مقدمــة :

الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين ، واجعلنا منهم آمين ... وبعد :

فلقد أسعدتني الدعوة التي وجهتها إلي الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية .

ولذا يسعدني الإسهام بهذا البحث الذي هو أحاديث عن الأدب السعودي ، آمل أن أكون بها قد أسهمـــت في خدمة أدب هذه البــــلاد المباركــة إن شاء الله ، وهو شيء مما يجب علينا القيام به لنعطي شيئاً من مثل ما أخذنا ملتمساً  في ذلك الأجر والثواب من الباري سبحانه وتعالى . واعلم أنك سوف تجد في هذه الأحاديث ما قد يروقك ، وما قد تأخذ علىَّ فيــــه ما تأخــــذ مما قد يروق ســــواك ، فحسبي ما نلتقي على استحسانــــه فما الكمال المطلق إلا لصاحب الكمال سبحانه وتعالى ، حسبي إذن أنه من ثمار معايشة الكتاب السعودي في ميادينه المختلفة ، وبخاصة الكتاب الأدبي دراسة كان أو ديوان شعر أو قصة أو مقالة ، وأن هذه المعايشة جاءت ثمرة شعور بالمسؤولية الأدبية ، ولست أزعم أن ذلك لي وحدي ، ولكني أستطيع الزعم بأنني أخلصت لهذا الميدان كل الإخلاص .

والعلامات التي ينصبها هذا البحث على طريق دراسة الأدب السعودي إنما أريد بها التذكير بأن هذا الأدب قد مُني بأقلام اتخذته سلماً لأهداف غير الأدب ، وليس هذا مقام ذكرها ، عفا الله عنا وعن أصحابها .

غير أن من الإجحاف القول: إن جميع أعمال أولئك لم تقدم شيئاً للأدب السعودي فلو لم يكن منها إلا الإثارة لكانت كافية ، ومن الذي سلم قلمه من الحيف ، شط أو شحط ؟ والله المستعان .

غير أني أستثني من هؤلاء : محمد أحمد حمدون ، مع ما لي على بحثه : " قصة الأدب السعودي من المحلية إلى الانتشار " وبعض مصادره من ملحوظات ، وكذا تلك البحوث التي كتبها بعض الباحثين في خارج البلاد السعودية كمصطفى السحرتي وأحمد أبو شادي وأمثالهما .

 

الملك عبد العزيز والأدب :

عندما ينظر الباحث في تاريخ الملك عبد العزيز رحمه الله يجد الأدب أخذ مكانه في أحداث حياته .

فعبد الله العجيري ومحمد بن عثيمين ومحمد بن بليهد وأحمد بن إبراهيم الغزاوي وفؤاد شاكر وقسطندي بك داود وبولس سلامة وفكتور ملحم وعباس محمود  العقاد وخير الدين الزركلي وخالد الفرج وعلي السنوسي وابنه محمد وحسن بن نفيسة وسليمان بن سحمان ومحمد هاشم رشيد وعبد الله بن خميس ومحمد أحمد العقيلي والزبيري وكثيرون كان لتاريخ الملك عبد العزيز نُزله في أعمالهم ، وإسهاماتهم في ذلك وافرة خلا العقاد وأمثاله ممن لم يرد ذكرهم هنا .

وأوفــــر هؤلاء نصيباً هم : ابن عثمين وابن بليهد والغزاوي ، ثم فؤاد شاكر وبولس ســــلامة صاحب ملحمة "عيد الرياض" ، وفكتور ملحم صاحب ملحمة " بطل الجزيرة " ، ثم قسطندي بك داود صاحب " ديوان ابن داود شاعر آل سعود"، وخلق كثيرون من شعراء العربيــــة من شـــرق بــــلاد العرب وغربهـا ، ومن شمالها وجنوبها لم يغنوا بمجد الملك عبد العزيز ويشدوا بذكره إلا أنهم وجدوا فيه القائد العربي العبقري المخلص لأمته ، لماضيها وحاضرها ومستقبلها ، وأنه الزعيم الذي يقدر الكلمة ويُنزل صاحبها المنزلة التي يستحقها، ويثبت عليها ، أو ما قال الشاعر :

              تسقط الطير حيث ينتثر الحـب       وتغشـى منـــــازل الكرمـــــــاء

وإنما  يقدر  الشعر من يعرف قدر العلم والعلماء ، ويعرف حق العربية على أهلها ، وكذلك كان الملك عبد العزيز رجل سياسة ، ورجل علم وأدب ، ورجل " سيف ومنسف " ، كما يقولون في الكتابة عن الشجاعة والكرم .

من هنا كان مجلس الملك عبد العزيز عامراً دائماً برجال الفكر والأدب والسياسة والتاريخ وكل العلماء الذين كان يقربهم في مجلسه ، ويخص العلماء الفقهاء كلاً في فنه بمزيد من عناية .

ومن هذا المنطلق كان إطلاق الملك عبد العزيز أقلام الشباب الحجازي من القيود التي كُبلت بها قبل العهد السعودي في الحديث .

كما رفع رحمه الله الحذر الذي كان مفروضاً على أصحاب الصحف والكتب وسائر المطبوعات التي تفد من خارج البلاد ، فأوجد ذلك كله انطلاقة حية في عالم الفكر والصحافة والأدب ، ساعدها العمل في إنشاء المدارس ، ونشر التعليم في هذه البلاد المباركة ، وإسناد أهم أعمال الدولة إلى رجال الفكر والأدب ، فكيف لا يكون للأدب نُزله الرحب  في سيرة الملك عبد العزيز رحمه الله ؟!

إن الملك عبد العزيز هو الرائد الأول لكل حركات التجديد والتطوير في حياتنا التي نحياها الآن . وهو صاحب الفضل الأول بعد الله في كل ما ننعم به ، وما ستنعم به الأجيال القادمة من أبناء هذه البلاد ، فكيف لا يمجده الأدب وهو رائده الأول ؟!

ولا نريد المضىّ في الحديث عن أمجاد الملك عبد العزيز لكوننا مهما أطلنا في ذلك فلن نقوى على إيفائه حقه في مثل مقامنا هذا ؛ ولأن الباحثين الآخرين سوف يقدمون في ذلك ما هو أجلى صورة وبخاصة أولئك الذين يتحدثون عن جوانب تاريخ هذه العبقرية الفريدة ،  فلنخلص إلى ما نحن بصدد الحديث عنه من أمر الحركة الأدبية في المائة القريبة من تاريخ هذه البلاد، وهي التي بدأت باستعادة مدينة الرياض عام 1319هـ/1901م.

§       ولما كان الباحثون قد اختلفوا على البداية التاريخية للأدب السعودي ، وما تنطبق عليه هذه الكلمات تاريخياً .

§       ولما خاض المتحدثون فيه من التقليد والتأثر في أدب هذه البلاد .

§       ثم ما شككوا فيه من استقلاله بشخصيته المتميزة .

§       ولما كثر من حديث عن النقد وتخلف النقاد في ممارسة مهمتهم النقدية .

§       ثم ما خاضوا فيه من حديث عن مستقبل الأدب السعودي .

لما كان من أمر هذه المسائل الخمس أثرت أن يكون حديثنا هذا تحويماً في ميادينها عسى أن ييسر الله بحثها على نحو يكون أوسع وأعمق وأكثر شمولاً . ومع حرصي دائماً على عدم انتقاص أعمال الآخرين ، وإذاعة ما يقعون فيه من أخطاء لا رغبة في السلامة ، ولكن احتراماً للعلم ورجاله ، وحرصاً على تقدير ما بذلوه من جهد مع  حرصي على ذلك فقد تجدون في بعض هذه الصفحات لوماً لبعض إخواننا الباحثين على أمور ما كان يحسن بهم الوقوع في مثلها ، وإن كنت أقيم لهم حيناً بعض العذر لكونهم حدثاء عهد بهذا الأدب السعودي الذي كان لهم فضل في مشاركة رجاله ببحثه ودراسته والإعلام به في الخارج ، وكما  قلت فيما سلف : لو لم يكن لهم سوى هذا لكفى .

 

الخلاف على التسمية تاريخياً :

إن سؤالاً يتردد كثيراً على ألسن المثقفين ينشدون به تحديد الزمن لهذا الأدب الذي اصطلحنا على تسميته الأدب السعودي إضافة انتماءٍ إلى من جمع شمل هذه البلاد .

لقد ألفنا عند تحديدنا العصور الأدبية أن نجعل من الأحداث التاريخية حداً فاصلاً بين عصرين أدبيين متميزين بنوع من التميز الذي يتضح في السمات والخصائص .

ونحن بهذا التحديد لا نحكم بقطعية التباين الأدبي بين عصرين أدبيين في مرحلة قصيرة لكون الآداب محتاجة في تحولها وتبدلها إلى مدة من الزمن ، وإنما نقصد في ذلك إلى حد تقريبي لكون التغيير والتحول الأدبي فيه تدريجياً ، وهو أعني التاريخي استعمال لا غبار عليه ، ولا محظور فيه ، وإن كنا قد أخذناه من الآخرين إذ لا يترتب على مثل هذا الأخذ محضور .

ومن استعمالها الحدث التاريخي في تحديد العصور الأدبية جاء الخلاف بين دارسي الأدب السعودي . وذلك أن إطلاق اسم المملكة العربية السعودية على هذه البلاد إنما كان بعد إتمام توحيدها على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله،وكان ذلك عام 1351هـ/ 1932م لكن المؤرخين لهذه البلاد يقسمون تاريخها إلى ثلاثة أدوار ، ويجعلون الدور الأول([1]) يبدأ من عهد الإمام محمد بن سعود ، وبالتحديد عندما التقى الإمامان محمد بن عبد الوهاب ، ومحمد بن سعود على نشر الدعوة السلفية ، وكان ذلك بُعيد منتصف القرن الثاني عشر للهجرة النبوية الشريفة ، أي في أواخر العقد السادس من ذلك القرن .

فالذين يجعلون تاريخ الأدب السعودي يبدأ في القرن الثانى عشر ينظرون إلى بداية التاريخ لهذه الدولة ، والذين يجعلون بداية تاريخ الأدب السعودي بعد منتصف القرن الرابع عشر للهجرة النبوية الشريفة ينظرون إلى واقع تاريخ التسمية وبدايته . والذى أرضاه هو التحديد الأول ، لأسباب ، منها :

الأول : أن التحديد يخرج حقبة مهمة من حياة الأدب في هذه البلاد في عصره الحديث ، ويحكم عليه  بالإلغاء والإسقاط .

والثانى([2]): أن بدايات هذا الأدب كانت قبل إطلاق التسمية .

صحيح أن بداية نشاط الأدب الحديث في هذه البلاد إنما جدت حركتها في أواخر النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري ، غير أن بدايات نشاطه قد ظهرت في القرن الثالث عشر الهجري ، وذلك بظهور أحمد بن مشرَّف ، وعبد اللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ ، وأنور عشقي ، والزللي ، والبري ، وأمثالهم. ([3])

وفي النصف الأول من القرن الرابع عشر من الهجرة ظهر إبراهيم الأسكوبي ومحمد ابن عثيمين وعبد العزيز المبارك وأحمد العيسي وعلى السنوسي ، وأمثال هؤلاء ممن كانوا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري ، وعلى هذا الأساس من التحديد سوف نتحدث عن الأدب السعودي إن شاء الله .

 

التأثـر والتأثيـر:

إن كثيرين من الباحثـــين يبالغـــون إذا هم عمدوا إلى الحديث عن مثل هذه القضية أعني التأثر والتأثير فيجعلون كل ما التقى فيه أديبان من هذا الباب ، ومثله عندهم كثير من قولهم في باب السرقات والمعارضات ونحوها ، ونسوا أو تناسوا ما لتلك القضايا من جذور في ماضي المجتمع الأدبي ، ومثل ذلك ما هو من باب " توافق الخواطر ووقع الحافر على الحافر " كما يقولون ، وهذه محتاجة إلى بسط القول في مقام آخر .

 

تقسيم الأدب السعودي من حيث التأثر :

ينقسم الأدب السعودي من حيث التأثر الثقافي إلى مرحلتين :

الأولى : من عام 1160هـ إلى عام 1340هـ/ 1747م 1921م .

الثانية : من عام 1340هـ / 1921م إلى هذه الأيام .

وتمتاز كل واحدة من هاتين المرحلتين ثقافياً عن أختها على ما سوف نوضحه إن شاء الله تعالى .

أ المرحلة الأولى : التأثر الثقافي :

عندما ننظر إلى ثقافة أدباء هذه البلاد في المرحلة الأولى التي حددناها سلفاً نجد ثقافة أولئك الأدباء عربية إسلامية صرفة لسببين رئيسين أولهما : أنه لم تكن لهم صلات بالثقافات الأخرى في خارج بلادهم فلم تكن لهم صلة بالبلدان الغربية التي ذاعت فيها الثقافة الحديثة . ولم تكن لهم صلة بأصداء تلك الثقافة التي وجدت طريقها إلى بعض البلاد العربية والإسلامية كمصر والشام .

ثم إنهم لو بلغتهم تلك الأصداء ما كانوا ليلتفتوا إليها فضلاً عن التأثر بها لكونها مخالفة لما هم عليه ، إلى كونهم يرتابون في كل ما يفد عليهم من بلدان غير المسلمين ، وما يقبله المسلمون مما يفد عليهم من تلك البلدان ، لاشتماله على ما لا يوافق ما هم عليه من عادات وتقاليد ، ولالتزامهم الديني والأخلاقي الذي يملي عليهم التجافي عن كل ما يناقضه ورفض كل ما يعارضه .

وثاني السببين وهو أشبه بعلة الأول : هو أن القوم ما كانوا يعدلون بالثقافة الإسلامية العربية ثقافة أخرى أياً كانت ، ومن هنا كان اهتمامهم بها ووقوفهم عندها معتزين بها معتدين ، بل إنهم يرون ما عداها باطلاً وضلالاً لا فرق عندهم في ذلك الشكل والمضمون، وذلك كان تأثرهم بالكتاب العزيز والسنة المطهرة وتراث الأمة الإسلامية ، وذلك من طول نظرهم فيها واهتمامهم بها . ترى ذلك واضحاً فيما يكتبون من نثر ، وما ينظمون من شعر .

ثم هم لا يرون الأدب إلا وسيلة في خدمة الكتاب العزيز والسنة المطهرة وتراث الأمة وما يتصل بذلك من خدمة المجتمع الإســلامي الذي يدين بأن الله ما خلق الخلق إلا لعبادته وحده لا شريك له ؛ ولذا فإن على الأدب أن يكون خادماً  لهذا الهدف ، ولا جدال في أن هذا أهم الأهداف وأحراها بالعناية ، غير أن للأدب أهدافاً أخرى مادية وجمالية ما أخالهم غفلوا عنها ، غير أنها تأتى عندهم في مرتبة متأخرة جداً إذا قيست بالهدف الأسمى ، وهو الأول .

ومن هنا كان جُل أدبهم جهاداً ودعوةً وإرشاداً تستوي في ذلك جميع أجناسه وأغراضه ، المدح والرثاء ، والفخر والهجاء ، والحماسة وجميع فنون قولهم تسمي بأسمائها القديمة وهي لم تبرح هذا الهدف الأسمى .

صحيح أنه قد يعتري أشكالهم الشعرية والنثرية شيء من تكلف ، وشىء من ضعف الصورة الأدبية الأمر الذي قد يوهن الصورة الجمالية في أدبهم ، لكنه يظل ممثلاً لثقافتهم ولعقليتهم وتصوراتهم وأساليب تفكيرهم ، وطرق معالجتهم المشكلات التي تعرض لهم في حياتهم . ثم إن هناك صورة لنظرتهم الجمالية التي تعد عندنا اليوم محدودة بل ساذجة حيناً بحسب تصورنا . فهل نزن أدبهم بمعايير عصرنا ؟ أحسب مثل هذا الصنيع إجحافاً في حق أولئك الذين لا يحسن بنا إلا أن نتعامل مع أدبهم بالمعايير المألوفة في العصر الذي صنع فيه ذلك الأدب .

ولنمثل لذلك ببعض النماذج من القرنين الثالث عشر والرابع عشر للهجرة، وستجلوا لنا هذه النماذج نوع الثقافة وأثرها في أدب تينك المرحلتين .

إن من المعلوم أن لكل أهل زمان طابعهم الخاص في ثقافتهم ، وأهل تلكم المرحلتين كان طابع ثقافتهم تراثياً وحسب .

غير أنهم ظهروا في أعقاب الوهن الذي سيطر على الأمة أزمنة طوالاً فلم يكن في مقدورهم النزوع بأشكالهم إلى ما كان عليه المحسنون من الأسلاف .

أما المضامين فكانت شريفة بوجه عام ، كما هو عند المستقيمين من الشعراء في كل زمان ومكان . وكان للدعوة السلفية التي قام بنشرها الإمامان محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود أثر بالغ في الأشكال والمضامين ، وهو في المضامين([4]) أظهر حيث ربطت الأفكار بتراث السلف الصالح كابن تيمية وابن القيم وأمثالهما، وتجلى هذا الأثر في المضامين ، وفي الأشكال إلى حدٍ ما ، فأما في المضامين فواضح في جميع ما نظموه من نماذج أدب هذه البلاد .

وأما في الأشكال فيتضح في الفرق بين نماذج صدر القرن الثالث عشر وما بعده([5])، فقبل تأثير الدعوة في الأشكال كان شعرهم يأتي على نحو من قول أحمد الحفظي في الإمام سعود بن عبد العزيز :

وأصبـح في أكنــــاف طيبـــــة نازلاً  وللحــرم المكي إمامـــــاً وحامياً

وقـام بإحياء المناســــك وانتهــــت  إليه أمور الحج بالقســـــط وافياً

وطهَّر بيــــت الله من كل مشــــرك وللكعبة والبيـــــت المحرم كاسياً([6])

وقول حسين ابن غنام :

نفوس الورى إلا قليـل وكونهـا إلى الغي لا يلفى لدين حنيفها

فسـل ربـك التثبيـت أي موحـــــــد فأنت على السمحاء بادي يقينها

وغيرك في درب الضلالة سائــــــــر وليـس لــــــــــه إلا القبـور يدينها

فكن صابراً إن حل أو جُل حادث فعاقبـة الصبـر الفتـــــى يستزينها([7])

حتى إذا ما شدتهم الدعوة السلفية إلى كتب الأسلاف في عصور الازدهار نزعوا بأشكالهم إلى قريب من ذلك ، كما تجده في الأمثلة الآتية ، فمن ذلك قول أحمد بن مشرَّف:

إذا أنـت أزمعـت المســـــــــــــير لتنجدا

         فـلا تعـد قصراً  في الرياض مشيــــــدا

بنـاه إمـام المسلميـن ولم يـــــــــــــــزل

         يؤسـس مـا يبني على الديــن والهدى

ترى حوله الأضياف تلتمس القـــرى

وقومـاً يريـدون المكـارم والنـــــــــــــــدى

فيرجــــــــــع كـلُ نائـل ما يرومـــــــــه

من العدل والإحسان والفضل والجدى

كريـم يـرى للمعتفــــــــــــــين إذا أتوا

ومـن يطلـب المعـــــــــــروف حقاً مؤكداً

تعـودَّ بسط  الكف طبعـــــــــــــاً وإنما

لكـل امـرئ مـن دهــــــــــــــــره ما تعودا([8])

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ، وهو من شعراء القرن الثالث عشر للهجرة :

دع عنك ذكر منازل ومغـــــانٍ وبدور أنس قد  بدت وغواني

وجآذر في روضةٍ يشـــــدو بها صوت النديـم وشـــــادن فتان

لا تصغ للعشاق سمعـــك إنما ناديهـم بيـــن البريـة عـــــــــاني

والعشق داء قاتـــــــــل ودواؤه في السُّنَّة المثـــــلى من الأعيـان([9])

ويقول الشيخ إبراهيم بن حسن الأسكوبي ، وهو من شعراء أواخر القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر للهجرة :

قـرّ عينـاً، وصلـت خير وصول  برضا الله ذي العلا موصول

واهنـأ، أن القبـول هبَّت تلـــبي من دعا الله محرماً  بالقبــــول 

هـذه مكـة وهـا أنـت ســـــــــــاعٍ في سبيل التوفيق أمـنى سبيل

أي أرض أرضي إلى الله من هـا  ت واهنأ مـن منزل التنزيـــل

أي بـــــــــــــر أبـر مـن الله بالحـج وأرجى منـه بنيــــــــل السُّول

حــرم آمـــــــــــــــن ورب كريــم من دعاه يفـــــــــوز بالمأمـول

سـله حيث الإسعاف منه قريب يلتقي الوفد بالجزاء الجزيـل

مـا علـى فيضه العميم حجـاب   لا ، ولا طولُ جوده بالقليل([10])

ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف المبارك ، وهو من شعراء النصف الأول من القرن الرابع عشر :

ألمَّ ولكن لا سبيــــل إلى الوصــــل

         ولا صبـر لـي عنه ولا ثم لي مســل

ولاح لنـا بـدرٌ ولكــــن بعـــــارض

         بـه لا يـرى إلا الصواعــــق من وبل

وفـاح علينـا عنبـر عبق المـــــــــــــلا

         ولكـن شمسنـا فيـه رائحـــــــة الزَّبل

وقد  يهجر الماء الزلال أخو الظما

         ويـرع كفـاً وهو طــــــــــاو من الأكل

إن سهـام القيل من كل عائـــــــب

         أشـد على ذي النُبل وقعـــاً من النبَّل

وذو المجد لا يرضى بنقـــص يشينه 

         ولو لم يجد ملجأ سوى شفرة النصل

ومن يكتسب عـزاً بإسخاط ربــــه  أضاع ولم يدرك سوى غاية الذل

وهل يشتـري دنيـاً سريعـــاً زوالها  بآخـرة تبقـى دواماً أخو عقـــــــــل

حذاراً من الأفعى وإن رق ملمساً  فإن مرق الحتف في ملمس الصّلَّ

أملتك درعاً في الخطـوب فكنتــــه  ولكـن لأعدائي فوا ضيــعة الأمل([11])

غير أن من شعراء النصف الأول من القرن الرابع عشر للهجرة من أبعد في ارتياد التراث فنزع إلى محاكات ذي الرمة وأمثاله من المتقدمين ، وهو الشيخ محمد بن عثيمين الذي يشبهون صنيعه في شعر جزيرة العرب بصنع البارودي في شعر مصر ، ومن قول ابن عثيمين :

ألا ليـت شعري أين مني مزارُها   وقد حالت الصمُّان دوني وواصف([12])

أظل نهاري أنكُت الأرض واجماً وفي كبدي بالليـل تحمى المراضف([13])

وأجهد يوم البين أن يظهــر الهوى وقـد أعلنتـه الساجــــــمات الذوارفُ([14])

وإنى وإن كانت إلى الغـــــور نيَّتي لفي الربرب النجدي للقلب شاغـف([15])

أقـول لركب يممو قلــــــــــة الحمى على شـد قميـات طوتهـا التنائــــــــف([16])

قفوا حدثوني عن أجارع رامــــــة عسى انبجست فيها السحاب العواطف([17])

وجاد ربوعاً باللوى كل مطفــــل([18]) أجـشُّ هزيـم ودَْقُـه متـــــــــــــــــــرادف([19])

ب   المرحلة الثانية :

وفيها الأدب المعاصر من 1340هـ /1921م إلى هذه الأيام. فعندما أخرج الأتراك من الحجاز بعد إخراجهم من الأحساء والقطيف وما حولها أخذت اللغة العربية تسترد أنفاسها وتعود رسمياً إلى ألسن أبناء هذه البلاد درساً وديواناً  وصحافة ، فتطلع الأدباء إلى منافذ الجد في الفكر بعامة والأدب بخاصة ، وكان في الطليعة من أولئك محمد حسن عواد وعبد القدوس الأنصارى ومحمد سرور الصبان وعبد الوهاب آشي ومحمد سعيد عبد المقصود خوجة ، وثُلة من شباب الحجاز إذ ذاك .

غير أن فورة حماستهم لم ترق الشريف حسين فحدَّ منها بإبعادهم عن الصحافة والديوان والاستعانة في ذلك بالوافدين . وضرب حصاراً فكرياً على الصحف والمجلات والكتب الوافدة حتى صار الشباب في الحجاز لا يحصلون على الصحف والمجلات والكتب المعاصرة إلا من طريــــق التهريب ، ويجتمعـــون ســـراً وعلانيــــة على قراءتها أو يتبادلونها بالتناوب . ([20])

ويقول : محمد سرور الصبان رحمه الله : " لقد هبّت نسمة عذبة من العلم منذ بضع سنين اغتنم فيها الفرصة نفر من المخلصين من رجال هذه الأمة ، فبعثوا في نفوس الشبيبة روحاً  قوية من الإقبال على التعليم ، وكان الأمر عظيماً أن تزدهر البلاد بشبيبة متعلمة كاملة العدة الأدبية تكون دعامة قوية وأساساً متيناً  لنهضة علمية كبرى تعيد إلى الحجاز وربوع الحجاز مجده التالد وثروته الدينية والأدبية التي كانت له في السابق ، ولكنا والأسف ملء نفوسنا ، لم نلبث حتى رزئنا في هذه النهضة ، فأقصي البعض من القائمين بنشر العلم وتربية النشء ، ووضع الآخرون بين المطرقة والسندان، وهكذا ماتت هذه النهضة ، وهي في المهد لم تدرج بعد ، ولم يكتمل نماؤها ، ولكن ذلك لم يفت في عضد المخلصين فهيأوا لإعادة النهضة وتثبيت أركانها نفراً من الطلبة كانوا يقومون بتثقيفهم وتهذيبهم بقدر الإمكان في جوّ من الصمت والانزواء ، وعلى يد هذا النفر وبإخلاصه ظهرت في البلد روح قوية متشبعة بحب العلم والأدب والتطلع بلهفة وحرارة إلى ساعة الخلاص من إدارة قاسية لا يروقها ولا يعجبها وجود رؤوس مفكرة مستنيرة في الأمة تكون مصدر نهضة صادقة ؛ لأن في ذلك جرثومة خطرة على كيانها وأداة ساحقة لطغيانها وعبثها بمقدرات الشعب المادية والأدبية ". ( أدب الحجار ص78 ).

ويقول عبد الوهاب آشي رحمه الله : " إن يد الاستبداد قد كمّمت الأفواه وحطمت الأقلام، ووكالة المعارف قررت نهائياً منع ورود الكتب الأدبية والروائية ..." . ( ديوانه شوق وشوق ص50 ) .

ويقول الدكتور الحازمي : " والصامتون قبل العهد السعودي في الحجاز كثيرون ، جمعهم محمد سرور الصبّان في كتيبه : ( أدب الحجاز أو صفحة فكرية من أدب الناشئة الحجازية شعراً ونثراً ) سنة 1344هـ /1926م .

وفي عامي 1343هـ 1344هـ / 1924م 1945م وهو بداية العهد السعودي المعاصر في الحجاز ، في ذينك العامــــين 1343 1344هـ ، رفع الملك عبد العزيــــــز رحمه الله ذلك الحصار الفكري، وأسندت مراقبة الكتب والصحف الوافدة إلى أحد أولئك الشباب ، وهو محمد  حسن عواد الذي كان أكثر زملائه حماسة تجديدية ، بل كان غالياً في ذلك إلى أبعد حد في الغلو حتى دفعه ذلك إلى ازدراء كل ما كان في أيدي أبناء قومه لا فرق عنده في ذلك بين قديمه وحديثه .

ودفعه ذلك أيضاً إلى الإقبال على ما في أيدي المعاصرين ، وبخاصة ما كان عند المهجريين ونصارى الشام وما  كان عند أدباء الغرب ، ويرى أن ذلك هو السبيل الأمثل المفضي إلى إحياء الشعور الأدبي الحديث في قومه وإلى النهضة الفكرية في مجتمعه . ([21])

ولا جدال في أن محمد حسن عواد قد أسهم بذلك في اندفاع مزامنيه من الشباب في طريق التجديد ، لولا الإيغال في محاولة التغريب الفكري ومع ذلك فإنه في الطليعة من الرواد ، وإن لم يرق  نهجه المعتدلين من أترابه ، على ما  سوف نشير إليه مستقبلاً .

لكن من المهم جداً  أن نحفظ للرجل حقه في الريادة الأدبية لا بالدعوة وحسب بل في أعماله الأدبية الشعرية والنثرية أيضاً ، وإن لم يرقنا كل ما قدم . وهذه المرحلة هي التي دخل فيها الأدب السعودي ميدان التجديد متأثراً بالثقافات الوافدة من بلدان عربية مجاورة ، ومن مناطق أخرى كالمهجر والآداب الغربية من طريق المطبوعات العربية من كتب وصحف ومجلات، ثم ما ترجم من الآداب الأخرى ، وأيضاً من طريق الاختلاط بالحجاج أو السفر إلى البلدان الأخرى العربية والإسلامية غير العربية مع المحافظة على الموروث .

وأول ما ظهــــر أثر الثقافـــات الأخرى عندنــــا في أدب محمد حســـن عواد ، وكان – رحمه الله – قد فتن بالأدب المهجري الشمالي والأدب الغربي أيضاً فأفرط في هذا إفراطاً أفضى به إلى الاستخفاف بكل ما هو عربي ابتداءً  بالزي وانتهاءً باللغة ، ومن قوله عن البلاغة : " تلمستها في جواهر الأدب فرأيتها تبعد (654321) مرحلة ، تلمستها في مولد البرزنجي فرأيتها تتلكأ متسكعة متعثرة ،تلمستها في البردة والهمزية فرأيتها تمشي على استحياء ،تلمستها في كتب الأشياخ فأجابتني الكتب أن ليست هنا ، تلمستها في المقامات فإذا هي لحوم ناضجة ولكنها من غير مأكول اللحم ،تلمستها في كتب السعد والجرجاني فرأيتها تحشرج على فراش الموت ،تلمستها في شعر المولدين فإذا هي عجوز شمطاء في زي حسناء ،تلمستها في المعلقات فإذا هي منجم يحوي ذهباً في جنادل وصخور ،تلمستها في الجرائد فإذا هي خروق بالية وأديم ممزق " . ([22])

فأين هذه البلاغة التي ينشدها رحمه الله ؛ لقد وجدها في كتابات المهجريين وكتاب الغرب من الإنجليز والفرنسيين وفي ذلك يقول : " وجدتها في كثير من شعر وكتابة مسيحيي لبنان تسلس عن قيادها ، ثم وجدتها في مترجمات هيجو وموليير وشكسبير وبايرون ، فقلت واهاً لمجد شعراء العرب ، هناك البلاغة العربية فانشدوها . نعم هناك بين ثنايا تلك الأوراق النقية الناصعة على ضفاف هاتيك الأسفار الثمينة المتدثرة بروعة العظمة ونضرة الجمال ، وفي خلال تلك الألفاظ الذهبية ، وعلى جانبي تلك الأسلاك المنسقة تنسيقاً هو أرقى ما وصلت إليه الهندسة الفكرية قديماً وحديثاً .

هناك البلاغــة العربية فأنشدوها

فيـا أيتهـا البلاغــــــة العربيـــــة ؟

ما أسمى ذوقك حينما اخترت مقرًّا " للموتور " الكهرباء .الذي يفيض عليك نوره .

وناره تلك الأدمغة العربية المطربشة والمبرنطة ذوات فكرة التجدد العصري والذكاء النجيب ، وضربت صفحاً ، بل ربأت بنفسك أن تتدفقي من رؤوس غلاظ أفسدها ثقل العمائم.

وإذا كنت قد برزت من سهول الحجاز فسوف لا يجد لك الحجازي طعماً ، وسوف لا يفهم لك معنى ، وسوف لا يعرف من أنت ، ما دامت في الحجاز كتب البلاغة السقيمة ، وما بقي النشء المكي يتلقى عن عشرائه في أيام " القيلات في البصارة " قصائد في الغزل البارد والنسب الميت لبعض نظامين سخفاء .

ويا أيتها الناشئة الحجازية المتعلمة . حطموا عن خيالاتكم هياكل الإجلال لهذه الأسماء إنما عظموها باعتبارهم كشعراء أو كبلغاء ، واحرقوا تلك الأوراق، وامحوا تلك القصائد وهاتيك المقطعات المأخوذة من تراثهم ، وطهروا أفكاركم الصغيرة الحرة من تلك الأمراض والسموم وتلك الجراثيم والميكروبات والأوبئة([23]) " . ومنه قوله : "ولا تهتم للإفصاح ، بل للفكر والوعي ، ولا يزعجك تصريحاً ، فإن فعلت تجد من الأدباء تجريحاً .

  فما يستمرئ الأدباء ما سأقول في الأدب ولا في حامليه كما تكون حمالة العنب ([24]) " . ولم يرضَ ذلك زملاؤه منه فأنكروا عليه .  ومن هؤلاء : عبد الوهاب آشي الذي قال في تقديمه كتاب " خواطر مصرحة " الذي نشره العواد في عام 1345هـ/ 1926م) : " وهناك نظرة أخرى نحب أن نناقض الأستاذ فيها، وهو تغنيه (بالغرب)، وولوعه بذكر  عجائبه وتمجيده ، ودعاؤنا إلى مضاهاته ، مما تكاد مقالاته لا تخلو منها إنه لحسن في ظاهره ، ولكن رويداً . ما  هو الغرب ؟ وما عجائبه ؟  أليس هو أوربا التي لا تزال تهددنا أهوالها لا عجائبها وتجد في سحق معنوياتنا من وجه الكون ؟! وهل ما أنجبته سوى المدمرات الموبقات؟ وإن كان لديه من حسنة فما هي إلا نتيجة تحديه لمدنيتنا السالفة . أضعناها فورثها أبناؤه ، وأهملنا فاتخذوها حلية لأنفسهم يفتخرون بها علينا ، فواهاً علينا واهاً .

كان الأحرى بالأستاذ أن يرجع بنا إلى ما كان في عهد أجدادنا الغابرين أساتذة العالم ورواده في ميادين العمل الصحيح، والمدنية القويمة ، ففيه الغنى عن ذكر أي مفخرة يجب أن تحتذى بعده " . ([25])

وأمثلة هذا الاتجاه عند العواد كثيرة في شعره وفي نثره . ولما كان أثر الأدب المصري والشامي ظاهراً في بداية أدبنا الحديث تلحظه في بدايات العواد ، وحمزة شحاته وحسين سرحان ومحمد سعيد عبد المقصود وعبد  الوهاب الآشي وأمثالهم فإن هناك ظاهرة في الأدب المصري لم يتأثر بها من أدبائنا إلا قلة من الشعراء ، وأشهرهم أحمد قنديل وتبعه آخرون كالثميري رحمها الله ، ثم ظهر من تأثر قنديل والثميري في هذا السبيل أعني ماسموه الشعر الحلمنتيشي ذلك الذي برز فيه المصريون معارضة مثل قـول أحدهـم :

أمن تذكر رعي النوق والغنم  ضربت نفسك يا حمدان بالصُرم([26])

معارضة لميمية البوصيري :

أمـن تذكر جيران بذي سلــم   مزجت دمعاً جرى من مقلــة بدم

ومن ذلك قول حسين شفيق المصري معارضاً معلقة طرفة بن العبد :

لخولــة أطـلال ببرقـــــــة ثمهـد تلوح كباقى الوشم في ظاهــر اليد

يقــول : ([27])

لزينــــــــب دكـان بحـارة منجــــــــــد تلـوح بها أقفـاص عيــش مقـدد

وقوفاً بها صحــــــبي علـى هزارهـا يقولون لا تقطع  هزارك واقعــد

أنا الرجل الساهي الــــذي  تعرفونه حويـط كجـن العطفــــــــة المتلبد

وأجلس وحدي على القراءة عاكفاً ولـي لمبـة فيهـا شريط ملهلـــــب

أحقق عيــني طول ليلــي ولمبـتي   مُسَروْقة والسقـف منهـا وهبــب

وآكل مشاً فيــه أحـــــــدق جبنـة   مفلفلـة منهـا دمـــــــوعي تشلـب

وليـس سميـري غيـر قلـــــــة ميّة   مزفـتة فيها خـروق تسرســــــــب

وفي الحيط برص صارخ كل ليلة   وفي السقف فيران تبيب تكوكب

كأني في وادي العفاريت ساكـن   فقلبي في بطني يعـــــوم ويرسـب

ويلسعنـي لهلـــــــوط بـرد يلمني   كأنـي إذا قرفـت منــــــــــه مكبب

كذلك أقضي الليل بردان خائفاً    وفي هذه الأهــــــوال أقرأ واكتب([28])

وقد تعشق هذا المذهب بعض الرواد في بلادنا مثل : أحمد قنديل كما أسلفت وهو أشهرهم ، ومنه قوله في هذا :

  عرفت من ذات نفسي غير ما عرفوا

           فمـن يلـوم إذا مـا قمـــــــــــت أعترف

  فمـا تهويـت من شهرين قد مضيــــا

           في البيت أجلس وحدي فوقي اللحف

  وقـد تعجـب من حالي بلا سبــــب

           ألبـاب والعقـب والروشان والقفـــــف

  كمـا تطلـع نحوي زائـراً أبــــــــــــــداً

           في سقفه القندل المرصوص والخصــف

  هـل تعلمـون بأنـى بين أربعــــــــــــة

           صمـاء من جدر ليست لها سجــــــف

  وكـل تمشيـتي بولطـاً أقوم بهــــــــــا

          فـوق السطــــــوح يواريني بها الطنــــف

  كـي أستجـم قليـلاً ثم يرجعــــــــني

          إلـى الفـراش دبيـــــــــــب منه أرتجـــــف

بردان قفقفـــــت من ظهري وفي ركبي

         شـيء إذا غزهـــا من جلستي أقف

قرفـان مـن هذه الدنيا وشيمتــــــــها

         غـدر وهـم ونسيان ومعتــــــــــكف

فإنـها مثلمـا قـد قـــــــــــــال صاحبنا

         ظوظو أفندي إذا جانـــــا لها يصف

خرسيـس إنرسيس دنيازي قلتـــــها

         يـا شيخ أحمد إخـــــــص إنها قرف([29])

وقد أقبل شعراء آخرون على هذا المذهب في القول .

ونتيجة لعوامل كثيرة تأثر بعض أدباء هذه البلاد بما غشي بعض أدباء العربية من تساهل أخلاقي وديني ، وبخاصة في شعر الغزل كالتعبير عن الحب بالعبادة ، والقيام عليه بالصلاة ونحو ذلك مما هو مرفوض عند  المسلم كالصلب والصليب والتغميد ، وكان ذلك  ثمرة إعجاب بأعمال بعض الشعراء العرب المسيحيين ، وغير المتأملين من بعض المسلمين .

وحين جدت الدعوة إلى العامية وتبناها أناس ضغنوا على الإسلام والمسلمين ، كان تأثير تلك الدعوة محدوداً جداً ، بل لا نكاد نجده صراحة إلا ما ورد عن محمد حسن عواد في صورة غير واضحة كمثل حديثه عن البلاغة العربية في كتابة ( خواطر مصرحة) وفي رؤى أبولون وسواه . على أن الاهتمام بالأدب العامي قد جاء صورة من صور التأثر بما كان يجري في مصر ، وهو أثر من آثار  الدعوة إلى العامية ، على أن للاهتمام بقديمه وجهاً .

والملحوظ أن الذين كانت العامية تشوب شيئاً من أدبهم من أدباء هذه البلاد لم يدعو إلى العامية ، لإيمانهم بقداسة اللغة العربية ، وما تساهلوا في بعض لفظهم إلا لأهداف سامية كانوا يتصورون أن تحقيقها لا يمكن إلا من هذا الطريق ، ومن تلك الأهداف أنهم كانوا يريدون نشر الوعي في مجتمع حديث النهوض ، ومثال ذلك ما نقرأه في بعض من أدب أحمد السباعي رحمه الله ، وحين نشط بالفكر القومي في بعض البلدان العربية كالشام مثلاً وتأثر بعض الأدباء السعوديين بذلك كان تأثرهم منقاداً للرؤية الإسلامية عندهم ، أي أنهم كانوا يفهمون القومية العربية على النحو الذي كان عليه السلف ، وهو عدم الفصل بين كلمتي ( إسلام وعرب) ، وهذا خطأ في فهم حقيقية القومية عند المتأخرين ،أو أنه عند السعوديين  شبه عمل مضاد أي أنهم كانوا وكأنهم يقولون هذا هو السبيل الأمثل في فهم القومية .

وأما قضية الشعر الحر وهو ما انتهوا إلى تسميته شعر التفعيلة فمسألة تحتاج إلى شيء من استثناء وإلى شيء من التحقيق التاريخي لنتبين ما إذا كان العواد فيه متأثراً بسواه من أدباء العربية أم أنه أتى ذلك ابتداءاً لا احتذاءاً ، على أني إلى الأول أميل ، وإن خالف بعض ما قلته في غير هذا المقام ، وحين نشط بعض أدباء العرب إلى الأخذ بالفكر الحداثي الذي شاع عند الغربيين ، وما تبع ذلك من غموض وإبهام تأثر أدباء هذه البلاد بتلك الاتجاهات في الشعر والقصة والمقالة أيضاً مشيعين في الناس أن الحداثة تعني التجديد فاعتز بهم من اغتر حتى عدوا الشكل في شعر التفعلية من باب الحداثة ، وليس كذلك إلا ما يتصل منه بالألفاظ عند بعضهم مما يعد مخالفة دينية أو لغوية فإن ذلك من باب الحداثة المرفوضة ،  لغرابتها على واقعنا الديني والاجتماعي والتاريخي ، وكل مظاهر  حياتنا العربية والإسلامية .

ويقيني أن مثل هذا الاتجاه عند أدباء هذه البلاد ما هو إلا ثمرة انبهار وانخداع غير أن اللمعة الإعلامية تمد في زمن غفوتهم ، إلا أن الحقيقة سوف توقظهم لا محالة لكن بعد ما يخسرون ذروة نشاطهم ، وعندها سوف يكون نصيب جلهم الانطواء، وفيه شيء من سلامة على أي حال .

وقد يكون التأثر عكسياً أي مضاداً ، ومثال ذلك موقف الأدباء السعوديين من قضية السفور والاختلاط وهو ما نجم عن دعوة قاسم أمين ومن شايعه من أهل عصره .

غير أن هناك حقيقة ثابتة ليس للباحث بُدٌ من لحظها ، وهي أن شعراء مصر وأدباءها قد أيدوا دعوة قاسم أمين في بدايتها فأحمد محرم وحافظ إبراهيم وأحمد شوقى كلهم أيدوا الدعوة عند بداية ظهورها ، ولكنهم عندما تبينوا خطأ ذلك الاتجاه وخطره على مجتمعهم عدلوا إلى ذمه وإلى التنفير منه وإلى الحملة عليه ، وهذا لا يعد تناقضاً  في الرأي ، وإنما هو ثمرة تبصر وطول نظر في العواقب ، وكذلك العقلاء إذا تبين لهم أن الحق خلاف ما قالوه سلفاً عدلوا عن قولهم ، وتبعوا سبيل الحق .

والذين أقاموا على تأييد دعوة قاسم أمين من مشاهير الشعراء شعراء العراق من أمثال معروف الرصافي والزهاوي  . فهل كان عمل السعوديين في معارضتهم السفور تأثراً بأولئك المصريين الذين عدلوا عن تأييد الدعوة إلى معارضتها ؟ أم كان تأثراً مضاداً كما أسلفنا ؟ غير أن الحكم لأحدهما موقوف على الدليل .

 

شخصية الأدب السعودي :

لقد بدأ الأدب السعودي المعاصر حياته مقلداً ، وليس ذلك بدعاً في الآداب بل هو ظاهرة طبعية فيها وفي سواها من شؤون الحياة ، وصورة هذا التقليد تجدها فيما اشتلمت عليه طلائع المؤلفات مثل ( المعرض ) و ( أدب الحجاز ) وشيء مما اشتمل عليه ( وحي الصحراء ) و ( النهضة الحديثة في نجد ) ونحوها .

وإذا كنا قد سلمنا بقضية التأثر في الأدب السعودي وهو من حيث هو ظاهرة عالمية في جميع الآداب بل في جميع شؤون الحياة فإن هناك رجالاً لا يقنعون منا بذلك، بل يريدون أن يفرضوا علينا أراءاً في الأدب السعودي تسلبه شخصيته المتميزة وتجعله تابعاً للآداب الأخرى العربية وغير العربية .

وهذا فهم منشـــــؤه الجهل بالأدب السعودي وما قام بشأنه من دراسات وبخاصة تلك التي أنصفت الأدب السعودي لكون أصحابها صدروا عن معرفة أنشأها الإطلاع الواسع المتقصي لأعمال السعوديين أو لجلها على الأقل .

ونحن هنا لا نريد استقصاء مظاهر شخصية الأدب السعودي ولا نريد أيضاً  ملاحقة أقوال أولئك الذين أنكروا تجلي شخصية الأدب السعودي فيما كتبه السعوديون منذ خمسين سنة تقريباً حيث جاوزوا مرحلة التقليد والمحاكاة إلى حيث الإبداع المتميز المنطبع برؤيتهم الخاصة ، والمنطلق من تجاربهم أنفسهم والمصور لواقعهم ولما يحيط بهم من بيئة طبعية وفكرية ، وما تتسم به حياتهم من سمات تتجلى في العادات والعبادات والاعتقاد والمعاملات ، وفي السلوك والأخلاق بوجه عام ، فكيف يقال مع هذا باختفاء شخصية الأدب السعودي واستمرار أثر مرحلة التقليد فيه على الرغم من وضوح علامات الاستقلال والتميز في جميع أجناسه الشعر والمقال والقصة؟!

فالأدب السعودي في تأثره لم يكن مقلداً في جميع أحواله ، بل إن مرحلة التقليد كانت قصيرة جداً ، ولم تكن عند جميعهم ، بل كانت عند  بعض من طلائع الرواد ، ولم تتجاوز عشر سنوات في بداية النهضة بعدها تكونت له شخصيته المميزة التي استصحبها في حياته إلا ما كان من أمر الانبهار بالحداثة عند بعض متأخيرهم ، أحسبها مرحلة عارضة سوف يذيبها الزمن ، ويرجع أولئك إلى طبيعتهم وبيئتهم النقية .

والذين يقولون عن الأدب السعودي : إنه مقلد إنما يستصحبون قولاً عن بعض أولئك الرواد وبخاصة في بداية مشوارهم الأدبي ، واستصحاب مثل ذلك الحكم كثير عند بعض الباحثين في الأدب القديم والحديث على حد سواء ، وهو ما لا يجوز لباحث جاد الأخذ به على إطلاقه .

والذين يريدون الوقوف على الشخصية المتميزة للأدب السعودي عليهم أن ينظروا على سبيل المثال في أدب الزمخشري والقرشي وسرحان ومحمد السنوسي ومحمد الفهد العيسى ومحمد هاشم رشيد ومحمد العيد الخطراوي وإبراهيم العواجي وحمد الحجي وعبد الله بن خميس ومحمد الشبل وأحمد سالم باعطب ومحمد الدبل وغازي القصيبي ومقبل العيسى وأمثالهم كثيرون ، وإنما ذكرت هؤلاء للتمثيل ، واقرأ على سبيل المثال هذه النصوص المأخوذة أخذاً عشوائياً من شعر حمد الحجي وعدنان العوامي ومحمد السنوسي ومحمد هاشم رشيد وحسين سرحان وطاهر زمخشري .

وانظر هل تجد  فيها ما يشهد بتميزها واستقلالها ودلالتها على أصحابها وانطباعها بطابعه ، ثم تأمل هل تستطيع ذلك ؟

 

يقول حسين سرحان : ([30])

الربيـع الجميـل صـار خريفـــــــــــاً   والملـيء الحفيـل أمسـى سليبــــــا

وعلى الروح أوصدت ألف باب   تتحــداه أن يطيــق الهروبـــــــــــا

وشبـابي نضوتــــــــــــــه خلقـاً رثـا   وقـد كـان أمـس غضـاً قشـــــــيبا

وترانيمـي الكواعـب  أصبـــــحن   علـى طــــــــول مـا يعانيـن شيبــا

ولقـد كنت طائراً يألف الضـــــوء   ولا يألـف الدجـــــــــى الغربيبــــا

وأنـا الآن لا تطبــــــــــــق جفونـي   رؤيـة النـــــــــــور نازحـاً أو قريبـا

قابـع في عمايـــــــــــــــة من ظـلام   أوجـس الخوف أو أعد  الذنوب

تترامـى حولي الوســـاوس والأو    هـام تشتـد أو تـدب دبيـــــــــــــبـا

ويقول طاهر زمخشرى : ([31])

أغرقت يا بحر في مجراك أحلامي   فهل سترضى بـأن أحيا بأوهامي

لي عند  لجك تحــــــت الماء متكأ   تحـوم حولي بـه أطياف إلهـــامي

إليـه أقتحـم الأهوام معتصــــــماً   بمـن يراغـم إصراري لإقحـــامي

وفيه أغفو وتصحو للرؤى صور   شتـى تناغم إحساسي وأنفـاسي

ومعزفـي خافق جاش الحنين بــه   لكن بمـا يتنــــــــــدى زاد إيـلامي

يقول حمد الحجي : ([32])

في سكون الليل قدت الزورقـــــا   قاصـــــــداً  شطء رجائي الشيقـا

مبحـراً نحـو الغد المجهـــــــــول في   حلكـة لـم أجــــــــــــــل فيها أفقا

كـم يثور البحــــــر حولي مزبداً   لاهـب الغضن مغيـــــــــظاً محنقـا

حملـت أمواجــــــــــه مـن قاعه   زعقات الذعـــــــــــــر ممـن غرقـا

رب ضـل العقـل في غيهبـــــــــه   فارحم اللهم عقـــــــلي المرهقــا

زورقـي فـوق مياه عصفــــــــت   بـات مجنونـاً وباتــت زئبقـــــــــــا

عشـــــــت بالأنجم من سلسالها   أعرف الضــــــوء وأطفي الحرقـا

ثــم ماتت فسمائي صخـــــــــرة   يبست بعـد كريـم المستـــــــــــقى

كان في كائسي بقايا صحــــــــــــــوة  أهرقت في الـــــترب فيما أهرقـا

لا تقولي كيف فارقت المنـــــــــى ؟  كيـف حطمــــــت  صباك الريقا

أنا  أدرى منك بالعقـــــــــــــــبى فللـ  ـلأفق السامي نصبــــت المرتقى

ودعونـي يا رفاقي واذهبـــــــــــــــوا  وامضغوا الأحلام حتى الملتقى

سـوف أغفو يا نداماي فـــــــــــــــــإن  طلـع الفجـر فحيوا المشرقـــــــــا

وانفخـــــــــــــو في جدثي من روحه  واغرسوا فـوق ثراي الزنبـــــــقا

يقول  محمد علي السنوسي : ([33])

ارتفـاع الأذان فـــــــــــــــوق المــآذن  في انبلاج الصباح والليل ساكن

دعـوة تحمـل الحيـــــاة إلى الكـــــون  وسكانــه قــرى ومدائــــــــــــــــن

ونـداء مـن السمـــــــــاء إلى الأرض  إلــى ظاهـر عليهــــــــــــا وباطـن

ولقــــــــــــــاء بيـن المـلاك والإيـمان  والمؤمنيـــــــــــــــن مــن غيــر آذن

وانطـلاق إلى الفــــلاح ، إلى الخير  إلى الحـق والــــــهـدى والمحاسـن

كلمــا ردد المـــــــــــــــــــــؤذن لفظــاً  شعشـع النـور وانجلى كل غاين

نغمــات كأنــها نسمـــــــــــــــــــــات  رقرقتهـا خمائــل وجنائـــــــــــن

تتنــــــدى بهـا النفـــــــــوس وترتـاح  ارتيـاح الربـى بقطـر الهواتــــــن

تمسـح الأرض مـن غبار الملاهــــــي  ودخـان الهــــوى ولهـو المفاتــن

كل حرف من لفظه كل معنى  مـن معانيـه يستـــثير الكوامـــــن

رددتـــه منابــر وقبـــــــــــــــــــــــــــاب  تتعالـى ورجعتهــــــــــا ملاســن

فـأدره يـا رب ملء الأحاسيـــــــس   ومـلء النهى وملء الشواجــــن

وامـلأ النفـس من شذاه عبـــــــــيراً  واملأ الروح من صداه ملاحـن

أذن الفجـر يـا فؤادي ولاحــــــــت  قسمات الضياء فاسمع وعايـن

وتأمـل رؤى تشــــــــــف ودنيــــــــا  تتجـلى ســـــــــــــــرائر وعلائـن

أشرقـت فامحـى الظــــــلام وزالـت   كسـف من سحائــــب ودجائن

فالتمـس من خزائن الله ما شئـــت   نــــــــوالاً فليـس للـه خــــــــازن

ويقول عدنا السيد محمد العوامي : ([34])

مـن أرض لبنـان هذا الشـــادن الخضر

         مـن خصلتيـــــه سرايــــا الفتح تنهمـر

يـذود بالـدم عن أرضــــي وعن شرفي

         أيـن الجيوش تولــــــت مالـهـــــــا أثـر

يـا مـن تدافــع عن أعــــراض أمتهـــــا

         بالمعصمين ، حناناً ، كيـــــف أعتذر

إنـى وعينيك لا أدري أيشفـع لي

         أن أغنيـك شعـراً كلـه هـــــــــــــــــــذر

أنا من القوم ، ذات القوم ما اختلفت

         لهم وجوه ولا اهتزت لهم صــــــور

فمـا تـلألأ مـن أسيافهم وهـــــــــج   إلا وفي هامهم من نصلها طـــــرر

من دير ياسين لم تشهر خناجرهم    على عدو ولم يقدح لهم شـــــرر

ولـم يزل حظهم في الروح زلزلـــة    من المآتم إن صاغـــــــوا وإن نثروا

إذا استشيروا تنــــادوا من منابرهم   يا عُصبة الشعر سلوا الشعر تنتــصروا

هـزوا القصــــــــيد فهذا مهر عنترة   حامي الديار وذي الخنســاء فافتخروا

تسلحــــــــــوا بالقوافـي إن أمتكــم   لها من الشعر مالا يملك البشـــــر

نعم الأشاوس، من أسمى مآثرهم متـى يجـر وأنى ينصــــــــــب الخبر

يقول محمد هاشم رشيد : ([35])

هـذا العريـن وهـؤلاء أســـــــــــــوده     رفعوا صروح المكرمات وشادوا

وتطلعـوا لغـد العروبـة كلهــــــــــــــا   والأفـق نـار والدروب رمـــــــــاد

فاخضوضرت صحراؤهم وتبسمت   جنباتهـا ، واهتـزت الأطــــــــواد

وعـدت لكـل المسلمـين مثابـــــــــــــة   إن ضاق مطـــــــرح ، وعز مهـاد

وحمى يفئ إلهـي كـل مناضـــــــــــل   كسرت شباة حسامــــــه الأحقاد

  ومجاهـد في الله مـزق صوتــــــه بطـش الطغاة وغاله الإلحـاد

على أني لا أنفي وجود مقلدين فذلك شأن كل مجتمع أدبي .

على أن أكثر ما تجد التقليد في بعض مجتمع الناشئين الناظرين إلى ما وراء الحدود، ومما هو جدير بالذكر هنا أن المقلدين إلا أقلهم إنما كانوا يقلدون شعراء العربية من السابقين المحسنين كذي الرمة ، وأبي تمام ، والبحتري ، وابن زيدون ، والمتنبي ، وأمثال هؤلاء ، وإنما كان عند بداية اليقظة الأدبية ، وقد يقلدون حيناً بعض المتأخرين من أدباء العصر الحديث ، ولكن ذلك يأتي على قلة قليلة ، ويكون في بداية مشوار الأديب عادةً في مدة قصيرة ، وفي أعمال محدودة على أي حال .

ومثل ما كان التأثر في الشعر كان في النثر أيضاً فمحمد حسن عواد كان يتأثر منهج العقاد ، وحسين سرحان كان متأثراً بالمازني وبخاصة في الهزليات ، واقرأ إن شئت (ذيل الطاووس) أو ( أديب يسخر من نفسه ) أو ( كراث بن ليمون الفجلي ) ونحو ذلك من مقالاته رحمه الله ، لكنه بعد مدة وجيزة جداً استقل بشخصيته السرحانية .

وكذا تكون بدايات المطبوعين من الأدباء تأثراً واحتذاء لا يصل إلى حد التقليد الذي يذوب فيه اللاحق في السابق حتى يكون صورة له مكررة أو مسخاً مشوهاً ، ولكنه اقتداء واحتذاء ، وكذلك كان صنيع حسين سرحان مع المازني وفي سخرية كل منهما من نفسه ، أو سخريته من الآخرين .

ثم هو لون من أساليب معالجة المشكلات الاجتماعية أحسبه من أنجحها ، ومن المهم جداً أن نعلم أنه لا دليل على مثل هذا التأثر سوى خبر الاتصال بالمؤثر من طريق الأعمال المتأثرة نفسها ، أو من طريق الخبر ، وحكمنا يغير هذين الدليلين يظل ظنياً مالم يؤكد بواحد من هذه أو بخبر ، ونحن لم نجد شيئاً من ذلك عند حسين سرحان ولاعند جل أدبائنا .

فالتقليد إذن منتف ، ويبقى الحكم الظني متجهاً إلى التأثر إلا ما كان عند محمد حسن عواد الذي تدل أقواله على تعشقه مذهب المهجريين الشماليين والشاميين وبعض من المصريين وبخاصة عباس محمود العقاد الذي كان العواد يترسم خطاه في الشعر والنثر على حدٍ سواء غير أنه لم يدرك شأوه فيهما ، ولا في واحد منهما إلا ما كان من الصلف في نفذ الآخرين ذلك الذي شابه فيه العواد العقاد بمسافات بعيدة ، بل إن العقاد لم ينتقص البلاغة العربية ولم يهون من شأن أعمال أدباء العربية ، بل كان يشيد بهم وبأعمالهم ، في حين كان العواد على خلاف ذلك كما  هو في ما أسلفنا من بعض أقواله إلى ما عنده من تساهل لغوي ، على أن ذلك لا يسلبه الريادة في الدعوة إلى التجديد ، ومحاولة ممارسته في أعماله الشعرية والنثرية .

والذى لا يحتمل الشك هو أن تأثير التراث في أدب هذه البلاد أظهر ، وهذا أمر طبعي بحكم واقعها قديماً وحديثاً ، وهذا هو سر اتسامه بالنظافة في شكله ومضمونه ، وما ندَّ منه عن هذا السبيل فهو شاذ لا حكم له ولا قياس عليه .

وفي مثل هذا لا بد من أن نجبه بهذا السؤال :

ألم يؤثر الأدب السعودي كما  تأثر ؟

والواقع أن عملية التأثر والتأثير بين الآداب تظل دائماً في مد  وجزر ، وما من أدب إلا له نصيب من التأثر والتأثير قد يكون ظاهراً ، وقد يكون خفياً ، وهذا راجع إلى وضوح الدليل أو خفائه وإلى قوة التأثير أو ضعفه ، ولا بد من أن يكون للأدب السعودي من التأثير نصيب قد يكون ظاهراً في آداب أطراف الجزيرة أكثر منه في غيرها لكنه موجود وأجلى مظاهر وجوده المحافظة والاستقامة والتجافي عن كل ما يعد خروجاً على الدين ، وهذه من أهم  سمات أدب هذه البلاد المباركة إن شاء الله .

ومنه الاعتدال الذي هو من أظهر سمات الحياة في مجتمعنا السعودي ، وهي سمات ما هي بالجديدة ، بل هي قديمة قدم تاريخه الإسلامي ، ولا بد من أن يكون قد ألقى شيئاً من خلالها على بعض أعمال بعض العرب والمسلمين وبخاصة أولئك الذين يقصدون هذه البلاد المباركة للحج والاعتمار أو العمل أو التعليم أو نحو ذلك من شؤون الحياة ، وأحسب ذلك واضحاً في أعمال كثيرين من المسلمين لا في الأدب وحده، بل في جميع مناحي الفكر ، وبخاصة في الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك .

ولا بد لنا من التفاتة إلى أقوال بعض الباحثين في هذا المضمار :

يقول الدكتور محمد أحمد حمدون بعد ما نقل عن أمين الريحاني ــ في كتابه ( ملوك العرب ، أو الرحلة في البلاد العربية ) ــ وصفه الشعر في نجد بالتفاعل مع الأحداث والحيوية لولا ما في لغته من وهن . يقول الدكتور محمد  أحمد حمدون تعليقاً على ذلك: " الذي بدا غير طبيعي هو استمرار هذا الأدب وأدبائه في معزل عن نهضة أدبية شاملة بدأت تطل معالمها في مصر والشام والعراق والمهجر " . ([36])

والواقع أن الحروب التي شغلت بها الدولة العثمانية ، ومحمد علي الدولة السعودية الأولى والثانية وصدر الثالثة هذه الحروب هي التي شغلت الناس في هذه البلاد إلى ماكان من فرض اللغة التركية على التعليم والدواوين ثم الصحف في الحجاز ، ذلك كله شغل الناس عن التفكير والنظر فيما عند الآخرين ، ودليل ذلك أنه عندما انتهى أمر العثمانيين في هذه الديار اتجهت البلاد إلى العمل فيما يصلح شؤون حياتها . وينتهي صديقنا الدكتور حمدون في ذلك إلى القول : (وكان أقصى ما استطاعته حركة هذا الأدب في تلك الفترة هو أن يحاكي بعض رجاله نفراً من المهجريين أو غيرهم دون أن يكونوا لأنفسهم شخصية أدبية مستقلة ، ولعل هذا هو ما دفع عميد  الأدب العربي في مصر آنئذ الدكتور طه حسين إلى أن يصدر مقالة عن الحياة الأدبية في جزيرة العرب في الثلاثينات من القرن العشرين ، يصرح فيها بأن شعراء الجزيرة لم يوفقوا بعد أن يكونوا لأنفسهم شخصية أدبية ) . ([37])

وهذا القول فيه نظر من وجهين :

الأول : أنه يبدو أن الدكتور حمدون فهم أن ما يعنيه أمين الريحاني كان في العقدين الخامس والسادس من القرن الرابع عشر للهجرة ، في حين أن الريحاني كان يعني ما هو قبل ذلك .

والوجه الثانى : أن محاكاة السعوديين آداب أدباء الأقطار العربية الأخرى كان في مدة قصيرة هي العقدان الرابع والخامس من القرن الرابع عشر للهجرة ، ومقالة الدكتور طه حسين كانت بعد ذلك ، وهي مردودة بما قاله زميله محمد حسين هيكل في المقدمة التي كتبها لكتاب " وحي الصحراء " ، وهو قوله : " وقل أن تقف عند شىء يشبه القديم من الأدب العربي ، فالأسلوب والصور وطرائق التفكير والتعبير ... تجري كلها مجرى ما تقرؤه في أدب مصر وسوريا والعراق وغيرها من البلاد العربية في هذا العصر الأخير ، بل تجري مجرى الصور الأخيرة لهذا الأدب الحديث في تلك البلاد ، فأنت ترى شعراً منثوراً ، وترى أوزاناً في الشعر من أوزان المدرسة الحديثة ، وترى تفكير هؤلاء الأدباء مصوراً في قوالب تكاد تردها إلى مصادرها في تفكير العصر الحاضر وأدبه "([38]) . على أن بعض أقوال الدكتور هيكل قد بلغت في رفع درجة التأثر إلى حد يدينها من التقليد . أما قول طه حسين في كتابه ( ألوان ) فإنما كان يعني به ما كان قبل منتصف القرن الرابع عشر للهجرة بدليل قوله في تقديم ( الأمس الضائع ) أحد دواوين حسن قرشي، وهو قول يملي علينا ما فيه إطالة النقل منه في صورة مقتطفات حيث يقول : (ويرسل إلينا بين حين وحين نسمات حلوة ومرة ، فيها لين ورحمة ، وفيها شدة وقسوة ، وفيها دائماً صفاء يسرح بها إلى أن تمازج الأرواح ، وتملأ القلوب روعة وسحراً ... وهؤلاء شعراء الحجاز المعاصرون قد أخذوا يصلون القديم بالحديث ، ويردون إلى الحجاز مجده الفني العظيم ...

آن لي أن أغير ما قلته منذ عشرين عاماً من أن الحجاز لا شعر فيه ، وما أكثر ماتتغير حياة الأجيال في عشرين عاماً لم يكن في الحجاز شعر ذو بال ، ولكن في الججاز الآن شعر له خطر أي خطر يتغنى به رجال قد كادوا ينفضون عن أنفسهم ثياب الشباب، ويتغنى به رجال يستقبلون الشباب  النظر الغض في نشاط وأمل وثقة وإيمان ، ويتغنى به صبية سمعت بعضهم في المدينة لم يكادوا يبلغوا طور الشباب .. . وفيه أشياء كثيرة أخرى تحسها ، ولا تكاد تحققها هي أشبه شيء بهذه الأشياء التي تثيرها الموسيقا الرائعة في قلبك وعقلك ، فتملك عليك أمرك كله ، فإذا أردت الإعراب عنها لم تجد إليه سبيلاً، وفيه على كل حال هذه العذوبة الرائعة الشائعة التي تنسل إلى النفوس فتشعرها رضى حلواً لا يخلو من حزن ضئيل يجري فيه مجرى خفياً .. وهو يدنيك معه حين يدنو وينئيك معه حين ينأى ، وهو يغري حتى توشك أن تستجيب لإغرائه ، ثم يرتد كما يغريك به فترتد معه دون أن تجد في ذلك مشقة أو عناء ، ودون أن يمسك من ذلك ألم أو أسى .

وفي لغة شاعرنا جدة ويسر يدنيانه إلى الفهم ويؤذناك بأنه منك وبأنك منه ، وعليه مع ذلك مسحة من رصانة البادية تذكرك بشعر الحجاز في أزهى عصوره وأروع جزالته، وليس في ذلك شيء من الغرابة ،  فنفس شاعرنا تعيش في أشد البيئات اتصالاً بالحضارة الحديثة وإمعاناً فيها ، وهو يعيش في الحجاز والبادية منه قريب . فهو جديد قديم ، وهو حاضر باد ، وهو قريب منك بعيد عنك .. . وإنى لسعيد بأن يعرف العالم العربي هذا الشاعر المجود من شعراء الحجاز .. ولو لم يكن لهذا الديوان إلا أنه يبشر البيئات الأدبية العربية بأن مهد الشعر الحجازي الإسلامي قد استأنف مشاركته في إغناء النفوس وامتاع العقول والقلوب لكان هذا كثيراً ، فكيف وفيه فوق هذا كله ما في الشعر الجيد الممتع مايشوق ويروق ويرضي طلاب الرصانة وعشاق الجمال "؟! . ([39])

فإذا كان الدكتور طه حسين قد نص على عدوله عن ذلك القول الذي احتج به الدكتور حمدون فإن ما عدل عنه الدكتور طه حسين من قوله لم يعد صالحاً للاحتجاج به ، وقوله هذا فيما سلف هو " آن لي أن أغير ما قلته منذ عشرين عاماً : إن الحجاز لا شعر فيه ، وما أكثر ما تتغير حياة الأجيال في عشرين عاماً لم يكن في الحجاز شعر ذو بال ، ولكن في الحجاز الآن شعر لـــه خطر أي خطر  " فلعل الدكتور حمدون لم يطلع على هذا القول الأخير للدكتور طه حسين أو لعل له في ذلك رأياً ، علماً بأن ديوان حسن قرشي ( الأمس الضائع ) الذي ورد قول الدكتور طه حسين في التقديم له قد طبع أكثر من مرة ، وما أحسبه بعيداً عن أيدي الباحثين ، ومما يرجح عدم اطلاعه عليه أنه لم يرد ذكره في ثبت مصادره في بحثه المشار إليه سلفاً .

وإذا جاز لي هنا ذكر شيء من أحاديث دارت بيني وبين الدكتور طه منذ قرابة ثلاثين عاماً فإن منها أني سألته عن هذه المقالة التي اشتمل عليها كتابه ( ألوان ) فقال : ألم تقرأ ما قلته بعد ذلك عن " وحي الحرمان " للأمير عبد الله الفيصل ، وعن " الأمس الضائع " لحسن قرشي ؟

قلت : أما في " وحي الحرمان " فقولك فيه : محتمل لأكثر من تفسير ، وبخاصة أنك أوشكت على أن تجعله صورة لشعر بعض شعراء مصر ، كما فعل اللبكي حين أراده على أن يكون صورة لشعراء لبنان .

وهذا يعني الحكم على ديوان " وحي الحرمان " بأن ما فيه تقليد ، وما أحسبه كذلك لما فيه من شواهـــد الاستقلالية . وأمــــا قولك عن " الأمس الضائع " فلم أقرأه بعد ، فلم يزد على أن لامني على هذا ، ثم قال : ليس عجيب أن تذهبوا في الأدب شأواً بعيداً، وإنما العجيب ألا يكون ذلك منكم .

إن الجزيرة العربية هي مهد الأدب قديماً ، ويجب أن تكون مهده حديثاً ، وأنتم اليوم لديكم من المخولات ما يؤهلكم لزعامة الأدب والفكر بعامة إن أحسنتم استثمار هذه المخولات . قلت : ألا تكتب في هذا ؟ قال : سأكتب إن شاء الله ، ولم أقرأ له في هذا شيئاً بعد ذلك .

وقد تجر مناسبات أخرى إلى رواية أجزاء من ذلك الحديث الذي تجاوز زمنه ثلاث ساعات كان استبقاؤه إيانا السبب في طوله .

وأكثر من قول حمدون إيغالاً في الحكم على الأدب السعودي بالضعف والتقاصر عن منزلة آداب الأقاليم العربية الأخرى قول بكري شيخ أمين : " إن إلقاء نظرة عامة وشاملة على الآثار السعودية المطبوعة خلال أربعين سنة تقريباً تدفعنا إلى الاعتراف بأنها لا تزال في معظمها دون مستوى المؤلفات العربية في البلاد المجاورة ، موضوعاً وأسلوب بحث " . ([40])

وهذا قول ظاهر البطلان وله نظائر في ( الحركة الأدبية ) هذا الذي يمثل اضطراباً في الفهم ، وتناقضاً في الرأي ، وعلة ذلك التعجل الذي كان يدلج المؤلف في طريقه .

وعلى أي حال فإن الحركة الأدبية شأنها كشأن مؤلفات أخرى وضع عليها لفظ (الأدب السعودي ) من أجل أهداف تحقق لأربابها منها أكثر مما يتوقعون ، وإذا كان لهذه من خدمة للأدب السعودي فإنها تتمثل في الجانب الإعلامي أكثر منها في الجوانب العلمية .

ومهما يكن من أمر هذا التأثر في أدبنا فإن هذا ليس ببدع في عالم الأدب ، بل في جميع شؤون الحياة ؛ إذ إن الإنسان في جميع شؤون حياته متأثر ومؤثر ، وإذا مر في حياته بحقبة من التقليد فإنه لا يقيم عليها ، بل لا يلبث أن ينزع عنها ، ويستقل بشخصيته، وكذلك كان شأن أدبنا .

 

مجالي وضوح شخصية الأدب السعودي :

وأكثر ما تتضح فيه صورة شخصية الأدب السعودي الأصالة في الشكل والمضمون على حد سواء ، وأجل مظاهر هذه الأصالة يتضح في جوانب العادات والتقاليد ، والالتزام الأخلاقي ، وهو نوع من التزام أوسع وأعم وأشمل وأكمل ، وهو الالتزام الإسلامي والعربي .

ولعلكم تسألون عن سر عطف العربي على الإسلامي . وأقول لكم بأنه عطف طبعي لكون المسلمــــين من السلف الصالح ما كانـــــوا يفرقون بين اللفظين لفهمهم أمرين مهمين جداً أولهما : فهمهم حقيقة الإسلام ، وأنه جعل مناط المفاضلة بين الناس التقــــوى ، وذلــــك في قولـــه تعــــالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَـكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُـمْ }([41])، وقول النبي – e  عن أبي هريرة – t– قال : " سئل رسول الله – e – أي الناس أكرم، قال : أكرمهم عند الله أتقاهم " . الحديث([42]) . وعن عقبة بن عامر – رضي الله عنهما – قال : إن رسول الله – e – قال : (إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد كلكم بنو آدم طف الصاع لم يملؤه ، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى وكفى بالرجل أن يكون بذياً بخيلاً فاحشاً ) . ([43])

والثاني : معرفتهم التامة لطبيعة العرب وعادتهم ، ومنها أنهم يخلطون من جاورهم بأنفسهم ، ويمنحون من والدهم مثل حق الواحد منهم .

فمن اتخذهم قوماً ، ومواطنهم وطناً ، ولغتهم لغةً صار منهم ، وإن كانوا يعدون مثل هذا السلوك ولاءً .

وما حصل التفريق بين اللفظين عرب ومسلمين إلا في الزمن الأخير عندما بعد الخلف عن روح الإسلام وسلوكيات المسلمين .

وحين نشطت الشعوبية متسترة باسم الإسلام ، واستطاع أعداء الإسلام غرس روح القومية في نفوس الناس ليفرقوا بينهم ، وبذلك تسهل السيطرة عليهم جميعاً . وحين كانت الشعوبية هي التي مهدت لهذه الفرقة السبيل ، وما يزال كثيرون من الناس يجهلون هذه الحقيقة ، وينطلقون في تصرفهم وأحكامهم من هذا الجهل دون أن ينظروا فيما كان عليه السلف الصالح من الأمة ، ودون أن ينظروا أيضاً في منطلق الدعوات القومية ومصادرها .

ويكفي أن نعلم على سبيل المثـــال أن ( ساطــــع الحصـــري ) و ( ميشــيل عفلق ) لم يكونا عربيين نسباً ، وأن ( ساطعاً ) لم يكن عربي اللسان أيضاً ، وهذا موضوع يطول الحديث فيه ، غير أن هذا لا يعنى إغفال فضل العرب الذين بعث النبى – e – فيهم ، ونزل القرآن الكريم بلسانهم ، وهذا يعنى أن العرب أفضل من غيرهم كما شهدت بذلك الأحاديث الشريفة ، وقرره السلف الصالح من الأمة ، وهذا موضوع يطول الحديث فيه أيضاً([44]) . قال ابن تيمية : " ولحفظ شعائر الإسلام فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي ، وبعث نبيه العربي ، وجعل الأمة العربية خير الأمم ، فصادر حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام " . وله في الموضوع أحاديث .

فلنعد إلى ما نحن بصدده من الحديث عن شخصية الأدب السعودي . إن من مظاهر وضوح شخصية الأدب السعودي إضافة إلى ما سلف ما تجده فيه من أثر واضح لجزيرة العرب بعامة والأماكن المقدسة بخاصة مما لم يكن تقليداً لما هو في الآداب العربية خارج جزيرة العرب ، وهو أثر لم يكن بدوياً كما يصفه بعض الباحثين العرب ، وبعض من غير العرب أيضاً ، ولكن صورة لطبيعة بلاد العرب بيئياً واجتماعياً إلى تميزها دينياً وأخلاقياً وما إلى ذلك مما عرفت به بلاد العرب قديماً وحديثاً أيضاً ، وهذا ما يظهر بطلان قول الذين يقولون بتبعية أدبنا للآداب العربية خارج حدود هذه البلاد ، وكذلك بطلان قول الذين يحكمون عليه بأنه بدوي ، ونحن لا ننفي بدوية الأدب ترفعاً فالبدو فئة من المجتمع تتسم بأخلاقيات الحضر في حاجة ماسة إلى مثلها ، ذلك أنهم أشد جلداً وأكرم يداً وأسرع إلى النجدة ، وما إلى ذلك من جليل الأخلاق والعادات والتقاليد .

لكننا نقصد إلى نفي الخطأ وإثبات الحقيقة التي يريد بعض الناس طمسها من أجل تحقيق أهداف عقول مراض ، وصدق المثل القائل : " كل ذي نعمة محسود " ، ألم تر إلى النخلة الجيدة كيف يمتليء حجرها بالحجارة ، في حين لا تجد حجراً واحداً في حجر النخلة رديئة التمر ، فكذلك الناس ، فتأمل ذلك أيدك الله ووفقك .

 

عالمية الأدب السعودي :

ومما يتصل بشخصية أدبنا مسألة العالمية التي ما زال بعضهم ينفي وجودها في الأدب، ويدعي أنه لم ينفك بعد من قيود المحلية الضيقة .

ولست أدري ما الذي يبحث عنه أولئك الذين ينفون صفة العالمية عن جميع الأدب السعودي إلا أن يكون لهم في العالمية فهم مغاير لما نفهمه من أن العالمية في الأدب هي قيامه على مشكلات الإنسان وهمومه تصويراً ومعالجة .

فأما إن كان هذا هو مفهوم العالمية في الأدب فلا جدال في أنها متحققة في معظم أدبنا على نحو ربما لا تجده فيما يسلمون له بصفة العالمية . ذلك أن جل أدبنا الإسلامي ، وفي الإسلام أعلى مراتب الإنسانية ، ذلك أنه يدعو إلى الحياة الأفضل حتى لغير المسلمين من الذميين ونحوهم إلى كونه يعمل على الأخذ بيد الإنسان أياً كان ليدله على سبيل النجاح والفلاح في الدارين الأولى والأخرى ، فأي إنسانية تماثل هذه أو تدانيها .

ولسنا في ذلك بمحتاجين إلى التمثيل فأي ديوان من الشعر أو مجموعة مقالية أو قصصية من إنشاء أبناء هذه البلاد ، أي مجموعة من هذا الأدب تصل إليها يدك سوف تجد فيها طلبتك .

خذ على سبيل التمثيل ( البعث ) لمحمد علي مغربي ، أو ( قصائد تخاطب الإنسان ) لسعد البواردي ، وكثير من كتابات الأستاذ / عبد الفتاح أبي مدين ، أو ما شئت من هذا الأدب تجد شاهد ذلك ماثلاً فيه ، فكيف يقال بعد هذا بعدم تحقق صفة العالمية في الأدب السعودي؟!

ومن الباحثين من يقيس نسبة العالمية في الأدب بما يترجم منه إلى اللغات الأخرى طباعة أو إلقاءً . وهذا معيار غير صالح ، إذ إن هناك ما ترجم إلى لغات أخرى ؛ لأن قائله أراد ذلك مع كونه لم يشتمل على ما يرفعه إلى حيث العالمية في الأدب .

وقد تعـــد الترجمة شاهـــداً على ذلك ، وبخاصــــة إذا لم تصحبها ظـــروف مغايرة لما يشتمل عليه النص الأدبي من أهداف ومضامين ، أما إذا أصبحت الترجمة مثل تلك الظروف فحكمها كحكم تلك التي يقوم صاحب العمل نفسه بترجمتها .

وعلى أي حال فإن شاهد العالمية هو ما يشتمل عليه العمل الأدبي من أهداف إنسانية سامية تتلمس مشكلات الإنسان وهمومه أياً كان هذا الإنسان كما أسلفنا . هذه فكرة جاءت عرضاً ، وسيكون لها حديث آخر إن شاء الله .

 

أهم مشكلات الأدب السعودي :

ومشكلة  أدبنا في هذه البلاد أنه منسي حتى من رجاله الذين إذا تحدثوا عنه تكشف لك جهلهم حتى بمصادره والدراسات التي قامت بشأنه، وأحسبكم ستطلبون مني مثالاً.

عزيز ضياء من الرواد الذين كان لهم سهم في مجال الأدب ، وإن كانت جل أعماله مترجمة من الإنجليزية إلى العربيــة. وحين كتب بحثه " نصف قرن في مسيرة الأدب"([45])،لم يذكر من المصادر الموجودة إذ ذاك غير نزر بعضه عن الأدب العامي ، وأهمل في ذلك كتباً ذات أهمية ، بل هي أهم كثيراً مما ذكر منها : ( التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية ) للأستاذ / عبد الله عبد الجبار ، و ( المرصاد ) للأستاذ / إبراهيم الفلالي ، والأدب الحديث في نجد لمحمد بن سعد آل حسين .

ونحن لا نقيم وصاية على الآخرين ، ولا نربط الألسنة عن الأحاديث ، ولكنا نطالب كل من يكتب عن الأدب السعودي أن يلم بمصادره ومراجعه أعمالاً ودراسات .

وأبعد من ذلك إيلاماً أن يسمى الكتاب بالأدب السعودي فإذا نظرت فيه وجدت نصيب الأدب السعودي منه لا يتجاوز 4%([46])، وأذكر أني كتبت عن واحد من هذه الكتب مقالة في جريدة الرياض ، وكان ذلك منذ سنين .

وإذا كان بعض الكاتبين من السعوديين يجهلون الأدب السعودي أو على الأقل يجهلون بعضاً من مصادره ، فلا لوم على الآخرين إن هم جهلوا الأدب السعودي أو وصموه بعدم ظهور شخصيته أو عدم مجاوزة الحدود فكرياً ، وهذا قد يعيدنا إلى الحديث عن المحلية والعالمية ، وأذكر أني قد عالجت هذا الموضوع مع من عالجه ، وكان ذلك في محاضرة ألقيتها في فرع جمعية الثقافة والفنون بالطائف منذ سنين ، ولا أريد هنا إعادة ما قلته هناك ، لكني أقول : إن العالمية لا تنقص أدبنا الذي ينقصه الإخلاص وشيء من التضحية في التوزيع والنشر خارج الحدود ، وهي مسؤولية يشترك في اللوم على التقصير فيها المؤلفون والناشرون على حد سواء .

ومن الأخطاء التي اتبع فيها أبناء هذه البلاد رجالاً من المتقدمين والمتأخرين القول بأن خصوصية أدبنا وشخصيته آتية من بدويته . من ذلك قول الأستاذ / محمود عارف : ( وأبرز خصائص طابع أدبنا هو سمة البداوة المتحضرة ، فالإطار هو جو الصحراء ، وميزات أدب الصحراء هي الحرارة في العرض ؛ والوحشة في غربة المسيرة الطويلة ، ورفيق الأحلام ، وهذه هي الصورة التي تحمل معاني أدب الصحراء ، ولا مانع من أن تنساق هذه المعاني من مسيرة الصحراء الشاسعة إلى منابع الفرح أو الحزن ، والرجاء أو اليأس، والثبات أو القلق ، وهذا هو الطابع الذي يفصل بين أدبنا وبين غيره من آداب الشقيقات العربية التي يعطر آفاقها أريح الواحات الخضر ، وبهذا يهز مشاعرها خرير الجداول والأنهار ، ولا شك أن هذا الفاصل هو طابع الشخصية في أدبنا الحاضر ) . ([47])

وقد قال بنحو من هذا كثيرون من أهل هذه البلاد ومن غيرهم ، وأذكر أني كتبت في رد هذا كثيراً ، ذلك أن منطلق هذا القول هو تصوير بعض الأقدمين ومن تبعهم من المتأخرين حياة الجزيرة بأنها بدوية ومعلوم أن جزيرة العرب منذ أقدم ما نعرفه من تاريخهــــا تتكـــون من البـــدو والحضر معــاً ، وليس في هــــذا القول نفرة من البادية ، ولا انتقاص لها فالبدو لهم خلالهم وسجاياهم المتميزة ، ولكنها الحقيقة التاريخية .

ثم إن بلادنا ليست خلواً من الرياض والغابات والحدائق الجميلة الموحية ، بل إن العيون الجارية أيضاً لم يقف تدفقها إلا في السنين الأخيرة ، والأستاذ محمد عارف يعرف هذا جيداً .

ثم إنه لو كان وجود الأنهار والمناظر الطبعية علة الإحسان في الشعر لما كان شعر المصريين والشاميين في العهد العثماني على ما كان عليه من ضعف ، وكان الشعر الحجازي أفضل منه بكثير ، وبخاصة في القرن الحادي عشر للهجرة النبوية الشريفة .

فالارتقـــاء في الأدب ثمرة عوامـــل كثيرة ما الطبيعـــة فيها إلا بعض من صورها ، وما أحسب محمود عارف قد نسي طبيعة الطائف مصطاف أهل الحجاز ونجد قبل أن يعرفوا الطريق إلى المصائف الأخرى في بلادنا ، وما يزال الطائف كذلك وإن فقد بعضاً من جماله الماضي .

وللأستاذ عارف في بحثه هذا كلمة نصفها الأول من هذا الباب ، والنصف الثاني حق ، وهو قوله : ( أدبنا المحلي المعاصر هو أدب الصحراء المتحضرة ، وليس هو أدب تقليد لأي لون من آداب الشقيقات بما في ذلك الأدب المهجري ). ([48]) فأدبنا لم يكن تقليداً ، وهو كذلك ليس بالبدوي على النحو الذي يصورونه ، ويفهم من قول الدكتور محمد أحمد حمدون أنه يرى أن الأدب السعودي لم تتبلور شخصيته إلا في أواخر القـــرن ، وأحسبه يعني الميلادي ، لطـــول تعامله معه ثم يجعل هذه الشخصيــة ما هي إلا صورة لما استوعبه الأدب السعودي من الروح العربية والإسلامية في الآداب العربية التي تشبع بها ، وتغلغلت فيه ، وذلك في قول : ( وكان من أثر هذه الدعوة أيضاً أن أصبح هذا الأدب في النهاية لا يقف عند حد التقليد والمحاكاة ، وإنما يتعدى ذلك ، وبالتدريج ليستطيع في ختام القرن إفراز استيعاب الروح العربية والإسلامية في تلك الآداب الشقيقة والتشبع بها ، لما لهذه الروح من تغلغل فيه ). ([49])

وفي هذا القول هضم لحق الأدب السعودي يبلغ حـــد الإجحاف ، وإن كان قولـــه أثابــــه الله مبنياً على أقـــوال لبعــض الكاتبين السعوديـــين أنفسهــــم أولئك الذين لم يتعمقوا حين نظروا في آداب إخوانهم ، وإلحاح الرواد السعوديين على طلب المزيد من التجديد والاستفادة من فكر الآخرين لا يعني التقليد والمحاكاة وإلا لتحولت جميع الآداب إلى هذا الطريق .

 

النقــــد :

يعد النقد من أهم العوامل الناهضة بالأدب والساعية به في مراقي الصعود ، ثم هو في حقيقته رافد من روافد الحياة الأدبية .

وبخاصة حينما يشتمل على دعوة صريحة جادة إلى النهوض ، كما هو عند العواد وأمثاله من الرواد الأوائل ، وإن كان يأتي عند بعضهم متسماً بالعصبية الحادة التي تحمل على محمل حسن هو الحرص على الإسراع في التخلص من الضعف الأدبي والأخذ بأسباب التجديد ، وأكثر ما كان ذلك عند العواد ، ثم عند الفلالي في
( مرصاده ) على أن من الناقدين الأوائل من اتسم نقده بالرزانة والموضوعية كما هو عند عبد الله عبد الجبار في كتابه: ( التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية ) ، وكان صدور ذلك الكتاب في حقبة نشط فيها النقد تبعاً لنشاط الأدب ، وهي العقد الثامن من القرن الرابع عشر للهجرة ، ثم اتصلت حياة النقد في صحافتنا ، وكان يأتي عرضاً في المؤلفات الأدبية .

ويعد مطلع القرن الخامس عشر للهجرة الحقبة التي نشطت فيها الحركة النقدية على الرغم مما يوجه إليها من اتهامات . صحيح أن الصلف والعصبية والنقد الشخصي قد تجرد بعض الأقلام حيناً إلى ما لا يرضى ، غير أن هذا ليس بطابع مميز للنقد الأدبي في هذه البلاد بل هو موجود في البيئات الأخرى .

غير أن الذي أود التنبيه عليه في هذه الالتفاتة اليسيرة أن الذين تحدثوا عن النقد عندنا لا يتجهون إلا إلى مصـــادر معينة محدودة ، ويغفلــون عن كثير من المصادر التي لو بحثوا عنها واطلعوا عليها لتغيرت نظرتهم إلى النقد الأدبي عندنا ، فهم إذا استشهدوا يدورون حول أسماء معينة ينقلها بعضهم من بعض ، وأكثر مصادرهم فيما قبل ثلاثين عاماً مع كون نشاط النقد الأدبي عندنا في الزمن الأخير أظهر وأوقر وأكثر موضوعية أيضاً ، ولو شئت لذكرت عدداً من أسماء هؤلاء الباحثين الذين اتسمت بحوثهم بهذا التكاسل في البحث عن مصادر النقد في الأدب السعودي ، على أن النقد عندنا قد أصابه ما أصاب العمل الإبداعي من محاولــة الانفصـــال عن التراث والتخلص من كل ما هو قديم ، وبخاصة في الأشكال والمعايير ، فهل يستطيع الأديب والناقد الانفصال عن كل ما هو قديم ، وتكوين منهج مستحدث جديد كل الجدة ؟ إن هذا يعني أن يعيش الأديب والناقد بنصف شخصيته ، وأحسب مثل هذا من الأمور التي يصعب التسليم بها إلى كونه ليس من الضروريات التي تحتم الأخذ بها ؛ " إذ لا يحتاج الأديب إلى الانفصال تماماً عن قيمه الفنية الموروثة لاستكمال عبقريته وموهبته الفردية . بل إن هذه الفردية مرهونة كما لاحظ توماس إليوت في مقاله عن التراث والموهبة الفردية باستمرارية الماضي في حاضره إنه ( الشاعر أو الأديب ) مطالب باستيعاب كل تراثه الأدبي القديم حتى تتحقق له هذه الاستمرارية . صحيح أن الأمر بالنسبة لهذا الجيل من أدباء المملكة يرجع إلى الرغبة الشديدة في كسر الرتابة والتكرار والوصول إلى تعبير حي فعال رامز ، ولكن هذا لا يصح أن يقود إلى أن يصبح الشعر صورة من أغلفة قوالب الشعر الغربي ، أو أن تصبح القصة السائدة هي القصة النقيض التي تحاول تحطيم المنطق الظاهري والانفلات من حركة الزمن ؛ لأن هذا كله يحدث صدعاً في عنصر الاستمرارية في الأدب ، ويجعل التوجيه النقدي عاجزاً متحيراً قائماً على مواقف هي في الغالب ظنية " . ([50])

وهذا الذي حذر منه الدكتور حمدون قد وقع لبعض الكاتبين وبعض الشعراء أيضاً وهو إن جاز التغاضي عن مثله في بعض البيئات غير الإسلامية فإن هذا التغاضي غير جائز في البيئات الإسلامية على أي نحو كان . غير أن موجة التقليد التي يدفعها عنف الانبهار أنست أولئك ما كان يجب ألا ينسى وأوقعتهم في أنكأ مما يدعون النفرة منه . ومثل هذه الحال قد تجد طريقها ممهداً حقبة من الزمن بعدها يكون مصيرها الانطواء الذي يسبق الضياع ، لكون البقاء لا يكون إلا للأصلح . " فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " . ([51])

ومما يجب على من يؤم أعمال أبناء هذه البلاد بالنقد أن يفرق بين عمل أديب طالت ممارسته صناعة الأدب ، ناشيء ما يزال في بداية المشوار . فالأديب الذي طالت ممارسته في صناعة الأدب لا بد من أن يكون قد نال حظاً من المعرفة بأصول الصنعة ، ولذا فإننا حينما نحاسبه نحاسب عالماً يؤخذ بكل خطأ ، وإن حمد له الإحسان الذي يجب أن يشاد به ويثنى به عليه ذلك أن النقد ليس كما يفهمه السذج إظهار المعائب والنقائص وأخذ الأديب بها .

وإنما النقد تقويم ونصح وتوجيه يعطى فيه كل ذي حق حقه بلا تجني ولا مجاملة على حساب الحقيقة والواقع ، حين يخرج النقد عن خط الاعتدال .. . يصبح قدحاً أو مدحاً ، وما هكذا يكون النقد السديد الذي يجب فيه على الناقد أن يتجرد كل التجرد من كل ميول النفس ونزعاتها الذاتية الخاصة .

أما ناشئة الأدب فإن التعامل مع أعمالهم لا بد فيه من شىء من رفق وشيء من التغاضي حيناً إلا عندما يكون التغاضي مفضياً إلى تغرير أو ترسيخ خطأ أو تفويت منفعة أو نحو ذلك مما لا يجوز التغاضي عنه ، وأن التنبيه عليه ضرورة لكن برفق وترغيب في الصالح الذي يجب أن يدل الناقد عليه لا أن يكتفي بذكر الخطأ وحسب . ثم إن القسوة على الناشيء تفضي به إلى واحد من أمرين إما المكابرة وإما الانطواء ، وفي كل منهما خسارة أدبية قد يصعب صدها .

إن أمل المستقبل منوط بالناشئين ، وعلينا أن نفهم ذلك وأن نفهمهم إياه ونهيؤهم لحمل مسؤوليته ، وما لم نكن كذلك فإننا نكون قد فرطنا في واجبنا وعطلنا مسؤوليتنا حيال الناشئين ، ثم إني أوصي أبناءنا بالحرص كل الحرص على الاستفادة من خبرات الآخرين الذين سبقوهم ، وكان لهم تجارب ضموا إليها ما ورثوه من أسلافهم الذين حرصوا على الالتصاق بهم ، والاستفادة من تجاربهم ، وكذلك يفعل الحذاق في كل زمان يكتسب العلم والعادات والأخلاق اكتساباً ، وبقدر دأبه ومهارته يكون كسبه ، فالموهبة وحدها لا تغني ، بل ولا تجدي ما لم تسند بأمرين الثقافة والمران ، وتخلف واحدة من هاتين يفضي إلى تعطيل الموهبة وربما موتها، وإذا أنتجت فهزيل لا يستحق الالتفات إليه ، وذلك كان سبب موت المواهب في عصور الضعف ، والانحطاط في تاريخ أمتنا العربية والإسلامية .

فضرورة تعاضد هذا الثلاثي، الموهبة والثقافة والمران مما تنبه له الأسلاف فأوصوا به وحضوا عليه . وهذا معلوم لدى السلف والخلف على حد سواء ، واستفادة الناشئين تكون بكثرة القراءة والاطلاع وبالإصغاء إلى نصائح المجربين ، بل طلبها بإلحاح من أجل اختصار مشوار النجاح واجتيازه بأقل العقبات والصعوبات . ثم إن على الناشيء أن يكون قوي العزيمة شديد المراس مع ما يقوم أمامه من عقبات وصعوبات لا بد من أن يقوم أمامه شيء منها قل أو كثر ، واشتد أو لان نسبياً .

وكلما ازدادت حدة الصعوبات وأمكن التغلب عليها زاد ذلك في حلاوة النجاح وعذوبته . وفي السياسة والملاينة للصعوبات مع الدأب والمثابرة أنجح سبيل إلى التغلب عليها ، وما أكثر ما رددنا قول الشاعر :

لأستسهلـــــــن الصعــــــب أو أدرك المنى

     فمـــــــا انقـادت الآمـــــــال إلا لصابـــــر

وقـول الآخـر :

أخلق بـــــــــــذي الصبر أن يحظى بحاجته

          ومدمـــــــــن القرع للأبواب أن يلجـــــــا

وقـول الآخـر :

ومـا نيــــــــل المطالـــــــــب بالتمنـــــــــــي     

ولكــــــــن تؤخـــــــذ الدنيـا غلابــــــــــــا

وما أكثر المواعظ ولكن لمن يتعظ .

ومادام الموضوع لا يلزمنا بالوقوف عند ناقد بعينه أو جماعة معينة فإن من حقنا أن يكون حديثنا عاماً يشير إلى الظواهر العامة التي قد يشترك فيها النقاد جميعهم أو يلتقي عليه كل أرباب اتجاه .

وفي البداية ليس لنا بد من القول : إن الناقد السعودي كغيره من الناقدين ليس له بد من أن يكون ذا ثقافة عامة ، وهي ما لا تقوم الثقافة النقدية بدونها . ولا بد للناقد أيضاً من أن يكون على علم بالبيئة المحيطة بصاحب العمل الذي يؤمه بنقده .

أما الثقافة الخاصة فتلك التي كونتها معارف عامة وتجارب مباشرة ، وذلك كله إلى جانب الموهبة التي لا تقوم شيء من ذلك بدونها ، فالنقد في أصله موهبة ذوقية كسائر المواهب من لم يوهبها لا يمكن أن يكون ناقداً .

والذين يمارسون النقد عندنا يمكننا تقسيهم إلى أربعة : ناقد نظر فيما كان عند الأسلاف من تراث نقدي فاستوعبه ، ثم نظر فيما عند المتأخرين فقبس منه ما يرى فيه نفعاً مع عدم اشتماله على ما يناقض ما نحن عليه من اعتقاد ، وهذا هو المنهج السليم الذي يجب أن يأخذ به المسلم لا في النقد وحده ، بل في جميع أحواله الدنيوية ، أما الدينية فقد قال الباري سبحانه وتعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً }.([52]) وقال محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم    : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ([53]). متفق عليه .

والصنف الثانى هم أولئك الذين أخذوا بالتراث النقدي القديم ولزموه لا يقبلون في الأخذ به صرفاً ولا عدلاً ، ويرون ما سواه باطلاً وظلالاً على الرغم من كون النقد متجدداً كالأدب ، ومثل هؤلاء يجب تنحية نقدهم عن طريق الأدب لكونه يفضي بالأدب إلى الجمود إذا قدر له النجاح ، وأنى له ذلك ؟!

أما الصنف الثالث فهم أولئك الذين زهدوا في القديم ورأوا في الأخذ به صورة الجمود والتخلف فازوروا عنه وعن مناهجه ، ورأوا الصلاح كل الصلاح في الأخذ بما عند المحدثين من غير العرب ، ومن العرب الذين أخذوا بدورهم عن أولئك ، فكان مصدرهم واحداً ونهجهم واحداً أيضاً ، وهؤلاء يريدون إلباس الأدب العربي غير حلته وسلكه في غير مدارجه ، ولهؤلاء سوق رائجة في صحف هذه الأيام ، بل في جميع وسائل الإعــــلام ، لكن هل سيحفظ له المستقبــل ما راج لهم في هذه الأيام أم أن كل ما صنعوه سوف يكون هباءاً منثوراً ؟ وذلك ما سوف يقرره المستقبل ، وأحسبه الانطـــواء .

أما الصنف الرابع فأولئك الذين " لا في العير ولا في النفـــير " يخبطون في نقــده خبط عشـــواء لا يلزمـــون منهجــاً قديمــاً ولا حديثــاً ، بل ربما حكمـــوا بما لم يدركــوا على ما لم يقرأوا أولئــك هم شـــرار الناقدين ، ومن فضـــل الله أنهم الأقل ، والذي أرادوه من هذا طلب الشهرة التي من أجلها ساروا يضربون في الناس يميناً وشمالاً يلتمسون المهارشـــة حتى إذا خارت قواهم من الهرش انطووا خلف سدف الهزيمة بعدما فشل فيهم التلميع .

والمهم هو أن نعلم أن الناقد السعودي لا يقل عن غيره من النقاد العرب ، وأن التنوع الذي أسلفنا شيئاً من حديث عنه موجود في المجتمعات الأخرى مثل ما هو عندنا .

غير أن الناقد السعودي يمتاز في الغالب بسمة أملتها عليه بيئته الإسلامية المتميزة ، هذا التميز يظهر في استصحابه المفاهيم الإسلامية في نقده . فكل منهم آخذ بنصيب من ذلك ، ولم يكن هذا بدعاً في نقدهم ، بل إن النقد الديني والأخلاقي كان مما أخذ به السلف الصالح من هذه الأمة ، وهذا خلاف ما يدعيه بعض الباحثين الذين بنوا أقوالهم على عبارتين نسبتا إلى الأصمعي والقاضي الجرجاني .

فأما مقالة الجرجاني فقد أساؤوا فهمها لكونه إنما أراد أن أسلوب العلماء ورجال الدين يختلف عن أساليب الشعراء ، فلو صغنا عبارته بحسب مفهومها لكان هكذا "أسلوب الشاعر غير أسلوب العالم " ، وأما ما نسب إلى الأصمعي ففي النفس منه شيء لما عرف به الأصمعي من الورع الشديد حتى إنه كان يمتنع عن تفسير آي الكتاب العزيز مخافة أن يقول فيه بغير علم ، وكذا كان لا يفسر الأبيات الشعرية التي تشتمل على ما هو من باب ذكر الأنواء ، فهو حين سئل عن معنى أشراطية في البيت :

 

قرحـاء حواء أشراطية وكفـــت   فيها الذهــــاب وحفتها البراعيم

أبى أن يجيب عن معناها الذي هو مطرت بنوء الشريطين ، قال المبرد : " حدثنى الزيادي قال : سمعت الأصمعي وسئل بحضرتي أو سألته عن قوله: أشراطية ، فقال : باسته واست عرسه ، ذلك أن الأصمعى كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء لقول رسول الله e : (إذا ذكرت النجوم فأمسكوا ) ؛ لأن الخبر في هذا بعينه مطرنا بنوء كذا وكذا ، وكان لا يفسر ولا ينشد شعراً هجاءاً ، وكان لا يفسر شعراً يوافق تفسيره شيئاً من القرآن هكذا يقول أصحابه ، وسئل عن قول الشماخ :

طوى ظمأهــــــــا في بيضة الصيف بعدما

جـرى في عنان الشعريين الأماعـــــــــز

فأبى أن يفسر : في عنان الشعريين "([54])

فإن صح القــول الأول عنه فالأرجح والله أعلم أن ما يعنيه هو شعر العلماء وما يتصل بصوغ الحقائق الدينية ونحوها .

وتلك نظرة انطلق منها ابن قتيبة في حديثه عن شعر العلماء ، وذلك في قوله : "وكقول الخليل بن أحمد العروضي" :

إن الخليـــــــط تصــــــــدع فطـــــــر بدائـك أوقـــــــع

لـولا جـوار حســـــــــــان  حـور المدامـع أربـــــــــــع

أم البنيــــــــــــــن وأسمــا والربـــــــــــــــاب وبـوزع

لقلت للراحــــــل ارحل  إذا بــــــــــــــدا لك أو دع

وهذا الشعر بيّن التكلف رديء الصنعة ، وكذلك أشعار العلماء ليس فيها شىء جاء عن إسماح وسهولة كشعر الأصمعي ، وشعر ابن المقفع ، وشعر الخليل ، خلا خلف الأحمر فإنه كان أجـــودهم طبعاً ، وأكثرهم شعراً ، ولو لم يكن في هذا الشعر إلا (أم البنين) و ( بوزع ) لكفاه . ([55])

إن أولئك العلماء قد أرادوا والله أعلم أن الخوض في المسائل العلمية الصرفة ليس من طبيعة الشعر ، ولا من ميادينه التي يحسن جوله فيها . إنهم عندما قالوا : "أعذب الشعر أكذبه " إنما أرادوا الإشارة إلى الخيال الشعري لا إلى الكذب الذي هو ضد الصدق ، وأقرب دليل على ذلك صدور قولهم عمن هو من أورع الناقدين وأكثرهم تحفظاً وتحرزاً وهو أبو سعيد عبد الملك الأصمعي ، هذا إذا صحت نسبة الأقوال إلى الأصمعي .

وإذ قد تبينت نظرة العلماء إلى الشعر فاعلم أنه لا يسع أي مسلم الخروج عن تلك النظرة ، وكذلك كانوا يفعلون إلا من شذ من العصاة ، وهؤلاء لا ينظر إلى أقوالهم ، ولا يعتد بأحكامهم .

ولنا في هذا الموضوع أحاديث أخرى في مقدمات متعددة الأسئلة التي تطرح نفسها هي هل الساحة الأدبية عندنا تعيش أزمة نقد أم أزمة إبداع ؟ ومتى يستطيع الأديب فرض نفسه على الناقد ؟ وهل يستطيع الناقد أن يقول عن العمل الرديء أكثر من أنه رديء لا يستحق الوقوف عنده ؟ وهل يمكن أن يسلم الأديب بمثل هذا القول ؟ ومتى يكون الأديب على استعداد لتفهم آراء النقاد العارفين الذين فهموا مسؤولية النقد ، وأنه موجه ومقوم ومقيم ؟

أما أولئك الذين يحملون النقد على غير سبيله فإن إصغاء الناشئين إلى أقوالهم سوف يفضي بهم إلى متاهات قد تفضي بهم إلى الضياع على أن مثل أولئك لا يحظون من القارئين بأي اهتمام غير أن المشكلة تأتي من ثناء المجاملين على ما يقدمه هواة النقد من عبث يؤذون به أنفسهم قبل إيذاء الآخرين .

ويبدو والله أعلم أن موجة هواية النقد بدأت تنحسر بعدما شعر الهواة بضيعتهم وحرجهم أمام العارفين من النقاد الآخذين بمتطلباته عن وعي وإدراك .

وأخيراً أؤكد ما قلته سلفاً من أنه ليس هناك نقد سعودي ونقد غير سعودي ؛ لأن النقد ليس كالأدب تظهر فيه خصوصيات المجتمع الذي أنشيء فيه اللهم إلا في ناحية واحدة هي الاهتمام بالقضايا الدينية والأخلاقية حيث يوليها الناقد السعودي اهتماماً أكثر ، وما عدا ذلك فلا فرق . ذلك ما أراه والله أعلم .

 

مستقبل هذا الأدب :

لا أحد يستطيع الحكم على المستقبل في أي ميدان من ميادين الحياة لكون ذلك من الغيب الذي استأثر الله به ، قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }.([56])

غير أن قياس الأمــور بما يماثلها يمكــن أن يعطــى تصوراً لما قد يكون عليه المستقبل إلا أن هذا التصور يظل ظنياً متوقعاً قد يتحقق ، وقد يأتى على عكس ذلك .

والساحة الأدبية في بلادنا تشهد متناقضات يدفع بعضها بعضاً . وهذا التدافع لا بد من أن تكون له نهاية وسنة الحياة هي أن البقاء دائماً للأصلح ، فالمسألة إذن مسألة وقت على أي حال ، ذلك أن الفطرة تشد الإنسان دائماً إلى الأصلح .

لكن إذا تحقق هذا فهل يمكن أن يكون كذلك الذي قبل ربع قرن تقريباً ؟ ربما في الجواب بـ " نعم " شىء من المبالغة في التفاؤل ، وإن لم يكن مستحيلاً ، ومما يقوي الأمل في مستقبل أدبنا الوعي بمسؤولية الأديب الفكرية والاجتماعية والقيام بحق هذه المسؤولية قياماً لا يكون بأساليب الهروب والانطواء داخل الذات ، كما لا يمكن أن يكون بالتعمية والانغـــــلاق ، وإنما يكون بالتفاعل مع المشكلات تفاعلاً مباشراً يكون فيه تلمس الحلول ، ورسم المسالك الكفيلة بالإيصال إلى الحل الأمثل .

إن أدبنا يشهد طفرة غير عاديــة ، ولا بد من أن يكون لهذه الطفرة ثمار قد تكون كما يرضاه المخلصون ، وقد تكون على غير ذلك غير أن للأصالة التي يتسم بها مجتمعنا حكمها في المستقبل ، وهذا ما يرفع نسبة التفاؤل .

وما أحســب انتظارنا ســوف يطول إلا أن تعترض هــذا الأدب انتكاســة غير عادية لا سمح الله .

ومن ينظر إلى الموجة التي ثارت في أواخر القرن الرابع عشر للهجرة ، ( آخر القرن العشرين الميلادي) ، ثم أخذت في السكون وإن لم تنطفيء جذوتها ، يعرف أن مثل هذه الموجة مخالفة لطبيعة فكر هذه الأمة ؛ ولذا فهي نبتة غربية غرست في غير تربتها فمآلها التلاشي ثم الفناء ، والمسألة مسألة وقت كما أسلفنا .

سؤال تجب الاجابة عنه وإن آلمت ؟

هذا السؤال هو : لماذا يقع بعض إخواننا من غير السعوديين في الخطأ إذا تحدثوا عن الأدب السعودي ؟

الواقع أن أهم أسباب ذلك تنحصر في سببين :

أولهما : عدم انتشار الكتاب السعودي حتى في الداخل ، فنحن إذا ما سمعنا بالإصدار – كتاباً كان أو ديواناً أو قصة نبحث عنه فلا نجده إلا بنوع من الصعوبة ، فإذا كان هذا في داخل البلاد ، فما بالك بخارجها حيث يكون السماع بالإصدار نادراً ، ووجوده مستحيلاً ، والمسؤولية في ذلك دور النشر أولاً ثم المؤلف ، قد يقال : إن ارتفاع سعر الكتاب السعودي لا يتيح للناشر فرصة توزيعه في الخارج ، وهذا صحيح بالنسبة إلى ما ينشر في الداخل ، وسببه ارتفاع التكلفة ، لكن ما يطبع من الكتاب السعودي في الخارج ما علة عدم توزيعه هناك ؟

ثم ما الذي يمنع من طبع الكتاب طبعتين إحداهما خاصة والأخرى تجارية شعبية كما يسمونها ؟

أما السبب الثاني الذي يوقع بعض إخواننا في الخطأ فعدم إلمامهم الكافي بأعمال أبناء هذه البلاد لجهلهم بمصادره نتيجة طروئهم على هذه البلاد ، وقد يساعد على ذلك إغفال بعض المصادر حيناً لأغراض ذاتية عند بعضهم ، وهذا قليل على أي حال .

ونحن حين نلوم بعض إخواننا على تقصيرهم لا نطالبه إلا بالمثل أي بمثل ما نعامل به آداب بلدانهم مع وجود موجب يفرض على بعضهم أن يولوا أدب هذه البلاد عناية خاصة فإهمالها تفريط .

خلاصة القول أن كثيراً من الأحكام الخاطئة التي تصدر في حق أدبنا ما هي إلا ثمرة تقصير في الاطلاع والاستيعاب ، وتراخٍ عن واجبات حيناً عند بعضهم مع وجود موجباته ، وإلا فأدبنا في الذروة من الآداب المعاصرة .

لقد مرت حقبة اتخذ فيها التأليف في أدب هذه البلاد وسيلة تجارية فقامت سوق ربح فيها كثيرون ، حتى إذا ما انحصر ظل التشجيع الذي أنتج ثراءً عند بعضهم تراجع ذلك الاهتمام ، فهذا دليل ذاك . والله أعلم .

ومن المهم أن نعلم أني لا أعمم هذا الحكم على كل الذين كتبوا عن الأدب السعودي من إخواننا ، بل هي فئة قليلة أحسبها معلومة لنا جميعاً ، هدانا الله وإياهم إلى سبيل الخير والصلاح .

والسؤال الذي يتردد كثيراً هو: لِمَ لَمْ يوجد لدينا نقد كذلك الذي كان عند المصريين والشاميين ؟

والجواب عن هذا هو أنك إذا نظرت في ما ينشر في الصحف والمجلات ثم يجمع في كتب فسوف تجد أن لا فرق بيننا وبينهم في ذلك . أما إذا نظرت إلى المؤلفات النقدية كتلك التي كتبها محمد مندور وغنيمي هلال وأمثالهما ، فستجدها تحويراً لما كتبه السابقون ، أو قبساً مما عند الغربيين ، إلا ما كان من تطبيق تلك الضوابط والقواعد على بعض نصوص المعاصرين .

ثم إن ما كان ينشر في الصحف قد اشتمل على كثير من الغثاء الذي يوجد له مثيلٌ عندنا ، وبخاصة في ما يكتبه أولئك الذين يتطفلون على مائدة النقد ، وهم ليسوا من أهله، وما أكثر المتطفلين على مائدة الأدب والنقد من الهواة الذين ( زبزبوا قبل أن يحصرموا ) كما يقول المثل .

والذى أريد قوله هو أن ميدان النقد عندنا غير مهجور كما يحلو لبعض ترديده ، ثم إنه ليس في مقدور الناقد ملاحقة كل ما ينشر إلى كون الغثاء قد كثر حتى أوشك أن يغمر الجيد بطوفانه في أرفف المكتبات . والذي يتجه إلى الغث بنقده يكون كمن يضرب في ميت " والضرب في الميت حرام " كما يقولون .

ولا بأس في أن أقول : إن لي تجربة طويلة مع عرض الكتب والتعليق عليها حتى جاوزت عدد ما علقت عليه منها ألف كتاب في مختلف الفنون الأدبية وغير الأدبية ، وقد خرجت من هذه الصحبة الطويلة بالتجربة التي أسلفتها ، وهي أن الكتاب الجيد يمنحك فرصة الحديث عنه أما الكتاب الرديء فماذا يعطيك؟ " وفاقد الشىء لا يعطيه " .

ومع ذلك فــإن من الكاتبين من يطالب بنقد مثل هذه الكتب،  ويقول: قولوا فيها ما شئتم ، فإذا قال الناقد فيها رأيه قالوا : هذا تحيز وتحطيم . إنهم يريدون مدحاً وثناء من غير استحقاق ، فكيف هذا ؟!

إن مثل هذا تغرير وكذب ونفاق يضر بالمثنى عليه قبل أن يضر سواه إلى كونه امتهاناً للناقد والنقد على حدٍ سواء . ومثيل ذلك ما يجري على صفحات الصحف من جدل عقيم حيناً لا يلبث أن يتحول إلى عراك شخصي فيه من سخف القول أكثر من جده ، هذا إذا وجد فيه قول جاد والله المستعان .

 

التأليف في الأدب السعودي :

عندما نتحدث عن التأليف في الأدب فإنه لا يعنينا سوى كتب الدراسات التاريخية والنقدية ، وكتب الشخصيات ونحو ذلك مما تقوم مادته على الأعمال الأدبية ، ويكون منقاداً للنظم والأساليب العلمية المعروفة بحسب ما تعارف عليه الباحثون . وهذا يعني أن الدواوين الشعرية والمجموعات القصصية والمقالية ونحوها غير داخلة في حساباتنا، وليست مما نؤم الحديث عنه هنا .

ثم إننا لا نقصد في الحديث إلى تقديم حصر للمؤلفات ، وإنما هي محاولة لتقديم خلاصة موجزة كل الإيجاز لتكون إحدى العلامات في طريق البحث .

قد نستطيع القول بأن نوعاً من التأليف قد واكب بداية الحركة الأدبية في بلادنا على الرغم من كونها حركة ضعيفة وموقوفة على بعض من الترجمات المحدودة أيضاً في تلك الحقبة ، وهذه تتمثل في ( أدب الحجاز ) و ( المعرض ) اللذين أصدرهما محمد سرور الصبان في العقد الخامس من القرن الرابع عشر للهجرة .

وفي عام 1355هـ/ 1926م  استبشر الأدباء بصدور كتاب كان أعم وأشمل من سابقيه ، كما كان أغنى مادة وأكثر دسامة فيما اشتمل عليه من نماذج ذلك هو ( وحي الصحراء ) الذي أصدره محمد سعيد عبد المقصود خوجة ، عبدالله بلخير ، ثم صدرت مجموعات أخرى كثــيرة جداً من أشهرها ( شعراء الحجاز ) ، و ( الموسوعة الأدبية ) لعبد السلام الساسي ، و ( النهضة الحديثة في نجد ) للشنقيطي " ، و" شعراء نجد المعاصرون " لعبد الله بن إدريس وهكذا .

غير أن تلك المؤلفات ما ذكرنا منها وما لم نذكره لا تقدم للباحث سوى ترجمات موجزة ، وشيء من نماذج خاضعة لذوق المؤلف وميوله الخاصة أحسب أن من أجودها اثنينية عبد المقصود خوجه لاشتمالها على كثير من التعليقات التي تشتمل حيناً على شيء من النقد والتفسير المتعجل إنقاذاً للموقف .

أما النقد فإن أول كتاب صدر فيه هو ( المرصاد ) لإبراهيم الفلالي ، ثم لم يمارس النقــــد بعد ذلك إلا عرضاً في المؤلفات الأخرى إلا ما كان من بعض كتابات الدكتور عبد الله الغذامي ، وفيها نظر .

ولعل المؤلفات التي تؤرخ للأدب كانت هي أهم ما يذكر في مجال الحديث عن المؤلفات الأدبية في بلادنا لكونها ترصد أحدث الأدب في حياته حركة أو رقوداً أو نحو ذلك مما يتصل بحياة الأدب وصناعته .

وأول ما ظهر من تلك المؤلفات كتاب " التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية " للأستاذ عبد الله عبد الجبار ، ثم تبعه بعد عشر سنين أو تزيد كتاب : " الأدب الحديث في نجد " ، ثم " الشعر الحديث في الحجاز " لعبد الرحيم أبو بكر رحمه الله ، ثم (الشعر) و( النثر في الخليج ) ، وهما كتابان للدكتور عبد الله المبارك ، وكتاب " الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد " للدكتور إبراهيم الفوزان، وكتاب " الشعر في جزيرة العرب خلال قرنين " للدكتور عبد الله الحامد ، وكتب لصاحب البحث ، ثم تتابعت الدراسات التي أخذت منحى تخصصياً ، وبخاصة تلك الأطروحات العلمية التي كثرت في السنين الأخيرة مثل : " النزعة الإسلامية في الشعر السعودي المعاصر " للدكتور حسن الهويمل ، و " المقالة في الأدب السعودي " لمحمد العوين ، و " أثر دعوى الشيخ محمد بن عبد الوهـــاب في الأدب والفكر بجنــــوب الجزيرة العربيــــة " للدكتور عبد الله أبو داهش ، و " السيرة الذاتية في الأدب السعودي " لعبد الله الحيدري ، وكثير من مثل هذه الأطروحات ، ومؤلفات أخرى كثيرة قام بها أساتذة ودارسون ، وهذا الفيض الغزير من المؤلفات في شتى فروع أدب هذه البلاد المباركة يحجب العذر عن الباحثين الذين يتكاسلون عندما يتصدون لبحث القضايا المتصلة بالأدب السعودي ولا يعنينا على الأقل هنا ما يتصل بالآداب الأخرى في الأقاليم العربية .

وإذا كان هناك بعض ملحوظات على بعض تلك المؤلفات فإن ذلك ليس خاصاً بها، بل هو أمر مألوف عند جميع المؤلفين .

ولم يقف السعوديون مؤلفاتهم على أدب بلادهم ، بل كان لأدب البلدان العربية الشقيقة نصيبه من جهودهم حيث ألفوا في كثير من القضايا والشخصيات ، وجل ذلك كان في إطروحات علمية ناجحة، بل إن مؤلفاتهم في الأدب قديمة وحديثة ذات تميز ملحوظ في مناهجها وأساليبها ومضامينها ، وفي وفرتها أيضاً ، ولهم السهم نفسه في العلوم والمعارف الأخرى في شتى الميادين ، وقد حصر أسماء كثير من هذه المؤلفات كثيرون من المؤلفين ، ولمكتبة الملك فهد في ذلك سهم وافر .

ونعود إلى المؤلفات الأدبية لنختم حديثنا عنها بالقول المؤكد لما سلف ، وهو أن الارتزاق بالتأليف في الأدب السعودي قد أساء إلى هذا الأدب إساءة اغتر بها بعض الباحثين السعوديين ، فرددوا تلك الأحكام الخاطئة محسنين الظن بقائليها ، وكان عليهم أن ينظـــروا في أدب إخوانهم غير مقلديــن ولا متكاسلــــين ، على أنهم قلة نادرة على أي حال .

ومع ما ذكرناه من وفرة المؤلفات في الأدب السعودي فإننا ما نزال في حاجة إلى مؤلفات تدرس هذا الأدب دراسة فاحصة متأنية ، تستفيد من كل ما سبق ، وتضيف إليه ما يفتح به الله من استنتاج وتحليل وتفسير ونقد شامل يوجه ولا يتجنى ، بل يعطي كل ذي حق حقه متوخياً الصلاح والإصلاح .

ولست أريد هذه البحوث التي تتجه اتجاهاً إقليمياً ، فذلك نهج كان مقبولاً في البداية ، وكان ضرورة ليس لنا بد منها لكون الباحث يتوافر فيها على أدب إقليم له فيه من الخبرة ما يتيح له فرص الاستقصاء وحسن التفسير والتعليل .

أما وقد تجاوزنا هذه المرحلة فإنه لم تعد لنا من حاجة إليها ، كما أننا لسنا في حاجة إلى تلك الكتب التي كتبت للارتزاق بها ، فحملت شيئاً من إساءة إلى هذا الأدب وأربابه، لا نقول إنها مقصودة ، لكنها في كثير من أحوالها إساءة على أي حال .

 

وجوب قضاء حق الأدب السعودي :

لقد كان من حق هذا الأدب في هذه البلاد المباركة أن يأخذ نصيبه من العناية به في ميادين البحث والتأليف ، والتدريس بعد ما غفل عنه الدارسون في مصر والشام وسواهما لا عن قصد منهم ، ولكن لأسباب ربما كان أهمها تقصيرنا نحن في حق هذا الأدب نشراً وإذاعة ، فليس من الإنصاف أيضاً لوم أولئك على العناية بآداب بلادهم فذلك من حقها عليهم .

لقد ظهرت البدايات في العناية بأدب هذه البلاد ضعيفة كما هي في المعرض ، وأدب الحجاز وهذا أمر طبعي ؛ لأنها ما كان من كائن يبدأ حياته من قوة . ثم بدأت الدراسات تنشط ، وكان في المقدمة منها ( المرصاد ) للأستاذ الفلالي ، ثم في أول سفر يدرس الأدب السعودي دراسة متعمقة تضم النقد إلى التاريخ الأدبي ، وذلك هو ( التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية ) للأستاذ عبد الله عبد الجبار ، ثم توالت الدراسات بإقبال المتخصصين على هذا الميدان ، ثم جعل الأدب السعودي مادة تدرس في المؤسسات التعليمية ، وبخاصة في الجامعات ، ثم بدأ نشر المطوي حين زادت الدولة اهتمامها بالكتاب وتشجيعه فجاوز أدبنا الحدود نتيجة لهذه الأعمال ، كما أن ذلك كان سبباً في استمرار نشاط الأدب واتساع دائرته . وأن تغشى ميدانه من الغثاء ما تغشى .

غير أن من العجيب أن يرى الدكتور منصور الحازمي([57]) أن في هذا الإقبال على دراسة الأدب السعودي شيئاً من المبالغة والغلو دون أن يرى في الإقبال على دراسة الأدب في مصــر والشام مثــلاً غلواً . ثم إن هــذا الإقبال على دراســة الأدب السعودي لم يكن رد فعل إهماله من قبل الباحثين والدارسين في مصر والشام ، كما يصفه بذلك الدكتور أحمد حمدون بقوله : " إن العناية الزائدة هي في الواقع رد الفعل الطبيعي لظاهرة سادت وستسود دراسات الأدب العربي الحديث ، وهي وقوفها عن أعلام الشعر والنثر الذين اشتهروا في مصر وسوريا والعراق ، أو عند أشهر المدارس الأدبية مثل الديوان وأبولو والمهجر " . ([58])

وإنما هي قضاء لحق هذا الأدب على رجاله ووفاء بحق هذه البلاد وصانعي الأدب فيها . فهل وفت الدراسات في المؤلفــات والمحاضرات وقاعات الدرس هذا الحق ؟ ذلك ما يجب أن يكون له حديث آخر .

هذه وقفات وسمتُها " بعلامات " آمل أن يكون فيها شيء من تنبيه وشيء من إرشاد وشيء من عـــون لمن يرتـــاد هذا الميــدان من الباحثــين ، وأعترف أني لم أقــل فيها كل ما يجب أن يقال ، ومع ذلك فإنها قد اشتملت على ما لا بد من قوله وإن آلم حيناً ، غير أن القصد حسن النية نقية ، ولا أبرئ نفسي ، فكلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون ، كما ورد في الحديث الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم . ([59])


 

الهوامــش

 



([1]) جد هذا التقسيم في الثمانينيات في القرن الرابع عشر للهجرة الموافق الستينيات من القرن العشـرين الميلادي على يد بعض المؤرخين، وأشهرهم: الدكتور عبد الفتاح حسن أبوعلية، في كتابه : مصادر تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر " البلاد العربية السعودية " .

([2]) انظر : كتاب " الأدب الحديث تاريخ ودراسات ج2 " للمؤلف أ.د محمد بن سعد بن حسين ، الأدب الحديث في نجد للمؤلف .

([3]) انظر : الأدب الحديث تاريخ ودراسات ج2 للمؤلف .

([4]) انظر : أشعار " حسين بن غنام ، أحمد الحفظي ، وابن مشرف ، وعبد اللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ وأمثالهم .

([5]) انظر بالعقد الثمـــين من شعر ابن عثيمين ، المتـــدارك من شعر عبد العزيز المبارك ، ديــوان ابن مشرف وأمثالهما .

([6]) أشعار الحفظيين .

([7]) روضة الأفكار والأفهام لحسين بن غنام .

([8]) ديوان أحمد بن مشرف ، والشطر الأخير من قول المتنبي :

لكل امرئ من دهره ما تعودا      وعادات سيف الدولة الطعن في العدا

([9]) الأدب الحديث في نجد للمؤلف أ.د محمد بن سعد بن حسين عن " الدرر السنية " جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم .

([10]) ديوان إبراهيم الأسكوبي .

([11]) المتدارك من شعر عبد العزيز المبارك ص42 .

([12]) مزارها : مكان زيارتها . الصمان وواصف : موضعان .

([13]) أنكت : أحفر بأصبعي . المراصف : الحجارة المحماة بالنار .

([14]) أجهد : أبذل جهدي لإخفاء حبي . الساجمات : الدموع الهاطلة . الذوارف : التي تذرف على الخدود تجري وتسيل .

([15]) الغور : المنخفض من الأرض كتهامة وأرض السواحل . نيتي : اتجاهي وقصدي ، الربرب : جماعة الظباء ، ويقصد الفتيات الحسان . النجدي : المقيم في بلاد نجد . شاغف : صارف ومشعل بهواه وحبه .

([16]) يممـوا : قصدوا قلة الحمى : المكان المرتفع من الحمى ، وهو اسم موضع في عالية نجد . شدقميات:نجائب منسوبة إلى شدقم،وهو فحل معروف عند متقدمي العرب. قال الجوهرى: شدقم فحل كان للنعمان بن المنذر ينسب إليه الشدقميات من الإبل ، قال الكميت :

عزيزية الأنساب أو شد قمية       يصلن إلى البيد الفرافد فدفدا

طوتها : أضمرتها . التنائف : جمع تنوفة ؛ وهي المفازة الشاسعة .

([17]) أجارع : جمع أجرع ، وهو المنبسط من الرمل . رامة : موضع معروف بقرب مدينة عنيزة ، غربها . انبجست : انفجرت . العواطف : جمع عاطفة الشفيقة المائلة نحوها .

([18]) ربوعاً : جمع ربع وهو المنزل . اللوى : ما استدق من الكثيب ، ويقصد الشاعر موضعاً . مطفل : مظلم ، ويقصد السحابة السوداء الممتلئة بالماء . أجش : غليظ . هزيم : صوت الرعد . ودقه : مطره . مترادف : متتابع .

([19]) العقد الثمين من شعر محمد بن عثيمين .

([20]) أ ورد هذا في الاثنينية لعبد المقصود خوجة في أكثر من موضع منها ص136 ج1 .

  ب وسمعته مشافهة من أحمد السباعي .

([21]) انظر على سبيل المثال في كتابه " خواطر مصرحة " .

([22]) " خواطر مصرحة " محمد حسن عواد ص22 ، ص23 .

([23]) " خواطر مصرحة " محمد حسن عواد ص23 ، ص24 .

([24]) رؤى أبولون محمد حسن عواد ص30 ، ص31 .

([25]) خواطر مصرحة محمد حسن عواد ص11 .

([26]) الصرم قديم الأحذية وحمدان هذا كان عضواً في مجلس الأمة في مصر فاستقال حين أغضب ، وكان من  تجار الماشية .

([27]) أبو نواس الجديد حسين شفيق المصري ص14 .

([28]) المرجع السابق ص48 .

([29]) بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين المجلد الأول ص77 .

([30]) " الطائر الغريب " حسين سرحان .

([31]) " الشراع الرفاف " طاهر زمخشري .

([32]) انظر كتاب : الشاعر حمد الحجي للمؤلف أ.د / محمد بن سعد بن حسين .

([33]) انظر كتاب : الأدب الحديث تاريخ ودراسات للمؤلف أ.د / محمد بن سعد بن حسين عن الأعمال الشعرية محمد علي السنوسي ص77 إلى ص76 .

([34]) شاطئ اليباب عدنان السيد العوامي .

([35]) على دروب الشمس محمد هاشم رشيد .

([36]) قضية الأدب السعودي من المحلية إلى الانتشار د . محمد أحمد حمدون ص4 .

([37]) المرجع السابق .

([38]) وحي الصحراء محمد سعيد عبد المقصود خوجة ط سنة 1355هـ، ص22 .

([39]) ديوان " الأمس الضائع " حسن عبد الله القرشي المجلد ص471 إلى 487 .

([40]) الحركة الأدبية للدكتور بكري شيخ أمين ، 1392هـ / 1972م .

([41]) سورة الحجرات الآية رقم 13 .

([42]) صحيح البخاري .

([43]) مسند الإمام أحمد .

([44]) انظر: الفتاوى ( ص14 ج19 ص29 ج30 ص472 ج27 ص12 ج29 ص380 381 ج31 ص381 ج31 ص381 ج31 )، وانظر: مجلة الحرس الوطنى العدد 172 تاريخ 7/1417 هـ ، مقال للمؤلف أ.د محمد بن سعد بن حسين بعنوان ( إلى متى سنظل في حيرة من أمر هذا الأدب؟ ) .

([45]) بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين المجلد الثاني ص777 .

([46]) انظر : كتاب الشعر السعودي أحمد كمال زكي نشر دار العلوم .

([47]) بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين المجلد الثاني ص843 .

([48]) بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين المجلد الثاني ص843 .

([49]) قضية الأدب السعودي من المحلية إلى الانتشار محمد أحمد حمدون ص25 .

([50]) المرجع السابق ص66 .

([51]) سورة الرعد الآية رقم 17 .

([52]) سورة المائدة الآية رقم 3 .

([53]) صحيح البخاري .

([54]) الكامل في اللغة والأدب ص645 ، 646 ج2 .

([55]) الشعر والشعراء ج1 ص76 لابن قتيبة .

([56]) سورة لقمان الآية رقم 34 .

([57]) " لمحات من أدبنا " ص76 د. منصور الحازمي .

([58]) قضية الأدب السعودي من المحلية إلى الانتشار ص38 ، وقول الحازمي في كتاب : (لمحات من أدبنا) .

([59]) سنن الترمذي .

 

المصـــادر

 

§       أبو نواس الجديد حسين شفيق المصري ، مطبعة أحمد مخيمر ، مصر .

§       الاثنينية عبد المقصود خوجة ، جدة ، الطبعة الأولى ، 1411هـ / 1991م .

§       الأدب الحديث في نجد أ.د / محمد بن سعيد بن حسين ، بتحقيق وتعليق عبد السلام سرحان ، الطبعة الأولى مطبعة الفجالة الجديدة .

§       الأدب الحديث تاريخ ، ودراسات ج2 أ.د / محمد بن سعد بن حسين الطبعة السادسة .

§       أشعار الحفظيين .

§       الأعمال الشعرية محمد علي السنوسي .

§       بحـــوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين المجلد الأول والمجلد الثاني ، جامعة الملك عبدالعزيز ، شركة المدينة للطباعة والنشر ، جدة 1394هـ / 1974م .

§       الحركة الأدبية د. بكري شيخ أمين ، 1392هـ / 1972م .

§       خواطر مصرحة محمد حسن عواد ، مطبعة المدني ، 1380هـ / 1961م .

§       ديوان ابن مشرف ،مطبعة أم القرى 1355هـ .

§       ديوان إبراهيـــم الأسكوبي ، تحقيق وتقديم الدكتور محمد العيد الخطراوي ، مكتبة دار التراث ، المدينة المنورة ، الطبعة الأولى 1409هـ / 1981م .

§       ديوان الأمس الضائع حسن عبد الله القرشي .

§       رؤى أبولون محمد حسن عواد مطابع دار سعد مصر ، القاهرة .

§       روضة الأفكار والأفهام حسين بن غنام .

§       سنن الترمذي .

§       شاطئ اليباب عدنان السيد محمد العوامي .

§       الشاعر حمد الحجـــي أ.د / محمد بن سعـــد بن حسين ، الطبعة الأولى 1407هـ / 1987م .

§       شعراء السعودية المعاصرون التاريخ والواقع أحمد كمال زكي نشر دار العلوم 1403هـ / 1983م .

§       الشعر والشعراء ج21 ابن قتيبة .

§       الشراع الرفاف طاهر زمخشري ، طبع الشركة التونسية لفنون الرسم ، 1974م / 1394هـ .

§       صحيح البخاري .

§       الطائر الغريب حسين سرحان ، مطبوعات نادي الطائف الأدبي .

§       على دروب الشمس محمد هاشم رشيد ، منشورات نادي المدينة المنورة الأدبي .

§       العقد الثمين من شعر ابن عثيمين ط3 مطابع دار الهلال الرياض عام 1400هـ / 1980م .

§       فتاوى ابن تيمية ج19 ، ج20 ، ج27 ، ج29 ، ج31 .

§       قضية الأدب السعودي من المحلية إلى الانتشار محمد أحمد حمدون .

§       الكامل في اللغة والأدب ج2 .

§       لمحات من أدبنا السعودي المعاصر د. منصور الحازمي ، الحفل الثاني لجائزة الدولة التقديرية في الأدب ، 1405هـ .

§       المتدارك من شعر عبد العزيز المبارك .

§       مجلة الحرس الوطني العدد 172 تاريخ 7/1417هـ ، بحث بعنوان " إلى متى سنظل في حيرة من أمر هذا الأدب " .

§       مسند الإمام أحمد .

§       مشافهة أحمد السباعي .

§       مصادر تاريخ الجزيرة العربية الحديث والمعاصر ( البلاد العربية السعودية ) د / عبد الفتاح حسن أبو علية .

§        وحي الصحراء جمعة محمد سعيد عبد المقصود خوجة ، وعبد الله عمر بلخير الطبعة الأولى ، سنة 1355هـ .