مقدمــــة:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام
على نبي الله ومصطفاه ، إمام الفصحاء ومعلم البلغاء محمد بن عبدالله ؛ وعلى آله
وصحبه أجمعين .. وبعد :
يتضمن هذا البحث الموسوم بـ ( الوطن في
الشعر السعودي ) تلمس المراحل التي مرّ بها شعر الوطن في الإبداع السعودي ، فقد
واكب الشعر مراحل تأسيس الوطن وتوحيده ، ثم أسهم في تجسيد نهضته وتطوره ، وكشف عن
المشاعر الوطنية المشتعلة لأبناء هذا الوطن في التطورات التي مرّ بها كافة . لذا
فقد حاولت في هذه الدراسة تفنيد مراحل شعر الوطن عن طريق تتبع التطور الزمني لشعر
الوطن السعودي : مضامينه وأفكاره ، وبناء على هذا فقد رأت هذه الدراسة الاقتصار
على الشعر الوطني : إشادة، وغناء ، وحنيناً ، وأعرضت عن الشعر الوطني السياسي ،
الذي يقصد به مناصرة الشعر للوطن في الأزمات السياسية التي يمر بها ؛ مثل النزاع
مع دول أخرى ، ولا يخفى أن هذه الجزئية تحتاج إلى دراسة مستقلة ، بخاصة بعد أزمة
الخليج وغزارة الشعر السعودي الوطني في هذه الأزمة ، لذا فمن الأولى التركيز على
نوعية من شعر الوطن ، هرباً من التسطيح والتعميم ، وقرباً من الدقة التي تتوخاها
هذه الدارسة ؛ لأن تشعب الموضوع قد يوقع البحث في مزلق الضياع وعمومية الحكم .
وقد قُسمت الدراسة إلى أقسام ،
هي :
مدخل : مفهوم الوطن وتطوره :
ويحوي هذا المدخل تعريف الوطن في
المفهومين القديم والحديث ، وإعطاء لمحة خاطفة عن الوطن في التراث الشعري .
بعد ذلك قسمت شعر الوطن السعودي إلى
الأقسام الآتية :
مواكبة الشعر لتأسيس الوطن
وتوحيده : المرحلة الأولى والثانية .
ويُعنى هذا الجزء بإلقاء الضوء على
الشعر الذي رافق تأسيس الوطن السعودي، ثم توحيده.
التغني بالوطن : المرحلة
الثالثة .
ويقصد به شدو الشعراء بمشاعرهم الوطنية
، مع بيان مدى التباين في طرائق بوحهم ، وكشفهم عن تلك العواطف الحميمة البناءة .
الحنين إلى الوطن :
وهذا القسم يُعنى بتسليط الضوء على بعض
من النصوص الشعرية التي كتبها الشعراء السعوديون في غربتهم حنيناً إلى وطنهم
السعودي .
ملامح شعر الوطن السعودي وسماته
:
وهذا الجزء يحدد شخصية شعر الوطن
السعودي وملامحه ، وقسماته ، وسماته العامة ، وهذه الخصائص العامة ، لا تخص مرحلة
بعينها ، بل تنظر إلى هذا الشعر بمنظار الرؤية الشمولية .
أما الغايات التي ترمي إليها
هذه الدارسة فهي :
المساهمة في ترسيخ مبدأ الانتماء للوطن
، عن طريق الأسلوب المؤثر ، واللفظ المعبر الموحي ، والتعبير الراقي ؛ الذي يمس
مناطق الإحساس والشعور ، والعقل والفكر معاً . واعتقد أن الإبداع قادر على إيقاظ
العاطفة الوطنية وإشاعة الحركة فيها ، مما يرشحه لأن يكون من عوامل بعث الحسّ
الوطني ، وبخاصة إذا أبرز هذا الشعر ووظف توظيفاً ملائماً .
وأيضاً مما تتوخاه هذه الدراسة أو
الهدف الرئيس منها ؛ التركيز على المسببات والبواعث التي أذكت وأشعلــت الشعور
الوطني لدى أبناء الجزيرة العربية – بعد أن كان ضاوياً في الشعر– منذ أول لحظة دخل
فيها الملك عبدالعزيز واسترد الرياض عام 1319هـ ، ثم استمر هذا الشعر الوطني
يزداد قوة وتوهجاً ؛ أي أن هذا الشعر الفاعل لم يشكل ظاهرة شعرية إلا بعد أن بدأت
مراحل التوحيد ، ثم واكبها واستمر معها ، ومن هنا تنوع الشعر الوطني السعودي ،
وتعددت اتجاهاته ووسائله ، تبعاً لتطور الشعر السعودي ونموه ونضجه .
لذا فإن هذا البحث يرمي إلى هذه
الغايات ، وأرجو أن يكون إشارة إلى هذا الإبداع الشعري ودراسته وتقويمه .
والحمد لله
أولاً وآخراً
مدخــل : مفهوم الوطن وتطوره :
الوطن في اللغة هو : ( المنزل تقيم به
، وهو موطن الإنسان ومحله ... وأوطنه اتخذه وطناً . يقال: أوطن فلان أرض كذا وكذا
اتخذها وطناً ... وفي الحديث : أنه نهى عن نقرة الغراب ، وأن يوطن الرحل في المكان
بالمسجد كما يوطن البعير . قيل : معناه أن يألف الرجل مكاناً معلوماً من المسجد
مخصوصاً به يصلي فيه كالبعير لا يأوي من عطنٍ إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه
مناخا ... ومنه الحديث : أنه نهى عن إيطان المساجد أي اتخاذها وطناً )([1]) ،
وبناء على هذا فالوطن ارتبط بالإنسان ووجد معه ولازمه ، في مختلف الأزمنــة
والبيئات ، وبصورها وأشكالها كافة ، وإن اختلــف تحديد مفهوم الوطن في الفكر القديم
عن الدلالــة أو المصطلح الحديث، فالإنسان القديم أو الجاهلي – مثلاً – يرتبط
بمكان مولده وعيشه في سهل أو جبل أو وادٍ ، ويرتبك بربوع قبيلته حول نبع ماء ، أو
موضع كلأ([2]) .
وارتباط الإنسان عاطفياً بمكانه الذي ألفه وبمجتمعه وبيئته وتعلقه بهم يعد أمراً
فطرياً ، يبقى ما بقيت المشاعر والأحاسيس ، وهو ظاهرة مشتركة بين البشر كافة ،
يقول الجاحظ في كتابه الصغير الموسوم " بالحنين إلى الأوطان": ( وكانت
العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلادها رملاً وعفراً تستنشقه عند نزلة أو
زكام أو صداع )([3]) .
والجاهلي وغيره يفتخر بقبيلته ويدافع
عن حماها ، وساكنيها الذين ينتمي إليهم، ويشيد بمفاخرهم ويجسد أوجاعهم ، والمعلقات
على سبيل المثال تزخر بكمٍّ كثير لأسماء أماكن كثيرة يعشقها الشاعر ، ويحن إليها
وإلى ساكنيها ؛ إذا رحلوا عنها وهجروها ، وبخاصة أن طبيعة المجتمع القبلي والطبيعة
الصحراوية تفرض على أهلها وساكنيها التنقل وهجر الديار التي استوطنوها وألفوها ،
يبدو هذا بارزاً في التزام أغلب الشعراء العرب منذ الجاهلية بالوقوف على الأطلال
والبكاء على المكان وتذكر الأحبة الراحلين . وهذا المنهج الشعري سار عليه الشعراء
العرب حتى بعد العصر الجاهلي وظل نظاماً شعرياً متوارثاً لحقبة زمنية ليست
بالقصيرة ، ثم أخذ يتلاشى بعد أن استقر أكثر العرب في المدن وتركوا حياة التنقل
والترحال .
فامرؤ القيس – مثلاً – يستفتح معلقته
المطولة بالوقوف على الأطلال ، والبكاء على ديار شهدت ذكريات له مع محبوبته
الراحلة مع قبيلتها في قوله([4]) :
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل بسِقْط
اللوى بين الدَّخول فَحَوْملِ([5])
لقد مزج امرؤ القيس في هذا المطلع
الافتتاحي بين عشق المحبوبة وعشق المكان فكلاهما أرتبط بالآخر ، وكان باعثاً عليه
ومثيراً له .
وليس الوقوف على الأطلال هو الشعر
الوحيد الذي يدل على التفات الشعراء العرب القدمـــاء للتعبير عن مشاعرهـــم
لأوطائهم . فقد حفــظ لنا التراث الشعري كماً لا بأس به من النصوص الإبداعية التي
تشهد على تعلق بعض الشعراء بديارهم وأوطانهم، فها هو ذا الشاعر الإسلامي مالك بن
الريب بعد أن أحسّ بدنو الرحيل عن هذه الدنيا ، وهو غريب في أرض خراسان ناءٍ عن
أرضه ، يكتب بكائية تعد من عيون الشعر الرثائي العربي ، يسطر فيها أروع المشاعر
الفائـــرة التي تجسد هيامه بوطنه وكل ما يحويه هذا الوطن ، مصوراً حنينه إلى
دياره في نجد ، وباكياً على كل ركز من رموزها، على رملها، وإبلها ، وعشبها ،
ومتمنياً أن يبيت فيها ولو ليلة واحدة ؛ ليستمتع بممارسة ما ألفه من رعي للإبل([6]) :
ألا ليت شعري
هل أبيتن ليلــــــــــــةً بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا([7])
فليت الغضى لم يقطع الركبُ عَرْضَهُ وليت الغَضَى ماشى الركـــابَ لياليا
دعاني الهوى من أهـل أودَ وصُحبتي بذي الطَّبسين فالتفـــــــــــــــتُّ
ورائِيِا([8])
أجبتُ الهوى
لما دعانــــــــــي بزفرةٍ تقنعتُ
منهـــــــــا ، أن أُلامَ ، ردائيا
ولما
تـــــــــراءت عندْ مـــــــروٍ منيتي وخلَّ
بها جسمي وحانـــــت وفاتيـا([9])
أقول
لأصحـــــــابي ارفعوني فإنني يقرُّ
بعيــني أنْ سهـــــــيلٌ بداليــــــــــا
بأن
سهيــــــــلاً لاح من نحو أرضنا وأن
سُهيـــــلا كــــــان نجماً يمانيـــــــا
لقد أبدع الشاعر في وصف لحظة الفراق
المر الذي زاد من مرارته غربته وبعده عن وطنه . والنص بكامله يحكي مشاعر صارخة،
أسيانه، لشاعر حساس مفجوع بفراق الوطن ، كما يحوي أماني يائسة بتحقق اللقاء وعودة
الوصال . ولعل من أجمل ما قاله في الأبيات السابقة طلبه من رفاق الغربة بعد أن
اختل جسمه وضعف وشعر بالموت يدب في أوصاله ، أن يرفعوه لتقر عينه بمرأى نجم سهيل
الذي تعود أن يراه يلوح ساطعاً فوق رابية نجد أرضه وموطنه .
وابن الرومي الشاعر العباسي كتب قصيدة
لسلمان بن عبدالله بن طاهر يستعديه على رجل من التجار أجبره على بيع داره ، واغتصب
بعض جدرها ، وقد أثبت القيرواني في زهر الآداب ، أن ابن الرومي أبدع في هذا النص تعليل
مسببات حب الأوطان ، من هذه القصيدة([10]) :
ولي وطــــــن
آليتُ ألا أبيعـــــــــه وألا أرى غيري
له الدهر مالكا
عهدت به شرخ
الشبــــاب ونعمةً كنعمةِ قوم أصبحـوا
في ظلالكا
وحببَّ أوطان
الرجــال إليهـــــــم مآربُ قضاها
الشــــبابُ هُنالكا
إذا ذكـــروا
أوطانهــــــــم ذكَّرتهُمُ عهود الصبا
فيهـــا فحنُّوا لذلكا
فقد ألفتـــه
النفـــــــــسُ حتى كأنّه لها جسدٌ إن
بـــان غُودِر هالكا
مع أن ابن الرومي لم يكن يقصد الوطن
بمفهومه الحديث ، بل يقصد المكان الذي فيه نشأ وألف ، إلا أن معنى النص يعطي دلالة
الوطن ، بكل تفاصيله .
وقال أيضاً يتشوق إلى بغداد وقد طال
مقامه بسُرّ من رأى([11]) :
بلدٌ صحبتُ به
الشبيبة والصبا ولبستُ ثوبَ العيش وهو
جديدُ
فإذا تمثل في
الضــــــــــمير رأيته وعليه
أغصـــــــــــانُ الشباب تميدُ
ويظهر أن أغلب الشعر العربي في التراث الذي
يجعل نواته الوطن ، يكون حنيناً له في الغربة ؛ وربما يكون الدافع لهذا الشعر هو
ظروف الحياة القديمة التي فرضت على العربي التنقل ، وترك المكان الذي ألف ، وبه
نشأ ، ودرج .
وفي العصر الحديث اتسع مفهوم المواطنة
من معنى الوطن الصغير الذي تمثل في القبيلة أو القرية إلى مدلول أوسع : ( ينتظم
أرضاً واسعة ، لها حدود واضحة ، وتعيش عليها مجموعة متفاعلة من الناس ذات تاريخ
واحد ومصالح واحدة ، وأصبح الإنسان يرتبط بمحله الصغير – سواء أكان مدينة أو قرية
أو ربوع قبيلة – ويرتبط بأرض أعم وأرحب هي أرض وطنه كله ) ([12]) ،
وعلى هذا فالوطن لا يعني المساحة الجغرافية فقط ، بل المجتمع ، وما يموج في هذه
الأرض من أحداث ، وبناء عليه لا يمكن تجزيء مكونات الوطن أو حصره في المكان فقط .
أما مفهوم الوطنية في الأدب فهي تعني :
( شعور بحب الوطن يعبر عنه في الأدب أحياناً نثراً أو نظماً ، ويتضمن ما تحتويه
نفس المشاعر أو الكاتب من مقدار إخلاصه لوطنه ، كما ينطوي على حث القارىء على
المشاركة في هذا الشعور ) ([13]) ،
ولا يخفى أن هذا التعريف يخص الناحية العاطفية ، ويبين أن الشعر الوطني ليس مجرد
تقرير للعواطف فقط ، بل يحتاج إلى مدِّ جسر بين الفنان والمتلقي عن طريق انتقاء
القالب الفني الملائم ، والأسلوب ، واللفظة الموحية الدالة ؛ التي تشرك المبدع مع
الملتقي في عمق التجربة الشعورية . أما تعريف الوطن في الشعر من الناحية الموضوعية
: " فنعني به التغني بالجبال ، والسهول ، والوديان ، والأرض ، والبحر ، كما
نعني به تبني الأديب قضايا الأمة السياسية الخاصة ، والوقوف بجانبها حين يكون نزاع
مع الدول الأخرى "([14]) ،
وبناء على هذا فإن شعر الوطن بنوعيه وجد في الشعر السعودي بنسب متباينة([15]) .
وسوف تقتصر هذه الدراسة على النوع الأول من شعر الوطن ، أي أن هذا البحث سيكون
معني بإلقاء الضوء على شعر الوطن السعودي إشادة ، وغناء ، وحنيناً، حرصاً على
التحديد والتركيز ، وتجنباً من الوقوع في مزلق التسطيح ، أي أن هذه الأنواع التي
ذكرت آنفاً هي الجزئيات التي ستكون هذه الدراسة .
كما أن هذه الدراسة ستعنى بالشعر الذي
يتحدث عن الوطن كله ، بمعنى أن التغني بجزء منه مثل : مدينة أو منطقة ، فلا يدخل
ضمن دائرة هذا البحث .
وما نعنيه بالوطنية – في دراستنا هذه –
ليس التعصب أو الدعوة إلى القومية المرفوضة ، بل على " العكس من ذلك أن ما
نهدف إليه هو تعميق الشعور بالانتماء للوطن ، ومن لا يعشق وطنه لن يكون قادراً على
العطاء والإيجابية ، وما أحوجنا دائماً إلى بناء مجتمع قوي متكاتف ، وأمة تربطها
وشائج عاطفية متينة ، وما أحوجنا إلى أن نوحد توجهاتنا وأهدافنا عن طريق وحدة
الشعور والعاطفة .. وأسوأ كارثة يُمنى بها الفرد أن يعيش وسط وطن متزعزع ، لا يشعر
فيه بالانتماء والأمان والاستقرار . ومن هنا فإن توجهنا في دراسة هذا الموضوع ؛ هو
مسار يعتمد على تسليط الأضواء على تلك العواطف البناءة التي تحرك الشعور الوطني
وتعمقه ، ذلك الشعور الذي ينادي بالتعاضد مع ولي الأمر ، ومع الأمة ، والتجذر في
الوطن فهو الماضي والمستقبل ، الذات والآخر / الأب والأم والأبناء والأهل والأرض ،
والتأكيد على أن الارتباط العاطفي هو من أثبت الدعائم والوشائج . يقول الجاحظ
نقلاً عمن سبقوه مكنياً عنهم بالأول : " وقال الأول : عمر الله البلدان بحب
الأوطان . وكان يقال : لولا حب الناس لأوطانهم لخربت البلدان "([16]) .
(1) مواكبة الشعر لتأسيس الوطن
وتوحيده :
المرحلة الأولى :
لقد رافق الشعر مراحل تأسيس الملك
عبدالعزيز للوطن منذ استرد الرياض عام 1319هـ ، واستمر معها مصوراً لها – أي تلك
المراحل – وما أسبغته على الجزيرة العربية من نعمة الأمن والتآخي والاستقرار ،
ومشيداً بالوطن ، وموضحاً للثوابت الإسلامية المتينــة التي ارتكز عليهـــا ،
وللأهداف الساميـــة التي سعى الملك عبدالعزيز – رحمه الله – لتحقيقها متمثله في
لمّ الشمل المتفرق ، وتوحيد الشتات المتمزق ، وقد أمضى الملك عبدالعزيز سنوات
طويلة في الكفاح لإكمال نظم العقد المنتشر ، الذي اكتملت حباته بتوحيد معظم أجزاء
الجزيرة العربية تحت راية دولة واحدة ، وأعلن ذلك رسمياً عام 1351هـ / 1932م ،
حينما أصدر الملك عبدالعزيز مرسوماً ملكياً يقضي بتوحيد البلاد ، وأن تسمى (
المملكة العربية السعودية ) ، ومنذ ذلك التاريخ أصبح اسم (عربي سعودي) مصطلح يدل
على كل ما له صلة بهذه البلاد الموحدة ومجتمعها ، بكل ما يمثله ويصدر عنه ، ومنه
الأدب([17]) .
وقد واكب الشعر مراحل تأسيس وتوحيد
الدولة أو الوطن السعودي ، ويعد كثير من شعر ابن عثيمين ، وابن بليهد ، والغزاوي ،
سجلاً تاريخياً حافلاً لكثير من الوقائع والفتوحات التي خاضها الملك عبدالعزيز ،
وباحوا في هذا الشعر بمشاعرهم الوطنية المستبشرة ، مركزين على الثوابت الإسلامية
التي تأسس عليها الوطن السعودي ، وموضحين البون الشاســــع بين ما كنوا عليه وما
صاروا فيه من أمن . يقول ابن عثيمين في ذلك([18]) :
ودعوةٌ
وجبـــــــــت للمسلمين به أما
تــــــــرى عمهم أمن وإيمان
حاط الرعية من
بصرى إلى عدن ومن تهامة حتى ارتاح
جعلانُ([19])
وقوله في عام 1339هـ في قصيدة مدح فيها
الملك عبدالعزيز ، وصور نعمة التآلف التي افتقدوها قبله([20]) :
تألفــــــــــــت
بك أهواءٌ مُفرقـــــة تأججت بينهم من قبلك
النــــارُ
فأصبحوا بعد
توفيـــق الإله لهم بعد الشقا والجفا في
الدين أخيار
كنا نمرُّ على
الأمـــــوات تغبطهم من قبلـــــــه إذ
تولى الأمر أشرارُ
ويقول أيضـاً عام 1344هـ – عندما استرد
الملك عبدالعزيز المدينة بعد استرداد مكة – كاشفاً مدى بهجة أهل الحجاز وأهله ،
بهذا الحدث الجلل ، وما أحدثه هذا الأمر من إيجابيات جمَّة ؛ لعل أهمها التخلص من
البدع وسريان ينابيع الهدى ثرَّة سخية([21]) :
سفر الزمانُ
بغُرة المستــــــــبشر وكُسي شباباً
بعد ذلــــــك المكبرِ
وتأرَّجت
أرجـــــــــاؤه بشذائه حتى لخلنا التُّرابَ
شيــــبَ بعنبرِ
وتألقت في
طيبةٍ سُرُج الهدى ما بين روضة
سيـــــــــدي والمنبرِ
وتألقت من
قبــــــــــل ذا بمكةٍ إذ قُدمت من
كـل رجــــسٍ مُفتر
وتـــــجددت
من جُدةٍ أعلامُهُ وتقشّعت منهــا
رُســـــــومُ المُنكـر
وجرت ينابيع
الهدى في ينبع هذي السعادةُ يالــها من
مفــــخر
اعتمد ابن عثيمين على الصور الحسية
الإفرادية ، التي تتآلف لتصنع صورة كلية ضاجة باللون والرائحة والحركة ، ولتبعث في
المتلقي نشوة الفخر والإعجاب ، ولتمنحه صورة ناطقة لعظمة الموقف التاريخي .
وفي 1347هـ يقول أيضاً في تجسيد نعمة
إقامة السنة النبوية ونبذ البدع ، والتأكيد على التآخي بين أبناء الجزيرة العربية
، موجهاً خطابه للملك عبدالعزيز([22]) :
أغاث إلهُ
العالمــين عبــــــــــــادهُ بمن شاد
ركن الدين بعد التثلم
وبعد أن يعرض بعضاً من ممارسات بعض
الحكام الخاطئة ، التي ترفع عنها الملك عبدالعزيز وتنزه ؛ يقول :
ولكن
نصرت الحق جهــدك واعتلت بك السنة الغراء في كـــل معلم
فأصبحت الدنيا
وريفـــــــاً ظلالها عروساً تباهي كل
بــــــكر وأيّم
وألفت شمل
المسلمين وقد غدوا أيادي سبأ ما بين
فـــــــــذٍّ وتوأم
يؤكد ابن عثيمين في أكثر قصائده ويردد
حقائق عدة، هي: تحقيق الشريعة الإسلامية السليمة ، والأمن والتآخي ، وهي حقائق لا
مراء فيها يقرُّ بها العدو قبل الصديق ، لبروزها بشكل جلي ، وهذا التكرار لا يعد
عيباً في شعر ابن عثيمين فأكثر من يتأثر بالشيء هو من يمارسه ويعاصره ، وهذه ليست
خصوصية في شعر ابن عثيمين فقط ، بل لدى أغلب الشعراء الذين عاصروا ما قبل تأسيس
الوطن وما بعده ، وعايشوا معايشة فعلية العهدين . من هنا فإن شعرهم صورة عاكسة
لحالة الوطن قبل التوحيد .
وتتردد هذه المعاني عند ابن بليهد (
1310هـ – 1377هـ) ([23])
ففي قصيدته التي نظمها بمناسبة ضم جدة ، وبيعة أهل الحجاز للملك عبدالعزيز في
الحرم المكي سنة 1344هـ ، يؤكد أيضاً على تحقق التآخي والأخوة واستتباب الأمن([24]) :
سر واسأل
الركب إذا ينيبك ما مسعا لما تمزق ضيق
العيش وانقشعــــا
عن
الحجـــــــــاز وأضحت في جوانبه أيام
أنس وسار الرغد واتســـعا
فثغر
جـــــــدة بالأفراح مبتســــــــــــم وفي
المدينة نجم السعـــد قد طلعا
ثم يقول :
نحن وإخواننا
أهل الحجاز ومـــــــن في كل أمر
لنهج المصـــطفى تبعا
فكلنا أخــــــوة وكلنا عـــــــــــــرب لم
نرض إلا الهدى ولم نرتض البدعـا
هـذا
إمامكم عبدالعزيز وقـــــــــد يلقي
عن المذنبــين الخوف والفزعا
قد
كان طوداً لنجد تستقر بــــــــه عن
الزلازل إن ماجـــــت ومنتجعا
فاليوم
قرَّت بــه عين الحجاز كما كانت
جوانبـــــــــــه كهفاً وممتنعـــــا
لنا
وللمسلمــــــــــــين الآن كلهم والحق يرضى به الأدنى ومن شسعـا
ويقول أيضاً عام 1345هـ([25]) :
الحمد
لله كل الأرض قاطبــــــة أمن
وعـــــــــدل بلا جور ولا ميل
ومنذ أن ضم الملك عبدالعزيز الحجاز
والشاعر محمد حسن عواد (1324هـ –
1400هـ) ([26])
يشارك بشعره مشيداً بالوطن بعد أن اتسعت رقعته ، ويستبشر بهذا التآخي بين نجد وشرقي
الجزيرة والأحساء ، ومن القصائد المبكرة التي كتبها العواد مستبشراً بالملك
عبدالعزيز بعد دخوله الحجاز ، النص الذي يقول في مقدمته : ( ... في سنة 1343هـ/
1924م اتسعت رقعة الفكرة الوطنية التي كنا نتمثلها في الحجاز وحده، فحققها جلالته
بضم نجد وملحقاتها وأطراف الجزيرة في دولة واحدة ... ) . يقول العواد في هذا النص([27]) :
لقد آن أن
تستحيل المدامع يا موطني
إلى بسمات
وضاء
وأشياء لم
تعلن
وأن تتقوى
بعزم
أفق واستمع :
ماذا تقول
البحار على شاطئيك
تآلف بعد
الجفاء
بنوك على
ضفتيك
فهلل لهذا
الإخاء
وأيده في
جانبيك
لقد كنت فيما
مضى
كيانا صغيراً
فحسب
وها أنت ذا
الآن تمضي
إلى مظهر
يشرئب
لقد صمم اليوم
مشروعه الباسق المستديما
مليك أبى
للشكوك
بأهدافه أن
تقيما
فعش للوئام
المؤمل (عبدالعزيز) عظيما
ومنذ ذلك التاريخ والعواد يشيد بالوطن ،
وبحكمه ، ويستحث أبناءه على العلم الدؤوب لإعادة ما كان له من مجد انطفأ ، متأملاً
في هذه الوحدة وملقياً عليها ما يطمح إليه أبناؤه .
ويبدو لنا من هذا النص أن العواد قد
تردد في شعره مصطلح (وطني) و (بلادي) مبكراً قبل التوحيد ، وهذه سمة بارزة في شعر
العواد الوطني .
ويستمر العواد يبارك خطوات الملك
عبدالعزيز لتأسيس الوطن ففي 1344هـ ، يقول مشيداً بالملك عبدالعزيز ، في قصيدته
إلى ( جلالة الملك المعظم ) ؛ مستبشراً بهذا الوطن العربي الأصيل([28]) :
مدينة
الأفرنج منهــــــا ناشيء العرب
استشـــــــمأزا
يبغى
تمدن قومـــــــــــــه ويريد
ســــــــــــؤوده الأعزا
يبغى
الجديد ولا جديد سوى
التوثـــــــــــــــب مستفزا
ويرى
القديم لروحــــه – فيما يرى –
بالنكبات يهزا
عبدالعزيز
ألا سلمـــت وزادك الرحمــــــــــــن
عــــــزا
وبمناسبة الذكرى الخامسة لتتويج الملك
عبدالعزيز ملكاً على الحجاز وسلطاناً لنجد وملحقاتها في عام 1348هـ/ 1930م ، يترنم
الغزاوي (1318هـ – 1401هـ)([29])
بالوطن وبمعالم نهضته المبكرة من تاريخه قائلاً([30]) :
ترنحت الأعطاف
وابتسم الزهر ببيعة يمن شأنها النهي
والأمر
لخامس عام
أينعت بثمـارهــــــا فعم بلاد العرب
من طيبهـــــا نشر
وما هي إلا
العز والسعد والعلا وإلا الأماني الغر
تومــض والفخر
تجلت بها أرض
الجزيرة دولــــة لها العلم الخفاق
والعســـكر والمجر
وصاح بها
التاريـخ في ربضاتها ألا إن ماضي العرب
لاح له الفجر
أباح لكم
عبدالعزيز بملــــــــــكه مراعي هناء
لا تميـم ولا بــــــــــــكر
ووحد أشتات
البلاد فأصبحت وما بينها ضغن ولا دونها
ســــــــتر
وفي النهضة التعليمية والعمرانية
والرخاء الاقتصادي الذي برز حتى قبل التوحيد، يقول الغزاوي :
فدونك ما شادت
فثم مـــدارس تجد بعثـــــــــات
تثقفهــا مصــــــر
وحولك عمران
تطاول سمــكه وحسبك أن الفقــــــر بدده
الوفر
وفي توحيد الملك عبدالعزيز بين حكم
الجزيرة ، الذي كان قبله متعدد التيجان والحكام يقول أيضاً عام 1349هـ بمناسبة
تأسيس جمعية الطيران العربية([31]) :
عبدالعزيز
الذي ما زال متبعــاً نهج الرسول
وبالإخلاص يرعانا
توحدت فيك
تيجان ومملكــــة للعرب تشمــــــــــل
يبرينا وجيزانا
ويقول أيضاً عام 1348هـ ، مازجاً بين
الماضي الشامخ وعودته مرة أخرى بعد أن افتقدته الجزيرة ردحاً من الزمن([32]) :
يا بلاد العرب
قــــري وانعمي ولتعيشي في أمــــــان
وارتيــــــاح
واذكري أيامك
اللاتي مضت إن ذكرى المجد
للبانـــــــــــين بـاح
أنت مهد الدين
والعلـم الذي بهر العالم
واستخــــــذى الوقاح
فهلمي وابحثي
كنز العــــــــلى إننا للعــــــــــز
مطلقو الســــــراح
وفـــؤاد شاكر أيضـــاً (1322هـ–
1392هـ) ([33])،
يجســد المفارقـــة الصارخــة بين ما كانت عليه الجزيرة من جهل وخوف وفرقة، إلى ما
آلت إليه من أمن ورخاء ووحدة، وذلك في قصيدة ألقاها عام 1349هـ/ 1930م بمناسبة
ذكرى جلوس الملك عبدالعزيز([34]) :
قيل :
الحجــــــــــاز ونجد أفدى
الحجــــــاز ونجـدا
يا قبلة
الـــــــــدين روحي إلى حناياك
تهــــــــــــدى
يا قبلة
الشــــــــــــرق قلبي لدى
حـــــــــــماك تـردّى
والقلب
والـــــــــروح نزر على
الحبيـــــــــب المفدّى
قيل : الحجاز
ونــــــــجد فقلت : جــددت عهــدا
أولئك
القـــــــــــوم قومي من طاولوا
النـــاس مجدا
من طاولوا
الناس فخـــر وأفحمـــــــوا الناس جدا
ثم يحكي حال الجزيرة قبل الملك
عبدالعزيز قائلاً :
نسام
خسفـــا لنرضــــى أن نقبل الضــــــيم
وردا
في
دجوة الظـــلم نمشي وظلمة الجهل
نـــــــردى
حتى
تبدل عهـــــــــدي وعـــــاد أنضر
عهـــــــدا
وعاد
ما كان صابـــــــا بأنعم الله شهـــــــــــــــدا
فكل
فرد لدينــــــــــــــا بالدين أصبح
حشــــــدا
وكل
حشــــــــد جميع بالدين أصبـــــــــح
فـردا
إن الشعر الذي قيل قبل التوحيد وعكس
صورة الوطن الجديدة وافر غزيز ، والمتتبع له يجد الأصوات الشاعرة تصدح باسم الوطن
، وبملكه ، وأمنه ، وأخوة أهله، وكان هذا الشعر الذي واكب تأسيس الدولة السعودية
على يد الملك عبدالعزيز هو المرحلة الأولى لشعر الوطن ، وكان صورة ناطقة للمناخ
العام ، ومعبراً عن الوطن وحالته ، ولا عجب في ذلك فالشعر مرآة عاكسة للمجتمع وما
يموج فيه من أحداث ومتغيرات ، وقد ركز الشعراء في هذه المرحلة – ابن عثيمين وابن
بليهد والغزاوي – على تجسيد المفارقة الصارخة بين حال الجزيرة قبل الملك عبدالعزيز
وما غشيها من خوف وتشتت ، ثم تبدل الخوف أمنا والفرقة ألفة وأخوة ... ، وظلوا
يرددون في شعرهم بفخر واعتزاز فتوحات الملك عبدالعزيز واستبشار أرض وطنية تنبض
بالحماس وتتدفق بالمشاعر الجياشة البناءة ، مرتكزين في قصائدهم على العقيدة
الإسلامية الصافية؛ التي هي عصب الوطن السعودي منذ تأسيسه ، وقلبه وفكره .
وهناك ظاهرة جديرة بالذكر هي أن الشعراء في شعرهم الذي كان قبل التوحيد وبخاصة أصحاب الثقافة التراثية ، نجد فيه عدم تركيزهم على مصطلح أو لفظه "بلادي" أو " وطني " مع وعيهم الكامل بدلالتها المعنوية وما تعنيه وبفكرة الوطن ، ولكن المصطلح يبدو أنه لم يكن رائجاً لديهم أو لدى العامة إلا بعد التوحيد ، فنجدهم يطلقون الوطن بلاد العرب ، أو البلاد ، أو جزيرة العرب ، أو الأوطان ، أو الحجاز ، أو نجد ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الوطن لم يكن هناك اسم جامع يحويه ، فبعد فتح الحجاز سمي الملك عبدالعزيز "ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها " ، ومما يلفت النظر أن العواد تكرر لديه مصطلح (وطني)