( 1 )

 

أحسب أنني أشق على نفسي وعلى القارئ على حد سواء ، لو أنني تقصيت كل أنواع الأدب وفنونه ، وبحثت عن كل الخصائص والسمات الشكلية والبنائية والمضمونية في أدب يتطاول مع الزمن ، ويمتد في المكان([1]) . غير أني في سبيل احترام الموضوعية والمنهجية ، أبيح لنفسي الأخذ من كل هذه الأنواع بطرف ، وعلى المعنيين بمثل ذلك الإمساك بطرف الخيط ، واستكمال ما يود أحدهم استكماله . فالأدب مصطلح يتسع إلى حد الشمول والاستغراق ، ويضيق إلى حد الانطواء والانغلاق ، وذلك بحسب تَشَيُّئه في ذهن المصطلحيين . فإذا كان موقوفاً على خالص الإبداع فحسب، يصبح استيعابه مقتصراً على ذات النص الإبداعي من نظم أو سرد إبداعي ليس غير([2])، أما إذا اتسع لكل كلام جميل من شعر ونثر ، وما يساند ذلك من الآليات البلاغية والنحوية والصرفية واللغوية والعروضية والإملائية والخطية ، إضافة إلى الدراسات والتراجم والسير الذاتية والموسوعات الأدبية والتأريخ الأدبي وكل الكتابات ذات الطابع الإنشائي الجميل مما لا يصدق عليه مصطلح العلم ، فإنه بهذا يصبح مصطلحاً شمولياً تنوء بحمل مشتملاته العصبة ألو القوة من الكتاب والدارسين .

ومصطلح [ الأدب ] من الشيوع ، بحيث أصبح مفهوم المقتضى قائماً بالضرورة ، ولم يعد أحد يستشرف مشمولاته ، إذ هي من الوضوح بمكان . وعندي أن مصطلحاً يبلغ هذا المبلغ من الوضوح والانفتاح والشمول ، يكون من الصعوبة ، بحيث يفقد الجمع والمنع أو يكاد ، ولك أن تستذكر مصطلح [ الثقافة ] ، لقد اتسع بشكل لم يعد في إطار السيطرة([3])، وما ذلك إلا بسبب الانفتاح وتعدد المفهوميات ، ولا أحسبنا بحاجة إلى الاتفاق على مفهوم الأدب بوصفه مصطلحاً شائعاً وتلقائياً ، وإنما أريد أن أومئ إلى غلبة الشعر وهيمنته ، وانطلاق الدارسين منه والعودة إليه ، واستئثاره بكل ما سلف من دراسات تراثية امتدت لتشمل طرفاً من الحاضر ، حتى لقد ضاع غيره في زحمته أوكاد، واعتاد المتلقي ألا يسمع إلا ما يقال عن الشعر وفنونه وأغراضه ومعانيه . ومن ثم أصبح الشغل الشاغل لكل الدارسين والمنظرين ، وما عاد أحد يتبادر إلى ذهنه عند ذكر "الأدب" إلا ذلك القول من الإبداع الموزون المقفى ، أو الموزون دون تقفية ، أو غير الموزون وغير المقفى ، على سنن [ قصيدة النثر ] ([4]). وما زال سلطان الشعر في العصر الحديث في صراع مع الأنواع الأدبية الأخرى ، وبخاصة [ الرواية ] التي أثقلته بالمزاحمة، لقصر سلمها، وضعف شرطها([5]) . وحين أتحدث عن خصوصية الأدب العربي في المملكة العربية السعودية يجتاحني ذلك السلطان الشعــري ، ليأخذ بناصيتي صوبه ؛ وما من دارس إلا ويجد نفسه مجلياً في دراسة الشعر متعثراً فيما سواه . ويقيني أن أسباباً كثيرة يسرت الشعر ووطأت أكنافه ، لعل من أهمها : خصوصية اللغة وانزياحها ، ونصاعة الفن وكثافة الجمالية ، ونبرة الإيقاع والإنشاد ، وتداوله تراثياً ، بوصفه شاهد نحو ومثل بلاغة ونماذج مدح وفخـــر وحكمة . حتى قيــل عنه : إنه [ديوان العرب] ، وما أبيح للشاعر من فسح كثيرة [ كالضرورات الشعرية ] ([6])، وقبول الفخر والادعاء . وقد قيل: (أعذب الشعر أكذبه) ، (والشعر يغني عن صدقه كذبه)، وعلى خلاف ذلك ماسوى الشعر . فاللغة تكون شائعة يسيرة ، والموضوع يصير ممطوطاً ، والتكثيف الدلالي قليل لا يكاد يبين ، والناثر محاسب على دقيق القول وجليله . ومع كل هذه العوائق سنومئ إلى الخصوصية في فنون النثر : كالسيرة([7])، وأدب الرحلة([8])، والقصة([9])، والرواية([10])، وسائر فنون السرد([11])، ما أمكن ذلك ، وبخاصة في البعد الدلالي ، سعياً وراء الخلوص من سلطان الشعر، واستيفاء للخصوصية التي يمعن البعض في استبعاد قيامها ، رغبة في التلاحم العربي، ونفوراً من التجزئــة الإقليمية ، وما ذلك إلا بقية من الإثارات العاطفية التي لا تصمد للتمحيص ، ولا تثبت للمساءلة ، وهي بالخطاب الإعلامي ألصق . وما كنت في يوم من الأيام مؤمناً بالتجزيئية ولا بالإقليمية ، ولكنه الواقع الذي يفرض نفسه . وما علينا من بأس حين نرصد الواقع الإقليمي في مجال الأدب أو غيره ، ونحاول التخطي به إلى الأشمل ، فالأدب العربي أنشأته بيئات مختلفة وأقاليم سياسية متمايزة . والأدب العربي في المملكة ليس بدعاً في سائر الآداب الأخرى ، وإذ يكون الأدب ــ أي أدب ــ : أصداءَ واقع مغاير ، ومفرز ثقافة ذات بعد معرفي مباين ، ومنتج ظروف لها ملامحها وخصوصيتها ، تكون له ــ تبعاً لذلك ــ ملامحه التي لا تفصله عن سياقه الأعم ، وإنما تحفظ له مؤثراتٍ وشفرات . وما يقال عن علاقة الأسلوب بمنتجه يقال عن علاقة الأدب ببيئته الخاصة والعامة والأعم ، والأدب ينسل من دوائر ثلاث يصطبغ بها :

    ــ   الدائرة الأخص ، وهي دائرة المنتج .

    ــ  والدائرة العامة ، وهي دائرة المجتمع المحيط بالمنتج .

    ــ  والدائرة الأعم ، وهي دائرة الأمة المحيطة بالمجتمع .

ومن الممكن أن يكون لكل دائرة طرف من الخصوصيات ، التي يمكن لنا أن نطلق عليها : الأخص ، والعام ، والأعم . وما الأسلوب الذي هو الرجل ــ كما يقال ــ إلا مجموعة من حروف المباني ، والمعاني ، والكلمات ، والجمل ، والعبارات ، ولكل منها خصوصيات صوتيه في ذاتها ، وبعد تآلفها وبنائها ، لتكون في النهاية [ أسلوباً ] له مجموع تلك الخصوصيات ، وإذ نضرب المثل بالأسلوب، ونجعله بمثابة الأدب الأعم ، يكون لجزئياته خصوصيات ، وله في مجموع هذه الجزئيات خصوصيات أعم ، وهكذا الأدب العربي في المملكة في سياق الأدب العربي الأعم ، وإذ يكون من حق الدارسين والمؤرخين والنقاد أن يتناولوا ظاهرة في النص أو جزئية من بنائه أو شكله في سبيل الوصول إلى أعماقه عبر مجسات أو مسابير جزئية([12])، فإننا في تلك المحاولة نلقي بأدواتنا، ونمارس الحفريات في جزء من الأدب العربي ، لننظر إلى أبعاده واهتماماته وصوره وملامحه وخصائص منتجاته . ولما كان الأدب في نهايته (نصاً) غير خالص ، فإنه في النهاية قبضات من أطيان نصوصية ، لا نكاد نتبينها إلا من خلال مناظير استثنائية([13]).

وها نحن نخضع الأدب العربي في المملكة لتشريح رفيق ، نجس جسمه ، ونجوس خلاله ، لنقف على ما يمكن تسميته بالخصائص والسمات ، راجين أن تكون في مستوى من العلمية الدقيقة. (والمملكة العربية السعودية) خارج إطار الأدب ، لها خصوصيات متعددة الانتماء لا مجال لتفصيل القول فيها ، هذه الخصوصيات المعروفة بالضرورة حواضن مخصبة للفن بكل أنواعه ، ولها في النهاية انعكاسها على الإبداع الأدبي تأثيراً وإثارة وتوجيهاً . والخصوصية التي نجتهد في استجلائها ، قد تكون قائمة بمقادير متفاوتة في الآداب العربية الأخرى . ولا استبعد أن طوائف من الدارسين قد تعقبوها ورصدوها ابتداءً ، أو في سياقات أخرى ، وما من أدب قديم أو حديث إلا وله خصوصية ، تقل، أو تكثر ، بحسب العوامل والمؤثرات الحسية والمعنوية، وبحسب العزلة والاندماج وضوابطهما . وإذ نقر بتفاوت البيئات ، ولا نختلف بشأن شيء من ذلك ، فإنه يلزم التصديق بتأثيرها ، وذلك كله لا يمنع في نهاية الأمر من التوحد والتجانس بين مفردات أدب الأمة الواحدة . والنقاد الأوائل لحظوا شيئاً من ذلك ، وضربوا الأمثال بشأن تأثير الصحراء والبداوة ، وفرقوا بين شعراء الحواضر والبوادي ، وقالوا عن بعض الشعراء : تبدَّى فخشن شعره ، وقالوا عن آخرين :  تحضروا فرق شعرهم ولان ، ولعل الذي يقوي ما نذهب إليه الفرق الواضح بين الشعر الأندلسي والشعر الصحراوي في [ نجد ] ، وقد امتد ذلك التأثير إلى لغة الشعر ، حتى لقد فرقوا في الاحتجاج بين شعر البوادي والحواضر ، وأنهوا زمن الاحتجاج في الحواضر قبل البوادي ، ومن ذا الذي لا يلمس الفرق بين شاعر وآخر ؟ ثم لا يعد ذلك بعض خصوصيات ذاتية ، تتحول إلى خصوصيات مكانية أو زمانية . والشعراء والكتاب أبناء بيئاتهم العامة أو الخاصة الشاملة أو المحدودة ، والنقد الحديث يقيم كل الوزن للواقعية والمحلية ، ويراها منطلق العالمية . وقد قرأنا أمشاجاً من ذلك ونحن نتابع ما كُتب عن [ نجيب محفوظ ] بعد فوزه [ بجائزة نوبل ]، وإن كنا لا نرى كلَّ ما يراه بعض الناس بشأن هذا الحدث وحيثياته ، ولكنه مثل حي لتأكيد الخصوصية على الرغم من قيام التداخل والتمازج ، وما يقال عن العالم اليوم : إنه أصبح بفضل ثورة الاتصالات ، يمثل قرية صغيرة ، قول مبالغ فيه ، إذ كم هو الفرق بين [ القارة السوداء ] و [ أمريكا ] الضاربة بسهم وافر في المدنية والحضارة المادية . ولكي ألملم الأمثال دعونا ننظر إلى الإبداع الحجازي المتأثر بروحانية المقدسات، وإلى الإبداع الشرقي المتأثر بالأجواء الصناعية والنفطية ، وكلتا المنطقتين : الغربية والشرقية في دولة واحدة ، فكيف بهما لو كانتا من دولتين ؟ ولك أن تضرب الأمثال بالمناطق الساحلية والجبلية والصحراوية ، وكلها قائمة في دولة كبيرة كالمملكة. لقد أطلت القول بشأن تأكيد الخصوصية بعامل المؤثرات المعتبرة ، لمعرفتي بحجم المعارضين والمتحفظين والرافضين لهذا الاتجاه، والساعين جهدهم لتأكيد وهم الاندماجية .

إن هناك طائفة من النقاد العاطفيين تتحفظ على مثل هذه الدراسة الإقليمية للأدب، وتبرر تحفظها بالخوف من التجزيئية وتعميق العزلة وتكريس الفوارق بين آداب الأمة الواحدة ، وهمُّ أولئك التوحد والاندماج والنظر إلى [ الأدب العربي ] على أنه منتج لغة واحدة وهم واحد وقضية واحدة ، كما أسهمت في صناعته مناهج دراسية واحدة وظروف سياسية متجانسة . فدعوى الخصوصية عندهم في ظل هذه الظروف نزوع إقليمي وتشبع لا قيمة له ، وهو ظن أردى كثيراً من الدراسات المهمة وبطأ في ظهورها أو أعاق مسيرتها . أما العقلانيون فيقبلون الطرح ابتداء على أي شكل ، ومن خلال أي منهج نقدي ، ويحلو لهم من بعد تفحصه ، وسماع الحيثيات ، واستبانة الدعوى ، وبعد استكمال متطلبات الحكم ، يقولون رأيهم ، ويقومون النتائج . والأمر عند أولئك من اليسر والاتساع ، بحيث يظفر الباحثون عن وحدة الأدب قديمه وحديثه بما يؤيد مذهبهم، وفي المقابل يظفر الباحثون عن خصوصية بعض مراحله أو مواطنه بما يؤيد مذهبهم ، وكأني بالمنصفين المدركين يقولون لهؤلاء وأولئك : افعلوا ولا حرج . وحين يتخذ الدارسون منهج الإقليمية في الدرس الأدبي([14])، أو منهج الخصوصيات لا يزكون أنفسهم ابتداءً ، ولكنهم يودون أن تتاح لهم فرصة القول لتبرير تصرفهم . ويودون لوأن المعارضين قرؤوهم ، وسبروا أغوار مقاصدهم وحيثيات ادعائهم ، وحينئذ يكون الحكم القائم على سماع الدعوى واستكمال وثائقها . إذ الدرس على تلك الشاكلة خطوة في طريق التوحد والاندماج ، وليس هو من أجل العزلة أو المباهات أو الادعاء .

لقد شُغلت بالإقليمية منذ زمن الدراسة([15]) . وما كان ذلك حائلاً دون النظر في الشمولية عندما تقوم الحاجة ، وفي هذا السياق آلمني ما يعانيه الأدب العربي في المملكة من إهمال وتهميش بحجة تجانس الأدب العربي ووحدة الأمة ، وساءني ما أراه من احتفاء بغيره من آداب اللغة العربية ، بحيث وصل بها حد التخمة ، وكم هو الفرق بين الأثرة والإيثار ، لقد استأثرت آداب اللغة العربية في بعض الدول بالمشاهد الثقافية ، وظل الأدب العربي في المملكة خارج متن الاهتمام ، الأمر الذي غيبه عن المشهد الأدبي لولا جهود فردية لم تلتفت إلى المخذلين ، وما كنت باهتمامي الإقليمي إلا متخطياً بأدب بلادي وبأدبائه إلى المشهد الثقافي العربي ، لتتم من بعد شمولية الدرس ، متصوراً أن الشمولية في الدرس الأدبي لا تتم إلا من خلال استكمال الجزئيات والرحيل بها إلى المشهد الثقافي ، فالأمة العربية مجموعة من الأقاليم المهضومة داخل بوتقة الشمول ، ومهمة أبناء الأقاليم استكمال الدراسة عن أقاليمهم ، فهم الأدرى ببواطنها ، وعليهم بعد ذلك التقدم بها للاندماج في الكيان الأشْمل كيان الأمة العربية .

والمتحفظون على الدرس الإقليمي يغضون الطرف عن الدرس الفردي ، فالشاعر أو القاص أو الروائي أو المفكر ينفله ناقد أو أكثر بدراسة معمقة ، وهذا الاستلال من سياق المنظومة البشرية كالاستلال من سياق المنظومة الإقليمية ، وهم كذلك يغضون الطرف عن إفراد ظاهرة أو نوع أدبي بالدرس ، ويحاسبون على إفراد الأقاليم ، وهم كذلك يغضون الطرف عن تناول أدب إقليم من كل أطرافه وإشاعته بوصفه قائماً مقام البقية ، ويؤاخذون آخرين ، حتى إن مثل هذا الأدب الوصي المحظوظ لا تفقده في أي مشهد ، وأضرب لهؤلاء المتحفظين مثلاً بالأدب [ المصري ] و [ بأدبائه ] ، حيث يملؤون الرحب ، ويكادون يستأثرون بالمشهد الأدبي ، وما أحد نقم على مثل ذلك ، ونحن نود أن يكون لآداب الدول العربية بعض ما لهذا الأدب ، وهل يكون حضور الأدب التونسي والليبي والسوداني بمثل حضور الأدب المصري . ويكاد همُّ الاندماج يصل ذروته عند الصائرين إلى مصطلح (الكتابة) ليحققوا الاندماج الكلي . والدرس الأدبي لا يمكن أخذه بوصفه وحدة واحدة، إذ هو بهذا التصور يقف عند العموميات والتسطح وإشكالية الدرس عندنا التوسع والتعميم . ونحن نعرف جيداً أن الأدب حين يكون ظاهرة جمالية امتاعية نفعية ، فإنه مجموعة من الفنون والأناسي التي تشكلها البيئات الفكرية والجغرافية الخاصة والعامة ، وما لم نستعمل المجسات والمسابير لكل هذه الأنواع مجزأة تظل دراستنا هامشية متسطحة ، فالعمق يبدأ من الجزء ، والكليات مجموعة لبنات جزئية ، ولا تثريب على التجزيئيين الذين يتخذون ذلك طريقاً إلى الكليات ، ولايريدون من التجزيئية تكريسها للمباهات والتطاول والادعاء ، وما على الآخذين بالجزئيات من بأس متى استشعروا المآل الكليِّ المتمثل بوحدة الأمة واندماجها ، فالوادي منشؤه قطرات المطر ، ونحن هنا نزحف باتجاه المجرى العام ، الذي تندمج فيه الأمة ، وتشكل وحدة متجانسة ، والأماني العذاب لا تمنع من تحقيب الواقع والرحيل به صوب التكامل ، وكم نلاقي من خداع العناوين بادعاء الشمول مما لا تدرس إلاإقليماً أو مدة محصورة المكان محددة الزمان، وإن جاءت العناوين شاملة باذخة، وكم نقـــرأ عنوانـــاً مثل الأدب العربي يستهل بها الدارس عنوان بحثه ، ثم لانجده يتحدث إلا عن أدب إقليم أو عن جزء منه ، وما نرى أحداً من المتحفظين علينا يتساءل عمَّا فعلَ أولئك .

وحين نتحدث عن الخصوصية ، ونلتمسها في أدب إقليمي أو عند أديب عربي ، ونتوقع معترضاً أو أكثر على هذه الرؤية من باب التحفظ على التجزيئية أو سعياً وراء الحيلولة دون تكريس الإقليمية، فإننا نُطمئِن أولئك على أننا أشد حرصاً على الوحدة ، وأكثر تفهماً للتماثل ووحدة الهموم والقضايا والمشارب الثقافية ، ولكن هذه الرغبات وذلك التجانس لا تمنع من انفراد كل إقليم عربي بمؤثرات يصطبغ بها أدب هذا الإقليم، بل يصطبغ بها الأديب ، حتى قيل : قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت ؟ ولعلنا نستعيد ما يثار بشأن الأوضاع العصيبة التي مرت بها " نجد " والحروب الأهلية الطاحنة التي قضت على الأمن والاستقرار ، وحالت دون تحقيق أدنى حد من العيش الكريم ، وانعكاس هذه الأوضاع على الحركة العلمية والأدبية ، حتى لقد أنكر بعض الراصدين للحركة الشعرية في [ نجد ] قبل قيام الملك عبد العزيز بمشروعه التوحيدي أن يكون الشعر الذي جمع للشاعر النجدي محمد بن عبد الله بن عثيمين من إبداعه ، محتجاً لهذا الإنكار بالبيئة السياسية والعلمية والأدبية القائمة إذ ذاك ، مستبعداً أن تكون هذه البيئة قادرة على إنتاج شعر بهذا المستوى أو شاعر بهذه المكانة([16])، وما حمل أولئك النفر على مثل هذا الاستغراب إلا أن البيئة الإقليمية لها خصوصيتها التي يستحيل معها أن تنتج مثل هذا الشعر في قوته وسمو معانيه وبراعة قائله ، وللمتحفظ كل الحق لو أنه عرف البيئة الخاصة التي عاشها الشاعر ، والأسفار التي مكنته من الوصول إلى أمراء الخليج ، والارتواء من مكتباتهم الخاصة ، ومرافقته للعالم [الخرجي] الذي هاجر من نجد ، بعد استفحال الفتن فيها ، وقيام حرب أهليه بين أبناء الإمام فيصل بن تركي ، حيث أقام مع شيخه في الخليج في ضيافة أمرائه ، الأمر الذي مكنهما من التفرغ للتعليم والتعلم ، والذي يتابع شروحات ابن عثيمين لبعض قصائده ، وردوده على ناقدي شعره : فنياً ودلالياً ، يدرك أنه أمام عالم في اللغة والأدب والعقيدة ، وأن نجداً في ظل أوضاعها لا يمكن أن تنجب أمثاله ، تلك بعض ملامح الخصوصية التي أجزم أن بعض الناس يستبعدها ، وحين تقوم الحاجة إلى استشهادها يحتج بها المستبعدون لها ، على طريقة الهدامين من الملاحدة الذين يسقطون الشاهد في موقع ، ويحتجون به في موقع آخر ، أحسب أننا بهذا التحفظ نستبق الاعتراضات التي نتوقع قيامها.

ونحن في هذا البحث وعلى ضوء ما يتبدى لنا من مقتضيات مصطلحية نقصد بالأدب مايتسع له ذلك المصطلح من إبداع قولي يتوخى الإمتاع والفائدة ، ويأخذ بشرط الفن ومتطلباته؛ ولأن الأدب : شعر ونثر ، والنثر : رواية وقصة ومسرحية وسيرة ذاتية وأدب رحلة ومقالة وخاطرة ومحاضرة ونقد ودراسة وتأريخ للأدب ،  وتلك أمداء واسعة في كمها وكيفها ، وفي بعدها الزماني، فإننا لن ننهض بالاستقصاء ، وإنما نعتمد النمذجة ، ونتوخى أبرز النصوص التي تسهم في تجسيد الخصوصية في أبعادها: الشكلية واللغوية والدلالية، ونشير إلى أبرز المبدعين الذين يجلون الخصوصية: الشخصية والجماعية . والشاعر ــ أي شاعر ــ في إطار الخصوصية العامة التي تسلكه في عقد جيله ، تكون له خصوصيته الذاتية التي لا تخرجه من الجماعة ولا تذيبه فيها ، ولو تعمقنا في النبش الدلالي واللفظي والشكلي لأثرنا في إطار بحثنا إشكاليات قد توهم بعض الناس باستحالة الخصوصية العامة في إطار الخصوصية الخاصة ، ومن ثم في إطار الخصوصية الأعم ، ولكننا نستحضر الخصوصية الذاتية ثم لا نجدها بإزاء الخصوصيات الدائرية ، فمسحة الحزن والشك والتشاؤم والتمرد تبدو بأقدار متفاوتة عند شعراء المرحلة المدروسة ، نجدها عند شحاته ، وسرحان ، والفقي، والحجي ، ونجد نقيض ذلك عند ابن خميس والسنوسي والعبيد ، كما نجد الإغراق الذاتي والرومانسية الموغلة في تأمل الذات عند طائفة من الشعراء ، ونجد الثورة والتمرد والرفض عند العواد والقرشي والعثيمين ، ثم لا نبيح لأنفسنا اعتبار شيء من ذلك مندرجاً في الخصوصية العامة لعدم تحولها إلى ظاهرة عامة ، وهذه السمات الشخصية قد تتنامى وتتسع ثم تكون في إطار الخصوصية العامة .  والمشهد الأدبي في المملكة  اعتورته في الآونة الأخيرة موجات من التحولات الواعية وغير الواعية ، المؤصلة وغير المؤصلة ، واجتالت ثلةً متسرعةً من ناشئة البلاد موجةٌ من الانبهار ، أفرزت أدباً لا يمثل أدب البلاد ، لا في شكله ولا في لغته ولا في مضامينه ، وتلك الظواهر غير الطبعية وغير المستقرة لن تؤثر على النتائج التي قد أتوصل إليها ، والقائمة على الانتقاء النموذجي غير العشوائي وغير العفوي ، فأدب أي بلد تفلتت منه ناشئةٌ لا يحق لها ــ وإن أنتجت أدباً يشابه آداب الغرب ــ أن تؤثر على نتائج الدراسات، فلكل قاعدة شواذ، قد يسهم شذوذها في تكريسها . والمشهد الثقافي والفكري والسياسي في الوطن العربي اجتاحته تيارات عاتية، كادت تطمس معالمه، وتلغي خصوصيته، وقد جسَّد هذا التهافت بعض الراصدين للمتغيرات غير الراشدة، ولم يرها بعض النقاد مؤثرة على الواقع الأشمل للأدب العربي، فظاهرة [ الحداثة ] وبعدياتها  وتعدد مجالاتها، وما جلبته من فساد في الذوق والسلوك والعقيدة، وما تبدى خلالها من فلتات غير واعية وغير راشدة في بعض إبداعات الناشئة، وما ظاهر ذلك من نقد تبريري أو تعذيري أو تواطئ لا يكون شيء من هذا أوذاك قادراً على طمس الهوية وتمضحل الخصوصية ، ومن ثم أعيذها نظرات صائبة من قراء الأدب العربي في المملكة أن تحسب هذه الجنح الفنية والدلالية والشكلية والنقدية على شيء من حق الوجود والتمثيل، والقارئ للأدب العربي في المملكة يتقحم هذه الظواهر غير المشروعة وغير المعتبرة متى توغل في قراءة الأدب الحق ، والمؤسف أن الغلبة والحضور يكونان لهذا اللون من الأداء ولأولئك الصنف من الناس، ولعل مثل هذا من جلد المبطلين المستعاذ منه.

لقد استفحلت النثرية في الشعر، وظهر التغامض في الإبداع ، وبدت ملامح الرمز والأسْطرة وأدب الاعتراف المشين، واختلط العامي بالفصيح، وعمِّيت المقاصد، وضحلت الأفكار، وسفت الأخلاق ، وجنحت الرؤى، واستعجم اللسان، واستغرب العربي ، وتداخلت الفنون ، وتفاقمت الإشكاليات، وليس شيء من ذلك يؤثر على خصوصية الأدب الأصيل من شعر ونثر ، فضلاً عن أن يعد خصيصة من خصائص الأدب في الوطن العربي ، كما لا يكون من خصائصه في المملكة . فكل تلك الظواهر أعراض عابرة ، يتداولها البعض في وحشة وغربة وانقطاع ، وكل تلك الفلتات مآلها إلى زوال ، إذ لم تحتف بها النخب المعتبره ، ولا أخذت بها المؤسسات الثقافية، ولااكتنفتها الجامعات بالدرس . وإلى جانب ذلك استفحل إبداع قولي ارتفع صوته ، وعلا شأنه ، وتهافتت عليه دور النشر ووسائل الإعلام، عرف بمسميات عدة مثل (الشعر الشعبي) (الشعر العامي) (الشعر النبطي) (الشعر الملحون) ، تكمن علته في لغته ، فهو ملحون لا يقيم كلمة، ولا تستقيم له عبارة، ومع استفحاله ، وتهافت الناس عليه ، وتواطؤ بعض الأكاديميين على التأصيل له ، يظل خارج دائرة الأدب ، فالأدب لغة ، وهذا اللون من القول الموزون المقفى كلام يخالف لغة العرب في البناء والبنية الدلالية ، حتى إذا قرئ أو سمع لا يفهمه إلا ذووه الأقلون في سياق الأمة العربية التي يجمعها لسان واحد ، له نظام كلامه ومعاني مفرداته ودلالة تراكيبه كلمات وجملاً وعبارات وأساليــــب. واللغة نظــــام وعـــاؤه النحو والصرف والدلالة المعجمية حقيقة أو مجازاً أو سياقاً، وإذ لا يكون هذا اللون من الإبداع على شيء من ذلك، فهو خارج مصطلح الأدب، ولا يكون مؤكداً لخصوصية ولا مبرزاً لسمة ، وإن وعى تاريخاً وسجل أحداثاً، وأطرب سامعاً ، واستدر عطفاً ، وأكسب عفواً ، فالشعب السعودي عربي مسلم ، ولا تتحق عروبته إلا من خلال لغة القرآن الكريم ، ومع كل هذا فإن تداول مثل هذا اللون من الإبداع لا خلاف بشأنه ، فالموهبة يمنحها الله للعامي وللمتعلم  وحق الإبداع ليس وقفاً على الفصيح ، وفساد اللسان قديم وعام، والناس يتحدثون العامية في مجالسهم ومكاتبهم وبيوتهم وأسواقهم، والعاجزون عن صياغة كلامهم وتجسيد مشاعرهم بالعربية يؤذن لهم اضطراراً لا اختياراً باستعمال العامية في المشافهة المحلية ، ثم لا يتجاوز أحدٌ بهذا الكلام : شعراً أو نثراً إلى التدوين لغرض الدرس أو التقعيد ، ومن فعل شيئاً من ذلك جنى على نفسه وعلى أهله وعلى لغته ، وما أكثر الناس ولو حرصت بمدركين لخطورة مثل هذه الظواهر ، وبلسمهم آية حفظ القرآن بلغته ، وفات أولئك أن الحفظ لا يمتد إليهم ، فقد حفظ الله - جل وعلا - كلامه العربي المبين بلغته لسائر المسلمين من غير العرب ، وما باينوا العرب إلا في لغاتهم، وهاهم العرب يتعلمون اللغة العربية ، ويدرسون نظامها ، وكأنهم غير عرب . أو حفظ القرآن ألسنتهم من اللحن أم حفظ اللغة من الاندثار ؟ فالأمة العربية معرضة للعجمة لتكون كغيرها من الأمم الإسلامية غير العربية ، وهذا مكمن الخطورة . فالشعر العامي لا يجوز أن نتلمس من خلاله خصوصية ، ولا أن نعول على شيء منه ، إلا ما يتعلق بالأحداث المعاصرة وتاريخها ، بوصفه مصدراً من مصادر التاريخ الحديث.                                           

وعندما نكون صارمين في تحفظنا اللغوي ، جادين في نفي هذا الإبداع الأمي من دائرة  الأدب والدرس والنقد والتعليم ، نكون أيسر من ذلك في تحفظنا على المتغير الشكلي والدلالي ، متى روعي في هاتين السمتين ما يحفظ حق الذائقة وضوابط القيم . فالشكل العروضي، وعمودية الشعر، وضوابط علوم البلاغة ، والشرط الفني السردي مواضعات ذوقية بشرية ، رصدت بعد الاستقراء والاستنتاج ، ولم تنشأ إنشاءً. ومن حق مستنبط الشروط أن يعدِّلَ فيها ، متى تطورت الذوائق ، ومتى ضاق النص بشرطه عن استيعاب التحولات . وما من صعوبة تشبه ما عليه النقاد: الدارسون والمنظرون في أمر هذا التحول وشأن هذا التغيير ، فالناس مختلفون إلى حد التنافر ، والجدل العميق المشروع يتمركز في تلك الأمور، فالشكل والشرط أمداء عميقة الغور، يختلط فيها الحابــــل بالنابل والمتمــــكن بالمدعي، ولن نمضي مع هـــذه الأشياء إلا بقدر ما يحقق لنا ما نصبو إليه من إبراز للخصوصية التي نثق أننا قادرون على إبرازها . 

إذاً نحن أمام [حداثة] طارئة في الفكر والسلوك والفن([17])، وأمام [عامية] مستفحلة، وأمام [ شروط ] فنية ضُرب بعضها في الصميم دون حاجة إلى التغيير ، يواكب تلك الظواهر نقد متواطئ متسرع لا يستقر له قرار ، وتلك أمور تجتال أدبنا ، وليس من الحكمة تجاهل شيء منها ، ولا التعويل على شيء منها ، وإنما نشير إليها من باب الإحاطة والتقصي . ومن جعل المتغيرات غير الواعية والتحولات غير الراشدة سياقاً أدبياً معتبراً فإنما يظلم نفسه وأدبه وتاريخ أمته . وإذ تكون السمات والخصائص مرتكزات للإبداع الأصيل البعيد عن ارتجال التغيير ، فإننا سنصرف نظرنا عما لا يمثل الأصالة بمفهومها الواعي لشروط الأصالة وحيثيات التجاوز ، ونحن في هذه التحفظات نتوخى إقامة ضوابط لمن أراد أن يستبين خصوصية أدب أمة قائمة أو بائدة .

 

( 2 )

 

ما سبق من قول مقتضب عبارة عن تهويمات وتحويمات في سياق التحفظ والحيثيات والتوطئات الحاملة على معالجة مثل هذا الموضوع ومشروعية القول فيه . وحديثنا عن ظاهرة السمة والخصوصية يستدعي التأكيد بأن الأدب العربي في المملكة ليس بدعاً في سياق الآداب العربية ، فهو أدب هيِّئت له ظروفه وعوامله ، ثم أخذ طريقه للتآخي والاندماج مع بقية الآداب العربية، والمتداول تاريخياً تعدد أقاليم البلاد وتفاوتها في مستويات عدة : المستوى الجغرافي، والمستوى الاجتماعي، وسائر المستويات: التعليمية، والعلمية، والاقتصادية ، والعرفية ، يضاف إلى ذلك تأخر أخذها بأسباب الحضارة والمدنية عن سائر الدول العربية التي بكرت في أخذ وضعها الطبعي، وتواصلت مع بعضها ومع الآداب الغربية عبر قنوات لم تتهيأ لأقاليم البلاد قبل توحيدها وفي مطلعه([18]) . لقد كانت [ نجد ] بوصفها النواة الأولى لتشكل هذا الكيان في مستهل القرن الرابع عشر الهجري على هامش التاريخ مثقلة بداء الإقليمية والقبلية ، وكانت سائر الأقاليم التي تكونت منها هذه الدولة الحضارية على شاكلة [نجد] تعج بالفتن والحروب، وتقوم فيها كيانات هزيلة ، وكان [ للحجاز ] بعض الخصوصية المباينة لما كانت عليه بقية الأقاليم ، فهو على تواصل مع الوافدين من حجاج وعمار ومجاورين، وهو في صراع متنامي مع مشروع التتريك، وهو على قدر لا بأس به من العلم والتعليم، ولكنه مع كل هذا كيان ضعيف، غير قادر على توفير الأمن للحجاج، وغير قادر على مواجهة تعدد الأجناس وتناميها وكثرة الوافدين واختلاف لغاتهم ومشاربهم ومذاهبهم . ومع استفحال الفتن وتنامي الجهل والفقر والمرض فيما سوى المدينتين المقدستين : مكة والمدينة ، ومع التنازع في الموارد والمراعي ، ومع أخذ القوي للضعيف ، أخذت الأوضاع تتردى ، وشغل الناس عن النوافل بالبحث عن أقل الغذاء وأيسر الأمن ، وتفاقمت تلك الأوضاع في أعقاب التنازع الذي حصل بين أبناء الإمام فيصل بن تركي، وازدادت الأمور سوءً بتدخل الأتراك في النزاع ، ومؤازرتهم لبعض آل سعود على بعض ، ثم انصياعهم فيما بعد لآل رشيد ، هذه الأحداث ، وتلك الأوضاع غيبتا قيماً كثيرة وحيوات متنوعة ، قد تكون الحياة الأدبية من أهمها . وفي مستهل العقد الثالث من ذات القرن بدت بوادر الانفراج تلوح في الأفق ، حيث نهض شاب رضع لبان الفتن ، واكتوى بنار الحروب ، وتجرع مرارة التنازع ، هذا الشاب الذي خرج مع أسرته من [ نجد ] بعـد هزيمــة عســكريــة، لم يفــر مــن زحفها، ولكنـــه تحــــرف للقتــال . لقد عاد الملك عبد العزيز - رحمه الله - فجر يوم الثلاثاء الخامس من شوال 1319 من الهجرة لاستعادة ملك آبائه وأجداده، مستبطناً مشروعه الحضاري ، الذي أدخل فيه البلاد بعد جهاد مرير سدة التاريخ ، متصوراً حدود هذا الملك ، آخذاً على نفسه العهد والميثاق لاستكمال هذا الكيان وإقامته على هدي من الكتاب والسنة ، مدركاً لمهمته في الحياة الدنيا القائمة على عبادة الخالق، وعمارة الكون، وهداية البشرية، زاده التقوى ، وسلاحه السمعة الطيبة ، وحجته في حقه السليب ، فهو سليل أمراء وملوك تداولوا الحكم وتوارثوه ، ومن ثم لم يعتد على أحد ، ولم ينتزع الملك من أصحابه ، وإنما نهض لاستعادته من منتزعيه ، يؤازره شعب يرقب عودته ، ويتطلع إلى طلعته . وحين نادى المنادي [ بعودته ] هب الناس من مراقدهم ، ودخلوا في ملكه أفواجاً . وبعد صراع مع المستأثرين بالحكم الإقليمي أو القبلي امتد من عام 1319هـ حتى عام 1351 هـ نادى مناد آخر معلناً اسم [ المملكة العربية السعودية ]، وبقدر فرحة السامعين من المواطنين لنداء: [ الملك لله ثم لعبد العزيز ] فرح العالم كله بإعلان قيام [المملكة العربية السعودية] لقد أنجز الملك عبد العزيز وحدة لم يسبق لها مثيل ، وكل الذين يحلمون بالوحدة العربية وبالتضامن العربي يثمنون تلك التجربة الفريدة ، ويباركون خطواتها . وبين عام التأسيس وعام التوحيد ، أو عام التكوين وعام البناء ، انطوت أحداث جسام ، وانتهت إمارات ضعيفة ، يعرفها الذين عاشوها عملاً واقعاً ، ولم يكن الملك عبد العزيز في أثنائها بقادر على معالجة أمرين متناقضين : معارك التكوين، ومعارك البناء والتحضير، ولكنه يعي بثاقب نظره مهماته التكوينية والبنائية تقديراً وتوقيتاً ، ويعد لكل مرحلة عدتها. ولهذا صرف همه لتوفير الأجواء الملائمة لإقناع زعماء القبائل وأمراء الأقاليم بالتخلي عن التجزيئية والتشرذم في الطريق إلى الانضواء تحت حكم حضاري لا يضع قيمة للقبلية ولا للإقليمية، وإنما يتجه بالبلاد صوب الاندماج والتآخي، والفراغ للأعمار، والتعليم، وتحقيق النهضات الزراعية والصناعية ، وتوفير متطلبات الحياة الكريمة من: أمن نفسي ، وغذائي ، وصحي ، واستقرار ، وتعليم ، ومكافحة للأوبئة ، وتأمين لسبل الحج ، وقمع للفتن والحروب . وفي عام 1351هـ أعلن اسم [ المملكة العربية السعودية ] على الأقاليم التي حكمها آباؤه وأجداده، ووضع مع رجاله أوزار الحرب ليتحمل معهم أعباء البناء ، وبدأت خطط التنمية مواكبة للإمكانيات ، مستحثة الخطى للحاق بالدول العربية التي سبقت البلاد بعشرات السنين .

بدأ الملك عبد العزيز مشروعه الحضاري عبر قنوات عدة ، ووضع في حسبانه التوقيت والتقدير ، فلم يكن في كل ممارساته مغامراً ، ولا متسرعاً ، ولا معتمداً على قوته المادية المتواضعة، بل أخذ الأمور بما يلائمها ، ويحقق النتائج دونما إثارة أو إساءة أو خسارة ، فكان طـــوال عهده ينطــــوي على طموحات ورؤى ، لم تكن إمكانياته ولا ذهنيات شعبه مستوعبة لها بالقدر الكافي ، ولهذا أخذ أسلوب [ التكتيك ] والحل المرحلي والإقناع بالحكمة والموعظة الحسنة ، واستطاع بهذا الأسلوب الحكيم أن يحقق الشيء الكثير ، واضطرته بعض المواقف أن يعزم ويتوكل على الله ، ويضع الخيار الأمثل دون الخنوع أو الاستسلام ، والذين يقرؤون الأحداث والتاريخ ، يقفون على تحفظات وشكوك وتذمرات من بعض فئات الشعب ، وقد تتطور مثل هذه المعارضات إلى الحد الذي لا يملك معه إلا المواجهة وحسم الأمور ، مثلما حصل في وقعة [ السبلة ] عام 1347هـ ، ومثل هذه المعوقات بطأت بكثير من المشاريع المتمة لمشروعه الحضاري الذي فاجأ به العالم ، بحيث قاد الجزيرة العربية من هامش التاريخ إلى متن الأحداث ، وشارك أساطين العالم بوضع اللمسات الأخيرة للمؤسسات السياسية والمنظمات العالمية، ودخل بأمته بكل ثقة واقتدار السياق العالمي ، وشارك العالم أفراحه وأتراحه ، واستعان بالكفاءات العربية ، ومنحها ثقته ، واستغل خبراتها وإمكانياتها ، وبهر بذكائه وحكمته وحنكته كل العاملين والمؤتمرين معه ، وما من وافد تداول معه الرأي أو وقع معه الاتفاقيات إلا وعاد إلى بلاده يحمل الإكبار والانبهار من حنكته وحسن تداوله للآراء ، وما تنعم به البلاد اليوم  إنما هو ثمرة لبذرات غرسها بيده ، وسقاها بعرقه ، ونماها بعنايته ، وسلمها آمناً مطمئناً إلى خلفه الذين بدؤوا من حيث انتهى ، وتمثلوا سياسته التسامحية الوفاقية الدافعة بالتي هي أحسن ، هذه السياسة المتوازنة جنبت البلاد ما نال غيرها من الويلات والمغامرات والارتجال ، وما زالت تتمتع بسمعة حسنة وثقة من كل الأطراف . ومثل هذا الإنجاز الحيوي لا يمكن أن يكون وليد الصدفة ، إذ لا بد من سياسة محكمة وتدبير واع ، كما لا يمكن ألاَّ يكون لهذه البلاد أدب له بعض خصوصية هذه البلاد . وكان الملك عبد العزيز - رحمه الله - امتداداً طبعياً لسلفه من حكام آل سعود ، وما من مؤرخ منصف يمر بهذا التاريخ إلا ويذكر المؤسسين لهذا الكيان في بداياته الأولى . هذه الأوضاع وتيك المنجزات وتلك الأعمال التي جاءت على غير مثال، جهزت مشهداً ثقافياً وأدبياً يتمتع بخصوصية بدت آثارها على الإبداع القولي من شعر ونثر في كمه وكيفه، إذ إن الملك عبد العزيز لم يكن طالب ملك وحسب ، بحيث يعسكر أمته ويغامر بها ، وإنما هو حاكم مسلم ، أراد أن يحكم بما أنزل الله ، وأن يشيع القيم  الإسلامية ، ويظهر الدين ، ويأطر الناس على الحق ، ويعمم التعليم ، وينشر الثقافة ، ويحقق عروبة الأدب ، ويستعيد أصالته ، ويسهم في توحيد الناشئة بالتعليم وإشاعة العادات والتقاليد العربية العريقة التي تشكلت منها بيئة الأدب وأجواء الأدباء . والخصوصية بادية في الشعر الذي سجل فيه الشعراء بطولات القائد ؛ إذ هو في عيونهم أمة في رجل .

لقد كانت الجزيرة العربية قبل اللقاء التاريخي بين المحمدين : [ ابن سعود ] و [ ابن عبدالوهاب] وفي أعقاب إجهاضات نتائج اللقاء خارج متن التاريخ ، وتكاد تكون خارج متن الأدب والفكر تنسج تاريخاً شفهياً عامياً لا يتجاوز النزاعات في الموارد والمراعي ، وتنتج إبداعاً عامياً يتداوله الناس في مجالسهم حين يفرغون من مغالبة الفقر والمرض والفتن ،وظلت الإقليمية والقبلية تتداولان الأحداث على هامش التاريخ . وفي عام 1157هـ أنشأ [ المحمدان ] مشروعهما الذي تخطى الإقليمية والقبلية والعامية والأمية إلى الإسلامية والسياسية والعلمية والأدبية ، وأنتج هذا اللقاء الميمون [ الدين والدولة ] فكانت حركة الإصلاح الديني متعالقة مع حركة الإصلاح السياسي، وبفعلهما الحضاري أسسا أرضية علمية وأدبية ، كان لها أثرها الواضح على المنتج القولي الذي نحن بصدد الحديث عنه وإبرازه  .

كان همُّ [ ابن عبد الوهاب ] أن يتعلم الناس أمر دينهم على هدي من الكتاب وصحيح السنة ، وعلى ضوء ذلك نهض بمهمتين هامتين : تصفية العقيدة والشريعة والعبادة من كل شوائب البدع والخرافات . وتربية الأمة على تمثل الإسلام عقيدة ومنهج حياة . فلا يخلط المسلم بين العادة والعبادة ، ولا يفصل بين الممارسة التعبدية والممارسة العملية ، وتمثل المهمتان نقلة حضارية وعلمية وأدبية ذات صبغة متميزة ، حُرمت منها الجزيرة العربية ومنطقة نجد بالذات ردحاً من الزمن ، هذا المشروع لا يمكن أن يقوم بمعزل عن السياسة ، كما لا يمكن أن يقوم بمعزل عن الأدب ، ومن ثم ــ وفي المقابل ــ نهض [ محمد بن سعود ]  بمهمة إقامة كيان سياسي يعتمد الشرعية ، ويقيم العدل والمساواة ، ويكفل الحرية ، فلا يعتمد على الإقليمية الضيقة، ولا يستلهم القبلية المتعصبة، ومشروع كهذا يتطلب تصفية الكيانات الضعيفة والولاء القبلي أو الإقليمي . لقد تآزر الدين مع السياسة لتحقيق هذا المشروع الحضاري، فالدين لا تحقق دون دولة، والدولة لا تملك مشروعيتها دون العقيدة . وفي ضوء هذه الاهتمامات تعاهد الزعيمان على تحقيق المشروع المزدوج :  الديني والسياسي . ومنذ ذلك اللقاء الميمون وأحداث الجزيرة تتحرك داخل متن التاريخ تارة وخارجه تارة أخرى ، ولأن القوى الكبرى تدرك خطورة هذا المشروع ، فقد عمدت إلى إجهاض ذلك بسيل من التآمرات الماكرة والغزوات المدمرة ، حتى تحقق لها في بعض الحقب إعادة نجد إلى هامش التاريخ مرة ثانية .

وعرف في التاريخ الحديث [ هدم الدرعية ] وإنهاء الدور الأول ، وبعد تحرف ذكي ومحاولات جادة وجمع محكم لفلول المقاتلين ، قام الدور الثاني ، يحمل الهم نفسه والدعوة عينها ، ودخل الناس في هذا الدور بطواعية مثلما كانوا من قبل ، ثم ذر قرن الفتن ، وجاءت التآمرات والدسائس ، وأوغرت الصدور بين الأخوة ، فتصدع الكيان مرة ثانيــة، وانتهى الدور الثــاني ، ليعود من جديد على يد الملك عبد العزيز عام 1319هـ ، وما زال قائماً حتى الآن ، لا تزيده الأيام إلا قوة ومتانة وتجذراً وثباتاً ، يتوارثه أبناء المؤسس ، وهو الآن يتخطى إلى القرن الثاني بقوة وثبات . لقد كان الأدب في ظل هذه التحولات راصداً أميناً يتشكل من خلال معطيات تلك المراحل ، يعلو بعلوها، ويهبط بهبوطها ، ويشكل سمته وخصوصيته من التحدي ورد التحدي ، ولكنه في كل تحولاته يأخذ حذره من صدام الحضارات ، ويتحفظ على كثير من المتداول، فالبلاد على الرغم من استفحال الفتن فيها لم يكن للاستعمار التقليدي بثكناته ومناديبه أثره في الأدب أو في السلوك ، وإن كان المستشرقون والرحالة منهم ومن العرب المهاجرين قد جاسوا خلال الديار ، ورصدوا كل التحولات ، وجسوا نبض الفكر والأدب والسلوك، وألفوا كتباً ذات طابع أدبي، وبخاصة ما كتبه [ أمين الريحاني ] وما قام به الوافدون على الحجاز والمقيمون بها من أدباء الشام من مهمات صحفية وتعليمية وعلمية نذكر منهم على سبيل المثال : فؤاد الخطيب ، ومحب الدين الخطيب ، والزركلي، والكرمي ، والقصاب ، ووهبة ، وياسين ، وملحس ، وفرعون ، وغير أولئك كثير . لقد كان الأدب من قبل في معزل عن كل التحولات التي عرضت لآداب الأمة العربية  المصطبغة بفعل البعثات والترجمة والمناديب بصبغة الأدب الأوربي ، وظهرت آثار ذلك على فنون الأدب كافة ، وما كان شيء من ذلك واقع في الأدب العربي في المملكة ، حتى لقد تأخر ظهور فنون سردية كالقصة والرواية ، ويمكن تسمية هذه الحقبة بمرحلة الثبات .

وحين نتحدث عن مرحلة الثبات وتجلِّي خصوصيات: الشكل، واللغة، والدلالة، ننظر إلى حجم الثبات وأسبابه ومفهومه . فأما عن حجمه، فإن الجزيرة العربية قبل التوحيد عاشت في شظف من العيش وشح في الموارد، استفحل فيها الخوف والجوع والجهل والمرض وتنامي النزاع: الإقليمي والقبلي والطائفي، واصطرع الأعراب على الموارد والمراعي، وأخذ القوي منهم الضعيف، وشغلوا عن متع الحياة بالبحث عن أدنى حد من عيش الكفاف، وتعاقبت عليهم الويلات، وامتد ذلك إلى الحواضر حتى صارت كل مدينة داخل سور له أبواب ، تفتح بياض النهار، وتغلق في سواد الليل، وما من أحد يجد فضلاً من وقت أو جهد أو مال يفرغ فيه للتعلم، أو يعلم به أطفاله . وصار التعليم وقفاً على العاجزين والمعوقين، الذين لا يملكون القدرة على الرعي أو الزراعة أو الصناعة أو الحرب أو غير ذلك وبخاصة المكفوفين منهم، ومع كل هذا كانت في الحواضر كتاتيب ، يقوم أصحابها بتعليم مبادئ القراءة والكتابة، وإلى جانبهم قلة قليلة من العلماء الشرعيين ممن يتولون الإمامة والخطابة والقضاء ، لهم أو لبعضهم حلقات درس في المساجد ، يجلسون للتعليم دبر كل صلاة ، يتلو عليهم من تجاوز تحصيل الكتاتيب بعض متون الفقه والتوحيد والتفسير وسائر العلوم الشرعية في كتب المصلح ومتون الحنابلة ، وكل من تحصل على شيء يسير من ذلك ، وأشرف على البراعة فيه ، ولي القضاء والإمامة والخطابة ، وقل أن يلتزم أحد باستمرار الطلب لحاجة أهله إليه في الحرث والرعي ، هذه الحقبة المثقلة بأقسى الظروف وأدق الانعزال ، تبدى فيها الثبات بشكل صارم ، وبقي فيها الأدب مزحوماً بمبادئ العلم الشرعي وبالشعر العامي الذي استأثر بمشاعر الناس كافة ، ولم يعد أحد قادراً على التحول عما هو سائد في الشكل أو في الدلالة أو في اللغة ، إذ ظل الأدب على ما هو عليه تقليدياً إلى أبعد حدود التقليد ، ونادراً إلى أبعد حدود الندرة، بسبب العزلة المستحكمة والظروف المعيشية الصعبة وغياب السلطة المهيمنة واستغناء الناس بالأدنى من شعر عامي ناب عن الشعر الفصيح والأدب الصحيح ؛ ولأن الشعر غاض معينه ، وفقد مهمته وغلبه على أمره شعر عامي ، بقي رَسِيسُه مثقلاً بمحسنات البديع والصناعات اللفظية لا يحمل فكراً، ولا يعالج وضعاً ، ولا ينهض بمهمة ، وكان أقصى ما يطمح إليه تداول الألغاز والأحاجي والأخوانيات .

وإذا كانت الآداب العربية قد وجدت الفرصة مواتية للتعالق مع الآداب الغربية والدخول في معترك الحياة ومعالجة قضايا الأمة ، فإن الأدب العربي في المملكة قبل التوحيد لم يكن على شيء من ذلك لأسباب عدة ، لعل من أهمها : أن الاستعمار التقليدي بثكناته ومناديبه لم يجتح البلاد ، فالحجاز حمته قدسيته ومكانته في نفوس المسلمين ، وتهيب الاستعمار من إزعاج مشاعر المسلمين ، وأما في بقية المناطق فليست على شيء من الكثافة السكانية المستهلكة لصناعات المستعمر ومنتجاته ، وليست على شيء من المواقع الإستراتيجية المغرية ، كما لم يكن الاستعمار يعرف شيئاً عن تلك الكنوز المخبوأة في أعماق الأرض . لقد أفاض المستشرقون والمناديب على تلك الآداب العربية ما غير فيها ، وظل الأدب السعودي في معزل عن ذلك . هذه المرحلة ظلت امتداداً طبعياً لزمن ما قبل النهضة ، وأصبحت طبيعة الشعر مثلما هي عليه في أواخر عهود الدول المتتابعة ، لا تخرج عن شكل القصيدة بمطالعها الغزلية أو الطللية ، وتعدد موضوعاتها ، وتفكك بنائها ، وسائر أغراضها ومعانيها وتشبيهاتها . كما لم تخرج عن صرامة في الوزن والقافية وشيوع اللغة وعادية التراكيب ، وتداول الموضوعات والمعاني القديمة من مدح وهجاء ورثاء وغزل تقليدي ووصف رحلة أو صحراء وأخوانيات وألغاز وأحاجي ، أو ما شابه ذلك، ولم يكن أحد من الشعراء بقادر على مبادرة التجديد لا في الشكل ولا في البناء ولا في المضمون ولا في شيء من الصور ، وما كان الشعر العربي ذا حضوة إلى جانب الشعر العامي ، وما كان مؤثراً بقدر تأثير الشعر العامي، وقد أدى ذلك إلى شيء من الانكماش والضمور والثبات ، وما يتسم به من ضعف وتسطح لا يوصف بالخصوصية الثابتة، إذ ما يعتريه من ذلك عوارض وقتية، زالت بزوال أسبابها ، وعاد الأدب إلى سالف عهده .

 

( 3 )

 

والأدب العربي في المملكة على الرغم من عزلته وانطوائه على نفسه قبل التأسيس وإبانه ، ووقوعه ضمن ضوابط دينية مهيمنة ، ليست قائمة على غيره من الآداب بمثل ما هي قائمة عليه ، فقد انتابته عوامل عدة ، أثرت في تشكله : كماً وكيفاً، وهي في طريق التأثير على نصاعة خصوصيته ، وليس التأثير الذي نشير إليه سلبياً أو متحفظاً عليه جملة ، كما أنه في إطـــار المتوقع والممكن ، وهو في الوقت نفسه مشتمل على ما لا يمكن القبول به ، وما من أدب قائم إلا وتهب عليه رياح التغيير ، فيصمد لبعضها ويجرفه بعضها الآخر ، وتلك سنة الله في خلقه . والملك عبد العزيز - رحمه الله - حين استتب له الأمر ورضيه الناس حاكماً ، خاض معركة البناء ، وحاول جهده أن يختصر الزمن والطريق ، ليلحق بركب الأمة العربية التي سبقته . لقد أدرك بثاقب نظره أن الاستقرار والتوطين والتعليم والأمن النفسي والغذائي والصحي والعدل والمساوات والشورى والأخذ بأسباب الحضـــارة والاستفادة من منجزات العصر ومستجداته فيما لا يتعارض مع مسلَّمات الأمة ومقتضيات عقيدتها هي الوسائل المجدية لصناعة الأمة ، واستكمال متطلبات المرحلة ، ومن ثم فإن هناك عوامل عدة، أسهمت في تكون الأدب وتشكله ، ومنها بدأت رحلة الأدب من الثبات إلى التحول، وهو تحول حذر بطيء .

هذه العوامل المؤثرة في الأدب العربي في المملكة العربية السعودية تكون عوامل نهضة، وتكون عوامل تأثر ونضوج . فأما عوامل النهضة ، فمن أهمها : الاستقرار والأمن الناشئان عن الوحدة والتحضر ، إذ بقيام الدور الثالث على يد الملك عبد العزيز تحققت نهضات تعليمية وعلمية وأدبية ، وكان لنشوء الصحافة وظهور المطبعة وبدء التعليم النظامي بعد استعادة الحجاز واستمرار ما كان قائماً فيه من تعليم وإعلام ومكتبات وحلقات درس في الحرمين الشريفين وتواصل بين علماء الحجاز وأدبائه مع الوافدين للحج والعمرة والمجــاورة والتعليم والعمل ، كان لكل ذلك أثره في استكمال ما كان ينقص البلاد من أمور كثيرة . وكان لكل ذلك أثره في تجاوز مرحلة الثبات الصارم، والملك عبد العزيز الذي وعى الدرس ، وأنضجته الفتن ، عاد بمشروع حضاري آل على نفسه أن يتسامى به فوق الإقليمية والقبلية والطائفية، وسعى ما وسعه السعي لبعث الثقة في النفوس الخائفة المترددة ، لقد استعاد الحجاز وهو في وضع علمي وأدبي ومدني يختلف كثيراً عما كانت عليه نجد وملحقاتها وعاليتها، وما كان باستطاعتـــه أن يباشر الدمج الشامــــل لعدم التجانس ، فرضي حــلاً مرحلياً باسم [ ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها ]، وأقام ابنه فيصلاً نائباً له ، وعاد بالمجاهدين إلى نجد متحرفاً للدمج المرحلي مستفيداً مما بلغته حاضرة الحجاز من علم شامل منفتح وأدب آخذ ببعض معطيات العصر ، ولما كانت مكة والمدينة على شيء من الاختلاف في الرؤية السياسية بينهما ، فقد كان في ذلك إذكاء لجذوة الأدب . لقد عاد الملك إلى عاصمته راضياً للحجاز أن يدار بأيدي النخبة الحجازية ، وعلى رأسها أوعى أنجاله وأقدرهم على التفاعل مع الطارئ ، وبدأ التواصل السريع والدمج الكلي بتوحيد مستويات التعليم ومناهجها وموادها ، حتى لقد تخوف النجديون ابتداء من التعليم النظامي ، وكان إقبالهم مشوباً بالحذر والتحفظ والخوف ، ولما تبين لهم أنه الأجدى والأهدى تسابقوا فيه ، حتى إذا أمكن التجانس ، أعلنت الوحدة بإطلاق اسم [ المملكة العربية السعودية ] على سائر مناطقها ، كما تم إخضاع البلاد لنمط واحد من التعليم والإدارة والأنظمة . وكان الحجازيون من قبل ذا تواصل قوي مع أدباء مصر والشام والعراق والمهاجر الأمريكية ، حتى لقد ألف محمد سرور الصبان كتاب [ المعرض ] في سبيل الرد على المهجري ميخائيل نعيمة الذي نال من اللغة العربية ، واستكتب المؤرخان لأدب الحجاز [ خوجة وبلخير ] أبرز أدباء مصر الذي لم يتردد في الإشارة لأثر مصر على ناشئة الحجاز ، وهذا مؤشر تواصل مبكر ، أتاح للأدب العربي في المملكة العربية السعودية التفاعل مع الآداب العربية والتلاحم معها ، وقوَّى هذا التفاعل ما أتيح لناشئة البلاد من فرص الابتعاث إلى مصر للدراسة ، وما استقدمته المديرية العامة للمعارف لمدارسها من أساتذة مصريين ، وما وضعته من مناهج مشابهة لما كانت عليه مناهج الأزهر في مصر ، وما جلبته من كتب في مختلف المعارف([19])، ثم تسارع الدولة في تعميم التعليم وفتح مدارس لتحضير البعثات ، وما زامن ذلك من نهضات مماثلة في قطاع الإعلام والإذاعة، واستقدام الكفاءات العربية لسد حاجات البلاد في مجالات السياسة والإعلام وغيرها ، ومع التواصل المبكر مع آداب اللغة العربية في مصر والشام والعراق ، كان هناك تحفظ وأناة في تقبل المتغيرات ، فطبيعة المناهج الدراسية إسلامية خالصة ، وأثر الحركة الإصلاحية واضح كل الوضوح، والحساسية المفرطة من المستجدات يكاد يستولي على كل المشاعر ، وبخاصة في نجد التي أوجس أهلها خيفة من المستجدات وراجعوا في ذلك الملك عبد العزيز .

ومع كل هذا التحفظ والأناة ، كانت هناك حواضن فكرية ودينية وفنية ظهر أثرها جلياً على مفهوم الأدب ومهماته في المملكة، بحيث أعطى الأدب سمة الأصالة والالتزام، وحفظ للشعر سلطانه وتفرده إلى وقت قريب، ولم يكن التواصل مع الآداب العربية كافياً لتحويل السمات والخصوصيات وتغيير الاهتمامات ، كان الشعر قبل التوحيد ذا مهمات ثلاث: كان في نجد يسير في ركاب الحركة الإصلاحية الدينية. وكان في الحجاز يسير في ركاب الحركة الإصلاحية الاجتماعية ، والتعريب القومي. وكان في المدينة المنورة يميل بعض الميل مع العثمانيين . ولم تكن مهماته في بقية مناطق المملكة منفصلـــة عن الهمـــوم الإقليمية، وبعد التوحيد تبدلت الأمور ، وطال الأدب ما طال سواه من شؤون الحياة .

بدأ الشعر في ظلال الملك عبد العزيز بوصفه بطلاً حقق للبلاد الأمن والاستقرار ، وجاء على قدر فملأ نفوس الناس محبة وإكباراً ، حتى لقد انقطع له الشعراء ، يشيدون بانتصاراته ، ويتغنون بمنجزاته ، ويتصدون بعنف لخصومه ، ويستنهضون همم المقاتلين، فكان الشعر حماسياً ، يشيد بانتصارات القائد ، وكان دينياً ينصح بالثبات والصبر والمصابرة ، وكان عربياً يحبب التآخي، مما ساعد على التزامه بشكل القصيدة العباسية ومضمونها وبنائها ، حتى لكأنك وأنت تقرأ قصيدة لابن عثيمين مثلاً تقرأ قصيدة عباسية ، وبلغ التعالق مع القصيدة العباسية أن عورضت عيون الشعر في تلك الحقبة ، وتأتي (البائية) لأبي تمام و (السينية) للبحتري على رأس النماذج الشعرية التي استهوت الشعراء السعوديين لمعارضتها وإفراغ شحناتهم الانفعالية من خلال قوالبها المستعارة . ولأن مناسبات الحج مناسبات احتفالية إسلامية ، فقد أعطت الشعر بعداً آخر، لم يكن معروفاً من قبل ، وجاءت مضامين جديدة ألح عليها الشعراء بشكل ملفت للنظر ، حيث تحدثوا عن الأمن ، وهو قضية الحجاج الأولى وعن تطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود ، والملك عبد العزيز أعطى للحرمين كل عنايته واهتمامه ، الأمر الذي حفز الشعراء على الإطناب في قضايا الحج ، وتلك في حد ذاتها خصوصية دلالية لا تنازع . واحتفالات الحج أشبه بالأسواق الأدبية ، يتسابق فيها الشعراء من البلاد وخارجها([20])؛ ولأن الملك عبد العزيز يمثل نمطاً جديداً من الحكام تمشياً مع الظروف التي أنجبته، فقد شغل الشعراء بمآثره وبطولاته ومنجزاته ، وهذا الالتفاف أضفى على الشعر صبغة جديدة كرست خصوصيته الدلالية .

وإذا كان الشاعر السعودي قد تعالق مع النماذج الانفعالية العباسية شكلاً ولغةً وأغراضاً، فإنه اصطبغ بمقتضيات الدعوة السلفية معنىً ، وتحول في كثير من مواقفه إلى مجادل أو واعظ يحث الناس على التمسك بالدين ونبذ الخرافات والبدع ، وهو تحول نقل جانباً كبيراً من الشعر وطائفة كبيرة من الشعراء من الحس الإسلامي إلى الشعر الديني الخالص ، حتى لقد اقترب الشعر في أكثر أحواله من النظم العلمي الذي لا يكون له من الشعر إلا سمة الوزن والقافية ، على أن هذه الظواهر انحصرت في العلماء الشعراء ، وبدأ انحسارها في ظل المتغيرات ، وله نظائر من شعر الفقهاء في عصور الازدهار ، ويأتي الشاعر [ سليمان بن سحمان ] على رأس القائمة ، وله مطولات شعرية تفوق التصور ، وهو من أشد المنافحين عن الدعوة ، وقد يسوغ لنا أن نسميه بشاعر الفقهاء([21])، وما من أحد من الشعراء المعاصرين له إلا ولهم يد في العلوم الشرعية من أمثال [ ابن عثيمين ] و [ ابن بليهد ] ، ولكنهما تخلصا من النظمية العلمية بفضل ثقافتهما ، فكان ابن عثيمين أقدر على توفير أدبية النص ، وابن بليهد أقدر على توفير ثقافة النص، وابن سحمان أقدر على توفير علمية النص، وأنت لا تجد هذه المستويات المتفاوتة في بقية المناطق فالشعر في الحجاز ذو سمة متقاربة همه الإصلاح الاجتماعي وتكريس العروبة ، وهو في الجنوب تسجيل للأحداث القائمة ، وهو كذلك في بقية المناطق ، وشعراء نجد ألصق بالشعر العلمي من غيرهم ، وقد نجد بعض ذلك عند شعراء الجنوب من [ آل حفظي ] ، وعند شعراء الأحساء [ كآل مبارك ] ، وعند قلة قليلة من شعراء الحجاز الذين لم يكن الطابع العلمي طاغياً عليهم ، كما هو الحال في بقية المناطق . ولعلنا نلحظ خاصية تكاد تكون من معطيات الحركة الإصلاحية ، ولم تكن ــ مع أهميتها ــ ملفتة للنظر ، ولا مثيرة للاهتمام بالقدر الكافي ، تلك هي (الأسر الشاعرة)، ليس هذا فحسب، وإنما يضاف إلى شاعريتها علميتها، وامتداد هذه السمات وتطاولها مع الزمن ، من مثل [ آل حفظي ] في جنوب البلاد ، و [ آل مبارك ] في شرقيها ، و [ آل سحمان ] و [ آل الشيخ ] في وسطها، وإن كان [ آل سحمان ] قد رحلوا من الجنوب . لقد أنجبت تلك الأسر علماء وشعراء ومؤلفين ، وإن كانت بدايات أولئك مأخوذة بالظاهرة النظمية وعلمية الموضوع ، ومن ثم فإن منجز البدايات لا يرقى إلى مفهوم الإبداع بمواصفاته الفنية ، ولكنه سرعان ما أخذ سبيله إلى شعرية الشعر، بكل مقتضياتــــه، حتى إذا استوت الأمــور، وتهيأت الظــروف، استكملت الظاهرة الشعرية متطلباتها، وأخذت وضعها الطبعي، وجزم الدارسون والنقاد بأن الشعر في الجزيرة العربية اقترب من سدة الشعر الطبعي المعاصر ، ونزع من معينه بقوة ، وما كان ظهور الشاعر محمد بن عبد الله بن عثيمين وعودته من الخليج بعد هجرته إليها إلا بشارة مبكرة بعودة الصوت الشعري إلى قلب الجزيرة العربية مذكراً بأمجادها وحضورها الشعري، وليس الشعر كذلك في الحجاز في أواخر العهد الهاشمي ومطلع العهد السعودي، لقد كانت له بيئته الأدبية والعلمية والدينية وقضاياه ، ولكنه ظل محافظاً على الشكل والبناء ، معطياً بذلك خصوصية دلالية تضاف إلى الخصوصيات الدلالية الأخرى .

لقد تطورت القصيدة الشعرية في كل أبعادها الفنية والدلالية، وتجلى هذا التطور في البنيـــة اللغويــة للأسلوب والشكــل البنائـــي للقصـــيدة، بحيـــث تجاوز الشاعـــر بعض الموضوعات المتداولة وبعض الظواهر الفنية واللغوية السائدة . والمنقبون عن شكل القصيدة يرونها قد مرت بمراحل ثلاث: مرحلة التقليد والتنميط لشكل القصيدة ومضمونها في عصور الدول المتتابعة. ومرحلة المحافظة على سمة القصيدة العباسية تعالقاً مع أبي تمـــام والبحتري والمتنــبي ومن شاكلهم ، وقد تجلـــت تلك المستويات في شعر ابن عثيمين وابن بليهد والغزاوي وعلي السنوسي . ومرحلة التحرف المتأني للتجديد الحذر، وقد بدت نكهة الشعر الشامي والعراقي والمحافظين من المهجريين العرب في بعض إبداعات الشعراء الذين جاؤوا من بعد ابن عثيمين ، وبخاصة عند الشعراء المخضرمين الذين أدركوا بوعي تام أواخر العهد الهاشمي وأوائل العهد السعودي . ولعلنا نستذكر النفس الثوري والنزوع القومي الذي أحياه الهاشميون بدعم من فلول الشاميين في وجه التتريك ، حيث التفَّ بعض شعراء الشام حول هذه الدعوة ، وبالذات أولئك الذين أحسوا بالاضطهاد والمطاردة من ولاة الأتراك في الشام ، فهربوا إلى الحجاز ، حيث لقي الحسين بن علي مؤازرة من الإنجليز في دعوته إلى الثورة العربية، وحين  دخل الملك عبد العزيز الحجاز كانت الدعوة على أشدها ، الأمر الذي حفز بعض الناشئة على الهروب إلى خارج البلاد ، ثم العودة بعدما تبين لهم أن مشروعه هو الحق([22]). ومن عوامل النهضة ظهور الصحافة العربية في الحجاز ، حيث كانت مضماراً لتلك الدعوات ، حتى لقد ظهرت الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي وبالذات فيما يتعلق بتعليم المرأة وبعض قضاياها والفخر العربي ، وكان محمد سرور الصبان ولي تلك الحركات ورائدها ، وقد التف من حوله جيل شبابي متحمس ، كان له فيما بعد حضور أدبي وعلمي في العهد السعودي ، من أمثال الغزاوي والعربي والفقي وسرحان وغير أولئك كثير ، والمتتبع الراصد لحركة الأدب والشعر في تلك الحقبة يدرك حجم المتغير ، وقدر التحولات ، وبخاصة الدلالية منها بحيث تحول الحماس الذاتي إلى وطني ، والهجاء الشخصي إلى مرافعات قومية، والمدح بالأوصاف إلى تمجيد المنجزات، والاستجداء للذات إلى الاستنهاض للوطن، لقد بقيت الموضوعات وتغيرت المعاني وما من أحد يمر بتلك المرحلة إلا ويلفت نظره سعة التحولات ونهوض الشعر بمهمات لم تكن معهودة من قبل، والموسوعات الأدبية، وكتب التراجم، والدواوين حافلة بشواهد شعرية تبدو فيها خصوصية الشعر بالذات في شكله ولغته ومضمونه، ولم تكن القصة والرواية يومئذ قد أخذتا وضعيهما كما هو الحال في بقية الأقطار العربية، والمحاولات البدائية عند عبدالقدوس الأنصاري وأحمد السباعي ومحمد المغربي لا ترقى إلى مستوى الجودة، والمعاني التي طرقها أولئك في أعمالهم لا تند عما كان مهتماً به الشعر، وركيزة كل ذلك الإصلاح الاجتماعي والصراع بين القديم والجديد .

لقد وافى الملك عبد العزيز بمشروعه الحضاري مناطق مملكته المتشرذمة بكياناتها وخطاباتها، فجاء على قدر ، ولربما كان الحجاز من أوعى المناطق وأكثرها حساسية ، ولم تكن إشكاليته مرتبطة بصدام الحضارات، بقدر ارتباطها بصدام المصالح ، فالشريف الحسين بن علي له همه القومي والإصلاحي، وللملك عبد العزيز همه الوحدوي التوحيدي وشرعية قضيته ، وما أن تمت استعادة الحجاز صلحاً ، ودون سفك دماء ، أمضى الملك عبد العزيز الأمور، دون تدخل مباشر، ووضع مسؤولية البلاد بيد أبنائها، متيحاً الفرصة لإشباع الرغبات الإصلاحية والشرعية والعربية ، وكان ذلك مؤذناً بتفجير المواهب ، وتخصيب الموضوعات ، وتمهيد المضامير للشعراء والكتاب ، ومن ثم لم تكن هناك مراحل انتقالية ولا تطويع للآليات ولا تعديل للألسن، وإنما تمت الاندماجية ، وتوحد الهمُّ والتطلع بزمن قياسي وبطريقة انسيابية ، ولم يحتج أحد من الشعراء إلى إعادة تشكيل آلياته ، فالملك عبد العزيز يرى تلاحماً بين العروبة والإسلام وضرورة ملحة للوحدة العربية ، وذلك سر انضواء الحجازيين طواعية تحت قيادته الحكيمة . لقد جاءت ظروف المناطق وأحوالها قبل التكوين وأثنائه ملائمة لإنتاج أدب قوي الارتباط بالأوضاع المحلية ، ولم يستلهم جيل الرواد قضاياه من خارج الأرض الأمر الذي عمق الخصوصية الدلالية .

والشاعر السعودي في بداياته الأولى وفي ضوء عزلته وخصوصية أوضاعه لم يكن على شاكلة غيره من شعراء الوطن العربي ، وبخاصة أولئك الذين مكن الله لهم من التعليم المبكر والتواصل المتعدد القنوات مع آداب العالم الغربي ، إذ في ضوء تلك الظروف بدت سمات القصيدة المملوكية واضحة في الشعر السعودي إبان مرحلة التكوين، ترى القصيدة في عموديتها ووحدتها الموسيقية وارتباكها العضوي وتعددها الموضوع ، واحتفائها بجماليات النص الصوتية كالتصريع والمحسنات البديعية المتكلفة، والإغراب اللغوي المصطنع في المفردة والتركيب ، والوقوف عند شعر المناسبات ، والعدول التام عن الشعر الذاتي إلى الشعر الغيري ، والاقتباس الواضح أو الخفي من النص المقدس، والتضمين الجلي من التراث العربي ، حتى لقد تجاوز ذلك إلى المعارضات التي لا تداني مستوى النص الأنموذج ، لقد كانت (السينية) للبحتري الأنموذج الأكثر تداولاً ، وفات المعارضين أو بعضهم إغراق تلك القصيدة في الذاتية المفرطة . والخصوصية الدلالية تتمثل في أمور كثيرة ، قد نأتي عليها من خلال سياقات متعددة ، فهناك (شعراء الدعوة) ، وشعر الدعوة والمنافحة ومجالدة الخصوم له لغته الخطابية الجهورية، وقصر جمله، ونصاعة دلالاته، وله خصوصية موضوعه وجدليته، وأسلوب عرضه، والشاعر العربي لم تستحوذ عليه حركة إصلاحية دينية بقدر استحواذ الحركة الإصلاحية على شعراء البلاد ، ولم يتواصل عطاء حركة بمثل تواصل عطاء الحركة الإصلاحية ، ولم تظفر حركة بالإذعان الطوعي بمثل ما ظفرت به تلك الحركة ، ومرد ذلك كله إلى حركيتها، وأخذها بالكتاب وصحيح السنة المطهرة، وعدم تعصبها، وعزوف الرأي العام الإسلامي عن المذهبيات الضيقة ، والمصلح الذي يتداول الناس مشروعه الدعوى الإصلاحي على المستويين الديني والسياسي لا شك أنهم متفاوتون في فهمهم للأشياء ووعيهم لدقائق الأمور ، ولا شك أنهم يختلفون شدة ولينًا ، وقد يحيد بعضهم عما هي عليه الحركة الإصلاحية ، فيجدها الخصوم مناسبة مواتية للنيل من مشروع الدعوة ، والخصوم قد لا يفرقون بين خطأ المبدأ وخطأ التطبيق، ولهذا يحملون مبادئ الدعوة أخطاء المطبقين ، ومن ثم نجد بعض شعراء الدعوة يخلي مسؤوليتها من خطأ الممارسة . يقول الشاعر محمد بن أحمد الحفظي :

           وإذا رأيت مفاسداً من بعضهم       فالشيخ عن ذاك العــناد بمعزل

فالمفاسد قد تقع في سياق التطبيق ، ولكنها لا تعد من خطأ المشروع الإصلاحي. والقصيدة التي أبدعها الحفظي تنطوي على خصوصية دلالية ترتفع فيها نبرة الجدل والمحاجَّة والسجالية ، وتلك تستدعي إيقاعاً مناسباً كما تتطلب مفردة معينة ، قد تعدل بها من الشيوع والبساطة إلى امتداد المشاعر والغرابة ، كما تتطلب تركيباً لغوياً حاد النبرة وبناء شكلياً مغايراً ، وحين نعول على خصوصية اللغة ، فإنما ننظر إليها في سياقها الزمني ، ولا نضع أي قيمة للمتغير المعاصر ، إذ الظواهر تقَّوم من خلال سياقاتها ، ولا بأس من الإشارة إلى ما جدَّ من تحولات .

والحفظي الأقرب إلى لغة الشعر والأكثر هدوءاً في مقارعة الخصوم ، يختلف عمن عاصره من شعراء نافحوا عن الدعوة ، وتصدوا لخصومها ، ولو تطاولنا مع الزمن بعمقه الدعوي ، لوجدنا [ ابن مشرف ] أكثر إيغالاً في النيل من الخصوم والتحريض عليهم ، ووجدنا من بعده بزمن ابن سحمان أقرب إلى العلمية والنظمية ، وتلك سمات لسنا معنيين بها ، إذ هي تسبق الحقبة التي نريد أن نركز عليها في دراستنا ، وبخاصة عند ابن مشرف ، ولكنها مع هذا تشكل جذوراً مهمة لهذه الظواهر الفنية واللغوية والدلالية ، مع أن من أولئك من امتد به العمر حتى دخل مصطلح الخضرمة كابن سحمان الذي شهد زمن ما قبل التكوين .

وإذا كان ابن عثيمين قد أثار دهشة الدارسين والنقاد بعودته غير المتوقعة وغير الممكنة في ظل ظروف نجدية قاسية إلى القصيدة العباسية بكل ما تتوافر عليه من بناء محكم ولغة صافية ومضامين عميقة الدلالة ، فإن شعراء آخرين في مناطق أخرى كان لهم بعض هذا التجاوز ، وإن كانوا دون ذلك التجاوز الذي حققه شاعر نجد . فالشاعر علي السنوسي في جنوبي البلاد يكاد يخلص من نمطية القصيدة بمواصفاتها المملوكية ، وهو تخلص لا يعد شيئاً إلى جانب ما جدَّ من إبداعات عند ابنه [ محمد بن علي السنوسي] فضلاً عن غيره من الشعراء السعوديين الذين تجاوزوا الاثنين معاً ، وأشار إليهم دارسوا أدب الجنوب من أمثال العلامة [محمد بن أحمد العقيلي] والدكتور [ عبدالله ابن محمد أبو داهش ] . وتلك التجاوزات المقدرة ، لم تحقق اندماجاً كلياً مع الشعر العربي المعاصر ، ولم تمكن الشعر السعودي من الانسلاخ من خصوصيته الدلالية على الأقل، وإن أعطت شيئاً من المرونة وقليلاً من التعالق ، ونحن حين نتحدث عن المؤثرات الفنية في الشعر العربي في المملكة لا نجد بداً من استعراض التأثير المباشر لشعراء الوطن العربي على الشاعر السعودي ، ومن منا ينكر تأثير رموز الإحياء كالبارودي ، ومن بعده شوقي وحافظ ، إن أولئك مدارس شعرية قبل خروج المدارس الأدبية كمدرسة الديوان، وجماعة أبولوا ، والمهجريين العرب، وشعراء الشام والعراق . ولن نهمل التأثير القوي للشعراء والأدباء الذين عاصروا الحركات القومية والثورية والوحدوية، ولك أن تقرأ النماذج التي ساقها [ عبد الله بن إدريس ] في كتابه (شعراء نجد المعاصرون) لترى حجم التحول الدلالي في منطقة ما كان يتوقع تحول شعرائها بهذه السرعة ، ولا أحسب التحولات قد وقفت عند هذا الحد ، ولكنها بجملتها تستصحب ما أشرنا إليه من خصوصية عامة ، ولكي نؤكد الخصوصية الدلالية يجب أن نستجلي طبيعة الشعر في حقبة ما قبل الإحياء، وما هي عليه من سمات شكلية وبنائية ودلالية ، وهي سمات ناصعة ، يدركها الدارسون بيسر ، وقد وفَّاها حديثاً الدكتور [ طه وادي ] حين تحدث عن الشعراء المجهولين ، وعرض لها بشيء من الإيجاز الدكتور [ إبراهيم السعافين ] حين ألف عن الإحيائيين وعلاقتهم بالتراث . والبعد المضموني لزمن ما قبل الإحياء المتحفظ عليه من قبل المشهد الأدبي والفكري في المملكة ، [ المدائح النبوية ] ذات البعد التوسلي بالجاه ، وكذلك [ المبالغة ] في المدح ، و [ الغزل المكشوف ]، و[وصف مجالس الشراب]، و [ التغزل بالغلمان ] ، و [ الإمعان في وصف الجواري ] ، و[الشعــر الديــني المتصـــوف] ، و [ ذكر المشاهد ] و [ العشق الإلهي ] وما شابه ذلك ، مما تحفظت عليه الدعوة الإصلاحية ، ولم تسمح بطروقه ، بوصفه خارجاً على مقتضيات السلفية  . ولنا أن نلمح إلى حياة الترف والبذخ والقصور والأنهار والطبيعة المثيرة التي مكنت بعض شعراء الأقطار العربية من التميز، ولم تكن متوافرة في بدايات العهد السعودي ، يضاف إلى ذلك أنه كان للحركة الإصلاحية أثرها في تهميش موضوعات كثيرة ما زال يتداولها الشعراء ، ليست مما أشرنا إليه سلفاً ، مثل تكريس الولاء للوطن دون ربط ذلك بالقيمة العقدية ، وهذا النفي يؤكد الخصوصية المضمونية، وسنلمح إلى بعض ذلك . وأنصار الدعوة من الشعراء والكتاب المشبعون لمضامينها يتصدون لأندادهم من الشعراء والكتاب الذين يطرقون بعض الموضوعات المتحفظ عليها، وبخاصة الأعمال الشعرية التي تقال بالمناسبات الدينية كالموالد والرجبيات والشعبانيات وقبوريات المتصوفة ، وتختلف وجهات النظر ومستويات الخلاف بين الشعراء والكتاب المختلفين مع المشروع الإصلاحي ، فمن متفق مع المصلح في المرجعية والتربية والتصفية، ومختلف معه في أسلوب المواجهة ، ومن مختلف معه في المرجعية ومتطلباتها ، ومن مختلف معه في استنباط الأحكام، إلى غير ذلك من مستويات الائتلاف والاختلاف والشعراء والكتاب يتنازعون القضايا المختلف فيها، يشرحون، ويوضحون، ويحاورون وتكشف كل طائفة ما تراه زيفاً من جانب الطائفة الأخرى، ويسجلون الوقائع والأحداث ، يمدحون ويهجون ويرثون ويفخرون . لقد كانت الحركة بعثاً جديداً لقضايا وموضوعات ومناهج وأساليب ، وما كانت لتكون لولا الأنصار والخصوم . لقد بدت الموضوعات الإسلامية دعوة وتمجيداً وإبانة ، ولم يكن الشعراء المنافحون عن أفكار الدعوة من الشعراء الدينيين الذين يقصرون الحديث على الشعائر والمواعظ والعبادة والزهد والابتهال والمدائح النبوية فحسبْ ، وإنما كانوا منافحين عن الدعوة متصدين لخصوم السلفية ، مجاهدين بألسنتهم ، مستوعبين لكل متطلبات العودة إلى منهج الله عقيدة وشريعة . لقد تجاوز الشعراء التعليمية وتكرار المبادئ والنزوع الوعظي ، وإن حفلت طائفة من الشعراء بتلك الأغراض ، ولكنه حفول مرحلي ، تخطت بعده المواهب إلى المنازلة مع الشعراء الخصوم ، وعندما نقترب من سدة النص مخلفين وراءنا منتجاته، نرى أن شيئاً مهماً ، ما كان لنا أن نبرحه دون تساؤل ، وإن كنا ألمحنا إلى شيء منه في ثنايا الحديث . هذا الشيء يتعلق باللغة في مفرداتها وتراكيبها الجملي ، وأبنيتها الأسلوبية ، فهل لهذه المرحلة الأولى خصوصية لغوية تستحق الوقوف وتتحمل التنقيب؟ أحسب أن المتتبع يشم عبق الصحراء في الموضوعات واللغة، وإذا كان الشاعر المصري [ محمد عبد المطلب ] يطلق عليه [ الشاعر البدوي ] ، فإن الشاعرين [ عبد الله بن خميس ] ([23]) و [حسين سرحان] ([24]) يمثلان في الكثير من شعرهما ما يمكن تسميته بشعر البداوة ، وما من شك أنه منتج ثقافي ، وليس تجسيداً واقعياً على إطلاقه وإن كان له بعض النصيب الواقعي ، [ فابن خميس ] يكون شاعراً مغرقاً في البداوة حين يصف الناقة و[ حسين سرحان ] يكون أكثر من بدوي حين يتحدث عن حياته في البادية، والمعروف أن [ حسين سرحان ] أقرب إلى الواقعية من [ ابن خميس ] ، إذ عاش مدة من حياته راعي غنم ، خالط الأعراب ، وأشرب بعض عاداتهم ، وتغنى بأمجادهم ، وعشق البراءة وحرية الصحراء ، وشعره البدوي في بعض وجوهه صورة لحياة خلفها وراء ظهره ، ثم حن إليها ، ونبشها من أعماق ذاكرته. والشعراء الذين عاشوا في ظلال الدعوة ، والشعراء الذين عاشوا في ظلال مثلهم الأعلى الملك عبد العزيز ، بوصفه محققاً لسلفية الأمة ، يقف إلى جانبهم شعراء آخرون ، لا يعدون من شعراء الدعوة وليسوا في الوقت ذاته شعراء مناسبات ، ولكنهم مع هذه الذاتية أشربوا قيم الدعوة ، وتداولوا بطريق غير مباشر ذات الموضوعات التي تداولها شعراء الدعوة ، وشعراء الملك ، فابن عثيمين والغزاوي وابن بليهد سجلوا أحداث البلاد عبر مدائحهم ، والموضوعات التي رددوها في شعرهم رددها غيرهم ممن أبدعوا قصائد ذاتية . ومن قبل هؤلاء وأولئك وأثنائهم تبدت أعمال شعرية ليست بأقل من شعر البارزين إعلامياً ، فالشاعر علي حافظ له قصائد توله وشوق إلى طيبة الطيبة تشم فيها عبق التاريخ([25]). ويأتي شاعر يكاد يكون مجهولاً لولا أن تطوع الدكتور محمد العيد الخطراوي وحقق ديوانه وأشاعه بين الناس ، ذلكم هو الشاعر عمر بن إبراهيم بري الذي وصفه المحقق بالخضرمة المضاعفة، حيث أدرك طرفاً من العهد العثماني وكلَّ العهد الهاشمي ، وطرفاً من العهد السعودي امتد أربعة وثلاثين عاماً ([26]).

 

 

( 4 )

 

 ولأن البيئات التي أنتجت هذا الأدب متعددة ، ولها خصوصيتها ، فقد ألمحنا إلى شيء من ذلك ، وأهم هذه البيئات : البيئة العلمية ، والبيئة الجغرافية ، والبيئة السياسية ، ولك أن تضيف ما شئت من البيئات إلى ما شئت من الأشياء ، ومن ثم فإن لجنوبي البلاد بيئاته المتعددة والمختلفة ، وللحجاز مثل ذلك ، ولنجد بيئتها ، وهكذا تختلف البيئات، وتختلف المؤثرات، ولم يتم التوحد بعد التوحيد مباشرة ، فلأدب يختلف عن السياسة ، والشاعر الذي عاش في نجد يختلف اهتمامه ومعطيات بيئاته ونوع ثقافته عن الشاعر الذي عاش في السواحل البحرية أو في المناطق الجبلية ، وهؤلاء يختلفون عمن عاش في بيئات مغايرة ، وشوارد الشعر حين تبحث عن قائلها ، تنظر في نكهتها المماثلة لنكهات العصور التي أنتجتها . فالشعر الجاهلي له نكهته الخاصة المتميزة عن نكهة ما لحق به من عصور ، ولكل شاعر مشهور نكهته الخاصة بين شعراء عصره ، والخبيرون بمضائق الشعر يحاصرون الشواهد حتى يضعوها في عصرها ، ثم يحكمون الحصار حتى يضعوها في نطاق شاعرها ، ونحن لانفتأ نبدئ القول ونعيده ، ونأخذ المرة تلو المرة الأخرى بخصوصية اللغة والشكل والمضمون ، نجلي ذلك ابتداء أو نربطه بمنتجه عوداً على بدء ، ولعلنا هنا نتلمس أثر البيئات الخاصة والعامة : المعنوية والحسية على الأداء الفني القولي ، وأثرها على اللغة ، وبخاصة المفردة فيها، إذ لكل بيئة معجمها اللغوي ، وأحسبني أوفي الموضوع حقه متى أثرت التساؤل ، وقطعت بالإمكان ، فالتقصي يتطلب مجالاً أوسع من محاضرة ، ولهذا حرمنا أنفسنا من لذة النص ، ولم نسق شيئاً من الشواهد ، مع علمنا بأهمية ذلك ، حيث إنها تشكل وثائق ثبوتية . ولأن الفنان شديد الإحساس رقيق العاطفة سريع التأثر ، فقد بدت المؤثرات عنده وعليه بشكل واضح ، ولو أخذنا بالخصوصية الدلالية لوجدناها من أكثر الخصوصيات تجليـــاً. فالمملكة بحكم التزامها الإســلامي، وتحكيم قادتها للشريعــــة الإسلامية، ونهوضها للإصلاح الديني ، هذه الصبغة طبعت المضمون الأدبي بطابع الالتزام الإسلامي العفوي، وجعلت البعد المضموني ذا خصوصية صارمة ، قد يشاركه فيها غيره من الآداب، ولكنها مشاركة لا تكون خالصة من شوائب التجاوز أو التقصير، وإذ يكون الالتزام الإسلامي بادياً بكل وضوح ، فإنه يكون مع ذلك سلفياً خالص السلفية ، وإذ يكون سلفياً ، فإنه يكون دعوياً؛ لأنه لسان حركة تواجه بتحديات متعددة المصادر والمستويات ، وإسلامية الشعر السلفية الدعوية لا تجد فيها أي شطح صوفي واضح أو خفي ، ولا تجد فيها شوائب من علم الكلام ، ذلك على المستوى الفكري ، وأنت تجد ذلك على المستوى الاجتماعي والسلوكي ، وإذا تجاوزنا الشعر والشعراء الذين أوقفوا شعرهم لخدمة الدعوة ، وجسنا خلال شعر وشعراء آخرين لم يحملوا هم الدعوة ، وإنما تلبسوا بحسها ، وأخذنا غرضاً من الأغراض التي تكون مظنتة الخطأ وجدنا المعاني أبعد ما تكون عن الفحش ، فالشاعر لا يفحش في الغزل ، وإنما يقوله مقلداً لسلفه من الشعراء ، وعلى جانب من الاحتشام ، فالمرأة قارة في بيتها غير متبرجة ، وهي حين تخرج لبعض حاجاتها فإنما تخرج تفلة محجبة ، لا يرى الرجال شيئاً من مفاتنها ، وهي لا تختلط في مدرسة ولا في سوق ولا في مكتب ، ولا تنهض بشيء مما ينهض به الرجال ، مما هو خاص بهم بمقتضى الشريعة لا على سبيل العادة ، ولا يخلو بها الرجال الأجانب ، فضلاً عن أن تكون راقصة أو مغنية أو ممثلة أو عارضة أزياء أو رياضية أو مسابقة في جمال ، كما لا تكون رئيسة مكتب أو قسم يعمل فيه الرجال ، وهي لا تقود سيارة ، ولا تعرض زينتها ومفاتنها في المحافل والشواطئ والمقاهي، إذ لا شيء من ذلك يسمح به شرع أو عرف أو عادة . وهي مع ذلك كله تتعلم وتعلم وتعمل ، تكون طبيبة وأستاذة جامعية ومدرسة ومديرة مدرسة ، تكون أديبة وصحفية وشاعرة ومذيعة ومعدة برامج ، وتحصل على كل ما لها ، وتؤدي كل ما عليها ، وتمارس حقوقها وواجباتها ، وتسهم في بناء الحياة ، ولكنها تمارس كل ذلك وفق ضوابط إسلامية ، لا تعطل قدرتها ، ولكنها تصون عفتها ، وتحمي كرامتها ، والمملكة قدمت في ذلك تجربة فريدة في التعليم والعمل النسائي لا نظير لها في البلاد الإسلامية ، وإذ لا يسمح لها بالاختلاط أو التبرج أو الخلوة ، فإن الشاعر لا يسف حين يجعل من جمالها موضوعاً ، ولا يتهتك حين يتحدث عن عوارض الحب . والعفة بادية في الشعر السعودي عامة ، وهي بادية في شعر الغزل منه على وجه الخصوص ، وإذ يكون الميلُ إلى المرأة نزوعاً فطرياً ، فإن الحديث إليها جزء من تلك الغريزة ، ومن ثم فإن الغزل معطى غريزي ، والمرأة محور العاطفة عند الرجل السوي ، وتزداد حدته عند المبدع ، لما له من مزية في الشفافية والرقة وحب الجمال وفهمه ، فإنه عند الشاعر السعودي يكاد يكون عذرياً ، يقف حيث يكون التوله والتشوق والعتاب والإباء ، ولم يكن متهتكاً ولا خليعاً ، ومن بواكير الغزل المتميز ما نجده عند أصحاب المطالع التقليدية، ثم ما نجده عند [ الرومانسيين ] من بعدهم أمثال [ عبد الله الفيصل ] و[طاهر زمخشري] ، علماً أن الأخير قضى شطراً من حياته خارج الوطن حيث اتخذ (تونس الخضراء) مهاجراً له ، وأبدع فيها عيون قصائده ، و[ طاهر زمخشري ] شاعر الرقة والعذوبــة والتولـــه والخصام ، هذا الشـــاعر الذي يكاد ينقطـــع للذاتية لا تجد في غزله ما يخدش الحياء بالقدر الذي تجده عند غيره من شعراء الوطن العربي ، وهو الأقرب إلى مفهوم الغزل من غيره ، وهو الأكثر إلماماً بالغزل الحسي الذي لم يألفه الشاعر السعودي في بواكير إنتاجه ، وهو إذ يكون شاعراً غزلاً ، يكون في الوقت نفسه شاعر الابتهالات والأناشيد الإسلامية وقصائد الإنابة والاستغفار، ومن ثم فإنه يجسد الخصوصية في أبهى صورها ، وظاهرة الاحتشام والعذرية بادية في كل الشعر الذاتي من الشعر العربي الحديث في المملكة ، ومن هنا نستطيع أن نقول: إن العفة والاحتشام سمة من سمات الشعر السعودي المعاصر . نجد في الوطن العربي عشرات الشعراء المحتشمين ، وفوق ذلك من الشعراء الإسلاميين ، ولكننا لا نجد ظاهرة الاحتشام في الشعر العربي عامة ، وفرق كبير بين احتشام الأفراد ، وظاهرة الاحتشام في الأدب .

يقول طاهر زمخشري :

على شفتي من الشكوى شظايا  وزمجرة المواجــــع في الحنايــــا

فقلبي ذاب في الآهــــات شجواً  ومــن جفنيَّ تنهمـــر البقايــــا

 

وعلى مسارب الزمخشري تتبدى تولهات الشاعر الكبير [ حسن القرشي ]، وما في شعره إلا إلماحات هي أقرب إلى اللمم منها إلى الكبائر التي يقترفها غيره من شعراء الوطن العربي ، والقرشي يحكي عن لقاء مع المحبوبة ، ولكنه لقاء الحلم والتوهم وليس لقاء الخلطة والخلوة ، فهو يلقى حبيبته لقيا الربيع ، وينظر إليها كالبدر ، ويراها فيعود صبياً في هواه ، وهو يأتيها بالعطر والذكريات والألحان وأصداء الماضي ، وهو يدعوها لكي يلملم معها شعاع الشموس وإرواء ظمأ الأنهار ، ولا شيء غير ذلك ، يقول هذا في قصائده [ بحيرة العطش ] وقصيدة [ ظمأ ] ، فالمسألة عنده توله وتطلع وحب صوفي أو عذري ، ونجد العذرية والاحتشام حتى وإن امتد نظرنا إلى شعراء باكروا الهجرة إلى مصر من أمثال حمزة شحاتة، وقد لا تقوى حجتنا لو استدعينا نظيره في الهجرة [إبراهيم الفلالي ] الذي استهوته رباعيات الخيام ، فأوغل في الخمريات ، ولكنه عبث شاعر، كما قاله أحد عمال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين أعفاه من الإمارة؛ لأنه ذكر مجالس الخمر ودبيبها في الأوصال ، وهو قول يقوله الشعراء في مطالع قصائدهم ، كالمقدمات الطلليــة والخمريــة والغزلية ، ونحن لا نزكي الشعراء ، ولكننا لا نجد في وثائقهم الشعرية ما يمس أخلاقياتهم ، إذ السمة الأخلاقية تأطرهم على الحق أو قريباً منه ، وما حملهم على ذلك إلا بقية من أخلاق فرضها المجتمع ، وحمتها السلطة . وشيء آخر يحول دون التهتك والخلاعة أشرنا إليه في ثنايا الحديث ، [ فالحسبة] تمنع التبرج الجاهلي، وتمنع الاختلاط والخلوة ، ومظاهر الفتنة ، إذ من مهماتها إنكار المنكر، والمرأة في المملكة العربية السعودية لها خصوصية تباين فيها المرأة العربية ، وبخاصة المتفرنجة التي رضيت بالتبرج ، ولم تطبق شروط السفور عند من يرون كشف الوجه من علماء المسلمين ، وما نود الإشارة إليه أن التبرج وحده كاف لتوفير مادة خليعة للشاعر الغزل ، وهو ما لم يتوافر للشاعر السعودي ، فالمرأة وإن توافرت على كامل حقوقها المشروعة إلا أنها تمارس حقوقها وواجباتها بمعزل عن الرجال ، فالتعليم خاص ، والعمل خاص ، والسفور والتبرج محظوران ، والمرأة تعرف حدود ما أنزل الله، فلا تعرض نفسها للفتنة . والرجل لا يقدر على التمادي في مخاطبة المرأة ، حتى لقد نهيت المرأة عن الخضوع القولي الذي يطمع مريض القلب ، والمرأة منعت من التبرج الجاهلي الذي يشيع الفاحشة ، ويثير كوامن النفوس ، ويفجر مواهب الغزليين . لكل هذا يمتلك الشعر السعودي في مجال الذاتية خصوصية واضحة المعالم . وهو في القصة والرواية دون ذلك ، فالمبدع لا يتخلص من موضوع المرأة ، واتخاذ زينتها مجالاً للإثارة والتشويق ، ولكن الوقوع في حبائل التقليد والمحاكاة لم يجعلا من العمل الروائي مجالاً للاعتراف المتهتك الذي نراه في الأعمال الروائية العربية، وحين ندع المرأة وفتنتها التي خو