أولاً : مدخـل :

الحديث عن مرتكزات التخطيط للتنمية عند المؤسس العظيم – رحمة الله عليه– حديث عن تاريخ من نبل التضحيات والكفاح والعزم والإصرار، حديث عن رجل نذر نفسه والنفيس لكي يجعل من هذه الأرض وطناً مسيَّجاً بالأمن والأمان ، زاهياً بالكرم والكرامة ، ناعماً برفاه العيش والاستقرار، اهتمامات جليلة شغلت فكر وعقل ذلك المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، بل هي أهداف مصيرية واضحة ملأت عليه وجدانه وذهنه، رآها ببصيرته الثاقبة وهي بعيدة المنال آنذاك، منح لها كل ما امتلأت به روحه من إيمان بالله العزيز القدير، رعاها بعبقريته السياسية وحكمته ونبل مطلبه، وبرجولته وفروسيته الفريدة، وبمعرفته بالبلاد وبالرجال، فخاض غمار تحديات من الفرقة والشتات والجهل والمرض والمشاحنات والمنازعات القبلية والمطامع الإقليمية والدولية ، إلى أن شد أوصال هذا الوطن بعضه إلى بعض ، وحقق معجزة توحيد المملكة، دولة يظلها علم لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، تستهدي بالشريعة السمحاء ، وتحرص على الولاء لقيمها وعاداتها العربية الأصيلة.

هذا المشهد التاريخي، الذي تتزاحم صوره في الذهن، لا تستطيع الكلمات مهما أُوتيت من بلاغة أن تستعيده، لأنه مسيرة من البطولة والعمل والتدبر والتخطيط لا مجال للإحاطة به ، لكننا اليوم نعيشه ونراه وننفعل به ونتفاعل فيه، فخورين ممتنّين بالولاء والشكر للّه سبحانه أن قيّض لهذه البلاد ذلك الرجل الفذ، القائد الإنسان الذي جعل الحلم حقيقة ، وجعلنا له وبه ملتزمين بالولاء لنبل المقصد وعظمة الإنجاز.

لقد كان الملك عبدالعزيز في كل خطوة يخطوها رجل دولة من الطراز الأول، تجاورت في هواجسه كل مقومات الدولة وكل أسباب النهضة والتطور ، وإذا شئنا أن نحدد تلك المرتكزات التي أقام عليها الراحل العظيم هذا البنيان الشامخ لوجدنا أنفسنا أمام خطوات جسورة رائدة جمعت بين الإجرائين العملي والإداري التنظيمي، وبين الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، بل أن هذه لتتضافر مع بعضها البعض حتى أن الواحد منّا يجد في تحديد ركيزة بعينها ركائز أخرى، حافلة بأبعادها الإنسانية والفكرية والاقتصادية.. من هنا يمكنني القول بأن مرتكزات التخطيط للتنمية في المملكة العربية السعودية في وقتها الراهن إنما تنهض من واقع التفاعل مع ذلك المنظور الشامل الذي ترجمه عملياً – رحمه الله – في مسيرته للبناء ، فلقد كانت أفكار وجهود المؤسس الأول هي الأساس الذي مهد لكل تنمية لاحقة ، وكانت الحافز الأصيل للاستمرار والبقاء، الأمر الذي يستدعي ضرورة التوقف عند المواقف والاتجاهات الفكرية والحضارية التي أسسها الملك عبدالعزيز ، وأن يكون النظر إليها أساساً من جهة علاقتها بالتنمية، فهي مثل كل الأعمال التاريخية تعرض للناظر أكثر من وجه وتتضمن أكثر من دلالة. ولكنا نتوقف هنا عند دلالتها التنموية وأثرها المباشر على شق طريق التنمية ووضــع أسسها.

ثانياً : مرتكزات المؤسس للتنمية :

الواقع أن النظرة إلى أفكار وأعمال الملك عبدالعزيز من ناحية علاقتها بالتنمية يكشف لنا عن مفهوم التنمية عند الملك عبدالعزيز، والذي كان يعني أساساً الإلمام بمشاكل الواقع واحتياجات المواطنين العاجلة، ثم محاولة الاستجابة لها بمشاريع وتنظيمات كبيرة ، تفتح الطريق للمستقبل ، وتمهّد لتغيير متصل ودائم يضع في الاعتبار احتياجات الأجيال المقبلة على نفس القدر من الاهتمام بالاستجابة العاجلة لاحتياجات الحاضر الملحة، ولكي نستطيع أن نحدد جوانب هذا المفهوم القديم الحديث عند الملك عبدالعزيز سنتوقف عند أربعة مرتكزات أو اتجاهات شملت كل أعمال وكل سنوات حُكمه ، وتبينت في كل ما أصدر من قرارات أو ماقاد إليه من تنظيمات شملت كل جوانب الواقع.. وهي على النحو التالي:

1– توحيد المملكة:

فقد كان توحيد المملكة هو الهدف الأول والأكبر للملك عبدالعزيز منذ وصوله الرياض بل وقبل ذلك، كان هذا حلماً صاحب شبابه ونما مع سنوات عمره، ثم أنه قبل أن يكون حلماً كان مسؤولية خلقية ورثها عن أسلافه ، واستمدها مما درس من تاريخ عائلته أو تلقاها مباشرة عن أبيه، ولا شك أن أعمال الملك عبدالعزيز الجليلة وكفاحه في سبيل القضاء على مظاهر التفرقة والخلافات –التي كانت قائمة آنذاك– كانت أساساً إجرائياً عملياً لتوحيد المملكة ولترسيخ الأمن في الأرجاء، وتربية الانتماء لدى القبائل البدوية عن طريق خطته في تكوين الهجر كأساس وبدايات لخطط التنمية الزراعية والتعليمية ، وعن طريق انشغاله في دعم هذا التوحيد الذي ينشده للمملكة بشق طرق المواصلات بشتى أنواعها، ومن هنا نضع أيدينا على التوحيد كركيزة للتنمية، كانت تفكر في الحاضر كما تفكر في المستقبل ، وفي الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة معاً .. فقد شكّل توحيد المملكة – بكل معانيه وأبعاده الإنسانية والاقتصادية والجغرافية – الأساس الجوهري للاستقرار الاجتماعي ، فمنح لعمليات التنمية إطارها الحيوي الذي مكّنها من التفاعل والإنجاز مثلما مكّنها من ترسيخ مشاعر الولاء والانتماء.

2– تثبيت أركان الشريعة الإسلامية:

لقد ارتكز الملك عبدالعزيز بالأساس–  في كل جهوده – على العقيدة الإسلامية ، وكان هدفه الجوهري تثبيت أركان الشريعة الإسلامية ونشرها في الجزيرة امتداداً لتراث أسلافه، وتعبيراً عن عقيدته التي أقام عليها مملكته ، وعندما ننظر إلى هذه الركيزة نجدها يندرج فيها تمسكه بالعدل والمساواة وتنفيذ الحدود، وخدمته الأماكن المقدسة والمسلمين ، والتي تترجمها أعماله في توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي ، وتنظيم أعمال التدريس في المسجد الحرام ، وما صاحب ذلك من تنظيم للمدارس الفقهية ، وامتداد ذلك إلى اهتمامه المبدئي لوضع نظام قضائي شامل كان من شأنه أن نشر الاطمئنان في النفوس إلى أن الحقوق مصونة ، والاحتياجات مكفولة في ظل أحكام شرعية بتطبيق مبادئ الدين الإسلامي في كل البلاد ، فاهتمام المؤسس بتثبيت الشريعة الإسلامية كان جوهراً وأساساً في تسييد القيم الإسلامية والمبادئ الأخلاقية السامية التي صدعت بها شريعة الله، والتي تؤكد على العمل الصالح وعمارة هذه الأرض بالخير والنماء والأخوة والسلام ، وكلها مقاصد سامية دافعة محفزّة على التنمية سواء للفرد أو للمجموع.

3– معرفة الواقع ودراسته:

ولا بد أن نعد هذا الجانب والاتجاه جانباً جوهرياً آخر في فكر الملك عبدالعزيز وأعماله ، فقد كان شديد الإيمان والتمسك بدراسة واقع البلاد دراسة تفصيلية من الناحية الجغرافية واللغوية والقبلية ، وقد بدأ الملك هذه الدراسة في وقت مبكر من شبابه قبل مغادرته الأولى إلى الكويت مع أبيه ، ثم خلال رحلته عبر الصحراء، واستمرت هذه الدراسة بعد ذلك خلال سنوات حكمه لها، حتى أصبح حجة فيما يتطلبه واقع بلاده من تغيير مادي وبشري، وأصبحت معرفته معياراً يقيس به كل ما يقدم له من مشاريع ومقترحات من الخبراء والمستشارين الذين جمعهم حوله أو استحضرهم ليعملوا عنده ، وكانت هذه المعرفة لدى الملك مبطّنة ومسلّحة بمقدرة دبلوماسية وحنكة سياسية فريدة فيما يعرض له من أزمات ، وقد سنّ الملك عبدالعزيز بذلك منهجاً للاتجاهات الأساسية للدراسة العلمية التي تابعتها خطط التنمية، مؤكداً بذلك على أن تلك الدراسة للواقع هي الأساس لكل فعاليات التخطيط، وإعطاء أساليبه ومناهجه مصداقية التعامل مع الواقع والتفاعل في احتياجاته في استجابات مناسبة.

4– النظرة المستقبلية المصاحبة لأعماله:

إذا كان كلٌ من توحيد المملكة وتثبيت أركان الشريعة ركيزتين جوهريتين في فكر الملك عبدالعزيز تدعمها معرفته بالواقع ودراسته، فإنه قد استطاع أن يحيل هذا التركيز إلى عمل يستشرف آفاق المستقبل، وهو في تلك النظرة إلى المستقبل لم يكن يكتفي بالوقوف على تفاصيل قد تطرحها ظروف الحياة القائمة، ولكنه كان يمد البصر بعيداً ليستشرف مستقبل أمة قادرة على أن تسجل مواقع خطوها على دروب التاريخ، فوضع لذلك منهجاً يكفل استمرارية تلك النظرة عند التخطيط لكل فترة من الفترات، فلا تكتفي تلك النظرة بالركون إلى ما تحققه من إنجازات، بل تتخذ من تلك الإنجازات أساساً للانطلاق إلى مرحلة جديدة، ثريّة برؤى مستقبل جديد أصبح يطرح نفسه في تكريس كل ما يحمله من استشرافات وتطلعات ، لقد أصبحت – منذ المؤسس العظيم– تلك النظرة المستقبلية عنصراً مهماً في عمليات التخطيط وأساساً في تحديد سياساته، وبهذا المعنى تعد أعماله كلها بداية لتنمية ممتدة تنظر مع كل خطوة إلى المستقبل، أي أنها كانت تمهد لأساس التخطيط وإنجازاته التالية.

تلك كانت أهم المرتكزات التي شيّد عليها وبها الملك المؤسس البنيان الراسخ لهذا الكيان الشامخ، وتلك كانت منطلقات جوهرية استلهمتها– فيما بعد– التوجهات التنموية والتطويرية لمسيرة التحديث والتحضر في المملكة، منها كان النبراس ، وبها كان الاقتداء والتمثل.. وإذا كنّا اليوم قد قطعنا في مسيرة التخطيط للتنمية كل تلك السنوات، فلن نجد على معالم هذا الطريق الباهر– وفي كل خطوة خطتها المملكة– إلاّ تواصلاً مع تلك المرتكزات، والتي شكّلت لكل ما تحقق حتى اليوم أرض الطمأنينة والإطار الحيوي لفعاليات التنمية، وما تحقق نعرفه جيداً ونعيشه وقد أصبح هو واقع حياتنا ومفردات عصرنا، وإنما نستعيده ونستعرضه حباً في أن نقدم بولاء إشارة العرفان إلى عظمة هذا الرجل.

ثالثاً : مشاريع تدعيم وحدة البلاد:

إن الواحد منّا، في وقفته مع تاريخ هذا الرجل وأمام البسالة التي واجه بها كل الصعاب والتحديات يحار فيما ينتقي من المجموع الزاخر من الأعمال الجليلة التي قام بها أو شرع في التمهيد لها، ففضلاً عن الركائز التي سبقت الإشارة إليها كان الراحل العظيم– فوق ذلك ومعه– يؤسس لبرامج التنمية ومشاريعها على أرض الواقع .. وقد كانت التحديات أمامه جمّة، بل لقد كان وهو في غمرة انشغاله في توحيد البلاد يفكّر في تكريس مقومات الدولة وآليات أدائها .. فقد كان من صميم هواجسه واهتماماته الأولية حرصه الشديد على تأمين الغذاء والماء، من هنا ندرك لماذا وجّه إلى الزراعة اهتماماً عظيماً، في إصرار على الخلاص من أساليب الزراعة البدائية الشائعة آنذاك ، والتي كانت تعتمد على الزراعة البعليــة فــي مواســم الأمطار أو على مياه الآبار السطحية اليدوية، إذ بادر الملك لمواجهة كل ذلك بالشروع في العديد من الإجراءات مثل استقدام بعثة زراعية من العراق لدراسة المناطق الزراعية بالخرج عام 1353هـ ، ثم بعثة أخرى عام 1354–1356هـ ، ثم البعثة العربية خلال عام 1361–1365هـ، وكذلك البعثة الزراعية الأمريكية عام 1362هـ وغيرها، ومع تلاحق هذا الاهتمام ومتابعة عمل البعثات أنشأ مديرية للزراعة والمياه عام 1367هـ ، وظلت المديرية مسؤولة عن تنمية القطاع الزراعي حتى صدر مرسوم ملكي بإنشاء وزارة الزراعة، وقد واكب اهتمام الملك بالزراعة، اهتمام مماثل بتنمية قطاع المياه، ولأن الاعتماد قبل الملك عبد العزيز كان على مياه الأمطار والعيون والآبار اليدوية، وفي سبيل الخلاص من ذلك الوضع أيضاً وجّه إلى عدد من الإجراءات العمليــة مثـل: استخدام المضخات الهوائية عام 1350هـ لضخ المياه من تحت سطح الأرض ، وقد تم ذلك شرقي مدينة جدة، وإنشاء سد لحجز مياه الأمطار بأعلى مكة المكرمة في عام 1362هـ، وإيصال الماء العذب من الكنداسة (المكثف) عام 1367هـ في جدة، أما في عام 1369هـ فقد تم إيصال المياه من عيون وادي فاطمة عبر أنابيب، وأُقيم خزان شرق مدينة جدة يسع (4) أربعة ملايين جالون من المياه ، وتم عام 1371هـ حفر 60 بئراً على مجرى عين العزيزية، كذلك تم تبليط عين الزرقاء في المدينة المنورة ، وأحدثت عدة ممرات لماء العين من باطن الأرض ، وأنشئت إدارة خاصة بها، كما كان قد أمر الملك – رحمه الله – بإجراء المياه إلى الرياض من وادي الباطن ومن السويدي والحائر ، وأمر بحفر الآبار الارتوازية بدلاً من النواعير.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حرص الملك – رحمه الله – على إنشاء المصالح والجهات الإدارية الضرورية والنظم اللازمة ؛ ففي عام 1359هـ أنشئت مصلحة الكنداسة حيث استخدمت تحلية مياه البحر، وفي عام 1346هـ أمر بتشكيل لجنة بإدارة عين الزرقاء بالمدينة المنورة لتنظيف منابع العين وتوسعتها، وفي عام 1353هـ أُنشئت عين العزيزية بمدينة جدة لتغذية مدينة جدة ، وفي عام 1353هـ تم إنشاء عين زبيدة بمكة المكرمة للمحافظة عليها والاهتمام بنقائها ، وفي عام 1366هـ أنشئت هيئة إدارة عين العزيزية بمدينة جدة وذلك لجلب المياه من وادي فاطمة إلى مدينة جدة، كما حُفر في المنطقة الوسطى ورُمم أكثر من 100 بئر ، وأُنشئت القنوات والمجاري عبر الصحراء ، وبُنيت السدود ، كما حُفرت شبكة من الآبار الارتوازية الكافية لإرواء 400 ألف شخص.

ذلك واحدٌ من التحديات تزامن مع تحدٍ آخر كان له أيضاً مكان الأولويات القصوى عند المؤسس، فمنطلقاً من حرصه – رحمة الله عليه– على تفعيل متانة وحدة البلاد وترسيخ انتماء أهلها لها، ودعم سبل التواصل فيما بينهم، ألقى بثقله في قطاع المواصلات والاتصالات، فمن مرحلة الجمال وطرق القوافل إلى النهوض بعمل مؤسسي رائد أمر به الملك – رحمه الله – في وقت مبكر وبالتحديد عام 1355هـ ، أعني إنشاء مصلحة الأشغال العامة والمعادن، وكانت مهمتها أن تعنى بشؤون مشاريع الأشغال العامة والطرق، وقد ظلت المصلحة تقوم بعملها حتى عام 1372هـ ، حين تم بعد ذلك إنشاء وزارة المواصلات،على أن انشغال الملك بالنقل والمواصلات والاتصالات كان هاجساً دائماً لازمه طوال حركته لتوحيد البلاد وبدء تنظيماته الإدارية، فقد استعان بمهندسين من خارج البلاد قاموا بالإشراف على تعبيد مجموعة من الطرق البرية مثل طريق جدة–مكة، كما عبّد طريق الرياض – الطائف – مكة، وطريقان آخران الرياض – الهفوف – الظهران – القطيف – الجبيل، فضلاً عن شق طرق فرعية في الساحل والداخل ، مثل الطريق بين مكة ووادي فاطمة، ومكة الحسينية، وبين صبيا وجيزان وأبو عريش وسامطة ، والوجه وتبوك ، والرياض والخرج ، والرياض وسدير وغير ذلك. الأمر الذي أحدث تغيراً جوهرياً في حركة النقل والمواصلات وخاصة مع تكاثر السيارات،وقد نستطيع أن نقدر قيمة هذه الجهد في تعبيد الطرق البرية إذا علمنا أنه في بداية الأربعينات من القرن العشرين كان في المملكة العربية السعودية حوالي (300) كلم مسفلت ، ولكن بعد إحدى عشرة سنة فقط وصلت الطرق المسفلتة إلى (3500) كلم ، ومثلما عني المؤسس بالطرق البرية عني أيضاً بالطرق البحرية، فقام بافتتاح وتوسيع موانئ المملكة مثل ميناء الدمام على الخليج العربي ، وميناء رأس تنورة الخاص بالبترول، ثم ميناء جدة على البحر الأحمر ، وتدشين العديد من الخطوط البحرية للاتصال بين موانئ المملكة السعودية على ساحل البحر الأحمر وبين البلدان الخارجية ، وقيام موانئ أخرى هامة مثل ينبع وجازان والدمام ورأس تنورة والجبيل .. أما في مجال السكك الحديدية، فقد شهد عام 1372هـ إنهاء تنفيذ الخط الحديدي بين الدمام والرياض .. وفيما يتعلق بالطيران فقد بدأ تاريخه بعام 1364هـ حين أهدى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى الملك عبد العزيز أول طائرة مدنية، وكانت بداية لمشروع تنموي بدأه الملك وواصله ، فقد طلب شراء طائرتين أخريين من طراز داكوتا ، وهكذا بدأت نواة الطيران المدني في المملكة ، ومع ذلك فقد فكر الملك حتى قبل هذا التاريخ بإيفاد بعثة من عشرة من الشبان لتعلم قيادة الطيران في إيطاليا عام 1353هـ، وعادوا بعد سنة ، ثم دعم مشروعه التنموي للطيران بإنشاء مدرسة في جدة لتعليم الطيران، وعهد بالتدريب فيها لمعلمين أوروبيين ، وأنشأ إلى جانب المدرسة في (ميناء الكندرة) حظيرة فنية حديثة تتسع لإيواء (25) طائرة ومطار فسيح ، أما اهتمام الملك – رحمه الله – باللاسلكي والبرق والبريد فقد بدأ حتى قبل إتمام توحيد المملكة ، حيث كانت تصحب تنقلاته عربة لاسلكي لإدارة شؤون البلاد، في حين وجّه بعد ذلك بإجراء مفاوضات مع الشركات في الخارج لشراء أجهزة لاسلكية بدءاً من عام 1344هـ، وإذا شئنا الإشارة إلى إنجازاته في هذا الصدد فلعلّي أذكر منها على سبيل المثال: إنشاء مديرية البرق والبريد في عام 1354هـ ، وإنشاء شبكة للمحطات اللاسلكية، وتعميم إقامة شبكة من المحطات اللاسلكية لربط المدن الرئيسة بمركز القيــادة في عام 1348هـ، وكذلك تأسيـــس شبكة لاسلكية بين عــامي 1349هـ و 1350هـ في كل من مكة المكرمة والرياض والطائف وتبوك وحائل وبريدة والأحساء والقطيف والقريات، وضم المملكة في شهر شعبان 1345هـ إلى الاتحاد البريدي الدولي في بون ، وإلى الاتفاقيات البريدية الموقع عليها في مدريد، وفي العام نفسه عقدت الحكومة اتفاقية خاصة بملكية خط الكابل بين جدة وبورسودان، كما طورت خدمات الكوابل البحرية، ففي عام 1352هـ تم الاتصال بلبنان عن طريق محطة الرياض، وفي عام 1353هـ تم ربط محطة الرياض ببغداد ثم بمحطة صنعاء، وأول دائرة اتصال عبر القارات تمت مع طنجة للعمل مع نيويورك عام 1369هـ .. أما بعد ذلك فقد تم إنشاء مشروع الاتصالات السلكية واللاسلكية، وإنشاء شبكة حديثة متعددة القنوات للهاتف والبرق بين مدينة الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة والدمام والطائف وجدة، وكان بالإمكان عبر جدة تبادل الاتصالات مع الأقطار العربية .. أما البريد فمعلوم أنه حتى قيام الملك باستعادة الرياض عام 1319هـ لم تكن هناك خدمة بريدية منظمة بل كانت الرسائل تصل بالطرق والوسائل البدائية. فسيَّر الملك عبد العزيز رحلات البريد بالسيارات فيما بين مكة والرياض عام 1344هـ، وكان لإنشاء خط السكة الحديد بين الرياض والمنطقة الشرقية عام 1369هـ أثر كبير على انتظام وسرعة البريد ، وبدأ البريد الجوي عمله بين المدن الرئيسية عندما وصلت الطائرات التي قام الملك المؤسس بشرائها عام 1348هـ ، ثم توج الملك المؤسس كل ذلك بتشكيل إدارة البريد العامة. في حين بدأت خدمات الهاتف بالأساس لمساندة القطاعات الأمنية، لكن الملك المؤسس رغب في تعميم هذه الخدمة في بقية المدن فتم توسعة سنترال مكة المكرمة من (100) خط عام 1345هـ إلى (250) خطــــاً في عام 1350هـ، وفي العام نفســـــه تم توسعـــة سنترال جدة (154) خطــاً ، كما تم تأسيس سنترال أوتوماتيكي في قصر الحكم في مدينة الرياض بسعة (50) خط ، وقد بلغت طاقة الهاتف السلكي حتى عام 1353هـ في المدن المذكورة (584) خطاً.

رابعاً : أعمال حضارية:

وطبيعي أن تلك الإشارات العابرة لا تمثل إلاّ ملمحاً بسيطاً من مواجهته للتحديات، ولو شئنا تفصيلاً موسعاً عنها لاقتضى الأمر وقفة حديثها شجون ـ شأنها شأن كثير من أعماله الجليلة ، والتي يأتي في صدارتها اهتمامه بالأحوال الصحية السائدة آنذاك ، وقد كانت تعتمد على الإمكانيات والمعرفة البدائية، ولم يكن عبدالعزيز بالذي يرضى عن ذلك، فبادر إلى القضاء على تلك الأنماط البدائية ، وعهد إلى طبيبه الخاص الدكتور محمود حمدي حموده بالإشراف على إعادة تنظيم دوائر الصحة ، فكانت أول أعماله تعيين أطباء لإدارة الصحة وفتح مستشفى أجياد بمكة المكرمة ، ومستشفى الحكومة بجدة، والاهتمام بالأمور الدولية الصحية ، كما أنشأ إدارة الصحة العامة والإسعاف بمكة المكرمة ، فضلاً عن نشر عدد من المستشفيات والمستوصفات بمكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض وحائل وجيزان وعنيزة والهفوف والدمام وأملج والوجه وينبع والقطيف .. وهكذا وضعت بسرعة الأسس الأولية للخدمات الصحية، واشتركت حكومة الملك المؤسس في السنة الأولى من إنشائها في أعمال المؤتمر الصحي الدولي الذي عقد في باريس، وانضمت إلى المكتب الصحي الدولي في 13 رمضان 1350هـ ، وإلى جانب هذا النشاط التأسيسي قامت حكومة الملك عبد العزيز باستقدام الأخصائيين من الأطباء، واعتنت بإيفاد أطبائها إلى المعاهد الصحية الداخلية ، وقدمت للأطباء الذين يرغبون في التخصص العديد من الامتيازات في المرتب والعلاوات .. وإذا شئنا معرفة حجم التكريس والاهتمام الذي أولاه الراحل العظيم لخدمات الصحة فيمكننا إدراك ذلك من مجموع النظم والقرارات التي أصدرها بهذا الصدد مثل: نظام مصلحة الصحة العامة والإسعاف، ورخصة ممارسة الطب والصيدلة، وتنظيم ممارسة الحلاقة والحجامة، ونظام التطعيم ضد الجدري، وعلاقة البلديات بالصحة العامة، ونظام احتياجات الصحة العامة للوقاية من الأمراض المعدية، ونظام ممارسة الطب، ونظام تعاطي الصيدلة .. بل إننا نعلم أنه وقبل رحيل الملك المؤسس وصل عدد المستشفيات بالمملكة إلى (11) مستشفى، وبلغ عدد المراكز الصحية (30) مركزاً ، وعدد المستوصفات (25) مستوصفاً بالإضافة إلى المرافق الصحية الأخرى كالمحاجر والمناطق الصحيـة والفرق الطبية المتنقلة التي تجوب مناطق الريف والبادية.

وإذا كانت مواجهة عبدالعزيز مع المرض والوباء حاسمة، فقد كانت أيضاً مواجهته مع الجهل حاسمة وشاملة كذلك، فقد كان دحر الجهل واحداً من أهم أولوياته ، وظل يعمل على إنجاز هذه المهمة بأسلوبه الحكيم البارع، منطلقاً من طريقته في إشراك الناس في فكره وآرائه: أن يعمل على حشدهم ما أمكن ، ومواجهة ما يطرأ في أذهانهم من تساؤلات ، هكذا عقد الملك المؤسس أول اجتماع تعليمي في تاريخ التعليم بالمملكة في جمادى الأولى 1343هـ بعد دخوله إلى مكة المكرمة مباشرة ، وفي هذا الاجتماع أكد على معتقده الديني واستعداده لشرحه والنقاش فيه ، وطالب العلماء بالعمل على نشر العلم والتعليم وتنظيم التوسع فيه ، ثم انصرف الملك مباشرة إلى العمل على توحيد نظام التدريس في المسجد الحرام ، وإلى الاهتمام شخصياً بالمدارس الأهلية فزار في 28 جمادى الآخرة 1344هـ مدرسة الفلاح والمدرسة الفخرية وتبرع لكل منهما بمعونة مالية، إلا أن الملفت للنظر في أسبقية أعماله التعليمية الأولى أنه أصدر مرسوماً ملكياً في غرة رمضان 1344هـ بتأسيس مديرية المعارف والذي يمكن اعتباره تاريخ غرس البذرة الأولى ووضع الحجر الأساسي لنظام التعليم في المملكة العربية السعودية. وقد فتحت المدارس أبوابها للعمل في غرة محرم 1345هـ. وحرص– رحمه الله – على أن تنهـــض المديرية بهدفين أساسيين همــا: تعميم التعليم ونشره، وثانيهما هو: البدء في إقامة النظام التعليمي المتكامل ، بل لقد تضمنت التعليمات الرسـمية أول تعريف لأمور المعارف ، ووضعت البذور الأولى لسياسة التعليم ، ومجانية التعليم في المملكة ، وأشارت إلى معنى التدرج في المستقبل، وإلى نشر العلوم والمعارف والصنايع ، وافتتاح المكاتب والمدارس مع فرط الدقة والاعتناء بأصول الدين الحنيف .. وحين واجه عبدالعزيز في افتتاحه للمدارس مشكلة خلو هذه المدارس من المعلمين المتعلمين ، ومن القوى البشرية التربوية بادر الملك – رحمه الله – بافتتاح المعهد العلمي السعودي عام 1345هـ بهدف تخريج المدرسين الذين تحتاجهم مدارسه الجديدة ، وكان يضم قسماً ليلياً للموظفين الذين لا تسمح لهم ظروفهم بالانضمام إليه نهاراً ، ومثلما اهتم جلالة المؤسس بالتعليم الداخلي اهتم في الوقت نفسه بضرورة اللجوء إلى نظام للبعثات، وقد كانت تجربة المعهد العلمي السعودي مرتبطة بتدعيم التعليم الابتدائي وإعداد مدرسين له، أما تجربة نظام البعثات فقد وضعت أسس مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي في النظام التعليمي الذي كان يبنيه الملك خطوة خطوة معتمداً على الله في مشروعاته ثم على معاونيه .. وفي هذا الصدد أصدر الملك – رحمه الله – أمراً ملكياً ينص على إرسال (14) تلميذاً للتعليم في الخارج، ستة منهم للتخصص في التدريس والقضاء الشرعي وفي التعليم الفني (الميكانيكا وفي الزراعة وفي الطب) ، وعادت البعثة الأولى إلى بلدها فيما بين عامي 1354 و 1358هـ وتوالت بعدها البعثات وأرسلت البعثة الثانية عام 1355هـ بعد تأسيس مدرسة تحضير البعثات ، وقد كانت فكرة الابتعاث وإعداد الأطر في الخارج أثيرة لدى الملك عبد العزيز كلما أحس بالحاجة العاجلة إلى أفراد مؤهلين للعمل في إصلاحاته أو مشاريعه التنموية ، ففي عام 1348هـ وفي أعقاب مؤتمر الرياض الموسع الذي ناقش فيه المجتمعون مسألة اللاسلكي، أرسل الملك بعثة عاجلة إلى لندن من ثلاثة شبان وذلك للتدريب في شركة " ماركوني " في " شيملفورد " بإنجلترا للتدريب على إنشاء وإدارة شبكة للاتصالات اللاسلكية في المملكة، وفي عام 1354هـ وقبل تأسيس مدرسة تحضير البعثات أرسل الملك بعثة أخرى من عشرة شبان لدراسة الطيران في إيطاليا ، وظل الملك يتابع العقبات التي واجهها أبناؤه من المبتعثين الأوائل وما يقرره العاملون في مديرية المعارف لمواجهة هذه العقبات. وكانت أول هذه العقبات ، وأبرزها أن الطلبة السعوديين لا يحملون شهادات ثانوية ، ولم يكن لهم إلمام باللغة الأجنبية ، ولم يدرسوا العلوم والطبيعة والكيمياء الأمر الذي قابله الملك عبد العزيز بافتتاح مدرسة تحضير البعثات وكان ذلك في 19 جمادى الأولى 1355هـ ، واشتُرِط لقبول الطالب فيها أن يكون حاملاً شهادة المعهد أو ما يعادلها ، وأن يكون سعودياً ، وأن يتعهد بالخضوع لنظام البعثات، هذا وقد بدأت الدراسة فيها في 12 رجب 1355هـ .. من ناحية أخرى ظل اهتمام الملك بتأسيس واستكمال المديرية الناشئة للمعارف متصلاً، فبعد عام من تأسيسه للمديرية أصدر الأمر الملكي بتأسيس مجلس المعارف، وهو جهاز مشرف ومساند لأعمال المديريـة لأنه يجمع بين الإشراف والنظارة على حالة المدارس ، والموافقة على ميزانية المعارف وتعيين وعزل المدرسين ، ويهتم بدراسة برامج التعليم ومناهجهم ، والموافقة عليها وانتخاب الكتب الدراسية والسعي لتأليف اللجان لوضعها، ولكنه يكلف أساساً بدرس الاقتراحات الخاصة بتوحيد برامج التعليم وسن الأنظمة للمدارس والمديرين والتعليميين..  وهذا يعني أنه يمكن القول بأنه بصلاحيات مجلس المعارف ومسؤولياته عرفت البلاد لأول مرة نظاماً تعليمياً بالمعنى الحديث يستهدف توحيد التعليم ، ويقرر شموليته وتعميمه ، كما يضع سلماً تعليمياً يندرج فيه الطالب من بداية حياته حتى تأهيله العالي.

أما قصة الملك عبدالعزيز مع البترول فلها جانبها المثير الذي يعز على اللغة والكلمات، مثلما لها جانبها المدوّن المعروف .. وبين هذا وذاك تظل كل التحولات الكبرى التي دفع بها الملك عبد العزيز على أرض الواقع مدينة بقدر كبير إلى الحنكة التي أدار بها الملك – رحمه الله – عمليات التنقيب عن البترول في سبيل الارتقاء بالقدرات الاقتصادية ، للمملكة ووضعها على خارطة العالم الحديث بكل معطياته ووسائله ، إذ لا شك أن البترول قد أحدث تغييراً جوهرياً مس كل مرافق الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والعمرانية في المملكة، ولكن الحرص والاهتمام هنا يتركز على مفهوم التنمية المستمرة الذي بدأه الملك المؤسس للنهوض بمملكته ، والذي استطاع من خلاله أن يجعل البترول في خدمة هذه التنمية حتى تمت النقلة الضخمة التي مهد لها الملك ، وسارت التنمية بعدها كما عكستها خطط التنمية الوطنية.

وأظنّه أصبح معروفاً أنه قد تم توقيع أول امتياز للتنقيب عن الزيت في المملكة عام ( 1342هـ ) مع شركة ايسترن جنرال سينديكيت ، وحين لم تقم الشركة بتنقيبات جدية، تقدمت بعد ذلك الشركة الأمريكية ستنادر أويل كومباني أوف كاليفورنيا بعرض إلى الملك عبد العزيز وعقد معها اتفاقاً بترولياً جديداً لمدة سنتين تشمل الجزء الشـــرقي أو ما يسمى " بالمنطقـــة المشمولـــة " وصُدّق على هذا الاتفاق في 4 صفر 1352هـ، وحفرت أول بئر لها في 11 محرم 1357هـ. ويبدو أن هذه الشركة قد فتحت الطريق للشركات الأمريكية الأخرى، ففي عام 1936م شاركت شركة تكساس بحصة قدرها 50% وتشكلت شركة باسم جديد هو كاليفورنيا أرابيان ستاندرد أويل كومباني، ثم في عام 1359هـ عقدت الشركة اتفاقية إضافية وسعت منطقة امتيازها بما يقرب من 80 ألف ميل مربع في الجهات الشمالية والغربية والجنوبية في إقليم الأحساء ، وفي عام 1364هـ أُعيد تسمية الشركة باسم شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو)، وفي عام 1368هـ أصبحت الشركة ملكاً لأربع شركات كبرى هي ستاندرد أويل كومباني أوف كاليفورنيا 30% ، وشركة تكساس 30% ، وشركة ستاندرد أويل كومباني أوف نيوجرسي 30% ، وشركة سوكومتي فالكوم 10%. وقد كان الملك عبد العزيز بارعاً في الاستفادة من صراع المصالح بين الشركات في المحافظة على استقلاله السياسي ، وفي أن يوفر لبلده المال العاجل اللازم لجهوده التنموية وقدر كبير من الاستقرار في التعامل سمح للمملكة بعد ذلك بتعديل الاتفاقيات حسب مصالحها الوطنية .. ولعل هذا الاستعراض– أيها الأخوة – عن الملك المؤسس والبترول لا يكتمل دون الإشارة إلى تزايد الإنتاج البترولي السنوي من عام 1358هـ حيث كان الإنتاج (495.135) برميل إلى أن أصبح عام 1373هـ، أي في نهاية حكم الملك المؤسس، (308.294.245) برميل ليحقق الملك في مجال البترول تنمية ستظل مستمرة بعد رحيله.

ومع بداية عصر البترول انتعش قطاع الصناعة والكهرباء، ورغم أنه كان أول قدوم للكهرباء إلى المملكة قد تم خلال الأربعينات الهجرية عن طريق مبادرات فردية، إلا أن البداية الفعلية كانت عن طريق الشركة الأمريكية التي حصلت عام 1355هـ على امتياز التنقيب على النفط في المنطقة الشرقية، والتي استقدمت معها بعض المولدات الكهربائية المتنقلة لاستخدامها في عمليات الحفر والإنارة ، حيث قامت الشركة بعد ذلك بتركيب مولدات لتزويد مكاتبها ومجمعاتها السكنية في مدينة الظهران ، بالإضافة إلى تزويد ميناء رأس تنورة المعد لتصدير البترول، ومع تحسن الدخل من جراء تصدير البترول وجه المؤسس إلى استيراد مولدات كهربائية لإنارة الأماكن المهمة مثل الحرمين الشريفين وعدد من المباني الهامة في الدولة ، ثم عزز الراحل تلك البدايات بإنشاء شركة كهرباء مكة / الطائف ، وهي أولى الشركات المقامة وذلك في عام 1366هـ، كما أصدرت حكومته قرارين عام 1369هـ بالموافقة على إنشاء كل من شركة القوى الكهربائية لمقاطعة الظهران لتغطي الظهران والدمام والخبر ، وكذلك شركة كهرباء المدينة المنورة لتقوم بتزويد الحرم النبوي الشريف والمناطق المجاورة، وبعد عام واحد فقط أي في عام 1370هـ صدرت الموافقة على إنشاء كل من الشركة السعودية الوطنية للقوى الكهربائية بجدة، وشركة كهرباء الأحساء، وفي عام 1371هـ تم تأسيــس شركــة كهرباء الرياض وضواحيها، وكانت توجيهات الملك المؤسس تدعم هذه الشركات بالقروض والإعانات مما جعل إنشاء شركات الكهرباء تتابع حتى بلغت مع نهاية خطة التنمية الأولى إلى حوالي مائة شركة بحلول عام 1395هـ.

هذا الحراك الاجتماعي الذي أحدثه الملك عبد العزيز أسفر عن وفرة من التفاعل مع العالم الخارجي كما في الداخل، الأمر الذي انعكس بدوره على مجريات النشاط التجاري فيها، والذي كان يعاني من صعوبات كثيرة ليس أقلها الاعتداءات المتكررة على القوافل التجارية ، وفرض الأتاوات ، وعمليات السلب والنهب لهذه القوافل إلى جانب الضرائب التي تفرض على التجار، لكن توحيد البلاد أشاع جواً من الاطمئنان، فانتعشت المبادرات الفردية والشركات الصغيرة ، وزادت القدرات المالية والبضائع وحركة السفن والنقل من وإلى المملكة، وقد قابل عبدالعزيز ذلك بإنشـاء هيئة تجارية عام 1345هـ هي مجلس التجار للنظر في الخلافات التي تقع بين التجار، وأنشأ المحاكم ، وصدر نظام تأسيس الشركات التجارية ونظام تسجيلها عام 1350هـ، كما صدر في نفس العام أنظمة أصول المحاكمات التجارية والتجارة البحرية والتجارة البرية الصادرين في نفس العام ، وفي عام 1358هـ صدر نظام مصلحة سجل العلاقات الفارقة ، وهو نظام متقدم يدل على النظرة المستقبلية التي يتميز بها فكر الملك عبد العزيز الذي أصدر أيضاً عام 1365هـ نظام الغرفة التجارية، وهكذا انفتح الباب لتكوين الشركات،ولكنه قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى كان قد فتح باب الاتفاقيات التجارية مع العالم العربي والخارجي لتنظيم مرور السلع والجمارك، كما تم في السنوات الأخيرة من حكمه إحداث مكتب مراقبة النقد عام 1367هـ ، وكان يتولى تقدير احتياجات المملكة من البضائع المستوردة ومنح رخص للاستيراد والتصدير، وقد أصبح هذا المكتب فيما بعد شعبة للشؤون الاقتصادية.. وهكذا تغير بالكامل الوضع التجاري مع هذه النظم والمجالس ، والذي أدى إلى صدور قرار مجلس الوزراء رقم (66) لعام 1374هـ بإنشاء وزارة للتجارة تشرف على هذه التنمية المستمرة التي تركها الملك إرثاً لبلاده.

تلك– كما سبق وأن ذكرت– إشارات لا يسع الواحد منّا– وهو يتأملها– إلا أن يؤكد لنفسه دائماً بأن الحديث عنها يظل –مهما أمعن فيها الفكر وتأمله –غير قادر على الإحاطة بكل التفاصيل عنها، فثمة هواجس وجدانية ومشاعر إنسانية وتوقدات ذهنية امتلأت بها روح عبدالعزيز– رحمه الله – لا تقوى الكلمات ولا الأرقام أو البيانات على حشدها كما كانـــت في فورتها الجيّاشـــة، فقد كان وهو في غمرة انشغاله –  رحمه الله – بتوحيد المملكة تتدافع في نفسه التطلعات والطموحات لتغيير شكل الحياة في البلاد في كل مناحيها، أراد للجهل أن يندحر لتشرق شمس العلم والمعرفة، وللصحة أن تتدفق عافية في الجميع، وللعمل وأبواب الرزق والرخاء أن يعم، وللحركة أن تتحرر من المخاوف والعقبات، وللاتصال بالعصر والعالم أن يصبح ميسوراً، فكان ما أراد في مسارٍ صاعدٍ شاملٍ استثمر فيه كل ما انطوت عليه نفسه من اختزالات لخبرته في واقعه ولخبرته في الظروف الإقليمية والعالمية وليقينه بأهمية الإفادة من كل ما حققه العصر من منجزٍ إنساني .. ظل يرصد هذا ويراجعه، يعيد التأمل فيه، يستشير ويقرر ويضع الإجراءات ثم يمضي في تطويرها أو تعديلها حسبما يخدم التطلع والطموح .. وهذا النهـــــج العملي لعبدالعزيز، وهذا الإصـــــرار المثابر لم يتخــــل عنهما – رحمه الله – في كل خطوةٍ خطاها وفي كل ما وجّه إليه .. بل إنه النهج الذي تمثلته من بعده الأجيال اللاحقة في تكريس لتقدير عميق لعطاء الذي أسس ووضع المنهج وأكد العهد ليكفل تواصل المسيرة واستمرار النماء.

خامساً : خطط التنمية – المنهج والمسار:

من تقدم العصر ومن تراكم منجزاته العلمية والمعرفية أفادت أجيالنا مدفوعة بتأجيج الرغبة والحماس فيما أذكاه المؤسس العظيم فيها أطراً علمية ومناهج للتخطيط أتاحت لنا القدرة على استيعاب الواقع والتعامل معه وتطويعه حتى يفي بآمالنا وتطلعاتنا، أي تحقيق أهداف التنمية وفق منظومة من السياسات تساعد على الإنجاز بجدارة وفي زمن قياسي ، هكذا حين بدأ التخطيط للتنمية تأمل طويلاً في نظريات التخطيط وفلسفاته ليستخلص منها جوهراً أساسياً يتمثل في القدرة على إقامة توازن حكيم بين الموارد وبين الاحتياجات من الخدمات، ولكنه إضافة إلى ذلك أفاد من خبرة ابن الصحراء الذي صقلت ذكاءه كل التجارب التي مر بها في تاريخه الطويل وانعكس ذلك في المهمة التخطيطية في أنها لم تكتف بضبط حجم الاحتياجات على قدرة الموارد، وإنما تجاوزته إلى أن يضيف إلى قائمة الاحتياجات قائمة أخرى بالطموحات والتطلعات الإنسانية التي يمكن أن يدفع بها عصر يزخر بتغيرات ومستجدات سريعة ، وبالتالي وجهت المهمة التخطيطية اهتماماً أساسياً إلى تنمية الموارد لتفوق معطياتها أحجام الاحتياجات ، من هذا اكتسب التخطيط للتنمية في المملكة شخصيته الفريدة، في أنّه قدّم لكل فترة خطة للتنمية تتعامل مع مرحلتها ، وتكون قادرة في الوقت ذاته على التعامل مع مستجدات مرحلة قادمة، ممهدة إلى خطة تالية، وأصبح هذا الاعتبار أساساً في تحديد الركائز أو المحاور الأساسية في كل خطة، حريصة على إرساء هذا المنهج وفقاً لاقتصاد السوق على أسس دينية وأخلاقية استمدتها من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وقيمه العظيمة،وانعكس ذلك في تضمين كل الأهداف بعيدة المدى أو قصيرة المدى، والأسس الاستراتيجية في كل خطط التنمية التركيز الواجب على أبعاد أساسية: بُعد اجتماعي يركز على المحافظة على القيم الإسلامية ، ويوجه إلى تنمية القوى البشرية ، وإلى الرفاهية الاجتماعية والصحية والثقافية بما يتطلبه ذلك من توفير لسبل التعليم والتدريب للمواطنين ، يقدم معطياته من العناصر البشرية الوطنية المسلّحة بالعلم والمالكة لقدرة الإبداع والتجديد فيما يدفع بهذه الأمة إلى نهضتها المبتغاة .. وبُعد اقتصادي يتوجه إلى العمل على تدعيم القاعدة الاقتصادية ، وتنويع مصادر الدخل ، وتحقيق النمو المتوازن للقطاعات والمناطق موجهاً جهوده إلى الاستغلال الأمثل للموارد الذاتية ، والعمل على تحقيق إنتاجية عالية ينعم بخيرها مواطن اليوم، ويتمتع بها أبناء أجيالٍ قادمة .. وبُعد تنظيمي يتوجه إلى تطوير ينهض بكفاءة الخدمات الحكومية وبالأساليب الإدارية ومن ثم الارتفاع بالإنتاجية .. كل ذلك أخذته جميع الخطط المتعاقبة بعين الاعتبار ، وأحلّته موقع الأهمية المناسبة كإطار أساسي لجهود التخطيط للتنمية .. وإن ركّزت كل خطة على توجهات خاصة بها وفقاً للظروف المحيطة بها؛ فقد هدفت خطة التنمية الأولى إلى التركيز على الاستمرار في التوسع المطرد في النشاط الاقتصادي ، وخاصة في إنشاء التجهيزات الأساسية ، وتحسين الخدمات الحكومية، والنهوض بمستوى الأداء من خلال تنفيذ برامج إدارية جديدة، كما أولت الخطة اهتماماً خاصاً بتنمية الموارد البشرية للمملكة من خلال توجيه (31%) من استثمارات الخطة لهذا القطاع.

وفي خطة التنمية الثانية – ولمقابلة الطاقة الاستيعابية للتنمية – تم التركيز على تحقيق معدل مرتفع للنمو الاقتصادي، وبالتالي التركيز على تنمية التجهيزات الأساسية الإنشائية، والموارد الهيدروكربونية بهدف إقامة الصناعة المستندة إليها، وتنشيط تصدير منتجاتها، والإدارة بغرض التوسع في المؤسسات الحكومية والقوى البشرية العاملة بها، إضافة إلى القطاع الخاص ودعمه وتشجيعه.

في حين تضمنت خطة التنمية الثالثة – إضافة إلى ما جاءت به سابقتها – توجهاتها لإحداث تغييرات في بُنية الاقتصاد الوطني بتحديد مستويات إنتاج النفط والغاز، وتوجيه الجانب الأكبر من رؤوس الأموال والقوى البشرية إلى القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وتعدين بغرض تحقيق تنويع القاعدة الاقتصادية ، والعمل على إقامة الصناعات الهيدروكربونية، وتوجيه الاستثمارات إلى المناطق التي تتوفر فيها مقومات النمو والقابليـة لاستيعاب المشاريع الإنتاجية الجديدة.

وكانت خطة التنمية الرابعة امتداداً، أيضاً، لأهداف وسياسات خطة التنمية الثالثة.. مع زيادة في التركيز على النوعية وكفاءة التشغيل، وتحسين استغلال الموارد والمرافق، واكتشاف وتطوير بدائل جديدة، واهتمام أساسي في التركيز على تنويع القاعدة الإنتاجية وخصوصاً قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات المالية ، وتعزيز دور القطاع الخاص إضافة إلى دفع الحركة الثقافية في المملكة إلى المستوى الذي يجعلها تساير التطور الذي تعيشه المملكة، وتنمية الثروات المعدنية ، وتشجيع استكشافها واستثمارها والتركيز على التنمية النوعية بتحسين وتطوير أداء ما تم إنجازه من مرافق وتجهيزات خلال خطط الدولة التنموية الثلاث السابقة ، وتحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

أما خطة التنمية الخامسة فقد اهتمت – بشكلٍ خاص – على دراسة الطرق والوسائل المناسبة لزيادة إيرادات الدولة على أن لا يؤدي ذلك إلى تأثيرات اجتماعية أو اقتصادية غير مرغوبة ، وعلى رفع كفاءة الأداء في الأجهزة الحكومية بما يؤدي إلى خفض تكلفة إنتاج الخدمات العامة والمرافق دون التأثير على مستوى تلك الخدمات والمرافق وتوفرها للمواطنين، وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في الاستثمار الوطني في الداخل، وزيادة التركيز على تحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة المختلفة، والمضي في اتخاذ الوسائل الكفيلة بإحلال القوى العاملة السعودية محل غير السعودية.

فإذا انتقلنا إلى خطة التنمية السادسة التي نحن في العام الخامس منها وجدنا أنها تقوم على ثلاث مرتكزات رئيسية هي: تنمية القوى البشرية حيث حرصت الخطة السادسة على أن لا يكون الأساس في ذلك هو توفير الأعداد اللازمة لقطاعات العمل فحسب، وإنما أن تكون تلك العمالة مؤهلة تأهيلاً عالياً، باعتبار أن تنمية وتأهيل القوى العاملة الوطنية يمثل شكلاً هاماً من أشكال الاستثمار الاقتصادي ذي المردود المتنامي والمتجدد والذي يتمثل ليس فقط في ازدياد إنتاجية العمل في قطاعات الاقتصاد المختلفة، وإنما أيضاً في تراكمية واستمرار عملية تنمية المهارات نفسها ، حيث يتم من خلال التدريب والاحتكاك المباشر في مواقع العمل انتقال المهارات إلى أعداد متزايدة من العاملين الذين ينقلون بدورهم تلك المهارات إلى غيرهم، وهكذا .. يضاف إلى ما تقدم حقيقة أخرى مهمة وهي أن القوى العاملة الوطنية تمثل فاعلية عمل دائمة تعمل على حماية مواقع العمل من الظروف الطارئة، وبالتالي أيضا توفير جو من الطمأنينة والاستقرار للعمل باستمرار العاملين فيه ، ذلك أنه لا ينبغي أن يغيب عنّا أن أي دولة إنما تقاس قدرتها الاقتصادية في هذا العصر بحجم ما يتوفر لديها من قوة بشرية مؤهلة تدعم قدرتها الاقتصادية وتؤكدها، إضافة إلى أن وفرة القوى البشرية في حد ذاته إضاءةٌ برّاقةٌ في واجهة الوطن ، أما فيما يتعلق بالمرتكز الثاني ( الكفاءة الاقتصادية ) فقد انصرف مفهوم هذه الكفاءة إلى ثلاث قنوات أساسية، وهي: الكفاءة الاستثمارية، والكفاءة الإنتاجية، والكفاءة التنظيمية والتقنية، وبإيجاز شديد يمكن القول بأن طموحات المرحلة الراهنة لمسيرتنا التنموية – والتي تعكسها خطة التنمية السادسة – تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على تحسين الكفاءة الاقتصادية ( في مجالاتها الثلاث سالفة الذكر ) بالقطاعين الحكومي والخاص ، في حين اهتم المرتكز الثالث، وهو تعزيز دور القطاع الخاص في دعم الاقتصاد الوطني، وفي سبيل ذلك تبنّت الخطة السادسة مجموعة من السياسات والبرامج تهدف إلى توسيع نطاق مشاركة القطاع الخاص وزيــادة فعالية دوره في المسيرة التنموية. وهذا لا يعني إطلاقاً التقليل من أهمية الدور الريادي للقطاع الحكومي الذي حقق على مدار المراحل السابقة لمسيرتنا التنموية منجزات غير عادية بكل المقاييس وفي كافة مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ليس أقلها استكمال بناء قاعدة صلبة للتجهيزات الأساسية وتنويع القاعدة الاقتصادية ، لكن النظرة إلى دور القطاع الخاص في الخطة السادسة أخذت بُعداً آخر يدخل في صميم السياسة الاقتصادية بمعنى أن طاقة الاقتصاد الوطني لا تتمثل فقط في حركة الأموال الحكومية ما بين الدخل العام والإنفاق العام والنشاطات الجارية بين هذا وذاك على مدار عام مالي، ولكن تلك الطاقة تكمن حقيقة في جملة الموارد الاقتصادية والثروة الوطنية المتاحة لدى الدولة وكافة فعاليات القطاع الخاص. فإذا أمكن تهيئة مناخ مناسب تتفاعل في ظله دورة رأس المال الخاص مع دورة النشاط الاقتصادي العام بما يحقق للقطاع الخاص مصالحه على نحوٍ أفضل، ويدعم قدرة القطاع الحكومي على تأدية دوره المنوط به على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والإداري والأمني ، فإن المحصلة ستكون قوةً مضاعفة للاقتصاد الوطني ونهضة اقتصادية اجتماعية شاملة، وهنالك العديد من المؤشرات والأمثلة الدالة على المكانة المرموقة التي بلغها قطاعنا الخاص من حيث تطور قدراته التمويلية والمؤسسية والإدارية ، فلقد أثبت هذا القطاع كفاءةً واقتداراً في إدارة المشروعات الخاصة به وفي مشاركاته في تمويل وصيانة وتشغيل المرافق العامة، وهناك صيغ متميزة أخرى لتلك المشاركة منها ما تجسده الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) من مثال رائع ، ونتيجة لهذا السجل الحافل بالتميز والإنجاز أصبح القطاع الخاص موضع الثقة في قدرته على إدارة مشاريع ضخمة كمرفق الاتصالات الذي تم تخصيصه. وهكذا تزداد كل يوم وتتضح المكاسب التي يجنيها قطاعنا الخاص من توظيف قدراته وأمواله داخل الوطن وتزداد تبعاً لذلك مكاسب الوطن وتتعزز قدراته وتتعاظم مكانته.

سادساً : أبرز منجزات خطط التنمية في مؤشرات إجمالية :

إنه وعلى الرغم من صعوبة حصر كافة المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها المملكة على مدار الخطط الخمسية المتعاقبة، إلا أن إعطاء موجز عام هنا عن حجم ونوع تلك المنجزات التي تحققت في كافة القطاعات يقدم دلالته المكثفة والهامة على ما شهدته المملكة من مستوى حضاري متقدم، نهضت منطلقاتها المهمة والجوهرية على الأرضية الصلبة الراسخة التي بناها الراحل المؤسس في توحيده للبلاد وفي كل أعماله الريادية الجليلة ، ويمكن في هذا المقام الإشارة إلى المجالات التالية:

  في مجال تنمية الموارد الاقتصادية:

§ ازداد عدد المصانع العاملة المرخصة من (199) عام 1390/1391هـ إلى (2533) مصنعاً حتى عام 1417/1418هـ، بلغت الاستثمارات فيها حوالي (164.7) بليون ريال.

§ زادت قدرة التوليد الكهربائية الفعلية من حوالي (344) ميجاوات عام 1390/1391هـ تخدم (216) ألف مشترك، إلى نحو (19.4) ألف ميجاوات عام 1417/1418هـ تخدم أكثر من (3.1) ملايين مشترك في كافة أرجاء المملكة.

§ تم توزيع أكثر من (2.8) مليون هكتار من الأراضي الزراعية على المواطنين، مما ساعد على زيادة المساحة المزروعة من (0.5) مليون هكتار عام 1390هـ إلى (1.3) مليون هكتار عام 1417/1418هـ أسهمت في زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق مستوى طيب من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الفواكه والخضروات واللحوم ، كما تجاوزت بعض المحاصيل مستوى الاكتفاء الذاتي.

§ وصلت طاقة التخزين لصوامع الغلال إلى (2.38) مليون طن ، والطاقة الإنتاجية لمطاحن الدقيق إلى حوالي (1.61) مليون طن قمح سنوياً في عام 1417/1418هـ.

§ أسفرت جهود البحث والتنقيب عن المعادن إلى اكتشاف العديد من المواقع الواعدة حيث تم منح (841) تصريح مواد بناء لاستغلال الجرانيت والرخام والحجر الجيري والرمال والصلصال والبازلت وغيرها، و (13) ترخيصاً للمناجم الصغيرة لاستغلال معادن صناعية ، بالإضافة إلى (17) امتياز لاستغلال خامات الإسمنت والذهـــب ومعــادن الأساس والمعادن الصناعية، كما تم منح (15) رخصة كشف و(36) تصريح استطلاع للمعادن. كما بلغ إنتاج الذهب حوالي (228) ألف أوقية عام 1417/1418هـ من منجمي مهد الذهب والصخيبرات.

§ ازدادت طاقة محطات تحلية المياه المالحة من (5.1) عام 1390هـ إلى (512) مليون جالون أمريكي في اليوم الواحد عام 1417/1418هـ تلبي احتياجات ( سبع وعشرين ) مدينة بالإضافة إلى القرى المجاورة.

  في مجال التجهيزات الأساسية:

§ ازدادت أطوال شبكـــة الطرق المعبــــدة من (8) آلاف كيلو مـــتر عـــــام1390هـ إلى (44.1) ألف كيلو متر عام 1417/1418هـ وبذلك تم ربط كافة مدن المملكة ومعظم قراها بشبكة طرق معبدة ذات اتجاهين أو أكثر، كما ازدادت أطوال شبكة الطرق الترابية من (3.5) ألف إلى أكثر من (102) ألف كيلو متر.

§ ارتفع عدد الأرصفة في الموانئ من (27) رصيفا عام 1395هـ إلى (183) رصيفا عام 1417/1418هـ منها (46) رصيفا في الموانئ الصناعية.

§ ارتفعت كمية البضائع المناولة في الموانئ التجاريــــة من (1.8) مليون طن عام 1390هـ إلى نحو (30.7) مليون طن عام 1417/1418هـ. كما زادت كمية البضائع المناولــــة في الموانئ الصناعيــــة من (7.7) مليـــون طن عام 1403هـ إلى نحو (58.1) مليون طن عام 1418هـ.

§       ارتفع عدد خطوط الهاتف العاملة من (29) ألف خط عام 1390/1391هـ إلى نحو (1.88) مليون خط عام 1417/1418هـ.

§ ارتفــع عــدد المطــارات من (16) مطاراً ومهبطاً عام 1390/1391هـ إلى (25) مطاراً في عام 1417/1418هـ ، منها ثلاثة مطارات دولية قادرة على استقبال أحدث أنواع الطائرات، وقد بلغ عدد الركاب القادمين والمغادرين عبر مطارات المملكة نحو (26.1) مليون راكب في عام 1417/1418هـ.

  في مجال التنمية البشرية:

§ ارتفع العدد الإجمالي للمدارس لكافة المراحل من (3283) مدرسة في عام 1389/1390هـ إلى حوالي (22301) مدرسة في عام 1417/1418هـ، بينما زاد عدد الملتحقين بالمؤسسات التعليمية من حوالي (600) ألف طالب في عام 1389/1390هـ إلى حوالي (4.5) مليون طالب في عام 1417/1418هـ أي بمعدل نمو سنوي متوسط قدره (7.7%).

§ تم إنشاء ثمان جامعات واثنتين وثلاثين كلية جامعية للبنات، وارتفع إجمالي عدد الطلاب في مؤسسات التعليم العالي من (8000) في عام 1390/1391هـ إلى حوالي (272.000) طالب وطالبة في عام 1417/1418هـ أي بمعدل نمو سنوي متوسط قدره (13.95%).

§ كما ارتفـــــع عدد الملتحقين بمراكز التدريب المهني من (578) في عام 1390/1391هـ إلى أكثر من (8500) ملتحق في عام 1417/1418هـ، أي بمعدل نمو سنوي متوســــط قدره (10.5%)، بينمـــا ارتفع عدد الملتحقين بالمدارس والمعاهد الفنية من (840) في عام 1389/1390هـ إلى أكثر (28400) ملتحـــق في عام 1417/1418هـ ، أي بمعدل نمو سنوي متوسط قدره (13.4%).

  في مجال التنمية الاجتماعيــة:

§ ارتفع عدد المستشفيات والمراكز الصحية من (74) مستشفى و (591) مركز رعاية صحية أولية في عام 1390/1391هـ إلى (303) مستشفيات وحوالي (3390) مركز رعاية صحية أولية عام 1417/1418هـ.

§ ارتفع عدد أســـرة المستشـــفيات في المملكة من (9) آلاف عام 1390/1391هـ إلى (44153) سريراً عام 1417/1418هـ بما في ذلك مستشفيات وزارة الصحة التي ارتفعت أسرتهــــا من (7165) إلى (27054) سريـــرا.. كما زاد عــــدد الأطباء من (1172) طبيباً إلى (31585) طبيــــبا، وأعضـــــاء هيئة التمريض من (3261) إلى (62899) ممرضاً وممرضة، والمساعدين الفنيين من (1741) إلى (35200) مساعد فني خلال الفترة نفسها.

§ وفي مجال الرعاية الاجتماعية تم توفير مستويات عالية من الخدمات الاجتماعية لرعاية الأسرة والطفولة والتنمية الاجتماعية فتم التوسع في خدمات التنمية الاجتماعية المتكاملة في جميع المناطق الحضرية والريفية، وبلغ عدد مراكز تنمية المجتمع والخدمة الاجتماعية ولجان التنمية (77) مركزاً ولجنة منتشرة في أنحاء المملكة، وبلغ عدد مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تقدم خدماتها للطفل والأسرة (77) مؤسسة رعايـــــة اجتماعية، كما شجعت المملكة المشاركة التطوعية من جانب الأفـــــراد فبلغت عدد هذه الجمعيات التي تدعمها الدولة (163) جمعية خيرية تشرف على (122) روضـــــة أطفال و(18) نادياً للطفـــل، (7) مراكز للرعاية النهارية للأطفال ورعاية مسنين، وتم تدعيم الجهود التعاونية على تطوير وتنويع أنشطتها ومهامها، حيث بلغت عدد الجمعيات التعاونية (161) جمعية تعاونيـــــة منتشرة في أنحاء المملكة تعمل في المجالات الزراعية والاستهلاكية والخدمات العامة.

§ زاد عدد الأندية الرياضية من (53) عام 1390/1391هـ إلى (154) عام 1417/1418هـ، كما زادت الاتحادات الرياضية من (5) اتحادات إلى (22) اتحاداً في نفس الفـــــترة، وتم إنشاء وافتـــتاح (19) بيتا للشباب، وتم إنشاء (5) ساحات شعبية، و(15) مركزاً رياضياً وثقافياً، و(12) نادياً أدبياً، و(6) استادات رياضية، ومعسكرين دائمين للشباب، وتم إنشاء (24) مقراً رياضياً للأندية حتى عام 1417/1418هـ.

§ وفي مجال الإعلام زاد عدد مراكز الإرسال التلفزيوني من (7) إلى (128) مركزاً، كما زادت المحطات الإذاعية من (4) إلى (25) محطة إذاعية إضافة إلى (31) محطة إف. إم.

  في مجال الخدمات البلدية:

§ زادت كميات المياه المنتجة والموزعة لتصل إلى (3) ملايين متر مكعب يوميا، وتوسعت شبكات المياه ليصل مجموع أطوالها في أنحاء المملكة إلى (32) ألف كيلومتر وعدد التوصيلات المنزلية (948) ألف توصيلة.

§ أما شبكات الصرف الصحي فقد بلغ مجموع أطوالها على مستوى المملكة (9500) كيلو متر وعدد التوصيلات المنزلية إلى (584) ألف توصيلة.

§       وزاد مجموع أطوال الشوارع البلدية ليصل إجماليها أكثر من (70) ألف كيلومتر.

  في مجال توسعة الحرمين الشريفين وتطوير منى:

§ زادت مساحة المسجد الحرام من (152) ألف متر مربع إلى (356) ألف متر مربع، وزادت مساحة المسجد النبوي من (16) ألف متر مربع إلى (418) ألف متر مربع، وبلغ عدد المساجد حتى الآن أكثر من (35) ألف مسجد، كما يجرى الآن تشغيل مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، بطاقة إنتاجية تبلغ أكثر من (7) ملايين نسخة.

§ وفي مشروع تطوير منى تم صرف (7.5) بلايين ريال على إنشاء التجهيزات الأساسية وشبكات الطرق وأنفاق وشبكات المياه والصرف الصحي والإنارة.. وغيرها.

  في مجال القروض والإعانات:

§ ساهمت صناديق الإقراض الحكومية في دفع عجلة التنمية في مختلف المجالات التي خصصت لها كالزراعة والصناعة والإسكان وغيرها ، حيث قدمت خلال السبعة والعشرين سنة الماضية نحو (273) ألف مليون ريال صرفت طبقاً لما يأتي:

1)   قروض صندوق التنمية العقارية:

بلغت نحو (115.1) ألف مليون ريال ، وساهمت في تشييد (550) ألف وحدة سكنية.

2)   قروض صندوق التنمية الصناعية السعودي:

بلغت نحو (61.6) ألف مليون ريال وساهمت في تمويل (1570) مشروعا صناعيا، و(11) شركة كهرباء.

3)   قروض البنك الزراعي العربي السعودي:

بلغت نحو (29.6) ألف مليون ريال ساهمت في زيادة المساحات المزروعة ، وإقامة أكثر من (3169) مشروعاً زراعياً متخصصاً في إنتاج الخضروات والفاكهة ومنتجات الألبان واللحوم.

4)   قروض صندوق الاستثمارات العامة:

بلغت نحو (56.7) ألف مليون ريال قُدِّمت إلى المؤسسات العامة والشركات الوطنية.

5)   قروض بنك التسليف السعودي:

بلغت نحو (5.8) آلاف مليون ريال وقدمت للمواطنين من ذوي الإمكانيات المحدودة لأغراض الزواج والعلاج وترميم المنازل وممارسة المهن والحرف الفنية.

6)   برامج الإقراض المتخصصة:

وتشمل القروض المقدمة للفنادق والمستشفيات الخاصة والمخابز والمقاولين والصحف ، وقد بلغت القيمة الإجمالية لهذه القروض أكثر من (4.2) آلاف مليون ريال.

§ بلغت جملة المبالغ المنصرفة على الإعانات المباشرة خلال الثمانية والعشرين سنة نحو (182) ألف مليون ريال منها (22.1) ألف مليون ريال إعانات المواد الغذائية، و(17.2) ألف مليون ريال إعانات زراعية، و(40.3) ألف مليون ريال إعانات الضمان الاجتماعي والشؤون الاجتماعية والرعاية الاجتماعية، ونحو (22.8) ألف مليون ريال إعانات شركات الكهرباء، ونحو (4.3) آلاف مليون ريال إعانات الأندية الرياضية، ونحو (4.7) آلاف مليون ريال إعانات للنقل العام وغيرها ، بالإضافة إلى (70.6) ألف مليون ريال إعانة القمح والشعير المحلي، والشعير المستورد.

في مجال النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي:

§  بلغ معدل النمو السنوي المتوسط للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي حسب الأسعار الثابتة لعام 1409–1410هـ /1989م خلال سنوات خطة التنميـة الأولى والثانية والثالثة والرابعة (14.6%)، (7.8%)، (–2.2%)، (1%) على التوالي، في حين بلغ معدل النمــو السنوي المتوســـط للفـــترة من (1389/1390هـ–1417/1418هـ) (1969–1997م) (3.4%).

§ ازداد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاع البترولي "حسب الأسعار الثابتة لعام 1409/1410هـ (1989م)" من (64.6) بليون ريال عام 89/1390هـ (1969م) إلى (170.2) بليون ريال عام 1399/1400هـ (1979م)، ولكنــه انخفــض بشكل حاد إلى (62.3) بليون ريال عام 1405/1406هـ (1985م). وفي عام 1417/1418هـ (1997م) ارتفع إلى (146.7) بليون ريال.

§ وبالمقابل شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاعات غير البترولية "حسب الأسعار الثابتة لعام 1409/1410هـ (1989م)" زيادة بمعدل نمو سنوي متوسط نسبته (6.1%)، حيــــث ارتفــــع من (47.8) بليـــــون ريـــال عام 1389/1390هـ (1969م) إلى (211.2) بليــــون ريــــــال عـــــام 1404/1405هـ (1984م) وإلى (244.4) بليون ريال في عام 1417/1418هـ (1997م).

§ استمر أداء القطاع الخاص (بما في ذلك المؤسسات العامة) نشطا ضمن القطاع غير البترولي، إذ ارتفعت قيمته في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي "حسب الأسعار الثابتة لعام 1409/1410هـ (1989م)" من (27.1) بليون ريال في عام 1389/1390هـ (1969م) إلى (127.6) بليون ريال في عام 1404/1405هـ (1984م). وقد شهدت مساهمـــة القطــــــاع الخاص بعض الانخفـــــاض عام 1406/1407هـ (1986م) إذ بلغت (124.5) بليون ريال، ثم ارتفعت بعد ذلك تدريجياً حتى وصلت إلى (143.5) بليون ريال في عام 1417/1418هـ (1997م).

§ ارتفعت المساهمة النسبية للقطاع البترولـي مقوماً بالأسعار الثابتة لعام 1409/1410هـ (1989م) في مجموع الناتج المحلي الإجمالي من (56.1%) في عام 89/1390هـ ( 1969م ) إلى ( 65.3% ) في عام 1394/1395هـ ( 1974م )، وانخفضت بعد ذلك مساهمته إلى أن وصلت (36.7%) عام 1417/1418هـ (1997م)، أما القطاعـــــات غير البتروليـــــة فقد أدى النمو السريع فيهــــــا إلى زيادة مساهمتهـــــا في مجموع الناتج المحلي الإجمالي من (41.5%) عـام 1389/1390هـ (1969م) إلى (76.1%) في عــــام 1405/1406هـ (1985م) ثم تذبذبـــــت حتى وصلت إلى (61.1%) عام 1417–1418هـ/ 1997م . وبدأت هذه التغيرات الهيكلية في الاقتصـــــاد خلال الفترة التي شهدت مساهمة القطاعات غير البترولية في الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات عالية. ففي فترتي خطة التنمية الأولى والثانية تناقص معـــــدل النمو السنوي المتوسط للقطاعات البترولية من (17.9%) إلى (2.9%) في حين تزايد معدل النمــــــو السنوي المتوسط للقطاعات غير البترولية من (9.5%) إلى (15.5%) على التوالي.. وتمثل هذه التغيرات الهيكلية نجاح خطط التنمية المتعاقبة في تحقيق هدفها الرامي إلى تخفيض الاعتماد على قطاع النفط وتنويع القاعدة الاقتصادية.

سابعاً :

وبعــد:

إن تمثّل ذلك الإنجاز التاريخي المعجز، الذي حققه الراحل العظيم في توحيده للبلاد وفي سعيه لترسيخ الانتماء والولاء لهذا الوطن على هدى مبادئ وقيم ديننا الإسلامي العظيم ثم تمثّل تلك الإنجازات الضخمة في كل مجالات التنمية التي تحققت على مدى السنوات الماضية من مسيرتنا التنموية المباركة، والتي شهدتها كل مناطق المملكة، يقدم دلالته الجوهرية في أن المعني الأول والوحيد بكل ما تم أو يتم هو المواطن السعودي، والذي كان في الجوهر من اهتمامــات المؤسس العظيم مثلما بقي هو الجوهر من اهتمامات القيادة الحكيمة لهذا البلد العزيز من بعده ، وتلك نعمــةٌ مــن العلــي القدير أن يُلهم قيادتنا السديدة حين تأخذ بأسباب التقدم والنهضة العصرية والبناء ، وحين تستفيد بالمنجز الإنساني الحديث في مناهج التخطيط كما في أدوات التقنية أن تحرص في الوقت ذاته على أن يكون التطبيق في إطارٍ من روح شريعتنا الإسلامية السمحة.