الحمد لله، والصلاة
والسلام على رسول الله، أما بعد :
فإن الحديث عن نشأة
الدولة السعودية، والدعوة الإصلاحية فيها، يستلزم من الباحث أن يتناول قضية نشأة
الدول، على مستوى المجتمع الإنساني بعامة .
وقضية نشأة الدول وتطورها
وعوامل ضعفها وانهيارها، تدخل ضمن مباحـث السياسة والاجتماع، التي تحدث عنها
العلماء والفلاسفة منذ القدم، وكان للعلماء المسلمين اليد الطولى فيها، كما يظهر
بوضوح في مقدمة ابن خلدون (ت 808 هـ ) ناهيك عما في التراث الفقهي الإسلامي من
مباحث عديدة، عن الدولة ومؤسساتها وهيئاتها وعلاقة الدولة برعاياها وبالدول الأخرى
.
كل ذلك يجعل الحديث عن
نشأة الدولة السعودية بالذات مرتبطاً بقضية أعم وأشمل، وهي نشأة الدول بوجه عام .
إن هذا الارتباط يكشف
لنا عن حقيقة واقعية وتاريخية، لا بد أن تظهر من البحث، وهي أن الدولة السعودية
ذات نشأة فريدة في العصر الحديث كله .
ففي الفترة ما بين سنة
(900 - 1110 هـ ) (1500 - 1700 ميلادية ) ظهرت
في أوروبا الدولة الحديثة ذات السيادة، كما يقول الفيلسوف الإنجليزي هارولد لاسكي
في كتابه " آراء في السياسة ([1]).
وذلك بطبيعة الحال
يتعلق بنشأة الدول الأوروبية في العالم الغربي، بعد أن كان معظمها مقسماً خلال
العصور الوسطى وما تلاها، إلى مقاطعات وممالك وإمارات متعددة، وكانت نشأتها تقوم
على أساس العرق الذي يجمع غالب السكان، إلى جانب المواريث المشتركة في اللغة
والدين والتاريخ، كما كانت منذ القدم قبل الوحدة، وقبل أن تصـير دولة حديثة .
هكذا كانت نشأة الدولة
الحديثة في العالم غير الإسلامي .
بينما نشـــأت دولة
الإسلام الأولى في المدينــة النبويــــة في بداية القــــرن الأول الهجري ( القرن
السابع الميلادي ) على أساس الدين، وظل هذا الأساس يميز الدولة الإسلامية حتى
العصر الحديث، مع أنها جمعت شعوباً تنتمي إلى أعراق وثقافات شتى.
وفي العصر الحديث،
وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، السابع عشر والثامن عشـر
الميلاديين، كانت الدولة العثمانيـــة قائمة في البلاد الإسلامية، وذلك منذ أن حكم
الأتراك في أواخر عصر الدولة العباسية ( 132 – 656هـ ) بعد أن تقلص
نفوذ العرب، وانتقلت خلافة المسلمين منهم ، وانقسمت الأمة الإسلامية إلى دويلات
عديدة منذ القرن السابع الهجري، ومع هذا الضعف، لا سيما في المشرق الإسلامي،
انطلقت قوة الإسلام على يد الدولـة العثمانيـة، ففتـح الأتراك القسطنطينية عاصمة
الإمبراطورية الرومانية الشرقية علـى يد محمد الفاتح عام (857هـ/1453م ) ودق
المسلمون أبـواب (فينــا) في قلب أوروبا في عهد الخليفة سليمان (926-974هـ/1520-1566م) .
وفي عصر قوة الدولة
العثمانية، واندفاعها الذي استمر عدة قرون سقطت دولة الإسلام في المغرب الإسلامي ؛
إذ انتصر الفرنجة عام 1492م على المسلمين في الأندلس، بعد أن سادها ملوك الطوائف
لعشرات السنين، فكان للانقسام والتفرق بينهم أعظم الأثر في النكبة التي حلت
بالعالم الإسلامي، بضياع الحضارة الزاهرة طوال قرون في أقرب الأماكن إلى العالم
الغربي النصراني، وهي دولة الإسلام في الأندلس، وهذا من عبر التاريخ الإسـلامي .
في القرن الثاني عشر
الهجري، كانت شبه الجزيرة العربية بعيدة عن مجريات أحداث العصر الحديث، ولم يكن
الاهتمام بها يتعدى رحلة الحج إلى مكة المكرمة، وزيارة مسجد رسول الله e في المدينة النبوية، ولم يكن يتجاوز مناطقها الساحلية .
أما قلب شبه الجزيرة،
وهو نجد، فكان مقسما إلى نواح جغرافية، وقبائل، ومدن صغيرة، لا تجمع بينها وحدة
سياسية، ولا يظهر فيها مجتمع موحد، ولا دعوة إلى دولة موحدة .
نذكر هذا ؛ لأن هذا
التخلف السياسي والاجتماعي الذي ران على شبه الجزيرة لقرون عديدة، انتهى بظهور
الدولة السعودية، التي أيدت الدعوة الإصلاحية التي قام بها المجدد الشيخ محمد بن
عبدالوهاب - رحمه الله - في القرن الثاني عشـر
الهجـري ؛ إذ لم تكن دعوة التجديـد تلك بعيدة عن الدولة، بل نجحت وانتشرت في ظل
الدولة القائمة، دولة الإمام محمد بن سعود، رحمه الله، وذلك منذ انتقال الشيـخ
الداعية إلى الدرعية عام (1157هـ ) وتطورت الدعوة بمؤزارة الدولة، واكتسبـت قوتها
وانتشارها من قوة الدولة وامتدادها، وهذا أمر نادر في الحركات الإصلاحية الدينية
أو الاجتماعية الحديثة، أن يكون تاريخ الدعوة مرتبطا بتاريخ الدولة، وأن تظل
الدعوة في حماية الدولة في كل عهودها، ومع كل حكامها، فالدعوة الإصلاحية لم تكن
لتستطيع التأثير، والانتشار إلا مع امتداد الدولة وانتشار نفوذها في شبه الجزيرة،
والدولة وجدت في الدعوة الإصلاحية منهجا يقود خطواتها نحو التوسع والامتداد في شبه
الجزيرة، حتى انتهى الأمر إلى الوحدة السياسية .
ومن الحق أن نقول :
إنه في عصر بداية الدعوة الإصلاحية، لم تكن تملك من متطلبات النجاح إلا إخلاص
الشيخ وعزمه وتصميمه، بلا عدة من الرجال الأقوياء أو السلطة، ولكــن تبنـي الدولة
السعوديـة للدعـوة وحد قوتهما معا، فأصبحت الدعوة الإصلاحية منهجــا للدولـة،
وأصبحت الدولة أقوى سند للدعوة الإصلاحية ضد خصومهــا.
وهكذا كانت انطلاقة
الدولة وبداية الدعوة الإصلاحية، فالدولة السعودية في شبه الجزيرة بدأت في عهد
الإمام محمد بن سعود رحمه الله ( 1139- 1179هـ ) واتخذت من الدعوة
الإصلاحية منهجا دينيا واجتماعيا، واكتسبت الدعوة الإصلاحية من دولة الإمام محمد
بن سعود قوة سياسية مكنتها من البقاء والاستمرار والانتشار في شبه الجزيرة، ناهيك
عما حققه لها من امتداد وتأثير في خارج شبه الجزيرة.
وثمة وجه للشبه بين
قيام الدولة السعودية في العصر الحديث في شبه الجزيرة وتطورها ثم توحدها، وبين ما
حدث في عصر الرسالة الخاتمة من توحد شبه الجزيرة تحت راية الإسلام، وذلك لأن
الإسلام هو العامل الأساس في توحيد شبه الجزيرة، وقيام دولة الإسلام الأولى، في
المدينة النبوية في السنـة الأولى للهجرة النبوية، ولأن الدعوة الإصلاحية في العصر
الحديث ليست سوى فهم صحيح للإسلام، ومحاولة جادة للعودة إلى منابعه الأولى في
إصلاح حياة الناس، والارتقاء بالمجتمع المسلـم في شبه الجزيرة بعد قرون من التخلف
الديني والاجتماعي والسياسي .
ولا ننسى أن توحيد شبه
الجزيرة في عهد الرسالة الخاتمة، وسيادة الإسلام وحده فوق أرضها، هو من توفيق الله
عز وجل، ونصرته لدينه ورسوله، e
، وأنه في النظر الصحيح سنة نبوية، ينبغي أن تتبع في الدعوة إلى الدين وفي سياسة
الدنيا، وكل حاكم مسلم يعمل على نشر الدعوة إلى الله في بلاده، ويتخذ الإسلام
منهجا لحياة المجتمع دينيا واجتماعيا وسياسيا، لا يزيد عن كونه متبعا لسنة الرسول - e - فالأمر في الإصلاح على منهج الإسلام وشرعه، وفي جمع شمل
المسلمين وتوحيد أمتهم، لا يعدو أن يكون من سنن الإسلام وهديه، وإذا كتب الله
النجاح فيه لحاكم مسلم، فهو من توفيق الله عز وجل، لاتباعه السنة، واقتدائه
بالرسول، e ، والإشارة إلى وجه الشبه لا تعني أكثر من بيان وجه الاتباع
والتأسي والاقتداء، وأنه العامل الحاكم في التوفيق والنجاح في تجديد أمر الدين
وتوحيد الأمــة .
وحين ندرس نشأة الدولة
السعودية التي اقترنت بظهور الدعوة الإصلاحية على يد المجدد الشيخ محمد بن
عبدالوهاب رحمه الله، نبدأ بدراسة الدعوة الإصلاحية، التي هي منهج الدولة، ثم
نتابع تطور الدولة السعوديـة في ظل هذا المنهج من الإمارة إلى الدولة، ونفرد
المبحث الثالث لخصائص الدعوة الإصلاحية، ونبين مميزاتهـا وخصائصها التي انفردت بها
بين دعوات الإحياء الديني والاجتماعي في العصر الحديث، وبذلك يكون البحث ثلاثة
أقسام :
الأول : الدعوة
الإصلاحية، ظهورها، وانتشارها، ومضامينها الدعوية .
الثاني : تطور الدولة
السعودية من الإمارة إلى الدولة .
الثالث: تميز الدعوة الإصلاحية، عن
الحركات المعاصرة لها .
إن الدعوة الإصلاحية ، هي الدعوة
الإسلامية الكبرى في العصر الحديث، وقد انبثقت من نجد قلب الجزيرة العربية، بعد
قرون من التخلف الديني والحضاري، ونشأت عربية المنبت إسلامية المقصد، ونعني بذلك
أنه لم يكن في نشأتها وظهورها عامل أجنبي، كالتأثر بحضارة الغرب فكرياً وثقافياً،
فقد ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب -
رحمه الله - في نجد في القرن الثاني عشر الهجري،
ولم يكن في نجد وقتذاك أدنى أثر لحضارة الغرب، ولا شيء مما لحق بالمشرق أو المغـرب العربي من أحداث
أثرت فيه فكرياً وثقافياً، ولم يذكر في تاريخ الدعوة الإصلاحية، أن صاحبها أو
أحداً ممن ساندها كان على علم أو اتصـال بثقافة أخرى، غير الثقافة الإسلاميـة، من
علوم القرآن والحديث النبوي والفقه، مع العناية التامة بالجانب العقدي ؛ ولذلك فإن
دراسة ظهور الدعوة الإصلاحية ونموها وامتدادها، من نجد إلى بقية شبه الجزيرة
العربية، يعد في الوقت نفسه دراسة لمنهج الدولة التي نصرت هذه الدعوة، وبيانا
لمراحل تطورها وامتدادها، حتى شملت شبـه الجزيرة، وتوحدت أرجاؤها تحـت اسـم
المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
رحمه الله، وذلك في 21 جمادى الأولى 1351هـ (22 سبتمبر 1932م ) .
إن أصدق ما يقال في ظهور الدعوة وفي
نشأة الدولة : أنهما وجهان لعملة واحدة، يستوي النظر إلى أي من الوجهين أولاً ؛
لأن تاريخ الدولة أو منهج الدعوة، لا يكتمل إلا بالنظر إلى الوجهين معاً .
الشيخ محمد بن عبدالوهاب
: حياته وعصره :
في "
العيينة " الواقعة شمال غرب مدينة الرياض ولد الشيخ محمد بن عبدالوهاب عام
1115هـ (1703م) في بيت اشتهر أهله بالعلم الشرعي، والمعرفة الدينية، فقد كان أبوه
عبدالوهاب بن سليمان قاضياً في العيينة وحريملاء، وكان جده سليمان بن علي بن مشرف
من علماء عصره، فالشيخ -
رحمه الله - ولد ونشأ في بيت علم ومعرفة، مما كان
له أثر عظيـم في نشأتـه الأولى، واتجاهه إلى الاشتغـال بعلـوم الدين، وقد عرف منذ
صغره بالذكاء وقـوة الحفـظ ؛ إذ حفظ القرآن، وعمره أقل من عشر سنوات، ودرس منذ
صغره كتب التفسير والحديث على يد والده، الذي كان يعرف ذكاء الابن وشغفه بالعلم
ومواهبه، فكان يقدمه مع صغر سنه للإمامة.
تزوج الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأدى
فريضة الحج، وبدأت رحلته الميمونة في طلب العلم، والدعوة إلى الله على بصيرة في
مجتمع كان به من أوجه الفساد والمظالم، وقلة الدين، واستعلاء المنكرات، ما يعجز
الكثيرون عن التصدي له والوقوف في وجهه.
وفي رحلة الشيخ إلى بيت الله الحرام،
زار المسجد النبوي، وجلس إلى العلماء فيه، وكان في العشرين من عمره وقتذاك،
واستفاد من صحبة أحد العلماء المشهورين، وهو الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيف، من
بلدة المجمعة في سدير . ويروي الشيخ محمد بن عبدالوهاب، كما ورد في كتـاب "
عنوان المجد في تاريخ نجد " أن شيخه
أدخله منزله ذات يوم، وأطلعه على ما أعده لمقاومة البدع والخرافات والانحراف عن
الدين في المجمعة، فإذا هو كتب كثيرة أعدها لذلك، ودلالة ما يرويه الشيخ محمد بن
عبدالوهاب أن علماء عصره كانوا يعدون العلم أقوى سلاح لهم في محاربة الفكر
المنحرف، والوقوف في وجهه، وهو مااتخذه منهجاً لدعوته الإصلاحية([2]).
وقد ذكرت بعض الكتب التي تناولت حياة
الشيخ : أنه رحل في طلب العلم إلى "المجموعة" من ضواحي البصرة في
العراق، وامتدت رحلاته إلى بغداد وكردستان وهمدان وأصفهان، والتقى علماء مدينة
" قم " بإيران([3]).
وفي كتاب لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب
: أن الشيخ رحل إلى فارس، وتعلم فيها الحكمة المشرقية، كما تعلم بعض فنون القتال،
واستخدام السلاح([4]).
ولكن كل ذلك غير صحيح، وقد استبعده
الأستاذ مسعود الندوي في كتابه " محمد ابن عبدالوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه
"، وذكر أن الشيخ لم يجاوز البصرة إلى بغداد أو دمشق، وأنه لا دليل على سفره
إليهما([5]) وهذا
هو الثابت ، وكتاب لمع الشهاب لا يعتمد عليه ، لأن مؤلفه مجهول ، ولما فيه من
الكذب والدس الكثير .
إن ما تعلمه الشيخ في صغره، وطلبه
للعلم منذ شبابه الباكر، لم يخرج عما كان يتداوله علماء الإسلام في شبه الجزيرة من
علوم القرآن والحديث النبوي والفقه، لاسيما مذهب الإمام أحمـد الذي كان سائداً في
نجد، وبذلك فإن تكوين الشيخ العلمي لم يخرج عن التكوين الذي كان سائداً في العالم
الإسلامي منذ القرن الرابع الهجري، ولكنه يتميز بأن تكوينه عربي وإسلامي خالص لم
تدخل إليه عناصر ثقافية خارجية ذات شأن ؛ إذ إن شبه الجزيرة، لا سيما منطقة نجد،
لم تدخلها تيارات ثقافية، كتلك التي دخلت إلى بلاد المشرق والمغرب في العصر
الحديث، وتأثر بها بعـض علماء المسلمين، وهذا التكوين إذا ما صادف نفسا تتطلع إلى
العلم، وعقلاً ذكياً، وإخلاصاً لله، ورغبة في الدعوة إليه، ظهر شأن صاحبه وأثره في
المجتمع .
ولم يكن إعداد الشيخ علمياً منذ صغره
يرمي إلى إيجاد الداعية الذي يمكن أن يقود دعوة دينية إصلاحية على مستوى العالم
الإسلامي، أو شبه الجزيرة، أو حتى منطقة نجد، فلم يكن في عهده في المنطقة من حاول
ذلك، حتى يكون مثلاً لعلماء المنطقة ؛ ولذلك فإن قيام الشيخ بهذا العمل كان نابعاً
من ذاته ومعتمداً على الله عز وجل، ثم على رغبته في الإصلاح، وتصميمه على القيام
به، والصبر في مواجهة خصوم الإصلاح من عامة الناس أو الأمراء الكثيرين في منطقة
نجد، ولم يدفع الشيخ إلى الإصلاح سوى الغيرة على الدين، والعلم بأحوال الناس التي
كانت ظاهرة الفساد بين الحكام وعامة الناس على السواء، فلم يكن الشيخ رحمه الله، حين أظهر دعوته إلى الإصلاح،
مطالباً بذلك بحكم يتولاه، وإنما اختار هو لنفسه أن يدعـو إلى الله، وأن يواجه
المنكرات الظاهرة في المجتمع الذي يعيش فيه استجابة لأمر الله تعالى : {äí÷Š$# 4’n<Î) È@‹Î6y™ y7În/u‘ ÏpyJõ3Ïtø:$$Î/ ÏpsàÏãöqyJø9$#ur ÏpuZ|¡ptø:$# ( Oßgø9ω»y_ur ÓÉL©9$$Î/ }‘Ïd ß`|¡ômr& } النحل
125 ولقوله سبحانه : { `ä3tFø9ur öNä3YÏiB ×p¨Bé& tbqããô‰tƒ ’n<Î) ÎŽösƒø:$# tbrããBù'tƒur Å$rã÷èpRùQ$$Î/ tböqyg÷Ztƒur Ç`tã Ìs3YßJø9$# 4 y7Í´¯»s9'ré&ur ãNèd šcqßsÎ=øÿßJø9$# }[ آل عمران
104].
وربما لم يكن أمله في البداية أن تمتد
دعوته الإصلاحية إلى ما وراء شبه الجزيرة .
ولما توفي والد الشيخ سنة 1153هـ اشتد في
إنكار مظاهر الشرك والبدع، واجتهد في الأمر بالمعروف، وذاع ذكره في بلدان العارض :
حريملاء، والدرعية، والرياض ، ومنفوحـة، وانتظم حولـه جماعة اقتدوا به، ولازموه،
وصاروا أتباعاً له، وكان من نتيجة ذلك أن انقسم النـاس في شأن الدعوة، فكان منهم
القلة التي اتبعـت، والكثرة التي عاندت وقاومت، وانتقل الشيخ من حريملاء إلى
العيينة، وأميرها وقتذاك عثمان ابن حمد بن معمر، فأكرم الشيخ وأيد دعوته، وعمل على
إلزام الناس بها في ترك تعظيم القبور وهدم القباب، ونهى عن التبرك بالقبور
والأشجار، بل شارك الأمير عثمان بن معمر في إنفاذ ذلك بنفسه، يقول ابن غنام في
تاريخ نجد : إنه لم يبق وثن في البلاد تحت حكم عثمان، وعلت كلمة الحق فيها، وذاع
ذلك، واشتهر وتحدثت به الركبان([6]).
لكن أعوان السوء خوفوا ابن معمر،
ولجؤوا في سبيل ذلك إلى أن استعدوا عليه شيخ بني خالد في الأحساء سليمان بن عريعر
، وكان الأمير عثمان بن معمر يخشاه، ويخاف على ما يصل إليه من مال، فلما وصله كتاب
أمير الأحساء استعظم الأمر، وتملكه الخوف من قطع خراجه، وإنهاء رياسته - وكان أمير الأحساء قد طلب منه قتل
الشيخ، أو إجلاءه عن بلده -
فخرج الشيخ إلى الدرعية سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائـة وألف، وكان ذلك الانتقال
انطلاقة حقيقية لدعوة الشيخ الإصلاحية بعدما اشتهر أمره في نجد .
في الدرعيـــة :
كانت الدرعية وقت انتقال الشيخ إليها
تحت إمرة الأمير محمد بن سعود رحمه الله، وفيها بدأت الدعوة الإصلاحية تأخذ طريقاً
واضحاً يستند إلى سلطان قوي، وظفرت دعوة الشيخ بنصير بصير بأمور دينه، وأمير على البلاد، وفي تاريخ نجد يحكي المؤرخ حسين بن
غنام، أنه لما نزل الشيخ في الدرعية، وسمع بأمره الأمير محمد بن سعود قام من فوره
مسرعاً إليه، ومعه أخواه ثنيان ومشاري، فأتياه في بيت أحمد بن سويلم، وسلما عليه،
وأبدى له الأمير غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه مما يمنع منه نساءه
وأولاده([7]) .
كان ذلك من توفيق الله عز وجل، وحمايته
للدعوة الإصلاحية وشيخها، فالأمير محمد بن سعود رأس الأسرة السعودية، لم يتردد ولم
يتوان في مناصرة الشيخ، وقد وفد عليه، فلقي من الإكرام والمناصرة ما يبعث علـى
الأمل في بلوغ الدعوة إلى غايتها، ولاشك أن معرفة الأمير بأمور دينه وحقيقة
العقيدة الإسلامية، جعلته يتلقى ما قاله الشيخ بقلب سليم، بل إن العجيب في الأمـر - على غير عادة الأمراء في عصره - أن يعـرض الأمير على الشيخ أن يناصره
حتى النهاية، وأن يشترط عليه دوام التعاون في نشر الدعوة، كان الأمير صريحاً في
شرطه على الشيخ، وكان الشيخ أميناً في الاستجابة، فوعد الأمير الشيخ على أن ينصره
في دعوته، وأن يقيم شرائع الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يجاهد من
يخالف التوحيد .
ومن أشهر العلماء الذين عاونوا الشيخ
في دعوته، وناصروه في إذاعتها بين الناس: الأمراء ثنيان بن سعود، ومشاري بن سعود ،
وفرحان بن سعود، ومشايخ كثيرون، منهم أحمد بن سويلم، والشيخ عيسى بن قاسم،
وعبدالله بن دغيثر، وحمد ابن حســـــين، يقول الشيخ حسـين بن غنام في كتابـه تاريخ
نجد : إن كثيرين من العيينة -
التي انتقل منها الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية -
حينما علموا بنصرته، وتأييـده من الأمير محمد بن سعود هاجروا إلى الدرعيـة، وأن
أميرها عثمان بن معمر ندم على ما فرط في نصرة الشيخ ودعوته، وتوجه إليه في الدرعية
قاصداً استمالته إلى العودة إلى العيينة، لكن الشيخ وفى بعهـده للأمير محمد بن
سعود ألا يفارقه .
وبقي الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى جوار
الإمام محمد بن سعود يشير عليه، وينصح له، ويقوم بالدعوة إلى إصلاح العقيدة وتزكية
النفوس، وكان في دعوته متمثلاً بأدب الدعوة إلى الله من الحكمة والموعظة الحسنة،
كما حباه الله من سماحة النفس واللين مع الناس والعفو عن الإساءة ما جعل دعوته
تنتشر، وظل الشيخ على نصحه ومشورته للإمام وابنه من بعده، الإمام عبدالعزيز حتى
توسعت الدولة في عهده، ولازم الشيخ العلم والدعوة والتعليم دون غيرها إلا النصح
والمشورة للإمام.
ويقول صاحب تاريخ نجد : إن الشيخ كان
ورعاً، وربما أحيا ليله قياماً وتهجداً، وكان زاهـداً عفيفاً وجواداً كريماً ([8])،
وظل الشيخ قائماً بما عاهد الله عليه من الدعوة إلى إخلاص العبادة لله، وإصلاح
القلوب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى آخر حياته .
وتوفي -
رحمه الله - آخر شوال عام 1206هـ وقد خلف علماً
نافعاً، وأنجب رجالاً صالحين، حملوا من بعده دعوته الإصلاحية في أنحاء شبه الجزيرة
.
مضامين دعوة الشيخ وآثارها :
ذكرنا من قبل نبذة من حياة الشيخ محمد
بن عبدالوهاب رحمه الله، ونشأته، وتأهله للقيام بدعوته الإصلاحية، وأنه بدأ العمل
في الدعوة إلى الله منذ شبابه الباكر، وقد آتت دعوته ثمارها، نتيجة جهده الدائب،
وصبره على شدة المخالفين وأذاهم، ويهمنا في هذا المقام أن نبين بعض ملامح أسلوب
الشيخ، ومنهجه في الدعوة إلى الله .
في عصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب كانت
نجد على حال من السوء في أمور الدين والدنيا تحدث عنها كل من تناول سيرة الشيخ،
فقد داخل الشرك عبادة كثير من الناس، وتسلل إليها من أوسع الأبواب ومن أخفاها،
وكانت الخرافات منتشرة يعلمها العلماء فيسكتون، ويراها الأمراء فلا يتصدون لها،
وأكثر ما كانت الخرافات والبدع في شأن توحيد الألوهية، جوهر الإسلام وركنه المتين،
إذ قدس بعض الناس القبور، واستغاثوا بالأموات، والتمسـوا الذرية من الأشجار
والأحجار، وعلقوا التمائم والخرق، ونذروا لغير الله، وذبحوا وأهدوا ذبائحهم إلى
الأموات والجن والشياطين، وفي الجملة كانت مظاهر الشرك ذائعة، وصوره غالبة في نجـد
، قلب شبه الجزيرة، التي انبثق نور الإسلام في أرجائها، ولم يكن فيها لمشرك مكان
في عصر النبوة والخلافة الراشدة، أما أخلاق الناس فلم تكن تقل سوءا وجهالة عن
ابتداعهم في الدين وشركهم في العبادة، ولم تكن هناك سلطة سياسية، وإنما أمراء
ورؤساء يتنازعون فيما بينهم، ويغير القوي منهم على الضعيف، وكانت الغارة وسيلة
للكسب، وأسلوباً في العيش لدى القبائل المتناحرة وأمرائها وشيوخها الذين لا يعرف
كثير منهم من الإسلام إلا الاسم، وليس لهم من العبادات الصحيحة أو أخلاق الإسلام
الكاملة الفاضلة إلا الرسم .
بدأ الشيخ الدعوة إلى الله في حريملاء،
فكان يجاهر بدعوته الإصلاحية، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ثم انتقل إلى
العيينة، ثم انتقل بعدها إلى الدرعية حيث تعاهد مع أميرها محمد بن سعـود على نصرة
التوحيد، وإصلاح الناس في دينهم ودنياهم، ومنها انتشرت الدعوة في أنحاء نجد، ثم في
الحجاز، وعبرت بعد ذلك إلى خارج الجزيرة، بعد أن استقرت الدعوة بتوفيق الله عز
وجل، واستمرت في انتشارها وسعة تطبيقها، نتيجة للتعاون والتآزر بين الدعوة والدولة
.
بين الشيخ منهاجه فقال : إنه لا يدعو
إلى طريقة جديدة، وإنما يحيي الدين، ويدافع عن السنة، ويبدع الخارجين عليها، وقال
الشيخ أيضاً : " لست -
ولله الحمد - أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه، أو
متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير،
وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله - e - التي
أوصى بها أول أمته وآخرهم "([9]).
لا جديد إذا في المذهب ولا في طريقة
الدعوة، فالمذهب هو مذهب أهل السنة والجماعة، والطريق هو طريق السلف الصالح .
ويستطيع الباحث أن يجد لما أتى به
الشيخ أساسه وسنده وأصله في كتاب الله وسنة رسوله، e ، فقد هدم الشيخ القباب، وسوى
القبور، وقطع الأشجار التي كان الناس يدعون عندها، وينسبون إليها الخير، وأنكر
الاستعانة بغير الله، والاستغاثة بالقبور والأولياء، وجلس لتعليم الناس، وأمر
بالمعروف، ونهى عن المنكر .
وفي الدرعية واصل الشيخ جهاده، والتف
الناس حوله، وتتابعت إليه الوفود بعد أن علم الناس إخلاصه في الدعوة إلى الله،
وأنه لا يريد إلا الإصـلاح، وتعلموا منه ما أفادهم في عقيدتهم ومعاملاتهم، وكان
الإمام محمد بن سعود عونا له في أداء رسالته، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
على أساس من كتاب الله وسنة رسولـه e .
كانت هذه أصول منهجه، ومصدر قولـه
وعمله، وانتشرت دعوة الشيخ في نجد، وترك الكثيرون بلادهم إلى الدرعية، وزاد قدر
الشيخ في أعين الناس .
ومن أسباب التوفيق أن الشيخ بدأ دعوته
الإصلاحية في نجد قلب شبه الجزيرة، وأبعد مكان فيها عن التأثر بما هو مجلوب من
الأفكار والآراء والتخطيط.
لقد انضوت حريملاء والدرعية والعيينة
تحت لواء الدعوة، فأصبحت دعوة الشيخ قوية مهابة، وإن كثر أعداؤها، لقد هاجم أمير
الرياض دهام بن دواس الدرعية عدة مرات؛ خشية زوال نفوذه بازدياد سلطان آل سعود،
ولكنه كان يهزم، وقد فتح الله على آل سعود بضمّ الرياض عام 1187هـ وزاد انتشار
الدعوة الإصلاحية، حتى إن شريف مكة رفع تقريراً إلى الباب العالي 1172هـ يبين فيه
خطورة الدعوة، وانتشارها وخشيته على الحجاز، وقد أرسلت الدولة السعودية وفداً من
ثلاثين عالماً، لمناقشة علماء الحجاز في أمر الدعوة الإصلاحية وما تستند إليه، ومن
الغريب أن يفتي قاضي مكة بكفرهم !! .
وبعد انتصارات آل سعود بعثت الدرعية
بوفد آخر وبرسالة معه إلى علماء مكة، برئاسة الشيــخ عبدالعزيز الحصين، وتناقش
الوفد مع علماء مكة في مسائل، منها ما ادعي من تكفير الدعوة الإصلاحية لعموم
المسلمين، وإنكار شفاعة الصالحين، واقتنع علماء مكة بعد أن اطلعوا على كتب
الحنابلة في هذه المسائل .
لم يكن العداء للدعوة الإصلاحية من
الجهال فحسب، بل من الأمراء الذين خافوا على إمارتهم من انتشار دعوة الشيخ والتفاف
الأتباع حولها، وقوة الدولة التي نصرتها.
يحكي الشيخ حسين بن غنام في كتابه
تاريخ نجد في صفحات طوال الوقائع التي جرت، وأخبار القتال، وتبادل الغزوات بين آل
سعود والأمراء المتفرقين الذين يعطون العهد، ثم ينقضونه مرات عديدة، وقد انتهى
الأمر بانتصار آل سعود على أعدائهم، كان النصر لدعاة التوحيد الخالي من الشرك،
ودارت الدائرة على أهل الشرك والبدع والنفاق ونقض العهود ([10]).
في تلك الفترة كان الشيخ إلى جانب
الإمام محمد بن سعود وإخوانه وأبنائه وأعوانه يشير عليهم، وينصح لهم، ويشاركهم
الرأي في جهاد خصومهم، ومد سلطانهم في شبه الجزيرة، وفي عام 1206هـ توفي الشيخ
محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - عن واحد وتسعين عاماً، وحمل أمانة
الدعوة إلى الله من بعده أبناؤه وأتباعه وتلاميذه في حماية الأئمة من آل سعود
الذين امتد نفوذهم في شبه الجزيرة .
كانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب
الإصلاحية منذ بدأت إحياء للدين في نفوس الناس، وتجديداً لأمره بينهم في القرن الثاني
عشر الهجري، ولم يكن فيها جديد على الإسلام، ولكنها كانـت تجديداً لأمره كما بشر
الرسول، صلوات الله عليه وسلامه، وسند الدعوة كتاب الله، وسنة رسوله- e -
وعمل السلف من الصحابة والتابعين، الذين هم أفضل القرون في الإسلام، ولقد كانت
مضامين دعوة الشيخ واضحـة في موازين الإســلام، كالشمس الساطعة، ولم يكن فيها شيء
من التعقيــد أو الغموض أو الحاجــة إلى كثرة الحجج.
أدرك الشيخ أن مدخل كل خير وفلاح في
أمور الدين والدنيا هو التوحيد، جوهر الإسلام وركن الدين المتين، وكلمة التوحيد - وإن بـدت ظاهرة اليسر والسهولة على
ألسنة المؤمنين - فإنه لا يعرف
حقها كاملاً إلا أولو العلم وأهل اليقين، فكان جهاد الشيخ أن يتحرر الإنسان من كل
عبودية إلا لله الواحد الأحد، فلا شرك به، ولااستعانة بغيره، ولا استغاثة إلا به
وحده، لايكون ذلك للأولياء أو الصالحين، ولا يكون لهم نذر ولا دعاء ولا استعانة أو
استغاثة، كما كان شائعا بين بعض الناس .
لقــــد كان للشيـــخ رأي مقبول وصائب
في المذاهب الكبرى الفقهية وأصحابها، أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، رحمهم
الله ؛ إذ كان الشيخ يحترم أئمة المذاهب كلهم، ويأخذ عنهم، مع حسن اختيار للرأي
الفقهي الذي يأخذ به عنهم، وفق ما يقتضيه الدليل الراجح .
ومن أصول دعوة الشيخ الأخذ بما ورد في
السنة، وثبت عن الرسول - e - فكان يقول : إنه يدعو إلى عبادة الله
وحده لا شريك له، وإلى التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله، e ، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قولاً وعملاً .
وقد اعتنى الشيخ في دعوته الإصلاحية
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه أصل للخير في كل مجتمع إسلامي .
لقد عمل الشيخ في مجال التعليم
والتوجيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ شبابه الباكر إلى وفاته رحمه
الله، فجلس للتدريس، ونصح للناس، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وحارب الشرك
الذي كان شائعا بين بعض الناس، وأنكر البدع التي كانت ظاهرة، وجاهد في سبيل إرساء
التوحيد كما جاء في كتاب الله وسنة نبيه، نقيا صافيا، وكان الشيخ في دعوته صاحب
همة لا تفتر، وعزيمة لا هوادة فيها، ورأي لا تردد فيه، فاستقامت دعوته، وانتشر
أمرهـا بين الناس، وكان -
رحمه الله - زاهـدا في الدنيا، وغاية أمره أن يشير
على السلطان بخير، أو يشاركه في عمل فيه خير للإسلام والمسلمين .
وعندما نتحدث عن أثر دعوة الشيخ في
بلاد العرب، وامتدادها خارج شبه الجزيرة إلى بلاد إسلامية عديدة، لا بد أن نشير إلى
أن يسر هذه الدعوة الإصلاحية، واستنادها إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية، وعمل
السلف، من صحابة رسول الله - e - والتابعين، كان له أكبر الأثر في
انتشار الدعوة في شبه الجزيرة دون جهد دعوي أو علمي كبير، فلم يكن وقتذاك أجهزة
إعلامية قوية التأثير ؛ لكي تبث الدعوة في أنحاء شبه الجزيرة أو خارجها، لقد
اعتمدت دعوة الشيخ على الخطاب الدعوي المباشر من الشيخ أو أتباعه وعلماء العصر،
الذين وافقوا الشيخ وأجلوا علمه وفضله، واعتمدت أيضا على الرسائل التي كانت أحيانا
تكشف جوانب الدعوة وأسانيدها، وترد الشبهات عنها، فطالما اتهم خصوم الدعوة
الإصلاحية الشيخ، بأن دعوته تتنكر لما هو شائع بين المسلمين أو ما درجوا عليه،
وغير ذلك من التهم الباطلة التي أثارها خصوم الشيخ، وردها - رحمه الله -
برسائله وبخطاباته .
لقد كان بعض علماء نجد سباقين إلى
الأخذ بدعوة الشيخ الإصلاحية، واقتنع بها علماء آخرون خارج نجد إلا أنهم مع
اقتناعهم أبدوا عجزاً عن مقاومة ما يخالفها من البدع الشائعة ؛ إذ لم يجدوا قوة
تؤيدهم .
وقد ربط البعض بين دعوة الشيخ محمد بن
عبدالوهاب وحركات أخرى، كالتي قامت في البـلاد الأفريقية، في غرب السودان، كدعوة
الشيخ عثمان بن فودي، وفي شمال السودان الحركة المهدية التي أسسها أحمد بن
عبدالله، وفي ليبيا الدعوة السنوسية، وفي المغرب والجزائر قامت حركة الأمير
عبدالقادر الجزائري، ونشأت جمعية العلماء بالجزائر .
وفي الهند تعددت حركات الجهاد والتحرير
ضد الاستعمار الإنكليزي مع طابع إسلامي غالب، كما كان الأمر عند صديق بن حسن،
وأحمد بن عرفان، وظهرت حركات في أندونيسيا، ولكن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله -
تختلف عن تلك الحركات كلها، فكثير من تلك الحركات والدعوات مشوبة بأمور لا تتفق
ودعوة الشيخ محمد، وإن استفاد بعضها أو بعض أتباعها من الدعوة الإصلاحية في نجد
بعض الفائدة .
إن حركات الإصـلاح التي أشرنا إليها لم
تكن في الغالب حركات دينية خالصة، بل فيها حركات صوفية منحرفة ، وكانت في الأغلب
الأعم من حركات التحرر من الاستعمار الذي طال البلاد الإسلامية - الاستعمار الغربي بالذات - ولا بد أن يكون طابع هذه الحركات
دينيا ؛ إذ الإسلام كان -
وما يزال - أعظم مؤثر في حركات التحرير في العالم
الإسلامي، وكان ذلك ظاهرا منذ بداية القرن الرابع عشر الهجري حيث كانت معظم بلاد
العالم الإسلامي واقعة في براثن الاستعمار الغربي بالذات، وثمة ظاهرة أخرى تؤكد ما
نقول، وهي أن الزعامات التي قادت حركات التحريـر من الاستعمار الغربي، كانت زعامات
إسلامية بحكم الواقع الذي أملى ذلك، وخاصة أن النزعة القومية لم تكن قوية إلى
الدرجة التي تمكنهـــا من قيادة حركات التحرر من الاستعمار دون أن تتخذ الطابع
الإسلامي الغالب، حتى تستطيع أن تقف في وجه القوى الاستعمارية، وتظفر بتأييد
جماهيري واســع.
كما أن تأثير الدعوة الإصلاحية التي
قام بها الشيخ في رعاية الدولة السعودية تأثيراً دينيا في الغالب، أسفر عن نشر
مفاهيم الدين الصحيحة، وتقويم سلوك الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، ونتيجة لاقتناع
العلماء بدعوة الشيخ نشأت مدرسة علمية، أساس فكرها تنقية عقيدة التوحيد مما شابها
من البدع والخرافات، والعمل بمقتضى عقيدة التوحيد في العبادات والمعاملات، وكان
لهذه المدرسة أثر كبير في إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلها
ذات أثر بالغ في إصلاح المجتمع من الناحية العملية، ولم يكن ذلك ليتم دون مساندة
السلطـان، وإلا كان جهدا علميا خالصا سبق إليه الكثيرون، ودعوا إليه، وكتبوا
وتحدثوا فيه، ثم انتهت آثاره ؛ لأنه لم يجد حظا من مساندة السلطان الذي يستطيع أن
يمنع المنكر، ويلزم بالمعروف، فإظهار الحق وإبطال البدع يحتاجان إلى قوة السلطان
التي تعضد هدي القرآن .
وكما كان لدعوة الشيخ أثر عظيم في
المجال الديني، كان لها أثر لا ينكر في تقوية روح الأخوة الإسلامية، والدعوة إلى
وحدة الدولة التي عاصرت الدعوة، ناهيك عن أثرها الاجتماعي في تحرير العقل المسلم
من كثير من البـدع والأباطيل والخرافات، التي ظهرت في المجتمع المسلم في شبـه
الجزيرة، وكف يد القبائل عن إغارة بعضها على بعض والسلب والنهب، فكان للدعوة
الإصلاحية أثر في النفوس، صاحب الانتقال من حال البداوة إلى الاستقرار والعمل .
آثار الشيخ العلمية :
أشرنا إلى أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله -
قام بدعوة إصلاحية دينية في شبه الجزيرة قامت على أسس واضحة أشد الوضوح، وهي توحيد
الله عز وجل، وإفراده بالعبادة، ونفي كل صور الشرك الظاهر و الخفي، ومحاربة البدع
والخرافات التي شابت التوحيد، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علماً
وعملاً، ولقد خلف الشيخ عدداً كبيراً من التلاميذ، نهلوا من مدرسته، وتعلموا منه،
منهم عدد من أبنائه وأقاربه، وعدد كثير من أتباعه، نشروا دعوته الإصلاحية في أثناء
حياته، وأكملوا مسيرته بعد وفاته، وإذا ذكرنا آثاره العلمية، فإنه ينبغي أن نذكر
إلى جانبها، أن الشيخ لم يكن عالـما اقتصر عمله على التأليف العلمي وحده، بل يمكن
القول إنّ ما كتبه من آثار لم يكن مقصوداً منه إلا شرح أصول دعوته الإصلاحية،
والرد على خصوم الدعوة، وبيان أدلتها ومنهاجها، لقد كانت الآثار العلمية التي
خلفها الشيخ يسيرة وواضحة، وكافيـة في شرح الدعوة وأهدافها وأسانيدها الشرعية،
فالشيخ لم يكن منعزلا عن الناس أو مشغـولا عنهم بالتأليف العلمـي، وثمة أمر آخر
يتجلى للباحث في آثار الشيخ ومؤلفاته، وهو أن لغـة التأليف فيما تركه الشيخ من
آثار، لم تكن مثل لغة ابن تيمية وابن القيم وأضرابهما، بل كانت قريبة المتناول، يسهل
فهمها على عامة الناس، وذلك مما يؤيد رأينا فيما ذكرناه عن تصانيف الشيخ .
ويعد كتاب " التوحيد الذي هو حق
الله على العبيد " من أشهر مؤلفات الشيخ التي تناول فيهـا كثيراً من مباحث
التوحيد، وموضوعاته، كالقول في الاستعاذة، والاستعانة، والتوسل، ودعاء غير الله،
والنذر، والذبح لغيره، وذكر في الكتاب براهين واضحة من الكتاب والسنة، وقد شرح هذا
الكتاب مرات عديدة، وترجم إلى لغات عدة، ويعد كتابه " كشف الشبهات " من
الكتب المهمة التي تعرض فيها للتوحيد الخالص، وطريق الاستدلال عند الشيخ القرآن
والسنة الصحيحة .
وألف الشيخ كتاب " الأصول الثلاثة
"، وهي : معرفة الرب، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة الرسول محمد e ، وهي رسالة صغيرة، وبين الشيخ شروط الصلاة وأركانها، وألف رسالة
القواعد الأربع في التوحيد وأدلته، ورسالة أصول الإيمان، وكتاب فضل الإسلام، وكتاب
الكبائر .
وكتب الشيخ رسالة مختصرة في السيرة
النبوية، أورد فيها مسائل مهمة تتعلق بالسيرة، وألف بعض رسائل في تفسير بعض سور من
القرآن، وكتب الشيخ ملخصاً لسيرة ابن هشام، وملخصاً لكتاب زاد المعاد لابن القيم،
رحمه الله .
وآثار الشيخ العلمية وحدها لا يمكن أن
تحدث ما حققته الدعوة الإصلاحية من تأثير، وإنما كان ذلك بسبب جهاد الشيخ في نشر
التوحيد الخالص، ومحاربة البدع والأباطيل والخرافات، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، وكان في أعماله الدعوية موفقاً مـن الله عز وجل، ثم مؤيداً بالسلطان من
حكام آل سعود الذين عاصرهم في سلطانهم، وكانوا من أسباب نجاح الدعوة الإصلاحية،
وبقائها واتخاذها منهجاً للإصلاح في عهود الدولة المختلفة .
كان الشيخ رحمه الله، على مذهب إمام
السنة أحمد بن حنبل رحمه الله، وكان يتخذ ابن تيمية وابن القيم شيخين له دون أن
يلتزم بتقليدهما، ولا ينكر الشيخ تقليد مذهب من المذاهب الكبرى في الإسلام في فقه
الفروع، وأقر الشيخ بأنه لا يستحق الاجتهاد المطلق .
وهو في العقيدة على مذهب السلف الصالح،
وهو المذهب الصحيح الموافق لما في كتاب الله، وسنة رسوله، e .
وفي الجملة كان الشيخ - رحمه الله -
داعية عصره في شبه الجزيرة، عالماً عاملاً، اهتم أعظم اهتمام بركن الإسلام المتين
وجوهره التوحيد ، وحارب كل مايشوب
الوحدانية الخالصة لله عز وجل، من صور البدع والخرافات والأباطيل .
ولقد اتهم الشيخ في حياته وبعد مماته
باتهامات شتى، هي افتراءات من خصوم دعوته الإصلاحية، وكان دفاع الشيخ عن التوحيد
ومقتضاه ولازمه، سببـا في إثارة عداء المشركين شركا خفيا أو ظاهراً، والمنتفعين
بالبدع والخرافات ، وأرباب التصوف ، وحكام الجور، وحتى المستشرقين لم يسلم الشيخ
من افتراءاتهم عليه .
لقد سميت الدعوة الإصلاحية بالوهابية
حتى تنسب إلى صاحبها، وليس إلى مضمونها وموضوعها ؛ لأن فقه الرجال أيسر من فقه
الفكرة والمضمون، وقد ظن بعض المستشرقـــين المتعصبين، مثل زويمر، أن الوهابيـة
دين أو مذهـب جديــد مستقــل عن الإســلام([11]) وكذلك فعل
المستشرقـان بور، وبرك هارت، وقد شاع ذكر الوهابية والوهابي في أقوالهما، بل إنه
ورد كثيراً في تاريخ الجبرتي (ت1238هـ) .
وقد ساعـــدت الظـــروف السياسية في
التهجـــم على الشيخ محمد بن عبدالوهاب -
رحمه الله - ودعوته الإصلاحية، لا سيما أن نجاح
دعوته، والتأييد الذي لقيته من أئمة آل سعود، كان كفيـلاً بهدم إمـارات عديدة في
المنطقة، وتقاليد اجتماعية كانت راسخة، مما جعل خصوم الشيخ ينهضون للدفاع عن
مصالحهم الذاهبة، وهناك من أساء فهم دعوة الشيخ، ونقدها نقدا متهافتا انصب على شدة
الدعوة الإصلاحية في الدفاع عن التوحيد، وأنها لم تنتج حركة علمية ذات شأن، وأنها
امتزجت بالسياسة واقتربت من السلطان .
وكل هـذا النقد لا يصمد أمام الرد، فاهتمام
الدعوة الإصلاحية بإصلاح التوحيد، وتخليصه مما شابه، من أجل مايـحمد لها إزاء ما
كان عليه الحال قبل ظهورها، والدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب لم تكن
مدرسة علمية أو فكرية، يهتم بها خاصة الناس من العلماء أو الدعـاة، بل كانت دعوة
إصلاح شاملة بين الناس جميعاً، فضلاً عن أن الشيخ كان معلما كبيراً، وجه اهتمامه
لإصلاح البشر، وليس عالماً منعزلا عن الناس ومتفرغاً للتأليف .
وأما تهجم المستشرقين من غير المسلمين،
فبواعثه معروفة لا تخفى على أحد، فقد كانت شبه الجزيرة ميداناً للتنافس على النفوذ
بين كثير من الدول الأوربية -
إنجلترا وفرنسا وألمانيـا -
وكانت الدولة السعودية وقتـذاك تكافح ؛ لتخليص البلاد من سيطرة الغرباء عليها
وعملائهـــم، ولقد تعرض آل سعـــود لكل هذه المصاعـــب، واستطاعوا - بتوفيق من الله عز وجل - أن يحفظوا منهج الإصلاح في دعوة الشيخ
محمد بن عبدالوهاب، إلى جانب حفظ سلطانهم ومد نفوذهم، حتى انتهى الأمر بقيام
المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل
سعود رحمه الله، مع بقاء دعوة الشيخ الإصلاحية منهجاً للإصلاح الديني والاجتماعي.
من الإمـــارة إلى المملكـــة
كانت بعثة الرسول محمد بن عبدالله - e - إيذاناً ببزوغ فجر التوحيد والوحدة،
أضاء بنوره الوهاج أرجاء المعمورة بعامة، وشبه جزيرة العرب بخاصة، وأخرج الناس من
ظلمات الجهل والشرك، إلى نور العلم والتوحيد، ومن لظى الظلم والتفرق، إلى ظل العدل
والوحدة.
وكان المنهاج النبوي في الدعوة إلى
الإسلام مبنياً على أركان وقواعد، ترجع إلى أصلين عظيمين :
أولهما - توحيد الله سبحانه وتعالى، وإخلاص العبادة له،
والكفر بما يُعبد من دونه من الأوثان، والأصنام، والطواغيت .
وقد
استمـر الرسـول - e - يدعو إلى هذا الأصل العظيم الذي هو
جوهـر ديـن الإسلام ولبه، منذ أن أمره الله بالتبليغ، والدعوة إلى دينه، في قوله
تعالى: {$pkš‰r'¯»tƒ ãÏoO£‰ßJø9$# ÇÊÈ óOè% ö‘É‹Rr'sù ÇËÈ y7/u‘ur ÷ŽÉi9s3sù ÇÌÈ y7t/$u‹ÏOur öÎdgsÜsù ÇÍÈ t“ô_”9$#ur öàf÷d$$sù }[المدثر1-5]
إلى أن أذن له في الهجرة إلى المدينة النبوية، في السادس والعشرين من شهـر صفر،
بعد مضي ثلاث عشرة سنة من بدء النبوة، حين اشتد أذى الكفار لـه، وللمستضعفين من
المؤمنين، وأتمروا به في دار الندوة ؛ ليقتلوه ([12]) .
ثانيهما - وحدة المسلمين، وتوحيد صفوفهم، وطمس معالم الفرقــة
الجاهلية، وإزالة العصبيـــات، وإسقاط فوارق النسب واللون، فلا فضل لعربي على
عجمي، ولا لأبيــــض على أسود إلا بالتقــوى، قال الله تعالى : {¨bÎ) ö/ä3tBtò2r& y‰YÏã «!$# öNä39s)ø?r& } [الحجرات 13].
فوحدة المسلمــــين، وعدم التفرق والاختــــلاف،
من أجل المقاصــــــد الإسلاميـــــة، وأسمى الغايات الدينيـــة، قال الله تعالى :
{(#qßJÅÁtGôã$#ur È@ö7pt¿2 «!$# $Yè‹ÏJy_ Ÿwur (#qè%§xÿs? } [ آل عمران 103] وقال رســـــول الله - e -
في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه
- " إن الله يرضى لكـم ثلاثاً،
ويكـره لكم ثلاثاً : فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل
الله جميعاً، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركـم، ويكره لكم قيل وقال،
وكثرة السؤال، وإضاعة المال"رواه مالك، وأحمد، ومسلم .
قال
النووي ، رحمه الله : " وأما قولـه - e -: "ولا تفرقوا "، فهو أمر
بلزوم جماعة المسلمين، وتأليف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام([13]).
وقد جاء التصريح بلزوم جماعــــة
المسلمين في حديث زيد بن ثابــت -
رضي الله عنه - أن رسول الله - e -
قال : " ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة
المسلمين، ولزوم جماعتهم" رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، والدارمي.
ولا شك أن الأصل الأول - أعني توحيد الله تعالى - يتضمن وحدة المسلمين أيضاً، لكن
المقصود أن الدعوة صراحة إلى الوحدة، والأعمال المفضية إلى ترسيخها في نفوس
المسلمين، بدأت جلية منذ هجرة الرسول - e - إلى المدينة، ونزولـه في بني النجار
يوم الجمعة12/ ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة .
فقد كان على رأس أعماله - e -
في المدينة النبوية، عمارة المسجد النبوي الشريف، الذي يؤدي فيه المسلمون الركن
الثاني من أركان الإسلام، وهو الصلاة، ذلكم الركن الذي تتجلى فيه وحدة المسلمين في
أبهى صورها، إذ يلتقي المصلون في المسجد خمس مرات في اليوم والليلة، ويصطفون
صفوفاً متراصة، خلف إمام واحد، وقد ذابت كل الفوارق، وزالت أسباب الفرقة والاختلاف
.
وكما قام الرسول - e -
ببناء المسجد الذي يعد مركز التجمع والتآلف والوحدة، قام بعمل آخر، ليس له نظير في
التاريخ البشري، وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثـــون بذلك
دون ذوي الأرحــــام، إلى حين غزوة بدر، فلما أنزل الله تعالى قولـــه : {(#qä9'ré&ur ÏQ%tnö‘F{$# öNåkÝÕ÷èt/ 4’n<÷rr& <Ù÷èt7Î/ } [ الأنفال 75 ] نسخ التوارث، دون عقد
الأخـــوة ([14]) .
ولم تكن هذه المؤاخاة عملاً شكلياً،
ولا لفظاً فارغاً، بل كانت عقداً نافذاً، امتزجت فيه مشاعر المؤانسة، والمواساة، والإيثار
إلى حد أن يعرض الأنصاري على أخيه المهاجر، أن يقاسمه ماله، وأن يطلق له أعجب
زوجتيه إليه، ليتزوجها بعد انقضاء عدتها، كما في قصة عبدالرحمن بن عوف، وسعد بن
الربيع الأنصاري رضي الله عنهما ([15]) .
ولم يزل رسول الله - e -
يغرس في نفوس أصحابه هذه المبادئ الرفيعة ، والقيم الإسلامية السامية، حتى بنى - e -
مجتمعاً، على أساس من توحيد الله تعالى، والتمسك بشرعه، تجلت فيه وحدة المسلمين في
أكمل صورها، وأتم نماذجها.
ومن
هذا المجتمع الإيماني في المدينة النبوية، انطلقت مشاعل النور والهدى إلى سائر
أرجاء شبه الجزيرة العربية، معتمدة على الله سبحانه، ثم على البيان الواضح، والحجة
الناصعة، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، في ظل القوة
المادية التي بناها الرسـول - e - لحماية التوحيد والوحدة، ممن يتربصون
بهما الدوائر، كمـا حـدث في غزواته وسراياه - e - عملاً بأمر الله تعالى : {(#r‘‰Ïãr&ur Nßgs9 $¨B OçF÷èsÜtGó™$# `ÏiB ;o§qè% ÆÏBur ÅÞ$t/Íh‘ È@ø‹yÜø9$# šcqç7Ïdöè? ¾ÏmÎ/ ¨r߉tã «!$# öNà2¨r߉tãur
} [الأنفال 60
] .
ولم ينتقل الرسول - e -
إلى الرفيق الأعلى، حتى أكمل الله الدين، وصار مجتمـع شبه الجزيرة مجتمعاً متوحداً
متآلفاً تحت راية الإسلام : {öqs9 |Mø)xÿRr& $tB ’Îû ÇÚö‘F{$# $YèŠÏHsd !$¨B |Møÿ©9r& šú÷üt/ óOÎgÎ/qè=è% £`Å6»s9ur ©!$# y#©9r& öNæhuZ÷t/ 4 } [ الأنفال 63].
كانت هذه لمحة رأينا إيرادها أمراً
ضرورياً، لأمرين اثنين :
أولهما
: بيان أن أول توحيد سياسي لشبه الجزيرة، تم
بأمر الله تعالى، على يدي النبي الخاتم e الذي أمر الله المسلمين بالتأسي
والاقتداء به، كما قال تعالى: {ô‰s)©9 tb%x. öNä3s9 ’Îû ÉAqß™u‘ «!$# îouqó™é& ×puZ|¡ym `yJÏj9 tb%x. (#qã_ötƒ ©!$# tPöqu‹ø9$#ur tÅzFy$# tx.sŒur ©!$# #ZŽÏVx. } [ الأحزاب21 ].
وهذا يوجب على كل من ولاه الله أمر الجزيرة
العربيـــــة، أن يقتدي بالرسول - e- وأن يجاهد في سبيل نشر توحيد الله تعالى، وإزالة أسباب
الشرك، وطمس معالمه، وأن يسعى إلى وحدة المسلمين، وتوحيد صفوفهم على شرع الله
تعالى.
ثانيهما
: أن الأمراء والأئمة من آل سعود، كانوا
يدركون هذه الرسالة الإسلامية، ويضعون -
منذ مناصرتهم للدعوة الإصلاحية في جزيرة العرب -
المنهاج النبوي الذي بيناه، نصب أعينهم، ويقتدون به في سعيهم، وجهادهم في سبيل
توحيد الجزيرة العربية، على ما وحدها عليه الرسول - e - من توحيد الله عز وجل، بمعناه الشامل،
الذي يستوجب العمل بما شرعه الله في جميع شؤون الحياة .
إن المنهـاج النبوي هو المنهاج الذي
عمل على التمسك به أئمة آل سعود في سعيهم وجهادهم، لتوحيد شبه الجزيرة العربية،
عبر تاريخهم المديد، كما سيتضح في الصفحات التالية .
قيام الدولة السعودية الأولى :
يعد المؤرخون عام 1157هـ (1744م) بداية
التاريخ السعودي المؤثر في المنطقة؛ لأنه بداية الدولة السعودية الأولى، وإن كان لآل
سعود وجود في نجد قبل ذلك ([16]) .
وهذا التاريخ نفسه، هو تاريخ المعاهدة
المشهورة بين الشيخ المصلح محمد بن عبدالوهاب، والإمام المجاهد محمد بن سعود - رحمهما الله تعالى - على التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة
رسوله - e -
ونصرة دعوة التوحيد، والدفاع عنها، والجهاد في سبيل نشرها نقية صافية، كما كانت في
العهد النبوي الشريف، والقرون المفضلة .
وبهذا يتضح أن قيام الدولة السعودية
الأولى كان على أساس توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، ومحاربة الشرك، وإزالة
كل ما يفضي إليه .
وهذا هو الركن الأول الذي أسلفناه في
بيان المنهاج النبوي في توحيد شبه الجزيرة .
وفي ذلك اللقاء التاريخي الذي اتخذ
بداية لتاريخ قيام الدولة السعودية الأولى، نجد وجهاً آخر من أوجه الاقتداء
بالرسول e
.
يقول الشيخ حسين بن غنام :
" فلما تحقق الأمير محمد بن سعود
معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، قال له : يا شيخ، إن
هذا دين الله ورسوله، الذي لا شك فيه، فأبشر بالنصرة لك، ولما أمرت به، والجهاد
لما خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين : نحـن إذا قمنا في نصرتك
والجهـاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترتحل عنا، وتستبدل
بنا غيرنا، والثانية : أن لي على أهل الدرعية قانوناً آخذه منهم في وقت الثمار،
وأخاف أن تقول : لا تأخذ منهم شيئاً، فقال الشيخ : أما الأولى، فابسط يدك : الدم
بالدم، والهدم بالهدم، وأما الثانية: فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات ، فيعوضك الله
من الغنائم ما هو خير منه "([17]).
فهذا الموقف من الإمام المناصر، والشيخ
المصلح، يذكرنا ببيعة العقبة الثانية، التي حدثت في موسم الحج، في السنة الثالثة
عشرة من البعثة النبوية، فقد قال أبو الهيثم بن التيهان : " يا رسول الله، إن
بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوهــا -
يعني اليهود - فهل عسيت -
إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله -
أن ترجع إلى قومك وتدعنا" ؟ .
فتبسم رسول الله - e -
ثم قال : " بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من
حاربتم، وأسالم من سالمتم"([18]).
وهذا يؤكد ما قررناه سابقاً من أن كل
واحد من الإمام، والشيخ كان يسير في جهاده على مقتضى المنهاج النبوي الشريف،
ويستهدي بسناه .
الدولة السعودية في طور
المسالمة والإعداد :
بعد الاتفاق التاريخي بين الإمام
المناصر، والشيخ المصلح، أدركت الدولة الفتية، عظيم رسالتها، وجسيم الأمانة التي
أخذت على عاتقها أداءها ؛ ابتغاء وجه الله تعالى، وهي رسالة إصلاح شؤون شبه
الجزيرة العربية، وتجديد أمر الدين فيها بالعودة إلى ينابيعه الصافية : الكتاب،
والسنة، وما كان عليه السلف الصالح .
فشرع الإمام، والشيخ في إعداد العدة،
وتهيئة الأسباب، وتأهيل الرجال للقيام بما اختارهم الله للقيام به، معتمدين على
الله سبحانـــه، واضعين نصب أعينــهم منهاج النبي - e- مقتفين سنته .
فقد هيأ الإمام المناصر أسباب
الطمأنينة، والأمان للشيخ المصلح، فتفرغ للدعوة إلى الله تعالى، وبيان الحق الذي
جاء به الرسول - e -
يساعده في هذا العمل الجليل أنصاره وتلامذته، ومن أبرزهم إخوة الإمام محمد بن سعود
الثلاثة : مشاري، وثنيان، وفرحان، والشيخان : أحمد بن سويلم، وعيسى بن قاسم ([19]) .
ولم يمض زمن طويل على الاتفاق، إلا وقد
تعلم الناس أصول دينهم التي تجب عليهم معرفتها.
ولم تقف همة الإمام، والشيخ عند حد
" الدرعية "، بل سمت بهما عزائمهما إلى التطلع إلى القبائل، والإمارات
المجاورة، فكان الشيخ يكاتب العلماء، ورؤساء البلدان، والقبائل في نجد، مبيناً لهم
أسس الدعوة الإصلاحية التي قامت على أساسها الدولة الفتية في الدرعية، وأنها دعوة
إلى ما كان عليه الرسول - e- وأصحابه، والقرون المفضلة، من توحيد الله تعالى،
والاعتصام بحبله المتين، وعدم التفرق والاختلاف .
وقد آتت تلك الجهود ثمارها، فانضم
أمراء بعض البلدان إلى حظيرة الدولة والدعوة، طائعين مختارين . ومن هؤلاء أمراء
العيينة، وحريملاء، ومنفوحة ([20]) .
استمر هذا الطور سنتين اثنتين 1157 - 1159هـ (1744-1746م)
حققت فيه الدولة انتصارات سياسية ومعنوية كبيرة، وأصبح ميزان القوة يميل إلى
مصلحتها .
انتقال الدولة إلى طور الجهاد
بالسيف :
بعد مضي سنتين على اللقاء المشهور بين
الإمام والشيخ، رأت قيادة الدولة في الدرعية سنة 1159هـ (1746م) أن الوقت قد حان
للانتقال من طور الاقتصار على حجة البيان والإقناع، إلى طور اعتضاد الدعوة بالسيف
والسنان .
وهنا تتجلى حكمة القيادة السياسية
والدينية للدولة الفتية، كما يتجلى حسن الاقتداء بالنبي - e -، فإن الإمام محمد بن سعود لم يلجأ إلى
الاستعانة بالسيف والسنان من أول الأمر ؛ لأن الدولة كانت في بداية التأسيس،
وربّما لا تتحمل أعباء القتال، وما يتطلبه ذلك من إعداد العدة، ووفرة المال ، فلما
أتم العدة، وآنس من دولته القدرة على تهيئة الأمور للدعوة إلى الله، ومناصرتها
بالسيف والقوة، لجأ إلى ذلك عن بصيرة وعلم، وحسن تقدير للأمور .
ووجه الاقتداء بالنبي - e -
في هذا الموقف الحكيــم، ظاهــر جلي ؛ فإن الرســـول - e- لم يلجأ -
بأمر من الله تعالى - إلى السيف في
المراحل الأولى للدعوة، مع حماسة بعض الصحابة، رضي الله عنهم ، فبعد بيعة العقبة
الثانية قال لـه العبـاس ابن عبــادة : والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل
منى غداً بأسيافنا، فقال الرسول - e- : "لم نؤمر بذلك" ([21]).
ولم يأذن الله تعالى للمؤمنين بالجهاد
بالسيف، إلا بعد أن اشتد أذى المشركين للمؤمنين، وقاتلوهم، وبالغوا في ظلمهم، قال
تعالى : {tbÏŒé& tûïÏ%©#Ï9 šcqè=tG»s)ムöNßg¯Rr'Î/ (#qßJÎ=àß 4 ¨bÎ)ur ©!$# 4’n?tã óOÏdÎŽóÇtR íƒÏ‰s)s9 } [ الحج39 ] وبعد أن صار للمسلمين شوكة وقوة
يستطيعون بهما جهاد الكفار لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله .
وكذلك كانت الدولة في الدرعية، فإنها
لم تلجأ إلى السيف إلا بعد أن حوربت، وأوذي أنصارها وظلموا .
ففي سنة 1159هـ (1746م) قام أمير
الرياض، دهام بن دواس بمهاجمة بلدة منفوحة، التي انضمت إلى الدولة الحديثة، وتمسكت
بالدعوة التوحيدية، طائعة مختارة كما أسلفنا ([22]) .
ويقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب :
" وأما القتال فلم نقاتل أحداً
إلا دون النفس والحرمة . وهم الذين أتونا في ديارنا، ولا أبقوا ممكنا " ([23]) .
ولما قويت الدولة قامت بما يجب عليها
من جهاد لنشر التوحيد وإزالة ما ينافيه .
بدء الحروب والغزوات :
لما جهر دهام بالعداوة، وانكشف غدره،
وقلب للدعوة والدولة ظهر المجن، تجهز له الإمام محمد بن سعود، وانتدب لحربه ([24])
فكانت تلك بداية الحروب والغزوات، وفاتحتها .
وليس من قصدنا في هذا تفصيل القول في
الغزوات، ونتائجها، فذلك ما تكفلت به كتب التاريخ . وإنما الغرض رصد نمو الدولة،
وبيان جهادها في حماية الدعوة الإصلاحية، فقد بدأت شجرة الدولة والدعوة تنداح ؛
لتظل بظلالها الوارفة ما جاور مقر الدولة "الدرعية" من بلدان، فكانت
الدعوة تنير عقول الناس، وتزكي نفوسهم، وتخرجهم من ظلمات الجهل والخرافة، إلى نور
العلم والتوحيد .
وكانت الدولة تضيء حياة الناس بالعدل
والمساواة، وتحمي أموالهم وأنفسهم وأعراضهم.
وإذا كانت حكمة الإمام محمد بن سعود،
وحنكته السياسية، قد تجلت في عدم المبادأة بالحرب، واللجوء إلى السيف إلا بعد
إعداد العدة، وتهيئة الأمور، فقد ظهرت حنكته أيضاً في أنه بدأ الجهاد بما حول
الدرعية من البلدان، وكلما انداحت دائرة الدولة والدعوة، واتسع نطاقها انتقل إلى
ما حولها، سعياً إلى توحيد منطقة نجد بأكملها ؛ لتكون منطلقاً إلى توحيد سائر شبه
الجزيرة العربية .
وقد سخر -
رحمه الله - كل إمكانات الدولة، لخدمة الدعوة
الإصلاحية، وذاد عنها، ونصرها بنفسه، وولده، وجاهد في سبيل نصرة دين الله حق
جهـاده، حتى توفاه الله، في نهاية ربيع الأول من سنة 1179هـ (1765م)([25])
وكان من جليل أعمال هذا الإمام، أنه نشأ بنيه على حب الدعوة الإصلاحيـة، ورباهم
على الإخلاص لله في نصرتها، والسعي إلى نشرها.
فكان خلفه من بعده ابنه الإمام عبدالعزيز،
الذي سار على نهج أبيه في نصرة دعوة الشيخ، والسعي إلى توحيد الجزيرة العربية،
فكان كأبيه أو أشهر، موصوفاً بالعلم والعدل، والورع، والشجاعة والإقدام .
يقول ابن غنام : " فأسقط الأمير
عبدالعزيز جميع المظالم والمغارم، وارتفع عمود الحق، وأقبلت الدنيا على رعيته،
وسارت بفتوحه الركبان " ([26]) .
استمرت الدولة والدعوة في الاتساع،
والانتشار، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، فانضمت "الرياض" إلى الدولة،
ودخل أهلها في الدعوة، بعد هروب دهام بن دواس، وخروجه منهـا إلى الأحساء سنـة
1187هـ (1773م) بعد حروب وغزوات دامت نحو ثلاثين عاماً([27]).
ويعد دخول الرياض على يد الإمام
عبدالعزيز بن محمد ذا أهمية بالغة في تاريخ الدولة السعودية الأولى .
ولم تكد تمضي عشرون سنة على هذا
الانتصار المبين، حتى أصبح شمال شبه الجزيرة العربية كله جزءاً من الدولة السعودية
الأولى ([28]) .
اتساع الدولة السعودية خارج نجد
:
لم يكن من أهداف الدولة السعودية، وغاياتها الاقتصار على توحيد نجد وحدها، بل كانت مقاصدهـــا أسمى من ذلك، ونظرتهــا أوســـع، فقد كان مرادها توحيد الجزيرة العربية برمتها، وبخاصة مكة المكرمة، والمدينة النبوية، لجعلهما آمنتين، طاهرتين، لحجاج بيت الله، والمعتمرين، والزوار، كما أمر الله تعالى : {øŒÎ)ur $uZù=yèy_ |MøŠt7ø9$# Zpt/$sWtB Ĩ$¨Z=Ïj9 $YZøBr&ur (#rä‹ÏƒªB$#ur `ÏB ÏQ$s)¨B zO¿Ïdºtö/Î) ’~?|Áã