أهم مبادئ الدعوة السلفية ومراحلها الأولى:

في العقد السادس من القرن الثاني عشر الهجري، العقد الخامس من القرن الثامن عشر الميلادي، شرع الشيخ المجدد المصلح : محمد بن عبدالوهاب بن سليمان، بعد أن قام برحلاته العلمية في الحجاز والبصرة والأحساء(1)، يعلن ضيقه وتبرمه بالأمور الشركية التي رآها تعم إقليم نجد، ومعظم بلدان العالم الإسلامي.

وكان يرى بعد تعمقه في العلوم الشرعية والفقهية، أن العبادة لا تصلح كلها إلا لله وحده(2)، وكان قد استقر به المقام في حريملاء، وأخذ يدعو الناس في هدوء، إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، وآثار السلف الصالح، ومقاومة البدع والخرافات التي ألصقت بالإسلام، وهذا ما دعا إليه من قبله الشيخ أحمد بن تيمية، الذي أعجب الشيخ بدعوته، واقتنع بها، ولذا فإن دعوته تعتبر تطوراً تاريخياً لدعوة الشيخ أحمد بن تيمية(3).

أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يدعو الناس إلى التوحيد، أي : إفراد العبادة والشهادة لله وحده سبحانه وتعالى، لا إله إلا الله، وأن الألوهية كلها، بجميع أنواعها لله وحده، "لا يصلح منها شىء لا لملك مقرب ولا نبي مرسل"(4)، وأن العبادة إذا صرفت لغيره صــــارت شركاً، وهو في كـــــل ذلك يعتمد على الكتـــاب والسنة، وآثـــار السلف، فالله سبحانه وتعالى يقول: {4Ó|Ós%ur y7/u žwr& (#ÿrßç7÷ès? HwÎ) çn$­ƒÎ) Èûøït$Î!ºuqø9$$Î/ur $·Z»|¡ômÎ) }(5)، ويقول: { (#rßç6ôã$#ur ©!$# Ÿwur (#qä.ÎŽô³è@ ¾ÏmÎ/ $\«øx© }(6)، ويقول: { ö@è% uqèd ª!$# îymr& ÇÊÈ ª!$# ßyJ¢Á9$# ÇËÈ öNs9 ô$Î#tƒ öNs9ur ôs9qムÇÌÈ öNs9ur `ä3tƒ ¼ã&©! #·qàÿà2 7ymr& ÇÍÈ }(7)، ودعا الناس إلى الأخذ بأصول التوحيد، وترك نواقضه، وألف كتابه "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، ولكن الشيخ لم يجاهر بذلك، إلا بعد وفاة والده سنة 1153هـ/1740م، لأن خلافاً كان بينه وبين والده حول أسلوب الدعوة(8)، وأخذ ينكر "ما يفعله الجهال من البدع والشرك في الأقوال والأفعال، وكثر منه الإنكار لذلك، ولجميع المحظورات، حتى وقع بينه وبين أبيه كلام، وكذلك وقع بينه وبين أناس في البلد، فأقام على ذلك سنين حتى توفي أبوه عبد الوهاب"(9)، ووجدت دعوة الشيخ في حريملاء قبولاً من القلة، ومعارضة من الكثرة(10)، ولكن هذه المعارضة لم تثنه عن عزمه، وازداد إنكاره لكل ما يراه باطلاً، ويعده شركاً، وذاعت دعوته أكثر من ذي قبل، ولكنه تعرض لمحاولة اعتداء عليه من عبيد إحدى  قبيلتي حريملاء، لإصرار الشيخ على أن ينفذ فيهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، عقاباً لهم على كثرة تعديهم وفسقهم(11)، فعمل هؤلاء على الانتقام منه.

بعد هذا الحادث، قرر الرحيل من حريملاء، والاستقرار في العيينة، وشجعه على اتخاذ هذا القرار، أَنَّ العيينة مسقط رأسه، ويملأه ميل نفسي إليها، إلى جانب قبول أميرها عثمان بن حمد بن معمر لدعوة الشيخ عندما عرض عليه ما يدعو إليه، وقال له: "إني أرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله وتملك نجداً وأعرابها"، وكان رحيله إلى العيينة 1154هـ/1741م، فرحب به الأمير عثمان بن معمر وزوجه الجوهرة بنت عبد الله بن معمر، وبذلك قويت الروابط بين الشيخ والأمير، وكثر عدد المنضمين إلى الدعوة من أهل العيينة وما حولها من البلدان(12).

وفى العيينة، حيث "بدأ الاتفاق بين الرجلين، الشيخ والأمير، فأخذ الشيخ في السير قدماً في طريق تحقيق رسالته"، وبدأت مرحلة الجهد الجماعي لنشر الدعوة، حيث كثر أتباع الدعوة، وانتقل الشيخ بمبادئ دعوته، من مجال الدعوة النظري إلى مجال التطبيق العملي، بفضل معاضدة تلاميذه وأتباعه، وعلى رأسهم الأمير عثمان بن معمر، إذ استطاع عن طريق هذا الجهد الجماعي، أن يهدم كثيراً من القباب والمساجد التي كانت مبنية فوق القبور، ومن بينها قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة، كما عمل على قطع الأشجار التي كانت لها قداسة عند العرب البدو من سكان إقليم نجد، وعلى رأسها شجرة الذيب ذائعة الصيت.

كذلك قام الشيخ بمعاقبة من لا يؤدون الصلاة جماعة في المساجد، وأرسل الدعاة إلى البلدان النجدية القريبة، للتعريف الصحيح بكلمة التوحيد، والطريق الصواب، وفى تلك الفترة جاءته امرأة تعترف بأنها ارتكبت جريمة الزنا، ولكن الشيخ راددها، ولكنها أثبتت له ذلك بالشهود العدول، وبعد أن تأكد من صحة عقلها وسلامة اعترافها، أمر برجمها، وشارك عثمان بن معمر في رجم هذه المرأة الزانية، بل كان أول من بدأ تنفيذ هذا الحد عليها(13).

اشتهر أمر صاحب الدعوة بعد هذا الحدث، وازداد نشاط المعارضين لدعوة الشيخ، وخافه أعداؤه من العلماء، وعلى رأسهم سليمان بن سُحَيْم من الرياض، وعبد الله المويس من حرمة، وكذلك خوفوا منه الأمراء، وكتبوا إلى علماء: الأحساء والبصرة والحرمين، يؤلبونهم عليه، كما خوفوا أصحاب السلطان من دعوته، وشكوا أمره وأمر عثمان بن حمد بن معمــــر إلى سليمان بن محمد رئيــــس بني خالد والأحساء (1149-1176هـ/1736-1762م)(14)، ومع كل هذه الجهود المعارضة للدعوة، فقد سارت الدعوة في طريقها، ولم تقف مسيرتها، وفشلت محاولات المعارضين.

وفى تلك الأثناء تحرك سليمان بن محمد آل حميد، رئيس بني خالد وحاكم الأحساء، بأن أرسل إلى عثمان بن حمد بن معمر، يأمره بقتل الشيخ "فإن لم تقتله قطعنا خراجك الذي عندنا"، وهدده كذلك "بأنِّي أمنع تجار بلدك عن الترداد إلى أطرافنا من الأحساء والقطيف، وسواحل قطر كالزبارة وغيرها، بل أمنعهم من كل بلد أنا لهم فيها"، وكان لعثمان بن حمد بن معمر، مزرعة في الأحساء تدر عليه خراجاً لا بأس به، كما كان سليمان بن محمد يدفع لعثمان معونة سنوية(15)، هذا بالإضافة إلى أهمية الأحساء الاقتصادية لأهل نجد الذين كانوا يستعملون موانئها في أعمالهم التجارية، ويجلبون من الأحساء ما يحتاجه أهل نجد، خشي عثمان بن حمد بن معمر تهديدات حاكم الأحساء، وكان يدرك أنه لا قبل له لمواجهة الزعيم الخالدي، فنصحه الشيخ بالصبر والجهاد، فلم يصمد، ولم يستجب لنصح الشيخ، وآثر الدنيا على الدين، وملأ الخوف قلبه، وطلب من الشيخ أن يغادر العيينة، فاختار الشيخ أن تكون وجهته الدرعية(16).

 

 

الشيخ في الدرعية: