الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على أشرف المرسلين سيدنا
محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين ، واجعلنا منهم آمين ...
وبعد :
فلقد أسعدتني الدعوة التي وجهتها إلي الأمانة العامة للاحتفال
بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية .
ولذا يسعدني الإسهام بهذا البحث الذي هو أحاديث عن الأدب
السعودي ، آمل أن أكون بها قد أسهمـــت في خدمة أدب هذه البــــلاد المباركــة إن
شاء الله ، وهو شيء مما يجب علينا القيام به لنعطي شيئاً من مثل ما أخذنا
ملتمساً في ذلك الأجر والثواب من الباري
سبحانه وتعالى . واعلم أنك سوف تجد في هذه الأحاديث ما قد يروقك ، وما قد تأخذ
علىَّ فيــــه ما تأخــــذ مما قد يروق ســــواك ، فحسبي ما نلتقي على
استحسانــــه فما الكمال المطلق إلا لصاحب الكمال سبحانه وتعالى ، حسبي إذن أنه من
ثمار معايشة الكتاب السعودي في ميادينه المختلفة ، وبخاصة الكتاب الأدبي دراسة كان
أو ديوان شعر أو قصة أو مقالة ، وأن هذه المعايشة جاءت ثمرة شعور بالمسؤولية
الأدبية ، ولست أزعم أن ذلك لي وحدي ، ولكني أستطيع الزعم بأنني أخلصت لهذا
الميدان كل الإخلاص .
والعلامات التي ينصبها هذا البحث على طريق دراسة الأدب
السعودي إنما أريد بها التذكير بأن هذا الأدب قد مُني بأقلام اتخذته سلماً لأهداف
غير الأدب ، وليس هذا مقام ذكرها ، عفا الله عنا وعن أصحابها .
غير أن من الإجحاف القول: إن جميع أعمال أولئك لم تقدم شيئاً
للأدب السعودي فلو لم يكن منها إلا الإثارة لكانت كافية ، ومن الذي سلم قلمه من
الحيف ، شط أو شحط ؟ والله المستعان .
غير أني أستثني من هؤلاء : محمد أحمد حمدون ، مع ما لي على
بحثه : " قصة الأدب السعودي من المحلية إلى الانتشار " وبعض مصادره من
ملحوظات ، وكذا تلك البحوث التي كتبها بعض الباحثين في خارج البلاد السعودية
كمصطفى السحرتي وأحمد أبو شادي وأمثالهما .
عندما ينظر الباحث في تاريخ الملك عبد العزيز – رحمه الله – يجد
الأدب أخذ مكانه في أحداث حياته .
فعبد الله العجيري ومحمد بن عثيمين ومحمد بن بليهد وأحمد بن
إبراهيم الغزاوي وفؤاد شاكر وقسطندي بك داود وبولس سلامة وفكتور ملحم وعباس
محمود العقاد وخير الدين الزركلي وخالد
الفرج وعلي السنوسي وابنه محمد وحسن بن نفيسة وسليمان بن سحمان ومحمد هاشم رشيد
وعبد الله بن خميس ومحمد أحمد العقيلي والزبيري وكثيرون كان لتاريخ الملك عبد
العزيز نُزله في أعمالهم ، وإسهاماتهم في ذلك وافرة خلا العقاد وأمثاله ممن لم يرد
ذكرهم هنا .
وأوفــــر هؤلاء نصيباً هم : ابن عثمين
وابن بليهد والغزاوي ، ثم فؤاد شاكر وبولس ســــلامة صاحب ملحمة "عيد
الرياض" ، وفكتور ملحم صاحب ملحمة " بطل الجزيرة " ، ثم قسطندي بك
داود صاحب " ديوان ابن داود شاعر آل سعود"، وخلق كثيرون من شعراء
العربيــــة من شـــرق بــــلاد العرب وغربهـا ، ومن شمالها وجنوبها لم يغنوا بمجد
الملك عبد العزيز ويشدوا بذكره إلا أنهم وجدوا فيه القائد العربي العبقري المخلص
لأمته ، لماضيها وحاضرها ومستقبلها ، وأنه الزعيم الذي يقدر الكلمة ويُنزل صاحبها
المنزلة التي يستحقها، ويثبت عليها ، أو ما قال الشاعر :
تسقط
الطير حيث ينتثر الحـب وتغشـى
منـــــازل الكرمـــــــاء
وإنما يقدر الشعر من يعرف قدر العلم والعلماء ، ويعرف حق
العربية على أهلها ، وكذلك كان الملك عبد العزيز رجل سياسة ، ورجل علم وأدب ، ورجل
" سيف ومنسف " ، كما يقولون في الكتابة عن الشجاعة والكرم .
من هنا كان مجلس الملك عبد العزيز عامراً – دائماً – برجال
الفكر والأدب والسياسة والتاريخ وكل العلماء الذين كان يقربهم في مجلسه ، ويخص
العلماء الفقهاء كلاً في فنه بمزيد من عناية .
ومن هذا المنطلق كان إطلاق الملك عبد العزيز أقلام الشباب
الحجازي من القيود التي كُبلت بها قبل العهد السعودي في الحديث .
كما رفع – رحمه
الله – الحذر الذي كان مفروضاً على أصحاب
الصحف والكتب وسائر المطبوعات التي تفد من خارج البلاد ، فأوجد ذلك كله انطلاقة
حية في عالم الفكر والصحافة والأدب ، ساعدها العمل في إنشاء المدارس ، ونشر
التعليم في هذه البلاد المباركة ، وإسناد أهم أعمال الدولة إلى رجال الفكر والأدب
، فكيف لا يكون للأدب نُزله الرحب في سيرة
الملك عبد العزيز رحمه الله ؟!
إن الملك عبد العزيز هو الرائد الأول لكل حركات التجديد
والتطوير في حياتنا التي نحياها الآن . وهو صاحب الفضل الأول – بعد الله – في كل ما
ننعم به ، وما ستنعم به الأجيال القادمة من أبناء هذه البلاد ، فكيف لا يمجده
الأدب وهو رائده الأول ؟!
ولا نريد المضىّ في الحديث عن أمجاد الملك عبد العزيز لكوننا
مهما أطلنا في ذلك فلن نقوى على إيفائه حقه في مثل مقامنا هذا ؛ ولأن الباحثين
الآخرين سوف يقدمون في ذلك ما هو أجلى صورة وبخاصة أولئك الذين يتحدثون عن جوانب
تاريخ هذه العبقرية الفريدة ، فلنخلص إلى
ما نحن بصدد الحديث عنه من أمر الحركة الأدبية في المائة القريبة من تاريخ هذه
البلاد، وهي التي بدأت باستعادة مدينة الرياض عام 1319هـ/1901م.
§ ولما كان الباحثون قد اختلفوا على البداية التاريخية للأدب
السعودي ، وما تنطبق عليه هذه الكلمات تاريخياً .
§ ولما خاض المتحدثون فيه من التقليد والتأثر في أدب هذه البلاد
.
§ ثم ما شككوا فيه من استقلاله بشخصيته المتميزة .
§ ولما كثر من حديث عن النقد وتخلف النقاد في ممارسة مهمتهم
النقدية .
§ ثم ما خاضوا فيه من حديث عن مستقبل الأدب السعودي .
لما كان من أمر هذه المسائل الخمس أثرت أن يكون حديثنا هذا
تحويماً في ميادينها عسى أن ييسر الله بحثها على نحو يكون أوسع وأعمق وأكثر شمولاً
. ومع حرصي دائماً على عدم انتقاص أعمال الآخرين ، وإذاعة ما يقعون فيه من أخطاء – لا رغبة في السلامة ، ولكن احتراماً للعلم ورجاله ، وحرصاً على
تقدير ما بذلوه من جهد – مع حرصي على ذلك فقد تجدون في بعض هذه الصفحات
لوماً لبعض إخواننا الباحثين على أمور ما كان يحسن بهم الوقوع في مثلها ، وإن كنت
أقيم لهم – حيناً – بعض العذر لكونهم حدثاء عهد بهذا الأدب السعودي الذي كان لهم فضل
في مشاركة رجاله ببحثه ودراسته والإعلام به في الخارج ، وكما قلت فيما سلف : لو لم يكن لهم سوى هذا لكفى .
إن سؤالاً يتردد كثيراً على ألسن المثقفين ينشدون به تحديد
الزمن لهذا الأدب الذي اصطلحنا على تسميته الأدب السعودي إضافة انتماءٍ إلى من جمع
شمل هذه البلاد .
لقد ألفنا عند تحديدنا العصور الأدبية أن نجعل من الأحداث
التاريخية حداً فاصلاً بين عصرين أدبيين متميزين بنوع من التميز الذي يتضح في
السمات والخصائص .
ونحن بهذا التحديد لا نحكم بقطعية التباين الأدبي بين عصرين
أدبيين في مرحلة قصيرة لكون الآداب محتاجة في تحولها وتبدلها إلى مدة من الزمن ،
وإنما نقصد في ذلك إلى حد تقريبي لكون التغيير والتحول الأدبي فيه تدريجياً ، وهو – أعني التاريخي – استعمال
لا غبار عليه ، ولا محظور فيه ، وإن كنا قد أخذناه من الآخرين إذ لا يترتب على مثل
هذا الأخذ محضور .
ومن استعمالها الحدث التاريخي في تحديد العصور الأدبية جاء
الخلاف بين دارسي الأدب السعودي . وذلك أن إطلاق اسم المملكة العربية السعودية على
هذه البلاد إنما كان بعد إتمام توحيدها على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله،وكان ذلك
عام 1351هـ/ 1932م لكن المؤرخين لهذه البلاد يقسمون تاريخها إلى ثلاثة أدوار ،
ويجعلون الدور الأول([1]) يبدأ
من عهد الإمام محمد بن سعود ، وبالتحديد عندما التقى الإمامان محمد بن عبد الوهاب
، ومحمد بن سعود على نشر الدعوة السلفية ، وكان ذلك بُعيد منتصف القرن الثاني عشر
للهجرة النبوية الشريفة ، أي في أواخر العقد السادس من ذلك القرن .
فالذين يجعلون تاريخ الأدب السعودي يبدأ في القرن الثانى عشر
ينظرون إلى بداية التاريخ لهذه الدولة ، والذين يجعلون بداية تاريخ الأدب السعودي
بعد منتصف القرن الرابع عشر للهجرة النبوية الشريفة ينظرون إلى واقع تاريخ التسمية
وبدايته . والذى أرضاه هو التحديد الأول ، لأسباب ، منها :
الأول : أن التحديد يخرج حقبة مهمة من حياة الأدب في هذه البلاد في عصره الحديث
، ويحكم عليه بالإلغاء والإسقاط .
والثانى([2]): أن بدايات هذا الأدب كانت قبل إطلاق التسمية .
صحيح أن
بداية نشاط الأدب الحديث في هذه البلاد إنما جدت حركتها في أواخر النصف الأول من
القرن الرابع عشر الهجري ، غير أن بدايات نشاطه قد ظهرت في القرن الثالث عشر
الهجري ، وذلك بظهور أحمد بن مشرَّف ، وعبد اللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ ، وأنور
عشقي ، والزللي ، والبري ، وأمثالهم. ([3])
وفي النصف الأول من القرن الرابع عشر من الهجرة ظهر إبراهيم
الأسكوبي ومحمد ابن عثيمين وعبد العزيز المبارك وأحمد العيسي وعلى السنوسي ،
وأمثال هؤلاء ممن كانوا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري ، وعلى هذا
الأساس من التحديد سوف نتحدث عن الأدب السعودي إن شاء الله .
إن كثيرين من الباحثـــين يبالغـــون إذا هم عمدوا إلى الحديث
عن مثل هذه القضية – أعني التأثر والتأثير – فيجعلون كل ما التقى فيه أديبان من هذا الباب ،
ومثله عندهم كثير من قولهم في باب السرقات والمعارضات ونحوها ، ونسوا أو تناسوا ما
لتلك القضايا من جذور في ماضي المجتمع الأدبي ، ومثل ذلك ما هو من باب "
توافق الخواطر ووقع الحافر على الحافر " كما يقولون ، وهذه محتاجة إلى بسط
القول في مقام آخر .
ينقسم الأدب السعودي من حيث التأثر الثقافي إلى مرحلتين :
الأولى : من عام 1160هـ إلى عام 1340هـ/ 1747م – 1921م .
الثانية : من عام 1340هـ / 1921م إلى هذه الأيام .
وتمتاز كل واحدة من هاتين المرحلتين ثقافياً عن أختها على ما
سوف نوضحه إن شاء الله تعالى .
أ
– المرحلة الأولى : التأثر
الثقافي :
عندما ننظر
إلى ثقافة أدباء هذه البلاد في المرحلة الأولى التي حددناها سلفاً نجد ثقافة أولئك
الأدباء عربية إسلامية صرفة لسببين رئيسين أولهما : أنه لم تكن لهم صلات بالثقافات
الأخرى في خارج بلادهم فلم تكن لهم صلة بالبلدان الغربية التي ذاعت فيها الثقافة
الحديثة . ولم تكن لهم صلة بأصداء تلك الثقافة التي وجدت طريقها إلى بعض البلاد
العربية والإسلامية كمصر والشام .
ثم إنهم لو بلغتهم تلك الأصداء ما كانوا ليلتفتوا إليها فضلاً
عن التأثر بها لكونها مخالفة لما هم عليه ، إلى كونهم يرتابون في كل ما يفد عليهم
من بلدان غير المسلمين ، وما يقبله المسلمون مما يفد عليهم من تلك البلدان ،
لاشتماله على ما لا يوافق ما هم عليه من عادات وتقاليد ، ولالتزامهم الديني
والأخلاقي الذي يملي عليهم التجافي عن كل ما يناقضه ورفض كل ما يعارضه .
وثاني السببين – وهو أشبه
بعلة الأول – : هو أن القوم ما كانوا يعدلون
بالثقافة الإسلامية العربية ثقافة أخرى أياً كانت ، ومن هنا كان اهتمامهم بها
ووقوفهم عندها معتزين بها معتدين ، بل إنهم يرون ما عداها باطلاً وضلالاً لا فرق
عندهم في ذلك الشكل والمضمون، وذلك كان تأثرهم بالكتاب العزيز والسنة المطهرة
وتراث الأمة الإسلامية ، وذلك من طول نظرهم فيها واهتمامهم بها . ترى ذلك واضحاً
فيما يكتبون من نثر ، وما ينظمون من شعر .
ثم هم لا يرون الأدب إلا وسيلة في خدمة الكتاب العزيز والسنة
المطهرة وتراث الأمة وما يتصل بذلك من خدمة المجتمع الإســلامي الذي يدين بأن الله
ما خلق الخلق إلا لعبادته وحده لا شريك له ؛ ولذا فإن على الأدب أن يكون
خادماً لهذا الهدف ، ولا جدال في أن هذا
أهم الأهداف وأحراها بالعناية ، غير أن للأدب أهدافاً أخرى مادية وجمالية ما
أخالهم غفلوا عنها ، غير أنها تأتى عندهم في مرتبة متأخرة جداً إذا قيست بالهدف
الأسمى ، وهو الأول .
ومن هنا كان جُل أدبهم جهاداً ودعوةً وإرشاداً تستوي في ذلك
جميع أجناسه وأغراضه ، المدح والرثاء ، والفخر والهجاء ، والحماسة وجميع فنون
قولهم تسمي بأسمائها القديمة وهي لم تبرح هذا الهدف الأسمى .
صحيح أنه قد يعتري أشكالهم الشعرية والنثرية شيء من تكلف ،
وشىء من ضعف الصورة الأدبية الأمر الذي قد يوهن الصورة الجمالية في أدبهم ، لكنه
يظل ممثلاً لثقافتهم ولعقليتهم وتصوراتهم وأساليب تفكيرهم ، وطرق معالجتهم
المشكلات التي تعرض لهم في حياتهم . ثم إن هناك صورة لنظرتهم الجمالية التي تعد
عندنا اليوم محدودة بل ساذجة حيناً بحسب تصورنا . فهل نزن أدبهم بمعايير عصرنا ؟
أحسب مثل هذا الصنيع إجحافاً في حق أولئك الذين لا يحسن بنا إلا أن نتعامل مع
أدبهم بالمعايير المألوفة في العصر الذي صنع فيه ذلك الأدب .
ولنمثل لذلك ببعض النماذج من القرنين الثالث عشر والرابع عشر
للهجرة، وستجلوا لنا هذه النماذج نوع الثقافة وأثرها في أدب تينك المرحلتين .
إن من المعلوم أن لكل أهل زمان طابعهم الخاص في ثقافتهم ،
وأهل تلكم المرحلتين كان طابع ثقافتهم تراثياً وحسب .
غير أنهم ظهروا في أعقاب الوهن الذي سيطر على الأمة أزمنة
طوالاً فلم يكن في مقدورهم النزوع بأشكالهم إلى ما كان عليه المحسنون من الأسلاف .
أما المضامين فكانت شريفة بوجه عام ، كما هو عند المستقيمين
من الشعراء في كل زمان ومكان . وكان للدعوة السلفية التي قام بنشرها الإمامان محمد
بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود أثر بالغ في الأشكال والمضامين ، وهو في المضامين([4])
أظهر حيث ربطت الأفكار بتراث السلف الصالح كابن تيمية وابن القيم وأمثالهما، وتجلى
هذا الأثر في المضامين ، وفي الأشكال إلى حدٍ ما ، فأما في المضامين فواضح في جميع
ما نظموه من نماذج أدب هذه البلاد .
وأما في الأشكال فيتضح في الفرق بين نماذج صدر القرن الثالث
عشر وما بعده([5])،
فقبل تأثير الدعوة في الأشكال كان شعرهم يأتي على نحو من قول أحمد الحفظي في
الإمام سعود بن عبد العزيز :
وأصبـح
في أكنــــاف طيبـــــة نازلاً وللحــرم
المكي إمامـــــاً وحامياً
وقـام
بإحياء المناســــك وانتهــــت إليه أمور
الحج بالقســـــط وافياً
وطهَّر
بيــــت الله من كل مشــــرك وللكعبة
والبيـــــت المحرم كاسياً([6])
وقول حسين ابن غنام :
نفوس الورى – إلا
قليـل وكونهـا إلى الغي – لا يلفى لدين حنيفها
فسـل ربـك التثبيـت أي موحـــــــد فأنت
على السمحاء بادي يقينها
وغيرك في درب الضلالة سائــــــــر وليـس
لــــــــــه إلا القبـور يدينها
فكن صابراً إن حل أو جُل حادث فعاقبـة
الصبـر الفتـــــى يستزينها([7])
حتى إذا ما شدتهم الدعوة السلفية إلى كتب الأسلاف في عصور
الازدهار نزعوا بأشكالهم إلى قريب من ذلك ، كما تجده في الأمثلة الآتية ، فمن ذلك
قول أحمد بن مشرَّف:
إذا أنـت أزمعـت المســـــــــــــير
لتنجدا
فـلا
تعـد قصراً في الرياض مشيــــــدا
بنـاه إمـام المسلميـن ولم
يـــــــــــــــزل
يؤسـس
مـا يبني على الديــن والهدى
ترى حوله الأضياف تلتمس القـــرى
وقومـاً يريـدون المكـارم والنـــــــــــــــدى
فيرجــــــــــع كـلُ نائـل ما
يرومـــــــــه
من العدل والإحسان والفضل والجدى
كريـم يـرى للمعتفــــــــــــــين إذا
أتوا
ومـن يطلـب المعـــــــــــروف حقاً مؤكداً
لكـل امـرئ مـن دهــــــــــــــــره ما تعودا([8])
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ، وهو من
شعراء القرن الثالث عشر للهجرة :
دع عنك ذكر
منازل ومغـــــانٍ وبدور أنس قد بدت وغواني
وجآذر في
روضةٍ يشـــــدو بها صوت النديـم
وشـــــادن فتان
والعشق داء
قاتـــــــــل ودواؤه في السُّنَّة
المثـــــلى من الأعيـان([9])
ويقول الشيخ إبراهيم بن حسن الأسكوبي ، وهو من شعراء أواخر
القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر للهجرة :
قـرّ عينـاً،
وصلـت خير وصول برضا الله ذي العلا موصول
واهنـأ، أن
القبـول هبَّت تلـــبي من دعا الله
محرماً بالقبــــول
هـذه مكـة وهـا
أنـت ســـــــــــاعٍ في سبيل التوفيق
أمـنى سبيل
أي أرض أرضي
إلى الله من هـا ت واهنأ مـن منزل
التنزيـــل
أي
بـــــــــــــر أبـر مـن الله بالحـج وأرجى
منـه بنيــــــــل السُّول
حــرم
آمـــــــــــــــن ورب كريــم من دعاه
يفـــــــــوز بالمأمـول
سـله حيث
الإسعاف منه قريب يلتقي الوفد بالجزاء
الجزيـل
مـا علـى فيضه
العميم حجـاب لا ، ولا طولُ جوده بالقليل([10])
ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف المبارك ، وهو من شعراء
النصف الأول من القرن الرابع عشر :
ألمَّ
ولكن لا سبيــــل إلى الوصــــل
ولاح
لنـا بـدرٌ ولكــــن بعـــــارض
بـه لا يـرى إلا الصواعــــق من وبل
وفـاح
علينـا عنبـر عبق المـــــــــــــلا
ولكـن شمسنـا فيـه رائحـــــــة الزَّبل
وقد يهجر الماء الزلال أخو الظما
ويـرع كفـاً وهو طــــــــــاو من الأكل
إن
سهـام القيل من كل عائـــــــب
أشـد على ذي النُبل وقعـــاً من النبَّل
وذو
المجد لا يرضى بنقـــص يشينه
ولو لم يجد ملجأ سوى شفرة النصل
ومن يكتسب عـزاً بإسخاط ربــــه أضاع ولم يدرك سوى غاية الذل
وهل يشتـري دنيـاً سريعـــاً زوالها بآخـرة تبقـى دواماً أخو عقـــــــــل
حذاراً من الأفعى وإن رق ملمساً فإن مرق الحتف في ملمس الصّلَّ
أملتك درعاً في الخطـوب فكنتــــه ولكـن لأعدائي فوا ضيــعة الأمل([11])
غير أن من
شعراء النصف الأول من القرن الرابع عشر للهجرة من أبعد في ارتياد التراث فنزع إلى
محاكات ذي الرمة وأمثاله من المتقدمين ، وهو الشيخ محمد بن عثيمين الذي يشبهون
صنيعه في شعر جزيرة العرب بصنع البارودي في شعر مصر ، ومن قول ابن عثيمين :
ألا ليـت شعري أين مني مزارُها وقد حالت الصمُّان دوني وواصف([12])
أظل نهاري أنكُت الأرض واجماً وفي كبدي بالليـل تحمى المراضف([13])
وأجهد يوم
البين أن يظهــر الهوى وقـد أعلنتـه
الساجــــــمات الذوارفُ([14])
وإنى وإن كانت
إلى الغـــــور نيَّتي لفي الربرب النجدي
للقلب شاغـف([15])
أقـول لركب
يممو قلــــــــــة الحمى على شـد قميـات
طوتهـا التنائــــــــف([16])
قفوا حدثوني
عن أجارع رامــــــة عسى انبجست فيها السحاب العواطف([17])
وجاد ربوعاً
باللوى كل مطفــــل([18]) أجـشُّ هزيـم ودَْقُـه متـــــــــــــــــــرادف([19])
ب
– المرحلة الثانية :
وفيها الأدب المعاصر من 1340هـ /1921م إلى هذه الأيام. فعندما
أخرج الأتراك من الحجاز بعد إخراجهم من الأحساء والقطيف وما حولها أخذت اللغة
العربية تسترد أنفاسها وتعود رسمياً إلى ألسن أبناء هذه البلاد درساً
وديواناً وصحافة ، فتطلع الأدباء إلى
منافذ الجد في الفكر بعامة والأدب بخاصة ، وكان في الطليعة من أولئك محمد حسن عواد
وعبد القدوس الأنصارى ومحمد سرور الصبان وعبد الوهاب آشي ومحمد سعيد عبد المقصود
خوجة ، وثُلة من شباب الحجاز إذ ذاك .
غير أن فورة حماستهم لم ترق الشريف حسين فحدَّ منها بإبعادهم
عن الصحافة والديوان والاستعانة في ذلك بالوافدين . وضرب حصاراً فكرياً على الصحف
والمجلات والكتب الوافدة حتى صار الشباب في الحجاز لا يحصلون على الصحف والمجلات
والكتب المعاصرة إلا من طريــــق التهريب ، ويجتمعـــون ســـراً وعلانيــــة على
قراءتها أو يتبادلونها بالتناوب . ([20])
ويقول : محمد سرور الصبان – رحمه الله – : "
لقد هبّت نسمة عذبة من العلم منذ بضع سنين اغتنم فيها الفرصة نفر من المخلصين من
رجال هذه الأمة ، فبعثوا في نفوس الشبيبة روحاً
قوية من الإقبال على التعليم ، وكان الأمر عظيماً أن تزدهر البلاد بشبيبة
متعلمة كاملة العدة الأدبية تكون دعامة قوية وأساساً متيناً لنهضة علمية كبرى تعيد إلى الحجاز وربوع الحجاز
مجده التالد وثروته الدينية والأدبية التي كانت له في السابق ، ولكنا والأسف ملء
نفوسنا ، لم نلبث حتى رزئنا في هذه النهضة ، فأقصي البعض من القائمين بنشر العلم
وتربية النشء ، ووضع الآخرون بين المطرقة والسندان، وهكذا ماتت هذه النهضة ، وهي
في المهد لم تدرج بعد ، ولم يكتمل نماؤها ، ولكن ذلك لم يفت في عضد المخلصين
فهيأوا لإعادة النهضة وتثبيت أركانها نفراً من الطلبة كانوا يقومون بتثقيفهم
وتهذيبهم بقدر الإمكان في جوّ من الصمت والانزواء ، وعلى يد هذا النفر وبإخلاصه
ظهرت في البلد روح قوية متشبعة بحب العلم والأدب والتطلع بلهفة وحرارة إلى ساعة
الخلاص من إدارة قاسية لا يروقها ولا يعجبها وجود رؤوس مفكرة مستنيرة في الأمة
تكون مصدر نهضة صادقة ؛ لأن في ذلك جرثومة خطرة على كيانها وأداة ساحقة لطغيانها
وعبثها بمقدرات الشعب المادية والأدبية ". ( أدب الحجار ص7–8 ).
ويقول عبد الوهاب آشي – رحمه الله – : "
إن يد الاستبداد قد كمّمت الأفواه وحطمت الأقلام، ووكالة المعارف قررت نهائياً منع
ورود الكتب الأدبية والروائية ..." . ( ديوانه شوق وشوق ص50 ) .
ويقول الدكتور الحازمي : " والصامتون قبل العهد السعودي في
الحجاز كثيرون ، جمعهم محمد سرور الصبّان في كتيبه : ( أدب الحجاز – أو صفحة فكرية من أدب الناشئة الحجازية شعراً ونثراً ) سنة 1344هـ
/1926م .
وفي عامي 1343هـ – 1344هـ /
1924م – 1945م وهو بداية العهد السعودي المعاصر
في الحجاز ، في ذينك العامــــين 1343 – 1344هـ ،
رفع الملك عبد العزيــــــز – رحمه
الله – ذلك الحصار الفكري، وأسندت مراقبة
الكتب والصحف الوافدة إلى أحد أولئك الشباب ، وهو محمد حسن عواد الذي كان أكثر زملائه حماسة تجديدية ،
بل كان غالياً في ذلك إلى أبعد حد في الغلو حتى دفعه ذلك إلى ازدراء كل ما كان في
أيدي أبناء قومه لا فرق عنده في ذلك بين قديمه وحديثه .
ودفعه ذلك أيضاً إلى الإقبال على ما في أيدي المعاصرين ،
وبخاصة ما كان عند المهجريين ونصارى الشام وما
كان عند أدباء الغرب ، ويرى أن ذلك هو السبيل الأمثل المفضي إلى إحياء
الشعور الأدبي الحديث في قومه وإلى النهضة الفكرية في مجتمعه . ([21])
ولا جدال في أن محمد حسن عواد قد أسهم بذلك في اندفاع مزامنيه
من الشباب في طريق التجديد ، لولا الإيغال في محاولة التغريب الفكري ومع ذلك فإنه
في الطليعة من الرواد ، وإن لم يرق نهجه
المعتدلين من أترابه ، على ما سوف نشير إليه
مستقبلاً .
لكن من المهم جداً أن
نحفظ للرجل حقه في الريادة الأدبية لا بالدعوة وحسب بل في أعماله الأدبية الشعرية
والنثرية أيضاً ، وإن لم يرقنا كل ما قدم . وهذه المرحلة هي التي دخل فيها الأدب
السعودي ميدان التجديد متأثراً بالثقافات الوافدة من بلدان عربية مجاورة ، ومن
مناطق أخرى كالمهجر والآداب الغربية من طريق المطبوعات العربية من كتب وصحف
ومجلات، ثم ما ترجم من الآداب الأخرى ، وأيضاً من طريق الاختلاط بالحجاج أو السفر
إلى البلدان الأخرى العربية والإسلامية غير العربية مع المحافظة على الموروث .
وأول ما ظهــــر أثر الثقافـــات الأخرى عندنــــا في أدب
محمد حســـن عواد ، وكان – رحمه الله – قد فتن بالأدب المهجري الشمالي والأدب
الغربي أيضاً فأفرط في هذا إفراطاً أفضى به إلى الاستخفاف بكل ما هو عربي
ابتداءً بالزي وانتهاءً باللغة ، ومن قوله
عن البلاغة : " تلمستها في جواهر الأدب فرأيتها تبعد (654321) مرحلة ،
تلمستها في مولد البرزنجي فرأيتها تتلكأ متسكعة متعثرة ،تلمستها في البردة
والهمزية فرأيتها تمشي على استحياء ،تلمستها في كتب الأشياخ فأجابتني الكتب أن
ليست هنا ، تلمستها في المقامات فإذا هي لحوم ناضجة ولكنها من غير مأكول اللحم
،تلمستها في كتب السعد والجرجاني فرأيتها تحشرج على فراش الموت ،تلمستها في شعر
المولدين فإذا هي عجوز شمطاء في زي حسناء ،تلمستها في المعلقات فإذا هي منجم يحوي
ذهباً في جنادل وصخور ،تلمستها في الجرائد فإذا هي خروق بالية وأديم ممزق " . ([22])
فأين هذه البلاغة التي ينشدها رحمه الله ؛ لقد وجدها في
كتابات المهجريين وكتاب الغرب من الإنجليز والفرنسيين وفي ذلك يقول : "
وجدتها في كثير من شعر وكتابة مسيحيي لبنان تسلس عن قيادها ، ثم وجدتها في مترجمات
هيجو وموليير وشكسبير وبايرون ، فقلت واهاً لمجد شعراء العرب ، هناك البلاغة
العربية فانشدوها . نعم هناك بين ثنايا تلك الأوراق النقية الناصعة على ضفاف هاتيك
الأسفار الثمينة المتدثرة بروعة العظمة ونضرة الجمال ، وفي خلال تلك الألفاظ
الذهبية ، وعلى جانبي تلك الأسلاك المنسقة تنسيقاً هو أرقى ما وصلت إليه الهندسة
الفكرية قديماً وحديثاً .
هناك البلاغــة العربية فأنشدوها
فيـا أيتهـا البلاغــــــة
العربيـــــة ؟
ما أسمى ذوقك حينما اخترت مقرًّا " للموتور "
الكهرباء .الذي يفيض عليك نوره .
وناره
تلك الأدمغة العربية المطربشة والمبرنطة ذوات فكرة التجدد العصري والذكاء النجيب ،
وضربت صفحاً ، بل ربأت بنفسك أن تتدفقي من رؤوس غلاظ أفسدها ثقل العمائم.
وإذا كنت قد برزت من سهول الحجاز فسوف لا يجد لك الحجازي
طعماً ، وسوف لا يفهم لك معنى ، وسوف لا يعرف من أنت ، ما دامت في الحجاز كتب
البلاغة السقيمة ، وما بقي النشء المكي يتلقى عن عشرائه في أيام " القيلات في
البصارة " قصائد في الغزل البارد والنسب الميت لبعض نظامين سخفاء .
ويا أيتها الناشئة الحجازية المتعلمة . حطموا عن خيالاتكم
هياكل الإجلال لهذه الأسماء إنما عظموها باعتبارهم كشعراء أو كبلغاء ، واحرقوا تلك
الأوراق، وامحوا تلك القصائد وهاتيك المقطعات المأخوذة من تراثهم ، وطهروا أفكاركم
الصغيرة الحرة من تلك الأمراض والسموم وتلك الجراثيم والميكروبات والأوبئة([23])
" . ومنه قوله : "ولا تهتم للإفصاح ، بل للفكر والوعي ، ولا يزعجك
تصريحاً ، فإن فعلت تجد من الأدباء تجريحاً .
فما يستمرئ الأدباء
ما سأقول في الأدب ولا في حامليه – كما تكون
– حمالة العنب
([24])
" . ولم يرضَ ذلك زملاؤه منه فأنكروا عليه .
ومن هؤلاء : عبد الوهاب آشي الذي قال في تقديمه كتاب " خواطر مصرحة
" الذي نشره العواد في عام 1345هـ/ 1926م) : " وهناك نظرة أخرى نحب أن
نناقض الأستاذ فيها، وهو تغنيه (بالغرب)، وولوعه بذكر عجائبه وتمجيده ، ودعاؤنا إلى مضاهاته ، مما
تكاد مقالاته لا تخلو منها إنه لحسن في ظاهره ، ولكن رويداً . ما هو الغرب ؟ وما عجائبه ؟ أليس هو أوربا التي لا تزال تهددنا أهوالها – لا عجائبها – وتجد في
سحق معنوياتنا من وجه الكون ؟! وهل ما أنجبته سوى المدمرات الموبقات؟ وإن كان لديه
من حسنة فما هي إلا نتيجة تحديه لمدنيتنا السالفة . أضعناها فورثها أبناؤه ،
وأهملنا فاتخذوها حلية لأنفسهم يفتخرون بها علينا ، فواهاً علينا واهاً .
كان الأحرى بالأستاذ أن يرجع بنا إلى ما كان في عهد أجدادنا
الغابرين أساتذة العالم ورواده في ميادين العمل الصحيح، والمدنية القويمة ، ففيه
الغنى عن ذكر أي مفخرة يجب أن تحتذى بعده " . ([25])
وأمثلة
هذا الاتجاه عند العواد كثيرة في شعره وفي نثره . ولما كان أثر الأدب المصري
والشامي ظاهراً في بداية أدبنا الحديث تلحظه في بدايات العواد ، وحمزة شحاته وحسين
سرحان ومحمد سعيد عبد المقصود وعبد الوهاب
الآشي وأمثالهم فإن هناك ظاهرة في الأدب المصري لم يتأثر بها من أدبائنا إلا قلة
من الشعراء ، وأشهرهم أحمد قنديل وتبعه آخرون كالثميري رحمها الله ، ثم ظهر من تأثر
قنديل والثميري في هذا السبيل أعني ماسموه الشعر الحلمنتيشي ذلك الذي برز فيه
المصريون معارضة مثل قـول أحدهـم :
أمن تذكر رعي النوق
والغنم ضربت نفسك يا حمدان بالصُرم([26])
معارضة لميمية البوصيري :
أمـن تذكر جيران بذي سلــم