المقدمـــــة:

شهدت المملكة العربية السعودية خلال عمرها القصير نسبيا إنجازات ضخمة في مختلف القطاعات التنموية ، تمثل في إنفاق آلاف البلايين من الريالات في تطوير تلك القطاعات على مدى السنوات الخمسين الماضية . وقد مثلت الاستثمارات الحكومية في قطاع النقل أحد المحاور الرئيسة للمصروفات العامة في المملكة. إذ شهدت السنوات الثلاثون الماضية تطويرا ضخما لشبكات الطرق التي تربط بين المدن أو داخل المدن والقرى تجاوزت أضعاف حجمها السابق وبتكاليف تجاوزت 120 ألف مليون [1] . كما شهدت قطاعات النقل الأخرى ممثلة في النقل الجوي (المطارات والطائرات) والنقل البري (السكك الحديدية والشاحنات) والنقل العام (الحافلات والأجرة العامة) تسارعا كبيرا في الاستثمارات الحكومية والخاصة جعلت من القطاع منافسا دوليا.

وتؤكد التجارب العالمية أهمية تطوير قطاعات النقل وتنظيمها لارتباطها بالتطور الحضاري والعمراني للدول . حيث يلعب قطاع النقل دورا حيويا في مختلف جوانب الحياة الحديثة نتيجة اعتماد السكان والأنشطة الاقتصادية بصورة متزايدة على التطور في خدمات النقل ، لتحقيق متطلبات النقل والتنقل للأفراد والبضائع [2] . كما أن مقومات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الكثير من الدول ترتبط بصورة واضحة بالتطور في قطاع النقل وخاصة شبكة الطرق . وتكتسب استثمارات النقل أهمية وبعدا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا هاما على مستوى الدول والأفراد . ومع الزيادة المستمرة في أعداد السكان وبالتالي زيادة الطلب على خدمات النقل وازدياد الضغوط الاقتصادية العالمية ، نتيجة ارتفاع تكلفة تطوير خدمات نقل جديدة وصيانة الخدمات الحالية ، اتجهت الكثير من الدول نحو تطوير استراتيجيات طويلة وقصيرة المدى تركز على محاولة المحافظة على الاستثمارات الحالية لقطاع النقل والاستفادة منها، وفي الوقت نفسه تنظيم الخدمات المستقبلية المقترحة وبرمجتها لعناصر القطاع [1](1) .

ويعاني قطاع النقل في المملكة من غياب استراتيجية وطنية متكاملة لقطاع النقل الوطني تعكس النظرة الشاملة لمختلف عناصر القطاع وتؤكد على أهمية الترابط بين مكوناته الأساسية . فقد ركزت الخطط الخمسية للمملكة على محاولة تطوير البنية التحتية لمختلف القطاعات الاقتصادية بما في ذلك قطاع النقل ، ومن ثم تطوير الكوادر الفنية لإدارة تلك المرافق وتشغيلها وصيانتها . ومع ازدياد الضغوط الاقتصادية على الدولة نتيجة تنافس القطاعات الاقتصادية والاجتماعية على جذب الاستثمارات الحكومية والخاصة والتوجه الأحادي للكثير من قطاعات النقل الوطني وتنوع المسؤوليات والصلاحيات المتعلقة بتوفير خدمات النقل وتشغيلها أصبح لزاما السعي نحو تطوير وبلورة استراتيجيات وطنية تنسيقية وتكاملية لمختلف عناصر القطاع . هذا التوجه يمثل اتجاها عالميا نحو التركيز على التنسيق والتكامل بين السياسات المتعلقة بقطاع النقل ودورها في منظومة السياسات الوطنية [6].

تهدف هذه الورقة إلى تطوير منهجية متكاملة لاستراتيجية طويلة المدى لقطاع النقل الوطني في المملكة تتضمن سياسات تنظيمية وتطويرية وتكاملية لقطاع النقل والقطاعات الحضرية الأخرى . وتهدف الاستراتيجية المقترحة إلى تنظيم عمليات التطوير المستقبلية للقطاع من خلال  تنسيق أعمال الجهات المشرفة على قطاع النقل . كما يمكن أن تتضمن الاستراتيجية خطوات تكاملية مقترحة لعمليات تطوير قطاع النقل من خلال البرمجة الفاعلة لتلك العمليات وتوجيهها نحو القطاعات والمواقع الأكثر فاعلية وذات المردود الاقتصادي والاجتماعي الأعلى .

2 – التطور التاريخي لقطاع النقل في المملكة([2])

منذ قيام الملك عبدالعزيز آل سعود بتوحيد أجزاء المملكة وإعلانها دولة موحدة عام 1351هـ (1932م) فقد سعى إلى بلورة سياسات تنموية توحيدية للقطاعات الاقتصادية في المملكة ، ومن أهمها قطاع النقل . إذ ركزت السياسات الأولى للدولة على ربط المراكز الحضرية في المملكة بعضها ببعض من خلال شبكات الطرق الحديثة ووسائل النقل المتطورة وكان تعبيد الطريق الذي يربط مكة المكرمة بمدينة جدة عام 1344هـ أول مشاريع الطرق الوطنية تلته مشاريع أخرى لربط المدن الرئيسة في المملكة وخاصة العاصمة الرياض. ولم تكن الموارد الاقتصادية والكفاءات الفنية المتوفرة للدولة في ذلك الحين قادرة على استيعاب وتنفيذ سياسات شاملة وموسعة لتطوير الطرق في المملكة حيث اقتصرت الشبكة على الطرق والأجزاء الرئيسة .

ولأهمية ربط العاصمة الناشئة بخطوط النقل البحرية العالمية فقد أمر الملك عبدالعزيز بإنشاء خط سكة حديد تم افتتاحه عام 1371هـ  يربط ميناء الدمام بمدينة الرياض . تلا ذلك إنشاء الهيئة العامة لسكك الحديد وذلك لإدارة شبكة القطارات والإشراف عليها ، ثم ربطها بوزارة المواصلات في وقت لاحق . وقد تزامن ذلك مع بدء تطوير مينائين رئيسين في المملكة ؛ ميناء جدة الإسلامي وميناء الدمام ، وذلك لتغطية الاحتياجات التنموية المتزايدة للدولة وخصوصا بعد اكتشاف البترول . ولأهمية تطوير هذا القطاع فقد تم إنشاء المؤسسة العامة للموانئ عام 1395 هـ وذلك لتطوير الموانئ في المملكة والإشراف عليها.

ومع ظهور الطائرات كوسيلة نقل حديثة وسريعة للمسافات الطويلة فقد أمر الملك عبدالعزيز يرحمه الله بتجهيز المطارات في المدن الرئيسية في المملكة. إذ تم تشغيل خمس طائرات تجارية عام 1365هـ ، مؤسسة بذلك الشركة التجارية الوحيدة للطيران باسم الخطوط الجوية العربية السعودية . حيث تقوم الرئاسة العامة للطيران المدني بوزارة الدفاع والطيران بالإشراف عليها وتنظيم أنشطة النقل الجوي كإنشاء المطارات وتشغيلها وتأمين النقل الجوي . ومن ذلك الحين انطلقت مشاريع المطارات في جميع أنحاء المملكة بما في ذلك المدن الصغيرة والمتوسطة.

وبعد تأسيس وزارة المواصلات عام 1373هـ كجهة مسؤولة عن الإشراف على قطاع النقل في المملكة ، تمحورت مشاريع خدمات النقل في المملكة حول تحسين شبكة الطرق . حيث ركزت الوزارة على سياستين رئيسيتين : تحسين شبكة الطرق بين مدن المملكة وداخل المدن ذاتها أو ما يسمى "برنامج الطرق الكبير" وبرنامج إنشاء الطرق الزراعية . ومازالت تلك السياستان تمثلان حجر الزاوية والعنصر الرئيسي في مشاريع النقل في المملكة وخاصة المرتبطة بوزارة المواصلات. وبعد خمس وعشرين سنة من إنشاء وزارة المواصلات، استحدثت وكالة متخصصة داخل الوزارة للإشراف على نظام النقل الجديد في المملكة. حيث يغطي نظام النقل الخدمات المتعلقة بالسكك الحديدية والنقل البري ونظام النقل العام داخل المدن وبين المدن . كما تم إنشاء الشركة السعودية للنقل الجماعي عام 1399هـ لتوفير خدمات النقل بالحافلات بين مدن المملكة وداخل المدن.

3– الاستثمارات الحكومية والخاصة في قطاع النقل في المملكة:

منذ توحيدها عام 1351هـ شهدت المملكة تحولات اقتصادية مهمة ضاعف من مفعولها اكتشاف البترول كمورد  اقتصادي مهم بعد الحرب العالمية الثانية . وقد وصلت تلك المشاريع والاستثمارات الحكومية ذروتها بعد الارتفاع الحاد لأسعار البترول في منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات الميلادية . حيث واكبت تلك الفترة إلى اليوم أضخم الإنجازات على مستوى القطاعات المختلفة للدولة بما في ذلك قطاع النقل . ويعرض الجزء التالي باختصار أهم الإنجازات التي تحققت لمختلف عناصر النقل في المملكة خلال العقود الماضية .

3 – 1  قطاع الطرق والتجهيزات الأساسية:

شهد قطاع الطرق في المملكة قفزة حضارية هائلة خلال العقود الثلاثة الماضية. حيث قفزت أطوال الطرق المعبدة من 12 ألف كيلومتر عام 1395م إلى حوالي 42 ألف كيلومتر خلال عام 1416هـ ، تشكل أطوال الطرق السريعة ما نسبته 4ر8% مقارنة بـ 84% للطرق المفردة و 6ر7% للطرق المزدوجة . ولربط وتشجيع الأنشطة الزراعية والمناطق الريفية فقد تم تمهيد ما يزيد عن 84 ألف كيلومتر من الطرق الترابية خلال تلك الفترة (انظر جدول 1) [1] .

لقد استمر الإنفاق الحكومي على الطرق في الزيادة خلال الخطط الخمسية الخمس التي شهدتها المملكة في الفترة من عام 1390 هـ وحتى عام 1415هـ وخاصة خلال الخطتين الثانية والثالثة (انظر جدول 2) [1] . وشكلت النفقات الحكومية على قطاع النقل ما نسبته 6ر6% من مجموع النفقات مقارنة بالقطاعات الأخرى [7] . ومازالت وزارة المواصلات مستمرة في تطوير المزيد من الطرق مع التركيز بصورة واضحة خلال خطة التنمية السادسة على صيانة هذه الطرق كاستثمارات وطنية مهمة . حيث بلغت تكاليف الصيانة بمختلف أنواعها حوالي 850 مليون ريال لما مجموعه حوالي 685و35 كيلومتر من الطرق المعبدة خلال الفترة من 1407 وحتى 1413 هجرية [8] . وقد أدت تلك السياسة إلى المحافظة على مستويات جيدة من الطرق المرصوفة في مختلف أرجاء المملكة .

وقد استفاد من خدمات الطرق في المملكة خلال عام 1413هـ فقط حوالي 8ر2 مليون سيارة عاملة تشكل السيارات الخاصة وسيارات الأجرة منها حوالي 67ر1 مليون سيارة وتتوزع المركبات الأخرى على السيارات التجارية الخاصة 88ر0  مليون والحافلات 021ر0 مليون والشاحنات بمختلف أحجامها 245ر0 مليون مركبة [7] .

3 – 2  النقل العام :

يتضمن نظام النقل العام النقل بالحافلات داخل المدن وبين المدن وسيارات الأجرة العامة . ففيما يتعلق بالنقل بالحافلات فبعد إنشاء شركة النقل الجماعي عام 1399هـ ضخت الشركة استثمارات ضخمة في هذا القطاع من خلال ثلاث وظائف رئيسة : نقل الركاب داخل المدن الرئيسية ، ونقل الركاب بين المدن ، والنقل التعاقدي كنقل طلاب المدارس والحجاج خلال موسم الحج . وتمتلك شركة النقل الجماعي 1825 حافلة بمقاسات مختلفة قامت بنقل حوالي 25 مليون راكب داخل المدن وحوالي 5ر2 مليون راكب بين المدن وحوالي 5ر2 مليون راكب خلال موسم الحج خلال عام 1992م [7] . وتدعم خدمات سابتكو خدمات أهلية لنقل الركاب داخل المدن وبين المدن وخلال موسم الحج .


جدول 1 : أطوال الطرق وفق خطط التنمية الخمسية (آلاف الكيلومترات) [1] .

 

 

 

الخطة الخمسية

الطرق المسفلتة

الطرق الترابية

الأولى (1390–1395هـ)

12

8

الثانية (1395–1400هـ)

5ر21

16

الثالثة (1400–1405هـ)

5ر29

45

الرابعة (1405–1410هـ)

38

70

الخامسة (1410–1415هـ)

42

84

 

جدول 2 : معدلات الإنفاق الحكومية على الطرق خلال خطط التنمية الخمسية [1]

 

 

الخطط الخمسية

اعتماد المبالغ (ألف مليون)

الأولى

39ر1

الثانية

23ر41

الثالثة

90ر85

الرابعة

37ر103

الخامسة

89ر117

 

أما فيما يتعلق بسيارات الأجرة و( الليموزين )، فهي تقدم خدمات متعددة تشمل نقل الركاب داخل المدن ومن المطارات وبين المدن . حيث تقوم وزارة المواصلات بالتنظيم والإشراف على هذا القطاع ماعدا سيارات الأجرة الصفراء والتي تشرف عليها

وزارة الداخلية . ولا تتوفر إحصائية دقيقة عن عدد سيارات الأجرة الصفراء العاملة في المملكة . أما سيارات الأجرة العامة الأخرى فيوجد حاليا حوالي 355 شركة تقوم بتشغيل حوالي 20 ألف سيارة أجرة [7] .

3 – 3  النقل البري:

يقوم القطاع الخاص بتوفير خدمات نقل البضائع عن طريق الشاحنات وخاصة المتوسطة والثقيلة . حيث تشرف وزارة المواصلات بصورة كاملة على هذا القطاع من حيث الترخيص والتحكم . ويتوفر حالياً حوالي 000ر10 شاحنة متوسطة و 000ر76  شاحنة ثقيلة لنقل البضائع بين المدن وخاصة الرئيسية منها مثل الدمام والرياض . وتنافس تلك الخدمة بأسعارها المنخفضة أسعار نقل البضائع بواسطة السكك الحديدية([3])[7] .

3 – 4 السكك الحديدية :

يبلغ طول خطوط السكك الحديدية حوالي 580 كيلومتر توفر خدمات نقل الركاب بين الرياض والدمام مروراً بالهفوف ونقل البضائع بين ميناء الدمام ومدينة الرياض. وقد قامت المؤسسة العامة للسكك الحديدية بنقل حوالي 3 ملايين راكب وحوالي 7ر10 مليون طن خلال الفترة من عام 1410هـ وحتى عام 1416 هـ [1] . وتقوم المؤسسة بتشغيل قطارين للركاب وثلاثة قطارات لشحن البضائع ، مع أنه يمكنها بسهولة تشغيل ضعف تلك الطاقة في كلا الخدمتين من خلال تحسين بعض خدمات مراقبة القطارات وحلقات العبور [7] .

3 – 5 النقل البحري:

استثمرت الحكومة خلال العقدين الماضيين اكثر من 30 بليون ريال في تطوير وإنشاء الموانئ في المملكة . إذ قامت ستة موانئ رئيسية بمناولة حوالي 55 مليون طن من البضائع في العام الماضي . وتحتفظ معظم هذه الموانئ بطاقة استيعابية أعلى بكثير من حجم الاستخدام الحالي وخاصة بعد تطوير أنظمة التفريغ والمناولة إذ يتم استغلال فقط 139 رصيفاً من الأرصفة المتوفرة حالياً والبالغة 176 رصيفاً بحرياً في الموانئ السبعة العاملة في المملكة [7] . وتركز المؤسسة العامة للموانئ ، الجهة المشرفة على قطاع الموانئ، على رفع مستوى خدمات النقل البحري وذلك لمنافسة المدن الأخرى وخاصة الخليجية والعربية عن طريق زيادة الاستثمارات وتحسين مستوى الإدارة لهذا القطاع المهم .

3 6 النقل الجوي:

تتولى رئاسة الطيران المدني مسؤولية تأمين وإدارة المطارات وإدارة المجال الجوي ، بينما تتولى الخطوط الجوية السعودية مسؤولية خدمات النقل الجوي . حيث بلغ أسطول السعودية خلال عام 1415هـ 85 طائرة تعمل منها 66 طائرة لخدمات نقل الركاب والشحن الجوي المنتظمة [8] . وقد نقلت السعودية خلال 1992م حوالي 11 مليون راكب منهم 6ر7 مليون راكب على الرحلات الداخلية ، وحوالي 187.000 طن من البضائع على رحلاتها المجدولة [8] . وخلال العامين الماضيين قامت السعودية بتحديث ضخم لأسطول طائراتها وذلك بشراء العديد من الطائرات الجديدة لخدمات النقل الداخلي والدولي . أما بالنسبة للمطارات فيوجد بالمملكة ثلاثة مطارات رئيسية في المدن الرئيسية الثلاث الرياض جدة الدمام و 22 مطاراً محلياً تتوزع على أجزاء المملكة المختلفة. وتعمل معظم المطارات المحلية بأقل من 15% من طاقاتها الاستيعابية مما يرفع من تكلفة التشغيل لكل راكب [8] .

4 – التخطيط الاستراتيجي ودوره في المحافظة على استثمارات قطاع النقل:

يمكن تعريف التخطيط الاستراتيجي بأنه عملية منظمة لإصدار القرارات والأفعال التي تشكل وتوجه عناصر ومكونات النظام وطريقة تشغيله [10] . حيث يمكن ربط قطاع النقل وتخطيطه كنظام متكامل وموحد لتحقيق الأهداف المطلوبة من القطاع . ويختلف التخطيط الاستراتيجي في مفهومه عن التخطيط الشامل أو التخطيط بعيد المدى. فالتخطيط الاستراتيجي يركز على تلبية الاحتياجات والتعامل مع المؤثرات الداخلية والخارجية من خلال تطوير تصور مرن للتغير المستقبلي في فترة زمنية معروفة بينما يركز التخطيط الشامل والبعيد المدى على تحقيق أهداف محددة بوسائل وقرارات محددة [11] . كما يتميز التخطيط الاستراتيجي باستخدامه لوسائل وتقنيات لجمع وتحليل المعلومات وتحديد الأهداف والغايات والمشاركة الفعالة لمختلف القطاعات المؤثرة واقتراح الحلول والبدائل والتنفيذ الناجح للنتائج والتوصيات بطريقة تسلسلية ودائرية . إذ يركز التخطيط الاستراتيجي على القضايا المهمة للنظام ووضع إطار مرن وفعال لصناع القرار يتجاوب مع المتغيرات الحالية والمستقبلية وتحديد الأولويات لتوزيع الموارد والأفعال [6]. وقد تزايد الاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي كوسيلة للدول والأقاليم والمدن لتنظيم المستقبل في وقت كثرت وتعقدت فيه المتغيرات والمؤثرات الخارجية والداخلية [11] . 

ويوفر استكمال معظم التجهيزات الأساسية لقطاع النقل في المملكة فرصة في توجيه الاستثمارات الحكومية نحو تطوير الجوانب التشغيلية لعناصر القطاع وذلك من خلال تحسين كفاءة التشغيل والتنسيق بين تلك العناصر . حيث يمثل قطاع النقل في المملكــــة وفي مختلـــف دول العالم حجر الأساس لمعظــم الأنشطــة الاقتصادية وخاصة ما يتعلق بنقل الركاب والبضائع . وتسهم خدمات النقل بصورة مباشرة وغير مباشرة في حوالي 5% من إجمالي الناتج المحلي في المملكة([4])(حوالي 25% من إجمالي الخدمات غير النفطية) [12].

ولتحقيق الاستفادة القصوى من الاستثمارات الوطنية في قطاع النقل فإنه لابد من الاستفادة من الخطط الاستراتيجية في هيكلة عناصر القطاع وتحسين مستوى الخدمات وذلك على مستويات مختلفة تتضمن ما يلي [13] :

المدى القصير وذلك بتصحيح المشاكل التي يعاني منها قطاع النقل.

المدى المتوسط وذلك لمحاولة أقلمة عناصر القطاع للمستجدات والتطورات التقنية والفنية والتنافسية المؤثرة على كفاءة تشغيل القطاع .

المدى البعيد بالمحافظة على حماية مكتسبات قطاع النقل وتطويرها بصورة مستمرة وذلك لتحقيق الأهداف المرسومة لها .

4 – 1  تصورات أولية للخطة الاستراتيجية:

كأي وسيلة تنظيمية وتطويرية ، تعتمد الخطط الاستراتيجية لقطاع النقل على ثلاثة محاور رئيسة:

أولاً : الحاجة إلى تحديد الأولويات لتطوير خدمات القطاع من حيث الإنشاء والصيانة والتطوير على المدى القصير والمدى البعيد .

ثانيا : الحاجة إلى تنظيم وهيكلة مدى مساهمة الجهات المعنية بقطاع النقل بما في ذلك القطاع الخاص .

ثالثا : الحاجة إلى رفع مستوى التكامل بين عناصر ومكونات القطاع والاستفادة من التقنيات الحديثة في تطوير وسائل ومرافق النقل .

وترتبط تلك المحاور ارتباطاً وثيقاً بعضها مع بعض من حيث التأثير المتبادل لكل محور على المحور الآخر . فعلى سبيل المثال ، يرتبط التكامل بين وسائل النقل بمدى القدرة أولاً على تحديد أولويات التطوير لعناصر القطاع ، وفي نفس الوقت بكيفية إعادة تنظيم الدور الذي تؤديه كل جهة على حدة في بلورة وتنفيذ خدمات النقل .

5 –  المنهجية المقترحة لاستراتيجية النقل الوطنية :

تتضمن المنهجية المقترحة لتطوير استراتيجية وطنية للنقل تنظم خدمات النقل الحالية والمستقبلية خطوات رئيسة ترتبط فيما بينها بطريقة تسلسلية ودائرية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء رئيسة ؛ عملية التخطيط الاستراتيجي ودور الجهات في التنفيذ والتكامل مع المستويات والعناصر العمرانية الأخرى([5]). وتتداخل هذه الخطوات بعضها ببعـــض وخاصـــة ضمن نطاق كل جزء رئيس وبين الأجزاء الرئيسة الأخرى (انظر شكل 1 ).

أولاً : عملية التخطيط الاستراتيجي:

5 – 1  تحديد المشكلات والقضايا الحرجة التي يعاني منها قطاع النقل داخل المدينة:

تكمن أهمية تلك الخطوة في الحاجة إلى التعرف على المشكلات التي يعاني منها قطاع النقل بعناصره المختلفة ، وذلك لتحديد الأسس التي ينبغي التعامل بها مع تلك المشكلات سواءً على المدى القصير أم المدى البعيد . وتتضمن هذه الخطوة محاولة التنبؤ بطبيعة المشكلات التي يمكن أن تنشأ في المستقبل سواء نتيجة عدم التدخل في عمليات القطاع أم نتيجة تغير الظروف والمؤثرات . ويرتبط تحديد حجم المشكلات التي يمكن أن تنشأ في المستقبل بتحديد حجم وطبيعة الطلب المستقبلي على خدمات النقل في المملكة . فمن المتوقع أن تستمر الزيادة في الطلب نتيجة الزيادة المستمرة في عدد السكان وخاصة في المناطق الحضرية والتوسع العمراني للمدن السعودية وتوفر وسائل النقل الميكانيكية مع الزيادة المستمرة في دخل السكان والأنشطة الاقتصادية والصناعية [3] .

5–2 تصنيف المشكلات وتحديد أسس التعامل معها:

لا بد من تصنيف المشكلات والقضايا الحرجة إلى مستويات مختلفة وذلك لتحديد أولوية التعامل مع تلك المشكلات. إذ تساعد هذه الخطوة على تحديد طريقة التعامل مع تلك المشكلات من حيث الفترة الزمنية والجهة أو الجهات المسؤولة وتكلفة الحل . ويمكن أيضا تصنيف المشكلات من حيث مستوى الخطورة وسهولة التعامل وإمكانية التنفيذ . كما أنه لا بد من تصنيف طريقة التعامل مع تلك المشكلات بحسب الوسائل المختلفة . فبعض مشكلات النقل يمكن حلها عن طريق تحسين مستوى الصيانة أو إنشاء مرافق وخدمات جديدة . كما يمكن أن تتضمن تلك الخطوة تحسين مستوى التعامل مع تلك المشكلات بطريقة قد تختلف عن التجارب السابقة ( مثلاً ، نظرة إقليمية مقارنة بالمعالجات المحلية السابقة ) .

5 –3  تحديد الأهداف الاستراتيجية لتطوير قطاع النقل الوطني:

بعد التعرف على المشكلات التي يعاني منها قطاع النقل الوطني وأسس التعامل معها ، ينبغي تطوير أهداف مستقبلية لتنمية القطاع . وتضمن تلك الأهداف التعامل المباشر مع المشكلات وتقود عمليات المعالجة والتطوير لمختلف عناصر قطاع النقل . وعادة ما تحقق الأهداف توجهين رئيسين للتطوير المستقبلي : التعامل مع المشكلات الحالية والمستقبلية والاستفادة من الفرص الحالية والمتوقعة لعناصر وخدمات القطاع في الارتقاء بخدمات النقل والبيئة العمرانية .

وتختلف الأهداف في مفهومها عن السياسات والاستراتيجيات . فالأهداف تمثل تعبيرات عامة لمستقبل مثالي أو مرغوب نرغب في تحقيقه من خلال تركيز الجهود والمصادر . أما السياسات فهي تنظيمات على شكل غايات معرفة لتحقيق أهداف محددة سلفا . وتمثل الاستراتيجيات مظلة تنظيمية للأهداف والسياسات في ترتيب زماني ومكاني وبأولويات متفق عليها لتحقيق النهايات المستهدفة [16] .

5 – 4 تطوير السياسات والحلول المقترحة:

تمثل مرحلة تطوير السياسات والحلول خطوة رئيسة لتحقيق الأهداف والغايات الاجتماعية لتطوير القطاع . وتركز هذه الخطوة على الاستفادة من القضايا التي تم تحديدها في خطوت سابقة لعملية التخطيط الاستراتيجي في تطوير حلول مبتكرة لتلك القضايا تركز على محاولة تقليل المشكلات الحالية والمتوقعة وفي نفس الوقت الاستفادة من الفرص المتاحة والمتوقعة في التنظيم الكفء والفعال لخدمات النقل . وينبغي أن تركز الحلول المقترحة على محاولة تفادي القرارات الضخمة والأحادية وتحويلها إلى مجموعة من الحلول التجديدية المبسطة وذلك للمحافظة على التماسك الهيكلي للخدمات الحالية وتحسين أدائها المستقبلي بالانتقال المنظم من الأفكار إلى التطبيقات [17] .

ويمكن تصنيف السياسات المقترحة لتنظيم قطاع النقل إلى خمسة عناصر رئيسة تشكل في مجموعها الهيكل المقترح لاستراتيجية النقل الوطني ، تتضمن ما يلي :

1 - مستوى ونوعية مشاركة الجهات في نظام النقل

2 - وضع الخطط والسياسات

3 - صنع القرار ومتابعة التنفيذ

4 - الاستثمار في خدمات قطاع النقل

5 - الإدارة والتنظيم

وترتبط عملية اختيار وتبني السياسات الاستراتيجية لقطاع النقل بعوامل ومعايير تضمن تحقيق نسبة عالية من النجاح لتلك السياسات . حيث يمكن أن تتضمن تلك المعايير ما يلي [18]:

         §          هل تؤدي السياسة إلى تخفيض التكلفة الصافية للقطاع أو أحد عناصره؟

         §          هل تضمن السياسة معاملة متساوية لمختلف فئات المجتمع من حيث العمر والجنس والمنطقة ومستوى الدخل ؟

         §          هل تحقق السياسة مستوى أعلى من السلامة والأمان لعمليات القطاع ؟

         §          هل السياسة مقبولة سياسيا واجتماعيا ؟

         §          هل السياسة سهلة الإدارة والتنظيم ؟

         §          هل تتجانس السياسة مع السياسات العمرانية الأخرى على مستوى الدولة والمستويات الأقل كالإقليم والمدينة ، وخاصة ما يتعلق بالحفاظ على البيئة الطبيعية والمبنية وتحسينها ؟

         §          مدى شمولية السياسة لعنصر أو أكثر من عناصر قطاع النقل ؟

فالإجابة عن هذه التساؤلات ستحدد مدى نجاح تلك السياسات في تحقيق الأهداف المرجوة من الاستراتيجية الوطنية لقطاع النقل الوطني .

ثانياً : دور الجهات في التنفيذ:

5 – 5  تنظيم دور إسهام الجهات المختلفة في المشاركة:

بعد تطوير المقترحات والحلول المتعلقة بقطاع النقل ، فإنه لا بد من تحديد الجهة أو الجهات المسؤولة عن تنفيذ ذلك . حيث تتنوع مشاركة الجهات الحكومية والخاصة في تخطيط وتطوير وتشغيل خدمات النقل في المملكة كما هو موضح في جدول (3) . وتعتمد طريقة التحديد على الأدوار السابقة التي كانت تلعبها تلك الجهات ومدى كفاءتها في التعامل مع المشكلات والطريقة المثلى لإنجاح الحلول بناءً على التجارب السابقة للدولة أو تجارب الدول الأخرى المشابهة . إذ يمكن أن يغطي إسهام الجهات التخطيط والتصميم والتمويل والتنفيذ للحلول المقترحة لتطوير نظام النقل أو أحد عناصره . كما ينبغي أيضاً تحديد حجم إسهام كل جهة وتحديد جهة مسؤولة عن تنظيم مشاركة الجهات الأخرى ومتابعة تنفيذ الحل .

ويمكن أن تعاني السياسات المقترحة لهيكلة إسهام الجهات لمعارضة بعض الجهات المشاركة مما قد يتسبب في إعاقة تنفيذها . ويمكن أن تنبع معارضة تلك الجهات من مصادر متنوعة تشمل عدم توفر القدرات الفنية لدى تلك الجهات والتركيز على الممارسات السابقة للجهاز والتعقيدات القانونية للأنظمة الحالية [17] . 

5–6  رفع مستوى المشاركة والتنسيق بين الجهات

لا بد من رفع مستوى الأداء والفعالية للجهات المشاركة في تنظيم قطاع النقل وذلك لضمان تحقيق مستوى أداء فعال لخدمات النقل في المملكة ككل . ويمكن رفع مستوى وفعالية مشاركة الجهات والإدارات من خلال رفع كفاءة العاملين وتحسين إجراءات المتابعة وبصفة عامة تحسين مستوى التكامل بين إدارات الجهة لتحقيق الفعالية المرجوة . ويعتبر العنصر الأخير المتعلق  بالتكامل بين إدارات الجهة الواحدة خطوة مهمة نحو تكثيف وتنسيق الجهود داخل الجهة نحو رفع مستوى التكامل الأفقي والذي قد يتطلب تركيزاً على التكامل الرأسي مع الإدارات الأعلى داخل الجهة نفسها .

ونتيجة لارتباط الكثير من خدمات النقل بجهات متعددة سواء حكومية أو خاصة، فإنه لا بد من ضمان مستوى جيد من التنسيق والتكامل بين تلك الجهات . ومع أنه في كثير من الأحيان يتم التنسيق في بعض قضايا النقل ، إلا أن مستوى التنسيق ما زال ضعيفاً وغير فعال . إذ لا بد أن يرتكز التنسيق في معظم خدمات النقل على درجة عالية من التكامل في الأداء والمساهمة وذلك لضمان عدم التعارض أو المنافسة في تقديم تلك الخدمات أو الحلول .

ويرتبط نجاح عملية التنسيق بين خدمات النقل المختلفة بإمكانية التغلب على المعوقات المؤسسية للجهات المختلفة في التحكم واستعمال الموارد والمعوقات الإدارية المقيدة للاستعمال الأمثل للموارد والمعوقات الفنية لتوفير خدمات النقل الضرورية [19].

5–7 رفع مستوى التكامل بين خدمات النقل

بعد رفع مستوى مشاركة الجهات في تحسين خدمات النقل فإنه لا بد من التركيز على تحسين مستوى التكامل بين الخدمات الحالية والمقترحة داخل كل عنصر من عناصر النقل ومع العناصر العمرانية الأخرى . إذ ترتكز تلك الخطوة والتي تعتبر الأهم والأصعب في كثير من الأحيان على محاولة رفع مستوى التكامل بين الوسائل المختلفة سواء الحالية أو المقترحة . فاقتراح وسائل وخدمات جديدة للنقل سيؤثر بالتأكيد على الوسائل الحالية سواء داخل نظام الخدمة أو الأنظمة  الأخرى . ففيما يتعلق بالنقل العام، فإنه لا بد من ربط الوسائل المقترحة لتطوير النظام ، كالقطارات الخفيفة مثلاً ، بوسائل النقل العام الحالية كالحافلات وسيارات الأجرة بطريقة تضمن التكامل بين تلك الوسائل . كما أن هذا أيضا ينطبق على خدمات النقل الأخرى كالطرق والمركبات الخاصة ومراكز وخدمات النقل بين المدن . وفي نفس الوقت لا بد من الاهتمام بالتأثير المتبادل بين خدمات وعناصر النقل والعناصر العمرانية الأخرى على مستوى المدينة والإقليم والدولة . ولن يتم تحقيق ذلك بدون التأكيد على الربط والتكامل بين قطاع النقل في المملكة والأنظمة العمرانية الأخرى بطريقة متوازنة .

ويمكن زيادة مستوى التكامل بين خدمات النقل من خلال ثلاثة طرق؛ الأولى تطبيق طريقة المضاربة وذلك بربط العرض بالطلب كما هو متبع في الاستراتيجيات الأمريكية . أما الطريقتين الأخريين والمطبقتين بتوسع في أوروبا فتؤكد على التنسيق من خلال الأنظمة أو المنهج التكاملي للأنظمة المؤسسية [19].

ثالثاً : التكامل مع المستويات والعناصر العمرانية الأخرى:

5–8  تكامل استراتيجية النقل مع استراتيجيات التنمية العمرانية الوطنية:

يمثل قطاع النقل في المملكة عنصر ربط وتكامل بين قطاعات الدولة المختلفة نتيجة الارتباط القوي بين قطاع النقل والقطاعات الاقتصادية الأخرى [2]. وترتبط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة بصورة واضحة بالتطور الهائل الذي شهدته الدولة السعودية في قطاع النقل وخاصة ما يتعلق بشبكة الطرق . كما أن الهيكل والشكل العمراني والبيئة المبنية للمدن الحالية ، وخاصة ما يتعلق باستعمالات الأراضي وتوزيع الأنشطة العمرانية والمرافق والخدمات ، قد تأثرت تاريخيا بالتطور في شبكة الطرق خلال العقود الماضية [13]. هذه النتائج تحتم الأخذ في الاعتبار التأثير المتبادل بين خدمات وعناصر النقل والعناصر العمرانية الأخرى على مستوى المدينة والإقليم والدولة . ولن يتم تحقيق ذلك بدون التأكيد على الربط والتكامل بين قطاع النقل في المملكة والأنظمة العمرانية الأخرى بطريقة متوازنة وخاصة ما يتعلق بالسياسات العمرانية المكانية كالاستراتيجية العمرانية الوطنية التي يجري العمل على تبنيها من قبل مجلس الوزراء . هذا التوجه يحقق التنفيذ المرحلي لاستثمارات النقل وإمكانية تحقيقها للسياسات العمرانية من حيث الفاعلية والكفاءة الاقتصادية والتنفيذية [16] .

5–9 الربط والتكامل بين استراتيجيـة النقل المحلي والاستراتيجية الوطنيـة:

يشكل قطاع النقل المحلي جزءاً رئيسياً مكملاً لقطاع النقل الوطني . حيث يرتبط المستوى المحلي للقطاع ارتباطا وثيقا بالمستوى الوطني من حيث كونه منبعاً للأنشطة الوطنية أو نهاية لها . وبدون التنسيق المتكامل بين المستويين فلن يستطيع المشغلون والمستفيدون تحقيق الاستفادة