الحمد لله، والصلاة
والسلام على رسول الله، أما بعد :
فإن الحديث عن نشأة
الدولة السعودية، والدعوة الإصلاحية فيها، يستلزم من الباحث أن يتناول قضية نشأة
الدول، على مستوى المجتمع الإنساني بعامة .
وقضية نشأة الدول وتطورها
وعوامل ضعفها وانهيارها، تدخل ضمن مباحـث السياسة والاجتماع، التي تحدث عنها
العلماء والفلاسفة منذ القدم، وكان للعلماء المسلمين اليد الطولى فيها، كما يظهر
بوضوح في مقدمة ابن خلدون (ت 808 هـ ) ناهيك عما في التراث الفقهي الإسلامي من
مباحث عديدة، عن الدولة ومؤسساتها وهيئاتها وعلاقة الدولة برعاياها وبالدول الأخرى
.
كل ذلك يجعل الحديث عن
نشأة الدولة السعودية بالذات مرتبطاً بقضية أعم وأشمل، وهي نشأة الدول بوجه عام .
إن هذا الارتباط يكشف
لنا عن حقيقة واقعية وتاريخية، لا بد أن تظهر من البحث، وهي أن الدولة السعودية
ذات نشأة فريدة في العصر الحديث كله .
ففي الفترة ما بين سنة
(900 - 1110 هـ ) (1500 - 1700 ميلادية ) ظهرت
في أوروبا الدولة الحديثة ذات السيادة، كما يقول الفيلسوف الإنجليزي هارولد لاسكي
في كتابه " آراء في السياسة ([1]).
وذلك بطبيعة الحال
يتعلق بنشأة الدول الأوروبية في العالم الغربي، بعد أن كان معظمها مقسماً خلال
العصور الوسطى وما تلاها، إلى مقاطعات وممالك وإمارات متعددة، وكانت نشأتها تقوم
على أساس العرق الذي يجمع غالب السكان، إلى جانب المواريث المشتركة في اللغة
والدين والتاريخ، كما كانت منذ القدم قبل الوحدة، وقبل أن تصـير دولة حديثة .
هكذا كانت نشأة الدولة
الحديثة في العالم غير الإسلامي .
بينما نشـــأت دولة
الإسلام الأولى في المدينــة النبويــــة في بداية القــــرن الأول الهجري ( القرن
السابع الميلادي ) على أساس الدين، وظل هذا الأساس يميز الدولة الإسلامية حتى
العصر الحديث، مع أنها جمعت شعوباً تنتمي إلى أعراق وثقافات شتى.
وفي العصر الحديث،
وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، السابع عشر والثامن عشـر
الميلاديين، كانت الدولة العثمانيـــة قائمة في البلاد الإسلامية، وذلك منذ أن حكم
الأتراك في أواخر عصر الدولة العباسية ( 132 – 656هـ ) بعد أن تقلص
نفوذ العرب، وانتقلت خلافة المسلمين منهم ، وانقسمت الأمة الإسلامية إلى دويلات
عديدة منذ القرن السابع الهجري، ومع هذا الضعف، لا سيما في المشرق الإسلامي،
انطلقت قوة الإسلام على يد الدولـة العثمانيـة، ففتـح الأتراك القسطنطينية عاصمة
الإمبراطورية الرومانية الشرقية علـى يد محمد الفاتح عام (857هـ/1453م ) ودق
المسلمون أبـواب (فينــا) في قلب أوروبا في عهد الخليفة سليمان (926-974هـ/1520-1566م) .
وفي عصر قوة الدولة
العثمانية، واندفاعها الذي استمر عدة قرون سقطت دولة الإسلام في المغرب الإسلامي ؛
إذ انتصر الفرنجة عام 1492م على المسلمين في الأندلس، بعد أن سادها ملوك الطوائف
لعشرات السنين، فكان للانقسام والتفرق بينهم أعظم الأثر في النكبة التي حلت
بالعالم الإسلامي، بضياع الحضارة الزاهرة طوال قرون في أقرب الأماكن إلى العالم
الغربي النصراني، وهي دولة الإسلام في الأندلس، وهذا من عبر التاريخ الإسـلامي .
في القرن الثاني عشر
الهجري، كانت شبه الجزيرة العربية بعيدة عن مجريات أحداث العصر الحديث، ولم يكن
الاهتمام بها يتعدى رحلة الحج إلى مكة المكرمة، وزيارة مسجد رسول الله e في المدينة النبوية، ولم يكن يتجاوز مناطقها الساحلية .
أما قلب شبه الجزيرة،
وهو نجد، فكان مقسما إلى نواح جغرافية، وقبائل، ومدن صغيرة، لا تجمع بينها وحدة
سياسية، ولا يظهر فيها مجتمع موحد، ولا دعوة إلى دولة موحدة .
نذكر هذا ؛ لأن هذا
التخلف السياسي والاجتماعي الذي ران على شبه الجزيرة لقرون عديدة، انتهى بظهور
الدولة السعودية، التي أيدت الدعوة الإصلاحية التي قام بها المجدد الشيخ محمد بن
عبدالوهاب - رحمه الله - في القرن الثاني عشـر
الهجـري ؛ إذ لم تكن دعوة التجديـد تلك بعيدة عن الدولة، بل نجحت وانتشرت في ظل
الدولة القائمة، دولة الإمام محمد بن سعود، رحمه الله، وذلك منذ انتقال الشيـخ
الداعية إلى الدرعية عام (1157هـ ) وتطورت الدعوة بمؤزارة الدولة، واكتسبـت قوتها
وانتشارها من قوة الدولة وامتدادها، وهذا أمر نادر في الحركات الإصلاحية الدينية
أو الاجتماعية الحديثة، أن يكون تاريخ الدعوة مرتبطا بتاريخ الدولة، وأن تظل
الدعوة في حماية الدولة في كل عهودها، ومع كل حكامها، فالدعوة الإصلاحية لم تكن
لتستطيع التأثير، والانتشار إلا مع امتداد الدولة وانتشار نفوذها في شبه الجزيرة،
والدولة وجدت في الدعوة الإصلاحية منهجا يقود خطواتها نحو التوسع والامتداد في شبه
الجزيرة، حتى انتهى الأمر إلى الوحدة السياسية .
ومن الحق أن نقول :
إنه في عصر بداية الدعوة الإصلاحية، لم تكن تملك من متطلبات النجاح إلا إخلاص
الشيخ وعزمه وتصميمه، بلا عدة من الرجال الأقوياء أو السلطة، ولكــن تبنـي الدولة
السعوديـة للدعـوة وحد قوتهما معا، فأصبحت الدعوة الإصلاحية منهجــا للدولـة،
وأصبحت الدولة أقوى سند للدعوة الإصلاحية ضد خصومهــا.
وهكذا كانت انطلاقة
الدولة وبداية الدعوة الإصلاحية، فالدولة السعودية في شبه الجزيرة بدأت في عهد
الإمام محمد بن سعود رحمه الله ( 1139- 1179هـ ) واتخذت من الدعوة
الإصلاحية منهجا دينيا واجتماعيا، واكتسبت الدعوة الإصلاحية من دولة الإمام محمد
بن سعود قوة سياسية مكنتها من البقاء والاستمرار والانتشار في شبه الجزيرة، ناهيك
عما حققه لها من امتداد وتأثير في خارج شبه الجزيرة.
وثمة وجه للشبه بين
قيام الدولة السعودية في العصر الحديث في شبه الجزيرة وتطورها ثم توحدها، وبين ما
حدث في عصر الرسالة الخاتمة من توحد شبه الجزيرة تحت راية الإسلام، وذلك لأن
الإسلام هو العامل الأساس في توحيد شبه الجزيرة، وقيام دولة الإسلام الأولى، في
المدينة النبوية في السنـة الأولى للهجرة النبوية، ولأن الدعوة الإصلاحية في العصر
الحديث ليست سوى فهم صحيح للإسلام، ومحاولة جادة للعودة إلى منابعه الأولى في
إصلاح حياة الناس، والارتقاء بالمجتمع المسلـم في شبه الجزيرة بعد قرون من التخلف
الديني والاجتماعي والسياسي .
ولا ننسى أن توحيد شبه
الجزيرة في عهد الرسالة الخاتمة، وسيادة الإسلام وحده فوق أرضها، هو من توفيق الله
عز وجل، ونصرته لدينه ورسوله، e
، وأنه في النظر الصحيح سنة نبوية، ينبغي أن تتبع في الدعوة إلى الدين وفي سياسة
الدنيا، وكل حاكم مسلم يعمل على نشر الدعوة إلى الله في بلاده، ويتخذ الإسلام
منهجا لحياة المجتمع دينيا واجتماعيا وسياسيا، لا يزيد عن كونه متبعا لسنة الرسول - e - فالأمر في الإصلاح على منهج الإسلام وشرعه، وفي جمع شمل
المسلمين وتوحيد أمتهم، لا يعدو أن يكون من سنن الإسلام وهديه، وإذا كتب الله
النجاح فيه لحاكم مسلم، فهو من توفيق الله عز وجل، لاتباعه السنة، واقتدائه
بالرسول، e ، والإشارة إلى وجه الشبه لا تعني أكثر من بيان وجه الاتباع
والتأسي والاقتداء، وأنه العامل الحاكم في التوفيق والنجاح في تجديد أمر الدين
وتوحيد الأمــة .
وحين ندرس نشأة الدولة
السعودية التي اقترنت بظهور الدعوة الإصلاحية على يد المجدد الشيخ محمد بن
عبدالوهاب رحمه الله، نبدأ بدراسة الدعوة الإصلاحية، التي هي منهج الدولة، ثم
نتابع تطور الدولة السعوديـة في ظل هذا المنهج من الإمارة إلى الدولة، ونفرد
المبحث الثالث لخصائص الدعوة الإصلاحية، ونبين مميزاتهـا وخصائصها التي انفردت بها
بين دعوات الإحياء الديني والاجتماعي في العصر الحديث، وبذلك يكون البحث ثلاثة
أقسام :
الأول : الدعوة
الإصلاحية، ظهورها، وانتشارها، ومضامينها الدعوية .
الثاني : تطور الدولة
السعودية من الإمارة إلى الدولة .
الثالث: تميز الدعوة الإصلاحية، عن
الحركات المعاصرة لها .
إن الدعوة الإصلاحية ، هي الدعوة
الإسلامية الكبرى في العصر الحديث، وقد انبثقت من نجد قلب الجزيرة العربية، بعد
قرون من التخلف الديني والحضاري، ونشأت عربية المنبت إسلامية المقصد، ونعني بذلك
أنه لم يكن في نشأتها وظهورها عامل أجنبي، كالتأثر بحضارة الغرب فكرياً وثقافياً،
فقد ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب -
رحمه الله - في نجد في القرن الثاني عشر الهجري،
ولم يكن في نجد وقتذاك أدنى أثر لحضارة الغرب، ولا شيء مما لحق بالمشرق أو المغـرب العربي من أحداث
أثرت فيه فكرياً وثقافياً، ولم يذكر في تاريخ الدعوة الإصلاحية، أن صاحبها أو
أحداً ممن ساندها كان على علم أو اتصـال بثقافة أخرى، غير الثقافة الإسلاميـة، من
علوم القرآن والحديث النبوي والفقه، مع العناية التامة بالجانب العقدي ؛ ولذلك فإن
دراسة ظهور الدعوة الإصلاحية ونموها وامتدادها، من نجد إلى بقية شبه الجزيرة
العربية، يعد في الوقت نفسه دراسة لمنهج الدولة التي نصرت هذه الدعوة، وبيانا
لمراحل تطورها وامتدادها، حتى شملت شبـه الجزيرة، وتوحدت أرجاؤها تحـت اسـم
المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
رحمه الله، وذلك في 21 جمادى الأولى 1351هـ (22 سبتمبر 1932م ) .
إن أصدق ما يقال في ظهور الدعوة وفي
نشأة الدولة : أنهما وجهان لعملة واحدة، يستوي النظر إلى أي من الوجهين أولاً ؛
لأن تاريخ الدولة أو منهج الدعوة، لا يكتمل إلا بالنظر إلى الوجهين معاً .
الشيخ محمد بن عبدالوهاب
: حياته وعصره :
في "
العيينة " الواقعة شمال غرب مدينة الرياض ولد الشيخ محمد بن عبدالوهاب عام
1115هـ (1703م) في بيت اشتهر أهله بالعلم الشرعي، والمعرفة الدينية، فقد كان أبوه
عبدالوهاب بن سليمان قاضياً في العيينة وحريملاء، وكان جده سليمان بن علي بن مشرف
من علماء عصره، فالشيخ -
رحمه الله - ولد ونشأ في بيت علم ومعرفة، مما كان
له أثر عظيـم في نشأتـه الأولى، واتجاهه إلى الاشتغـال بعلـوم الدين، وقد عرف منذ
صغره بالذكاء وقـوة الحفـظ ؛ إذ حفظ القرآن، وعمره أقل من عشر سنوات، ودرس منذ
صغره كتب التفسير والحديث على يد والده، الذي كان يعرف ذكاء الابن وشغفه بالعلم
ومواهبه، فكان يقدمه مع صغر سنه للإمامة.
تزوج الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأدى
فريضة الحج، وبدأت رحلته الميمونة في طلب العلم، والدعوة إلى الله على بصيرة في
مجتمع كان به من أوجه الفساد والمظالم، وقلة الدين، واستعلاء المنكرات، ما يعجز
الكثيرون عن التصدي له والوقوف في وجهه.
وفي رحلة الشيخ إلى بيت الله الحرام،
زار المسجد النبوي، وجلس إلى العلماء فيه، وكان في العشرين من عمره وقتذاك،
واستفاد من صحبة أحد العلماء المشهورين، وهو الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيف، من
بلدة المجمعة في سدير . ويروي الشيخ محمد بن عبدالوهاب، كما ورد في كتـاب "
عنوان المجد في تاريخ نجد " أن شيخه
أدخله منزله ذات يوم، وأطلعه على ما أعده لمقاومة البدع والخرافات والانحراف عن
الدين في المجمعة، فإذا هو كتب كثيرة أعدها لذلك، ودلالة ما يرويه الشيخ محمد بن
عبدالوهاب أن علماء عصره كانوا يعدون العلم أقوى سلاح لهم في محاربة الفكر
المنحرف، والوقوف في وجهه، وهو مااتخذه منهجاً لدعوته الإصلاحية([2]).
وقد ذكرت بعض الكتب التي تناولت حياة
الشيخ : أنه رحل في طلب العلم إلى "المجموعة" من ضواحي البصرة في
العراق، وامتدت رحلاته إلى بغداد وكردستان وهمدان وأصفهان، والتقى علماء مدينة
" قم " بإيران([3]).
وفي كتاب لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب
: أن الشيخ رحل إلى فارس، وتعلم فيها الحكمة المشرقية، كما تعلم بعض فنون القتال،
واستخدام السلاح([4]).
ولكن كل ذلك غير صحيح، وقد استبعده
الأستاذ مسعود الندوي في كتابه " محمد ابن عبدالوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه
"، وذكر أن الشيخ لم يجاوز البصرة إلى بغداد أو دمشق، وأنه لا دليل على سفره
إليهما([5]) وهذا
هو الثابت ، وكتاب لمع الشهاب لا يعتمد عليه ، لأن مؤلفه مجهول ، ولما فيه من
الكذب والدس الكثير .
إن ما تعلمه الشيخ في صغره، وطلبه
للعلم منذ شبابه الباكر، لم يخرج عما كان يتداوله علماء الإسلام في شبه الجزيرة من
علوم القرآن والحديث النبوي والفقه، لاسيما مذهب الإمام أحمـد الذي كان سائداً في
نجد، وبذلك فإن تكوين الشيخ العلمي لم يخرج عن التكوين الذي كان سائداً في العالم
الإسلامي منذ القرن الرابع الهجري، ولكنه يتميز بأن تكوينه عربي وإسلامي خالص لم
تدخل إليه عناصر ثقافية خارجية ذات شأن ؛ إذ إن شبه الجزيرة، لا سيما منطقة نجد،
لم تدخلها تيارات ثقافية، كتلك التي دخلت إلى بلاد المشرق والمغرب في العصر
الحديث، وتأثر بها بعـض علماء المسلمين، وهذا التكوين إذا ما صادف نفسا تتطلع إلى
العلم، وعقلاً ذكياً، وإخلاصاً لله، ورغبة في الدعوة إليه، ظهر شأن صاحبه وأثره في
المجتمع .
ولم يكن إعداد الشيخ علمياً منذ صغره يرمي إلى إيجاد الداعية الذي يمكن أن يقود دعوة دينية إصلاحية على مستوى العالم الإسلامي، أو شبه الجزيرة، أو حتى منطقة نجد، فلم يكن في عهده في المنطقة من حاول ذلك، حتى يكون مثلاً لعلماء المنطقة ؛ ولذلك فإن قيام الشيخ بهذا العمل كان نابعاً من ذاته ومعتمداً على الله عز وجل، ثم على رغبته في الإصلاح، وتصميمه على القيام به، والصبر في مواجهة خصوم الإصلاح من عامة الناس أو الأمراء الكثيرين في منطقة نجد، ولم يدفع الشيخ إلى الإصلاح سوى الغيرة على الدين، والعلم بأحوال الناس التي كانت ظاهرة الفساد بين الحكام وعامة الناس على السواء، فلم يكن الشيخ رحمه الله، حين أظهر دعوته إلى الإصلاح، مطالباً بذلك بحكم يتولاه، وإنما اختار هو لنفسه أن يدعـو إلى الله، وأن يواجه المنكرات الظاهرة في المجتمع الذي يعيش فيه استجابة لأمر الله تعالى : {äí÷Š$# 4’n<Î) È@‹Î6y™ y7În/u‘ ÏpyJõ3Ïtø:$$Î/ ÏpsàÏãöqyJø9$#ur ÏpuZ|¡ptø:$# ( Oßgø9ω»y_ur ÓÉL©9$$Î/ }‘Ïd ß`|¡ômr& } النحل 125 ولقوله سبحانه : { `ä3tFø9ur öNä3YÏiB ×p¨Bé& tbqããô‰tƒ ’n<Î) ÎŽösƒø:$# tbrããBù'tƒur Å$rã÷èpRùQ$$Î/ tböq