أيها الإخوة الأعزاء ....
سعى الإنسان منذ النشأة الأولي إلى
تكوين الجماعات البشرية التي تطورت في شكل قري صغيرة ، ثم قري كبيرة ، ثم ظهرت بعد
ذلك المدن بأحجامها المختلفة واحتلت مواقعها كمراكز حضرية مع ظهور الحضارات
القديمة ، كما برزت أهميتها مع الحضارة الإسلامية وانتشارها في مشارق الأرض
ومغاربها ، وخلال القرن التاسع عشر الميلادي بدأ طابع عصر الصناعة يلقي بظلالة على
المدينة في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية ، وحدثت توسعات هائلة
في الحدود الجغرافية وزيادات كبيرة في النمو السكاني ، وتبدلات عميقة في الظروف
الفيزيائية للحياة الحضرية ، وتغيرات جذرية في النظام الاجتماعي الموروث ، وخلال
القرن العشرين –
وبالأخص العقود الأخيرة منه – بدت علامات
قوية لتحريك المدينة صوب عملية انتقالية نتيجة للتبدلات التي طرأت على طابع
التصنيع والقوى العاملة، وأساليب الإدارة، والنمط الحضاري الذي طورته التكنولوجيا
الحديثة ، والمواءمة بين تراث الماضي ومقتضيات العصر ، والنظرة إلى المدينة كوعاء
كبير تذوب فيه مختلف العناصر ليتكون كيان جديد قوي متماسك يسعى للتقدم ويعمل
للتفوق ليهيئ للإنسان البيئة الحضرية التي تواجه مطالبه الحاضرة وتستجيب لتطلعاته
المستقبلية .
ويتجه الناس إلى المدن الكبرى ليجدوا
فيها المجال الفسيح لتحقيق رغباتهم في حياة عصريــة متقدمة ، ويتطلعون إليها
لتقدمها ومزاياها ، وتوافر مجالات الاختيار التي قد لا تتاح في أماكن أخري ضمن
إمكاناتهم الفردية ، ولكن هذه المدن مهما بلغت من تقدم اقتصادي واجتماعي وحضاري
فإنها لن تخلو من مشكلات تخف وتشتد حسب طبيعة كل حاضرة وظروفها الاجتماعية
والاقتصادية وطاقتها الاستيعابية وإمكانات التوسع فيها وتنويع استخدمات الأراضي
والحركة السكانية وظروف الهجرة وضخامة الأعداد التي تفد إليها من كل مكان ، فإن
بريق النجاح الذي تحققه المدينة قد يكون سبباً في أن يجذب إليها البشر من كل حدب
وصوب ... هذه المشكلات وغيرها ألقت على المسؤولين عن إدارة المدن أعباء جساما ،
وحدت بهم إلى الاستفادة من تطور علم الإدارة وأساليب القيادة لمواجهة ظروف العمل
المتشابكة والمعقدة ، فضلا عن تزايد الحاجة إلى الخدمات الحضرية المتطورة كماً
ونوعاً ، وضرورة الإعداد لحركة التقدم العلمي والتقني.
أيها الاخــــوة ...
لن أذهب بعيداً في استعراض تاريخ المدن
، ومقومات تقدمها أو أساليب أو أسباب تأخرهـــا ، أو تصنيفهـــــا وفقــــاً
للتاريخ أو الظـــروف الجغرافيــــة أو الأهمية السياسية أو الاقتصادية أو
الاجتماعية ، أو النمو السكاني أو التخطيط المدني ، أو التقدم التكنولوجي ، أو غير
ذلك من العناصر التي تؤثر في المواقع الحضرية وتتأثر بها ... وإنما أستأذنكم في
عرض تجربة بدأتها وعايشتها في إحدى المدن ذات الثقل في منطقتنا العربية، وقد أشير
إلى النظرية أو المبدأ العلمي من خلال الجانب التطبيقي والواقع العملي .
وعن تجربة بناء مدينة الرياض وتطورها
الحديث عن مدينة الرياض قد يبدو سهلاً
بسيطاً ، بساطة نشأة الرياض كمدينة صغيرة تلفها الصحراء بهدوئها ووحشتها وشاعريتها
، ثم يتطرق إلى تاريخها وما مرت به من أحداث حتى استقر بها الوضع عاصمة رائعة
لمملكة عظيمة ، وإلى موقعها الجغرافي في قلب شبة الجزيرة العربية وملتقي القوافل
من قديم ، ومنطلق الطرق البرية والجوية في وقتنا الحاضر ، وبؤرة الإشعاع الحضاري
لما يحيط بها من قريب أو بعيد ، ومثال لإنجاز بارع في حركة التنمية التخطيطية
والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية .
لكنني سوف أعرض فقط لبعض نقاط التجربة
التي أسمح لنفسي بأن أقول إنها واحدة من قليل من التجارب التي مرت بها المدن أثناء
إنشائها ، وكانت مليئة بالنشاط والحيوية والحركة.
لقد تعاونت على بناء هذه المدينة
وتطويرها وتحديثها عده جهات حكومية وخاصة، أسهم فيها كل حسب ما خطط له وبذل فيها
كل جهده وعقله وفكره ، وقامت أمانة مدينة الرياض بدور المنسق والموجه والمشجع وخلق
كل ذلك فكراً مدينياً متطوراً عقلاً وروحاً ، جامعاً بين التحديث والعراقة وبين
متطلبات العصر والحفاظ على التقاليد ، وإذا كان هناك ما يسعدني فهو أن هذه التجربة
الفريدة تمت وأنا أمين لمدينة الرياض وفي موقع المسئولية عن إدارتها ، وتم كل الذي
تم وأنا أتابعه وأراقبه ، قد يكون هناك عمد استمروا أكثر من ذلك ولكنهم لم يشهدوا
تطور مدنهم كما شهدت تطور مدينة الرياض، فقد كانت مدنهم في الغالب مدناً
قديمة نمت وتطورت عبر مئات أو عشرات
السنين .
إن مدينة الرياض دخلت طور التنظيم
المديني المعاصر من خلال حفاظها على تراثها العريق المستمد من مرتكزين أساسيين هما
: التمسك بالدين الإسلامي فكراً وعقيدة وممارسة – كيف لا ؟! وبلادنا تضم الحرمين
الشريفين – وكونها تحتل قلب جزيرة العرب فتراثها إذن عربي إسلامي ، ونحن نعتقد
أننا – والحمد
لله – توصلنا
إلى نتيجة جيدة في التوفيق بين التخطيط الميداني المعاصر والحرص على التمسك
بالتراث في هذا المحيط الصحراوي الجاف .
إن الوسيلة المثلى في حسن إدارة
المدينة وإعمارها اعتمدت وتعتمد على الدراســــات المتعمقــــة والتفصيلية
والاستفادة من الطاقــــات البشريــــة المنظمــــة والمتخصصة، والحماس الذي يملأ
قلوب القائمين على العمل ، سواء من أبناء الوطن الذين يهمهم أمر وطنهم ، ويدركون
أنهم يعملون ذلك لأنفسهم ولأبنائهم من بعدهم ، وكذلك الاستعانة بالخبرات الشقيقة
والصديقة ، ونحن نؤمن إيماناً كاملاً بالاستفادة من تجارب الآخرين بما يتفق مع
حاجاتنا ويتلاءم مع مجتمعنا ، ويوائم طبيعة تكوين بلادنا ، وذلك بالبحث والسعي
لإيجاد أفضل الأساليب والوسائل التي تساعد على تحسين طريقة عيش سكان المدينة ،
وتوفير الخدمات الأساسية لمصلحتهم وراحتهم التي هي الهدف والغاية، ولعل من المفيد
لكم ولي أن أحدثكم عن بعض خواص التجربة في مدينة الريـــاض ، وكيف بــدأت ؟ وما هي
النقاط الإنسانية التي اتبعت وتم التأكيد عليها ؟ وما تم استنتاجه منها ؟
أولاً : اللامركزيــة :
عندما تسلمت إدارة المدينة وبعد مضي
شهرين أو ثلاثة فقط شعرت – وكأن الله عز وجل ألهمني – أن هذه المدينة مقبلة على
توسع كبير وسريع ، ولاحظت الأعداد الكبيرة التي تراجع الأمانة ، ولم يكن جهاز
الأمانة كافياً لحل كل الأمور وتلبية رغبات الناس ، ولاحظت حركة السير داخل
المدينة ؛ حيث لم تكن الطرق المؤدية إلى وسط المدينة كافية لتتحملها ، ورأيت أن
أحسن وسيلة هو توزيع أعباء الخدمات البلدية في المدينة جغرافيا على عدد من
البلديات الفرعية ، يتولى إدارتها شباب متعلم متحمس يدرك حجم العمل الموكل إليه
وإنسانية الهدف الذي يسعى لتحقيقة ، وقد بلغت حالياً ستة عشر بلدية ، وأصبحت
التجربة غنية وملائمة ، وأصبح الناس في محيط أي منها يتعاملون معها وكأنها بلديتهم
الوحيدة وليست فرعاً من فروع الأمانة ثقة منهم بها وبالمسئولية عنها ، وهذه نتيجة
طيبة للامركزية، وأنا لا أقول إنني ابتكرتها ، ولكنني أقول إنني فكرت في
اللامركزية في الوقت المناسب والملائم وطبقت في مدينة الرياض بما يلائم أوضاعها
وتطورها السريع والمذهل واتساع رقعتها الجغرافية لتتجاوز حالياً 1600 كم2 ،
وتضاعف عدد سكانها إلى ما يربو على المليوني نسمة في سنوات قليلة جداً لاتقاس في
أعمار المدن " حاليا تزيد عن ثلاثة ملايين " ، ومع هذا فلا بد من
المركزية في بعض الأمور لرسم السياسات العامة ، وضمان التناسق ووحدة الايقاع ،
وتكامل الصورة الشاملة ، وهذا ما اتبعته الأمانة ، وكما هو معلوم فإن اللامركزية
تطبق في كثير من المدن الكبرى بطريقة أو بأخرى كما هو الحال في باريس ولندن أو
غيرهما ، ولقد طبقت تجربتنا في مدن سعودية وعربية وصديقة ، وفي هذا المجال أقول إن
لأمانة مدينة الرياض علاقات واسعة مع كثير من المدن الكبرى في العالم لتحديث التجربة والاستفادة من كل جديد ولتفادي
كثير من المشاكل التي تواجه بعض المدن الكبرى مثل الاختناقات المرورية وعدم توفر
المرافق الأساسية والضغط على الخدمات .
وهناك لا مركزية أو عدم تركيز إداري
داخل جهاز الأمانة نفسها تتمثل في توزيع الاختصاصات توزيعاً دقيقاً بين الوكلاء والمدراء
، وإعطائهم صلاحية التصرف فيما يخص إداراتهم والبت في كثير من الأمور .
ومنذ إنشاء البلديات الفرعية تقرر أن
يجتمع مجلس رؤساء البلديات برئاسة الأمين وحضور الوكلاء مرة كل أسبوعين يستعرض فيه
ما تم خلالهما ، وما يوجد من مقترحات ومشروعات
أنظمة أو قوانين ، وعرض ما يصادف تلك البلديات من مشكلات وإيجاد الحلول
المناسبة لها . ويدعى لهذا الاجتماع الدوري رؤساء أو مندوبى المصالح التي لها
ارتبـــــاط بالأمانة وأعمالـــها، مثل: شركة الكهرباء، ومصلحة المياه، واتصالات
مدينة الرياض، والمرور، والدفاع المدني وغيرها إذا كانت هناك موضوعات على جدول
الأعمال تتعلق بمصلحة من هذه المصالح، ومنذ عشرين عاماً وهذا المجلس ينعقد إلا أنه
أصبح شهرياً أول يوم ثلاثاء من كل شهر.
ومن أجل إحكام الرقابة والمتابعة شجعت
الأمانة الأناس الطيبين المتحمسين لمساعدة الأمانة ، وأنشأت ما يسمي "
بالمراقب المتعاون " على أن يتم اختيار هؤلاء اختياراً دقيقاً ممن تتوسم بهم
الخير والصلاح ، بحيث يتقدم الراغب بطلب يوضح فيه المعلومات المطلوبة ، ثم يحصل
على بطاقة رسمية تحمل صورته ، وقد أدت هذه الفكرة خدمة جليلة في كشف المخالفين
سواء فيما يتعلق بالأبنية أو النظافة أو عدم احترام المحافظة على الأشجار والشوارع
.
كما أن الناس أصبحوا جريئين في تعقب
مخالفات المباني ، وزالت عنهم صفة السلبيـــة ، فأصبحـــوا يبلغــــون عن
المخالفــات وخصوصاً لمن تقع مخالفته في محيط سكن المبلغ، ومرة رأيت سائقـــاً غير
سعودي هندامـــه حسن وسيارته جيدة ، وقف عند إشـــارة المرور وأخذ المناديـــل
المستعملة ورماهــا بالشارع ، فنزلت أنصحه وشاهدني رجل مرور فأسرع إلي وسألني
فأخبرته ، فطلب من السائق أن يوقف سيارته ليعاقبه فرجوته أن يكون حنوناً معه حتى
لا نخلق منه عدواً لأننا نريده صديقاً يحكي القصـــة لغيره .
ثانياً : النظافــــة :
تعلمون أن النظافة والتخلص من النفايات
مشكلة كبري تواجه المدن الكبرى بعد أن توسعت وكثرت مخلفات المنازل والمتاجر وغيرها
فكيف بمدينة مثل مدينة الرياض تقع في قلب الصحراء ، وتنقل لها الرياح الأتربة من
كل اتجاه ، كما أن حركة البناء والتعمير تجري فيها بسرعة فائقة مما يجعل مخلفات
البناء والحفريات فيها تفوق بكثير ما هو موجود في غيرها ، والنظافة إحدى أهم
واجبات البلديات، فكيف يكون البيت نظيفاً والشارع غير نظيف ؟ لقد اتبعنا في تطوير
هذه الخدمة الحيوية في البداية أساليب عديدة منها
:
1)
مضاعفة جهد عمال الأمانة وتشجيع
القائمين على النظافة .
2)
نشر التوعية بأهمية النظافة من
خلال المدرسة والمسجد ووسائل الإعلام .
3)
الاستعانة في المراحل الأولى من
المشروع بعدد من المقاولين المحليين ، وذلك لقلة عدد عمال البلدية في ذلك الوقت .
4)
الرقابة الصارمة على مخلفات إلقاء
النفايات بالشوارع من البيوت والمحلات التجاريـــة .
وبعد أن أصبحت المدينة نظيفة تماماً تم
التعاقد مع إحدي الشركات العالمية ذات المستوي العالي ، ثم أصبحت الشركات التي
تتولي النظافة اليوم سعودية 100% ، وفي التخلص من النفايات اتجهنا إلى أسلوب الدفن
الصحي كأفضل الطرق وأنسبها لبيئتنا وظروفنا ، وتم تحويل أكثر من مدفن إلى غابات
مليئة بالأشجار في أطراف المدينة .
ثالثاً : أنظمـة البنـاء :
هذه المشكلة قد لا تواجه بعض البلاد
التي استقرت أنظمة البناء فيها منذ وقت طويــــل ، لكننا في بلادنا واجهنا ذلك ،
إلا أننا رأينـــا أن من العدالة والمساواة وقطع دابـــر المشــكلات أن تثبت أنظمة
البناء : المساحة والارتفاع ، الشكل والتوزيع ، لكي لا يكون هناك استثناء ، وكان
الأمر صعباً في مدينة تبني بسرعة ويفد إليها الآلاف من أبناء الريف والبادية ،
واعتماداً على مبدأ المساواة بين الناس بما يمليه النظام طبقنا ذلك بكل الحزم
أولاً بتعويد الناس عليه ، وثانياً بالمراقبة من قبل رجال البلدية والمتعاونين
معهــــا ، وقد تمكنا بفضل الله من ذلك ،
وأصبح البناء منسقاً ومرتباً ومراعياً لما هو محدد نظاماً .
رابعاً : الإسكــان :
تمثل مشكلة الإسكان واحدة من القضايا
الاجتماعية التي تواجه المدن الكبرى في العالم ، وهذه مهمة جداً بالنسبة لنا ،
خاصة وأن ديننا الإسلامي يحض على التكافل الاجتماعي، ومجتمعنا العربي يحرص على
الخصوصية في البناء، ولهذا فإن الغالبية العظمي من مساكن الرياض ( فلل) لها طابع
الخصوصية، وقد تم توزيع الأراضي على المحتاجـــين، ومنحوا القروض من صنـــدوق
التنمية العقارية بشــــروط ميسرة جــــداً وبلا فوائد، وقد اعتمدنا التوسع الأفقي
رغم تكلفة خدماته، كما حرصنا على المحافظة على التراث المعماري ما أمكن، وتوسيع
الطرق لتفادي الازدحام وتزويدها بالأنفاق والجسور على التقاطعات الكبرى ، ونجحنا
بحمد الله في القضاء على ظاهرة المساكن العشوائية التي تثقل كاهن المسئولين في بعض
الحواضر الكبرى وذلك بإقامة ضواحي حديثة متكاملة الخدمات الأساسية ، مثل ضاحية (
العريجاء ) وضاحية ( لبن ) .
خامساً : التشجير والتجميل :
إن إحدى القضايا الخاصة التي تواجه
مدينة الرياض كونها في محيط صحراوي عميق يصل عمقه أحياناً إلى ألف كيلومتر ، وهو
محيط جاف قاس قليل الماء ، تربته صحراوية غير جيدة للإنبات ، وكما هو معروف فإن
أهم عاملين لتحويل المدينة الصحراوية إلى مدينة خضراء مشرقـــــة باسمة ( Garden City )
هما توفـــير الماء وإعداد البيئة الصالحة للاستنبات ، ولكم أن تتصوروا كيف يمكن
توفير هذين العاملين في بيئة صحراوية قاسية كبيئة الرياض ... وقد نشير باختصار إلى
جهود الأمانة في هذا المجال :
أ)
المـــــــــاء :
عندما كانت المدينة صغيرة جداً كانت
تعتمد في السقيا على الآبار الجوفية القريبة من سطح الأرض ، ولم تكـــن الحاجة
ملحة حيئنذ ، كما لم تكن هناك حدائق في البيوت أو حدائق عامة تحتاج إلى الماء ،
لكن بعد توسع المدينة وزيادة الطلب على الماء لجأت الدولة إلى حفر آبار عميقة تصل
إلى ألف ومائتي متر في العمق ، ثم جلب مياه البحر المحلاة من الجبيل على بعد
خمسمائة كيلومتر ، وبذلك توافر الماء للاستعمال البشري وري حدائق المنازل فقط .
ب)
الحدائق والمساحات
الخضراء :
بذلت الأمانة – ولا تزال – جهدها
الخارق في نشر المساحات الخضراء ، وإلاكثار من الحدائق والمتنزهات ، وتشجير
الشوارع ووضع النوافير في الميادين والساحات العامة، ودعوة الناس ومساعدتهم على
زراعة حدائق بيوتهم ومحيطها الخارجي ، كما أقامت حدائق وملاعب للأطفال في مختلف
الأحياء ، وكان لاهتمام الدوائر الحكومية بنشر الحدائق والأشجار في منشآتها دور
بارز في إنجاح خطة التشجير .
لقد تكاثرت الأشجار في مختلف الشوارع
كما انتشرت الحدائق والمنتزهات في أحياء المدينة ، واستكملت الأمانة عدداً من
مزارع النخيل وحولتها إلى حدائق عامة ، وركزت في زخرفة الشوارع والحدائق العامة
والخاصة على زراعة نخيل التمر لأنه شجر البيئة ولأنه مثمر وغذاء جيد ، فأصبحنا نجد
في بعض حدائق البيوت ما يصل إلى خمســـين نخلة في الحديقة الواحدة ، بل إنه يندر
أن يوجـــد بيت حديث ليس به حديقة أو ليس به نخل .
واستفدنا من مياه الصرف الصحي المنقاة
لسقيا مزارع النخيل في وادي حنيفة والدرعية وعرقة والباطن بدون مقابل مما شجع
الملاك على الإهتمام بمزارعهم فأصبحت حدائق تحيط بالمدينة وخاصة من الجهة الغربية
، كما أن المياه المنقاة تزود المدينة الصناعية ومصفاة البترول بحاجتهما مما يوفر
من كميات المياه المخصصة للشرب .
ولدى الأمانة مشروع لتحويل هذه المياه
المنقاة إلى شمال المدينة لسقيا الحدائق العامة وجزر الشوارع ؛ لأن شمال الرياض
مرتفع عن جنوبها حتى يتم ذلك بالانسياب الطبيعي ، ولعلنا بعد أن وفرنا هذين
العنصرين الرئيسين " الماء والخضرة
" نستطيع أن نقول إن من يدخل مدينة الرياض من الصحراء من أي اتجاه يلاحظ أن
لها جـــواً مناخيـــاً مصغراً أو ما يسمي (Micro
Climate ) ، وإن كـــان ذلك نسبياً ... وهناك
المياه المتسربة تحت الأرض نتيجة لثلاث عوامل :
أ
) سقيا حدائق البيوت بكميات كبيرة
تزيد عن الحاجة في أكثر الأحيان .
ب )
التسرب الناتج عن شبكة المياه أو عن تشقق في خزانات المنازل وهي كثيرة.
ج )
المياه المتسربة من المناطق التي لم يصل إليها الصرف الصحي .
هذه المياه تقدر يومياً بأكثر من مائتي
ألف متر مكعب تنقلها شبكات تتصل بالقنوات الرئيسة الضخمة الموجودة في مدينة الرياض
، والتي تنساب جنوباً نحو وادي حنيفة لتتجمع مع المياه المنقاة من محطة التنقية
ليشكلا معاً نهراً جارياً مستمراً مياهه نظيفة نوعاً ما وهو مصدر دائم لتوفير
المياه .
أقول ولكي يستفاد من هذه المياه وإيجاد
نهر صناعي في مدينة صحراوية كالرياض ، فهناك مشروع لدى مركز المشاريع والتخطيط
التابع للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض يتعاون مع الأمانة لتهذيب جوف النهر
وإصلاح جوانبه ومد جسور مشاة فوقه ثم خلق مناطق ترفيهية حوله ، والمشروع جاهز
للتنفيذ الآن ، وسوف نجد بعد تنفيذه أن مدينة الرياض الصحراوية تمتلك نهراً جارياً
، كما أن المناطق الجنوبية من المدينة الواقعة حول هذا المجري المائي تحسنت أشجارها
ونمت ، وأصبحت غابات حتى وإن لم تكن تشرب مباشرة من هذا المجري .
وهناك عامل ثالث يحتل مرتبة مهمة جداً
في ضمان حياه المدينة وازدهارها وفي تجميلها أيضا وهو موضوع ( الطاقة الكهربائية )
وكيفية توفيرها لمدينة كبيرة مثل مدينة الرياض ، ولقد كنا نعاني في أول الأمر من
ذلك كثيراً ، ثم تم التوسع في إقامة المحطات حول المدينة ، هذه المحطات تدار
بالطاقة البترولية التي تشكل مصدراً مهماً من مصادر توفير الطاقة لمدينة الرياض
لحل مشكلة حرارة الجو وتزويد البيوت والشوارع بالإضاءة، وكذلك تزويد المدينة
الصناعية بالطاقة اللازمة لتشغيلها ، وأخراًً وبعد أن تم إنشاء محطات التحلية في
مدينة الجبيل لمد مدينة الرياض بالماء أمكن أيضاً مدها بالطاقة الكهربائية ،
وأصبحت هذه ضمانة رئيسية ومساعدة كبري للمحطات المحلية ، ولكم أن تتصوروا مدينة
فيها ما لا يقل عن ثلاثين ألف شارع وتسعون بالمائة منها مضاءة بالكهرباء ، لقد
أصبحت الرياض درة متلألئة في قلب الصحراء .
سادساً : الاتصال بين أطراف المدينة وحركة النقل داخلها ومنها
وإليها :
حاولنا تفادي الازدحام والاختناقات
المرورية بوسائل عديدة منها : تشجيع التوسع الأفقي في المدينة ، وساعدنا على ذلك
أن الأرض حول مدينة الرياض من جميع الاتجاهات منبسطة ، ولا توجد عوائق تحول دون
ذلك التوسع ، كما ساعد على ذلك أيضاً تيسير توزيع الأراضي الحكومية ، ومراعاة سعة
الطرق يكلف كثيراً لكنه على المدى البعيد له مردود أفضل لتفادي الاختناقات ، كما
أمكن حل مشكلة التقاطعات بإنشاء الأنفاق وعدم اللجوء إلى الجسور العالية إلا في
الحالات الضرورية ، وقد وسعنا قاعدة التقاطع وقمنا بزراعة الأشجار فيها لكي يقلل
ذلك من السلبيات المتوقعة ، ولقد أدى اتساع نطاق تطبيق اللامركزية في مختلف
المرافق والخدمات وأهمها الخدمات التعليمية والصحية والبلدية والتسويقية وغيرها
إلى تقريب الخدمات للمواطنين في مواقع إقامتهم ، والحد من اللجوء لمركز المدينة في
كل أمر ، كما ارتفع وعي المواطنين وزاد اهتمامه بما يجري حوله ، ولهذا لا يلاحظ في
مدينة الرياض ذلك الازدحام المروري الذي يشاهد في المدن الكبرى رغم وجود قطار
الانفاق في كثير منها وعدم وجوده في مدينة الرياض ، ولا نتوقع أنها سوف تحتاج إليه
.
سابعاً : لا مركزية الأسواق :
إن لا مركزية الأسواق تلعب دوراً مهماً
في التقليل من ازدحام المرور ، وفي حفظ الوقت لدى المواطنين وفي توفير الطاقة ،
لذلك لجأنا إلى إيجاد أسواق رئيسية في مختلف أنحاء مدينة الرياض ابتداء بأسواق
الخضار واللحوم والفواكه ، وقامت حولها الأسواق المختلفة ، وأصبحنا نجد في أركان
المدينة مركزاً لكل منها توجد فيه جميع المتطلبات والحاجيات ، على أن ذلك لم يؤثر
على جاذبية مركز المدينة الرئيسي فهو لا يزال عامراً ومهماً ، وقد قمنا بتطوير
مركز المدينة ليظل مليئاً بالحيوية والنشاط ، ورغم وجود كثير من الأسواق التقليدية
في المراكز التجارية التي نشأت خارج وسط المدينة إلا أن السوق العربي التقليدي في
مركز المدينة الرئيسي لا يزال يجتذب الكثيرين ، وقد حرصنا على أن تبني الأسواق
التقليدية في مركز المدينة الرئيسي على النمط الذي كان سائداً فيه من قبل.
ثامناً : تطوير مركز المدينة :
إن ارتفاع دخول المواطنين وتحسن
المستوي الصحي العام وتوفر قطع الأراضي الممنوحة من الدولة للمستحقين وتسهيلات
صندوق التنمية العقارية بالقرض الحسن وسهولة الانتقال بين الأحياء رغب الكثير من
سكان المدينة القديمة ذات البيوت الطينية والشوارع الضيقة في بناء بيوت تتوفر فيها
التهوية والسكن الصحي والحدائق الخاصة .
وقد أدي ذلك إلى نزوح كبير من المناطق
القديمة وأصبحت بيوتها مهجورة أو شبه مهجورة يسكن بعضها العمال ، ويستخدم بعضها
كمستودعات ، وتهدم بعضها الآخر مما حولها إلى بؤر موحشة في وجه جبين مدينة حسناء
(هي الرياض)، وكان لابد من العلاج لذلك حتى تتحول هذه الأجزاء إلى مناطق حية نشطة
تزخر بالحياة والحركة ، ولما كان تطوير هذه المناطق عن طريق الحكومة سوف يتكلف
مبالغ طائلة جداً فقد رؤي أن يتم تطويرها بالطرق الآتية :
1-
تشجيع القطاع الخاص على تملك
إعداد متجاورة من المنازل وإزالتها ثم تحويلها إلى محلات تجارية ، وقد نفذ بالفعل
مجموعات من ذلك .
2-
تطوير المناطق الإدارية
والدينية والثقافية بإقامة المباني الرئيسية الثلاثة مبني إمارة المنطقة ومبني
أمانة مدينة الرياض ومبني شرطة المنطقة ، ثم بناء قصر الحكم والساحات المحيطة به ،
وبناء الجامع الكبير ، وترميم المصمك ، وإقامة بعض المباني والمتاجر المساندة ،
واعتقد جازماً أن هذا الجزء من المشروع هو أكبر مركز مدينة أعيد تطويره في العالم
.
3-
لما كانت الأمانة تمتلك عن طريق
نزع الملكية مساحة كبيرة تقدر بخمسين ألف متر من تلك المناطق القديمة ، ولما كان
تطويرها بواسطة الأمانة سوف يكلف مبالغ طائلة ، فقد تم إنشاء شركة من كل من أمانة
مدينة الرياض، مصلحة معاشات التقاعد ، مؤسسة التأمينات الاجتماعية ، الشركة السعودية
العقارية لتطوير هذه المنطقة وإقامة مجمع تجاري ضخم عليها ، وقد بلغ رأسمال هذه
الشركة ستمائة مليون ريال سعودي .
وقد أقامت الشركة مجمعها التجاري الذي
يقدر حجمه بأكثر من مائتين وأربعين ألف متر مربع ، وهو أكبر مجمع تجاري حتى الآن
في منطقة الشرق الأوسط ويضم "1150" محلاً تجارياً وفندق ومائتين وثمانين
مكتباًً ، وبه ألفان وأربعمائة موقف سيارات ، كما طورت الشركة أسواق الديره أيضاً
ب " 480 " محلاً تجارياً.
4-
تأسست شركة الرياض للتعمير
" شركة مساهمة " برأسمال قدرة ألف مليون ريال وسوف تقوم هذه الشركة
بتطوير عدة مناطق من الرياض القديمة، وسوف يتم ذلك على مراحل ( والأمانة أيضاً
مساهمة بها)، وقد رست أول مشاريعها على إحدى الشركات الوطنية ، وهو المشروع
المقابل لمركز المعيقلية من الجنوب مما يجعله مشجعاً لمركز المعيقلية بعد اكتماله
وتشغيله ، وهو يشتمل على محلات تجارية ، مكاتب ، شقق سكنية وقد لوحظ الإصرار على
وجود الفندق والشقق السكنية في هذه المشاريع العملاقة كي يظل مركز المدينة نابضاً
بالحياة نهاراً وليلاًً ، وحتى لايبقي موحشاً أثناء الليل إذا لم يوجد مساكن
وساكنون .
مركز المشاريع والتخطيط :
عندما تشرفت بالعمل أميناً لمدينة الرياض
كان هناك مكتب مستحدث يسمي مكتب مشروع حي السفارات مهمته تخطيط وتنفيذ مشاريع حي
السفارات ، ولذلك المكتب مجلس إدارة وأمين مدينة الرياض أحد أعضائه .
وكانت الأمانة مسؤولة مسؤولية مباشرة
عن مشروعين عملاقين في المدينة لم يكن العمل قد بدأ فيهما ، وهما تطوير منطقة قصر
الحكم ومركز المدينة ، ولم يكن جهاز الأمانة في ذلك الوقت مهيئاً للإشراف على هذين
المشروعين الكبيرين فاقترحت إنشاء مكتب على غرار مكتب مشروع حي السفارات ، يخصص
لمتابعة مشروع تطوير قصر الحكم ، ويكون لديه المرونة الكافية ( أي أن مجلس إدارته
له كامل الصلاحيات في البت في الأمور )، وقد تم فعلاً إنشاء هذا المكتب ونقل
المشروع إليه ، ثم فكرنا بإنشاء مكتب ثالث للتخطيط الحضري ، وأخيراً تم الاتفاق
على أن تدمج هذه المكاتب في مكتب واحد يسمي مركز المشاريع الهامة والتخطيط ، ويكون
مربوطاً بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ، وقد صدر قرار مجلس الوزراء الموقر
بالموافقة على ذلك ، ونقلت إليه تلك المشاريع ، وقام المركز بأعمال رئيسية هامة
ولا زال يمارس نشاطه تنفيذاً ، وتفكيراً فهو المسئول عن استراتيجية المدينة
ودراستها الحضرية والاقتصادية والبيئية ويقوم بمشروعات متفرقة.
الطريق الدائري :
أيضاً هذا المشروع كبير جداً ، وقد
اتفقت مع معالي وزير المواصلات على أن ننقل المشروع إلى الوزارة لتتولاه ، وقد عقد
اجتماع في مكتب وزير المواصلات حضره سمو الأمير : سلمان بن عبد العزيز وبعض
الوزراء المختصين ، وقمنا بعمل محضر ينقل به المشروع الخط الدائري إلى وزارة
المواصلات ، وصدر الأمر السامي الكريم بالموافقة على ذلك .
وهكذا نفذت هذه المشروعات العملاقة
وغيرها بواسطة مركز المشروعات ووزارة المواصلات .
لقد قال يومها أحد الشباب المتحمسين
للعمل في الأمانة – كأنك تقول أننا لسنا أهلا لتنفيذ هذه المشروعات – فقلت له على
العكس تماماً فلديكم مشروعات كثيرة جداً وربنا يقويكم ولا تغضب فهذه المشروعات
أياً كان من نفذها هي لمدينة الرياض والأمانة هي المسئولة عن مدينة الرياض ، وسوف
تعد هذه المشاريع أحد مفاخر الأمانة حتى لو لم نقم بتنفيذها ، مثلما قال الخليفة
هارون الرشيد " أمطري حيث شئت فخراجك لنا ".
نزعت
الأمانة بعض الأجزاء لتحويلها إلى ملاعب أطفال ، واستلمت مزرعة كبيرة تزيد عن
ثلاثمائة ألف متر ، وفيها ما يزيد عن ألف نخلة لتحويلها إلى حديقة عامة في المنطقة
.
وهكذا وخــــلال سنوات قلائــــل - إن شـــاء الله- ســـوف يصبح وســـط المدينــــة - والذي كان مهملاً ومهجوراً تقريباً - واحداً من أجمل أحيائها .
تاسعاً : التمويـــل :
رغم أن حكومة المملكة العربية السعودية
بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد ابن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين
تتحمل كامل ميزانية الخدمات ومنها البلديات ، الا أن البلديات في المملكة بدأت في
تحسين مواردها الذاتية ، وأنشأت الوزارة إدارة عامة لتنمية موارد البلديات مهمتها
توجيه البلديات إلى رفع دخلها الذاتي، أما أمانة مدينة الرياض فقد تحسنت مواردها
وارتفعت سنوياً حتى أصبحت تشكل جزءاً أساسياً من ميزانية التشغيل ، وذلك عن طريق
أجور المحلات والأراضي المملوكة للأمانة ، ورسوم رخص البناء والمحلات التجارية ،
ورسوم الاعانات والنسبة المئوية التي تأخذها من دخل شركة الكهرباء ، وهو مبلغ كبير
نسبياً، وكذلك الرسوم التي تؤخذ على الإعلانات الخاصة ، ورسوم تسجيل السيارات،
وبيع الأراضي مثل زوائد التنظيم وغرامات المخالفات وغير ذلك .
عاشراً : التنسيــق :
إن الزيـــادة الكبــيرة في الدخل
الوطني الناتج عن تصحيح أسعار النفط في عام 1973م قد استغلت في الصرف على مشروعات
عملاقة نادراً ما تحدث لأمة في هذا العصر ، وكانت هناك رغبة لأمة صادقة في اختصار
الزمن والانتهاء من البنية الأساسية لمشروعات الخدمات بأي شكل من الأشكال ، وتحدي
في مثل هذا المستوي ، وإنجاز في مثل تلك السرعة ، كان لابد أن يصاحبة كثير من
المشكلات والتضارب الناتج عن رغبة كل جهــد من الجهات التي تنفذ المرافق العامــة "
كهربـــاء ، ماء ، صرف صحي ، هاتف ... إلخ " في إنجاز أكبر قدر ممكن في أسرع
وقت ممكن ، خصوصاً وأن هذه الجهات لا تعمل في صحراء وإنما في مدينة مسكونة ، ولا
بد من مراعاة ظروف أولئك الساكنين حول المواقع التي تنفذ فيها تلك الأعمال ، ولضعف
التنسيق أو غيابة أثر سلبي على تنفيذ المشروعات ، فالتنسيق يؤثر ويتأثر بكافة أوجه
الأنشطة وفي جميع مراحلها .
لهذا كله ورغبة من الأمانة في القضاء
على الآثار السلبية المصاحبة لتنفيذ المشروعات أو التقليل منها إلى أبعد حد وكذلك
توظيف الإمكانات المتاحة بكفاءة وفاعلية ، فقد قامت بإنشاء مكتب التنسيق ليكون
وحدة إدارية مسئولة عن تنسيق ومتابعة المشاريع في المدينة مما يساعد على تقريب
وجهات النظر ، وتوحيد المعايير بين الجهات المنفذة للخدمات ، وخلق روح للحوار
والنقاش البناء ، وتنمية شعور الحفاظ على شوارع المدينة وطرقها ، وإيجاد قنوات
اتصال مناسبة ومتعددة ، وكان لجميع الجهات المسئولة عن المرافق أو التي تتأثر بتلك
الإنشاءات كالمرور والدفاع المدني والمواصلات ومصلحة المياه وغيرها ممثلون معتمدون
لدى هذا المكتب ، يجتمعون أسبوعياً ، وعلى مستوى جيد لدراسه ظروف كل مشروع ،
وتوزيع إنشاءات هذه الجهات على أنحاء المدينة، بحيث لا تتعارض تلك الإنشاءات ، وفي
نفس الوقت لا تتعطل أي جهة منها .
ومن المعروف أن التنسيق الفعال يشمل
وضع خطة عامة لمشروعات المدينة وتحديد أولويتها وبرمجتها ضمن خطة الدولة على أن
تلتزم وزارة المالية ببرامج التمويل والجهات الحكومية الأخري بالتنفيذ ، على أساس
تلك البرامج والخطط مما يتطلب فتح قنوات اتصال على جميع المستويات الإدارية .
لهذا كله وليتمكن المكتب من القيام
بالمهام المناطة به كان لا بد من ربطه مباشرة بأمين المدينة المسئول الأعلى عن
أجهزتها .
وقد أثبت هذا التنظيم فعاليته ، وخفف
من تضارب الأعمال وتعطيلها ، كما خفف من معاناة المواطنين القاطنين حول المواقع
التي تنفذ فيها تلك المرافق .
حادي عشر : التسمية والترقيم :
كان الكثير من الناس قبل عده سنوات
يتساءلون لماذا تأخر مشروع التسمية والترقيم، وهم محقون في ذلك ، لأن التسمية
والترقيم مهمان جداًَ لاستكمال النواحي الحضرية في المدينة.
لكن التطور العمراني الهائل والرغبة
الملحة في استغلال الظروف الملائمة في استكمال المرافق وخاصة الطرقات والمرافق
العامة والتشجير أخذت وقت المسئولين في الأمانة ، وكأنهم في سباق مع الزمن ، ولعله
من حسن حظ مدينة الرياض أن مشروع التسمية والترقيم تأخر عدة سنوات لأنه جاء
مشروعاً جيداً متكاملاً ، وقد تم تشكيل فريق عمل مكون من استشاريين متخصصين مع
لجان من أمانة مدينة الرياض ، وتمت دراسة وضع المدينة وتوسعها العمراني ، وطريقة
تحديد الأحياء وحجمها ، واتخذت أنسب الأنظمة التي تتوافق مع تخطيط المدينة ، وكذلك
سهولة استخدامة من قبل كافة فئات المجتمع ، كما تم اختيار نظام القطاعات لتسمية
الأحياء والشوارع وترقيم العقارات ، بحيث يتكون أي عنوان من ثلاث عناصر :
1)
رقم العقار .
2)
اسم الشارع .
3)
اسم الحي .
وقد تم اعتمـــاد هــــذا النظــــام
بقــرار مجلـــس الـوزراء الموقر رقم 155 وتاريــــخ 21/7/1406 هـ وطبق على جميع
مدن المملكة .
ومن مزايا هذا النظام :
1)
سهولة تفهمه واستخدامه من قبل
فئات المجتمع المختلفة .
2)
التحديد الدقيق لعنوان أي عقار
.
3)
مرونته وقابليته للتطبيق عند
توسع المدينة في أي اتجاه .
اختيار أسماء الشوارع :
تم اختيار الأسماء من قبل لجنة متخصصة
وروعي أن يتم اختيار الأسماء من المجموعات الآتية :
1)
أسماء الصحابة والخلفاء
الراشدين وأمهات المؤمنين والتابعين .
2)
أسماء المشاهير من القادة العرب
والمسلمين خلال التاريخ الإسلامي .
3)
أسماء الأئمة والملوك والأمراء
المشهورين من الأسرة المالكة الكريمة .
4)
أسماء الأئمة الفقهاء المحدثين
.
5)
أسماء أشهر المعارك الحربية في
التاريخ الإسلامي .
6)
أسماء مشاهير العلماء والشعراء
والأدباء منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث .
7)
أسماء قادة دول مجلس التعاون
الخليجي .
8)
أسماء المدن والقرى السعودية
والعربية والإسلامية .
9)
أسماء الأودية والأنهار والجبال
في المملكة العربية السعودية والبلاد العربية والإسلامية .
ولعله من قبيل الاعتزاز والفخر أن
مدينة تضم ثلاثين ألف شارع تم جمع أسماء مناسبة لها في حقبة قصيرة جداً من الزمن .
ثاني عشر : الهيكل التنظيمي للأمانة :
لم يكن هناك هيكل تنظيمي يحدد
الاختصاصات والمسئوليات والإدارات تنشأ حسب الحاجة وحسب قناعة المسئولين ، بل وكان
هناك تداخل في الاختصاصات وتكدس في العمل في بعض الإدارات .
ولما تشعبت أعمال الأمانة واتسع نطاق
واجباتها وتوافرت العناصر الوطنية المتعلمة التي تولت الإدارات المختلفة بها ،
أصبح من الضروري تحديد الاختصاصات ونطاق الأعمـــال بل وتخصيصها ، لكي يمـــارس كل
مســؤول عملاً محدداً في مجال اختصاصه أو الأقرب إليه ، عند ذلك كان لابد من عمل
هيكل تنظيمي يشتمل على الأقسام والوحدات المختلفــــة للإدارات ، ويربطها
بالإدارات العامة المختصة ثم بوكلاء الأمين أو بالأمين .
وقد تمت مخاطبة معهد الإدارة العامة
ليتولى إعداد الهيكل التنظيمي للأمانة بالتعاون مع فئة مختارة من المتخصصين
بالأمانة ، خصوصاً وأنه قد أصبح لهذه الأمانة ورجالها خبرة واسعة ناجمة عن التجربة
في مختلف الحقول التي تمارسها الأمانة ، وقد شكلت الأمانة لجنة من القيادات
الإدارية رأسها رجل ذو خبرة ودراية بالأعمال القانونية والإدارية وخاصة ما يتعلق
منها بالبلديات هو معالي المستشار محمد
فهمي نجم ، الذي كان وكيلاً لمحافظ الجيزة ، ثم محافظاً للوادي الجديد ، ثم مستشاراً
لأمين مدينة الرياض منذ أكثر من 15 عاماً .
وقد تولت هذه اللجنة العمل يومياً مع
فريق معهد الإدارة الذي قضي أغلب وقته في إدارات الأمانة ، وكان الفريق يستعين بكل
مدير إدارة في الأمانة عند بحث تنظيم إدارته، وبعد عده شهور من البحث والدراسة خرج
الفريق بمشروع متكامل، عرض أولاً على الأمين ومسئولي الأمانة ، وتم إقراره ، ثم
أحيل إلى اللجنة العليا للإصلاح الإداري وصدرت به موافقة سامية ، وقد أتاح هذا
التنظيم للأمانة حرية إحداث الأقسام التي
تراها ضرورية ، أما الإدارات فلا يجوز أحداث أي منها إلا بعد العرض على اللجنة
العليا للإصلاح الإداري ، ولعل من حسن الحظ أنه عندما تم التفكير بإنشاء إدارة
التنسيق ، كان البحث لا زال جارياً في إعداد التنظيم الخاص بالأمانة ولذلك أقرها
التنظيم .
وبعد تطبيقه بعدة سنوات طلبت الوزارة
من معهد الإدارة إعداد تنظيم للأمانات الأخرى ؛ فقدم المعهد تنظيم أمانة مدينة
الرياض كنموذج لذلك ، وتم إقراره وتطبيقه .
ثالث عشر : الاهتمام بالصيانة :
إذا كان إنشاء الطرق والميادين
والمرافق العامة مهماً جداً فإن الحفاظ عليها وصيانتها للاستفادة المستمرة منها
يعادل أهمية إنشائها وربما يزيد .
لقد صاحب الاتساع الحضاري والعمراني
للمدينة اتساع مماثل في شبكات الطرق والإنارة والجسور والانفاق وكذلك المرافق
العامة التابعة للأمانة .
وقد باتت الحاجة ملحة لإيجاد إدارة
قادرة على صيانة وتشغيل تلك المنجزات للمحافظة على الاستثمارات الضخمة التي أنفقت
في سبيل إنشاء هذه المرافق ، وتم في عام 1405 هـ في نطاق إعادة تنظيم الهيكل
الوظيفي للأمانة تحويل إدارة الصيانة بأقسامها الصغيرة إلى ( إدارة عامة للتشغيل
والصيانة ) ، وتم بناء الهيكل التنظيمي للإدارات المختلفة التابعة لها لمسايرة حجم
الأعمال الكبيرة المناطة بها ، طبقاً لبرامج مدروسة ومحددة للحفاظ على شبكة الطرق
بما تحويه من شوارع وميادين وأرصفة وجسور وأنفاق لبرامج مدروسة ومحددة للحفاظ على
شبكة الطرق بما تحويه من شوارع وميادين وأرصفة وجسور وأنفاق للسيارات والمشاه ،
وقنوات لتصريف مياه السيول ، وكذلك شبكة إنارة الشوارع ، بالإضافة إلى المرافق
العامة مثل الأسواق المركزية ودورات المياه العامة ، والمباني التابعة للأمانة،
وصيانة وتشغيل كل ما يخدم تلك المنشآت من معدات وسيارات وأجهزة .
وتبرز أهمية الصيانة في أنها :
1- تغطي الجزء الأكبر من عمر المشروع مقارنة بمراحل المشروع
الأخرى مثل التصميم والتنفيذ ، حيث أن عملية الصيانة تستمر من 20 – 100 سنة في بعض
المنشآت، في حين أن مرحلة التصميم والتنفيذ لا تستغرق أكثر من 4 سنوات في المشاريع
المتوسطة الحجم .
2- تقليل التكاليف ، حيث أن الصرف المتوازن على أعمال الصيانة
يؤدي إلى توفير في المبالغ المنصرفة على المنشأة فيما لو تركت بدون صيانة عند
العودة لإعادة تشغيلها والانتفاع بها .
3- المحافظة على مستوي الأداء بواسطة الصيانة الجيدة يحقق الأمان
والراحة لمستخدمي المنشأة ، وبالذات في المشروعات الحكومية الخدمية .
رابع عشر : مشاكل المدن الكبرى :
خلال عملي كأمين لمدينة الرياض أتيحت
لي فرص كثيرة ومهمة للإطلاع على المشكلات المعقدة جداً التي تعاني منها المدن
الكبرى ، يستوي في ذلك مدن العالم المتقدم ومدن العالم الثالث.
لقد استمعت إلى محاضرات كثيرة في ندوات
متخصصة ومؤتمرات ، ولقد قرأت أبحاثاً وكتباً ، واجتمعت إلى مسئولين كبار في تلك
المدن ، وأصبحت لدي حصيلة واسعة عن المشاكل المتنوعة التي تلف تلك المدن : نقص
هائل في الإسكان والمرافق ، نقص في مقاعد الدراسة وأسرة المستشفيات ومشاكل مرورية
معقدة ، بطالة ، نقص في الماء والكهرباء والهاتف ، تردي في مستوي النظافة ، انتشار
الجريمة ، وغير ذلك سواء في المدن ذات الدخل المرتفع مثل نيويورك وطوكيو أو كان
دخلها ضعيفاً مثل القاهرة وبومباي ومكسيكوسيتي وكلكتا كلها تعاني نفس المشاكل ،
ولا حلول ممكنة تلوح في الأفق .
إن بعض المدن التي خططت أصلاً لاستيعاب
عدد معقول يتناسب وحجمها وخدماتها ومرافقها إذا بها خلال عقدين أو ثلاثة تضم ستة
أمثال ما خططت له ، والقاهرة وكراتشي ونيودلهي أوضح مثال لذلك .
ومن دراسة تلك المشاكل والخوف من أن
تعاني مدينة الرياض في المستقبل ما عانته تلك المدن أو جزءاً منه ، جاء تخطيط
مدينة الرياض مراعيا لا مركزية الخدمات فيها ، وسهولة الحركة في شوارعها ، واعتدال
الكثافة السكانية في أحيائها نتيجة لتحديد ارتفاعات مبانيها ، واقتصارها في الأغلب
الأعم على طابقين مع تحديد نسبة البناء إلى مساحة الأرض ، وترك نسبة 40% من حجم
الأرض ليكون حديقة ، كل ذلك كان ضماناً كبيراً يحول دون تعرضها في المستقبل لما
تعرضت له المدن الكبرى من المشاكل .
حقيقة إن التوسع العمراني الهائل في
مدينة الرياض قد كلف الدولة مبالغ كبيرة في إيصال الخدمات وصيانة المرافق ، وكذلك
احتياج المدينة إلى جهاز أمني أكبر ، لكن ذلك رغم تكاليفه – يهون أمام قيام مدينة
كبرى لا تعاني من كثافة السكان أو اختناق حركة المرور ، أو غير ذلك من الضغوط التي
تتعرض لها المدن الكبرى .
كما أثبتت التجارب أيضاً من الناحية
الأمنية أن المدن الأفقية في أبنيتها أكثر أماناً من تلك التي تعتمد البناء الرأسي
العإلى ، وحتى تضمن مدينة الرياض متابعة مشاكل المدن الكبرى وتلافيها في المستقبل
، فقد استحدث في مكتب الأمين قسم لدراسات المدن الكبرى ، مهمته متابعة الأبحاث
المتعلقة بتلك المدن ، ومعالجة مشاكلها ، حتى تتكون لدى الأمانة صورة واضحة عن تلك
المشكلات ، ومحاولة تلافيها في المستقبل ، ولهذا القسم اتصالات بالمعاهد والمراكز
المتخصصة ، ومنها منظمة المدن الكبرى "متروبولس"، ومشروع المدن الكبرى
في جامعة نيويورك " ميجاستي بروجيكت " Miga
Cities Project"" .
خامس عشر : العلاقات الشخصية وأهميتها في إنجازات القائد أو
المدير :
لا شك أن
الصلات الشخصية والعلاقات الطيبة التي تربط المدير بجهات كثيرة حكومية وغير حكومية
لها أثر كبير جداً في تحقيق الهدف الذي يسعى إليه المدير، وكلما استطاع المدير
الاستفادة من تلك العلاقات لصالح العمل الذي يشرف عليه حقق في ذلك نجاحاً طيباً ،
سواء في زيادة الاعتمادات ، أو جمع الأموال لمشروع من المشاريع المفيدة، أو استعارة
أو نقل عدد من الموظفين الناجحين ، أو تدريب وإعداد عدد من مسئولي إدارته في إحدى
الجهات القادرة ، أو غير ذلك من أمور كثيرة أخري مفيدة تنتج عن حسن استخدام
الصداقات والعلاقات الطيبة للصالح العام .
وفيما يخص
مدينة الرياض فإنني أشيد بكل تقدير وإكبار وإجلال بدور صاحب السمو الملكي الأمير:
سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ورئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض
الذي حقق لهذه المدينة بصلاته الطيبة وعلاقاته الشخصية وقدراته الفذة أموراً يعجز
القلم عن حصرها ، حتى أصبحت درة في صحرائنا الواسعة ، وفريدة بين المدن رغم ظروفها
الصحراوية القاسية .
كما أشيد
بالجهود الرائعة والإنجازات العظيمة التي تولى مركز المشاريع والتخطيط بالهيئة
العليا لتطوير مدينة الرياض تخطيطها وتصميمها وتنفيذها، وخاصة حي السفارات ، وجزء
كبير من طريق الملك فهد ، ومشروع تطوير وإعادة بناء قصر الحكم والإدارات الرئيسية
(الامارة ، الأمانة ، الشرطة ) والجامع الكبير (جامع الامام تركي)... وغير ذلك ،
وإذا كان مركز المشاريع والتخطيط بحكم كونه الجهاز الفني للهيئة العليا لتطوير
مدينة الرياض متمما لجهود الأمانة في تطوير العاصمة ، فإن دور وزارة المواصلات
يبدو بارزا ومهماً ومشاركتها في تطوير الطرق داخل العاصمة وإليها له أثر إيجابي
غير محدود وأهم انجازاتها وهي كثيرة : الطريق الدائري حول مدينة الرياض ، طريق مكة
المكرمة ، طريق خريص، الجزء الشمالي من طريق الملك فهد وغير ذلك وكلها منارة
ومشجرة. وكذلك جهود وتعاون وزارة الزراعة والمياه في تشجير عدد من الشوارع الرئيسة
بمدينة الرياض .
ولعل
مساهمات كثير من الإدارات الحكومية بتجميل مدينة الرياض أمر واضح في زراعه وتشجير
مقارها ، وهو أمر نادر في كل بلاد الدنيا ، حتى تلك التي تنزل عليها الأمطار يوميا
صيفا وشتاء.
إن من ينظر
فعلا إلى حدائق وزارة الخارجية ، وزارة الشئون البلدية والقروية ، مؤسسة النقد
العربي السعودي ، جامعة الملك سعود ، معهد العاصمة النموذجي، وكثير غيرها من
الوزارات والدوائر الحكومية أن من ينظر إليها يتصور أنها حدائق وليست إدارات
حكومية .
سادس
عشر : كلمة إلى الاخوة القادة والمسئولين عن الأجهزة الحكومية والخاصة وخاصة أجهزة
الخدمات :
يقول الله
عز وجل: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، ويقول { وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمْرِ}، ويخاطب رسولة المصطفي بقولة عز وجل: { وَلَوْ
كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وقولة
سبحانة: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
} صدق الله العظيم، وفي الأثر : "أنكم لن تسعوا الناس
بأموالكم ولكن تسعوهم بحسن الخلق " ، وفي الحديث " إن لله عباداً اختصهم
بقضاء حوائج الناس ، حببهم في الخير وحبب الخير إليهم ، إنهم الآمنون من عذاب
النار يوم القيامة " .
ويقول
الشاعر :
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعف الحال
إن من يتولى
أمراً من أمور الناس يجب أن تكون الآيات والآثار نبراساً له يهديه إلى الطريق
المستقيم ، إذ مع أهمية الأمانة والصدق والإخلاص في العمل تبرز أهمية المرتكزات
الثلاث في سياسة القائد والمدير( الشورى والنقاش أو الجدال بالمعروف وحسن الخلق
... ) وعلى المسؤول الذي يريد أن يحقق ذاته ويصل إلى هدفه أن يختار مساعديه بعناية
، وأن يشجعهم ويأخذ رأيهم ، ويتعامل مع جميع موظفية صغاراً وكباراً بالمعروف
والخلق الحسن فهؤلاء " المساعدون والموظفون " مهما صغر مقامهم هم الذين
يقومـــون بالعمل تحت إشراف القائــــد ، وهم الذين يحددون موقف المدير سلباً أو
إيجاباً .
على المسؤول
الذي يريد أن يكون ناجحا أن يتأكد كل يوم أن الكرسي ليس ملكاً له، وأنه سوف يغادره
عاجلاً أو آجلاً فإذا أدرك هذه الحقيقة ووعاها جيداً عليه أن يستغل كل يوم يجلس
فيه على ذلك الكرسي لصالح الناس وخدمتهم
والاهتمام بشئونهم ، وأن يدرك أنه لا يقوم بالعمل وحده ، وإنما هو رأس لمجموعة
متعاونة كل واحد فيها يؤدي دوراً معيناً ينتج عن كل ذلك عمل ناجح ناجز يفخر به
المدير ويرتفع به مقامه .
إن توزيع
الصلاحيات وإعطاءها لمن هم أهل لها أحد أسباب النجاح ، هذا من جهة تعامله مع
الموظفين والمساعدين والعاملين ، أما من جهة تعامله مع الناس مع الجمهور مع
المراجعين مع أصحاب الحاجة فإن من يريد أن يكون قائداً ناجحاً لابد أن يتحلى بكل
الصفات التي ورد ذكرها ، وأن يدرك أنه ما جاء إلى هذا المركز إلا لخدمة الناس
وقضاء حاجاتهم ، وليس معنى ذلك تحقيق مطالبهم حتى لو كانت خطأ بل على العكس ، على
المدير الناجح أن يرد المخطئ عن خطئه ، والظالم عن ظلمه وأن يطبق النظام على
الجميع ما أمكن ذلك ، وأن يحقق العدالة بين الناس الذين يتولى شأناً من شؤونهم ،
فإذا حاد أحدهم عن جادة الصواب أعاده إليها ولكن برفق وحكمة ... إن سياسة الباب
المفتوح والاستماع إلى شكاوي الناس وعرض حاجاتهم بروح طيبة وقلب مفتوح وآذان صاغية
ترضي الناس ولو لم تحقق مطالبهم ، وبالنسبة لرؤساء البلديات على كل منهم الوقوف
شخصياً على موقع المظلمة ، فهذا يحل كثيراً من المشاكل ، إذ المشاهد أن ثلاثة
أرباع من يدعون المظلمة غير محقين لكنهم
لا يقتنعون – إلا بالوقوف على الموقع .
كل قائد وكل
مدير سوف يترك الميدان يوماً ما سوف يجني نتيجة أعماله سلباً أو إيجاباً ، سوف
يقابل بعض الذين راجعوه أو توسلوا إليه ، وستتحدد نظرتهم إلى وفقاً لما قدمه لهم
أثناء تربعه على كرسي الإدارة الذي كان يظنه وثيراً ، أو كان يظنة دائماً ، وهو لا
محالة زائل يوما ما ، فعليه أن يستعد لذلك اليوم ، وليعلم أن ألسنة الخلق أقلام
الحـــق ، وأن في أذهـــان الناس تسجيلا رائعاً ودقيقاً لكل حركات وتصرفات كل من
كان يوماً ما مسؤولا عن شــأن من شؤونهم ... نصيحتي إلى القادة أو الذين يهيئون
أنفسهم أو يتمنون أن يكونوا قـــادة أن يفكروا كل يوم بذلك اليوم القادم الذي
يتخلى فيـــه الكرسي عنهم وبإمكانهم - بل ولا عذر
لهم - أن يعملوا الخير وأن يساعدوا النـــاس ، وأن يحققوا
الأمــــل ، وأن يصنعوا المعروف ، ولا عذر لمن يقول النظام صعــــب ، والامكانيات
محدودة ، والوقت ضيق ، فالنظام ما عمل إلا لصالح الناس ، ويكفي الناس أن يطبق
القائد النظام ، ويستخدم الامكانيات مهما كانت محدودة في العمل على قدرها وفي
حدودها ، والوقت ليس ضيقاً أبداً إنه واسع إذا نظمناه وأحسنا استغلاله .
خاتمـــــة :
هذه لمحة
خاطفة عن بعض نقاط حركة التطوير والتحديث في مدينة الرياض وبفضل من الله ثم
برعايــــة خـــادم الحرمين الشريفــــين وولي عهد الأمين ودعم ومتابعة الحكومة
الرشيدة وتكاتف مختلف قطاعات النشاط ، تمت في مختلف المرافق والخدمات إنجازات
عديدة أخرى لا تكفي الإشارة إليها بعبارات قصيرة ، لأنها مراكز حضارية رائعة
الجمال ، حديثة التصميم ، ولا يقدر روعتها أو عظمتها إلا من يراها ويتجول
فيهـــــا .
إن شعباً
طموحاً قهر الصعاب ، واستنبت الصحراء ، وأقام المصانع ، وحقق المنجزات الرائعة في
كل مجال ، ليسهل علية أن يكو ن في طليعة شعوب الأرض تطلعاً لهندسة الطبيعة
وتناغمها مع الأصاله والتراث ، وسيظل هم كل سعودي لا أن يشارك في وثبة ازدهار
بلاده وعاصمتها الرياض فحسب وإنما ليقدم للعالم نموذجا عمرانياً وحضارياً فريداً .