مقدمــة:

يزدان تاريخ الأمم الناهضة والدول الفتية بأحداث عظيمة وإنجازات متميزة جديرة بالدراسة والتقصى ، كي تستخلص منها الدروس النافعة ، ويتبين نهجها حتى تكـــون تجاربها حيــــة وواقعا متاحـــاً أمام الدول الأخرى للاستفـــادة منها واستخلاص ما يناسبها ويلائم ظروفها وينهض بمستواها تنمية وأمنا وتماسكا واستقرارا .

ولاشك أن تجربة المملكة العربية السعودية مع بداية تأسيسها منذ مائة عام هي فريدة ورائدة وثرية بأحداثها ، وتتسم بملامح خاصة صاغتها ظروفها الطبيعية وواقعها البشري ، وهي تختلف عن تجارب كثير من الدول الأخرى ، وإذا كانت تجارب الدول تستأثر بمتاعبة أبنائها بشكل خاص فإن تجربة المملكة تحظى باهتمام أكثر من مليار وثلاثمائــة مليون مسلم يعيشون في جميع أقطار العالم ، تهفو قلوبهم إلى الكعبة المشرفة، ويتجهون إليها في صلاتهم و يقصدون المشاعر المقدسة بها لأداء الحج والعمرة والزيـــارة .

وأمام هذه التجربة السعودية ذات الجوانب المتعددة والثريه بأحداثها فإن هذا البحث المتواضع قد اقتصر على جانب هام من هذه الجوانب وهو موضوع النقل والمواصلات والاتصالات ، والدور البارز الذى لعبه في تعزيز وحدة المملكة العربية السعودية .

تتميز المملكة العربية السعودية بمساحتها الشاسعه التي تعادل مساحة دول أوروبا الغربية ، أو ما يعادل ربع مساحة الولايات المتحدة الأمريكية ، وتنتشر مدنها وقراها وتجمعاتها السكانية على مسافة متباعدة ، كما أن مناخها بشكل عام حار جاف في المنطقة الوسطى ، ورطب على السواحل ، وبارد في جنوب غرب المملكة ، وتتراوح تضاريسها بين جبلبية صعبة وصعبة جدا في الجنوب الغربى ، وكثبان رملية وسهول في المنطقتين الوسطى والشرقية و بقية المناطق .

وبالرغم من الظروف الجغرافية والمناخية االطبيعية التي تتميز بها المملكة فإنه يمكن القول أن قطاع النقل والمواصلات والاتصالات قد لعب – ولا يزال – يلعب دورا حاسما في ترابط أجزاء المملكة وتعزيز وحدتها ، وفي غيابه يتعذر الاتصال ، وتنعزل المجتمعات ، ويصبح الاستقرار والترابط الاجتماعى والاستفادة من حضارة العصر أمرا صعبا كما أن غيابه يتعذر استتباب الأمن بمفهومة الشامل ، حيث أن الأمن والمواصلات وجهان لعملة واحدة ، فلا أمن بدون موصلات ولا موصلات بدون أمن .

نبذة تاريخية :

منذ أن فكر الملك عبد العزيز رحمه الله في استرداد ملك ابائه وأجدادة جعل إعادة بناء الدولة السعودية هاجسه الأول وهمه الأوحد ، ووضع لنفسة برنامجا مؤلفا من عدة عناصر وخطوات عدها أساسيات لقيام الدولة ووحدتها واستمراريتها ، وأهمها سيادة الأمن والنظام في ربوعها .

وقد استخدم الملك عبد العزيز رحمه الله اللاسلكى ( البرقيات ) في التعرف على أحوال المناطق و أمنها و استقرارها ، وكان الديوان الملكى هو المحور الذى تنطلق منه الأوامر والتعليمات الملكية ، ويستقبل البرقيات الواردة ، ويعرضها على الملك في حينه ، وكانت البرقيات الصادرة من الديوان الملكى في غاية الأهمية والإيجاز ، وخصص نظام البريد للمراسلات العادية والمسجلة والطرود العادية والمؤمن عليها كما كان للهاتف دور واضح في حفظ أمن البلاد و استقرارها ، حيث استخدامه الملك عبد العزيز للتعرف على حالة الأمن في المنطق المختلفة ، وللتعرف على أحوال المواطنيين .

ولخدمة ضيوف الرحمن فقد أسس رحمه الله إدارة خاصة لشؤون الحج مرتبطة بوزارة المالية ، ومن بين مهامها استقبال الحجاج عند وصولهم للبلاد برا وبحرا أو جوا ، وتيسير إجراءاتهم ، وتهيئة أماكن إقامتهم ، وتسهيل حركة تنقلاتهم كما أنشئت في عهده أيضا إذاعة خاصة بمركز  إدارة الحج في عرفات لإذاعة النشرات الحكومية عن الحج والحجاج ، ولإرشاد التائهين عن خيامهم ، وإعلان أسمائهم وأسماء مطوفيهم ، وكانت تصدر نشرات موسمية يومية بترتيب أفواج الحجاج حسب قدومهم ، وتنظم سفرهم للمدينة المنورة وجدة ومنها لبلادهم . ( الزركلي 1977م ، ص 1336) .

أولا : أساسيات البناء والتوحيد :

1– استرداد أرض الآباء والأجداد :

كان ميلاد الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – بالرياض سنة 1293هــ / 1876م على الأرجح ، وقد نشأ كغيره من أبناء آل سعود حيث تعلم مبادىء القراءة والكتابة ، ثم القرآن الكريم و أصول العقيدة ، وتدرب على الرماية وركوب الخيل ، واكتسب من مجالسته لأبيه وقادة أسرته والمقربين اليها من علماء وزعماء الشيء الكثير من المعارف العامة و قصص البطولات .

وقد تمتع الملك عبد العزيز بكثير من الصفات التي ارتكز عليها في تحقيق طموحاته ومن أهمها ادراكه للأوضاع السياسية التي تحيط به ، ومنذ أن هاجر برفقه والده الامام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود قاصدا الكويت .. وفكرة استرداد أرض الآباء والأجداد لم  تبارح مخيلته – خصوصا وأنه قد قاسى كثيرا من مرارة العيش في المنفى – وقد ظلت هذه الفكرة تشكل هاجسه الأوحد ، وعندما أيقن انه أصبح قادرا على تحقيق هذ الهدف وبعد الاعتماد على الخالق سبحانه وتعالى وضع مخططا طموحا جعل استراد الرياض في مقدمة هذا المخطط لاهميتها مكانا ومكانة آل سعود ، ولأسباب عديدة أخرى منها سهولة الوصول إليها ، وبعدها عن شوكة ابن رشيد لدى وجود أنصار لآل سعود فيها وفي المناطق المجاورة ، كما أن استردادها سيكون له وقع إيجابي كبير في نفوس الأنصار والمؤيدين ، فضلا عن موقعها الجغرافي المميز ، ودروها الحيوي في تيسير الاتصالات والمواصلات ببقية مناطق الجزيرة .

وقد استطاع عبد العزيز بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ثم بمساعدة نفر من الرجال المخلصــــيين أن يسترد مدينة الريـــــاض في فجر الخامس من شهر شــوال عام 1319هــ / 1902م ، وقد شكلت هذه المدينة العريقة – بتراثها وتاريخها – القاعدة الصلبة التي انطلق– رحمه الله – منها للزحف على بقية المناطق لاستراد ملك الآباء والأجداد ، وقد وجد الملك عبد العزيز نفسه امام مجتمع غالبيته من أهل البادية والبقية من سكان الحاضرة ، وبين الفريقين يوجد كثير من الرجال الذين وقفوا إلى جانبه في مسيرته الخيرة التي هدفت إلى توحيد الكلمة ، ورص الصفوف ، وإقامة دولة حديثة على أصول ثابتة وعقيدة راسخة .

ب) توفير الأمن :

قبل أن يكمل الملك عبد العزيز بسط سطانه على بقية المناطق التي كان يخطط لاستردادها حرص حرصا شديدا على سيادة الأمن والنظام باعتبارة المدخل الرئيس الذي سيحقق له الأهداف التي رسمها لاستراداد أرض آبائه وأجداده ، والتي ساد فيها التناحر والاقتتال ، وانعدام الأمن والأمان ، ويتطلعون إلى من يحفظ لهم دينهم وأموالهم وأعراضهم وممتلكاتهم ، وقد وجدوا في عبد العزيز عبد الرحمن آل سعود ضالتهم التي طال انتظارهم لها ليجدوا في ظله الأمن والأمان .

ويكفي أن نشير إلى أن الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – قد بعث في عام 1343 هــ/ 1925 هــ برسالة إلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يخبرهم فيها بأن النظام والأمن قد ساد البلاد المقدسة ، وأنه يرحب بحجاج بيت الله الحرام من المسلمين كافة في موسم تلك السنة ويتكفل بتأمين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم وتسهيل سفرهم إلى مكة المكرمة ، وقد كان حجاج بيت الله الحرام قبل ذلك يتعرضون لكثير من أخطار السلب والنهب والاعتداء .

ولقد أسفرت سياسة الملك عبد العزيز الأمنية على اعتراف عدة دول عربية وإسلامية بأنه القائد القادر على تحقيق أمن شبه الجزيرة ، وتوحيد بلاد قبلة المسلمين ومقصد مناسك حجهم وعمرتهم وزيارتهم ، وأن في هذه الوحدة قوة ومنعه للعرب والمسلمين في وجه القوى الاستعمارية التي فرضت المزيد من هيمنتها على بلدان العرب والمسلمين بعد الحرب  العالمية الأولى ( صوت الحجاز 1351هـ : ع 28 .17 ) .

وقد استطاع رحمه الله – بما أتاة الله من حكمة وبعد نظر – أن ينشر الأمن في كافة ربوع البلاد ، وقد قاده ذكاؤه و حكمته إلى تحقيق ذلك بالوسائل التالية :

1– توطين البادية :

أدرك الملك عبد العزيز بأن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق دون استقرار البادية وتكوين جيش قوى من الحاضرة والبادية على حد سواء ، وقد أيقن أن توطين البادية وتوفير سبل العيش الكريم لهم أمر ضرورى لا غنى عنه ؛ فأقام لهم الهجر قرب الأودية ومصادر المياه ، حيث المياه الصالحة للشرب والتربة الخصبة ، وشجعهم على الاستيطان فيها وومارسة الزراعة ، وكانت الأرطاوية أولى الهجر التي أقيمت ، ثم توالى بعد ذلك إقامة المزيد منها حتى وصل عددها في نهاية الأمر إلى ( 155 ) هجرة ، وقد ساعد إقامة تلك الهجر على ظهور دوروب صحراوية جديدة تربطها ببعضها البعض ، كما تربطها بالمدن والقرى الأخرى ، كما أدى ذلك بالتالي إلى تحقيق المزيد من الاتصال والتواصل والترابط و تبادل المصالح بين فئات المجتمع الواحد ، فضلا عن أنه قد مهد الطريق نحو توحيد المملكة فيما بعد .

وقد كان قرار الملك عبد العزيز لإقامة الهجر لتوطين البادية قرارا شجاعا ، وإنجازاً هائلا اعتبرة المؤرخون على رأس القرارات المصيرية التي اتخذها الملك عبد العزيز على طريق تأسيس وتوحيد المملكة ، كما شكل هذا القرار إجراء واقيا ضد الأخطار التي كانت تحيط بالدولة من كل مكان .

2– الاتصالات والمواصلات :

من يتابع تاريخ شبة الجزيرة العربية يدرك أنه لا يمكن أن يكون هناك أمن بدون وسائل مواصلات ، وقد اعتمد جلالة الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – في توفير الأمن بصورة أساسية على تأمين المواصلات على وجه العموم ، كما وظف – رحمه الله – وسائل البرق والبريد والهاتف في تثبيت حكمه وتوفير الأمن والاستقرار لمواطنيه . مما عرف عن الملك عبد العزيز – رحمه الله – أنه كان شديد الحرص على أن يكون على اتصال بالقاصي والداني من المواطنيين ، وكان يستخدم أية وسيلة من وسائل الاتصالات أوالمواصلات لكى يتعرف على مشاكلهم أولا بأول ، وإيجاد الحلول الشافية لها لكي يسود العدل ويزداد الترابط والتآخي وحب الوطن بين المواطنيين ، ولتحقيق ذلك فقد أصدر مرسوما ملكيا برقم 3703 في 24/9/1371 هــ مفاده : أن من يحجب  أو يحول دون وصول شكاية فانه يتعرض للعقوبة . ( البلاد ) 1371 : ع 1194 ) .

ولقد أثمرت هذه الاجراءات في زيادة التفاف الرعية حول قائدهم ، خاصة وأنه كان يأخذ كل شكاية ترفع اليه مأخذ الجد ، ويتخذ إجراءاته عليها دون محاباة أو مجاملة لأحد .

لقد كان اهتمام الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – بتطوير وسائل الاتصالات كبيرا ،  فتم التوسع في بناء المحطات والشبكات السلكية واللاسلكية مع حاولة اقتناء أكثر المعدات والتجهيزات تطورا ، فبينما لم يزد عدد مراكز الاتصالات اللاسلكية على 8 مراكز عندما فتح الملك عبد العزيز الحجاز فقد وصل عددها إلى 29 مركز في عام 1355 هــ / 1936 م ، منها 4 مراكز متحركة ( حمزة 1388 : 239 – 240 ) ، وقد ساعدت الاتصالات اللاسلكية جلاله الملك وحكومته في تصريف شؤون الرعية يوميا وحل المشكلات أولا بــأول ، هذا في الوقــت الذى كان فيه البريد يستغرق شهرا كاملا أو أكثر ليصل إلى وجهته ، وهكذا أسهمت الاتصالات اللاسلكية إسهاما فعالاً في تمكين الملك عبد العزيز والمسؤولين في الدولة من توطيد الأمن والاستقرار و تثبيت الحكم في أرجاء المملكة ، فقد مكن البرق من الربط بين مختلف مدن وقرى وهجر المملكة بشبكة متطورة ومتنامية من الاتصالات الحديثة ، استفاد منها المسؤول ورجال الاعمال والمواطنون العاديون في قضاء أعمالهم وحاجاتهم ، ففي مجال التجارة ساعدت شبكة الاتصال على انتعاش الاقتصاد من خلال اتصال التجار ورجال الأعمال بالمؤسسات والبيوت التجارية في الداخل والخارج يوميا بعد أن كانت تعتمد على الوسائل التي تحملها الأبل .

ولم تقتصر فوائد البرق على المجالات الاقتصادية والاجتماعية فحسب بل تعدتها إلى الأمور الشرعية ، فعند رؤية هلال شهر رمضان المبارك في أي مكان من البلاد ترسل برقية إلى جلالة الملك الذى يقوم بإرسال برقيات تؤكد رؤية الهلال إلى بقية الجهات ؛ وبذلك يبدأ شهر الصوم في وقت واحد في كل أرجاء البلاد ، وقد أذكت هذه العملية شعور المواطنيين بانتمائهم إلى قيادة واحدة ودولة واحدة .

ولم يقتصر اهتمام الملك عبد العزيز  – رحمه الله –على البرق والبريد فحسب بل امتد اهتمامه إلى الهاتف وأولاه عناية كبيرة .

3– توظيف القبائل في حفظ الأمن وسيادة النظام :

لقد استطاع الملك عبد العزيز بما أتاه الله من حكمة وبعد نظر وسعة صدر أن يوظـــف شيوخ القبائل لمساعدته في حفظ الأمن والنظام ؛ ففى عام 1344 هـ استدعى – طيب الله ثراه – جميع رؤساء قبائل الحجاز للاجتماع به ، وكان موعد اجتماعهم في حضرته أواخر شهر رجب ، وقد لبوا الدعوة جميعا في الوقت المطلوب ، وقد قابلهم في منزله العامر فوعظهم بما نصحهم به ، ثم قسم لهم الطرق في الحجاز إلى مناطق وحددها ، وتعهد كل فريق منهم ضمن الحدود التي التزامتها أنه يتحمل المسؤلية عن قبيلته بأن كل عيب أو مخالفة تقع منه أو واحد منهم فهو المسؤول ، واشتراط عليهم المحافظة على عابري السبيل من حجاج أو جمال أو طرقى أو غيرهم ، وأنه ليس لهم شيء من الحقوق لا على الحجاج ولا على غيرهم من عابري السبيل ، وأن جميع الحقوق السابقة باطلة ، وليس لهم إلا ما يتفضل به عليهم الملك من بيت مال المسلمين على عادته من أعطياته لرعايا من غيرهم . ( أم القرى 1344 : ع 60 ) .

بالإضافة إلى ذلك فقد أولت الحكومة محاربة عمليات التهريب على الطرق اهتماما خاصا لما في ذلك من ردع للعابثيين بالأمن ، وقد أمرت كل ملتزم مقاطعة من المقاطعات أن يراقب جميع البضائع التي تهرب من المراسى الخارجة عن المدن ، وجميع البضائع تهرب من المدن و لا يحمل أصحابها " الكوشان " الرسمى المطلوب ، وإذا وجدوا شيئا من هذه الأموال المهربة عليهم أخذها لأقرب مركز رسمي من مراكز الحكومة و تسليمها مع أصحابها للحكومة ، وأن كل من يقبض على شيء من هذه الاموال المهربة و يسلمها للحكومة يعطى مكافأة ربع البضائع التي يأتي بها . (أم القرى 1344: ع 60) .

ج ) التنميــــــــة :

بعد أن أكمل الملك عبد العزيز مرحلتي تأسيس المملكة العربية السعودية وتوحيدها بدأ ملحمة البناء والتعمير وفق برامج تنمويه طموحة ، وقد واجهت تلك البداية صعوبات جمة منها قلة الموارد البشرية والمادية  وهشاشه البنية التحتية ، ورغم كل هذه الصعوبات فقد خاض – رحمه الله – معركة التنمية بنفس القوة والعزيمة والإصرار التي قاد فيها معارك استرداد الرياض وتأسيس المملكة وتوحيدها ، مسلحا بالثقة بالله ثم بنفسه وبسواعد أبناء الشعب السعودي الذى التف حوله .

وقد ساعد اكتشاف النفط في دفع عجلة التنمية خطوات واسعة إلى الأمام ، وقد أولى – رحمه الله – قطاع النقل والمواصلات اهتماماً كبيراً يقينا منه أن بناء وتطوير هذا القطاع هو أمر ضرورى لتحقيق التنمية الشاملة في كل القطاعات ، فأمر ببناء الطرق والموانئ والتوسع في شبكات الاتصالات ، وحقق إنجازات كبيرة تمثلت ببناء الطرق والسكك الحديدية ، وإنشاء المواني ، وإقامة شبكة اتصالات برقية وهاتفية وبريدية .

وقد تشكلت هذه الإنجازات التي تحققت – رغم قله الإمكانيات المالية والبشرية والمعرفية – القاعدة الصلبة التي بنى عليها أبناؤه البررة من بعده ، والتي أقاموا من خلالها شبكة متطورة من وسائل النقل والمواصلات والاتصالات ، تمثلت في إنشاء شبكة ضخمة ومتطورة من الطرق ، ونظام حديث للنقل ، وشبكة متميزة من الاتصالات السلكية واللاسلكية ، وقد ربطت هذه كلها كافة أجزاء المملكة بعضها البعض كما ربطتها بالعالم الخارجي  .

ثانيا : دور النقل والمواصلات في تعزيز وحدة المملكة :

تشكل المملكة العربية السعودية بموقعها المتميز في جنوب غرب قارة أسيا همزة وصل بين قارات العالم قديما وحديثا ، وهي تطل على العالم الخارجى بواجهتيين بحريتين طويلتيين على كل من الخليج العربى والبحر الاحمر ، الأمر الذى يزيد من أهميتها الاستراتيجية والتجارية ، ويعزر من  فرص اتصالها مع بقية دول العالم .

ويعتبر سطح البحر الاحمر أهم الممرات المائية بالنسبة للتجارة الدولية ، خاصة في ميدان التجارة بين الشرق الفني بموارده ، والغرب الصناعي ، ويمكن القول أن وقوع المملكة على أهم خطوط التجارة الدولة أدى إلى  إعطاء المزيد من الاهتمام لتطوير سبل النقــل والمواصلات الداخلية والخارجية لكى تتبوأ المملكة المكانة اللائقة بها إقليميا ودوليا .

كما تطلب طول الواجهات البحرية للملكة إنشاء الكثير من الموانى والمرافىء لزيارة فرص الاتصالات الداخلية والخارجية .

وبالرغم من كبر مساحة المملكة العربية السعودية وتنوع تضاريسها وتغير مناخها من منطقة لأخرى فقد حرصت الدولة على تقديم خدمات النقل والمواصلات والاتصالات دون إخضاع هذا الأمر للاعتبارات الاقتصادية البحته ، حيث رجحت كفة الاعتبارات الاجتمعاية والثقافية في كثير من الحالات ، وأمكن بعون الله سبحانه وتعالى ثم بحكمة وعزم وإصرار القيادة بناء منظمة ضخمة من شبكات النقل والمواصلات البرية والبحرية والجوية تتألف من شبكة طرق متطورة تصل أطوالها إلى 54 ألف كيلو متر ، وعدد كبير من الموانى البحرية حديثة التجهيزات على كل من الخليج العربى والبحر الأحمر ، بالإضافة إلى 23 مطارا من بينهما ثلاثة مطارات دولية، فضلا عن شبكة واسعة من الخطوط الجوية الداخلية .

وقد كان لذلك كله أكبر الأثر في تسهيل انتقال المواطنيين وتواصلهم وتلاحمهم ، ومن ثم تعزيز الوحدة الوطنية ، كما أن تطوير طرق ووسائط النقل أسهم مساهمة فعالة في زيادة حركة المواطنين ورؤوس الأموال ، ودعم عمليات التنمية الشاملة التي عمت الوطن والمواطنين .

أ أنماط الطرق ودورها في سرعة الاتصال  والترابط الداخلي :

أدت الطرق دورا مهما في ترابط أجزاء الوطن مما ساعد في تماسك ووحدة المملكة العربية السعودية التي كانت تعانى في الماضي من صعوبات أهمها :

-   صعوبة الأسفار بين المناطق المختلفة أو أي من الدول المجاورة .

-   ندرة وسائل الاتصالات والمبرقات .

-   عدم استتباب الأمن في بعض المناطق . 

وقد صنفت الطرق في المملكة إلى ثلاث أصناف أساسية :

1– طرق رئيسية لخدمة الرحلات الطويلة بين المدن والمناطق الحضرية الكبرى .

2– طرق ثانوية لخدمة المدن التي لا تقع على الطرق الرئيسية وتربطها بشبكتها .

3– طرق فرعية لخدمة القرى والمزارع والتجمعات السكانية الصغيرة . 

 

 

شكل رقم ( 1 ) خريطة الطرق الرئيسة

 

 

شكل رقم ( 2 ) خريطة الطرق الرئيسـة والثانويـة

 

 

.

 

 

ب) النقل البري والبحري :

1– السيارات :

لقد كانت حركة المواطنيين في الماضى محدودة من حيث الزمان والمكان وذلك لعدم توفر وسائل النقل والمواصلات السريعة ، حيث كان الانتقال والتواصل يعتمد بصفة أساسية على الدواب حتى العام 1932م ، وعند دخول السيارة كوسيله حديثة من وسائل النقل ارتبطت مناطق المملكة مع بعضها البعض ، مماساعد على وحدة الأمة وتضامنها ، وقامت الشركات والمؤسسات لتدير حركة نقل الركاب والحجاج والمعتمرين والزائرين ، وسعى كثير من أصحاب وسائط النقل بالدواب لامتلاك السيارات ، مما وفر فرص التواصل والترابط السكاني ، وساعدت وسائل النقل والمواصلات والاتصالات المواطنيين على إقامة مجتمعات كبيرة ومستقرة وقادرة على الحركة والانتقال وعلى استغلال الموارد المتاحة لمضاعفة المردود ، كما أنشئت الهجر التي أسهمت في استقرار أهل البادية ، وتغير أوضاعهم من حل وترحال بحثا عن الماء والمرعى إلى مجمعات سكانية ، مع توفير الألات الزراعية والفلاحية لربطهم بالأرض ، وتوجيه اهتمامهم لاستصلاح الأرض وزراعتها ، والاستفادة من خيراتها ، وبذلك تحول ولاؤهم من ولاء للقبيلة إلى ولاء للدولة .

وقد ساعد إنشاء طرق العقبات في الجنوب الغربى من المملكة على ربط المدن والقرى الواقعه في قمم وسفوح جبال السروات بتلك الواقعه في سهول تهامة على ساحل البحر الاحمر ، وبالتالي ربطها ببقية أنحاء المملكة ، وعلى سبيل المثال فقد يسرت عقبة شعار الاتصال بين عدد كبير من القرى والمدن الواقعة على جبال السروات بميناء جازان و بعض المناطق الساحلية مثل الشقيق ، كما مكنت سكان القرى والتجمعات السكانية الأخرى من الاستفادة من الخدمات المركزة في المدن وفي تلك المنطقة مثل المستشفيات والمدارس والمعاهد وفروع الجامعات والمصانع وغيرها ، كما يسرت الخدمات الأمنية وأسهمت إسهاما فعالا في قطاع التعليم ، حيث ساعدت على انتشار المدارس والمعاهد المختلفة في كافة أنحاء المملكة .

وبعد تنفيذ شبكة الطرق أصبح من الممكن الوصول إلى جهات مختلفة من المملكة في غضون ساعات معدودة ، ومع التوسع في شبكة الطرق ّزداد عدد السيارات بأنواعها المختلفة ، فبينما كان عدد السيارات في المملكة لا يتعدى 560 سيارة في عام 1355هـــ / 1936م وصل عددها الان أكثر من 5 ملايين سيارة ، وقد ساههمت هذه الشبكة الواسعة من الطرق وذلك العدد الكبير من السيارات على ترابط لم يسبق له مثيل بين فئات المجتمع ، وقد تمكنت السيارة لما لها من مرونه في الحركة من الوصول إلى أكثر جهات المملكة وعورة ، وأمكن ربط الأماكن النائية مع بقية المراكز الحضرية ، الأمر الذى عزز من اتصال المواطنيين وترابطهم وتفاعلهم الاجتماعى والثقافى والحضارى ، كما ساعدت السيارة عبر شبكة الطرق الحديثة على نقل المنتجات الزراعية والحيوانية إلى المدن المجاورة ففتحت المجال واسعاً أمام زيادة الانتاج .

2–السكك الحديدية :

ظلت سكة حديد الحجاز تعمل حتى البدايات الأولى للحرب العالمية الأولى ، ثم توقفت بصورة نهائية نتيجة لبعض العقبات ، وإدراكا من الملك عبد العزيز طيب الله ثراه لأهميه النقل بالسكك الحديدة باعتبارها وسيلة نقل هامة و لقناعته بدورها في تسريع تنمية وتطوير مملكتة فقد أمر ببناء أول خط حديدى حديث يربط بين ميناء الدمام ومدينة الرياض .

ولقد حرص الملك عبد العزيز رحمه الله على أن يتم إنشاء هذا الخط في أسرع وقت ممكن ، مما يدل على أن المشروع كان يحظى باهتمام كبير منه .

وقد تم الانتهاء من بناء الخط الحديدى بين الدمام والرياض في عام 1951م ، وللرفع من كفاءته فقد تم بناء الميناء الجاف في الرياض للقيام بعمليات الشحن والتفريغ والتخزين والنقل .

وبعد وصول الخط الحديدي للرياض والتثبت من فوائده أمر جلالة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه بدراسة إمكانيه تمديده إلى المنطقة الغربية لخدمة التجمعات السكانية في المناطق بين الدمام وحتى جدة ، وتنشيط حركة التجارة ، وتحقيق المزيد من الترابط بين المناطق ، وعلى الرغم من أن بناء الخط الحديدي بين الرياض والمنطقة الغربية لم يتحقق إلى الآن إلا أن أمر جلالته في ذلك الوقت بدراسة إمكانية تمديده يشهد ببعد نظره وبجدوى الخط الحديدي بين الرياض والدمام .

جـ) النقل البحرى :

قامت السفن منذ زمن بعيد بدور هام في نقل الركاب والبضائع ، وعندما اكتشفت الزيت بكميات تجارية نشطتت عملية نقله من الموانى السعودية إلى الخارج ، وقد تابع الملك عبد العزيز طيب الله ثراه شخصيا بناء الموانى السعودية وتوسيعها لاستقبال السفن التي كانت تحمل اليضائع والمعدات والحجاج والمعتمرين والزائرين وغيرهم ، فعلى سبيل المثال قام الملك عبد العزيز رحمه الله شخصيا بجولة تفتيشة أشرف فيها بنفسة على حركة العمل أثناء تشييد ميناء جدة . ( البلاد 1369 : ع 86 ) .

وفي ميناء رأس تنورة صعد الملك عبد العزيز بنفسه على الباخرة في 11 ربيع الأول 1358 هــ الموافق 1/5/1939م وافتتح مجرى انتقال الزيت فاندفع ما زنته عشرة آلاف طن في جوفها ، وكانت بذلك أول سفينة لتصدير النفط من المملكة العربية السعودية.

ولقد حرصت الدولة على إنشاء الموانى والمرافىء الحديثة على سواحلها البحرية، وربطها بشبكة حديثة  من الطرق لتسهم في سهولة وسرعة نقل السلع والبضائع والمعدات ومواد التجهيزات الأساسية والأفراد من المملكة إلى مختلف دول العالم وبالعكس ، وقد استثمرت المملكة العربية السعودية أكثر من 30 مليار ريال في إنشاء وتجهيز ثمانية موانىء تجارية وصناعية حديثة . (الممؤسسة العامة للموانىء27:1416) .                            

 

الخاتمـــة :

لا شك أن شبكة ضخمة ومتطورة من أنظمة النقل والمواصلات والاتصالات في بلد واسع مترامى الأطراف كالمملكة العربية السعودية هي أشبه بقصة ملحمة وطنية تجسد جهودا استمرت سنوات طويلة , وتحققت بفضل من الله سبحانه وتعالى ثم بحكمة المؤسس العظيم الملك عبد العزيز – رحمه الله – الذي أدرك بحسه الفطري وحكمته وبصيرته النافذة بأن الأمم والممالك لا تنبيء أو تتعزز وحدتها وكيانها إلا بوجود شبكة للنقل والمواصلات والاتصالات تربط مناطقها ومدنها وقراها وتجمعاتها السكانية ببعضها البعض . برا , وجوا وبحرا وعبر الأثير ، وتفعل الترابط الاجتماعي وتنمى النشاط الاقتصادى والاجتماعى والثقافى فبادر ومنذ بداية التأسيس إلى وضع اللبانات الأولى في بنيان هذه الشبكة ، وجاء أبناؤه البررة من بعده الذين ساروا على خطاه واتبعوا نهجه ، فواصلوا البناء مسلحين بعزيمة الرجال ، وحنكة القادة العظام ، واستطاعوا في فترة قياسية من الزمن – هي قصيرة في عمر الشعوب – أن يحققوا هذا الإنجاز الرائد المتمثل في بناء واحدة من أحدث شبكات النقل والمواصلات والاتصالات في هذه المنطقة من العالم وأكثرها تطورا ، والتى تتألف من شبكة ضخمة من الكيلومترات من الطرق المعبدة ، ومنظومة فعالة من وسائل النقل الحديثة البرية والبحرية ، فضلا عن شبكة متطورة من وسائل الاتصال السلكية والاسلكية والبريدية .

وقد شكلت هذه الشبكات – ولا تزال – ركيزة أساسية من ركائز التنمية ، ودعامة رئيسية من دعائم وحدة الوطن ، ووسيلة مثلى من وسائل إثراء الترابط الاجتماعى والثقافي والاقتصادي بين أبناء الوطن الواحد.

بارك الله بلادنا الغالية وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .