بين يدي هذا البحث

 

أولاً : مصطلح هذا العنوان ، ومفهومه : المكاني ، والزّماني :

ينطوي عنوان هذا البحث على : مدلول مكاني ، وآخر زماني ، أمّا المكاني فيمثل: بقعتين جغرافيتين مهمتين ، هما : تهامة ، وعسير ، وأمّا الزّماني فيغشى مدة ولاية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مذ ضمّتا لعهده الميمون ، وحتّى تاريخ وفاته رحمه الله تعالى سنة 1373هـ/1953م .

ولكي نحقق هذا المفهوم الاصطلاحي: يمكن الوقوف عنده بشيء من النظر العلمي الدقيق ، حيث يقال : (( تهامة بلد ، والنسب إليه تِهاميٌ وتهام على غير قياس كأنّهم بنوا الاسم على تَهْميِّ، أو تَهَميّ ، ثم عوَّضوا الألف قبل الطرف من إحدى اليائين اللاّحقتين بعدها )) (1) ، والتِّهامي أيضاً : (( نسبة إلى تهامة ، وهي خطة متّسعة بين الحجاز وأطراف اليمن )) (2) ، وتهامة بالتحريك : (( الأَرض المتَصوِّبةُ إلى البحر كالتَّهم )) (3) ، قال الجوهري: والتّهم بالتحريك: مصدر من تهامة ، وأَتهم الرّجل: أَي : صار إلى تهامة ، وقال :

   فإِن تُتْهِمُوا أنْجِدْ خلافاً عليكم وإِن تُعْمِنُوا مُسْتَحْقِبِي الحرب أعرق

والمتهام : الكثير الإِتيان إِلى تهامة ، وقال :

               ألا انهماها إنها مناهيم وإنَّنَا مناجــــد متاهــيم

يقول : نحن نأتي نجداً ، ثمَّ كثيراً ما نأخذ منها إلى تهامة )) (4)، وفي " المعجم الوسيط " : (( تهامة: أرضٌ منخفضة بين ساحل البحر ، وبين الجبال في الحجاز واليمن (ج) : تهائم ، والنسبة إلى تهامة : تِهامِيّ ، وتَهَامٍ)) (5) .

وسمّت العرب جبل السَّراة : (( حجـزاً؛ لأنه حجز بين الغور ، وهو : تهامة ، وهو : هابط ، وبين نجد ، وهو ظاهر ، فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر ... الغور غور تهامة ، وتهامة يجمع ذلك كلّه)) (6) ، يقول أحد الباحثين المعاصرين في معرض حديثه عن تهامة:(( هي المنطقة الساحلية الضيقة الموازية لامتداد البحر الأحمر من اليمن جنوباً إلى الحجاز شمالاً ، وهي تتألف من تهائم ، فهناك : تهامة اليمن ، وتهامة عسير ، وتهامة الحجاز ، وتختلف في عرضها باختلاف قرب السلاسل الجبلية ، وبعدها من البحر ، وسميت كذلك نسبة إلى مناخها ، فهو الشديد الرطوبة ، والحرارة في الصَّيف )) (7)، ويقال : (( تهامة الحجاز لما يوالي الحجاز إِلى جنوب القنفذة، ويقال لما يوالي بلاد عسير: تهامة عسير ، وهي: من حلي ابن يعقوب إلى الشَّرْجة قديماً، الموسم حالياً ، وهو ما كان يعرف بالمخلاف السليماني سابقاً ، وبمنطقة جازن الآن )) (8) .

وعلى الرغم من اشتهار هذا الإقليم ، وسعة ذكره ، وشيوع اسمه ، نلحظ أَنَّ بلدانه قد ((تجزّأَت سياسياً عبر القرون الهجرية السَّابقة ، واكتسبت أَسماء محلية مشهورة، مثل : تسميتها بالمخلاف السليماني ، أَو تهامة عسير ، مما ميزها عن بقية بلدان تهامة المصاقبة للحجاز ، وهي في زماننا مشهورة بجازان ، أو جيزان ، إِذ تضمّ مدناً شهيرة ، مثل : ضمد ، وصبيا ، وأبي عريش ، وصامطة ، وغيرها ، ولعلَّ هذه البلدان تعد الميدان الحقيقي للدراسة في هذا البحث ، لوقوعها في هذه المنطقة التهامية التي تمّ تحديدها من قبل ، وهو التحديد الفعلي المعهود لميدان الدراسة ، وتلك الحواضر المذكورة السابقة ، تعد المجال الأدبي الذي نمت فيه هذه)) (9) الحياة الأدبية المعاصرة عبر هذه المدة .

أَما عسير فتتمثل بلدانُها في الموضع الجغرافي الذي ظهرت فيه هذه اليقظة الأدبية في البقعة الممتدة من زهران في الشمال إلى ظهران في الجنوب (10) ، على اختلاف في الاسم والمدلول ، إذ قيل: إن داعي تسميتها بعسير لصعوبة أرضها ووعورتها (11) ، أو لكونها تسمت باسم علم مشهور (12) ، كما عرفت بالسّراة ، أو الطّور ، وهي عندئذ : تمثل : الأَرض الجبلية الظَّاهرة من زهران في الشمال حتى جنوبي بلاد يام ، ونجران في الجنوب، وتفصلها عن بلاد اليمن الحدود المقررة بموجب معاهدة الطائف المبرمة بين اليمن ، والمملكة العربية السعودية في سنة (1353هـ/1934م) (13) . ومـن مدنها التي دارت في رحابها هذه الحركة الأدبية : مدينة أبها وأَعمالها ، وبعض بلدان قبائل رجال أَلمع بتهامة عسير نفسها .

وإذا تمّ الوعي بمفهوم هذا المصطلح المكاني ، وأَنه يدور بشأن تحديد ميدان البحث بهذه الأنحاء من بلدان جنوبي المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز ، فإنّ المفهــوم الزماني لهذا الدّرس الأدبي يتحقــــق في رحاب المدة من سنتي ( 1338هـ/1919م )، ( 1349هـ / 1930م) إِلى سنة ( 1373هـ / 1953م) تاريخ انضمام : عسير ، وتهامة للبلدان السعودية الأخـرى ، وعدّهما من أعمال: " المملكة العربية السعودية " التي توحدت بلدانها من بعد تحـت هذا الاسم فـي سنـة 1351هـ/1932م وحتى تاريخ وفاة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله تعالى ، لتحيا عندئذ حياة حضاريـة جادة في شتـى مناحي حياتها: الفكرية ، والأدبية ، والاجتماعية والاقتصادية بعامة .

 

ثانياً : حياة الأدب في الجنوب قبيل انضمامه لهذا العهد :

توصف حياة الأدب بتهامة في العهد الإِدريسي ( 1326 1349هـ ) بأنها نشطة، لولا ما أصابها من لوث التصوف وأثره ، إِذ كانت الحياة الفكرية بتلك الأنحاء عامرة بأسباب هذا الاتجاه ودواعيه ، وفي رحابه عُرِف الأدباء ، ورُفِع ذكرهم ، يقول العقيلي في معرض حديثه عن محمد بن علي الإِدريسي ( 1293 – 1341هـ ) : (( وقد كان بحكم نشأته وتوسعه في المعارف محباً للعلمـاء، والأدباء ، والشعراء ، مشجعاً لهم حدباً عليهم ، باراً بهم ، فاجتمع لديه عدد منهم ))(14)، وكان عندئذ : (( يعجب بالشعر الجيد ، ويثيب عليه )) (15) ، إِذ كان يُمدح بغرر القصائد ، وأحسنها (16) .

ولقد اتصل هذا المنهج في عهد ورثته من بعده ، إذ قيل: إن تلك الملامح الأدبية : (( قد احتفظت بالمنهج نفسه ، من حيث : التوجه الصوفي ، وصبغ الحياة الأَدبية بشيء من آثاره ، فضلاً عن وضوح الميل نحو الحياة التقليدية المعهودة من قبل في تهامة ، ولكنّها تقل كثيراً عما كانت عليه من قبل في عهد مؤسسها ، حيث هاجر منها بعض العلماء ، وانكفأ آخرون منهم على أنفسهم، وذلك للظروف السياسية التي حلّت ببلادهم ، وما وقع بين ورثة الإدريسي من تنازع سياسي ، وخلاف شخصي (17) ، مما أَضعف الحياة الأَدبية وبدّدها )) (18) ، ومع ذلك عرف شـيء مـن النتـاج الأَدبي التقليدي المعهود ، من مثل : (( القصائد ، والرسائل ، والحوليات )) (19) ، ولكن : (( الحياة الأدبية في أواخر العقد الخامس من القرن الرابع الهجري قد بدأت تأخذ بشيء من أسباب النهضة الجديدة الشاملة ، إِذ بدأت بشائر ما تدعو إِليه الدولة السعودية عندئذ تغشى بلدان تهامة ، وتؤثر بقدر في توجيه حياتها المحلية )) (20) .

ومن أَشهر شعراء هذا العهد ، الذين عمروا الحياة الأدبية بتهامة : محمد بن حيدر القبي النعمي (000 1351هـ ) ، وعلي بن محمد السنوسي (1315 1363هـ ) ، ومحمد بن إبراهيم الحشيبري، وعبدالرحمن بن يحيى المعلمي ( 0000 1386هـ ) ، ومحمد الأمين الشنقيطي ، وعلي بن إبراهيم بن عطيف النعمي ، وإسماعيل الوشلي ، وصالح الصيملي ، وعبدالله بن علي العمودي (1278 1398هـ) ، ولقد ظـل معظم هؤلاء الشعراء يؤدون عملهم الأَدبي في العهد السعودي من بعد، حيث وافقت رؤاهم المعنوية، وقدراتهم الشعرية همة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، وبنيه ، بل وعمّاله الأمراء في منطقة جازان ، بما دلل على حقيقة مهمتهم ومهمة الذين عرفوا معهم من مواطنيهم الأدباء في بناء الحياة الأدبية ونموها ، (( إذ أسهم هؤلاء الشعراء بشـــيء من جهودهم الشعريـــة عبر هـــذه الفترة ، كما فعل بعض منهم من بعـــد ، حين ضمـــت بلادهم إلى بقية أجزاء البلاد السعودية ، وأصبحوا من شعرائها ؛ ولذلك يمكن وصفهم بالمخضرمين الذين شهـــدوا العهدين )) (21) ، أما محمد بن حيدر القبي النعمي ، فقد طفح به الشعور الذاتي يومـــاً فدلل على إحساسه الحزين على الرغم من مكانتــــه العلميـــة ، واشتغاله بالقضـــاء والفتيا، إِذ هو رئيس القضـــاة يومئذ بقولـــه :

 

كتم الحبَّ زماناً فافتضــح 

طال ما همهم حتى هاجــه

هاج أَشواقي ولا شوق لـه

يا أحبائي أما من عطفــة

ففؤادي لو يرى شخصكم

ليت شعري هل نرى من وقفة

يمنح الناظر وجهاً مشرقــاً

لست بالنّاسي عشيات الحمى

واجتماعاً رايقاً كنّا به

 

وأَفاض الدّمع حيناً فسفــح

طائر من فوق غصن فصـدح

بأغان ومعان لم تصــــح

يدمل الدهر بها ما قد جـرح

من بعيد طار من طول الفرح

بين أَكناف الحمى تنفى الترح

يمسك الطرف إِذا الطرف طمح

أَبداً ما صاحب الروح الشبـح

في ضمير الليل سرّاً لا يبح (22)

 

وهذه التهويمة الشعرية نفثة محرور في هيئة تقليدية ، استقاها الشاعر من عصره التقليدي ذي الموروث المحافـظ ، لم يشأ هـذا الشاعـر وهو النابه الابتعاد عن عصره الملئ بدواعي التقليد وأَسبابه ، إذ هو عهد يفيض بترف أدبي ظاهر .

أَمّا علي بن محمد السنوسي فقد كان في شبابه كثير المشاركة لشعراء عصره في مظاهر الحياة المختلفة ، مثل : (( ما كان يجري في صبيا [ بتهامة ] من مشاركات شعرية ، وبخاصة في : المواسم ، والأعياد ، فقد دلت المصادر على حقيقة وفادة الشعراء إِلى مجلس الإدريسي يهنئونه بالعيـد ، ويلقـون قصائدهم بين يديه )) (23) ، يقول عبدالرحمن بن يحيى المعلمي : (( كان حضور الحقير حضرة مولانا أمير المؤمنين [ محمد ابن علي الإدريسي ] أَيّده الله تعالى عقب عيد الفطر سنة 1337هـ مع جماعة فيهم سيدي علي بن محمد السنوسي ، فأنشد السيد علي قصيدة تهنئة بالعيد وزنها : فاعلاتن فاعلن فعلن أربع مرات )) (24) مما يشير إلى ترف أدبي ظاهر ، إذ وصفت هـذه القصيدة بأنها مربعة يلتزم فيها الشاعر : (( أَن تكون الثلاثة الأَرباع الأولى على قافية واحدة ، ... ثم [ يلتزم ] قافية الربع الرابع إِلى آخر القصيـدة )) (25) ، وهذا نهج تقليدي معهود ، لم يكتف السنوسي به وحسب ، بل نجده في هذا العام نفسه يمدح الإِدريسي بقوله :

يا ليت جيزان تدري ما الذي كسبت

أرض بها السِّر مبثوث وما عريــت

كأَنّها القدس في يمن التهامـــة ما

حتى غدت كعبة الزوار واحتفلــت

رعى الإِله ديار القاطنين بهـــــا

 

صبيا من الفخر بالميمون خير ولـي

من سادة هم نجوم الأرض أو دول

أَنقى مساجدها من أنجس الزلــل

في تربها أولياء الله فلتقـــــل

وكل أَرض بها مرتاح ابن علي (26)

 

وليس بخاف : (( ما تتضمنه هذه الأبيات من معاني التصوف ومظاهر المبالغة ، فقد دلت ألفاظ هذا الشعر على شيء من ملامح المسحة الصّوفية الغالية ، فالقاموس الشعري هنا مبتذل معهود عند المتصوفة ، والشاعر أيضاً يسلك منهجهم ، ويتلون بثقافة مريديهم وأقطابهم ، ولكي لا يفوت هذا المعنى يمكن القول: إِن السنوسي لم يعد يحن إِلى هذا الواقع الشعري ، حينما أضحى من شعراء الدولة السعودية )) (27) في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود .

وكان الشّاعر محمد بن إِبراهيم الحشيبري يسهم في هذا العهد بشيء من شعره، لولا ما أصابه من الغلو والافتتان بشخصية الإدريسي نفسه ، مثل قوله فيه :

هذا الذي عمَّ جوداً فضله فسـرى

هذا الذي مَنْ يزره خالصاً فكمـا

يا سيدي يا صفي الدين خذْ بيدي

إِني عليكم لمحسوب فاحسبكـم

رعى الإِله ديار القاطنين بهـــــا

 

كالبحر حين طما ، والغيث حين هما

سعى وطاف ومسَّ الركن واستلمـا

وأَولني منك ما أمْلتــــه كرما

لا تهملوني فأنتم خير من رحمـا (28)

وكل أَرض بها مرتاح ابن علي (26)

 

وليس بخاف ما في البيت الثاني من التجوز ، إِذ جعل زيارة الإدريسي مثل مَنْ يسعى ويطوف ويستلم الركن ، وهذا حال من الغلو والمبالغة .

ويشبه الشاعر الحشيبري في هذا الشأن معاصره عبدالرحمن بن يحيى المعلمي الذي يقول في هذا الشأن نفسه :

 

هذا الإِمام الذب فاضت أَنامله

هذا هو الكف والناس الجميع عصا

أَقامه الله روحاً للعباد كمـا

 

جوداً عميماً كموج البحر ما برحا

هذا هو القطب والكون البديع رحا

قلوبهم ردها المولى له شبحــا (29)

 

ولم يكن هذا الشاعـر الأَخـير بقليل الشعر ولا ضعيفه ، بل يعد من الأدباء المكثرين في هذا الميدان ، إذ هو إلى جانب شاعريته يحسب في اللغويين العلماء ، وله ديوان شعر مخطوط معتبر ، وكان ممن تأخر به العمر حتى أدرك عهد الملك عبدالعزيز كاملاً .

ولم يطرأ على شعر من سبق ذكرهم ما يستحق التدوين سوى أنهم لم ينكفئوا في نتاجهم الأدبي على غرض شعري واحد، بل كان لهم إسهامات شعرية مختلفة ، إذ العصر مسعف لذلك ، لم يخرج في مضامين شعرائه عن نهجه التقليدي المعهود ، وهو أَيضاً ما جعلهم : (( يحافظون على أَغراض الشعر المعهودة ، ويحرصون على أَنماط الأساليب المتوارثة )) (30) ، ولعلّ خير من يمثل هذا الجانب الشاعر عبدالله بن علي العمودي ( 1278 1398هـ ) لكثرة نتاجه ، وطول عمره ، حيث شهد العصرين ، ولم يمدح أَحداً إِلاّ ورثاه .

ومن شعراء عسير الذين يمكن عدّهم من شعـــراء الحقبة الزمنـــية السابقة لعهد الملك عبدالعزيز: محمد بن عبدالخالق، ومسفر بن عامر، وعبدالعزيز بن محمد الغامدي (1278 1356هـ )، وبعض شعراء أسرة آل الحفظي المتأخرين ، أما محمد بن عبدالخالق فمن شعره قوله يمدح أَحد القائمين على أَمر الحج في عصره ، يلتمس منه متاعاً وميرة :

وليس لي جمل في الحج أركبه

وفضلكم شائع والذكر مشتهر

أَقامه الله روحاً للعباد كمـا

ولا ظلال معي بعرفــــات غــــدا
وجودكم واسع والفضل قد حمدا (31)

قلوبهم ردها المولى له شبحــا (29)

 

 

وكان الشاعر مسفر بن عامر يجري في نهجه الشعري على سَنَن مَنْ كان قبله ، حيث عرف له شيء من النتاج الأدبي في هذا الشأن (32) ، ولم يكن نتاج عبد العزيز الغامدي بقليل ، إذ شهد عبر النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري كثيراً من التقلبات السياسية التي لم يكن ببعيد عنها ، حيث : (( شهد عهد الأشراف في الحجاز، والإدريسي في تهامة ، والعهد السعودي الحاضر)) (33) ، وله في كل من تلك العهود شعر ، وحضور أدبي ، يقول أحد الباحثين المعاصــرين : (( لقد نشــرت لـــه صحيفـــة القبلة في عددها الصادر في 29 ربيع الثاني من عام 1336هـ قصيدة وجهها إِلى شريف مكة الحسين بن علي يعتذر فيها إليه، ويطلب العفو، والصفح ؛ لأنه لا يقوى على العتاب )) (34) ، ومنها :

فاشمم بروق الحيا والجدب فارقه

واقصد أبا فيصل وانزل بساحته

رد السّلام عليه ثم كلمـــه

إني أتيت بكثر الذنب معتـذر

فالعفو والجود والإكرام نأملــــه

وانزل بأرض سقتها السحب بالمطــر

في الجانب الرحب ذاك الواسع العطر

بما تريد وما تحتاج من وطـــــر

إِليك يا سيد السادات من مضــــر

أَنت الكريم وتعفو عفو مقتـدر (35)

 

 

وليس في هذه الأبيات ما يلفت النظر النقدي ، سوى تواضع أَسلوبها ، وضعف دلالتها اللغوية ، وأنها تمثل مستوى الأدب يومئذ في عسير .

ولم يكن النثر عبر هذه المرحلة بتهامة وعسير قد شهد شيئاً من مظاهر التطور والتجديد التي عرفها في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري ، إذ الغالب على نتاج الأدباء يومئذ ما اعتادوه من الكتابة الإنشائية التقليدية المتمثلة في : الرسائل ، والخطابة ، والمقامات ، وأساليب التعبير المعروفة عند المؤرخين والكتاب بعامة ، ولربما كان للرسائل الديوانية والإخوانية حضور يشهد به ذلك العصر لما كان عليه من الاضطراب السياسي ، والنهج الاجتماعي المستوجب للرحلة والفراق وطلب العلم ، والظروف الاجتماعية الأخرى (36) .

 

أما القول بوجود المقالة وظهورها أو غيرها في الأدب التهامي أو أدب عسير يومئذ، فليس ذلك بممكن لعدم توافر أسباب كتابتها ، وقلة الكتاب مع العلم أن الصحافة في الحجاز عندئذ ظاهرة معروفة ، ولكنها لم تكن بعد قد أخذت بأسباب التأثير الأدبي في أدب الجنوبيين ، إِذ المعهود أن ذلك لم يتحقق إلا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري ، وبخاصة في منتصفـه أو قبلـه بقليـل ، وهو ما حققه هذا الدور الأدبي الذي ندرسه في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله تعالى .

 


 

المبحث الأول : هذا الدور الأَدبي : مظانه ، وروافده :

أولاً : مظانه:

يتمثل وجود نتاج أُدباء جنوبي المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز ابن عبدالرحمن آل سعود في عدد من : المظان الأَولية ، والمصادر الموثّقة ، مثل : ((المخطوطات، والمطبوعات، والدوريات، وما تحمله ذاكرة عدد من المعمّرين الثقات، ذوي الثقافة والعلم والذين شهدوا تطور هذه الحياة )) (37) ، وعرفوها .

وتأَتي الآثار المخطوطة في مقدمة تلك المظان ، إِذ لم تكن الحياة الأَدبية يومئذ بضعيفة لا يفترض فيها ما يمكن عدّه من مصادر هذا النتاج ومراجعه ، بل كانت حياة الناس الأدبية في تهامة على وجه الخصوص عامرة بنتاجهم الأَدبي ، وعطائهم الفكري المناسب المقبول ، ولربما لا يتحقق للدارس جمعه ، والإحاطة به؛ نظراً لتشتته ، وعدم التوافر عليه، ومما يمكن ذكره في هذا المقام: آثار الشاعر الأَديب علي بن محمد السّنوسي ( 1315 1363هـ ) المتمثلة في: مؤلفاته ، ورسائله ، وشعره . أَما مؤلفاته، فمنها : كتاب: (( السماط الممدود في رباط المحبة والعهود: ما بين الأَدارسة، وآل سعود )) (38)، ويحتفظ هذا الكتاب بشيء من نتاج هذا الأديب ، وبعض آرائه ، وما كان يصدر عنه من مظاهر الأسلوب وملامحه، وأما رسائله فلربما عرفت في مكاتباته ، وتقريظاته (39) مع علماء زمانه وأدبائه . وأما شعره المخطوط فقد ضمّ بعضه كتابا : ((المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي))، (( ومن شعر علي بن محمد السنوسي )) (40) جمع الباحث وتحقيقه، ناهيك عن شعره المنشور في كتاب : ((شعراء الجنوب )) وفي دوريتي : المنهل، وأم القرى (41) ، وغيرهما مما لم يحط به الآن .

ومن تلك الآثار المخطوطة: نتاج القاضي الشّاعر محمد بن حيدر القبي، ومنه ماتتضمّنه بعض المجاميع المخطوطة الموجودة لدى الباحث ، إِذ تنطوي تلك الآثار على بعض نتاج معاصريه ، وشيء من نتاجه ، لولا وضوح المسحة المذهبية فيها (42). وكان للشاعر عبدالرحمن بن يحيى المعلمي ديوان شعر مخطوط لم يطبع (43)، ولم يخل من مظاهر الواقع الفكري الذي كان عليه الوضـع الديني في تهامة قبل منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ناهيك عن آثاره الخطية الوافرة الموجودة في مكتبة الحرم المكي الشريف، ولكنها لم تنل حظاً من العناية والترتيب ، إذ لم تزل عند زيارتي (44) لتلك المكتبة في أضابير ورقية لم تفهرس أو تنظم ، أو تنالها رعاية الدارسين .

ولربما عدّت آثار القاضي عبدالله بن علي العمودي من أوسع المظان الأولية لهذا الدور الأدبي بتهامـة، لما خلّفه هذا الأديب من مخطوطات وآثار أدبية لم تطبع ، مثل : ديوانه ، وتاريخه: " اللامع اليماني " ومختصره : " تحفة القارئ والسامع "، فضلاً عما دونه هذا المؤرخ في أثناء حياته الأدبيـة من النتاجات الفكرية المناسبة التي استوعبتها مجاميعه المخطوطة التي تتجلى أهميتها في : ((تصوير الحياة الأدبية بتلك الأنحاء حتى سنة 1363هـ/ 1943م ، وما حصل عبرها من ردود فكرية ، وحركة أدبية ظاهرة)) (45) ، ويلحق بهذه المظان المخطوطة آثار : الأستاذ سعيد الغماز بعسير ، وآثار الشيخ إبراهيم ابن زين العابدين الحفظي برجال ألمع بتهامة عسير ، والشيخ حافظ بن أحمد الحكمي بجازان : إِذ : (( تعد الحلقات العلمية التي نشرها ابنه أحمد بن حافظ الحكمي على صفحات مجلة اليمامة من المظان الأدبية التي حفظت آثار هذا العالم ... وبخاصة قصائده الشعرية ، ورسائله الأدبية ، وهي منشورة في مجلة اليمامة ، ومخطوطة أيضاً في بعض الآثار الأدبية ، مثل آثار العمودي ، وغيره من علماء صامطة وأهليها )) (46) .

أما المظان المطبوعة المنشورة ، فتمثل عدداً من المصادر والمراجع المعروفة ، مثل الكتب الآتية : ((الأدارسة في تهامة)) لعبدالله بن علي العمودي ، و (( شعراء الجنوب )) لمحمد بن علـي السنوسـي وآخريــن ، و : (( الحيــاة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية)) ، و (( نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة العربية السعودية ))، و(( أثر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الفكر والأدب بجنوبي الجزيرة العربية )) للباحث ، و (( تاريخ المخلاف السليماني )) ، و (( التاريخ الأدبي لمنطقة جازان )) لمحمد بن أحمد العقيلي ، و (( مجموعات قصص محمد زارع عقيل )) ، و : (( مع الشعراء )) لمحمد بن علي السنوسي ، و : (( أديب من عسير )) جمع محمد بن عبدالله الحميد ، و:(( في ربوع عسير )) لمحمد عمر رفيع ، و : (( في بلاد عسير )) لفؤاد حمزة، و : ((رحلات في عسير )) ليحيى بن إبراهيم الألمعي ، و : (( تاريخ عسير في الماضي والحاضر )) لهاشم بن سعيد النعمي ، و : (( شهادة للبيع )) لمحمد بن عبدالله الحميد ، و: ((نفحات من عسير)) لمحمد بن إبراهيم الحفظي ، و : (( أبها في التاريخ والأدب )) لعلي بن أحمد عمر عسيري ، و : (( محمد بن علي السنوسي ... شاعراً )) لمحمود شاكر سعيد، و: (( المذاهـب الأدبية في الشعر الحديث لجنوب المملكة العربية السعودية )) لعلي علي مصطفى صبـح ، إلـى جانـب الدواويـن الشعريـة المنشـورة ، مثال : (( القلائد )) و(( الأغاريد )) ، و((الأزاهير)) و : (( الينابيــع )) ، و : (( نفحـات الجنوب )) لمحمد بن علـي السنوسي، و : ((أفاويق الغمام))، و (( الأنغام المضيئة )) لمحمد بن أحمد العقيلي، و : (( عبير من عسير )) ليحيى إبراهيم الألمعي ، و : (( الألمعيات )) لزاهر بن عواض الألمعي ، و (( رحلة العمر )) لعلي حسين الفيفي ، ناهيك عن أهمية الدوريات المحلية ومنزلتها من تلك المظان العلمية ، وبخاصة : أم القرى ، وصوت الحجاز ، والندوة ، والرائد ، وقريش ، وعكاظ ، والمنهل ، واليمامة (47) وغيرها ، ولم تكن أَحاديث معاصري بناء هذه الحياة الأدبية في عهد الملك عبدالعزيز بقليلة الأهميـة فـي الحديث عـن هذا الجانب بل هي مهمة مفيدة ، ويمكن الوقوف عندها في كتاب : (( نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة )) للباحث (48) .

ثانياً : روافده:

لم تكن تهامة على وجه الخصوص بقليلة الحظ في يقظتها الأدبية عبر هذا العهد ، بل كانت حاضرة العطاء ، كثيرة الموروث الأَدبي، يسعفها في هذا الميدان: اتصالها بحياة أدبية سابقة ، وظهور الدوريات المحلية فيها مذ العقد السادس من القرن الرابع عشر الهجري ، ناهيك عن وجود بعض الأمراء المتأدبين فيها الذين شجعوا الأدب السعودي، وأخذوا بأسباب نشأته ، إلى جانب أهمية الأثر الذي نهض به بعض المصلحين العلماء عند وفادتهم لتهامة ، مثل : أثر الداعية عبدالله بن محمد القرعاوي الذي وفد لصامطة بتهامة أواخر العقد السادس من هذا القرن نفسه ، وإذا كانت عسير في تواضعها الأدبي عندئذ تقصر عن بلدان تهامة ، فإنها من بعد قد استفادت من تلك الأسباب، وأصبحت من مراكز الفكر الناشئة في هذا العهد السعودي الجديد.

ويأَتي أثر البيئة المحليّة ظاهـراً في تكوين هذا الدور الأدبي لأَدباء الجنوب ، حيث استفـادوا كثيراً مـن واقعهـم المحلـي : فلقد تعوّدوا : (( الإسهام بشعرهم في المنتديات المحلية ، وما تقوم به إِمارات بلادهم من مهرجانات اجتماعية ، وبخاصة في المناسبات الدينية والاجتماعية )) (49) ، إِذ كانوا : (( يتوافدون على دار الإمارة في أيام العيدين، ورمضان من أجل إِلقاء قصائدهم بين يدي عامل بلدتهم ، وهم عندئذ يلقون نتاجهم الأدبي من الشعر والنثر في حضرة ملأ من الناس . وكان من نتائج هذا اللقاء أنهم يتعرضون للمدح أو للقدح ، وليس ذلك في مكان الاحتفال وحسب ، وإِنما في : المجالس الخاصة ، والندوات المختصرة أيضاً ، وكانـوا عندئذ يرتبـون طريقــة إِلقائهم لشعرهم ، وكيفية مشاركاتهم ، وربما كان يتعرض رجال منهم للحرج ، وما يمليه المقام )) (50) ، وكان هذا الإسهام الأدبي يذكي هذا النشاط ويرفده ، بل ويدعو للحديث عنه في الصحف والمجلات ، وربما لتقويمه ونقده ، وبخاصة في تلك المجالس الخاصـة ، فلقد كان مجلس الأديب عبدالقادر علاقي بجازان : ميداناً رحباً للمناقشة ، واستماع ((أخبار الأدب))(51)، شأن أدباء عسير الذين كانوا أيضاً : (( يحرصون على مثل تلك اللقاءات ، ويخصصون يوماً معلوماً لها )) (52) ، ويضاف إِلى هذا العمل المحلي الأدبي ما كان عليه أمراء هذه الأنحاء من الثقافة الأدبية التي أسهمت في تقبل مشاركات أولئك الأدباء ، إذ هم عندئذ لا يخلون من ميول أدبية ، واستعدادات فطرية مقبولة ، فلقد قيل عن أحد أولئك العمال الأمراء بتهامة : إنه كان له : (( فضل كبير في إِشعال جذوة الروح العلمية والأدبية في المنطقة ، وكانت مجالسه الخاصة ندوات أدبية ، وحلبات فكرية )) (53) ، مما يعد عندئذ من الروافد الجادة لبناء هذه الحياة الأدبية الناشئة .

أَمّا دور المصلحين العلماء في تحقيق هذه الروافد الأدبية فقد تمثل في جهود الداعية عبدالله بن محمد القرعاوي الـذي أسهم : (( في النهضـة العلمية والأدبية في المنطقة الجنوبية )) (54) ، ومثله تلميذه الشيخ حافظ الحكمي الذي كان : (( ممن أسهم في الساحة الأدبية بمناظيمه المشهورة، وقصائده المعهودة )) (55) ، ويضاف إلى هذه الجهود الفردية في استظهار تلك الروافد المحلية : (( دور المعارك الأدبية ، والتقريظات الشخصية ، وتناول المؤلفات المحلية بالنقد والتحليل))(56) ، إذ كان ينهض بها في الصحافة المحلية عدد من أدباء تهامة وعسير ، (( هـذا بالإضافـة إلـى أثر طبع الكتب المحلية ونشرها ، وما كان يصيبها من التقريظ ، والمناقشة)) (57) ، ناهيك عن أثر المكتبات المحلية التجارية وغيرها في إنماء هذه الروافد وإثرائها .

ويأَتي أثر البيئَات الأَدبية المعروفة الأخرى في بقية بلدان المملكة العربية السعودية ظاهراً في إِنماء هذه الروافد الأدبية لحركة الأدب بتهامة وعسير ، حيث كان أدباؤهما يقبسون من آثار إخوانهم في تلك المراكز ويتأَثرون بعطائهم الأَدبي ، مما زاد في ثقافتهم الأَدبية ، ومكّن لمراسهم الأسلوبي ، يقول السيد محمد الهادي عقيل في هذا الحال عن واقع الحياة الأدبية بتهامة : (( وبما أن الدرجة العلمية لم تكن محسنة بذلك القطر لعدم وجود المدارس أو وسائل التعليم سابقاً ، فإنهم قد اكتسبوا درجة التفكير من البلدان المجاورة لهم ، وكذا بمخالطة الحجازيين الموظفين عندهم ، والمقيمين السنين العديدة بينهم )) (58) ، ولربما كان لوفادة بعض الأدباء لهذه الأنحاء من البيئـات الأخـرى أثـر فـي إِذكاء الواقـع الأدبــي المحلـي ، وتحقيق الفائدة الفكرية المرجوة ، يقول مثلاً الشيخ حمد الجاسر في إحدى وفاداته لمنطقة عسير سنة 1353هـ /1934م ، وهو يهم عندئذ بمقابلة أميرها : (( صليّت الجمعة في المسجد الذي يصلي فيه الأمير السديري ، وبعد الصلاة سلّمت عليه ، وكنت قد لفقت نظماً في مدحه لأحظى بجائزة منه أو له :

لا تعج بي على الربوع الخوالي

 

 

أي نفع أناله بالسؤال .... ))(59)

 

 

مما أسهم في إِيقاظ مشاعر أدباء هذا الإقليم ، وزاد في ثقافتهم الأدبية .

ولقد تعوّد بعض أدباء تهامة وعسير مكاتبة إخوانهم الأدباء في الحجاز ونجد ، وإهداء بعض قصائدهم إليهم ، مثل ما فعل محمد بن أَحمد العقيلي ، وعبدالله بن علي بن حميد ، إذ كان العقيلـي : (( كثـير الحرص على إهداء بعض قصائده لنفر من الشعراء ، من مثل: حسين سرحان، وحمد الجاسر، وعبدالله بن خميس)) (60)، وكان الحميد يتعارض شيئاً من شعر الإخوانيات مع معاصرة الشاعر عبدالله بن خميس(61) ، وهذا الواقع الأدبي يعد من روافد الأدب المحلي بهذه الأَجزاء من جنوبي المملكة العربية السعودية ، ويؤكد ما سبق قول أحد الباحثين ، إذ قال : ((ونستثني من هذا النفس الاجتماعي شعر الجنوب الذي يعتبر امتداداً لمدرسة شعراء الحجاز))(62)، وهذا واقع أدبي ملموس في إنماء هذه الحياة الأدبية بالجنوب نتيجة لاحتكاك أدبائه بإخوانهم الأدباء السعوديين في البيئات الأدبية الأخرى عن طريق قراءة نتاجهم ، أو نقد أولئك لهم ، أو عند الوفادة إليهم ، مثلما كان يلقاه الشاعر محمد بن علي السنوسي : (( من الحظوة من لدن الحجازيين، حين كان يفد عليهم ويجالسهم ، وليس أدل على هذا الحال مما أظهره الأنصاري من حفاوة للسنوسي في إحدى زياراته له )) (63) .

ولم يكن من روافد الأَدب بالجنوب في عهد الملك عبدالعزيز ما ناله من أَسباب التأثير المحلي من البيئات الأَدبية السعودية الأخرى ، وإِنما كان للبيئات الأَدبية خارج البلاد السّعودية أَثر في إِنعاش أَسباب هذا التكوين الأَدبي المحلي بتهامة وعسير عند نشأته وعبر مسيرته خلال هذا العهد ، فلقد قيل في كتاب : (( نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة العربية السعودية )) : (( فقد كان للحج أثر غير خاف في تحقيق الفائدة الأدبية ، وإظهار الصبغة الثقافية الجديدة ، وقد يكون للرحلات العلمية التي قام بها المصريون والشاميون إلى البلاد السعودية أثر في يقظة الأدب السعودي في شتى بيئاته عندئذ ، والإفادة من المقيمين الأدباء منهم ، فقد تجلى هذا الحال في كثير من المظاهر الأدبية في تهامة وعسير ، إذ كان يجري لهم في هذا الميدان شيء من : المعارضات ، والإخوانيات، والردود الأدبية )) (64) ، ولم يتوقف هذا التأثير عند هذا الحد وحسب ، بل تعداها إلى تقليد رواد الشعر الحديث واحتذاء شعرهم ، أمثال : البارودي ، وشوقي اللذين لقيا من لدن التهاميين على وجه الخصوص : القبول ، والاحتذاء ، فضلاً عن تأثرهم ببعض المدارس الأدبية الحديثة ، مما يشير إلى أَهمية عدّ هذه البيئات الأدبية الخارجية من الروافد الأدبية لنهضة الأدب بتهامة وعسير في هذا العهد .

وكـان مـن روافـد هـذه الحيـاة الأدبية أيضـاً بتهامـة وعسير في عهد الملك عبدالعزيز: ((شيوع : الكتب ، والصحف ، والمجلات في ربوعها وبين مثقفيها)) (65) ، حيث: ((كان لتتابع وصول الكتب والصحف والمجلات الأدبية من البلاد العربية ، وخاصة من مصر ولبنان أثر كبير في تطوير الحياة الفكرية والأدبية ، وتثقيف العقول ، وتكوين الاتجاهات الأدبية)) (66) ، إلى جانب وضوح حركة الطباعة ، وما تلفظ به من مؤلفات مستقلة ، أو مجلات أدبية مختلفة ، فلقد كان : ((حرص أدباء تهامة وعسير على الاشتراك في : الصحف ، والمجلات ، واقتناء الكتب ظاهراً معهوداً)) (67) ، يقول في هذا الشأن محمد زارع عقيل : إنه كان : (( أول شخص من أهل جازان اشترك في الصحف الخارجية عن طريق البريد )) (68) ، فضلاً عن اقتنائه لكتب المصريين ، وتبادلها مع مواطنيه الشعراء في جازان (69) ، (( وهذا الحال يشبه ما كان يجري في عسير ، إذ كان مثقفوها يحرصون أيضاً على الاشتراك المادي المنتظم ، وبخاصة في دوريات : الرسالة ، والثقافة ، والهلال ، والمقتطف ، فالثقافة الأدبية التي أثرت في فكر هذه الأنحاء ، وأدبها كانت إلى حد كبـير : ثقافـة مصريـة ، ولا شك أن هذا الواقع الأدبي الجاد سيزيد في ثقافة الأدباء ، وينمي مداركهم ، بل ويثري معارفهم ويقوي صلاتهم بالعالم المحيط بهم )) (70) ، وكان للصلات الإِخوانية ، والرحلات العلمية ، والوفادات التجارية الخارجية أثر في تحقيق هذه الروافد الأدبية وتبيانها .


 

المبحث الثاني : حقيقة هذا الدور الأدبي:

أولاً : الشعر :

وحينما أَهل عام 1350هـ / 1931م كان الواقع الأدبي بجازان وما حوله من بلدان تهامة قد : (( بدأ يأخذ بأسباب الحياة [ الأدبية ] الجديدة التي أَخذت تغشى تهامة، حيث بدأ يستمد ثقافتــــه من مراكز الفكر المعهـــودة في هذه المملــــكة الواسعة ومن غيرها )) (71) ، بل ويسهم في بناء هذه الحياة الأدبية الجديدة ، ويؤدي أثره عبر هذه المدة التي يمثلها هذا البحث ، فلقد عرف من الشعراء عندئذ عدد غير قليل معظمهم ممن عرفوا في العهد الإِدريسي السابق ، وهم ممن شهد العهدين ، ولعل من أَبرزهم : محمد ابن حيدر القبي ، وعلي بن حسن الضمدي ، وعبدالرحمن بن يحيى المعلمي ، وعلي ابن محمد السنوسي ، وعبدالله بن علي العمودي ، وكلّهم اشتغلوا بالقضاء الشرعي إلى جانب قرض الشعر ونظمه .

أما الشاعر القبي فقد كان يتعارض الشعر مع معاصره الضّمدي ، إلى جانب شعره الذاتي الذي انفرد بذكره المؤرخ زبارة في كتابه : (( نزهة النظر )) (72) ، ولكن هذا الشاعر لم تطل به الحياة في هذا العهد ، إذ توفي عام 1351هـ /1932م ، وعلى الرغم من تغرب الشاعر المعلمي في الآفاق ، وترحله إلى عدن ، ثم إلى الهند حتى استقرّ به المقام في مكة المكرمة سنة 1371هـ / 1951م ، أصبح عندئذ من شعراء هذا العهد السعودي الناهض ، وحيث عُرف للمعلمي ديوان شعر مخطوط فإن مما اشتهر له من القصائد عبر هذه المرحلة قصيدته الدالية المشهورة في رثاء الملك عبدالعزيز التي احتفل بها صاحب مجلة المنهل عند نشره لها ، وسمَّاها : (( كل بيت قصيدة )) ، ومطلعها :

مادت ! ألا لا ، فالعماد عتيد

 

 

عبدالعزيز قضى فأمّ سعود (73)

 

ولم تكن هذه القصيدة بقليلة الأثر الأدبي في هذا البناء المشهود ، بل كان لحسنها، وعلو سمعة صاحبها أثر في ذلك لا ريب فيه ، ومنه اهتمام الدارسين بها ، وإفراد مكان مناسب لها عند نشرهـا ، والحقيقـة أن هذا الشاعر لما عاد من رحلته : ((أخذ يسهم كغيره من شعراء هذا العهد الزاهر في الحديث عن واقع هذه البلاد ، وما تمّ في ربوعها من مظاهر اجتماعية ، ومنجزات حضارية)) (74) .

وأمّا الشاعر السنوسي فقد : (( كان أحسن حالاً من بقية شعراء عصره ؛ وذلك لأن الصحافة السعودية شايعت مقامه الأدبي ، وسلّطت الأَضواء عليه ، بخلاف معاصره العمودي الذي يعد أَكثر نتاجاً منه ، ولكنّه ظل بعيداً عن تلك الأَضواء ، وفي معزل عنها )) (75)، ويظن بأن للسنوسي ديوان شعر ، وأنه مفقود ، لقول ابنه محمد بن علي السنوسي: (( لم يجمع للوالد حتى الآن ديوان مستقل ... وقد حدثني محمد زارع عقيل أن مجموعــــة كبيرة من شعر السيد علي السنوسي كانت لدى الشيـــــخ علي بن محمد صــــالح ، وقد أَخذها منه إعارة شخص سمّاه لا أعرفــــه... وقد ذهب بها إلى غير رجعة)) (76) ، فضلاً عن شعره المنثور في مجموع : ((شعراء الجنوب )) لمحمد بن علي السنوسي وآخرين ، و : (( المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي))، و : ((من شعر علي بن محمد السنوسي)) للباحث ، مما يشكل إلى جانب شعره المفقود ديوان شعر مناسب له .

ومما يمثل دوره الشعري في بناء الحياة الأَدبية في عهد الملك عبدالعزيز كثرة شعره في هذا العهد ، وأنه تبوأ منزلة شعرية جعلته يدنو من منزلة معاصره ابن عثيمين الذي كان يماثله في بعض المواطن النقدية ، ويشبهه في نشر شعره أحياناً في دوريات هذا العهد ، وبخاصة : أم القرى ، والمنهل ، يقول محمد بن سعد بن حسين : (( وإذا كان شعر هؤلاء متفاوتاً في ميدان الإِجادة تفاوتاً ملحوظاً ، فإن الشيخ علي السنوسي يقع فيه وسطاً ، بل إِنه يدنو حيناً في شعره من ابن عثيمين فحل ذاك الزمان )) (77) ، ولكي نقف على ذكر ذلك الدور الأدبي لهذا الشاعر في معـرض الحديـث عن نتاجه الشعري يمكن الإشارة إلى شيء منه في هذا المقام ، إذ حفظ مجموع ((شعراء الجنوب)) له سبع قصائد ، هي : قصيدته الموسومة بـ : (( عبدالعزيز أدام الله دولته)) ، مطلعها :

هذا المقام وهذا المحفل النضر

 

 

يزهو برونقه الباهي ويزدهر

 

 

وقصيدته المعنونة بـ : (( فأهلاً بوضاح الجبين محمداً )) ، مطلعها :

قد ازدحمت يوم اللقاء الكواكب

على ملك سامي الذرى والمواكب

وقصيدته المخمسة الموسومة بـ : (( يا ملكاً يطل في الآفاق )) ، مطلعها :

من منكم الصنديد والسميدع

ومـــن عصـــــــــاه كـل عــاص تقــــــــــرع

والبطل القرم الكمي الأَشجع

يذود عـــــن ديـن الهـــدى ويـدفــع

ما ليــــــــس فيه من ضـــــــــلال يبدع   ...........................................

وقصيدته المعنونة بـ : (( جلالة الملك السامي مراتبه )) ، مطلعها :

حَبِّر إِذا كنت منسوباً إلى الأدب

مدحاً لسامي العلا والمجد والرتب

وقصيدته الموسومة بـ : (( أجل مساعيه )) مطلعها :

أجل مساعيه العناية بالهدى

 

...........................................

وقصيدته الموسومة بـ : (( بين المتنبي والسنوسي ))، ومطلعها :

لك من خالص الفؤاد وداده

 

 

ومن الطرف ما حواه سواده

 

 

وقصيدته الغزلية ذات العنوان : (( كيف السبيل ))، ومطلعها :

يا خير آنسة بليل حالك

 

 

حالي أرق صبابة من حالك

أما قصائده غير المنشورة من قبل في مجموع : ((المفقود: من شعر علي بن محمد السنوسي))(1)، فهي : قصيدته :

قالت وساجعة الربى تترنم

 

 

سحراً وسُماري جميعاً نوم

 

 

 

وقصيدته :

قد جبت أجواز الفلا والمعمر

حتى انتهيت إلى الكثيب الأحمر

 

 

وقصيدته :

طار نومي وكوكب الليل غابا

 

 

والدجى أرقم يمج لعابا(78)

 

 

وفي مجموع : (( من شعر علي بن محمد السنوسي )) عرفت له القصائد ذات المقاطع الآتية :

ما فوق رتبتك الرفيعة سؤدد

 

أبداً ولو أن المجرة مقعد

 

وقصيدته :

كأن زماني عنده النحو والصرف

 

فأنفق حتى راح من يده الصرف

 

وقصيدته المربعة :

تضوأت البلاد ، وفاح نشر

 

وغنى فوق غصن الأيك طير

 

    لعمــري قد تقارب فيه بــــــــدر            بشمس برجها الفلكي قصــــــر (79)

وغير هذه القصائد، مما يعد من المقطوعات ، أَو الأبيات المستقلة ، إذ أبقى علي السنوسي عبر حياته الأَدبية في عهد الملك عبدالعزيز أثراً يذكر له بين معاصريه ، ويدل على رفده الأدبي المستمر لذلك العهد ، فلقد كان لهذا الحضور الأدبي من لدن هذا الشاعر أثر في التعريف بشعره من قبل النقاد ومؤرخـي الأدب في زمانه ، إذ يكاد يتفوق على مَنْ سواه ، ممن هم في مكانته وسنه.

 

 

وحـال السنوسـي الأدبـي هذا يختلف عن واقع حال العمودي الذي كان على الرّغم : (( من وفرة نتاجه الشعري المخطوط ، يظل بعيداً عن الأضواء الإِعلامية ، إذ لم ينل حظاً من أَسبابها بخلاف معاصره السنوسي الذي قبس من أضوائها، واستطاع أن يسهم في ميدانها))(80)، وعلى الرغم من هذا التواضع الإعلامي المصاحب لشعر العمودي على كثرته:(( لم يسلم من المؤثرات الأدبية الوافدة ، إذ قال على سبيل المثال في مقدمــــة إحدى قصائده: " هذه المنظومة في مناجاة الطبيعة على طريقة شعر العصر :

يا دهر عني لا أريد جمودا

 

حتى أسير إلى اقتناص جهود " (81)

 

وقد علق أحد الدارسين على هذا النهج الأدبي بقوله : (( وعلى الرغم من هذا الشعور لم يبدل العمودي في نهجه الأدبي ، حيث ظل مقلداً يحافظ على ثقافته الأدبية الموروثة ، فلقد قتل هذا الجمود روح التجديد التي انبعثت عنده حينذاك )) (82)، وهو مابطّأ بعدم سيرورة هذا النتاج الضخم للعمودي، على الرغم من وجود ديوان شعر له، وكثرة مشاركاته المحلية .

ويأتي شعراء تهامة المعاصرون لهذا العهد ممن لم يسبق ذكر أسمائهم أكثر تفاعلاً مع الحياة الأدبية الجديـدة ، وأوسـع استيعاباً لمظاهرها ، بل وأظهر أثراً من غيرهم في بنائها ، ومن أشهرهم : محمد بن أحمد العقيلي ، ومحمد بن علي السنوسي ، وأحمد ابن عبدالفتاح الحازمي، وعلي بن حسين الفيـــفي. أما العقيــلي فيبدو أنّه مذ سنة 1356هـ / 1937م: (( قد أنهى مرحلة الطلب وبدأ مرحلة الإنتاج)) (83) ، إِذ هو عندئذ يافع يشهد نمو هذه الحياة الأدبية في جازان ، ويرقبها عن كثب ، مما مكّن له المراس ، وهيأ له نظم الشعر ونشره ، إذ قيل إنه بدأ ينظم الشعر منذ سنة 1359هـ /1940م ، على حين كان أول نشره لشعره في نحو سنة 1366هـ/1946م(84)، إِذ قال : ((أول قصيدة نشرت هي القصيدة التي نشرتها جريدة أم القرى في عددها 1141 في 19 صفر عام 1366هـ ، ومطلعها)) : (85)

وفاك يشرق في أسماطه جمـــلا
شعر تألق فيه الفكر وابتكرت

مفصلاً كنضيد الدر منتخـــلا
أَسبابه الروح حتى تمّ واكتملا
(86)

وفي هذا العام نفسه نُشر للعقيلي قصيدته الموسومة بـ : (( فيفاء )) ، مطلعها :

فيفاء هل لي بأن أجلوك للفكر

في معرض الفن كالرسام للصور (87)

إذ قيل في شأنها : (( إن ديوان مجلة المنهل الذي خصص للشعر كان منذ هذه الفترة يستقطب شعراء الجنوب ، ويشجع نتاجهم الأدبي)) (88). ويستمر إسهام الشاعر العقيلي عبر هذه المرحلة ، إذ كان متحفزاً للمشاركة الأدبية ، والعطاء الشعري ، حيث وصف عند نشره لإحدى قصائده الشعرية سنة 1367هـ /1947م ، أنه : لم يقتصر على مجلة المنهل في نشره لشعره (89) ، بل كان يتخذ قنوات أخرى للمشاركة والعطاء ، ومن ذلك قصيدته الموسومة بـ: (( هزوا اللواء )) التي (( أنشئت في حفل التبرع لفلسطين في 29/1/ 1367هـ )) (90) ، ومطلعها:

هزوا اللواء فإن الشرق متحد

والضاد محتدم الأرجاء يحتشد (91)

وفي عام 1368هـ / 1948م أسهم العقيلي بقصيدتين الأولى أنشدها (( في حفل مدرسة جازان)) (92)، والأُخرى نشرها في مجموع : (( شعراء الجنوب )). وعنوانها ((قلمي)) ، ومطلعهما على التوالي :

حي العلوم وحي الفن والأدبا
هنا قلم شخت الشّبات نحيـل

وحي شعباً إِلى غاياته وثبـــا (93)
به الفن يسمو والبيان يصول (94)

وفي عام 1371هـ/1951م أسهم العقيلي نفسه بقصيدة عنوانها : ((عهد الخلفاء الراشدين)) : (( بمناسبة إلغاء رسم الحج )) (95) ، ومطلعها :

عاد عهد الخلفاء الراشدين

ملك أروع وضاح الجبين (96)

وفي عام 1372هـ /1952م أسهم هذا الشاعر أيضاً بقصيدة عنوانها (( الجزيرة العربية))، وطالعها :

شبه الجزيرة منعة وبناء

وحمى العروبة منبراً ولواء (97)

ولما فجع الناس في هـــذه البـــــلاد بوفاة إمامهم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود سنة 1373هـ / 1953م أسهم الشاعر العقيلي مع غيره من شعراء هذه الأنحاء بقصيدة قال فيها :

نير قد هوى فرج العوالـــم
فقدته البدور في عالم الشــهـ
ونعته البروق وانتحـــب الـ
قلت : والأفق مدلهم الحواشي
أيها العاهل العظيم تأمــــل

وأَحال الشموس والكون قاتــم
ب ، وتاهت له السدوم الهوائــــم
ـريح انتحاباً يشق جيب الغمائـــم
والأسى مطبق على الأرض جاثــم
(( لك في الأرض والسماء مآتم ))
(98)

مما يشير إلى حسن تفاعل هذا الشاعر مع مصاب وطنه ، وأنه قد سكب حزنه في هذه الأبيات بصدق ووضوح ، وهو ما يدل على أثر هؤلاء الأدباء الجنوبيين في بناء حياة هذا الأدب عبر هذه المرحلة.

أما محمـد بـن علـي السنوسـي فقـد قيـل عنـه: إنّـه نظـم (( الشِّعر وعمره أربع عشرة سنة)) (99) ، حيث بدأَ قوله في وقت مبكر من سني حياته الأولى ، وتعد قصيدته: ((المدرسة)) : ((أول قصيدة نشرت له في الصحافة المحلية )) (100) ، ومطلعها :

عذبت مواردها الغزار مناهلا

دار تفيض بها العلوم جداولا (101)

ولقد عرف هذا الشاعر : (( بأهمية دوره وأثره في الأدب السعودي بعامة ، حيث لقب بشاعر الجنوب )) (102)، لما نهض به من إسهامات شعرية ، ولما كان عليه من الحضور الأدبي المميز في المشاركات المحلية ، والصحفية ، فقد نظم في احتفالات عيد الأضحى سنة 1364هـ/1944م قصيدة مطلعها :

ما فتحت ناظرها الأيــــام
عن مثل يــــوم حفــــــــــه الإســـــلام

ولا بدا من ثغرها ابتسام
واجتمعـــــــــت في ظلـــــــــــــه الأنـام

 

     واختال فيه الركن والمقام (103)

 

ومن الواضح : (( أَن بناء هذه القصيدة الموسومة بـ : (( في ظلال المشاعر المقدسة)) ليوحي بمحافظــــــة السنوسـي علـى النهـج التقليـدي الذي وصلت إليه القصيدة العربية في العصور الأَدبية الأَخـيرة الماضيـة ، وأَنـه قـد تأثّر بأَبيـه وقلّده ،  إِذ نطالـع روحـه الشّعرية ظاهرة في هذه القصيدة )) (104) ، ولكن هذا النهج التقليدي لم يؤثر على مسيرة هذا الشاعـــــر الأَدبية ، إذ نلحظــــه في مستقبله الأَدبي عبر هذه المدة من أَظهر شعراء بلده حرصاً على التجديد في ألفاظه ومعانيه ، وأكثرهم مشاركة وإنتاجا ، ففي عام 1366هـ /1946م أسهم بقصيدة عنوانها ((أغنية الليل )) ، نُشرت في ديوان المنهل ، ومطلعهـــا:

 

وتر ما سمعت أم قيثاره

أم شجى بلبل الرياض هزاره (105)

يقول أحد الباحثين : (( وأما السنوسي فقد استمر عطاؤه الشعري عَبْرَ سني : 1368هـ ، 1369هـ، 1370هـ )) (106) ، إِذ أسهم عبر هذه السنين بأربع قصائد ، مطالعها على التوالي :

 

لألأ الفجر واسبطـر الشعــــاع
تحية شهداء المجـد والشــــرف
ضحى أعلن المكتوم من سرّ وجداني
تاج يضئ ودولـة تتألــق

واكتست حلة الضياء البقــاع (107)
عطراء كالمسك أَوكا لروضة الأُنف (108)
وألهب بالذكرى فؤادي وأشجاني (109)
وحمى يصول وأمــة تتفـوق (110)

ولقد قيل عن هذا الشاعر عند إذاعة قصيدته : (( تحية الإذاعة السعودية )) عام 1369هـ/1949م إنـه : (( أول أديـب جازانـي يذاع شعـره فـي العالم على أَمواج الأَثير)) (111)، ويقول عبدالقدوس الأنصاري في معرض حديثه عن السَّنوسي نفسه : ((ربّما كان بروز هذا الشــاعر لأول مرة ذا صلة ما بما كان ينشر له بين آونة وأخرى بمجلة المنهل منذ أوائل العقد السابع)) (112) ، وهذا القول يدل على حضور مميز لهذا الأديب في الدوريات المحلية، وأنّ له أثراً ظاهراً في حركة الأدب السعودي يومئذ ، إذ كان من شعره المنشور سنة 1371هـ/1951م قصيدته المعنونة بـ: (( ديوان شاعر )) ، ومطلعها:

عبق يفعم النفوس شذاه

ويثير الهوى عبير صباه (113)

وفي عام 1372هـ/1952م يسهم محمد بن علي السنوسي بقصيدتين الأولى مطلعها :

هبّ والأفق ديمة وغمامة

وجبين السّماء بادي الجهامة (114)

والثانية مطلعها :

أمل لاح في سماء الوجود

ذهبي السّنا زكي الورود (115)

ولما توفي الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله رثاه محمد بن علي السنوسي بقصيدة، مطلعها :

صقر الجزيرة عاهل الإسلام

مَنْ ذا يكافح عنهما ويحامي (116)

ولم يقتصر هذا الأثر الأدبي على هذين الشاعرين السابقين وحسب ، بل أسهم معهما في بنائه الشاعران أحمد بن عبدالفتاح الحازمي ، وعلي بن حسين الفيفي .

أما الحازمي فقد نُشِرَ له في مجموع : (( شعراء الجنوب )) قصيدتان إحداهما عنوانها : (( ما للكرى )) ، ومنها :

ما للكرى لم يصاحب منك أجفانــا
ولىّ الشباب ولي بالجهـل معـــــذرة
وإن رأيت نحولاً أو كلال حجــــى
فإنما اضطراب الفكر من نبــــــــأ
قضى بها محض بر الوالدين علـــى
فلم يكن غير رد الطرف من عجل
صف لي فديتـــــك نجداً في تقدمهــــا

وما سباك فما تنفك ولهانـــــــا
فكيف أصبو وعصر الشيب قد حانا
أو خاطراً جال أحياناً وأحيانا
برحلة ما سمعنا عنه إعلانــــــــا
من رافقته المعالي حيثما كانـــــــا
حتى عمدنا إلى تسآل جيزانـــــــا
وما الرياض وما الأحســــا وظهرانــا (117)

والقصيدة الثانية مطلعها :

ليالي الأنـــــــس هذا الأنس جودي

بما تهـــــــوى على رغم الحسود (118)

فإذا كان مجموع : (( شعراء الجنوب )) وعاء هاتين القصيدتين قد طُبع ونُشر في عام 1374هـ /1954م فإِن هذا النتاج المحدود الذي أسهم به الحازمي يمثل أثره الأدبي في بناء حياة الأدب السعودي في عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله تعالى .

وأما الشاعر الفيفي فلقد قيل: إنه (( نشر جزءاً من نتاجه في الصحف والمجلات السعودية)) (119)، وأنه في عام 1370هـ /1950م نظم قصيدته الموسومة بـ: (( راعيات))  ومطلعها :

لا تسألـــــــــــــــــــوني مـــــــــا بـــــــي

فمـــــــــــــــا معي من جــــــواب (120)

ومهما يكن من أَمر فإِنِّ ما عُرض من قبل ليشير إلى حضور أدبي ملموس ، وأن إِسهامات أولئك الشعراء التهاميين لتعد من اللبنات الأولى لبناء الحياة الأَدبية في عهد الملك عبدالعزيز ، وأنها بمنظور نقدي منصف لتستحق التقدير والاهتمام ، إذ هي بهذا الحضور المبكر تفيد المؤرخ الأدبي عند حديثه عن نشأة الأدب السعودي المعاصر ، وتسعفه بالمادة الأدبية الأولية عند التأريخ له أيضاً ، وهو ما يجب الاعتداد به ، وتوجيه الاهتمام نحوه ، بل ودراسته ونقده بروح أدبية منصفة .

 

وحينما يدرك الباحث أن سنة 1338هـ/1919م تعد بداية لتاريخ انضمام بلدان عسير للدولة السعودية، حين أخذ الملك عبدالعزيز يؤلف بين أَجزاء هذه البلاد ، فإن من شعراء هذه البيئة الذين شهدوا هذا العهد عبر الربع الثاني من القرن الرابع عشر الهجري وما بعده، وأخذوا يسهمـون مع إخوانهم الأدباء السعوديين من بعد: الشعراء: عبدالعزيز بن محمد الغامدي (1278 1356هـ)، وأحمد بن إبراهيم النعمي ( 000 1366هـ)، وإبراهيم بن علي بن زين العابدين الحفظي (1305 1372هـ)، وعبدالله بن علي بن حميد ( 1326 1399هـ ) .

أَما عبدالعزيز الغامــدي : فقد : (( حافظ على أغراض الشعر التقليدي، ولكنه لم يسلم من الضعف في الحس العروضي واللغوي ، ومن شعره تلك القصيـــدة التي أنشأهــــا يمدح الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، ويدعو إِلى وحدة إِسلاميــة شاملة )) (121) ، إذ قال :

فيم التغافل والأعمار تستلــــب
نمشي على إثر أقوام لنا سلفــــوا
يا حادي العيس سر بالعيس رافلــــــــة

ودعتها يوم راحت نحو سيدهـا
عبدالعزيز الذي سارت فضائلـه
فبلغوه سلاماً دائمـــــاً أبـداً
والله ينصر في الإسلام قومتـه
دعوا الشقاق واحموا دينكم فبــه
عصائب الكفر والشيطان قصدهــم
يا راحلين لأهل العلم قل لهمو
(123)

والحتف ما بيننا يدنو ويقــــترب
ونحن من بعدهم نذهبْ كما ذهبــوا
يزهو
(122) بها الخرج والزينات والقتب
وكان مشيي مع ركابهـا يجب
مسيرة الشمس ضحوًا ما لها حجب
والريح تبلغ ما تأتي به النجـب
لينصر الدين حتى ينفد الكذب
تدنو الرقاب لكم والعجم والعـرب
لديننا يغلب الصلبان والنصـب
يحمون شرع رسول الله لا نكبوا
(124)

ولم يمحـض الغامـدي شعـره للمدح والمناصحة وحسب ، بل له مشاركات أخرى في ميادين الرّثاء (125) ، والمدائح النبوية ، و : (( الحنين إِلى الأَماكن المقدسة )) (126) .

وأَمّا أَحمد النّعمي الذي مات: ((في شرخ الشباب)) (127)، فقد أَنشأ جملة من القصائد معظمهـــــا في مدح الملك عبدالعزيز، والثناء عليـــه، إحداها قيلت في سنة 1363هـ /1943م  منها :

لست أدري من كثر فرط سروري
أَي قول أفيضُ من لسانــي
فيكم تفرح القلوب وتصفــــــــو
أيها القوم رددوا دعــــوات
وإلى الله فاضرعوا باجتهــاد
ملك العرب ، نعم عبدالعزيـــــــز
نشر الأَمن في عموم البــلاد
ونفى الظلم وأهله مذ تولــى
حارب الجهـــــــل باجتهـــــــاد إِلى أن

واغتباطي وفرحتي أجمعينــــا
أي شكر أزف للحاضرينـــا
وعلى الرحب كلكم قاطبينا
من صفا الود وأبهلوا أجمعينا
يحفظ الملك بهجة المسلمينــا
رائد المجد غرة السعد فينــــا
ثم ما زال يركس المعتدينـــا
ساهر العين قامع الظالمينــــا
أصبــــــح الجاهلونــا كالعالمينــــا
(128)

وفي عـام 1364هـ /1944م أَنشـأ قصيدة أُخـرى ، حيّا فيها الملك عبدالعزيز إِثر عودته : (( من رحلة له كان قد قام بها إلى القاهرة )) (129) ، منها :

إن أَبها اليوم فيها البشر قرّ
رقصت من طرب في فرح

وتولاها حبور منتشـــــــــر
فهي جذلى في سرور مستمر
(130)

وفي 22 جمادى الأولى 1365هـ أَنشأ هــذه القصيــدة الثالثـــة التي يقول في صدرهــــا :

دع ذكر سلمى ووصف الأعين النجل
وخض غمار العلا ، واقصد أخا ثقة
عبدالعزيز سليل المجد مَنْ كرمـت

وخل عنك بكاء الدار والطلل
رحب الجناب بلا خوف ولا وجل
أعراقه الصيد في أسلافـه الأول
(131)

مما يدل على وفرة نتاج هذا الشاعر الناشئ الذي أظهر نباهة شعرية في مطلع شبابه المبكر .

وكان إبراهيم الحفظي : (( من أوائل الشعراء في عسير الذين شايعوا أمر هذه الدولة السعودية ، وأمضوا قدراً من سني حياتهم في ظلالها ، ولكنه يشبه معاصره الغامدي ، من حيث وضوح الضعف الشعري ، واتصاف شعره بملامح : الجفاف ، والركاكة ، والنثرية )) (132). وأما الشاعر عبدالله بن علي بن حميد فعلى الرغم من : ((أن ابنه محمد بن عبدالله الحميد قد جمع شيئاً من نتاج أبيه في كتاب : (( أديب من عسير)) ، إِلاّ أنه ... لم يؤرخ لذلك النتاج مما يجعل تحديده أمراً شاقاً )) (133) ، فالذي : (( يعترض الدارس لشعر عبدالله الحميد : عدم تحديد تاريخ نظم قصائده التي أنشأهـا في هـذه الفترة ، بل وفقدان معظم ذلك الشعر ، وعدم الإحاطة به))(134)، ولقد تنبه إلى شيء من هذا عبدالله بن حميد نفسه ، إذ قال : (( فقد نشرت لي عدة صحف : مقالات ، ومسلسلات ، وبعض القصائد الشعرية ، ومنها ما أذاعته الإذاعة السعودية، ولكنـــني مع الأسف لا أحتفــــظ بالكثير مما نشـــر وأذيع من المقالات والقصائد؛ لأني لم أفكر في جمعها وتدوينها إِلاّ بعد فوات الأوان )) (135) .

ومع ذلك كله يذكر عبدالله بن علي الحميد أيضا أنه قد أسهم في سنة 1348هـ بقصيدة من إنشائـه ، وأنها نشـرت له في صحيفـة أم القرى ، فإذا صح هذا القول مع عدم وجودها باسمه في: (( معجم المصادر الصحفية )) للدكتور منصور الحازمي فإن هذا الإسهام الشعري من هذا الشاعر يعطي لقصيدته تلك بعداً أدبيًا خاصاً ، إذ يعد عندئذ من أوائل أدباء الجنوب الذين شاركوا بشعرهم حينئذ في هذه الصحيفة ، يقول عبدالله بن علي الحميد نفسه : (( وفي عام 1348هـ وبعد أن أخمد جلالة المرحوم الملك عبدالعزيز - رحمه الله - حركة التمرد التي قام بها بعض قبائل الجزيرة العربية برئاسة فيصل الدويش ، وسلطان بن بجاد ، وابن حثلين وغيرهم بعثت قصيدة لجلالته مع كتاب خاص هنئته بالانتصارات التي أحرزها على المتمردين وقــد فوجئـت بالقصيدة منشورة في جريدة أم القرى ، وكانت الجريدة الوحيدة في المملكة يومئذ )) (136) ، وهذا القول إن صحّ يدل على أثر أدباء جنوبي المملكة العربية السعودية المبكر في بناء الحياة الأدبية في عهد الملك عبدالعزيز ، وأنهم عندئذ تبوأوا منزلة أدبية، أهلتهم للنشـر فـي أولى صحف الدولة السعودية يومئذ .

ويلحق بمن أسهموا بشيء من شعرهم في عهد الملك عبدالعزيز من شعراء عسير يحيى بن عبدالله المعلمي ،  وهاشم بن سعيد النعمي ( 1340 000) . أما المعلمي فقد أتى على ذكر شيء من نشأته الأدبية بقوله : (( أذكر من أولى القصائد التي نظمتها أبياتاً رفعتها إِلى جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله ، أقول فيها :

كم لآل السعود من مفخـــــرات
فلكم شيدوا معاقــــــل مجــد
هــم سراج الهدى ونجوم الدياجي

لم تصف حصرها كماة الرجــال
ولكم بنوا صـروح معالي
هم ليوث الوغى أَسود القتال ))
(137)

ولـه قصيـدة أَخـرى أَنشأَهـا فـي عام 1360هـ /1940م ترحيباً بأحد القادمين ، وعمره عندئذ كما يقول أَربعة عشر عاماً (138) ، ومنها :

أهلاً بمقدمك الكريم فإِنه
فجلا لنا ظلم الليالي بغتة
هــم سراج الهدى ونجوم الدياجي

كالصبح أسفر بعد ليل داج
من غير مشكاة ولا مسراج
(139)
هم ليوث الوغى أُسود القتال )) (137)

ولما تـــوفي الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله تعالى سنة 1373هـ/ 1953م رثاه المعلمي ، وهو يومئذ في القنفذة بقصيدة قال فيها :

عنت الوجوه ومالت الأعنـاق
وتلفتت شبه الجزيرة دهشــة
نبأ به اصطكت مسامع أمـــة

وبكى الفؤاد فدمعه مهراق
وارتجت الأمصار والآفــاق
فأصابها من هوله الإطـراق
(140)

 

ويلحظ على هذا الشعر أجمعه الدربة والمراس ، ولكنه دليل على تحقيق أثر هؤلاء الأدباء في بناء الحياة الأدبية بهذه البلاد عبر هذه المدة .

وأما هاشم النعمي فله ـ على الرغم من ضعف الحس العروضي ـ مشاركات أدبية محدودة ، منها قصيدته الموسومة بـ : (( أبها البهية )) التي أنشأها – كما قال – سنة 1365هـ /1945م ، وفيها يقول :

قهقه الرعدُ فوق متن الغمامَــهْ
وتنامــت براعـــــمُ الروض لمــا
طارحتني حمائم الورق شجواً
قلت : فيما الجفا وفيما التجافـــي
قلن مهلاً رويداً رويداً
فوق سفح الحمى ترفل أبهــــــــا
يا رعى الله منها اللوى والأجارع
خِلْسَةً ترشف المزنَ طوراً وطـوراً
صاغها الله غادة وجمـالاً
تلك أبها البهاء عزّت غلابــــــاً
فانعمي يا بلادي هنيئــاً
في حمى الشوس آل سعــــــــود

وَهَمَى الصيبُ واكفاً من لثامــــهْ
طرَّز الغيث زهْرَهُ وكمامَهْ
كلّنا في الهوى ناشراً أعلامــــــــهْ
والتجني في لوعة وعلامَـهْ
ما على الصّب في حبِّ أبها ملامَهْ
في إباء وعزة وكرامـــه
وسقى الله بالغيث أجراع رامـــه
بأقدامها تلف الغمامـــهْ
وحباها قداً أسيلاً وقامـه
مثلما عزّ أهلها شجاعة ووسامــه
في أمان وعزة وسلامــه
قادة الفكر والإباء والزعامــــهْ
(141)

ولا شك أن مثل هذا الإسهام الأدبي المحدود ينهض بدوره الأدبي المحلي في محيط البناء الكلي لحياة الأدب السعودي في عهد مؤسس هذه البلاد وبانيها ، إذ نلحظ بعد هذا العهد نهضة الأدب في الجنوب ، واتساع نشاطه بحيث أضحى من الروافد الحقيقية للأدب في المملكة العربية السعودية .

 


ثانياً : في النثــر :

يتمثل مفهوم النثر الذي نهض به أدباء تهامة وعسير في عهد الملك عبدالعزيز في ظلال الأدب السعودي المعاصر في لونين ظاهرين ، هما : المقالة والقصة ، وأولهما كان أسبق ظهوراً ، وأوسع حضوراً على الرغم من قلته في هذا العهد إذا ما قورن بالعقود الأخيرة اللاحقة به ، وتسبق عسير تهامة في كتابة هذا اللون الأدبي ، ومع ذلك فقد قيل في كتاب : (( نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة العربية السعودية )) : إنه: (( يتضح من تتبع تاريخ نشأة المقالة في الأدب التهامي ، وما قد يتصل بظهورها أن سنة 1373هـ /1953م تعد بداية أولية لهذا النوع الأدبي ، إذ نلحظ أن الأديب محمد زارع عقيل قد بدأ يتناول قضايا وطنه في الصحافة بشيء من العناية والاهتمام )) (142)، وأَنّه اعتاد كتابة ذلك في موضوعه الدوري ذي العنوان : (( اعرف بلادك)) الذي كان يسهم بالكتابة فيه في الدوريات المحلية ، ويؤكد هذا القول ما ذكره محمد زارع عقيل نفسه ، حين ذكر أن : (( أوّل كلمة نشرت [ له ] كانت من سلسلة اعرف بلادك ، نشرتها مجلة المنهل في عددها الصادر في شهر جمادى الثانية عام 1373هـ ))(143) . وعندئذ وصف هذا الأديب نفسه بأنه : (( أول من كتب عن منطقة تهامة في التاريخ، وأول من كتب في سلسلة اعرف بلادك في صحافتنا المعاصرة )) (144)، وهذا الإسهام الأَولي من لدن هذا الأديب قد يفيد في تحديد بداية هذا الدور الأدبي على الرغم من قلته ، وتواضع عطائه .

ومهما يكن من أمر فلربما كان العسيريون في هذا الميدان أكثر عطاءً من إخوانهم في تهامة لما توافر لهم يومئذ من أسباب الكتابة والمشاركة الأدبية ، فلقد قيل: إن ((المحاولات الأدبية التي يمكن عدّها من أدب المقالة في عسير ، قد أخذت في التطور والنضوج منذ سنة 1371هـ / 1951م ، إذ يمكن بالفعل عدها البداية الفعلية لتحقيق معالم الكتابة الأولية المأمولة لظهور بدايات المقالة في أدب عسير )) (145)، ولعل من أشهر كتابها عندئذ: عبدالله بن علي الحميد، ومحمد أَنور، وسيف الأَلمعي، وعبدالقادر الحفظي، والحكم علوان (146) .

ولقد قيل في كتاب : (( نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة )): إن عبدالله بن علي الحميد في سنة 1371هـ /1951م ، قد كتب : (( مقالاً في جريدة البلاد السعودية ، عنوانه : (( صورة التعليم في أبها )) (147)، وهو في جملته مقال واقعي يتحدث فيه كاتبـه عـن ضعـف القدرة التعليميـة عنـد بعـض المعلمـين فـي هـذه المدينة حينئذ ، وقد تناول هـذا الموضــوع والتعقيـب : محمد أنور في الجريدة نفسها بمقال سمّاه: (( حول صورة التعليم في أبها )) (148)، وعلى الرغم من قسوة أسلوب المقال الأول ، فإِن المقال الثاني كان في أسلوبه أكثر ثقة ، وأقرب للهدوء ، حيث كان يتسم بقوة التعبير ، والوضوح في المعنى ، ولم يكن مقال الحميـد السابـق ، بالمقـال الوحيـد فـي ذلك العام ، وإنما هنالك مقال آخر، كتبه تحت عنوان: (( الأخلاق والمدارس))(149) مما يدل على نشاط هذا الكاتب وحماسته )) (150) ، وهذه البدايات الأدبية في كتابة المقالة تشير إلى أثر هؤلاء الكتاب في بناء هذه الحياة الأدبية الناشئة  .

وقيل أَيضاً في هذا المصدر السَّابق نفسه : (( وإذا كان عبدالله الحميد ، ومحمد أنور قد تناولا موضوعاً محلياً ، فإن سيف الألمعي قد عالج في ذلك العام نفسه موضوعاً إِسلامياً مهماً عنوانه : (( التوكل في الإسلام )) (151) ، وعلى الرغم من وفرة المعاني التي يمكن للكاتب أن يناقشها في هذا الموضوع ، وأن يتخذها مجالاً لمقالته ، لم تكن قدرته الأسلوبية مهيأة للمناقشة والتحليل ، ومع ذلك وصف هذا الكاتب من لدن أحد معاصريه بأنه أهل للكتابـــة ، إذ كان يرجى منه عندئــذ أكثر من هذا الإسهام ، ويأتي دور عبدالقـــادر الحفظي ، والحكم علـــوان واضحاً في ميدان الكتابة والتدوين ، إذ كتـــب الأول مقالاً في مجلة المنهـــل في غضــون هذا العام نفسه تحــت عنوان : (( نظرات [وملحوظات] ))(152) ، على حين كتب الثاني في جريدة البلاد السعودية مقالاً مفيداً تحت عنوان : (( هذه بلادنا : أيها المصيف الجميل )) (153) ، تناول فيه واقع هذه المدينة، وما يمكن تقديمه نحوها من أسباب للنهوض بها ، ولم تخرج تلك المقالات السابقة عن طور النقد ، والرغبة في الإصلاح )) (154) .

وفي سنة 1373هـ /1953م كتب حسين بن ظافر الأشول مقالاً : (( تحت عنوان: ((ما كان ظني كذا )) (155) ، وهو مقال نقدي جاد تعرض فيه الكاتب لمضمون العــدد الأول من مجلة اليمامة ، وقد أعيد نشره مرة أخرى في مجلة اليمامة نفسها ، ولم يكن الأشول وحده الذي أخذ في الكتابة منذ هذا العهد المبكر من تاريخ هذه النشأة ، وإنما ماثله عندئذ نفر من أدباء عسير ، منهم : عبدالله بن علي الحميد ، ومحمد بن عبدالله الحميد. أما عبدالله الحميد، فقد كتـب فـي اليمامة مقـالاً، عنوانـه: (( الباديـة)) تمّ نشـره في رمضان سنة 1373هـ/1953م (156)، وأما محمد الحميد ، فقد كتب مقالاً في 6/10/1373هـ في جريدة البلاد السعودية، عنوانه: ((أطفرة أم إلحاد)) (157)... )) (158). وهذه الإسهامات الأدبية الأولية في ميدان المقالة تدل على أهمية أثر هؤلاء الأدباء العسيريين ، في بناء هذه الحياة الأدبية الجديدة في عهد الملك عبدالعزيز .

ولم تكن كتابة القصة في الأدب التهامي عند نهاية هذا العهد قد ظهرت ، إذ المعروف أنها تأخرت إلى عام 1375هـ/1955م، وذلك بعكس ظهورها في أدب عسير الذي يقدر بسنة 1372هـ/1952م، (( ولعل ممن يعد من روادها في هذه الأنحاء الأديب محمد بن عبدالله الحميد الذي ذكر أن أول قصة نشرت له كانت بعنوان : ((قد يكون الفقر سلم المجد)) ، وأنه نشرها في جريدة البلاد السعودية عام 1372هـ/1952م (159) ، ويبدو أن الحميد لم ينقطع عن كتابة هذا اللون الأدبي، بل واصل نتاجه في هذا الميدان القصصي ، إذ وجد هذا الفن قبولاً عنده ، بل جعله هذا الشعور يخالف إخوانه الكتاب في عسير الذين انصرفوا نحو : كتابة المقالة ، ونظم الشعر ، وإعداد التحقيقات المختلفة التي تدخل تحت مظلة الأدب ، ففي سنة 1373هـ/1953م نشر الحميد قصة أخرى في جريدة البلاد السعودية نفسها تحت عنوان  ((ابن الليل )) ، حيث وصفت بأنها : (( قصة العدد )) (160) ... )) (161)، وقد أدى هذا الاهتمام عند محمد بن عبدالله الحميد من بعد إلى إصداره مجموعته القصصية الأولى التي سمّاهــا (( شهادة للبيع )) ، وهذه الومضات الأدبية الأولية تشير إلى حقيقة أثر أدباء الجنوب في بناء هذه الحياة الأدبية التي ندرسها ، وتدل بالفعل على حضور أدبي مخلص .


 

 المبحث الثالث : الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في أعين معاصريه أدباء الجنوب:

ولما استقر وضع هذه البلاد ، وأصبح اسمها سنة 1351هـ /1932م : (( المملكة العربية السعودية )) تآخى الناس ، وانصرفوا لبناء حياتهم الاجتماعية والثقافية ، حيث نعمت بلادهم بالأَمن والاستقرار ، وانتشار التعليم ، ونهضة القضاء ، وعَمُرَتْ حواضرهم ، وتحققت النقلة بين قراها ، وذابت دواعي الخلف والشقاق ، واندفعت الفرقة المذهبية بينهم ، مما حقق حياة مطمئنة آمنة .

ولما كان الملك عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - كثير الحرص على تحقيق تلك الأسباب ورعايتهــا، فــإن أدباء زمانه قد حققوا في آثارهم تلك المعاني، وسعــوا في إظهارها والإشادة بها، حيث أعجبوا بشخصية ولي أمرهم ، ورأوا من واجبهم ذكرها والإشادة بها، ولعل من أبرز أولئك الأدباء الذين حملوا هذه المسؤولية ، وتحدثوا عنها: محمد بن علي الإدريسي (1239–1341هـ)، وعلي بن محمـد السنوسي (1315–1363هـ)، وحافـــظ بن أحمـــد الحكـــمي (1342–1377هـ)، وعبدالرحـــمن بن يحيى المعلمي (1312 1386هـ)، وعبدالله بن علي العمودي ( 1278 1398هـ)، وأحـــــمد بن عبدالفتــــاح الحازمــــي (1333 1410هـ)، ومحمـــــد بن أَحمد العقيلي (1336هـ000) ، ومحمد بن علي السنوسي في تهامة، وعبدالعزيـز بن محمد الغامـدي ( 1278 1356هـ)، وأحمـد بن إبراهيم النعمي  (000 – 1366هـ ) ، وإبراهيم بن علي زين العابديــــن الحفـــــظي ( 1305 – 1372هـ ) ، وعبدالله بن علي بن حميــــــد ( 1326 - 1399هـ ) في عسير ، وغيرهم.

أما الإدريسي فقد كتب عام 1340هـ /1921م في صدر إحدى رسائله للملك عبدالعزيز ثناءً جميلاً ، وأردفه بقصيدة شعرية، حيث قال: (( ... وعلى الأمير المعظم ، والشهم المفخم القائم بتجديد الدين ، وتوحيد رب العالمين : عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل آل سعود سدّد الله أفعاله ، وصدق مقاله ، ولا زال قائماً بنصر الدين الحنيفي لإعلاء مناره، في إيراده وإصـداره ، وعليـه منا السـلام ، ورحمة الملك العلام ، وتحياته ، ومرضاته على الدوام ، أما بعد :

فإِنا وجهنا إليكم هذه الجملة لحضرتكم الشريفة ، ومعاليكم المنيفة؛ لأنه قد سرّنا ما أنتم عليه من الدعاية إلى الله تعالى ، ونشر دعوة الخير والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإظهار شعائر الدين ... ذلك لأني أحبك في الله عزّ وجل ، ختم الله لنا ولكم بالحسنى ، وأحسن المنقلب في العقبى ، نعم ! قد بشرنا أحد أولياء الله الصالحين برؤيا رآها لكم ، وهي من المبشرات تدل على حسن سيرتكم ، وصلاح أعمالكم ، فهنيئاً لكم، ولا تسعها هذه العجالة ذات السطور ، بل تحفظ في الصدور إلى الاجتماع بكم ، وقد شفعنا هذا النثر بهذه المنظومة مادحاً بها جنابكم المعظم ، ومشيرة إلى ما تقدم ، وليس الباعث على ذلك إلاّ المحبة والوداد ، إِرضاء لمالك العباد :

حبذا جيرة كرام بنجــــــــــد
ليتهم عرجوا لي يوم بانــــــوا
صادح البان في الربى قد تغنى
باقتفاء الرسول حقاً قفيتـــــم
وبتوحيد ربنا قد أبنتـــــــــم
حبذا حبذا الداعي أنــــــــى
دعوة الحق قد أتانا شذاهــــا
فمناتي أنتــــــم ولاة ودادي

سكنوا في ظلاله ورمالــــــــه
هاجري ليس لي عن مثالـــــه
عن معنى يهوى ربى أطلالـــه
بالهدى ناصحي من في ضلاله
في سناء الكتاب من أَمثالــــه
شائق عاكف لنهج مقالــــــه
عبق الكون تائهاً في جلالــــه
ودوائي عن علتي بوصالــه
)) (162)

وهذا الإسهام الأدبي من لدن الإدريسي يدل على موقفه المنصف تجاه الملك عبدالعزيز ، وما تفيض به مشاعره نحوه سواء كان ذلك في نثره أم في شعره ، وأما السنوسي فيتحقق من شعره أنه عبر حياته في هذا العهد قد صرف معظم شعره في مدح الملك عبدالعزيز ، والإشادة بجهوده فيما حققه من فلاح للبلاد والعباد ، حيث انتظم هذا الشعور فيض زاخر من العطاء الأدبي الذي كان في جملته ينشر في المواسم عند حلولها في وطنه ، أو موسم الحج عندما كان يبعث به إلى هنالك ، إذ هو في الغالب عندئذ ينشر في الدوريات الرسمية أو غيرها ، مثل : جريدة أم القرى ، أو مجلة المنهل أحياناً ، ومن ذلك قوله :

ما فوق رتبتك الرفيعة ســـــؤدد
طلت الزمان وأهله بسيـــــــادة
قسماً بمن رفع السماء وشادهـــا
ما زالت الأعراب قبلك حقبـــة
حتى نشأت بهمة غلابـــة
أنشأت فيها دولة عربيــة
وأقمتها لله لا تبغى بهــــا
وحميتها بالمشرفي وصنتهـــا
كانت هي الرمم التي قد قطعـت
ألقى إليك نجارها من وائــــــــل
والأرض من وشي النبات كأنهـا
وملأتها أمناً فأصبح قطرهـــــــا
وأزحت عنها كل مفسدة إلــــى
لو قيل من أرضى لخالقه ومَــــنْ
لتقول ألسنة الوجود بأسرهـــــا
ملك الزمان وحبره وعمــــــاده
وأجل من أحيا الكتاب وسنــــة

أبداً ولو أن المجرة مقعـــــــــد
قعساء يقصر عن مداها الفرقـــد
سبعاً وفيها النيرات الوقـــــــــد
بيد الحوادث تمتهان وتَضْهَــــــدُ
وعزيمة يرتاع منها الجلمــــــــد
بالنصر من رب السماء تؤيـــــد
جاهاً ولا مالاً يبيد وينفـــد
عن كل طاغية لها يترصــــد
حتى استقر بها لديك المقعــــــد
عمرو بن كلثوم، فنعم! المحتــــد
خود عليها من مطارف أبـــــرد
حرماً فلا يخلى خلاه ويعضـــــد
أن خاف سوط عذابك المتمــرد
أعلى وأنبل في الملوك وأمجـــــــد
عبدالعزيز الأروعي الأوحـــــــد
عملاً وعلماً والإِمام المفـــــــرد
للناس في نشر الهدى ومجـدد
(163)

فمن يقرأ هذه القصيدة : (( يلمس أن الشاعر قد أفاد من عمره الأدبي ، واستطاع أن يحمل ألفاظه المعاني التي يريد تحقيقها ، والتحدث عنها ، مما يعكس تطور هذا الشعر في ميدان أسلوب التعبير ، والدلالة اللغوية ، فهو مثلاً يلون تلك الألفاظ الدلالية بشيء من ملامح المبالغة المقبولة ذات العمق الدلالي ، ولا غرو فهي تناسب أفعال الممدوح ، انظر إلى قول الشاعر :

ما فوق رتبتك الرفيعة ســـــؤدد
طلت الزمان وأهله بسيـــــــادة
حتى نشأت بهمة غلابـــة

أبداً ولو أن المجرة مقعــــد
قعساء يقصر عن مداها الفرقـــد
وعزيمة يرتاع منها الجلمـــد

فالأفعـال المستخدمة فـي البيت الثانـي [ والثالـث ] تزيد من توظيـف الكلمة ، وتعبر عـن معانيها ))(164)، ولقد كان السنوسي يصطاد المعاني الدالة على منزلة هذا المليك ومكانته السياسية وما قدمه لأمته ووطنه ، فهو يقول مثلاً :

ومن المحال بأن تكون ببلــــدة
وحمى الجزيرة واستقام بحفظها
والشرع في قنن المعالي شامـخ
أبدلتها بالذل عزّاً شامخـاً
وقال :

حمى حوزة الإسلام حتى تحجــرت
وسهل للحجاج كل مصاعـــــب
وأمنهم خوف الطريق فأقبلــــــوا
ومن قبله ما تستطيع قوافــــــــل
وشد عرى التوحيد في جمع كلمة

أمراؤه فيقيم فيها المجــــــــــرم
من بعد ما كانت يراق بها الدم
والكفر منتكس يخور ويبغـــــم
والخوف أمناً لا يراق به الـــدم
(165)

رباه وأحيا الدين نشراً وجددا
تشق عليهم رحمة وتفقـــــــــدا
إِلى الحج أفواجاً ومثنى وموحدا
سلوكاً به إلاّ وقد ذهبت سدى
وأَصلح ما كان التعصب أَفسدا
(166)

ولقد استطـــاع السنوسي في شعره أن ينقل صورة حقيقية لعصر الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى بما يوازي ثقة هذا الشاعر في ولي أمره ، ويعبر عن مكانته في نظره، إذ يقول :

 

ها نحن في عصره الزاهي على دعة
فالدار عامرة والسحب ماطـــــرة
والناس في ظل أمن أصبحت معـه
يأوي الغريب إِذا ما الليل أدركـه
كأنما القفر دار والخلا وطـــــــن
وحوله سيف عدل لا يفارقــــــه
ومن تكن هكذا أيام دولتــــــــه

وصفو عيش رغيد ما به كـــــــدر
والأرض زاهرة والدين منتشــر
هذي الحصون كلا شيء ولا القصر
لابن السبيل ومن قد ضمّه السفــر
رباه وأحيا الدين نشراً وجددا
يدور حيث تحل البدو والحضــــــر
يطيب للناس في أخباره السمـــر
(167)

وأما حافظ الحكمي فإنه ليدلل على منزلة الملك عبدالعزيز عنده بنصرته لمنهج الدعوة الإصلاحية وتجديدها على يده ، إذ يقول :


لكن أتى من بعد ذلك محنــة
فالنور تارات يضئ ويختفــي
حتى له ابتعث الإله إِمامنــا
فأشاد للإِسلام أعلى منــبر
وأعان طلاب العلوم منادياً
قوموا بتبيان الكتاب فإِنــه

وزعازع الأعداء واللؤَماء
أخرى فبين إِضاءة وخفـاء
عبدالعزيز الأكرم الآبـــاء
وأذلّ ما للدين من أعـداء
لهمو هلّموا معشر القراء
ميثاق خالقنا على العلماء
(168)

ويعظم فقد الملك عبدالعزيز عندما وافاه الأجل سنة 1373هـ /1953م في عين عبد الرحمن المعلمي حتى استطار به الحزن ، وأتعبه الألم ليقول :

آه على عبدالعزيز تأوهاً
تبكي العروبة شجوها لفراقــه
عدل وتوحيد بحق ليـــــس ما
أسد الجزيرة كان جامع شملها

يُلفى بكلِّ فم له ترديــــــــد
ولقد بكاه العدل والتوحيـــــــد
يعنيه من أخطاهم التسديــــــــد
من بعد ما أودى بها التبديــــــد
(169)

وليس بخاف على الناظر قدرة هذا الشاعر على توجيه معانيه واختيار ألفاظه ، إذ هو يسير في محاذاة الشاعر علي السنوسي لولا أن المعلمي يتفوق على السنوسي بالثقافة اللغوية ، على حين يتميز عنه السنوسي بموهبته الأدبية ، ولكنهما جميعاً في طليعة شعراء جازان يومئذ ، ويصدق حزن الشاعر عبدالله بن علي العمودي مع " نفسه " في قصيدته السينية التي رثى بها الملك عبدالعزيز ، إِذ قال في مطلعها :

الدهر بعدك حقاً مظلم عبس

والكل منا غدا عن منطق خرس (170)

إذ أفاض بمشاعره من بعد ، مما دلل على ولائه الحقيقي لهذا المليك وحبه له .

وكان الشــــاعـــر أحمد بن عبد الفتــــاح الحازمي في شبابـــه يفخر بولايـــة الملك عبد العزيز، ويشيد بمقامه السياسي والقيادي ، إذ قال :

لا زلت بالسعد والإقبال مقترنـاً
عبد العزيز المفدّى ليث غابتهـــا
كم قاد من قسطل لله محتسبــاً
وصاغ من مهج الباغين أوسمـة
وليبق في كنف الباري ونصرته

في ظلّ عاهل عدنان وقحطانــــا
من شاد للعرب والإسلام أركانا
وكم أباد على البيداء أقرانـــــا
وداس بالحقّ هامات وتيجانــــا
مؤيداً وبسفر المجد عنوانـــــا
(171)

وعلى الرغم من تواضع أَسلوب التعبير في هذا النص يشيد هذا الشاعر بمكانة الملك عبدالعزيز، ويدلل عليها بروح شاعرية واثقة ، إذ هو عندئذ يشهد نهضة محلية شاملة ، ونمواً فكرياً مزدهراً ، وهو ما تحقق من بعد في تعبير هذا الشاعر عندما نضجت أداته الشعرية .

وحيث اشتهر عطاء الشاعرين : محمد بن أحمد العقيلي ، ومحمد بن علي السنوسي عبر النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ، فإنهما يعدّان دون شك من أَشهر شعراء تهامة عندئذ لما كان لهما من حضور أدبي ، ولما توافر عليه من موهبة شعرية ، ومشاركات صحافية ، إذ عدّا في طليعة شعراء تهامة المعاصرين ، ولم يكن مقام الملك عبدالعزيز في ناظريهما بقليل ، بل كان كبيراً ظاهراً في شعرهما . أما العقيلي فقد عبر عن شعوره تجاه هذا المليك عند وفاته بقوله :

قلت : والأفق مدلهم الحواشـي
وهزيم الأثير يهـــــــدر بالأنبـ
والسكون الرهيب ينتظم الآفا
أيها العاهل العظيم تأمــــــــل

والأسى مطبق على الأرض جاثــم
ـاء والكون مرهف واجــــم
ق والنجم ساهر الطرف ساهــــم
(( لك في الأرض والسماء مآتم ))
(172)

لقد : (( ابتدأ العقيلي قصيدته بتكوين لفظي مناسب ، حيث جعل الوجود لغيبة هذا المليك في : تبدل ، وتغير ، فهذه آيات الكون من : شموس ، ونجوم ، وكواكب قد تبدلت لهول المصاب ، وهذه البروق ، والريح قد استطار ألمها فهي تنوح حزينة ، حتى إن شجاها ليحدث أثراً في هذا الوجود ، وكذا الأفق قد شكل مظهراً حزيناً يزيد في شجن الشاعر ، وحزنه ، وإنه ليوفق كثيراً في قوله :

والسكون الرهيب ينتظم الآفا

ق والنجم ساهر الطرف ساهــــم

عجيب حال هذا النجم ! وقد مضى به الليل لم يغرب ، ولم يأفل ، بل ظل ملازماً لهذا الليل المنصرم حتى إنه ليظن أن هذا النجم لا يسري ، وإنه ساهم مطرق لايثير واقعاً ، ولا يغير حالاً ، وما ذاك سوى خيال الشاعر الذي قلب هذه الصورة التقليدية التي عرفناها عند شعراء القرون الأخيرة الضعيفة الماضية إلى حال من الدأب، والحركة والوجوم حتى شكل لنا صورة فنية مناسبة)) (173) .

وأما محمد بن علي السنوسي فعلى الرغم من مشابهته لمعاصره العقيلي في رثاء الملك عبدالعزيز ، والتعبير عن أحاسيسه تجاهه ، إلاّ أنه قد تناول ذكره في مواطن كثيرة من شعره ، يقول أحد الباحثين : (( وقد ذكر الملك عبدالعزيز في قصيدة مستقلة هي : ((فارس الأحلام )) ، تحدث فيها على فتح الرياض ، فوصف : شبابه ، وجمال محياه، وأخلاقه ، وأنه من أسرة كريمة ، ووصف تصميمه على بلوغ مرامه ، وفضله على : هانيبال ، ونابليون :

وفتى يخطر في برد الصبــــا
فاحم الوفرة وضاء السّنـــــا
حدث شبَّ وفي أعطافــــــه
بين عينيه ضياء لامــــــــــع
شق جنح الليل عزماً ومضى
يمتطي طرفاً وينضو صارمـــاً
يقنص المجد ويصطاد العـــلا
أين هينبال من إقدامـــــه ؟

والرّدى يخطر والأرض تميـــــد
حالم النظرة كالرّمح مديــــــد
شيم تسمو وأخلاق تســــــود
من سنا ماض أقامته الجـــــدود
يركب الهول ويزجي ويقـــــود
ماله في وثبة المجد حــــدود
والظُبا تلمع والموت رصيــــــد
أين نابليون والحشد الحشيد؟
)) (174)

وعلى الرغم من تأثر الشاعر بأبيه علي السنوسي : يحسن هنا في حديثه الشعري السابق ، حين أعطى لشاعريته القدرة على التصوير ، وإيضاح المعنى .

وإذا كان شعراء تهامة السابقون قد أَثنوا على سيرة الملك عبدالعزيز ، وتناولوا جوانبها بالنظر والإشادة، فإنما هم عندئذ قد عبروا عن مشاعرهم تجاه ولي أمرهم ، ورأوه أهلاً لولايتهم ، وتحقيق آمالهم إذ هم يومئذ يفوقون بشعرهم ما تناوله إخوانهم الأدباء في عسير ، إذ كان العسيريون قلة ، ونتاجهم محدود ، ومع ذلك تناولوا هذا الجانب بالإشادة والثناء ، فلقد كان عبدالعزيز الغامدي في شعره يمدح الملك عبدالعزيز، ويذكر فضله ، وبخاصة في قصيدته البائية المشهورة التي يذكره فيها بقوله :

عبدالعزيز الذي سارت فضائلـــه
غيثاً لأهل الهدى ليثاً لأهل الردى

مسيرة الشمس ضحواً ما لها حجب
بفضله سارت الركبان والكتــب
(175)

وحيث إن الغامدي في شعره يميل إلى المناصحة ، والمشورة إلا أنه بث معظم مدحه لهذا المليك في بعض قصائده المعروفة ، لولا قلتها ، وعدم الإحاطة بها الآن .

 

ويكاد يكـون أحمد بن إبراهيم النعمي من أكثر شعراء عسير تناولاً لذكر شخصية الملك عبد العزيز ، على الرغم من قصر مدى سني عمره في ظلال هذا العهد ، إذ مات شاباً لم يعش مدة حياة الملك عبد العزيز كلها ، ومع ذلك أسهم ببعض قصائده في هذا الشأن ، مما يعد مشاركة أدبية مشكورة منه ، يقول أخوه محمد بن إبراهيم النعمي : ((وكان رحمه الله أكثر أقواله نثراً وشعراً في الملك عبد العزيز )) (176) ، وأورد له عندئذ من نثره قوله : (( لئن عجزت الألسن عن الإفصاح عم تكنه القلوب من غبطة فرح وحب، وإخلاص لجلالة الملك المفدى عبد العزيز آل سعود فإن في أَسارير الوجوه ، وبسمات الشفاه ، ولمعان العيون ، وخفقان القلوب ما يعبر أصدق تعبير )) (177)، ثم أنشـــد :

ملك من نسل صيد مجدهــم
سيــد شهــم همـــام يقــــظ
أريحي الطبع يحكي جوده الـ
رائد المجد وهطال النـــــدى
قام بالعبء ونجا الناس مـن
وتوخى الشرع في أحكامــه
بدعة ، أو خدعة أو غيلـــة

بين قحطان وعدنان اشتهـــر
ذلك الصعب بعزم مستمـــر
ـمطر الصّافي الغزير المنهمــر
وفتى العليا ، ومصباح الدجر
مخلب الفسـق ، وللدين عمر
وأباد الظلم حتى لم يـــــــذر
وسرت أعماله في كل قطــر
(178)

ولئن ظهرت حماسة هذا الأديب في قوله السابق ، ليدلن الأمر على إعجابه بشخصية هذا المليك وولائه لها .

ويسير في منهجه معاصــــره إبراهيـــم الحفـــظي الذي امتـــدح الملك عبد العزيز بقولـــه :

دلهمس أهل الشرك والزيغ والردى
مجيز على من خالف الدين سيفــــه

وليث الوغى مردي العدا بالظُبا الحد
لتنزيه توحيد الإلــه عــن الضّد
(179)

وكان الشاعر عبدالله بن علي الحميد قوي الاتصال (180) بالملك عبد العزيز عبر سني حياته، بما يجعله يحفل بذكرياته معه في شعره ، ويظهرها في بعض قصائد ، مثل قوله فيه :

عبد العزيز الذي زادت به شرفــاً
وقبله الصيد من آل السعود هم
ومثل قوله :

عبدالعزيز الذي لا شك قد عجزت

كل الجزيرة حضار وباديهــــــا
كالشهب ما ضل في الظلماء ساريها (181)

عن وضع أمثاله في عصــــره الغيد (182)

ولئن انطوى الشعر السابـــق على نماذج من نتــاج شعراء الجنوب في مدح الملك عبد العزيز ليدلن الأمر على فلاح أدبي ملموس ، إِذ عكف أُولئك الشعراء في جازان وعسير على مدح ولي أمرهــــم الملك عبد العزيز والإشادة بجهــــوده ، وذكر منزلته ، وما نهض به من معانٍ رفيعة في خدمة الوطن ومواطنيه ، مما حقق مكانة رفيعة له في أعينهم وقلوبهم ، وهو ما شهد به ذلك الشعر ودلّ عليه .

 


 

المبحث الرّابع : منزلة دور هؤلاء الأُدباءِ من الأَدب السّعودي ودراساته:

لم يكن أدب الجنوب بغائب عن عناية الباحثين وعنايتهم ، وبخاصة أدب المرحلة التي بين أيدينا الآن ، فلقد كان لجهود أبنائه الأدباء أثر في التعريف به ، حينما كانوا ينشرونه في مظانه الأَولى ، ويسعون في إذاعته عبر الأَوساط الأَدبية المهمة ، فلقد كان على سبيل المثال لما ينشره الأَديب محمد زارع عقيل من قصص متسلسل في مجلة المنهل أثر في الاهتمام به ، ومتابعته ، ولعلَّ من أَهم الدراسات التي تعرضت لأدب هذا الاتجاه المؤلفات الآتية :

(1) (( الحياة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية )) لعبد الله أبو داهش .

(2) (( أثر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الفكر والأدب بجنوبي الجزيرة العربية)) لعبد الله أبو داهش .

(3) (( نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة العربية السعودية )) لعبد الله أبوداهش .

(4) (( أدباء من السعودية )) ليوسف حسن نوفل .

(5) (( اتجاهات الشعر المعاصر في المملكة العربية السعودية )) لعبد الله الحامد .

(6) (( الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية )) لبكري شيخ أمين .

(7) (( قراءة في ديوان الشعر السعودي )) ليوسف حسن نوفل .

(8) (( محمد بن علي السنوسي ... شاعراً )) لمحمود شاكر سعيد .

(9) (( فصول حول الأدب في المملكة العربية السعودية )) لعبد الله الحامد (183) .

وليس ما ذكر وحده يمثل ما نشر بشأن أدب هذه المنطقة وحسب ، بل هناك غيره مما لم تحط به هذه الدراسة ، إلى جانب الدراسات المستقلة ، والبحوث العلمية المنشورة في : الدوريات ، والأوعية العلمية الأخرى ، مما لا يحاط بذكره لسعته ، أو عدم التوافر عليه . ومن أمثلة هذه الدراسات ونماذجهـا ما كتبه الدكتور محمد بن سعد بن حسين عن الشاعر علي بن محمد السنوسي في مجلة الحـرس الوطني ، ع 50 ، س، (ربيع الآخر 1407هـ ) تحت عنـوان : ((من شعراء الجنوب : علي بن محمد السنوسي))، إذ قال : (( يعد الشيخ علي بن محمد السنوسي في المقدمة من شعراء النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري ، وهي الفترة التي برز فيها فحول معدودون ، من أمثال : الأسكوبي ، وابن عثيمين ، وخالد الفرج ، وابن بليهد ، وابن مبارك ، وإذا كان شعر هؤلاء متفاوتاً في ميدان الإِجادة تفاوتاً ملحوظاً ، فإن الشيخ علي السنوسي يقع فيه وسطاً ، بل إنه يدنو حيناً في شعره من ابن عثيمين فحل ذلك الزمان )) (184) ، وقال ابن حسين في موطن آخر من بحثه السابق : (( ولئن كان ما في أيدينا من شعره من القلة بمكان فإن فيه ما يشهد له بالإصالة ، وجمال الصياغة ، وحسن التأليف ، والنزوع إلى مذاهب المحسنين من السلف )) (185) . (( وقد عاب هذا الباحث على بعض من أسرف في نقد شعر السنوسـي ، ورأى أن أحكامهـم النقدية تجاهه لا تخلو من القسوة ، والجور )) (186) ، إِذ قال : ((وهذا الحكم فيه شيء من القسوة على الرجل ، وبخاصة أنه لا يمكن الاحتجاج لمثل هذا القول من شعر علي السنوسي إلا بأبيات قليلة ، اقتحمتها اصطلاحات نحوية ، لا يصح الحكم بها على جميع شعر الرجل ، ولعل فيما أورده من نماذج في هذا الحديث دليل ظاهر على براءة الشيخ علي السنوسي من هذه التهمة )) (187) .

ويشبه ابن سعد في هذا الجانب عدد من الدارسين ، ممن تعرضوا لشعر السنوسي، من أمثال : خير الدين الزركلي في كتابه : (( الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز )) ، ومحمد سعيد العامودي في مقاله : (( شعراء الجنوب )) المنشور في مجلة المنهل ح10 ، مج15 ( ذو الحجة 1374هـ ) ، وعبدالقدوس الأنصاري في كتابه : (( الملك عبد العزيز في مرآة الشعر ، وعبد الكريم بن حمد الحقيل في كتابه : (( شعراء العصر الحديث في جزيرة العرب )) ، وعبد الله عبد الجبار في كتابه : (( التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية )) ، وعمر الطيب الساسـي فـي كتابـه : (( دراسات في الأدب العربي على مر العصور )) وأحمد قبش في كتابه : (( تاريخ الشعر العربي الحديث )) ، وعلي علي مصطفى صبح في كتابه : (( المذاهب الأدبية في الشعر الحديث لجنوب المملكة العربية السعودية )) .

ولما صدر كتاب : (( شعراء الجنوب )) لمحمد بن علي السنوسي وآخرين نال من الدراسة والنقد ما هيأ له ذيوعاً إِعلامياً غير محدود ، إذ قال حسن عبد المقصود : (( وها هم شعراء الجنوب في ديوانهم ، وفي أعداد مجلة المنهل ، يؤيد شعرهم هذه النهضة ، ويصفها ، ويفخـر بهـا ، ويدل عليهـا )) (188) ، وهذا يشـير إلى حضور نقدي غير بعيد لما كانت تلقاه آثار الجنوبيين المنشورة أو غيرها من العناية والاهتمام ، فلقد أشاد عبد الله ابن إدريس بشعر محمد بن أحمد العقيلي ، ومحمد بن علي السنوسي ، إِذ قال : (( ومن الأَسماء البارزة في القاعدة العريضة لشعراء المملكة المتميزة بتبلور أفكارها ، ووضوح ذهنيتها وأهدافها ... محمد بن أحمد عيسى العقيلي ، محمد بن علي السنوسي )) (189) ، وهذا إنصاف نقدي عادل يبرهن على اختلاف طبقات الشعراء التهاميين ومنازلهم .

ولربما خضع شعر أحد شعراء هذه الأنحاء لشيء من النقد ، أو التعليق ، فلقد لحظ عدنان أسعد من مصر على الشاعر محمد بن علي السنوسي شيئاً من المآخذ اللغوية، إِذ قال : ((في العدد التاسع لشهر رمضان [1366هـ] ، قرأت في المنهل الغراء لحناً جميلاً للأستاذ محمد بن علي السنوسي بعنوان ( أغنية البلبل ) ، وهي في الحق أبيات جميلة منغومة ، خفيف وقعها في الأذن ، لطيف مسراها في البدن ، كيف لا وهو يبعث الوجد من ضمير المعنى ، فيبدئ من فؤاده أسراره ، على أَني وقفت عند قوله :

وإذا بالغدير ، وهو بساط

طرباً قد أهاجه وأَثاره

موقف المنبـــه الذي ينشد الحقّ والصواب ، فلا يقــــال في اللغة أهاجه من الربـــاعي المهموز ، وإِنما يقال هاجه من الثلاثي ، وهو يتعدّى ويلزم ، كما يقال هيجه بالتضعيــــف في مقام التكثير ، ويقع في مثـل هذا أَغلب الشعـراء ، وأحسـب أن الشعر لا يجوز للشاعر ما لا يجوز ، حفاظاً على الوزن ، فللضرورة مواضع لا تخفى على الأستــاذ )) (190) .

ويبدو أن محمد السنوسي قد قابل هذا القول بروح نقدية منصفة ، إذ قال : ((الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري : مدير المنهل الأغر ، تحية عاطرة ، وبعد : فإِن من بواعث سروري بكلمة النقد الأدبية التي جاءت منشورة في المنهل الممتاز ، بتوقيع عدنان أَسعد : مصر ، الزيتون ، حول كلمة أهاج التي وردت في بيت قصيدتي : أغنية البلبل المنشورة بمنهلكم الكريم ، أجل إِن من بواعث سروري بتلك الكلمة النقدية أن أبعث لحضرتكم بالقطعة الشعرية التالية بعنوان : تحية المنهل )) (191) ، ومطلعها :

تحفة الضاد منطقا جذابا

هاتها من فم الحبيب رضابا (192)

وهذا ضرب من التحاور النقدي المألوف ، الذي كان يقع لبعض الأدباء الجنوبيين في صدر حياتهم الأدبية .

ومما يدل على تلاحم أدباء هذه البلاد كونهم يتقارضون الشعر ، وينشدونه ، بل كانوا يجتمعون من أجله ويعارضونه ، إذ ربما كان من أظهر أمثلة هذا الحال ما صنعه الأنصاري من تكريم لمحمد بن علي السنوسي عند وفادته إلى جدة ، إذ قال الأنصاري: (( قدم الصديق الأديب الأستاذ محمد بن علي السنوسي من جازان ، وهو شاعرها ، ومدير جماركها ، فأحب صاحب هذه المجلة أن يحتفى به ، فأقام له حفلاً في منزله بجدة حضره نفر من أدباء الوطن ، وكانت فيه ندوة عبقة ساهم في ميدانها الأساتذة : محمد سعيد العامودي ، محمود عارف ، أحمد السباعي ، حسن عبدالله القرشي ، عبدالمجيد شبكشي ، عبدالفتاح أبو مدين ، وقد جالوا جولات [ مختلفة ] في شتى الموضوعات إلى أن استقر بهم المقام على ربوة الشعر ، فإذا بالصّديق المحتفى به يلقي قصيدته هذه الغراء التي نظمها وأعدها لهذه المناسبة ، إذ قال :

ألهمي أصغيريه من أشجانه

نغماً آبداً على فرسانه .... )) (193)

ولقد قيل إنه : (( نجم عن هذا اللقاء أن شارك القرشي ، ومحمود عارف بقصيدتين : أولاهما : ألقاها القرشي من ذاكرته ارتجالاً ، والثانية : أنشأها محمود عارف من بعد ، وهما :

    ظلمـــــــوه فعاش في إخوانـــــه       يتلـــــظى على لظــــى أحزانــه

أي ظلم أشد في النفس وقعــــــاً  من أذى صحبه وظلم زمانه)) (194)

وهذا الحال يدل على منزلة هذا الدور الأدبي في ميزان النقد حين أَخذ في النمو واليقظة عبر هذه الحقبة التي عمرها الملك عبد العزيز بتشجيعه للأدب ورعايته له .

ويمكن القول: إن بلدان تهامة وعسير لم تكن : (( بعيدة عن التأثير الأدبي الظاهر في بلدان الحجاز ، وإنما بدأ أدباؤها يأخذون بشيء من أسباب التطور والتجديد، فلقد وعى شعراؤها الرواد ، مثل : علي بن محمد السنوسي ، ومحمد علي السنوسي ، ومحمد بن أحمد العقيلي ، وعبد الله بن علي الحميد وغيرهم آثـــار تلك النهضة ، حينمــــا كانت أسباب تلك الثقافـــة من دوريــات، ومؤلفات تصلهم في بلدانهم منذ سنة 1356هـ /1937م )) (195) ، ومع ذلك يصدق عليهم قول أحد الباحثين ، إذ قال : (( ونستثني من هذا النفس الاجتماعي شعر الجنوب الذي يعتبر امتداداً لمدرسة الحجاز ، ولبعده عن مكة وجدة أصبح مثل شعر المدينة يأخذ بعض المظاهر العامة منهما دون النفاذ القوي إلى التجديد )) (196) .

 


 

الهوامـــش

 

(1) ابن منظور ، " لسان العرب " 14/338 ، 339 مادة : " تهم " .

(2) اليافعي ، " مرآة الجنان " 3/30 .

(3) الفيروز آبادي ، " القاموس المحيط " 4/84 ، مادة : " تهم " .

(4) " الصِّحاح " ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار 5/1878 ، 1879 ، مادة : " تهم " .

(5) إِبراهيم مصطفى ، وآخرون 1/89 .

(6) ياقوت الحموي ، " معجم البلدان " 2/137 .

(7) سيد أحمد يونس ، " لمحات من تاريخ عسير القديم " 9 .

(8) محمد بن أحمد العقيلي ، " تاريخ المخلاف السليماني " 1/35 ، 36 .

(9) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 14 ، 15 .

(10) فؤاد حمزة ، " في بلاد عسير " 87 .

(11) أحمد بن حسن النعمي ، " عسير في مذكرات سليمان الكمالي " 13 .

(12) المرجع نفسه 13 .

(13) محمد بن أحمد العقيلي ، " تاريخ المخلاف السليماني " 2/1144 .

(14) المرجع نفسه 2/832 .

(15) المرجع نفسه 2/832 .

(16) المرجع نفسه 2/832 .

(17) انظر : " الأدارسة في تهامة " لعبد الله العمودي ، تحقيق الباحث .

(18) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 17 .

(19) المرجع نفسه 17 .

(20) المرجع نفسه 17 .

(21) المرجع نفسه 19 .

(22) محمد بن محمد زبارة ، " نزهة النظر في رجال القرن الرابع عشر " 1/56 .

(23) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 19 .

 

(24) عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ، " المعلمي ، والسنوسي في مجلس الإدريسي" ، تحقيق عبد الله أبو داهش ، مجلة عالم الكتب ع2 ، مح12 ( شوال 1411هـ ) 190 .

(25) المصدر نفسه 191 .

(26) " من شعر علي بن محمد السنوسي " ، جمع عبدالله أبو داهش 70 .

(27) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " .

(28) محمد بن أحمد العقيلي ، " تاريخ المخلاف السليماني " 2/845 .

(29) المرجع نفسه 2/849 .

(30) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 21 .

(31) قصيدة مخطوطة ، أصلها المخطوط لدى الباحث .

(32) له قصيدة مخطوطة ، أصلها لدى الباحث .

(33) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 25 .

(34) محمد بن عبد الله المنصوري ، " تاريخ الشيخ محمد بن عبد الله بن أحمد المنصوري " ، تحقيق إبراهيم الزيد 21.

(35) المصدر نفسه 21 ، 22 .

(36) انظر : " الحياة الفكرية والأَدبية في جنوبي البلاد السعودية " للباحث .

(37) عبد الله أَبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 33 .

(38) نشر هذا الكتاب في مجلة المنهل عبر حلقتين متصلتين ، هما : ح1 ، 2 ، مح38 (المحرم وصفر 1396هـ ) ، ح3 ، مح 38 (ربيع الأول 1396هـ ) .

(39) انظر نثره : رسائله ، وتقريظاته ، وخطبه في كتاب : " المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي " للباحث 60 .

(40) جمع مادتهما الباحث ، وهما : منشوران ، الأول طبع سنة 1408هـ /1988م ، مط الجنوب أبها، والثاني : نشره نادي جازان الأدبي سنة 1412هـ/1992م، مط دار العلم ، جدة.

(41) حواه كتاب : " من شعر علي بن محمد السنوسي " .

(42) يوجد شيء من آثاره المخطوطة في مكتبة الباحث الخاصة .

(43) لقد اطلعت على نسخة هذا الديوان المخطوطة لدى الأستاذ عبدالله بن محمد الحكمي بمكة المكرمة في رمضان 1411هـ .

(44) كان ذلك في رمضان 1410هـ .

(45) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 35 ، 36 .

(46) المرجع نفسه 38 .

(47) المرجع نفسه 39 ، 40 .

(48) 43 .

(49) المرجع نفسه 47 .

(50) المرجع نفسه 47 .

(51) محمود شاكر سعيد ، " محمد بن علي السنوسي ... شاعراً " 12 .

(52) عبدالله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 48 .

(53) محمد بن أحمد العقيلي ، " تاريخ المخلاف السليماني " 2/1164 .

(54) أحمد حافظ الحكمي ، " من أعلام الجزيرة الشيخ حافظ الحكمي " ع 241 ، س 6 (الجمعة 20/1/1393هـ ) 28 .

(55) عبدالله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 49 .

(56) المرجع نفسه 50 .

(57) المرجع نفسه 50 .

(58) " جيزان مركزها الاجتماعي..." ، صوت الحجاز، ع 275 ، س6 (الثلاثاء 1/7/1356هـ)4 .

(59) " من سوانح الذكريات " ، المجلة العربية ، ع 159 ، س14 ( ربيع الآخر 1411هـ ) .

(60) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 51 .

(61) إحدى قصائده المخطوطة ، لدى الباحث صورة منها .

(62) عبد الله الحامد ، " فصول حول الأدب في المملكة العربية السعودية " 15 .

(63) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 52 .

(64) المرجع نفسه 53 .

(65) المرجع نفسه 56 .

(66) بكري شيخ أمين . " الحركة الأدبية في المملكة " 383 .

(67) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 57 .

 

(68) المرجع نفسه 57 ، وقد قيد هذا القول في مقابلة شخصية معه في داره بجازان في 22 شعبان 1407هـ .

(69) المرجع نفسه 57 .

(70) المرجع نفسه 57 .

(71) المرجع نفسه 82 .

(72) 2/526 .

(73) مجلة المنهل ، ح3 ، س 14 ، مح14 ( ربيع الأول 1373هـ ) 200 .

(74) عبدالله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 83 .

(75) المرجع نفسه 85 .

(76) عبد الله أبو داهش ، " المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي " 36 .

(77) " من شعراء الجنوب علي بن محمد السنوسي " ، مجلة الحرس الوطني ، ع 50 ، س7 ، (ربيع الآخر 1407هـ ) 118 .

(78) انظر : " مجموع شعراء الجنوب " ، و " المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي " للباحث .

(79) انظر هذا المجموع .

(80) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 83 .

(81) " ديوانه المخطوط " ، غير مرقم الأوراق .

(82) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 85 .

(83) عبد الله الحامد ، كتابه السابق 14 .

(84) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 87 .

(85) ناصر قاسم  ، " مع رجال الفكـر في جازان " ، مجلة المنهل ، ح 8 ، س 23 ، مح 20 (شعبان 1378هـ ) 383 .

(86) المرجع نفسه 383 .

(87) " الأنغام المضيئة " 66 .

(88) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 91 .

(89) المرجع نفسه 92 .

(90) محمد بن علي السنوسي وآخرون ، " شعراء الجنوب " 57 .

(91) المرجع نفسه 57 .

(92) " الأَنغام المضيئة " 123 .

(93) المرجع نفسه 123 .

(94) محمد بن علي السنوسي ، وآخرون . " شعراء الجنوب " 56 .

(95) " الأنغام المضيئة " 123 .

(96) المرجع نفسه 123 .

(97) المرجع نفسه 58 .

(98) المرجع نفسه 30 .

(99) محمود شاكر سعيد ، كتابه السابق 16 .

(100) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 89 .

(101) ناصر قاسم ، " مع رجال الفكر في جازان " ، المنهل ح6 ، س 23 ، مح 19 (جمادى الآخرة 1378هـ) 302 .

(102) عبدالله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 90 .

(103) محمد بن علي السنوسي ، وآخرون . " شعراء الجنوب " 100 .

(104) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 90 .

(105) مجلة المنهل ، ج9 ، س7 ، مح7 ( رمضان 1366هـ ) 418 .

(106) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 92 .

(107) محمد بن علي السنوسي ، وآخرون . " شعراء الجنوب " 74 .

(108) مجلة المنهل ، ح4 ، س 9 ، مح 9 ( ربيع الآخر 1368هـ ) 173 .

(109) محمد بن علي السنوسي ، وآخرون . " شعراء الجنوب " 82 .

(110) المرجع نفسه 80 .

(111) مجلة المنهل ، ح5 ، 6 ، س 10 ، مح 10 (جمادى الأولى ، والآخرة 1369هـ ) 197 .

(112) " الملك عبد العزيز في مرآة الشعر " 103 .

(113) مجلة المنهل ، ح6 ، 7 ، س 12 ، مح 12 ( جمادى الآخرة ، ورجب 1371هـ ) 309 .

(114) مجلة المنهل ، ح5 ، س 13 ، مح 13 ( جمادى الأولى 1372هـ ) 231 .

(115) مجلة المنهل ح10 ، س 13 ، مح 13 ( ذو الحجة 1372هـ ) 592 .

(116) مجلة المنهل ، ح3 ، س 14 ، مح 14 ( ربيع الأول 1373هـ ) 208 .

(117) محمد بن علي السنوسي ، وآخرون ، 109 .

(118) المرجع نفسه 110 .

(119) غلاف ديوانه ، " رحلة العمر " .

(120) المرجع نفسه 91 .

(121) عبد الله أبو داهش ، " الحياة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية " 305 .

(122) في الأصل : " يزهي " .

(123) كذا في الأصل .

(124) الأصل المخطوط لهذه القصيدة لدى محمد بن سعد البركي ، بلجرشي ، غامد .

(125) محمد بن عبدالله المنصوري ، تاريخه السابق 25 .

(126) عبد الله أبو داهش ، " الحياة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية " 308 .

(127) علي أحمد آل عمر عسيري ، " أبها في التاريخ الأدبي " 168 .

(128) من قصائده المخطوطة ، صورتها لدى الباحث .

(129) علي أحمد آل عمر عسيري ، كتابه السابق 168 .

(130) المرجع نفسه 168 ، 169 .

(131) قصيدة خطية أصلها لدى الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي ، أبها .

(132) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 116 .

(133) المرجع نفسه 117 .

(134) المرجع نفسه 117 .

(135) " مذكراته الخاصة " ، غير مرقمة الصفحات .

(136) المصدر نفسه .

(137) " لقاء معه ، جريدة البلاد ، ع 9887 ( السبت 9 المحرم 1412هـ ) 10 ، ولعل صواب لفظ :"علم " في البيت الثالث : "هم " .

(138) المرجع نفسه 10 .

(139) المرجع نفسه 10 .

(140) روى هذه الأبيات الأستاذ حسن إبراهيم الفقيه في مقابلة شخصية معه بأبها في 17/3/1413هـ .

(141) قصيدة خطية أصلها لدى الشاعر نفسه .

(142) عبد الله أبو داهش 104 .

(143) ناصر قاسم ، "مع رجال الفكر في جازان : مع رجل القصة والمقال " ، مجلة المنهل ، ج7 ، س 23 ، مح 19 (رجب 1378هـ ) 296 .

(144) غلاف قصة : " أمير الحب " .

(145) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 122 .

(146) المرجع نفسه 122 .

(147) جريدة البلاد السعودية ، ع 1108 ، س 15 ( 3 ربيع الأول 1371هـ ) 2 .

(148) جريدة البلاد السعودية ، ع 1147 ، س 16 ( 6 جمادى الآخرة 1371هـ ) 4 .

(149) جريدة البلاد السعودية ، ع 1144 ، س 16 ( 28 جمادى الأولى 1371هـ ) 4 .

(150) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 122 .

(151) جريدة البلاد السعودية ، ع 1187 ، س 16 ( 10 رمضان 1371هـ ) 1 .

(152) ح 3 ، س 12 ، مح 12 ، ( ربيع الأول 1371هـ ) 163 .

(153) ع 1207 ، س 16 ( 5/11/1371هـ ) 6 .

(154) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 123 .

(155) مجلة صوت البحرين ( ربيع الأول 1373هـ ) .

(156) ع 10 ، س 1 ، 23 .

(157) ع 1564 ، س 18 ( 6/10/1373هـ ) 4 .

(158) عبد الله أبو داهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 123 .

(159) المرجع نفسه 132 .

(160) المرجع نفسه 132 .

(161) المرجع نفسه 132 .

(162) عبد الله بن علي العمودي ، " الأَدارسة في تهامة " 122 ، 130 ،131 ، 132 .

(163) عبد الله أبو داهش ، " من شعر علي بن محمد السنوسي " 2/56 ، 57 .

(164) المصدر نفسه 30 .

(165) عبد الله أبو داهش ، " المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي " 112 ، 116 ، 117 .

(166) المصدر نفسه 129 ، 132 ، 133 .

(167) محمد بن علي السنوسي ، " شعراء الجنوب " 6 .

 

(168) عبد الله أبو داهش ، "أثر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الفكر والأدب بجنوبي الجزيرة العربية " 472، وانظر : " من أعلام الجزيرة العربية : الشيخ حافظ الحكمي " لأحمد حافظ الحكمي ، مجلة اليمامة ع 242 ، س 6 ( الجمعة : المحرم 1393هـ ) ، 29 .

(169) مجلة المنهل  ح3 ، س 14 ( ربيع الأول 1373هـ ) 200 .

(170) " ديوانه المخطوط " ، غير مرقم الأوراق .

(171) محمد بن علي السنوسي ، وآخرون ، " شعراء الجنوب " 109 .

(172) " الأنغام المضيئة " 30 ، 31 .

(173) عبد الله أبوداهش ، " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 146 .

(174) محمود شاكر سعيد ، كتابه السابق 58 .

(175) محمد بن عبدالله المنصوري ، تاريخه السابق 24 .

(176) ورقة خطية ، أصلها لدى أخيه الشيخ محمد النعمي ، أبها .

(177) الورقة نفسها .

(178) قصيدة خطية ، أصلها لدى الشيخ محمد إبراهيم النعمي ، أبها .

(179) محمد بن إبراهيم الحفظي ، " نفحات من عسير " 208 .

(180) حدثني ابنه الأستاذ محمد عبد الله الحميد بشيء من سيرته في 22/8/1418هـ .

(181) محمد بن عبد الله الحميد ، " أديب من عسير " 89 .

(182) قصيدة خطية ، توجد لدى حفيده عبد الله بن علي الحميد ، أبها .

(183) عبد الله أَبوداهش ، " نشأَة الأَدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " 40 .

(184) المصدر نفسه 118 .

(185) المصدر نفسه 118 .

(186) عبد الله أبو داهش ، " المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي " 48 .

(187) مجلة الحرس الوطني ، ع 50 ، س 7 ( ربيع الآخر 1407هـ ) 48 .

(188) " الشعر ديوان العرب : شعراء الجنوب من ديوانهم ، ومن المنهل " ، مجلة المنهل ، ح7 ، س 20 ، مح 16 (رجب 1375هـ ) 392 .

(189) " الشعر في المملكة العربية السعودية خلال النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري " 656 .

 

 

(190) عبد الله أبو داهش ، " دور مجلة المنهل في حركة الأدب التهامي " ، حوليات سوق حباشة " ع1، س1 (1416هـ ) 158 .

(191) مجلة المنهل ، ح6 ، س 8 ، مح 8 ( جمادى الآخرة 1367هـ ) 254 .

(192) المرجع نفسه 254 .

(193) " في موكب الفن " ، مجلة المنهل ، ح6 ، س 21 ، مح 17 ( جمادى الآخرة 1376هـ ) 361.

(194) المرجع نفسه 364 ، وانظر : " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة " للباحث 99 .

(195) عبد الله أبو داهش ، " رأي فـي تحديـد بداية نهضة الشعر السعودي المعاصر " مجلة الحرس الوطني ، ع114 ، س 13 ( شعبان 1412هـ ) 141 ، 142 .

(196) عبد الله الحامد ، كتابه السابق 15 .


 

المصادر والمراجع

 

أولاً : المخطوطات :

§ ابن حميد ، عبد الله بن علي . " مذكراته الخاصة " ، أصلها المخطوط لدى حفيده الدكتور عبد الله بن محمد بن عبدالله الحميد ، أبها ، دون رقم .

§ ابن حميد ، عبد الله بن علي . " من قصائده المخطوطة التي تعارضها مع معاصره الشاعر عبد الله بن خميس " ، أصلها لدى حفيده الدكتور عبد الله بن محمد الحميد ، أبها ، دون رقم .

§        ابن عامر ، مسفر . " من قصائده المخطوطة التي أنشأها في موسم الحج ، أصلها لدى الباحث، دون رقم .

§ ابن عبد الخالـق ، محمد . " إحدى قصائده المخطوطة التي مدح بها في حياته أحد القائمين على أمر   الحج " ، أصلها لدى الباحث ، دون رقم .

§        العمـــودي ، عبد الله بن علي . ديوانه المخطوط ، أصله المخطوط لدى الباحث ، دون رقم .

§ الغامدي ، عبد العزيــــز بن محمد . " إحــــدى قصائـــده المخطوطة التي مــــدح بها الملك عبد العزيز"  لدى الأستاذ محمد بن سعيد البركي ، بلجرشي ، غامد ، دون رقم .

§        النعمي أَحمد بن إبراهيم . " إحدى قصائده المخطوطة " ، لدى الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي ، أبها ، دون رقم .

§        النعمي أَحمد بن إبراهيم. " إحدى قصائده المخطوطة "، لدى الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي، أبها، دون رقم.

§        النعمي أَحمد بن إبراهيم . " إحدى قصائده المخطوطة " ، لدى الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي ، أبها ، دون رقم .

§        النعمي أَحمد بن إبراهيم . " إحدى قصائده المخطوطة " ، لدى الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي ، أبها ، دون رقم .

§        النعمي، هاشم بن سعيد . " قصيدته المخطوطة في وصف أبها " أصلها في مكتبة صاحبها ، أبها ، دون رقم .

ثانياً : المطبوعــات :

§        الأنصاري ، عبد القدوس . " الملك عبدالعزيز في مرآة الشعر " ، ط2 ، دار العمير للثقافة والنشر ، جدة ، (1403هـ / 1983م ) .

§ الجوهري ، إسماعيل بن حماد . "الصّحاح : تاج اللغة ، وصحاح العربية" تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، ط2 ، (1402هـ /1982م) ، دون معلومات أخرى .

§ الحامد ، عبد الله . " فصول حول الأدب في المملكة العربية السعودية " ط1 ، مط مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ، الرياض (1405هـ /1984م ) .

§ الحفظي ، محمد بن إبراهيم . " نفحات من عسير ، مجموع شعري : من قصائد أســـلاف آل الحفظي " ، مط عسير ، أبها ، ( 1393هـ /1974م ) .

§        حمزة ، فؤاد. " البلاد العربية السعودية " ، منشورات مكتبة النصر الحديثة ، الرياض ، ط2 ،  (1388هـ /1968م).

§        الحموي ، ياقوت . " معجم البلدان " ، دار صادر ، دار بيروت ، ( 1404هـ /1984م ) .

§        الحميد، محمد عبد الله (جامع ): " أَديب من عسير : عبد الله بن علي بن حميد " ، ط1 ، مط عسير ، (1400هـ /1980م ) .

§ أبو داهش ، عبد الله محمد . " أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الفكر والأدب بجنوبي الجزيرة العربية " ط1 ، مط الشريف ، الرياض ( 1405هـ /1985م ) .

§ أبو داهش ، عبد الله محمد "الحياة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية " ، ط1 ، مط الشعاع ، منشورات دار الأصالة ، الرياض (1402هـ /1982م ) .

§        أَبو داهش ، عبد الله محمد . " المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي " ، ط1 ، مط الجنوب ، أبها ، (1408هـ /1988م ) .

§        أبو داهش ، عبد الله محمد . " من شعر علي بن محمد السنوسي (2) " ، ط1 ، مط دار العلم ، جدة ( 1412هـ / 1992م ) .

§ أبو داهش ، عبد الله محمد . " نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة العربية السعودية " ، ط1 ، مط الثغر ، خميس مشيط ( 1412هـ /1992م ) .

§ زبارة ، محمد بن محمد . " نزهة النظر في رجال القرن الرابع عشر " ، نشر مركز الدراسات والأبحاث اليمنية ، صنعاء ، ط1 ، دون معلومات أخرى .

§        سعيد ، محمود شاكر . " محمد بن علي السنوسي شاعراً " ، ط1 ( 1410هـ /1989م ) ، دون معلومات أخرى .

§        السنوسي ، محمد علي ، وآخرون . " شعراء الجنوب " مط الكمال ، عدن ، دون معلومات أخرى .

§        شيخ أمين ، بكري . " الحركة الأدبية في المملكـــة العربية السعودية " ، دار صادر ، بيروت ( 1392هـ /1972م ) .

§ عسيري ، علي أحمد . " عسير من (1249هـ /1833م ـ 1289هـ /1872م ) ، مط العبيكان ، منشورات نادي أبها الأدبي ، الرياض ( 1407هـ /1986م ) .

§        عقيل ، محمد زارع . " أمير الحب " ، مط الأصفهاني ، جدة ، دون معلومات أخرى .

§        العقيلي ، محمد بن أحمد . " الأنغام المضيئة " ، ط1، إِشراف دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر ،  الرياض (1391هـ /1971م ) .

§ العقيلي ، محمد بن أحمد . " تاريخ المخلاف السليماني " ، ط2 ، منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، مط نهضة مصر، القاهرة ، ( 1402هـ /1982م ) .

§        العمودي ، عبد الله بن علي . " الأدارسة في تهامة " ، تحقيق عبد الله أبو داهش ، ط1 ، مط مازن ، أبها ( 1415هـ /1995م ) .

§        الفيروز آبادي ، محمد بن يعقوب . " القاموس المحيط " ، نشر دار العلم للجميع ، بيروت ، دون تاريخ .

§ الفيفي ، علي حسين . " رحلة العمر " ، ط1 ، منشورات نادي الطائف الأدبي ، مط الزايدي للأوفست ، الطائف (1397هـ / 1977م ) .

§        مصطفى إِبراهيم ، وآخرون . " المعجم الوسيط" ، المكتبة العلمية ، طهران ، دون تاريخ .

§        المنصوري ، محمد عبد الله . " تاريخه " .

§ ابن منظور ، جمال الدين محمد بن مكرم ، " لسان العرب " ، طبعة مصورة عن بولاق ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر ، الدار المصرية للتأليف والترجمة ، مط كوستاتسوماس ، مصر ، دون تاريخ .

§        النعمي ، أحمد بن حسن . " عسير في مذكرات سليمان الكمالي " ، مط الحديثة ، القاهرة، دون تاريخ .

§ اليافعي ، عبد الله بن أسعد . " مرآة الجنان ، وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان " ، ط2، دار الكتاب الإسلامي ، القاهرة ، ( 1413هـ /1993م ) .

§        يرونس ، سيد لأحمد . " لمحات من تاريخ عسير القديم " ط1 ، منشورات نادي أبها الأدبي ، ( 1402هـ /1982م ) .

ثالثاً : الدوريـــات :

§        الأشول ، حسين ظافر . " ما كان ظني كذا " ، صوت البحرين ، ع3 ، 4 ، س 4 ( ربيع الأول والآخر 1373هـ ) .

§