تشكل هذه الورقة إطلالة سريعة على مدة
زمنية وإن كانت قصيرة في عمر الزمان إلاّ أنها أحدثت تحولات استوقفت أمامها
الكثيرين ، إنه قرن من الزمان بدأه المغفور له – إن شاء الله –جلالة الملك عبد
العزيز بن عبد الرحمن آل سعود واضعاً نصب عينيه المحافظة على كل موروث عربي أصيل
برؤية إسلامية شكلت تياراً وحّد الصف ، وجمع الشمل ، ونما وأخذ بعدا إنسانيا
عالميا بلغ حد الريادة، يتناول البحث جانبا من جوانب المحافظة على التراث الفطري
العربي في المملكة العربية السعودية بمناسبة مائة عام على تأسيس المملكة العربية
السعودية .
أدرك الملك عبد العزيز – رحمه الله –
أهمية المحافظة على الجزيرة العربية ، التي تحتضن بين جنباتها المقدسات الإسلامية وقبلة
المسلمين ، وتتصف بندرة مواردها الطبيعية المتجددة في هذه البقعة الجافة من العالم
، وعندما وحد أرجاء البلاد في مملكة واحدة شعارها " لا إله إلا الله محمد
رسول الله " عمل على إلغاء المفاهيم التي تكرس الملكية الفردية للموارد
وتطبيق الشكل العملي لحقوق استثمار الثروات مثل الماء والمراعي والأشجار ، وفى هذا
الإطار تطورت مفاهيم الحرم والحمى التي كانت تعبر عن استعداد القبيلة للدفاع عن
حقوقها في شكل نزاعات قبلية لتصبح كل ما من شأنه تحقيق المصلحة العامة والعدالة
الاجتماعية في الانتفاع بتلك الموارد .
ولا عجب فيما أدركه الملك عبد العزيز –
طيب الله ثراه – فقد رافق النصف الأول من حقبة الأعوام المائة صراعات استعمارية
كثيرة حول المناطق الاستراتيجية في العالم . وكان لزاماً على رجل يتمتع بصفاته أن
يسلك كل مسلك للمحافظة على البيئات الطبيعية الفريدة في ربوع البلاد ، وظهرت المملكة
العربية السعودية وقتئذ بوصفها قوة سياسية كمركز ثقل للعالمين العربي والإسلامي ،
وقد شهدت التنظيمات السعودية الخاصة بالمحافظة على الموارد الطبيعية في الآونة
الأخيرة إمكانيات عملية تستوعب التطورات الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل
.
تقع المملكة العربية السعودية بين
دائرتي عرض 16، 29 شمالاً وخطي طول 35 ، 55 شرقاً أي أنها تقع في نطاق الصحاري
الحارة الجافة ذات الأراضي الهامشية والنظم البيئية الهشة ، وتبلغ مساحة المملكة
حوالي 2.25.000 كيلو متر مربع معظمها من أراضي المراعي .
وهناك أنواع عديدة يمكن تمييزها كوحدات
تضاريسية رئيسة في المملكة (العودات وآخرون ، 1405هـ : 207–210) نوجزها فيما يأتي
:
1- المرتفعات الجبلية : وتضم سلسلة جبال الحجاز التي تمتد من
الشمال إلى الجنوب وتفصل بين هضبة نجد إلى الشرق وبين سهل تهامة الساحلي إلى الغرب
، بمحاذاة البحر الأحمر ، وهي مرتفعات شديدة الوعورة ، تتكون من صخور جرانيتية
وبركانية تنحدر انحداراً هيناً نحو الشرق ، وانحداراً حاداً سريعاً نحو الغرب ،
ويبلغ أقصى ارتفاع لها نحو 3700 متر فوق سطح البحر في جبال السروات .
2- سهل تهامة الساحلي : ويفصل بين المرتفعات الجبلية والبحر
الأحمر ، وهو عبارة عن سهل مستو يضيق في جزئه الشمالي عند خليج العقبة ، ويتسع
كلما اتجهنا جنوباً حيث يصل عرضه إلى نحو 40 كيلو متر ، ويتميز بخصوبة تربته لا
سيما في الجزء الجنوبي منه بسبب ما يصل إليه من طمي الجبال مع السيول الصيفية
المتدفقة عليه منها .
3- هضبة نجد : وتمتد من المرتفعات الجبلية ( جبال السروات )
غرباً إلى صحراء الدهناء شرقاً ، وتنحدر انحداراً خفيفاً نحو كل من الشمال والجنوب
، وهناك بعض الجبال المتناثرة في هضبة نجد مثل جبال شمر وجبال طويق ، كما ينتشر
فيها عدد من الواحات الغنية بالمياه الجوفية مثل القصيم والوشم والخرج والأفلاج ،
كما يوجد فيها عدد من الأودية التي تجري في بعض السنوات مثل وادي حنيفة ووادي
الرمة ووادي برك ووادي الدواسر .
4- السهل الساحلي الشرقي على الخليج العريي : ويمتد بمحاذاة
الخليج العربي، ومعظم أراضيه ملحية ورملية ، ومنه سهل الإحساء ذو الينابيع الكثيرة
في المنطقية الشرقية من المملكة .
5- الصحارى الرملية : وتضم صحراء النفوذ في الشمال ، وصحراء
الدهناء في الشرق وصحراء الربع الخالي في الجنوب ، إلى جانب بعض الأجزاء الصحراوية
الوسطى . وتنتشر فيها الكثبان الرملية ، وهناك أيضاً الكثبان الرملية الشاطئية
البيضاء التي توجد في بعض مناطق السهل الساحلي على الخليج العربي .
6- منطقة الصحراء الحصبائية : وتنتشر في أجزاء من المنطقة الوسطى
لاسيما في الجنوب والغرب وكذلك في غرب المنطقة الشمالية ، وتشكل مناطق منعزلة
متناثرة يكثر فيها الحصى الذي تزداد كثافته وحجمه في بعض مناطقها مكوناً كتلاً
حصوية سوداء اللون تحجز بينها فراغات تتجمع فيها التربة الناعمة كما هو الحال في
" الحرات " مثل حرة الحرة في الشمال الغربي من المملكة والحرات المحيطة
بالمدينة المنورة .
7- مناطق البيئات البحرية : تشكل البيئات البحرية في البحر
الأحمر والخليج العربي مساحات شاسعة تحوي مجموعات إحيائيه نباتية وحيوانية عالية
التنوع والإنتاجية . ففي المناطق الساحلية تعيش الطحالب الزرقاء والخضراء والقواقع
والقشريات وغيرها ، فضلاً عن الحياة النباتية المتمثلة في غابات الشورة والقندل
وغيرها من نباتات ملحية ، وفي مناطق الرفوف البحرية تعيش كثير من الأنواع السمكية
والثدييات البحرية ، وأما في مناطق التيارات الصاعدة فتعيش معظم الأسماك
الاقتصادية إضافة إلى الكائنات الأخرى ، وتفتقر بيئات المياة العميقة إلى التنوع
الأحيائي الموجود في باقي البيئات البحرية ، وتعد أقلها إنتاجية .
وتقع معظم أراضي المملكة العربية
السعودية في المنطقة الصحراوية العربية داخل نطاق الصحاري الحارة الجافة التي
تتميز بظروف بيئية شديدة سواء من ناحية المناخ أو التربة ، إذ يتراوح معدل تساقط
الأمطار السنوي في معظم مناطقها بين صفر و 100 مم ومتوسطها من 25 إلى 50 مم
باستثناء الجبال الغربية والجنوبية الغربية التي يصل معدلها السنوي إلى 655 مم (
أبو الفتح ، 1411هـ : 164) فضلاً عن عدم انتظام سقوط الأمطار في الزمان والمكان ،
مع ارتفاع شديد في درجة الحرارة وانخفاض الرطوبة النسبية في معظم شهور العام ، حيث يسودها صيف طويل جاف شديد الحرارة
، أما الشتاء فقصير معتدل الحرارة تسقط فيه الأمطار في السنوات المطيرة ، وليالي
الشتاء باردة خاصة في المنطقة الشمالية حيث يتكرر تكــــوّن الصقيع ، وتتميز
التربة بارتفاع نسبة الملوحة فيها وقلة خصوبتها بشكل عام .
وبرغم هذه
الطبيعية الجافة القاسية التي تعاني منها البيئات والمواطن الطبيعية في المملكة ،
إلا أنها تتمتع بتراث فطري فريد تزخر بها نظمها البيئية الطبيعية المتنوعة من رمال
مفتوحة إلى وديان وروضات مرتفعات وجبال وسباخ ساحلية وداخلية وحرات وشواطئ ساحلية
، وتوجد أكبر نسبة من التنوع الفطري ، لاسيما التنوع النباتي ، في المرتفعات
الجنوبية الغريبة التي تتمتع بمناخ أكثر رطوبة وأقل حرارة وبمعدل نسبى أعلى من
تساقط الأمطار وتسود فيها غابات العرعر التي هي من أهم غابات المملكة ( العودات
وآخرون ، 1405هـ : 211–221 )
ويأتي الغطاء
النباتى في مقدمة أشكال الحياة الفطرية من حيث الأهمية في تكوّن النظم البيئية
الطبيعية في المملكة لأنه يشكل مستوى الأساس الأول في الشبكة الغذائية الحيوية
التي تديرها النظم البيئية ، وهو مستوى " المنتجات " التي تقوم بتوفير
المادة والطاقة اللازمة لاستمرار حياة كل أشكال الحياة الأخرى بما فيها الإنسان .
ويتميز
الغطاء النباتي في المملكة بخصائص هي خصائص الغطاء النباتي الصحرواي ( تشايلد
وجرينجر، 1411هـ: 76 Child & Grainger ,
1990 ) حيث تسوده الأنواع الحولية خاصة الموسمية منها
، التي تتم دورة حياتها وتنتج بذورها خلال فصل نمو قصير ربما لا يتعدى شهراً
واحداً بعد سقوط الأمطار ثم تذوى وتموت ، وتأتي بعدها أنواع الأعشاب والحشائش
المعمرة التي تحتفظ ببقائها من عام إلى عام عن طريق التراكيب الأرضية لها من
جذامير وأبصال ودرنات وغيرها حيث تظل هذه التراكيب حية كامنة في التربة خلال فصل
الجفاف بعد أن تذوى مجاميعها الخضرية النامية فوق سطح التربة بسبب الجفاف ودرجات
الحرارة الملتهبة .
وعندما
تتوافر الرطوبة الأرضية ودرجات حرارة التربة والجو المناسبة فإنها تنشط معتمدة على
الغذاء المخزن فيها ويكون مجاميع خضرية جديدة تستكمل دورة نموها ثم تذوى هذه
المجاميع الخضرية وتموت وتبقى هذه التراكيب الأرضية كامنة في التربة حتى فصل النمو
الجديد وهكذا .
وأخيراً هناك
نسبة محدودة جداً من الأنواع النباتية الخشبية الشجيرية والشجرية التي تشكل الغطاء
النباتي الأخضر المستديم ، ومن المعروف أن أكثر من 95 % من مساحة المملكة عبارة عن
أراضي مراعٍ تسودها الأنواع الحولية والعشبية والحشائش المعمرة عن طريق التراكيب
الأرضية ، وأن مساحة الغابات لا تزيد عن حوالي 7000 هكتار تتركز في المرتفعات
الغربية والجنوبية الغربية مع قليل من الأشجار والشجيرات الخشبية المتناثرة في
النظم البيئية الأخرى مما يعطي هذه الأشجار والشجيرات أهمية خاصة في تركيب الغطاء
النباتي ، وذلك أنها تمثل الغطاء النباتي المستديم الذي يقوم بالدور الرئيس في
المحافظة على سلامة النظم البيئية الطبيعية وانتاجيتها وكفاءة أدائها ، فضلاً عن
دوره المهم في المحافظة على قوام التربة وحمايتها من الانجراف واكسابها القدرة على
تشرب مياه الأمطار الساقطة عليها وتقليل سرعة جريان السيول وإعادة ملء خزانات
المياه الجوفية من مياه الأمطار الساقطة ، فضلاً عن زيادة السحب المارة بها في
المرتفعات الجبلية ، أضف إلى ذلك أهمية الأشجار في المحافظة على اتزان الغازات
المكونة للغلاف الغازي اللازمة للحياة في المحيط الحيوي للإنسان وغيره من الأحياء
الأخرى وفي استقرار المناخ ومنع استثارة الظواهر الطبيعية المدمرة التي نراها تحدث
حالياً في كثير من مناطق العالم من أعاصير
مدمرة وفيضانات كاسحة وحرارة شديدة وجفاف قاتل بسبب إزالة الغطاء النباتي الشجري
في الغابات المدارية واستنزاف الغطاء النباتي وتدميره بشكل عام .
إلى جانب ما
سبق فإن وجود الأشجار في النظم البيئية الطبيعية ضروري ولازم لأنها تمثل الموائل
الطبيعية لأنواع كثيرة من الحيوانات العاشبة التي تشكل المستوى الاستهلاكي الأول
في النظم البيئية الطبيعية الداعمة للحياة ، ويترتب على وجود هذه العاشبات وجود
أنواع الحيوانات الأخرى التي تتغذى عليها وتمثل المستوى الاستهلاكي الأعلى في
الشبكة الغذائية أي أنها ضرورية لاستكمال مقومات النظم البيئية الطبيعية التي
تمكنها من أدائها لوظائفها ، وتحافظ لاستكمال مقومات النظم البيئية الطبيعية التي
تمكنها من أدائها لوظائفها ، وتحافظ على الاتزان البيئي وتمنع اختلاله (Chaudary 1989: 156–163 ). ومن
الثابت نتيجة للدراسات العلمية والممارسات الفعلية أن نظم المراعي الجافة التي
تسود أراضي المملكة العربية السعودية هي نظم بيئية مبسطة التركيب هشة التوازن
قليلة الإنتاج بوجه عام نظراً للظروف البيئية المتطرفة التي تحيط بها وقسوتها وعدم
توافر المياه وقلة خصوبة التربة وارتفاع درجة ملوحتها ولذلك يسهل تدمير هذه النظم
البيئية الهشة متى أسيئ استخدامها بما يزيد عن طاقتها الإنتاجية ( دراز 1385هـ :
8) .
ويظهر من ذلك
بوضوح تام أن سلامة النظم البيئية الطبيعية وقدرتها على أداء وظائفها الإيكولوجية
والمحافظة على إنتاجيتها الداعمة للحياة تتوقف على وجود جميع أنواع الأحياء الفطرية
النباتية والحيوانية والميكروبية العاملة فيها وقيامها بوظائفها بالقدر الذي يحدده
الاتزان البيئي بينها لما فيه استقرار النظام البيئي الطبيعي .
بدأت علاقة
الإنسان بالبيئية في شبه الجزيرة العربية منذ حوالي مائتي ألف عام من الزمان عندما
وطئت أقدام إنسان العصر الحجري الأول أرض الجزيرة العربية، وربما كان ذلك في ساحل
تهامة لأول مرة ، واستمرت حياة هؤلاء البشر محدودة العدد والعدة معتمدين كلية على
مواردها من الأحياء الفطرية النباتية والحيوانية ما يقرب من نصف هذه الحقبة
الزمنية ، وكانت الجزيرة العربية في ذلك الزمن مروجاً وأنهاراً وأيكات وارفة
الظلال تموج بأنواع الأحياء الفطرية التي تنتشر في جبالها وسهولها ووديانها .
وكانت هذه الأودية دائمة الجريان وقد تكون فيها عدد من البحيرات التي نمت من حولها
أنواع متكاثفة من النباتات بجول بينها أنواع متعددة من الظباء والحمر والخيول
البرية والإبل البرية والأفيال وأفراس النهر وغيرها . وتدل الدراسات التي أجريت
على الأودية والبحيرات القديمة وبقايا النباتات والحيوانات التي عثر عليها في
مناطق متعددة من شبة الجزيرة العربية على أنها كانت تحت تأثير فترات مطيرة متتالية
كان آخرها منذ حوالي 6000عام وكانت المنطقة تشبه إلى حد كبير بيئات الأراضي
العشبية المدارية ( أراضى الأعشاب الطويلة ) الموجودة اليوم في وسط إفريقيا ، وتضم
عدداً كبيراً من الأنواع الفطرية النباتية والحيوانية، ومع بداية تغير المناخ من
الرطوبة إلى الجفاف بدأ هذا التنوع الضخم من الأحياء الفطرية في التقلص مما ترتب
عليه اختفاء كثير من هذه الأنواع مع سيادة الجفاف على المنطقة وانقراضها كلياً من
الجزيرة العربية .
وبرغم أن
استئناس الماشية قد بدأ بواسطة إنسان الجزيرة العربية منذ حوالي 9000 عام مع
محاولات الزراعة البدائية إلا أن سكان الجزيرة العربية ظلوا معتمدين في معايشهم
على صيد الحيوانات الفطرية ، واستمرت تلك العلاقة حتى أوائل القرن الميلادي الحالي
. ويدل على ذلك النقوش والرسوم البدائية لأنواع الأحياء الفطرية وكيفية صيدها بواسطة
الإنسان , تلك النقوش التي وجدت محفورة على صخور المرتفعات المنخفضة التي تنتشر في
كثير من مناطق المملكة خاصة في الأجزاء الوسطى الشمالية والأجزاء الجنوبية الغربية
منها ( تشايلد
وجرينجر ، 1411هـ
: Child & Grainger ).
وقد تكونت
المستوطنات البشرية الأولى في الجزيرة العربية منذ حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة عام
على طول سواحل الخليج العربية ، وازدهرت هذه المستوطنات نحو عشرة قرون ، ثم لم
تلبث أن ضعفت مع ضعف المراكز الحضارية الرئيسية في كل من بلاد الرافدين ووادي
السند وبلاد فارس ، ثم لم تلبث أن تدهورت التجارة ، وربما كان الجفاف هو أحد
العوامل الأساسية المسؤولة عن ذلك التدهور ، غير أن المستوطنات التي كانت موجودة
في المناطق الوسطى والشمالية والشمالية الغربية تماسكت ودعمها وصول أعداد كبيرة من
بدو بلاد الرافدين الذين وفدوا ومعهم الإبل التي كانوا يرعونها ، وهؤلاء هم أصل
البدو الرحل في الجزيرة العربية ، وقد حلو محل السكان الأول الذين كانوا يرعون
الماشية، وكانت المستوطنات الحضرية تقوم على التجارة في المناطق الساحلية التي
تحولت فيما بعد إلى موانئ ، وكذلك على مسارات الطرق التجارية الداخلية .
وقد ظلت
العلاقة متوازنة بين هؤلاء البدو الرعاة ، الذين كانوا يعتمدون أيضاً على صيد
الحيوانات الفطرية لمقابلة احتياجاتهم الغذائية ، وبين النظم البيئية الهشة،
متوازنة طوال ثلاثة آلاف عام ، ومع ازدياد أعداد السكان والقطعان ظهرت الحاجة إلى
تنظيم موارد الرعي وتخصيص الموارد بما يكفل التغلب على سنوات القحط والجدب بسبب
الجفاف وندرة سقوط الأمطار ، ومن هنا نشأت فكرة إقامة الحمى التقليدي ومورست بنجاح
لحقبة زمنية طويلة ( تشايلد وجرنجر 1411هـ
43–1990م :Child & Grainger ) .
وظهر الدين الإسلامي
الحنيف منذ أكثر من أربعة عشر قرناً وأقر نظام الحمى لرعي الخيول وإبل الصدقة .
وقد أنشأ الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب
رضي الله عنه حمى الربذة ( دراز 1385هـ : 88) الذي قام بتوسعته الخليفة
الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ويقال إن طول ذلك الحمى قد وصل إلى مائتين
وخمسين كيلو متر وإنه كان يمتد من موقع الربذة الأثري ، الذي أعيد اكتشافة شرقي
نجد ، إلى قرية ضرية في أعالي القصيم . وهناك بعض التقديرات التي تقول إن البلاد
كان فيها حوالي ثلاثة آلاف حمى في وقت من الأوقات .
وتـــدل
بعـــض الدراسات المسحيــــة التي أجريت في منطقة الباحة عام1404هـ (1984م) في جزء من جبال السروات حول الباحة ،
أن هناك ما لا يقل عن واحد وسبعين حمى أو شبة حمى مستقل ، وأن كل قرية من قرى هذه
المنطقة ترتبط بحمى واحد أو أكثر بشكل مفرد أو بالاشتراك مع قرية أخرى مجاورة لها
. وقد تراوحت مساحات هذه الأحمية من أقل من عشرة هكتارات إلى ما يزيد عن ألف هكتار
بمتوسط مائتين وخمسين هكتاراً للحمى الواحد .
وقد أظهرت
الدراسات التي أجريت على الأحمية التقليدية تنوع الأهداف التي أنشئت من أجلها ،
فمنها ما كان يمنع فيه الرعي وحش الأعلاف كلية ويسمح بها فقط في سنوات القحط
والجدب كما هو الحال في حمى بني سار بالقرب من الباحة، ومنها ما كان يسمح بالرعي
فيه وحش الأعلاف بعد نمو النباتات وذلك بشكل موسمي فقط مثل حمى الثمالة وحمى
النمور ، ومنها ما كان يمنع فيه الرعي وحش الأعلاف حتى يزهر ويجرسه النحل لإنتاج العسل
مثل الحمى الخاص بمنطقة بنى مالك وحمى المخاطة ، ومنها ما كان مخصصاً لحماية
الأشجار ووقايتها من الاحتطاب والاقتلاع مثل حمى وادي حريملاء في جبال طويق .
وهكذا مارس
سكان الجزيرة العربية الرعي بشكل رشيد طوال الحقبة الزمنية الماضية متبعين في ذلك
مبدأ وضعوه ونقله الأصمعي عن رؤية بن العجاج يقول "شهر ثرى ، وشهر ترى ، وشهر
مرعى ، وشهر استوى " فالمرحلة الأولى ، هي مرحلة هطول الأمطار وابتلال التربة
وإنبات البذور ، والمرحلة الثانية هي مرحلة تكوين البادرات ونموها الأولى ويمنع
الرعي فيها حتى لا تقضي الحيوانات الراعية على البادرات وتمنع نمو النبات وانتشاره
، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة النمو السريع للنبات وتكوين مجموعة الخضري وفيها
يسمح بالرعي حيث تأكل الحيوانات من النبات أجزاء وتترك أخرى لتستمر في النمو
وتخزين الغذاء ، وفي المرحلة الأخيرة يبدأ النبات في التزهير وتكوين البذور ،
فيمنع فيها الرعي حتى يستطيع النبات أن يكمل دورة حياته ونثر بذوره لتكوين
النباتات الجديدة .
ومن تلك يتضح
أن سلوك إنسان الجزيرة العربية حتى عقود قليلة خلت ، بما في ذلك أنشطته الاقتصادية
التي كان يمارسها على أراضيها ذات النظم البيئية الطبيعية الهشة وأراضي المراعي
الهامشية ، كان محكوماً إلى حد كبير بقدرة هذه النظم البيئية على الإنتاج والعطاء
تحت ظروف درجات الحرارة العالية والجفاف وعدم انتظام سقوط الأمطار في الزمان
والمكان ، وكانت النظم البيئية الطبيعية متوازنة مع الأعداد المحدودة للسكان
وقطعان المواشي الأهلية التي كانوا يعتمدون عليها في معاشهم إلى جانب الصيد
المعتدل الذي كانوا يحصلون عليه من الطرائد الفطرية التقليدية .
وقد أدى عدم
انتظام سقوط الأمطار في الزمان والمكان إلى تولد عادة "الترحال" لدى أهل البادية اللذين كانوا يشكلون الغالبية
العظمى من سكان المملكة آنذاك ، فاضطروا إلى التنقل بقطعانهم محدودة الأعداد داخل
مسافات محدودة وراء الكلأ والماء ، وكذلك تولدت عادة الترحال بين الحيوانات
الفطرية التي كانت بدورها تنتقل من مكان إلى آخر سعياً وراء الكلأ والعشب في
المناطق التي حظيت بسقوط المطر عليها .
وكان من
نتيجة استمرار هذا التوازن القائم بين إنتاجية النظم البيئية الطبيعية وبين
استهلاك الإنسان وحيواناته الأهلية لها من جانب ، واستهلاك الحيوانات الفطرية لها
من جانب آخر ، بقاء هذه النظم البيئية رغم هشاشتها وظروف الجفاف التي تتعرض له ،
لمدد تطول أو تقصر ، سليمة منتجة فعالة تؤدي وظائفها في دعم الحياة وفي المحافظة
على سلامة البيئة والموارد البيئية بشكل عام .
بدأت النهضة
الحديثة في المملكة العربية السعودية منذ أن تم توحيدها على يدي مؤسسها الملك عبد
العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله في السابع عشر من شهر جمادى الأولى عام
1351هـ ( 1932م ) ، وبعد أقل من عام على التوحيد منح الملك عبد العزيز امتياز
التنقيب عن البترول لشركة " ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا " الأمريكية
مقابل خمسين ألف جنية استرليني ذهباً وهكذا بدأ البترول يسهم بشكل جيد في دعم
الدخل الوطني .
ويسجل
التاريخ الحديث أن المملكة العربية السعودية قد أنجزت خلال جيل واحد فقط برنامجاً
ضخماً للتنمية الاقتصادية كان له أثره في نقل المملكة إلى دولة حديثة لها ثقلها
السياسي والاقتصادي الواضح بين دول العالم ، وقد وصل الاقتصاد السعودي إلى ذروته
عام 1401هـ (1981م ) عندما قفز إجمالي الناتج الوطني من البترول إلى 5، 147 بليون
دولار أمريكي أي حوالي 1، 553 بليون ريال سعودي ، وكان البترول يشكل حينذاك نحو
70% من الدخل الوطني . وقد استخدم هذا الدخل الهائل بذكاء وحكمة ، في تنفيذ أضخم
برنامج للتنمية السريعة الهائلة التي لم يسبق لها مثيل .
وهكذا تحول
المجمتع السعودي خلال سنوات قليلة من مجتمع الكفاف إلى مجتمع الوفرة بأجلى
معانيها، وزادت الثروة في أيدي الناس كما زادت أعداد قطعان الحيوانات الأهلية
وأحجامها زيادة هائلة، وزاد الطلب على الموارد الفطرية والموارد البيئية ، وبدأ
استنزاف هذه الموارد بمعدلات متسارعه في المشاريع الزراعية والصناعية والعمرانية،
وزادت النواتج الثانوية للتصنيع، وتراكمت النفايات، وزاد معدل التلوث البيئي،
والاختلال في النظم البيئية بفقدها توازنها وإنتاجيتها التي حافظت عليها لمئات
القرون من الزمان بعد تحول مساحات شاسعة تزيد عن ثلاثة ملايين هكتار من أراضي أجود
أنواع المراعي في المملكة وأغناها بالأنواع النباتية والحيوانية الفطرية إلى مزارع
اجتثت منها الأنواع النباتية ، واستخدمت المخصبات الكيماوية بمعدلات مرتفعة وكذلك
مبيدات الآفات وتحولت الزراعة إلى صناعة تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة والمياه
الجوفية وتسبب تلوث البيئة ومصادر المياه وتقضي على أنواع كثيرة وأعداد كبيرة من
الأحياء الفطرية .
وقد أدى الري
المستديم ومعدلات التبخر المرتفعة من التربة والنبات إلى تملح التربة وإلى حدوث
نقصان خطير في مخزون المياه الجوفية لا يسهل تعويضه ، كما تسبب التوسع الزراعي في
فقدان مساحات من أهم المواطن الطبيعية الفطرية في المملكة وفقدان عدد كبير من
الأحياء الفطرية النباتية والحيوانية ، مما ألحق خسارة شديدة بالتنوع الأحيائي
فضلاً عما سببته الزراعة من تدهور التربة وتملحها وفقدانها لخصوبتها وإنتاجيتها (
نحال 1987 م : 31 ) ، ( الفراج 1989م : 164 – 168 ) .
كما أدى
التوسع العمراني الهائل في المدن والحواضر وشق الطرق الرئيسة والفرعية وبناء القرى
السياحية والاستراحات في السهول والمرتفعات والبيئات الشاطئية إلى القضاء على
مناطق شاسعة من المواطن الطبيعية وفقدان الأحياء الفطرية النباتية والحيوانية التي
كانت تعمرها بل وانقراض بعض الأنواع النادرة واختفائها تماماً من البيئة السعودية
.
ومع الانخفاض
الملحوظ في أعداد البدو الرحل ونزوع معظمهم إلى الاستقرار حول المدن والحواضر
لتعليم أبنائهم والحصول على الرعاية الصحية المنتظمة وغيرها من مميزات أهل الحضر ،
فقد تحول معظم أهل البادية من رعاة إلى مربي ماشية وتجار مواشي وتقلصت أعداد البدو
الذين يعتمدون على قطعانهم محدودة العدد في تدبير معايشهم ، حيث شجع الربح الوفير
أعداداً كبيرة من البدو المقتدرين على ممارسة تربية المواشي على المراعي الطبيعية
والشعير المدعوم ، والاتجار فيها فازداد حجم القطعان وعدد المواشي الأهلية إلى
الحد الذي يفوق كثيراً الحمولة الرعوية لأراضي المراعي ، مما أدى إلى ممارسة الرعي
الجائر على أوسع نطاق ، والقضـــاء على الغطاء النباتى الرعوي في مناطق واسعة،
وانجراف الطبقة السطحية الخصبة التي تصلح لنمو النباتات بفعل السيول الجارفة،
وحرمان التربة من القدرة على تشرب المياه الساقطة عليها بالقدر الكافي لتعويض
مخزون المياه الجوفية، وقد ساعد على ممارسة الرعي الجائر امتلاك الرعاة وتجار
المواشي من البادية لوسائل النقل الميكانيكي التي ينقلون بها قطعانهم إلى أماكن
سقوط الأمطار وتوافر الكلأ ومعها مياه سقياها في توانك المياه المتحركة الآلية
لتقضي على الأخضر واليابس .
هذا من ناحية
، ومن ناحية أخرى اقتضت الرفاهية الاجتماعية التي سادت المملكة خلال الربع الأخير
من القرن العشرين الميلادي ، زيادة إقبال المواطنين على استخدام الحطب المحلي
والفحم مما شجع على ممارسة الاحتطاب الجائر ، وقلع الأشجار الحية ، وإزالة الغطاء
الشجري النادر من مساحات كبيرة من أراضي المراعي والغابات .
وقد أدى ولع
بعض الناس لاقتناء الأنواع الفطرية أو منتجاتها إلى الجور في الإمساك بها وقتلها
والاتجار فيها ، وهناك مبررات أو اعتقادات لدى البعض بصلاحيتها لعلاج بعض الأمراض
، وقد رأينا في كثير من مدن المملكة أسواقاً للحيوانات والنباتات البرية تنتشر في
غياب ضوابط تنظيمية لتداولها والاتجار فيها ، وبالمثل تطورت وسائل الصيد الذي أصبح
يمارس للترفيه والشعور بالقوة والغلبة أكثر منه لسد الحاجة والاقتيات ، وتم حصاد
طرائد الصيد بالعشرات دون هوادة حتى أشرف معظمها على الانقراض ، بل وانقرضت أنواع
منها كلية مثل المها العربي وغزال العفري السعودي والنعام العربي والحمار البري
التي اختفت تماماً من أراضي المملكة .
ويمكن القول
بشكل عام إن الأخذ بأسباب التنمية الاقتصادية المتسارعة في مجالات الزراعة
والصناعة والعمران إلى جانب زيادة الرفاهية الاجتماعية ، وزيادة الأموال لدى البدو
والرعاة وغيرهم من المواطنين والتحول السريع إلى مجتمع الوفرة الباحث عن الكماليات
، كان سببا ً في تفاقم الوضع ، وتدهور النظم البيئية، وفقدان مناطق شاسعة غنية
بالمواطن الفطرية الطبيعية وبالتالي فقدان الأنواع الفريدة التي كانت تعمرها من
أنواع النبات والحيوان وزوال النظم البيئية التي كانت عاملة فيها .
كان من لطف
الله سبحانه وتعالى بهذه الأرض الطيبة ، أن ألهم القادة القائمين على شؤونها
الفطنة لما آل إليه الوضع ، وضرورة التدخل لإجراء التصحيح المناسب، والمحافظة على
الكيان القائم للموارد الفطرية والموارد البيئية لما فيه الصالح العام والمحافظة
على بيئة الوطن الأساسية ومقدراته الطبيعية التي حباه الله بها .
تعد حركة
المحافظة على الموارد الفطرية والبيئية التي تبنتها المملكة وجعلتها من بين
استراتيجيات خططها الاقتصادية الخمسية التي تنظم نشاطها الاقتصادي نقلة حضارية
هامة بكل المقاييس قفزت بالمملكة إلى مصاف الدول المتحضرة التي تأخذ بأسباب
المحافظة على الموارد الفطرية والبيئية منذ فترة طويلة وجعلتها تحتل بينها مكاناً
مرموقاً ، هذه النقلة الحضارية الهامة وضع أسسها الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل
سعود مؤسس المملكة العربية السعودية وموحدها إذ أدرك بثاقب فطنته وقوة فراسته أن
عدد الأحمية التقليدية الحكومية والمخصصة لأمراء المناطق وشيوخ القبائل قد زادت
زيادة كبيرة حرمت قطاعاً كبيراً من الشعب من رعي مواشيهم فأصدر عام 1373هـ أمره
الكريم بمنع الأحمية ، وقد جاء في هذا الأمر الملكي الكريم ما يلي :
"
تعلمون أننا نبذل جهدنا وأموالنا في صالح رعيتنا ونسهر على ما يعود لصالحهم وفى
الحديث : إنما ترحمون بضعفائكم ، وأنا أمرت على ذلك في الرياض ألا يكون حمى في
الرياض ولا غيره ، والمقصود إن قوينا وشعبنا ضعيف فنحن ضعفاء ، وإن قوي شعبنا سواء
بادية أم حاضره فنحن أقوياء والحمى أتركوه بتاتاً " ، ( دراز 1385هـ : 85) .
وفى الإشارة إلى أن قوة الحكام إنما هي من قوة الشعب ما يدل بوضوح على أن الغرض من
هذا الأمر الملكي الكريم هو إلغاء الأحمية التي كانت تختص بها الحكومة أو الحكام
لتتحول إلى منفعة عامة يتقوى بها الشعب ، ويؤكد ذلك ما جاء في متابعة تنفيذ هذا
الأمر الملكي الكريم بواسطة سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز ( جلالة الملك فيصل
فيما بعد رحمه الله) ، الذي أصدر تعميماً برقياً برقم 2083 وتاريخ 18/8/1373هـ
موضحاً أن الأمر الملكي الكريم لا يشمل الأحمية الخاصة وأنه إذا وقع نزاع بشأنها
فمرجعة الشرع الحنيف، وبالطبع فإن إلغاء الأحمية الحكومية وفتحها للرعي أمام
المواطنين من البدو الرعاة قد خفف كثيراً من ضغط الرعي الواقع على المراعي العامة
خارج هذه الأحمية خاصة أن أراضي هذه الأحمية كانت تتمتع بغطاء نباتي ورعوي جيد .
وكانت
المبادرة المهمة الأخرى التي ابتدرها جلالة الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود
– رحمه الله – هي السماح
لبعض الرحالة الأجانب ، الذين كانوا يفدون إلى البلاد بين حين وآخر بالحصول على
عدد من الحيوانات الفطرية المحلية ونقلها إلى بلادهم بهدف دراستها وتصنيفها وحفظها
في متاحف التاريخ الطبيعي للاستفادة منها فيما بعد في الدراسات والبحوث ، وقد ذكر
العديد من الرحالة الصعوبات الكبيرة التي قابلتهم أثناء رحلاتهم وتجوالهم في أراضي
الجزيرة العربية سواءً من سكان البلاد أو من صعوبة الطبيعة إلا أن جلالة الملك عبد
العزيز ومنذ تأسيس المملكة سمح للعديد من هؤلاء الرحالة بالتجوال في أراضي المملكة
بل وعمل على تقديم المساعدة لهم وتسهيل مهتهم ، وقد كان جلالته رحمه الله يقابل
بعض هؤلاء الدارسين ويناقشهم في أهداف دراساتهم والنتائج المتوقع الحصول عليها .
وقد كان
يوجههم إلى المواقع ذات الأهمية البيئية الخاصة وهى ما نطلق عليها في وقتنا الحاضر
المصطلح العلمي ( Hot spots ) فنجده يوجه أحد الرحالة الغربيين في العشرينيات بالسفر إلى
جبال طويق حتى يجد النوع الذي يرغب في دراسته حيث إن البيئة الأصلية ومناطق
انتشاره هي تلك الجبال ، وقد كان يتحقق للدارس ما أراد بفضل معرفة جلالة الملك عبد
العزيز – رحمه الله – بالمناطق
البيئية المهمة في المملكة التي جابها طولاً وعرضاً وعرف أرضها شبراً شبراً خلال
حملاته التي قادها بنجاح لتوحيد البلاد ( تشيزمان ، 1347هـ : 187–1926مCheeman, ) .
ويتجسد
اهتمام الملك عبد العزيز بالحياة الفطرية عندما كان يطلب من دارسي الحياة الفطرية
من الرحالة الأجانب أثناء رحلاتهم إطلاعه على جميع ما يقومون بجمعه من الأنواع
النباتية والحيوانية ويناقشهم فيه ، ففي إحدى المرات نقل إلى مجلس جلالته أكثر من
ثلاثين صندوقاً تحتوي على حيوانات محنطة أو محفوظة في مواد كيميائية ونباتات
محفوظة فاستعرضها جلالته واحدة واحدة مبدياً على كل واحدة منها ملاحظاته ومعطياً
معلومات ذات أهمية كبيرة من حيث التسمية والتصنيف المحلي ومناطق انتشارها وأهميتها
لسكان المملكة ، بل إن معرفته في الحياة الفطرية أدهشت كل من عرف الملك عبد العزيز
، ففي إحدى المرات وأثناء استعراضه ما تم جمعه من قبل الرحالة الغربيين سأل جلالته
إن كان أحد في مجلسه يعرف اسم طائر منها إلا أن أحداً لم يعرفه ، فبادر جلالته
بذكر الاسم بل وأعطى معلومات ذات أهمية كبيرة عنه .
وقد أدى هذا
إلى أن كثيرين ممن قابلوا الملك عبد العزيز وعرفوا عنه حرصه واهتمامه بل وسعة
معرفته بالحياة الفطرية أن قاموا بتسمية بعض الأنواع التي جمعت من الجزيرة العربية
منسوبة إلى اسم جلالته تحت اسم aziz وخاصة تلك الأنواع التي جمعت وعرفت لأول مرة واعتبرت جديدة
على العالم باكتشافها باسمه رحمه الله ( تشيزمان ، 1347هـ : 176–177،1926، Cheesman,)
كما كان لفطنة
الملك عبد العزيز – رحمه الله – وإدراكه لأهمية المحافظة على الحياة الفطرية حين
أحس بالتهديد الذي تتعرض له أنواع من الحياة الفطرية في ذلك الوقت أن أمر بصيد زوج
من النعام وإرساله إلى أحد الباحثين في الحياة الفطرية في ذلك الوقت وهو السيد
بيرسي كوكس ليقوم بدراستها والمحافظة عليها ومحاولة إكثارها .
ويكرر جلالته
هذه العملية ذات الهدف البيئي العظيم في المحافظة على الحياة الفطرية لنوع آخر من
الحيوانات التراثية في المملكة حيث أمر بصيد زوج من المها العربي ( الوضيحي – ذكر
وأنثى ) وإهدائه إلى ملك بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية للمحافظة عليه ،
إلا أن الأنثى ماتت ونقل الذكر إلى أمريكا لينضم إلى قطيع آخر من الوضيحي ، فيتم
لجلالته ما يصبو إليه ويتحقق للأجيال اللاحقة من أبناء هذه البلاد ما رسمه لهم
جلالته ، فتعود أعداد من المها العربي إلى أرض المملكة فيما بعد معظمها من نسل هذا
الذكر الذي حافظ عليه جلالة الملك عبدالعزيز ، رحمه الله ( تشيزمان ، 1347هـ : 367
– Cheesman 1926 ) .
وقد غرس
الملك عبد العزيز ، طيب الله ثراه ، حب الحياة الفطرية وأهمية المحافظة عليها في
نفوس أبنائه الكرام ، فنجد من ضمن برنامج الأمير فيصل بن عبدالعزيز أثناء زيارته
الرسمية إلى بريطانيا زيارة الحديقة النباتية الملكية وهى أشهر حديقة نباتية تقوم
بالدراسات التصنيفية والمحافظة على النباتات البرية في جميع أنحاء العالم ، وكذلك
زيارته إلى حديقة حيوان لندن التي تحافظ على أنواع الحياة الفطرية التي جمعت من
مختلف بلاد العالم ( تشيزمان ، 1347هـ : 173 –1926 Cheesman ) .
سار القادة
من أبناء الملك عبد العزيز على نهجه ونسجوا على منواله في المحافظة على الموارد
الفطرية والبيئية للمملكة واتخاذ الاجراءات التصحيحية التي من شأنها أن تعالج
الأوضاع المتدهورة وتعود بالنظم البيئية والأحياء الفطرية المحلية إلى سابق عهدها
من الانتاجية والازدهار . فقد قام الملك سعود بن عبد العزيز ، رحمه الله، بإهداء
أربعة رؤوس من المها العربي ( ذكران وأنثيان ) إسهاماً منه في تأسيس القطيع
العالمي من المها المستهدف إكثاره آنذاك تحت الأسر في الولايات المتحدة الأمريكية
.
نظمت هـــذه الحملة جمعية المحافظة على الحيوانات في لندن
عندما بلغتها أنباء قتل ما لا يقل عن 20 مهاة عربية شرق محمية عدن في ذلك الوقت
(الجمهورية اليمنية) وذلك في عام 1961م، فقامت بالإعداد لحملة إنقاذ المها العربي
بالتنسيق مع الاتحاد الدولي لصون الطبيعة IUCN لجمع أعداد من هذه الحيوانات قبل أن
تنقرض تماماً من البرية ومن ثم إكثارها تحت الأسر ( آنون ، 1381هـ: 5 – Anon , 1961 )
وتوجهت الحملة المكونة من ثمانية أشخاص إلى المكلا في رحلة
دامت شهرين خلال عام 1382هـ حيث تمكنت من جمع ثلاثة حيوانات ( ذكران وأنثى ) تم
إرسالها بطريق الجو إلى كينيا الحجر الصحي قبل إرسالها إلى ولاية أريزونا
بالولايات المتحدة الأمريكية حيث سيجري إكثارها .
وحتى تكتمل نواة القطيع الدولي أسهمت حديقة حيوان لندن بإرسال
مهاة أنثى كانت لديها ، وكذلك أسهم أمير الكويت الشيخ جابر بن عبد الله الصباح
بأنثى أخرى من مجموعته الخاصة عام 1383هـ ، واكتمل تكوين نواة القطيع العالمي من
المها العربي بوصول أربعة حيوانات مهداة من المملكة العربية السعودية، وبذلك أصبح
عدد حيوانـــات نواة القطيع العالمي تسعة ما يقرب من نصفها قادم من المملكة
العربية السعوديــة .
وبدأت أفراد القطيع تتكاثر فتقرر تجزئته إلى قطيعين وتم إرسال
ستة حيوانات كمرحلة أولى إلى متنزة سان دياجو للحيوانات البرية عام 1393هـ(
آنون،1393هـ 5– Anon, 1973 ) . ومع
بدايـــة عام 1393هـ كان عــــدد الحيوانـات في القطيع قد بلغ 82 فرداً فتم إرسال
أعداد منها إلى بعض حدائق الحيوان داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها ( آنون
، 1397هـ : 87– Anon , 1977 ) .
وفى عام 1398هـ تم إرســال
أول مجموعة من المها العربي إلى منطقة الشرق الأوسط حيث أرسلت أنثى واحدة مع أربعة
ذكور إلى محمية الشومري في المملكة الأردنيـــــــة ( آنـــون، 1398هـ : 195– Anon, 1978 ) وفى
بدايـــــة عــــام 1401هـ أرسلت مجموعة مؤلفة من تسعة ذكور وإحدى عشرة أنثى إلى
سلطنة عمان حيث أعيد توطينها في منطقة جدة الحراسيس ( ستانلي برايس ، 1410هـ : 62
– Stanly Price, 1989 ) . وفى عام 1410هـ أرسلت أول مجموعة من المها العربي إلى المملكة
العربية السعودية ، وكانت تتكون من 15 حيواناً منها ثمانية ذكور وسبع إناث ، وتدل
السجلات المحفوظة على أن جميع الحيوانات التي أرسلت إلى منطقة الشرق الأوسط هي من
نسل الحيوانات الأربعة التي ساهمت بها المملكة العربية السعودية ، وتلي ذلك إرسال
عدد من المجموعات الأخرى إلى كل من المملكة الأردنية وسلطنة عمان والمملكة العربية
السعودية ودولة البحرين والإمارات العربية المتحدة .
فى عام 1963م
صدرت موافقة جلالة الملك سعود بن عبد العزيز على إهداء أربعة مهاة إلى القطيع العالمي للمها العربي ، وقد تأخر
نقل هذه الحيوانات حتى 14 آذار ( مارس ) 1964م ، حيث تبرعت شركة " بان
أميركان " بنقلها من الرياض إلى بيروت ومن هناك إلى روما ثم إلى نابولي حيث
تم وضعها في الحجر الصحي لمدة شهرين قبل نقلها إلى نيويورك في نهاية شهر مايو ،
ومن هناك نقلت إلى حديقة حيوان فينكس في أريزونا حيث وصلت بتاريخ 26/7/ 1964م ،
وقد قام السيد Grim
wood شخصياً بالسفر إلى الرياض لاستلام هذه الحيوانات وعمل
الترتيبات اللازمة لنقلها ، وكانت هذه الحيوانات ضمن قطيع مؤلف من 13 مهاة في
حديقة حيوان مدينة الرياض ( Grimwood 1964: 223 )
وقد أطلقــــت
الأسماء التاليــة على الحيوانــات الأربعة بعد وصولها إلى فينكس ( Turkowski & Mahoney , 1964: 712) الأنثى رقم 8 لوسي Lucy ، الأنثى رقم 9 كوينو Cuneo ، الذكر رقم 10 رياض Riyadh ، الذكر رقم 11 عزيز عزيز Aziz Aziz ، وقد وضعت
الأنثى لوسي أول مولود ذكر يولد في حديقة فينكس بتاريخ 1/12/1964م ، حيث إنها كانت
حاملاً من رفيقها السعودي (رياض) قبل نقل المجموعة من مدينة الرياض ، وقد سمي
الوليد شيرمان Sherman ، كما وضعت الأنثى لـــوسي أول أنثى تولد في القطيـع العالمي
بتاريخ 8/9/1966م وسميت آنى Annie ، كما وضعت الأنثى كونيو
وليدها الأول في حديقة فينكس بتاريخ 9/3/1968م وسمى إيرل Earl .
هذا وقد نفقت
لوسي في 3/1/1972م بعد أن أنجبت في الجيل الأول ثلاثة ذكور وأنثى واحدة .
ونفقت كونيو
في 2/3/1976م بعد أن أنجبت في الجيل الأول خمسة ذكور وثلاث إناث .
ونفق رياض في
24/4/1974م وينتمي إليه ستة ذكور وأنثييان من الجيل الأول، أما عزيز الذي كان
عقيماً فقد نفق في 12/10/1972م ( بـــروان، 1419هـ: اتصال شخصي Brown , 1998 Pers .Com . )
ووضع الملك
خالد بن عبد العزيز رحمه الله النواة الأولى لإكثار المها والظباء وغيرها من
الأنواع الفطرية المحلية تحت الأسر في المملكة العربية السعودية ، حيث أقام مزرعة
الثمامة واحتفظ فيها بأعداد من تلك الأنواع وهيأ لها كل الفرص للتكاثر طبيعياً تحت
الأسر ، وكانت المها وظباء الريم والإدمي الموجودة في مجموعة الملك خالد رحمه الله
هي نواة تكوين قطعان التكاثر من هذه الأنواع في مركزي الملك خالد لأبحاث الحياة
الفطرية ، الذي أقيم في مزرعة جلالته بالثمامة فيما بعد، والمركز الوطني لأبحاث
الحياة الفطرية الذي أقيم في الطائف .
وكان عهد
خادم الحرمين الشريفين هو العهد الذي تمت فيه معظم الاجراءات التصحيحية لإيقاف تدهور
الموارد الفطرية والبيئية في المملكة حتى وصلت إلى ما وصلته من ريادة بين دول
العالم في هذا المضمار .
منذ أنشئت
وزارة الزراعة والمياه وهى تتولى شؤون المحافظة على الغابات والمراعي التي تشغل
معظم أراضي المملكة العربية السعودية ، وجاء المرسوم الملكي الكريم رقم م/22 في
3/5/1398هـ بإصدار نظام الغابات والمراعي لتنظيم استثمارها من قبل المواطنين ولدعم
جهود الوزارة في المحافظة عليها وإنمائها ، وفي جهودها لحماية الموارد الفطرية
والبيئية قامت الوزارة بإنشاء عدد من مسيجات حماية النباتات الرعوية وإنماء
المراعي ، كما قامت بإنشاء عدد من المتنزهات الوطنية التي تعمل كمناطق محمية
للمحافظة على ما فيها من أنواع النباتات والحيوانات الفطرية ، وتشكل في نفس الوقت
متنفساً للمواطن والمقيم ، كان أهمها وأولها تأسيساً متنزه عسير الوطني الذي يعتبر
من بين دعامات المحافظة على الأنواع الفطرية النباتية والحيوانية في المملكة .
كذلك تم
إصدار نظام صيد الحيوانات والطيور البرية بالمرسوم الملكي الكريم رقم م / 26 في
25/5/1398هـ الذي ينظم عملية صيد الأحياء الفطرية في المملكة ، ويحدد لذلك موسماً
معيناً كل عام لا يجوز الصيد في غيره ، كما يمنع الصيد في المناطق المحمية وداخل
حدود المدن والقرى ، والصيد ليلاً ، واستخدام الأسلحة النارية التي تؤدي إلى
اصطياد أكثر من طريدة دفعة واحدة ، كما يحظر صيد الأنواع الفطرية النادرة والمهددة
بخطر الانقراض التي يعلن عنها حظرا تاماً ، وتقوم على تنفيذه وزارة الداخلية
بالتعاون مع الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها.
كما صدر نظام
صيد واستثمار وحماية الثروات المائية الحية في المياه الإقليمية للمملكة بتاريخ
27/3/1408هـ ، وتتولى وزارة الزراعة والمياه بالتنسيق مع الهيئة الوطنية ، الإشراف
على تنفيذه لضمان المحافظة على الثروات المائية الحية من أسماك وغيرها ، كما يمنع
النظام قطع الأشجار والأعشاب النامية على السواحل لدورها المهم في إنماء الثروة
الحيوانية البحرية .
وقبل هذا
النظام الأخير صدر نظام الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها بالمرسوم
الملكي الكريم رقم م/22 في 12/9/1406هـ الذي يقضي بإنشاء الهيئة ككيان مستقل تابع
لرئاسة مجلس الوزراء لتقوم بدورها في المحافظة على الموارد الفطرية والبيئية
وإعادة تأهيل ما تدهور منها بالتنسيق مع الجهات ا لحكومية الأخرى العاملة في مجال
المحافظة على هذه الموارد ، مثل وزارة الزراعة والمياه ومصلحة الأرصاد وحماية
البيئة ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وغيرها من المصالح الحكومية ذات
العلاقة .
وأخيراً تم
إصـــدار نظام المناطـــق المحمية بموجــــب المرســوم الملكي الكريم رقم م / 12 في
26/10/1415هـ الذي ينظم العلاقة بين المواطنين وبين المناطق المحمية التي أنشأتها
الهيئة الوطنية بموجب نظامها الأساسي ، ويحظر النظام كافة الأنشطة الإنسانية ذات
التأثير السلبي على المحافظة على الحياة الفطرية في المناطق المحمية ويضع أسس
استثمار المواطنين للمناطق المحمية المسموح باستثمار مواردها استثماراً حافظاً .
وقبل إنشاء
الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها عام 1406هـ قامت مصلحة الأرصاد
وحماية البيئة بالتعاون مع خبراء الاتحاد العالمي للمحافظة IUCN بعمل عدد من المسوحات الحقلية في مناطق شتى من المملكة براً
وبحراً لتحديد الأماكن الملائمة لإقامة مناطق محمية للمحافظة على الموارد الفطرية
والبيئية في المملكة ، وأمكنها أن تحدد عدداً من هذه الأماكن التي رشحتها للحماية
.
ثم أنشئت
الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها وكلفت – بموجب نظامها الأساسي – بأن
تقوم بحماية الموارد الفطرية والبيئية في البر والبحر والجو عن طريق إقامة المناطق
المحمية والملاذات ، وإنماء الأنواع الفطرية النادرة والمهددة بخطر الانقراض ، عن
طريق استخدام الأساليب العلمية المبنية على الدراسات والأبحاث والمسوحات الحقلية ،
إلى جانب توعية المواطن بأهمية المحافظة على الموارد الفطرية والبيئية ، والتنسيق
في ذلك كله مع الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة ، لمنع ازدواجية الجهود رغم
وحدة الأهداف .
وقد وضعت ا
لهيئة استراتيجية لتحقيق الأهداف المنوطة بها تعتمد على المحاور الأربعة الآتية :
1-
المحافظة
على نظم بيئية متكاملة ممثلة للنظم البيئية الفريدة الموجودة بالمملكة عن طريق
إقامة مناطق محمية تضم هذه النظم .
2-
إعادة
تأهيل النظم البيئية المتدهورة عن طريق إنماء الأنواع الفطرية النادرة والمعرض
لخطر الانقراض وإعادة توطينها فيها .