أمثلة لها فقال: " وكفى بما ذكرناه من حجة عليهم في خروجهم عن الإسلام فقد غلوا فيه وأتوا من الشرك أعظم مما فعل النصارى بالمسيح ص22 ... الخ ".

ولا شك في أن الشيخ المؤرخ حسين بن غنام وغيره من مؤرخي دعوة الإصلاح في قلب الجزيرة العربية حين يطلقون الشرك والكفر على من يمارس هذه الأعمال المنكرة عند قبور الصالحين والأولياء أنهم لا يقصدون تكفير عموم المسلمين في العالم الإسلامي بهذه المظاهر ، كما قد يتبادر إلى ذهن بعض الشدات في  العلم ، وإنّما كانوا يقصدون تكفير من يفعل هذه الأفعال الشركية فعلاً بعد أن يعلم حكمها الشرعي ، ويصر على ممارستها مخالفاً بذلك الأدلة، وليس كل الناس يمارسون هذه المظاهر والأفعـــال والأقوال الشركيـــــة ، ولا كلهم يقر من يفعلها ، ومن يمارسها من العامـــة لا يعرفون حكمها الشرعي، ومن عرف حكمها ثم أصر على فعلها جاز تكفيره وتنفيره من المنكرات الحادثة في حياة المسلمين، ، وهذا الصنف الأخير هو المقصود بما في كلمات هذا المؤرخ وغيره من المؤرخين والدعاة في إطلاق كلمة الكفر والشرك على من يمارس هذه الأفعال الشركية والكفرية فالأفعال شركية والفاعل مشرك إذا علم الحكم وأصر على فعله أو أقره أو  دافع عن فاعليه.

ولهذا فإن الشيخ محمد بن عبدالوهاب- رحمه الله- يقول في رسالته إلى الشيخ عبدالرحمن السويدي في العراق: " وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول e ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا الذي أكفره وأكثر الأمة والحمد لله ليسوا كذلك " .

هذا كما أن الجزيرة العربية وغيرها تتكون من بادية تعيش متنقلة في الصحراء تبعاً للكلأ والمرعى والماء ، لا يستقرون في موطن ، ولا يوجد لديهم مدارس ولا تعليم ولا أي وسيلة للتثقيف، يغلب عليهم الجهل ، ويندر فيهم العلم ، ويجهلون أساسيات الدين وما يعلم منه بالضرورة.

ومن حاضرةٍ تقيم في البلدان بصفة دائمة ويوجد لديهم مدارس ومراكز تعليم وهم على أثارة من علم وإن اختلفت درجة العلم قلةً وكثرةً من بلدٍ إلى آخر.

ويقع الخطأ في النقل والحكم إذا أطلق على كل السكان في الأقاليم حكمٌ واحد هو ما تكون عليه البادية والعرب الرحل، والتحقيق يقتضي التفريق وإعطاء كل شريحةٍ من شرائح المجتمع الوصف المناسب لها بلا خلطٍ ولا مبالغة، ولهذا فرَّق الشيخ محمد بن عبدالوهاب بين البادية والحاضرة في قوله: " من المعلوم عند الخاص والعام ما عليه البوادي أو أكثرهم فإن كابر معاندٌ لم يقدر على أن يقول إن عنيز وآل الظفير وأمثالهم كلهم مشاهيرهم والأتباع إنهم مقرون بالبعث ، ولا يشكون فيه ، ولا يقدر أن يقول إنهم لا يقولون إنَّ كتاب الله عند الحضر وإنهم عايفينه، متبعون ما أحدث آباؤهم مما يسمونه الحق ويفضلونه على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من مائة ناقض " (20).

وهذا النص من رسالة الشيخ محمد بن عبدالوهاب يخاطب به علماء عصره الذين يعرفون حالة الناس في الجزيرة العربية ولو كان ما يقوله غير واقع في الناس لرفض الناس قوله وأنكروا عليه حصول ما ذكره، ولكن جواب معاصريه من أعدائه وخصومه كان أنه لا يضر هؤلاء الناس ما ذكره ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذه الكلمة تحميهم من الكفر ولو فعلوا كل ما ذكر.

هذه صــــورة مجملة عما كانت عليه حالة العالم الإسلامي عامة قبيل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية وميلاد الدولة السعودية في جزيرة العرب خاصة، وهي صورة مؤلمة ومحزنة لما فيها من مظاهر التخلف وإهمال الشرع وعدم استعمال العقل وهذه أهم  المبررات لقيام دعوة الإصلاح والتجديد في نجد وقيام الدولة السعودية.

 

الفصل الثالث : الحالة الاقتصادية في نجد قبيل الدولة السعودية :

لم تكن الجزيرة العربية في العصر الجاهلي ولا في صدر الإسلام بأقل من غيرها من الأقاليم الإسلامية في مواردها الاقتصادية والتجارية، بل كانت تعد من أغنى بلاد الله بالحبوب والتمور وتصدير المواشي وغيرها، وقصة كلٍ من أعشى قيس مع كفار قريش، وثمامة بن أثال مع النبي e ، وهما من أهل اليمامة تدلان على مكانة اليمامة الاقتصادية وأن منع بيع حبوب اليمامة وتمورها من أهم أسلحة المقاطعة الاقتصادية المؤثرة، كما أن قصة يحيى بن طالب الحنفي صاحب حجيلاء اليمامة وهروبه إلى العراق في العهد العباسي من الديون التي ركبته بسبب المداينة مع السلطان كما تقول بعض الروايات ويؤيدها قول يحيى بن طالب نفسه في إحدى مقطوعاته الشعرية المؤثرة، إ ذ يقول:

            مداينة السلطان باب مذلةٍ   وأشبه شيءٍ بالقناعة والفقر.

ويذكر بعض الرواة أن يحيى بن طالب اتفق مع الخليفة العباسي على بيع حبوب اليمامة للخليفة فجمع ما أمكنه شراؤه من مزارعي أهل اليمامة في وادي (قرقري) وبيعها للسلطان مؤجلة القيمة ،فلما حلَّ الأجل تأخر السلطان في الوفاء فأحرجه أصحاب الحقوق فخرج فاراً بنفسه إلى بغداد وقد تجاوز الستين من عمره ولم يكن يعرف له قبل ذلك شيء من الشعر ثمَّ إنه في غربته أطلق قصائد وجدانية مؤثرة حتى كانت حديث المجالس في بغداد، بل في دار الخلافة حتى غنى بإحدى هذه المقطوعات أحد المغنين أمام الخليفة هارون الرشيد فسأل عن صاحب هذه المقطوعة فذكر له اسمه وقصته فطلبه فلم يجده في بغداد وأحيط بأنه سافر إلى مرو فكتب إلى واليه في مرو بأن يقضيه دينه ويرحله إلى بلده فلما بحث عنه والي مروا وجد أنه قد مات فيها.

فالجزيرة العربية معروفة بوفرة إنتاجها وكثرة خيراتها وخصوبة مراعيها وحسنها ، ووفرة إنتاجها الحيواني، مع توافر المياه العذبة والأودية الخصيبة والواحات الخضراء والرياض الغناء والأراضي الواسعة ذات النباتات المتنوعة،  وكانت تلك الموارد الطبيعية تعطي عطاءً جيداً في ظل الأمن والاستقرار وأمن السبل وتوافر وسائل العرض والطلب.

ولما ساءت الأوضاع السياسية، وتفرقت كلمة الأمة واضطرب حبل الأمن في كثير من أجزاء الجزيرة العربية، وحل الخوف محل الأمن، والتنازع محل الإخاء، وقامت الفتن بين كل قبيلة وأختها وكل بلدة وجارتها، بل وجدت الفتن والاقتتال داخل القبيلة الواحدة والأسرة الواحدة في البلد الواحد.

نتج عن هذا الاختلال كله تدهور في الموارد المالية، وتخلف شديد في الاقتصاد، وساءت الأحوال إلى درجة خطيرة أذنت بخراب الحياة وانحلا ل عقد نظامها، مما أضطر بعض السكان إلى الهجرة من قلب نجد إلى البلدان المجاورة طلباً للعيش، وهروباً من الأوضاع التي سادت في الجزيرة العربية قبيل قيام الدولة السعودية في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري.

ويمكن إرجاع مجمل أسبـــاب تدهور الحيـــاة الاقتصادية في نجد وقلب جزيرة العرب إلى أسبـــاب من كسب الإنســـان، وأخرى سماوية لا يد له مباشرة في حدوثها، وإن كانت بسبب المعـــاصي كما قـــال تعالى: { !