مدخــل البحث :
لا
يمكن لأحد أن ينكر دور الاتصالات وأهميتها في وحدة الشعوب ، ومن أجل هذا الهدف
تبنى الملك عبد العزيز رحمه الله (اللاسلكي) وغيره من وسائل الاتصالات الحديثة,
لما رأى فيها من الفائدة والقدرة على مساعدته في توحيد أرجاء البلاد ، وتوطيد
الأمن وتقويه روابط الإخاء في ربوعها .
وقد
لعبت الاتصالات السلكية وغير السلكية مع مطلع هذا القرن " القرن
العشرين" دورا بارزا في السلم والحرب .
كما
قامت بربط المجتمعات الإنسانية بعضها ببعض وتوثيق عرى التواصل الثقافي والتبادل
التجاري بين الشعوب . ولنا أن نتصور ما للاتصالات السلكية وغير السلكية من تأثير
قوي وفعال على اختصار الوقت وقصر المسافات مما جعل العالم اليوم وببساطة في متناول
يد الإنسان .. وما
تقنيات شبكات الكيابل التلفزيونية وشبكات كيابل الفيديو ومحاطات الأقمار الصناعية
والأجهزة الرقمية الحديثة والأجهزة متعددة الإرسال على قناة واحدة ، والتلفزيون
الذكي والتلفزيون ذو المسارين وبرامج الفيديو حسب الطلب وشبكة الانترنت وما لها
وما فيها من الاختصاصات والخدمات العامة مثل :
البريد
الإلكتروني ( E–Mail ) وتزويد الناس بالمعلومات أيا كان نوع هذه المعلومات . كل هذه
التقنيات الحديثة ما هي إلا الوجه الجديد لتكنولوجيا الاتصالات السلكية وغيرها
التي كان الإنسان قد عرفها ابتداء من مطلع
هذا القرن .
وانطلاقا
من الدور المهم الذي أصبحت تشكله تكنولوجيا الاتصالات في وقتنا الحاضر ، خاصة في مجال الاقتصاد
والسياسات الخارجية للدول .. نجد اليوم من
ينظر إلى الاتصالات على أنها النمط الثالث بعد السلاح والمال لغزو الشعوب وفرض
السيطرة الاستعمارية عليها([1]) .
فكرة البحث :
تأتي
فكرة هذا البحث نتيجة لدعوة كريمة تلقاها الباحث من الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية ،
وقد كان أول ما تبادر إلى الذهن أن هناك حلقة شبه مفقودة في تاريخ الاتصالات
السعودية وهى تلك التي تبدأ اعتباراً من تسليم الحجاز للقوات السعودية عام 1344هـ
وحتى العام 1373هـ ، وهو العام الذي توفي فيه المغفور له الملك عبد العزيز بن عبد
الرحمن آل سعود طيب الله ثراه، ومن هنا فقد رأيت أن يكون عنوان هذا البحث "
الاتصالات السعودية في عهدها الأول " .. أي
عهد الملك عبد العزيز رحمه الله .
مفهوم الاتصالات :
الاتصالات
بمفهومها العام تعنى جميع وسائل الاتصال المقروءة والمسموعة والمرئية ، وتقابلها
باللغــة الإنجليزية كلمة ( Communications ) أي وسائل الاتصال أو الاتصالات بشكل
عام ، وإذا ما أضيفت إليها عبارة ( Mass ) يصبح استخدام هذه الكلمة أقرب ما يكون إلى وسائل
الاتصال الجماهيرية مثل : الإذاعة والتليفزيون .
أما
الاتصالات في هذا البحث فإننا نقصد بها الاتصالات السلكية وغير السلكية التي كانت
قد وجدت طريقها إلى البلاد في الفترة المشار إليها ، كما أننا سوف نتعرض في هذا
البحث إلى الخدمات البريدية والإذاعية غير السلكية التي كانت قد وجدت في عهد الملك
عبد العزيز وما يتعلق بذلك من الأنظمة والسياسات الإعلامية التي صدرت في هذه
الفترة ، ولعله من المناسب أن أشير هنا إلى قلة المصادر التي من الممكن الرجوع
إليها لإعداد هذا البحث ، ذلك أنه حتى مع المحاولات التي كانت قد بذلت من قبل بعض
الإعلاميين وذوي الاختصاص من السعوديين خاصة في مجال الكتابة عن تاريخ الإعلام السعودي إلا أن نشأة "
اللاسلكي " ومعه " التليفون " والاتصالات البريدية في عهدها الأول
– عهد الملك عبد العزيز رحمه الله – لم
تعط ما تستحقه من التركيز والاهتمام .
وقد
استفاد الباحث من بعض الجهود التي كانت قد بذلت في هذا المجال ، مثل كتاب : "
البلاد العربية السعودية " للسيد فؤاد حمزة ، وبعض " الذكريات "
الخاصة التي استقاها الباحث مباشرة من بعض الأشخاص الذين كانوا قد عملوا في مجال
الاتصالات خلال هذه الفترة مثل السيد ( محمد سعيد عالم ) وغيره من الأشخاص الذين
سترد أسماؤهم خلال هذا البحث ، إن شاء الله .
وإذا
كان لهذا الباحث من كلمة شكر فهي للقائمين على قسم الوثائق بمعهد الإدارة العامة
لما لقيناه منهم من تعاون ومساعدة خاصة في مجال الحصول على وثائق البحث المطلوبة ،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
الفصل
الأول
مالم
يكن .... كـان ...!
أكثر
من خمس قنوات إذاعية تبث برامجها إلى الداخل والخارج بلغات عربية وأجنبية
متعـــددة وأخرى موجهــــة ، وأكثر من سبع محطـــات تلفازية رئيســــة يدعمها ما
لا يقل عن مائة وثلاثين مركزاً تلفازياً لتقوية الإرسال ، وإيصال بث التليفزيون
السعودي بقناتيه الأولى والثانية إلى أكثر من 90% من سكان المملكة العربية
السعودية عبر الكيابل المحورية وشبكات الميكروويف وأبراج البث الإذاعي والتلفازي
المنتشرة هنا وهناك ، وعبر الأقمار الصناعية إلى دول أوروبا والولايات المتحدة
ومعظم الدول العربية والآسيوية .. حيث يعمل بهذه
المحطات والمراكز الإذاعية والتلفازية
آلاف من الشباب السعودي المؤهل في مجالات تكنولوجيا الاتصال والبرامج الإعلامية ،
ولربما أن البعض من هؤلاء الشباب لا يزال يذكر كيف أن آباءهم أو أجدادهم أو بعضاً
من أقاربهم أو " الجماعة " كانوا يقفون من هذه الوسائل الإعلامية وخاصة
" اللاسلكي " والتلفزيون والراديو موقف المتردد في أمرها وأحياناً
المعارض لاستخدامها ، وكيف كان البعض منهم يرونها ضرباً من السحر وربما من عمل
الشيطان .
تغير
اجتماعي كبير ونقلة حضارية عظيمة لا يمكن لنا أن نراها أو نتصورها الآن إلا إذا
عدنا إلى البدايات وعشنا مع أحداث هذا التغيير والنقلة الحضارية التي قادها الملك
عبد العزيز وتسلمها أبناؤه البررة من بعده الملك سعود والملك فيصل والملك خالد
رحمهم الله إلى أن وصلت إلى عهد الخير .. عهد خادم
الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ، لنرى كيف وضع الملك عبد
العزيز اللبنات الأولى لتأسيس الاتصالات في المملكة ، وكيف تم بناء صرح هذه
الاتصالات وتشييدها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من الانتشار والشمولية .
إن
قصة البداية والنشأة الأولى للاتصالات السعودية تكاد تكون من أغرب القصص التاريخية
في العهد السعودي الحديث ومن أكثرها إثارة لاشتمالها على بعض المواجهات المريرة مع
المفاهيم الاجتماعية السائدة آنذاك في المنطقة ، مما شكل معادلات صعبة للغايــة
بين المفهـــوم السيــاسي والاستشراف الحضــاري الذي كان يقوده الملك عبد العزيز ورجاله
المخلصون وبين المفهوم الضيق الذي كان يجنح إليه البعض ، برغم أن تعاليم الدين
الإسلامي السمحة ترفض العنف والتشدد وتدعو إلى التسامح والتيسير على الناس "
( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ) الحديث الشريف .
وكان
الإخوان من أشد الناس ولاء وطاعة للملك عبد العزيز ومن أكثرهم انتماء للدين والوطن
، إلا أن بعضهم تأثر بمواعظ من أناس جهلوا كنه الوسائل الحديثة فعادوها بل وحرموها
إلا أنه بفضل من الله ثم لحكمة الملك عبد العزيز وحنكته السياسية ، فقد استطاعت
الدولة اجتياز هذه الأزمة وسد هذه الثغرة بأسرع ما يكون من الوقت ، وبرغم التحديات
المالية والاجتماعية والثقافية الكبيرة التي كانت تقف بقوة أمام تحديث البلاد إلا
أن الملك عبد العزيز ، رحمه الله ، قد أخذ على عاتقه بكل قوة وكل عزم وتصميم نشر
وسائل الاتصالات وتطويرها وخاصة ( اللاسلكي ) عبر البلاد .. جنباً
إلى جنب مع التعليم والصحة والزراعة وسائر مظاهر النهضة الحضارية التي نعيش ثمارها
اليوم .
ومع
أن هذه تعد خطوة هائلة وجبارة في مفهوم التنمية الاجتماعية الحديثة إلا أن معظم
المصادر التاريخية التي بين أيدينا اليوم قد أغفلت تماماً جانب تأسيس الاتصالات
كوسائل مفيدة للمليك والوطن وما كانت تقوم به هذه الوسائل وخاصة ( اللاسلكي ) أو
البرقيات في مجال ربط البلاد بعضها ببعض وفرض النظام الاجتماعي وتثبيت قواعد
الاستقرار والأمن الشامل في أنحاء المملكة العربية السعودية ، كما أن ما كتب ، وهو
قليل جداً ، لم يتطرق بشكل أو بآخر إلى الجهد الكبير الذي كان قد بذله مؤسس الدولة
وباني كيانها الشامخ جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود في سبيل
إقناع الذين كانوا يرون حينها وجوب التخلص من هذه الوسائل وعدم جواز استخدامها ،
لأنها في نظرهم وسائل سحرية ورجس من عمل الشيطان ، ولم يكن مصدر الاشتباه هو
التليفون .. لأنه بقطع الأسلاك تنقطع الأصوات
وبتعثر الاتصال من خلال التليفون ، بل كان مصدر الاشتباه الأكبر هو (البرق) أو
(اللاسلكي) الذي ينقل الأصـــوات أو " المخابــرات " من مكان إلى
مكــــان دون أن تكون هنـــاك وسائل مرئية أو تمديدات سلكية محسوسة كما هو الحال
بالنسبة للتليفون .. وإن شيئاَ كهذا في نظر هذه الفئة من الناس ، لا
يمكن إلاّ أن يكون ضرباً من السحر وعمل الشيطان ... ([2]) .
وبرغم
تمكن بعض العناصر من قطع أسلاك التليفون والتدخل في تعثر الخدمات الهاتفيــــة في مكة
المكرمــــة خــــلال العـــام الأول لضم الحجـــاز إلا أن وسيلة " البرق
" أو "اللاسلكي " التي انتشرت بعد ذلك في أنحاء عديدة من المملكة
قد أعيت على بعض "الإخوان" التدخل لإيقاف ما كانت تقوم به من " المخابرات " والاتصال الدائم
والمستمر مع سائر المراكز غير السلكية المنتشرة في أنحاء عديدة من المملكة .. إن
هذا هو السحر المبين .. وإن الملك عبد العزيز في نظر المتشددين
هو المسؤول عن أمر هذا " الإحداث " في الدين، مالم تصدر فتوى شرعية
واضحة وصريحة من العلماء والمشايخ المعروفين آنذاك تبين أمر هذا الوافد الغريب
" اللاسلكي " الذي يأتي بالأخبار وينقل الأصوات من مكان إلى مكان دون
أسلاك ودون أن يراه أحد أو يعلم بحقيقة أمره أحد من الناس ، وفعلاً أصدر علماء
الشريعة في 8 شعبان عام 1345هـ فتوى شرعية تقضي بالتوقف عن القول بتحليل "
البرقي " أو تحريمه .. لأن الجزم
بالتحليل أو التحريم يحتاج إلى الوقوف على حقيقته .
إلا
أن بعضاً من معارضي استخدام " اللاسلكي " لم يقتنعوا بهذا " التوقف
" ظناً منهم أن العلماء ربما كتموا عنهم بعض الأمر في مسألة " اللاسلكي
" فأصدر العلماء مع نهايــــة 1346هـ فتوى شرعية أخــــرى تنص صراحــة على
عدم تحريم " اللاسلكي " أو " الأتيال " بشكل عام لعدم وجود
الدليل الشرعي على ذلك ، وإن من يقول بالتحريم يفتري على الله الكذب وأنهم يبرؤون
إلى الله من ذلك([3]).
وبناء
على هذه الفتوى الشرعية لم يبق للمعارضين أي دليل أو حجة يستندون إليها في تحريم
أو رفض ( اللاسلكي ) الأمر الذي فسح المجال واسعاً أمام الملك عبدالعزيز ومكنه من
تأسيس وتطوير شتى الاتصالات السريعة في بلاده .
وقبل
أن نبدأ في فصول هذا البحث .... هذه هي الصورة
العامة للاتصالات السعودية في عهدها الأول ( 1344–1373هـ ) :
1-
إن جميع الاتصالات كانت عبارة
عن إدارة واحدة تسمى منذ عهد الأتراك بإدارة البريد والبرق والهاتف .. وقدم
البرق على البريد في عهد الملك عبد العزيز نظراً لأهميته . فأصبحت هذه الإدارة
آنذاك تسمى : " الإدارة العامة للبرق والبريد والهاتف " ومقرها مكة
المكرمة .
2-
إن هذه الإدارة كانت تتبع
لوزارة المالية ، إذ لم تكن في ذلك الوقت وزارة للإعلام ولا وزارة للبرق والبريد
والهاتف ، كما هو الحال الآن ، وكان وكيل المالية آنذاك الشيخ عبد الله بن سليمان
وينوب عنه المستشار الشيخ محمد سرور الصبان ، هما اللذان يشرفان على الاتصالات
مالياً وفنياً وإدارياً .
3-
إن البرق أو " اللاسلكي
" في هذا العهد أو هذه الفترة كان عصب الاتصالات السعودية داخل المملكة
وخارجها ، كما أنه يقوم بدور عظيم في ضبط الأمن واستقرار المجتمع وإدارة شؤون
الدولة .
4-
إن فعالية ( اللاسلكي ) وأهميته
الاجتماعية والأمنية كوسيلة اتصال سريعة وناجحة في هذه الفترة كانت قد أدت إلى
قيام أول نظام إذاعي يؤسس في البلاد بنهاية العام 1368هـ ( 1949م) حيث أعلن رسمياً
عن افتتاح إذاعة المملكة العربية السعودية " غير السلكية " من مكة
المكرمة .
5-
إنه خلال هذه الفترة كان الملك
عبد العزيز رحمه الله قد وضع الأطر للسياسة العامة للإعلام السعودي وهو ما يطبق
بالفعل حتى الآن خاصة ما يتعلق بالأهداف العامة لبرامج الإذاعة والتليفزيون
والسياسة الإعلامية المتبعة للوسائل الإعلامية في المملكة كافة .
6-
إنه خلال هذه الفترة كانت قد
نشأت لغة خاصة بهذه الاتصالات وخاصة الاتصالات غير السلكية هي لغة ( مورس ) أو لغة
" الطقطقة " والتي كانت تدرس على نطاق واسع في هذا العهد حتى أصبحت
ثقافة عامة يفهمها كل من كان يعمل في قطاع الاتصالات السعودية في تلك الفترة .
7-
إن خدمات وسائل الاتصالات في
بداية هذه الفترة كانت في معظمها مقصورة على منطقة الحجاز أو المنطقة الغربية وذلك
نظراً لضعف المواصلات وعدم انتشار الكهرباء في أماكن عديدة من المملكة .
هذه
هي صورة الاتصالات السعودية في عهدها الأول وهذا هو التشخيص العام لهذه الصورة
التي نستطيع أن نراها اليوم عليه ، كما أن هذه هي خطوط البحث العامة لدراسة وتحليل
نشأة وتطور الاتصالات السعودية في عدها الأول وهو ما سوف نعرض له بالتفاصيل خلال
الفصول القادمة من هذا البحث ، إن شاء الله .
الفصل
الثاني
اتصالات
الحجاز
كان
الحجاز هو المصدر الأول لنشأة الاتصالات السعودية وتطويرها ، ومن الحجاز انطلقت
تكنولوجيا الاتصال في عهد الملك عبد العزيز لتعم سائر أنحاء البلاد ، ولقد كان
لخبرة الرجال الذين كانوا يعملون في هذه الأجهزة منذ عهد الأتراك أكبر الأثر في
إدارة وتشغيل وصيانة أجهزة الاتصالات السعودية أيام الملك عبد العزيز ، كما أسهم
هؤلاء الرجال في تدريب وتأهيل المئات من الشباب السعودي الذين تولوا مهمة إدارة
وتشغيل وصيانة شبكة الاتصالات السعودية في عهدها الأول .
كان
أول خط ( تلغراف ) عرفته الحجاز هو ذلك الذي أنشأته تركيا أثناء حكم السلطان
العثماني عبد الحميد ( 1293– 1327هـ ) 1876 – 1909م وقد استخدمت الأعمدة الخشبية
لحمل أسلاك هذا الخط الذي أنشئ بمحاذاة (سكة حديد الحجاز) الممتدة من تركيا حتى
المدينة المنورة مروراً بسوريا تقدر بحوالي ( 1300) كيلو متر .
يقول
صاحب كتاب " التاريخ الشامل للمدينة المنورة " : كانت المدينة ترتبط
بالدولة العثمانية بخط " برقي " تمتد أسلاكه فوق الأعمدة الخشبية إلى
معان ومن معان إلى دمشق .. وتمر بالمدن
التي تقع في هذه المنطقة : خيبر وتيماء
وتبوك .. ويتابع الخط البرقي سيره جنوباً إلى
مكة .. وقد أنشئ هذا الخط عام 1318هـ /1900م ،
كما أنشئت في العام نفسه محطة ( اللاسلكي ) وأنشئ خط برقى آخر مواز لخط السكة
الحديد عام 1326هـ ، وعندما وصل الوالي التركي في الحجاز ( فخري باشا ) اهتم
بصيانة محطة (اللاسلكي) 1908م لتشغيلها مع خطوط البرق على أعلى مستوى ، وبنى لها
سوراً واسعاً ، ووصله بسور طويل يمتد جنوباً إلى باب المقابر قرب البقيع .. وقد
عملت المحطة بكفاءة عالية لسنين عدة ، وكانت الوسيلة الوحيدة لاتصال المدينة
بالعالم عندما ضرب عليها الحصار مرتين .. وأسس فخري
باشا أيضاً شبكة اتصال هاتفي داخل المدينة وأحضر مقسماً بسعة (50) خطا هاتفيا ،
ومد جنوده الأسلاك بين إدارات الجيش ومستودعاته ومراكز المراقبة الرئيسية والثكنات
.. ([4]) .
وهو
ما يفسر صمود المدينة أمام قوات الأشراف آنذاك وعدم استسلامها بالسهل الهين إلا عن
طريق المفاوضات والصلح وبعد خضوع ( تركيا ) نفسها للأمر الواقع الذي فرضته القوى
العربية بمساعدة بريطانيا .
وقد أجمل لنا صاحب كتاب " فصول من تاريخ المدينة المنورة " الخدمات
البرقية والهاتفية بالمدينة المنورة إبان حكم الأتراك في الحجاز حيث أشار إلى ما
يلي :
في
سنة 1318هـ/1900م في العهد التركي – أسس الخط السلكي البرقي ، واستعمل في مصالح
الحكومة وأهل المدينة والأعمال التجارية ، وربطت به المحطات الكبيرة بين المدينة
ودمشق مثل العلا ومدائن صالح وتبوك ومعان وعمان ودرعا.. أثناء
سير الخط الحديدي الحجازي .
وفى
سنة 1326هـ/1908م أضيف إلى هذا الخط خط آخر .. مبارياً
للخط الحديدي وربطت به المحطات الصغيرة من المدينة حتى دمشق مثل : الحفيرة ومخيط
وبواط وآبار نصيف والبويرة لضمان انتظام رحلات وسير الخط الحديدي .
وفى
سنة 1335هـ /1916م – في العهد التركي – أسس الهاتف السلكي ، واشتغل على سنترال
سعته (50) نمرة وكانت تستعمله القوات العسكرية فقط وفي نفس العام (1335هـ) أسست
حكومة الأتراك البرقي غير السلكي وكان له عمود مرتفع عال ومشدود بأسلاك ضخمة مثبتة
في الأرض ، وبني له حوض بسور عال خارج باب الشامي شمال المدينة خلف المصانع على
طريق العيون ، واستخدم لمواصلات المدينة البرقية إرسالاً واستقبالاً ..
([5]) .
وهكذا
فقد كان الهدف من هذا الحظ تأمين الاتصال السريع والمباشر بين محطات القطار في كل
من إستانبول ودمشق والمدينة المنورة ... وكذلك ربط
منطقة الحجاز بمركز الخلافة العثمانية إستانبول ، ومن هنا فقد بدأت وسائل الاتصال
في الحجاز ( سلكية ) كما هو الحال في جميع دول العالم في تلك الفترة ، إلا أنه مع
بداية هذا القرن ونظراً للنجــاح التاريخي الكبـــير الذي أحـــرزه المخترع
الإيطــالي ( جوجليلمو ماركونى ) عام (1901م ) في إرسال والتقاط أول إشارة (
لاسلكية ) عبر المحيط الأطلسي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة بدأت الدول في
التخلص التدريجي من الأسلاك لتعتمد بدلاً منها على الاتصالات غير السلكية ، فقد
أدركت بريطانيا قيمة هذا الاكتشاف المهم الذي قدمه ( ماركوني ) للعالم واعتمدته
عام (1902م ) نظاماً أساسياً في أسطولها الملكي عبر البحار([6]) ،
كما لجأت تركيا أثناء الحرب العالمية الأولى (1914– 1918م ) إلى إقامة مركزين غير
سلكيين كبيرين في كل من المدينة وجدة وذلك نظرا لسهولة تخريب هذه الأسلاك وأتلفت
أجزاء كبيرة من سكة جديد الحجاز أثناء
المناوشات التي كانت قائمة بين ما كان يسمى بجيش الثورة العربية والوجود التركي في
المنطقة .
وبانتهاء
الحرب العالمية الأولى وخروج الأتراك نهائيا من الحجاز انقطع الاتصال السلكي بين (
إستانبول ) والمدينة المنورة .. وظل
الاتصال غير السلكي مستمرا .
وإلى
جانب المركزين غير السلكيين اللذين كانت تركيا قد أقامتهما في كل من المدينة وجدة
, قامــت تركيا أيضا بوضع خـــط هاتفي بين كل من مكة المكرمة وجـــدة مما شكل أول
شبكة للاتصالات غير السلكية في الحجاز .
وبعد
خروج الأتراك العثمانيين من الحجاز عمل الإشراف بمساعدة بريطانيا على نشر المزيد
من مراكز الاتصالات في المنطقة . وقد شملت هذه التوسعة كلا من مدن الطائف والقنفذة
وينبع وبعض المدن والمراكز المهمة في
المنطقة .
وقد
حفظـــت لنا " القبلة " الجريدة الرسمية لحكومة الأشراف في الحجاز التي
كانت تصدر أثناء الحرب العالمية الأولى بعضا من أخبار الاتصالات وتطويرها في
المنطقــــة... ([7]) ففي العدد 9
من جريدة "القبلة " الصادرة يوم
الإثنين 14 ذي القعدة عام 1334هـ (1915م ) نجد ما يعد وصفا تفصيليا لحالة شبكة
التلفون الحجازية في تلك الفترة :
"
كان التليفون في زمن الحكومة السابقة ( حكومة الأتراك ) لا يوجد إلا في أربعة مراكز : اثنان منها في دائرتي الملكية
والعسكرية في مكة المكرمة واثنان في دائرتي الملكية والعسكرية في جدة ، فأصبحت
الأسلاك التليفونية ممتدة في مكة المكرمة وبين دار الإمارة الجليلة والقصر العامر
ودار البلدية والثكنة العسكرية وإدارة جريدة القبلة ومركز التليفون العام . ويوجد
غير ذلك تليفون لمخاطبات الأهالي والتجار بين مكة المكرمة وجدة .
وهناك
أيضا مراكز التليفون العام وتليفون لمخاطبات الأهالي والتجار . كل هذه المراكز
متصلة بين البلدين ( مكة وجدة) كما هي متصلة قي البلد الواحد " .
"وفي
العدد 29 الصادر يوم الخميس 27 محرم عام 1335هـ
(1916م) نجد وصفا أحر لإدارة
البريد والبرق الجديدة في جدة حيث تقول " القبلة " :
"
كانت دائرة البريد والبرق في جدة من
الدوائر التي لمستها يد الإهمال المعلومة في زمن الحكومة السابقة فكانت تلك
الدائرة : هناك غرفة صغيرة يقطعها حاجز خشبي بسيط يفصل بين عمال الدائرة وبين
أصحاب المصالح . فلما منّ الله على هذه الديار بنهضتها المباركة وبدأت الإصلاحات
تتناول معاهدها ومرافقها بالتدرج فنالت دائرة البريد والبرق في جدة قسطا من ذلك .
فقد
علمنا من أخبار جدة أن تلك الدوائر انتقلت من مكانها الأول التي كانت تقيم فيه
بالأجرة واتخذت لها مكانا حسنا خاصا بها ولائقا بمركزها وقد وضعت فيه الأثاثات
الجميلة ونظمت أحسن تنظيم " .
كما نشرت صحيفة ( القبلة ) قي العدد 74
الصادر 74 يوم الإثنين 9 رجب عام 1335هـ
خبرا عن عدد التليفونات الرسمية آنذاك في كل من مكة المكرمة وجدة جاء فيه :
" بلغ عدد التليفونات الموضوعة في
الدوائر الرسمية بمكة وجدة ( 42 ) تليفونا وقد كان عددها في الزمن السابق
لا يتجاوز عدد الأصابع " .
ولا
يخفى على القارئ الكريم ما لهذه الأخبار من إشارات واضحة للتعريض بحكومة الأتراك
والتقليل من الإصلاحـــات التي كانوا قد قاموا بها في الحجاز ولا غرو أو غرابة في
ذلك إذا عرفنا أن سنوات الحرب العالمية الأولى . كانت أيضا سنوات صدامات حربية
ومناوشات سياسية بين الأشراف وما كان يسمى بجيش الثورة العربية المدعوم من بريطانيا من جهة والوجود
التركي من جهة أخرى .. ولكنه من الواضح أن الأتراك لم يرحلوا
من المنطقة إلا بعدما تم تأسيس أول شبكة اتصالات سلكية وغير سلكية في كل من مكة
المكرمة وجدة والمدينة المنورة .
تقول " القبلة ": في العدد (
274) الصادر في 16 رجب 1337هـ ( 1918م )
في معرض الحديث عن توسعة هذه الشبكة :
" تم إرسال ماكينتين سيارتين غير سلكيتين ومأموري
المخابرة والفن إلى ينبع وجدة ليؤسسوا
هناك مركزين . ولا يخفى على المطلع ما ينجم من هذا الفعل المصيب كتسريع
المخابرات الرسمية وتسهيل مصالح العباد .. لأن البرقيات التي تسحب من قبل التجار والأهالي
من المحليين المذكورين إلى " طيبة " زادها الله شرفا وتكريما ستقبل بأجورات
متهاودة ... فأهلا بالرقي والعمران " .
كما جاء في العدد ( 278) من صحيفة
" القبلة " الصادر يوم
الخميس 1 شعبان 1337هـ (1918م) ما يلي :
" علمنا بمزيد من السرور أن حكومتنا السنية
قد أخذت التدابير والوسائل اللازمة لتمديد الأسلاك البرقية بين مكة المكرمة
والطائف وأنه سيشرع بهذا العمل النافع في أقرب وقت " .
وفي العدد ( 573 ) الصادر في 1 شعبان
1340هـ ( 1992م ) نطالع ما يلي :
" علمنا أن إجارة عموم البريد
والبرق أخذت في تجهيز الآلات والأدوات
اللازمة لتأسيس مركزين للبرق والهاتف في كل
من" العقبة " و "القنفذة " وستوجه هذه الآلات والأدوات مع مأموريها الذين يقومون بشؤونها من جدة
إلى الموقعين المذكورين في أول بريد .وعند الوصول إليهما يجري التأسيس
والمخابرة ".
وإلى جانب قيام هذه الشبكة السلكية وغيرها في
الحجاز كان هناك أيضا قانون منذ عهد الأتراك ينظم استخدام وسائل الاتصالات في هذه
الفترة وخاصة البرقيات نشرتـــــه ( القبلة ) في العدد 70 الصادر يوم الإثنين 24 جمــــادى الآخرة 1335هـ([8]) .
وقد
صدر الأمر السامي الكريم رقم ( 8792) وتاريخ 11–12 / 9/ 1356هـ بالموافقة على
مشروع نظام " البرق " الجديد الذي كان قد رفعه معالي رئيس مجلس الشورى
آنذاك إلى حضرة صاحب السمو الملكي نائب
جلالة الملك المعظم .
ومن
المعروف أن هذا النظام الجديد قد تم إعداده من قبل المديرية العامة للبرق والبريد
وقد اشتــــمل على بعض الفقــرات الواردة في القانـــــون القديم مع بعض التعديل
...([9]).
وإذا
كانت صحيفة " القبلة " قد نقلت إلينا بعضا من أخبار تأسيس الاتصالات في
الحجاز خلال فترة حكم الإشراف ( 1335–1343هـ) (1916–1924م) إلا
أننا , وللأسف , ولا نجد اليوم شيئا من
الصادرات التاريخية " العربية " يتحدث لنا ولو بقليل من التفصيل عن دور
العثمانيين في تأسيس أول شبكة اتصالات سلكية وغير سلكية بالمنطقة أكثر مما تمت الإشارة إليه في بدايات هذا البحث
.
الفصل الثالث
مراحل شبكة الاتصالات السعودية
دخلت القوات السعودية مكة المكرمة في شهر ربيع
الأول سنة 1943م وبعد عام من هذا التاريخ تم انضمام الحجاز بأكمله للملك عبد العزيز ،
ومن ثم أصبحت جميع الاتصالات وسائر الأجهزة الفنية والإدارية تحت الإدارة
السعودية . وتروي لنا المصادر التاريخية التي بين أيدينا اليوم أن شبكة الاتصالات
السلكية وغير السلكية التي كانت موجودة
آنذاك كانت عبارة عن خط تلفوني يربط ما بين مكة المكرمة
وجدة والطائف ويستخدم فقط للأغراض الرسمية ، وسبعة مراكز غير سلكية في كل
من :
1-
المدينة المنورة .
2-
جازان .
3-
أبها .
4-
الوجه .
5-
ضبا .
6-
رابغ .
وذلك للإضافة إلى مركز جدة (
الدولي ) باعتباره المركز الرئيسي العام
الذي يستلم " المخابرات "
ويوزعها بين هذه المراكز . وقد شكل هذا
الخط التليفوني مع المراكز غير السلكية الثمانية المشار إليها المرحلة الأولي لشبكة
الاتصالات السعودية في عهدها الأول – عهد
الملك عبد العزيز رحمه الله – استمرت هذه
الشبكة قرابة سبع سنوات دون تبديل أو تعديل أو تطوير يذكر ما عدا زيادة
سنترال التليفونات في مكة المكرمة من 100 خط
إلى 200 خط خلال هذه الفترة ([10]) .
وتنقسم
مراحل إنشاء وتطور شبكة الاتصالات السعودية في عهدها الأول ، من وجهة نظرنا ، إلى ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى : وتبدأ من تسليم الحجاز للملك عبد العزيز عام 1344 هـ وحتى
نهاية الأربعينيات الهجرية .
المرحلة الثانية : من بداية الخمسينيات الهجرية وحتى عام
1358هـ .
المرحلة الثالثة : من عـــام 1358هـ وحتى 1373هـ العــــام
الـــــذي توفي فيــــه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود طيب الله
ثراه بعد مسيرة توحيد وبناء استمرت لأكثر من خميسين عاما ، لعبت الاتصالات السعودية وخاصة غير السلكية
منها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من هذه الأعوام دورا مميزا في ربط البلاد بعضها
ببعض وتثبيت عري الأمن والاستقرار عبر رقعة المملكة العربية السعودية .
ولا نجد اليوم من يتحدث لنا بوضوح أو
إيضاح مرض عن هذه المراحل الثلاث مثل
السيد " محمد سعيد أحمد عالم "
أحد الرواد الأوائل في ميدان الاتصالات والذي كان قد عمل بإدارة البريد
والبرق بمكة المكرمة منذ عام 1346هـ واستمر عمله في مجال الاتصالات عبر ما يزيد
على (45 ) عاما .
يقول
السيد محمد سعيـــد عالم عن نفسه في إحدى مذكراته التي أرسلها للباحث ما يلي:
أنا
من مواليد مكة المكرمة عام 1334هـ التحقت بمدرسة ابتدائية أهلية بحارة الباب للشيخ
سليمان النوري ، ثم التحقت بمدرسة الفلاح ، وفي عام 1344هـ التحقت بمدرسة الطب
بالمستشفى العام بأجياد لمدة عام واحد ,
ولقفل المدرسة المذكورة التحقت " ملازما " أي : ( تحت التدريب) بإدارة البريد والبرق عام 1346 هـ ومكثت بها
سنة كاملة بدون راتب . وكان أستاذي في فن " المخابرة " "الشيخ
( عبد الله كاظم ) المدير العام لهذه الإدارة ، لأنه لم تكن هناك
مدرسة خاصة بهذا الفن . وقد تدرجت في أعمال الإدارة من بريد وبرق وهاتف وحاصلات
وإداريات ولاسلكيات وفنيات هندسية للمراسلات والأواخذ ( مكائن الاستقبال )
حتى عام 1394هـ حيث بلغت السن القانوني وفضلت التقاعد .
وفي
مذكرة أخرى تلقاها الباحث في 10 رجب عام 1416 هـ بعنوان " لقاء مع السيد محمد
سعيد أحمد عالم : أحد رواد البرق والهاتف
السعودي " جاء فيها :
التحقت
بإدارة البرق والبريد ولم يكن عدد العاملين بها يتجاوز الثلاثين فردا ، وكانت بجوار الحرم ، وتعلمت المخابراة ( المبرقات ) وكان أستاذ في الفن هذا ( عبد
الله كاظم ) , وعشقت فن المخابرة . وبعد
ثلاثة أشهر استوعبت العمل ودخلت للتمرين
العملي في المخابرات البرقية ( السلكية )
بين جدة ومكة والطائف مستفيدا من كتاب (شيفرة ) مورس . تطورت الإدارة بعد
ذلك وكان غير السلكي بها ضعيفاً ، وكانت هي سبعة مراكز ، وأمر الملك عبدالعزيز
بتجهيز لاسلكي في مكة ، وأحضرنا جهازاً غير سلكي محمولا على سيارة للتجربة ووضعناه
في ( الششة ) وجاؤوا بأحد المآمير القدامى وكنت مساعدا له ... أنا
لا أعرف ( لاسلكي ) أعرف "مخابرة " فقط ( برقيات ) وبعد عدة تجارب نجح
غير السلكي في مكة ووضعت السماعة للملك فسمع صوت مركز "ضباء" يقول له
بالإشارة غير السلكية " كل عام وأنتم بخير .. يا
طويل العمر " .. وأحضرنا له المدينة وسمعها كذلك ،
وبعدها أمر جلالة الملك عبد العزيز المسؤولين بأن يضعوا جهازاً كبيراً من نوع (
ماركوني ) للاتصال بالمراكز ، وعندما نجحت التجارب أمر الملك بأن يكون هناك جهاز
آخر طبق الأصل في الرياض في أوائل الخمسينيات الهجرية .. واتصلنا
بالرياض والرياض اتصل بنا .. وأمر الملك
بأن يتم تحديث الأجهزة وجاءت شركة ( آر.سي.إيه R.C.A )
ووضعت أجهزة جديدة ، وصار الاتصال بين المدن ، وأمر الملك بأن يكون في كل مدينة
جهاز لاسلكي ، كما أمر جلالته بإنشاء مدرسة لتخريج أفراد يقومون بتشغيل هذه
الأجهزة ويكون الطلبة من نفس البلد،، والمدرسة أدت رسالتها إذ إنه من عام (1361–
1394هـ ) كان قد تخرج منها ثلاثة آلاف وتسعمائة طالب وصاروا موظفين .. وعندكم
منهم ناس في الإعلام وكذلك في الدفاع والخارجية والحرس الوطني .
هذه
الرسالة – ولا شك – هي إحدى الرسائل التي أعتز بها . وقد وضعتها في ملف المراجع
العلمية نظراً لقيمة محررها التاريخية.. حيث إن السيد
( محمد سعيد عالم )، كما أشرنا هو من الرواد الأوائل الذين أسسوا الاتصالات
السعودية في عهدها الأول .. عهد الملك (
عبد العزيز ) رحمه الله ، وعمل بها ولها عبر خمسة وأربعين عاماً متتالية وإنه
اليوم ، وبمناسبة " الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية "
ليستحق من حكومة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز أرفع أوسمة
الوفاء والتكريم لما قدمه لأمته وبلاده من جهود مخلصة ولدوره الريادي في تأسيس
الاتصالات السعودية عبر مراحلها الأولى المتقدمة ، وتأهيل آلاف الشباب السعوديين
للعمل في صيانة وتشغيل أجهزة الاتصالات في المملكة وخاصة فن المخابرات أو
الاتصالات غير السلكية([11]).
وبقراءة سريعة لهذه الرسالة نجد أن كاتبها ( محمد سعيد عالم ) قد استعرض لنا المراحل الثلاث لنشأة وتطور الاتصالات السعودية في عهدها الأول وإن لم يذكر لنا ذلك بالتفصيل ، إضافة إلى الحديث عن المدرسة ( السلكية واللاسلكية ) التي أمر الملك عبد العزيز بإنشائها في مكة المكرمة إذ إن الإشارة إلى قلة عدد العاملين بإدارة البرق والبريد آنـــذاك وضعــــف الإرسال وعدد أجهـــزة ( اللاسلكي ) أو ( المبرقات ) الــذي لا يتجاوز السبعة أو ثمانية مراكز إنما كان إيجازاً سريعاً للمرحلة الأولى ، كما أن الجهاز غير السلكي الذي أمر الملك عبد العزيز بوضعه في مكة المكرمة والجهاز الآخر الذي وضع بالرياض .. وكلاهما من نوع ( ماركوني ) " البريطانية " إنما كانا جزءاً من الصفقة أو المقاولة التي وقعت في الطائف عام 1349هـ بين الحكومة السعودية ويمثلها الشيخ عبدالله السليمان الحمدان والشركة الشرقية المتحدة ويمثلها السيد ( هاري سانت جن فيلبى ) والتي جاء فيها ما معناه : يتعهد الطرف الثاني ( الشركة الشرقية المتحدة ) بأن يجلب للطرف الأول ( الحكومة السعودية ) عدداً من الأجهزة غير السلكية ، كان من ضمن هذه الأجهزة هذان الجهازان العملاقان قوة كل واحد منهما ستة كيلوات ، وهو ما يمثل في نظرنا ، انطلاقة المرحلة الثانية لتأسيس وتطور الاتصالات السعودية في عهد الملك عبد العزيز كما سيأتي الحديث عن هذه المرحلة لاحقاً (*)