تكون الرأي العام :

قلما جمع التاريخ بين فرنسا وأواسط الجزيرة العربية، إذ إن الحملات الصليبية في الشرق الأدنى لم تتجاوز حدود خليج العقبة، وإن كان هناك أرناط (رونو دو شاتيون) الفرنسي قد حاول بلوغ المدينة ومكة سنة 1183م، وكانت عكا أبعد مكان بلغه نابليون بونابرت في حملته على الشرق، وبعد الحرب العالمية الأولى لم تكن للبلدان التي وضعت تحت الانتداب الفرنسي– وهي سوريا ولبنان– حدود مشتركة مع الجزيرة العربية، وبالرغم من أن شق قناة السويس المؤدية إلى البحر الأحمر تم بمبادرة فرنسية، فإن فرنسا لم تتمكن من فرض سيطرتها على سواحل البحر الأحمر بل فعلت ذلك بريطانيا، بينما أقيمت القواعد الفرنسية على الشواطئ الإفريقية (أوباك، جيبوتي). وخلافاً لذلك ومنذ مطلع القرن التاسع عشر كانت الاستراتيجية الإنجليزية تكمن في التمركز في البحرين والكويت وعدن، بينما سلكت فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر اتجاهاً معاكساً بحل روابطها التقليدية مع مسقط وبالطبع فإن هاجس الرأي العام الفرنسي والمثقفين كان يحلم بالجزيرة العربية وبخاصة اليمن ، ومن المؤكد أن الفرنسيين كانوا يعرفون جيداً  مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما أن السلطات الفرنسية في عصر الاستعمار كانت تطلب أحياناً فتاوى من علماء مكة لرعاياها المسلمين، وتنظم رحلات حجهم، وإذا ما استثنينا بعض الجامعيين المتخصصين والدبلوماسيين والصحفيين (البير لوندر)، والمغامرين الروائيين (هنري دو مانفريد)، والتجار دون أن ننسى ذكر آرثر رامبو وبول نيزان في عدن، لا نجد في فرنسا إلا القليل جداً ممن  لديهم معارف حقيقية عن شبه الجزيرة العربية ، ومع ذلك وبعد الحرب العالمية الأولى تواردت لفرنسا أنباء عن وسط الجزيرة العربية، وحول ثورة الصحراء العربية على الدولة العثمانية، ومطالبة حسين شريف مكة بالاستقلال، وإعلانه له، وكتب لورنس العرب كتاباً عرض فيه ملحمة الأحداث بعنوان ( أعمدة الحكمة السبعة )، كما أدرك الفرنسيون هذه المشاكل بمقدار أقل، بفضل ما روي عن العمليات الحربية التي قامت بها الوحدة العسكرية المحاربة في صفوف لورنس الذي لم يتعرض قط لذكرها (ومعظم عناصرها كانوا جنوداً من شمال إفريقيا)، ولقد تولى قيادتها الرائد بريمون (انظر: كتاب اللواء بريمون الصادر في باريس 1931م بعنوان: الحجاز في الحرب العالمية الأولى).

اطلع الرأي العام الفرنسي وبخاصة المثقفينعلى قضايا التاريخ المعاصر للجزيرة العربية بعد صدور كتب فيلبي وهي: قلب الجزيرة العربية، 1922م؛ الجزيرة العربية الوهابية 1926م؛ الحج في الجزيرة العربية 1948م؛ اليوبيل العربي 1956م) وكتاب داوتي (الصحراء العربية 1949م)، وكانت جميع هذه الكتب باللغة الإنجليزية، إلا أن بعضها ترجم إلى اللغة الفرنسية، ونستطيع أن نقول إن الأدب الفرنسي كان مقفراً في هذا الميدان، ولا سيما أن روعة لورنس الأدبية غطت بعض الشيء على أعمال فيلبي الأكثر تخصصاً ، ولكن لورنس ومعه (مكتب الشؤون العربية) ساند الهاشميين، وأيد حماية طريق الهند بحراً، بينما كان فيلبي (ومكتب الشؤون الهندية) مسانداً لابن سعود وحماية طريق الهند براً، ولقد اعتنق المذكور الإسلام، وأقام في الجزيرة العربية للبحث عن النفط، ولذا لم يكن تأثيره على مخيلة الناس موازياً لأثر رحيل لورنس دون عودة عن الأراضي العربية، وبقائه في الجيش كعسكري عادي.

وفي الخمسينات صدرت مجموعة من الكتب التالية عن تغير الوضع في الشرق الأوسط بفعل وجود السعوديين، وهي من تأليف جاك بنوا ميشان:

-         مصطفى كمال أو موت إمبراطورية (1954م).

-         ابن سعود أو ميلاد مملكة (1955م؛ طبعة مزيدة في عام 1990م).

-         الملك سعود أو الشرق ساعة تغير الحكم (1960م).

-         ربيع عربي (1962م).

-         فيصل ملك المملكة العربية السعودية (1975م).

(ولقد نشرت جميع هذه الكتب من قبل دار ألبان ميشيل للنشر في باريس).

قدم المؤلف للرأي العام الفرنسي صورة أولى تاريخية أو سياسية عن نمو قوة ابن سعود، ولكن ما هو حافزه في ذلك؟

يمكن بتأمل مجرى حياته إيراد تعليل جزئي لعمله، حيث كان مصير جاك بنوا– ميشان (1901–1983م) متقلباً وموضع جدل ونقاش، فبعد انتصار الحلفاء على ألمانيا عام 1918م، أصبحت أنظمة الحكم الديمقراطية في أوروبا بالية، وحلت مكانها أنظمة استبدادية برئاسة موسولوني في إيطاليا، وسالازار في البرتغال، وهتلر في ألمانيا، وبيلسونسكي في بولونيا، وكما هو الحال بالنسبة لعدد من الشباب المثقفين، فتن بنوا ميشان بفعالية هذه الأنظمة السياسية، واضطرته الهزيمة الفرنسية في عام 1940م إلى التعاون مع ألمانيا النازية حيث شغل في حكومة فيشي مناصب سكرتير دولة للشؤون الخارجية، وسفير في أنقرة، ثم حكم عليه بالإعدام عام 1947م بعد تحرير فرنسا من قبل الحلفاء، ولكن رئيس الجمهورية الاشتراكي فنسان أوريول عفا عنه، وتم إطلاق سراحه في عام 1954م. ولقد عرف بتأليفه كتباً أخرى يبين فيها كيفية انبعاث الجيش الألماني، منذ هزيمته عام 1918م إلى بداية الحملة على روسيا عام 1942م:

-         تاريخ الجيش الألماني من عام 1918م إلى عام 1939م.

-         60 يوماً هزت كيان الغرب (انتصار ألمانيا على فرنسا من مايو إلى يوليه 1940م).

-         من الهزيمة إلى الكارثة (من يوليه 1940م إلى نوفمبر 1942م).

ولذا فإن الرحالة والصحفي والكاتب بنوا ميشان كان يتوقع انتصار ألمانيا، وكان من عائلة غنية، فتذوق الجمالية الفنية (وكتب عن فن تنظيم الحدائق، ومارسيل بروست، والموسيقى)، وبما أنه حطم مستقبله، فقد فتن بمن خاب مصيرهم بالموت أو بعدم إنهاء ما شرعوا به من أعمال مثل الإسكندر المقدوني، وكيلوباترا، وجوليان المرتد، وفريدريك الثاني، وهوفينستوفن، ونابليون بونابرت، ولورنس، وليوتي.

هل يمكننا الافتراض أنه عند قيامه برحلات جديدة إلى الشرق بعد الإفراج عنه، فتن على العكس من ذلك بمصير أشخاص جمعهم النجاح بالرغم من اختلافهم العقائدي، وهم مصطفى كمال الذي قبل بحل الدولة العثمانية لتشكيل تركيا الحديثة العلمانية، مما يعني تهيئة الظروف لاستقلال الجزيرة العربية بقيادة ابن سعود.

سنحاول على ضوء هذه الأفكار تحليل الكتب الثلاثة المتعلقة بالملك عبدالعزيز، وابنيه سعود وفيصل.

 

التحليل :

لا تتقيد الكتب الثلاثة بدقة الحدود الزمنية للعهود الثلاثة منذ إعلان ابن سعود ملكاً (في 8 أكتوبر 1928م) إلى اغتيال فيصل (25 مارس 1975م)، أي ما يقارب نصف قرن، فهي تتجاوزها في منظورها التاريخي والجغرافي، وتقدم عروضاً متوازية لأعمال كل الملوك الثلاثة.

 

ابن سعود (عبدالعزيز) 1881–1953م :

يقدم الجزء الأول من الكتاب عرضاً شاملاً لتقلبات العرب واستقرارهم منذ عام 5000 قبل الميلاد إلى عام 1880 ميلادي، وتتعلق أفكاره الرئيسة بما يلي:

‌أ-        هجرات السكان من اليمن إلى وسط الجزيرة العربية وسهول الهلال الخصيب شمالاً.

‌ب-     السمات الثقافية المؤثرة على مجرى الأحداث السياسية.

‌ج-     الفتوحات الإسلامية الأولى والحروب الصليبية.

‌د-      ظهور حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهي تهدف للالتزام بصحة الإسلام والقضاء على البدع ومكافحة السيطرة العثمانية.

ولقد ظهرت في القرن الثامن عشر، بفضل اتفاق الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود الذي نجح حفيده سعود الأكبر بمد حكمه على معظم شبه الجزيرة العربية، وساعده في ذلك انشغال الجيوش العثمانية بالحملة الفرنسية على مصر، ولم يتحقق مشروع التحالف مع نابليون لأنه طرح قبله هزيمة الإمبراطور الفرنسي بقليل، مما مكن الباب العالي ومحمد علي من القضاء على الدولة السعودية الأولى (عام 1815م). كما فشلت محاولة لبعثها مرة أخرى قام بها أمراء سعوديون عام 1836– 1837م.

كرس المؤلف الجزء الثاني للسيطرة على نجد (1880– 1905م)، وهو يصف شباب عبدالعزيز في خضم الصراعات القبلية، والذي أصبح فيما بعد الملك ابن سعود  والسليل المباشر لهؤلاء الأمراء، ويركز الكاتب على تربية ابن سعود في الصحراء وهو في الثالثة عشرة من العمر، وعلى بسالته في الحروب، ولقد طرد الأتراك في وسط الجزيرة العربية بفضل قوة إيمانه، وانتصر على خصومه وأصبح "سلطان نجد".

يــروي الجزء الثالـــث فتح الجزيرة العربيــــة أو"توحيدها" كما يصفــــه السعوديون (1905–1928م) وقمع ثورات القبائل، وتكوين جماعة الأخوان (الجيش) الذين امتازوا بروح دينية وقتالية ، كما يتناول بالذكر تأخر زحفه على الحجاز بسبب الحرب العالمية الأولى، وتقاسم إنجلترا وفرنسا للأراضي العربية بوضعها تحت الانتداب، ومعارضة بريطانيا للتوسع السعودي بسبب مشروعها الرامي لإقامة دولة عربية يحكمها الهاشميون ، لكن الشريف حسين ملك الحجاز سبب استياء البريطانيين منه نظراً لمطالبه، وإعلان نفسه خليفة بعد إلغاء أنقرة للخلافة العثمانية (مارس 1924م)، فلم يساندوه عندما استأنف السعوديون زحفهم نحو مكة (فبراير 1925م) وضم الحجاز إلى كدولة السعودية. ولم تكن إنجلترا حريصة على خوض نزاع بري مع الإخوان ، ولكنها منعتهم من التوسع في الإمارات الواقعة في محيط الجزيرة العربية (اليمن، عمان، مسقط)، واعترفت بعبدالعزيز بن سعود ملكاً للملكة العربية السعودية وحامياً للحرمين الشريفين.

يصف الجزء الرابع المملكة العربية السعودية منذ عام 1928م إلى عام 1945م، ويبين كيف نمت وتطورت مع الحفاظ على الدين، ويتناول العقود الأولى المبرمة مع شركات النفط الأمريكية منها أكثر من الإنجليزية؛ ويشرح عدم تدخل السعوديين في الثورة البريطانية على العراقيين خلال الحرب العالمية الثانية، ويشير إلى مقابلة الملك ابن سعود وروزفلت التي كان لها فيما بعد أثرها في اتجاه السياسة الخارجية السعودية.

يعد الجزء الخامس المملكة كموقع أمامي في دفاع الغرب، ويظهر الروابط بين نمو التعليم والبنية التحتية ، ويرى الكاتب أن أمريكا تنظر إلى المملكة منطقة استراتيجية مهمة، ويشير إلى توقف السعي في سبيل تحقيق الوحدة العربية في وقت تأثرت فيه معظم البلدان العربية بتغيرات الأنظمة والحكام والعقائد، ويبين استفادة المملكة من التنافس التقني الدولي لمواصلة تنميتها مع احترام التقاليد الإسلامية. ويذكر أخيراً وفاة ابن سعود في 9 نوفمبر 1953م، وتولي الملك سعود الحكم.

 

سعود بن عبدالعزيز (1902–1969م):

كانت المملكة العربية السعودية مع تركيا وأفغانستان في فترة ظهور القوة السياسية والجغرافية لابن سعود، من بين البلدان الإسلامية النادرة التي لم تخضع للاستعمار. ولكن البلدان المستعمرة استقلت بعد الحرب العالمية الثانية، وطرأت عليها تحولات عميقة، وازداد عدد سكانها وتوسعت مدنها، واشتد نفوذ شبابها ولا سيما الطلاب من بينهم، واستولى العسكريون على السلطة فيها، وظهر الضباط الأحرار، وخف ارتباطها بالغرب بفضل الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وظهرت طبقات جديدة في المجتمع، كما نشأ فيه تجار وموظفون، ومتعهدون، ومهن حرة ، مما أدى إلى تحولات كبيرة في الشرق الأوسط بأكمله تجاوزت في سرعتها التغيرات التي شهدتها المملكة.

إن كتاب الملك سعود لا يعرض تاريخ المملكة، بل يتضمن جملة من الدراسات الأحادية الموضوع، كرست لنهضة تركيا، و"حلف بغداد"، و"تأسيس إسرائيل"، و"قيام الثورة المصرية"، و"حرب السويس". ولذا فهو لا يتناول إلا بداية عهد الملك سعود من عام 1953م إلى عام 1957م مع التركيز على بعض الأحداث الكبرى. ويروي الكتاب تولي الملك الجديد للسلطة تمشياً مع ما أوصى به ابن سعود، ويشير إلى الاتفاق بينه وبين أخيه فيصل (الابن الرابع) ، الذي عين رئيساً لمجلس الوزراء، ويبين تعزيز الصلات مع أمريكا عن طريق نفط أرامكو، مع بعض التحفظ تجاهها يستشف من إنشاء الشركة البحرية السعودية لناقلات النفط (أوناسيس) بغية تحقيق الاستقلال في نقل النفط الخام، كما يتناول الكتاب مواضيع استثمار المياه الجوفية التي سمحت بتحضر البدو، والإنشاءات الهندسية المعمارية التي أمر بها الملك، وتوسعة الحرم المكي الشريف.

في عام 1957م، حدث انشقاق كبير في الشرق الأوسط حيث انظم سعود إلى سياسة إيزنهور الهادفة للعمل على إيقاف انتشار الاتحاد السوفيتي في البلدان العربية المناصرة "للحياد الإيجابي"، ولو كان ذلك "باستخدام أمريكا للقوة العسكرية" ضد كل اعتداء " من الشيوعية الدولية على البلدان غير الاشتراكية. إلا أن سعوداً لم يوفق في إقناع عبدالناصر والقوتلي (رئيس سوريا) بذلك، وأنقذ حسين ملك الأردن من تمرد عسكري وطني عليه.

 

فيصل بن عبدالعزيز (1906–1975م):

كان فيصل بن عبدالعزيز ثالث ملك للمملكة العربية السعودية في عصرها الحديث، ورابع ابن للملك عبدالعزيز الذي عينه في عهده وزيراً للخارجية، ولقد تولى رئاسة مجلس الوزراء في عهد أخيه سعود، وقام برحلات رسمية عديدة للخارج تمرس فيها على العلاقات الدولية.

يستأنف الكتاب إذن العرض التاريخي لتأسيس المملكة الجديدة، مع وصف لمآثر فيصل القتالية والدبلوماسية في عهد شبابه، ويروي كيفية قيامه بالدفاع عن المملكة وأمنها إبان التدخل المصري في اليمن التي قسمت إلى جزأين بين أنصار الإمام البدر في الشمال، والوطنيين الذين يساندهم الاتحاد السوفيتي في الجنوب.

يتضمن الكتاب عرضاً سريعاً لسياسة فيصل الداخلية، ويشير إلى عدم وجود دستور بالمعنى الغربي للكلمة، وذلك نظراً لوجود القرآن الكريم، كما يفيد بتشكيل دوائر حكومية حديثة، توظف فيها الشباب المتخرجون من الجامعات الأمريكية والإنجليزية ، ويبين نمو التربية والجامعات والزراعة وطرق المواصلات، والصحة العامةإلخ، ويرى بنوا ميشان خلافاً للعديد من المراقبين أن الملك بإصلاحاته الساعية لتحقيق التقدم التقني مع الحفاظ على العادات والتقاليد الإسلامية، هو في الحقيقة ظواهر "تقدمية"، ولكن المؤلف يركز بشكل خاص على المسلك الدولي لفيصل، وعلى "سياسته العربية الجديدة" عام 1973–1974م، الرامية للتوفيق بين مبدأين أساسيين بينهما تناقض جزئي: أولهما يكمن في الإبقاء على التحالف الاستراتيجي والاقتصادي والتقني مع الأمريكيين الأكثر فعالية و"أمناً" وإيماناً، وهذا المبدأ موجه ضد المادية والشيوعية الدولية، أما المبدأ الثاني فهو التمكن من الصلاة في المسجد الأقصى، مما يطرح مشكلة المساندة العربية للفلسطينيين، والدعم الأمريكي لإسرائيل، ويهدف بنوا ميشان في كتابه إلى بيان كيفية مؤازرة فيصل لأمريكا إبان الطفرة النفطية الأولى عام 1973م، حيث مكن ارتفاع سعر النفط عند الأمريكيين من رفع مردود إنتاجهم بعد انخفاضه.

كان مقتل فيصل في 25 مارس 1975م أمراً غير معقول، فلم يكن لأحد في الداخل أو الخارج مصلحة في موت الملك، كما يفيد الكاتب، ولقد أصبح ولي العهد خالد ملكاً، والأمير فهد ولياً للعهد.

 

التقــــويم :

لقد وصف بنوا ميشان على هذا المنوال نشأة المملكة العربية السعودية وتوسعها الإقليمي، وزود الرأي العام الفرنسي بإيضاحات، إن لم تكن تفسيرات، حول التطور السريع المعقد لهذه الدولة الجديدة، وسوف نعمد الآن إلى تقويم هذه الكتب.

لا يمكن موازنة هذه النوعية من التاريخ بأعمال التاريخ الجامعية (العلمية المنهجية)، ولا بالتاريخ الفلسفي، وإنما هو عرض ممتع للقراءة "يسهل فهمه على عامة الناس" وينتهج مخططه تسلسلاً زمنياً، ويجري التركيز فيه على الأحداث البارزة المتميزة أبعاد رمزية، وترد فيه بكثرة النوادر ذات المغزى، ومن المؤكد أنه ليس رواية تاريخية، ولا تاريخ روائي، ولكنه تاريخ تحييه صور الأشخاص، والصور النفسانية، والحوار والمناقشات والأحاديث التي أعيد تكوين جزء منها من خلال الأقاويل المتناقلة والمذكرات المكتوبة مما يسهل تأثيره على الرأي العام.

أما بالنسبة للمصادر، فلقد جمع الكاتب المؤلفات (النادرة) الفرنسية والإنجليزية والألمانية، وأهم مقالات الصحافة (المذكورة في المراجع)، فضلاً عن بعض الأعمال الجامعية، وكانت له أيضاً اتصالات مع بعض أفراد العائلة المالكة، ومع العديد من الشهود أو الأشخاص الذين أدوا عملاً في المواضيع المروية، ونظراً لبحثه مع مرور الســـنين، في تاريخ العصر المباشر الحالي ، حيث صدر الكتاب المكرس لفيصل عام وفاته فهو لم يتمكن من الاطلاع على الوثائق التي لم يسمح بعد للناس بمراجعتها، ولذا فإنه يدرك عجزه عن معرفة الحقيقة، بل وكان يحلم أحياناً بوجود "سان سيمون" أو "بازاك سعودي" يحللها كما فعل هذان الكاتبان الكبيران مع بلاط الملك لويس الرابع عشر أو المجتمع الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر،  ولهذا السبب كان الاهتمام مركزاً على تاريخ الملوك السعوديين على الحروب نشوء المملكة الجديدة، ومكانها في المسرح الإقليمي (وجود المملكة في قلب الجزيرة العربية بين البحر الأحمر والخليج العربي )، وامتداده إلى المسرح الدولي بفضل النفط والدبلوماسية.

من الناحية الداخلية، يعرض بنوا ميشان تقدم البلد ونموه، مستخدماً في ذلك الوثائق الرسمية، المحلية منها والدولية، إلى جانب مرئياته مراقباً أجنبياً، ولكنه يدرك عدم توسعه في بيان التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وتطور العقليات في أعماق المجتمع السعودي، وشيوع المعرفة واستعمال التقنيات، مما يؤدي إلى تفاوت ملحوظ مع الرأي العام السعودي والعربي والأجنبي.

من الناحية الاستراتيجية والدبلوماسية، لا يتعدى بنوا ميشان تاريخ المعارك أو التاريخ الدبلوماسي (المفاوضات والمعاهدات)، فهو يبين كيف أنه بالرغم من رفض إنجلترا بين الحربين العالميتين للدخول بجيش بري إلى وسط الجزيرة العربية، فإن استراتيجيتها المبنية على مناطق النفوذ وجغرافيتها الاستراتيجية المبنية على الشواطئ المحيطية (في جنوب شبه الجزيرة العربية)، حالت دون بلوغ المملكة لعرض البحر في خليج عدن والمحيط الهندي، وحصرتها بين البحار الداخلية (البحر الأحمر والخليج العربي)، فأصبح موقعها على شاطئين بدلاً من ثلاثة شواطئ، ومن المؤكد أن ذلك لايتسم بأهمية كبيرة في العالم المعاصر وهو عالم النقل الجوي وأنابيب النفط، ولكن المملكة تبقى محصورة بين مضيقي هرمز وباب المندب.

أما بالنسبة للدقة في التاريخ، فلقد صدر أول الكتب الثلاثة في عام  1955م، والثاني في عام 1960م، والثالث في عام 1975م. والكتابان الأخيران خلافاً للكتاب الأول (ابن سعود)   لا يتطابقان مع المدة الحقيقية للعهود المتناول بحثها، ولذا فهما لايشكلان فعلاً تراجم حياة، وإنما سلسلة أحداث تاريخية تتضمن استطرادات إيضاحية عديدة، ولكن مندمجة بصورة جيدة في تاريخ الملوك والمملكة, ويتركز الاهتمام على الشخصيتين الكبيرتين وهما ابن سعود وفيصل الممكن تعريفهما كما يلي: من ملحمة التأسيس إلى الحذاقة الدبلوماسية: ظهور طاقة من أجل بلد جديد ، مع خلفية رائعة تكمن في التنافس على قيادة الوحدة العربية والإرشاد الجغرافي والروحي للجماعات الإسلامية، ولقد كان أول عمل قام به الملك عبدالعزيز والملك سعود عند توليهما الحكم هو دعوة انعقاد مؤتمر إسلامي.

ازدادت معرفة الفرنسيين بالمملكة (أو بالأحرى إدراك الرأي العام الفرنسي لها) بين عام 1955م وعام 1975م حيث ظهرت مؤلفات ودراسات عديدة، وأقيمت المعارض وتم تبادل الزيارات، وذلك قبل الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج، مما أدى إلى تنويع القراء الفرنسيين لأساليب استقائهم للمعلومات، بينما لم يبلغ كتابا بنوا ميشان الأخيران مستوى العرض التاريخي الشامل الذي تميز به الكتاب الأول.

ماذا يمكن لنا أن نستخلص من هذا التاريخ المتعلق بآن واحد بالأشخاص والأحداث، والذي تستقطبه شخصية قيادية بارزة ممثلة في صقر الجزيرة ابن سعود وأبنائه؟.

هل هي المطابقة بين ثلاث موجات غيرت تماماً شبه الجزيرة العربية وأحيتها، باعتقاد بنوا ميشان، ألا وهي : ظهور الإسلام، وقيام الدولة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر، والمملكة العربية السعودية الحديثة التي عززت سلطتها الاقتصادية والمعنوية بالنفط وخدمة الحرمين الشريفين؟.

 

لا شك في أن جاك بنوا ميشان يشعر بود كبير تجاه أبطال يرى فيهم الزعماء الأقوياء، المفضلين لديه، والمتميزين بمزايا شخصية دينية أو إنسانية، وذلك بالرغم من سعيه لتكوين آراء موضوعية حول تشكل دولة مكونة من جماعة مؤمنين معنوية وتقنية في الوقت ذاته.

تتوافر الآن بالتأكيد مصادر أخرى للجمهور الفرنسي الذي يتابع آخر التطورات السياسية في الشرق الأوسط، ولقد أصبح لديه صورة أخرى عن المملكة العربية السعودية، ولكن الانتقال من السرد الملحمي لكتاب ( ابن سعود ) إلى التعليق الصحافي لكتاب فيصل يبقى بالنسبة له طريقاً سهلاً، ولو استلزم بعض التصحيح والإيضاح الجديد ، وكان تاريخيا أكثر منه مستقبلياً.