بين
يدي هذا البحث
أولاً : مصطلح هذا العنوان ،
ومفهومه : المكاني ، والزّماني :
ينطوي عنوان هذا البحث على : مدلول
مكاني ، وآخر زماني ، أمّا المكاني فيمثل: بقعتين جغرافيتين مهمتين ، هما : تهامة
، وعسير ، وأمّا الزّماني فيغشى مدة ولاية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
مذ ضمّتا لعهده الميمون ، وحتّى تاريخ وفاته –
رحمه الله تعالى – سنة
1373هـ/1953م .
ولكي نحقق هذا المفهوم الاصطلاحي: يمكن
الوقوف عنده بشيء من النظر العلمي الدقيق ، حيث يقال : (( تهامة بلد ، والنسب إليه تِهاميٌ
وتهام على غير قياس كأنّهم بنوا الاسم على تَهْميِّ، أو تَهَميّ ، ثم عوَّضوا
الألف قبل الطرف من إحدى اليائين اللاّحقتين بعدها )) (1) ،
والتِّهامي أيضاً : (( نسبة إلى
تهامة ، وهي خطة متّسعة بين الحجاز وأطراف اليمن )) (2) ،
وتهامة بالتحريك : (( الأَرض
المتَصوِّبةُ إلى البحر كالتَّهم )) (3) ،
قال الجوهري: والتّهم بالتحريك: مصدر من تهامة ، وأَتهم الرّجل: أَي : صار إلى
تهامة ، وقال :
فإِن تُتْهِمُوا أنْجِدْ خلافاً عليكم وإِن
تُعْمِنُوا مُسْتَحْقِبِي الحرب أعرق
والمتهام : الكثير الإِتيان إِلى تهامة
، وقال :
ألا انهماها إنها مناهيم وإنَّنَا مناجــــد متاهــيم
يقول : نحن نأتي نجداً ، ثمَّ كثيراً
ما نأخذ منها إلى تهامة )) (4)،
وفي " المعجم الوسيط " : (( تهامة: أرضٌ
منخفضة بين ساحل البحر ، وبين الجبال في الحجاز واليمن (ج) : تهائم ، والنسبة إلى
تهامة : تِهامِيّ ، وتَهَامٍ)) (5) .
وسمّت العرب جبل السَّراة : (( حجـزاً؛ لأنه حجز بين الغور ، وهو :
تهامة ، وهو : هابط ، وبين نجد ، وهو ظاهر ، فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى
أسياف البحر ... الغور غور تهامة ، وتهامة يجمع ذلك كلّه)) (6) ،
يقول أحد الباحثين المعاصرين في معرض حديثه عن تهامة:(( هي المنطقة الساحلية الضيقة الموازية
لامتداد البحر الأحمر من اليمن جنوباً إلى الحجاز شمالاً ، وهي تتألف من تهائم ،
فهناك : تهامة اليمن ، وتهامة عسير ، وتهامة الحجاز ، وتختلف في عرضها باختلاف قرب
السلاسل الجبلية ، وبعدها من البحر ، وسميت كذلك نسبة إلى مناخها ، فهو الشديد
الرطوبة ، والحرارة في الصَّيف )) (7)،
ويقال : (( تهامة الحجاز
لما يوالي الحجاز إِلى جنوب القنفذة، ويقال لما يوالي بلاد عسير: تهامة عسير ،
وهي: من حلي ابن يعقوب إلى الشَّرْجة قديماً، الموسم حالياً ، وهو ما كان يعرف
بالمخلاف السليماني سابقاً ، وبمنطقة جازن الآن )) (8) .
وعلى الرغم من اشتهار هذا الإقليم ،
وسعة ذكره ، وشيوع اسمه ، نلحظ أَنَّ بلدانه قد ((تجزّأَت سياسياً عبر القرون الهجرية
السَّابقة ، واكتسبت أَسماء محلية مشهورة، مثل : تسميتها بالمخلاف السليماني ، أَو
تهامة عسير ، مما ميزها عن بقية بلدان تهامة المصاقبة للحجاز ، وهي في زماننا
مشهورة بجازان ، أو جيزان ، إِذ تضمّ مدناً شهيرة ، مثل : ضمد ، وصبيا ، وأبي عريش
، وصامطة ، وغيرها ، ولعلَّ هذه البلدان تعد الميدان الحقيقي للدراسة في هذا البحث
، لوقوعها في هذه المنطقة التهامية التي تمّ تحديدها من قبل ، وهو التحديد الفعلي
المعهود لميدان الدراسة ، وتلك الحواضر المذكورة السابقة ، تعد المجال الأدبي الذي
نمت فيه هذه)) (9)
الحياة الأدبية المعاصرة عبر هذه المدة .
أَما عسير فتتمثل بلدانُها في الموضع
الجغرافي الذي ظهرت فيه هذه اليقظة الأدبية في البقعة الممتدة من زهران في الشمال
إلى ظهران في الجنوب (10) ، على اختلاف في الاسم والمدلول ، إذ
قيل: إن داعي تسميتها بعسير لصعوبة أرضها ووعورتها (11) ،
أو لكونها تسمت باسم علم مشهور (12) ،
كما عرفت بالسّراة ، أو الطّور ، وهي عندئذ : تمثل : الأَرض الجبلية الظَّاهرة من زهران
في الشمال حتى جنوبي بلاد يام ، ونجران في الجنوب، وتفصلها عن بلاد اليمن الحدود
المقررة بموجب معاهدة الطائف المبرمة بين اليمن ، والمملكة العربية السعودية في
سنة (1353هـ/1934م) (13) . ومـن مدنها التي دارت في رحابها هذه
الحركة الأدبية : مدينة أبها وأَعمالها ، وبعض بلدان قبائل رجال أَلمع بتهامة عسير
نفسها .
وإذا تمّ الوعي بمفهوم هذا المصطلح
المكاني ، وأَنه يدور بشأن تحديد ميدان البحث بهذه الأنحاء من بلدان جنوبي المملكة
العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز ، فإنّ المفهــوم الزماني لهذا الدّرس
الأدبي يتحقــــق في رحاب المدة من سنتي ( 1338هـ/1919م )، ( 1349هـ / 1930م) إِلى
سنة ( 1373هـ / 1953م) تاريخ انضمام : عسير ، وتهامة للبلدان السعودية الأخـرى ،
وعدّهما من أعمال: " المملكة العربية السعودية " التي توحدت بلدانها من
بعد تحـت هذا الاسم فـي سنـة 1351هـ/1932م وحتى تاريخ وفاة الملك عبد العزيز بن
عبد الرحمن آل سعود رحمه الله تعالى ، لتحيا عندئذ حياة حضاريـة جادة في شتـى
مناحي حياتها: الفكرية ، والأدبية ، والاجتماعية والاقتصادية بعامة .
ثانياً : حياة الأدب في الجنوب
قبيل انضمامه لهذا العهد :
توصف حياة الأدب بتهامة في العهد
الإِدريسي ( 1326 – 1349هـ )
بأنها نشطة، لولا ما أصابها من لوث التصوف وأثره ، إِذ كانت الحياة الفكرية بتلك
الأنحاء عامرة بأسباب هذا الاتجاه ودواعيه ، وفي رحابه عُرِف الأدباء ، ورُفِع
ذكرهم ، يقول العقيلي في معرض حديثه عن محمد بن علي الإِدريسي ( 1293 – 1341هـ ) :
(( وقد كان بحكم
نشأته وتوسعه في المعارف محباً للعلمـاء، والأدباء ، والشعراء ، مشجعاً لهم حدباً
عليهم ، باراً بهم ، فاجتمع لديه عدد منهم ))(14)، وكان عندئذ : (( يعجب بالشعر الجيد ، ويثيب عليه )) (15) ،
إِذ كان يُمدح بغرر القصائد ، وأحسنها (16) .
ولقد اتصل هذا المنهج في عهد ورثته من
بعده ، إذ قيل: إن تلك الملامح الأدبية : (( قد احتفظت بالمنهج نفسه ، من حيث :
التوجه الصوفي ، وصبغ الحياة الأَدبية بشيء من آثاره ، فضلاً عن وضوح الميل نحو
الحياة التقليدية المعهودة من قبل في تهامة ، ولكنّها تقل كثيراً عما كانت عليه من
قبل في عهد مؤسسها ، حيث هاجر منها بعض العلماء ، وانكفأ آخرون منهم على أنفسهم،
وذلك للظروف السياسية التي حلّت ببلادهم ، وما وقع بين ورثة الإدريسي من تنازع
سياسي ، وخلاف شخصي (17) ، مما أَضعف الحياة الأَدبية
وبدّدها )) (18) ،
ومع ذلك عرف شـيء مـن النتـاج الأَدبي التقليدي المعهود ، من مثل : (( القصائد ، والرسائل ، والحوليات )) (19) ،
ولكن : (( الحياة
الأدبية في أواخر العقد الخامس من القرن الرابع الهجري قد بدأت تأخذ بشيء من أسباب
النهضة الجديدة الشاملة ، إِذ بدأت بشائر ما تدعو إِليه الدولة السعودية عندئذ
تغشى بلدان تهامة ، وتؤثر بقدر في توجيه حياتها المحلية )) (20) .
ومن أَشهر شعراء هذا العهد ، الذين
عمروا الحياة الأدبية بتهامة : محمد بن حيدر القبي النعمي (000–
1351هـ ) ، وعلي بن محمد السنوسي (1315 – 1363هـ ) ، ومحمد بن إبراهيم
الحشيبري، وعبدالرحمن بن يحيى المعلمي ( 0000 – 1386هـ ) ،
ومحمد الأمين الشنقيطي ، وعلي بن إبراهيم بن عطيف النعمي ، وإسماعيل الوشلي ،
وصالح الصيملي ، وعبدالله بن علي العمودي (1278– 1398هـ) ،
ولقد ظـل معظم هؤلاء الشعراء يؤدون عملهم الأَدبي في العهد السعودي من بعد، حيث وافقت
رؤاهم المعنوية، وقدراتهم الشعرية همة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ،
وبنيه ، بل وعمّاله الأمراء في منطقة جازان ، بما دلل على حقيقة مهمتهم ومهمة
الذين عرفوا معهم من مواطنيهم الأدباء في بناء الحياة الأدبية ونموها ، (( إذ أسهم هؤلاء الشعراء بشـــيء من
جهودهم الشعريـــة عبر هـــذه الفترة ، كما فعل بعض منهم من بعـــد ، حين ضمـــت
بلادهم إلى بقية أجزاء البلاد السعودية ، وأصبحوا من شعرائها ؛ ولذلك يمكن وصفهم
بالمخضرمين الذين شهـــدوا العهدين )) (21) ،
أما محمد بن حيدر القبي النعمي ، فقد طفح به الشعور الذاتي يومـــاً فدلل على
إحساسه الحزين – على
الرغم من مكانتــــه العلميـــة ، واشتغاله بالقضـــاء والفتيا، إِذ هو رئيس القضـــاة
يومئذ –
بقولـــه :
|
كتم
الحبَّ زماناً فافتضــح طال
ما همهم حتى هاجــه هاج
أَشواقي ولا شوق لـه يا
أحبائي أما من عطفــة ففؤادي
لو يرى شخصكم ليت
شعري هل نرى من وقفة يمنح
الناظر وجهاً مشرقــاً لست
بالنّاسي عشيات الحمى واجتماعاً
رايقاً كنّا به |
وأَفاض
الدّمع حيناً فسفــح طائر
من فوق غصن فصـدح بأغان
ومعان لم تصــــح يدمل
الدهر بها ما قد جـرح من
بعيد طار من طول الفرح بين
أَكناف الحمى تنفى الترح يمسك
الطرف إِذا الطرف طمح أَبداً
ما صاحب الروح الشبـح في
ضمير الليل سرّاً لا يبح (22) |
وهذه التهويمة الشعرية نفثة محرور في
هيئة تقليدية ، استقاها الشاعر من عصره التقليدي ذي الموروث المحافـظ ، لم يشأ
هـذا الشاعـر وهو النابه الابتعاد عن عصره الملئ بدواعي التقليد وأَسبابه ، إذ هو
عهد يفيض بترف أدبي ظاهر .
أَمّا علي بن محمد السنوسي فقد كان في
شبابه كثير المشاركة لشعراء عصره في مظاهر الحياة المختلفة ، مثل : (( ما كان يجري في صبيا [ بتهامة ] من
مشاركات شعرية ، وبخاصة في : المواسم ، والأعياد ، فقد دلت المصادر على حقيقة
وفادة الشعراء إِلى مجلس الإدريسي يهنئونه بالعيـد ، ويلقـون قصائدهم بين يديه )) (23) ،
يقول عبدالرحمن بن يحيى المعلمي : ((
كان حضور الحقير حضرة مولانا أمير المؤمنين [ محمد ابن علي الإدريسي ] – أَيّده
الله تعالى –
عقب عيد الفطر سنة 1337هـ مع جماعة فيهم سيدي علي بن محمد
السنوسي ، فأنشد السيد علي قصيدة تهنئة بالعيد وزنها : فاعلاتن فاعلن فعلن أربع
مرات )) (24)
مما يشير إلى ترف أدبي ظاهر ، إذ وصفت هـذه القصيدة بأنها مربعة يلتزم فيها الشاعر
: (( أَن تكون
الثلاثة الأَرباع الأولى على قافية واحدة ، ... ثم [ يلتزم ] قافية الربع الرابع
إِلى آخر القصيـدة )) (25) ،
وهذا نهج تقليدي معهود ، لم يكتف السنوسي به وحسب ، بل نجده في هذا العام نفسه
يمدح الإِدريسي بقوله :
|
يا ليت جيزان تدري ما الذي كسبت أرض بها السِّر مبثوث وما عريــت كأَنّها القدس في يمن التهامـــة ما حتى غدت كعبة الزوار واحتفلــت رعى الإِله ديار القاطنين بهـــــا |
صبيا من الفخر بالميمون خير ولـي من سادة هم نجوم الأرض أو دول أَنقى مساجدها من أنجس الزلــل في تربها أولياء الله فلتقـــــل وكل أَرض بها مرتاح ابن علي (26) |
وليس بخاف : (( ما تتضمنه هذه الأبيات من معاني
التصوف ومظاهر المبالغة ، فقد دلت ألفاظ هذا الشعر على شيء من ملامح المسحة
الصّوفية الغالية ، فالقاموس الشعري هنا مبتذل معهود عند المتصوفة ، والشاعر أيضاً
يسلك منهجهم ، ويتلون بثقافة مريديهم وأقطابهم ، ولكي لا يفوت هذا المعنى يمكن
القول: إِن السنوسي لم يعد يحن إِلى هذا الواقع الشعري ، حينما أضحى من شعراء
الدولة السعودية )) (27)
في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود .
وكان
الشّاعر محمد بن إِبراهيم الحشيبري يسهم في هذا العهد بشيء من شعره، لولا ما أصابه
من الغلو والافتتان بشخصية الإدريسي نفسه ، مثل قوله فيه :
|
هذا
الذي عمَّ جوداً فضله فسـرى هذا
الذي مَنْ يزره خالصاً فكمـا يا
سيدي يا صفي الدين خذْ بيدي إِني
عليكم لمحسوب فاحسبكـم رعى
الإِله ديار القاطنين بهـــــا |
كالبحر حين طما ، والغيث حين هما سعى وطاف ومسَّ الركن واستلمـا وأَولني منك ما أمْلتــــه كرما لا تهملوني فأنتم خير من رحمـا (28) وكل أَرض بها مرتاح ابن علي (26) |
وليس بخاف ما في البيت الثاني من
التجوز ، إِذ جعل زيارة الإدريسي مثل مَنْ يسعى ويطوف ويستلم الركن ، وهذا حال من
الغلو والمبالغة .
ويشبه الشاعر
الحشيبري في هذا الشأن معاصره عبدالرحمن بن يحيى المعلمي الذي يقول في هذا الشأن
نفسه :
|
هذا الإِمام الذب فاضت أَنامله هذا هو الكف والناس الجميع عصا أَقامه الله روحاً للعباد كمـا |
جوداً عميماً كموج البحر ما برحا هذا هو القطب والكون البديع رحا قلوبهم ردها المولى له شبحــا (29) |
ولم يكن هذا الشاعـر الأَخـير بقليل الشعر ولا ضعيفه ، بل يعد
من الأدباء المكثرين في هذا الميدان ، إذ هو إلى جانب شاعريته يحسب في اللغويين
العلماء ، وله ديوان شعر مخطوط معتبر ، وكان ممن تأخر به العمر حتى أدرك عهد الملك
عبدالعزيز كاملاً .
ولم
يطرأ على شعر من سبق ذكرهم ما يستحق التدوين سوى أنهم لم ينكفئوا في نتاجهم الأدبي
على غرض شعري واحد، بل كان لهم إسهامات شعرية مختلفة ، إذ العصر مسعف لذلك ، لم
يخرج في مضامين شعرائه عن نهجه التقليدي المعهود ، وهو أَيضاً ما جعلهم : (( يحافظون على أَغراض الشعر المعهودة ،
ويحرصون على أَنماط الأساليب المتوارثة )) (30) ،
ولعلّ خير من يمثل هذا الجانب الشاعر عبدالله بن علي العمودي ( 1278 –
1398هـ ) لكثرة نتاجه ، وطول عمره ، حيث شهد العصرين ، ولم يمدح أَحداً إِلاّ
ورثاه .
ومن
شعراء عسير الذين يمكن عدّهم من شعـــراء الحقبة الزمنـــية السابقة لعهد الملك
عبدالعزيز: محمد بن عبدالخالق، ومسفر بن عامر، وعبدالعزيز بن محمد الغامدي (1278 –
1356هـ )، وبعض شعراء أسرة آل الحفظي المتأخرين ، أما محمد بن عبدالخالق فمن شعره
قوله يمدح أَحد القائمين على أَمر الحج في عصره ، يلتمس منه متاعاً وميرة :
|
وليس
لي جمل في الحج أركبه وفضلكم شائع والذكر مشتهر أَقامه الله روحاً للعباد كمـا |
ولا ظلال معي بعرفــــات غــــدا قلوبهم ردها المولى له شبحــا (29)
|
وكان
الشاعر مسفر بن عامر يجري في نهجه الشعري على سَنَن مَنْ كان قبله ، حيث عرف له
شيء من النتاج الأدبي في هذا الشأن (32) ، ولم يكن
نتاج عبد العزيز الغامدي بقليل ، إذ شهد عبر النصف الأول من القرن الرابع عشر
الهجري كثيراً من التقلبات السياسية التي لم يكن ببعيد عنها ، حيث : (( شهد عهد الأشراف في الحجاز، والإدريسي
في تهامة ، والعهد السعودي الحاضر)) (33) ،
وله في كل من تلك العهود شعر ، وحضور أدبي ، يقول أحد الباحثين المعاصــرين : (( لقد نشــرت لـــه صحيفـــة القبلة في
عددها الصادر في 29 ربيع الثاني من عام 1336هـ قصيدة وجهها إِلى شريف مكة الحسين
بن علي يعتذر فيها إليه، ويطلب العفو، والصفح ؛ لأنه لا يقوى على العتاب )) (34) ،
ومنها :
|
فاشمم بروق الحيا والجدب فارقه واقصد أبا فيصل وانزل بساحته رد السّلام عليه ثم كلمـــه إني أتيت بكثر الذنب معتـذر فالعفو والجود والإكرام نأملــــه
|
وانزل بأرض سقتها السحب بالمطــر في الجانب الرحب ذاك الواسع العطر بما تريد وما تحتاج من وطـــــر إِليك يا سيد السادات من مضــــر أَنت الكريم وتعفو عفو مقتـدر (35)
|
وليس
في هذه الأبيات ما يلفت النظر النقدي ، سوى تواضع أَسلوبها ، وضعف دلالتها اللغوية
، وأنها تمثل مستوى الأدب يومئذ في عسير .
ولم
يكن النثر عبر هذه المرحلة بتهامة وعسير قد شهد شيئاً من مظاهر التطور والتجديد
التي عرفها في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري ، إذ الغالب على نتاج
الأدباء يومئذ ما اعتادوه من الكتابة الإنشائية التقليدية المتمثلة في : الرسائل ،
والخطابة ، والمقامات ، وأساليب التعبير المعروفة عند المؤرخين والكتاب بعامة ،
ولربما كان للرسائل الديوانية والإخوانية حضور يشهد به ذلك العصر لما كان عليه من
الاضطراب السياسي ، والنهج الاجتماعي المستوجب للرحلة والفراق وطلب العلم ،
والظروف الاجتماعية الأخرى (36) .
أما
القول بوجود المقالة وظهورها أو غيرها في الأدب التهامي أو أدب عسير يومئذ، فليس
ذلك بممكن لعدم توافر أسباب كتابتها ، وقلة الكتاب مع العلم أن الصحافة في الحجاز
عندئذ ظاهرة معروفة ، ولكنها لم تكن بعد قد أخذت بأسباب التأثير الأدبي في أدب
الجنوبيين ، إِذ المعهود أن ذلك لم يتحقق إلا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر
الهجري ، وبخاصة في منتصفـه أو قبلـه بقليـل ، وهو ما حققه هذا الدور الأدبي الذي
ندرسه في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله تعالى .
أولاً : مظانه:
يتمثل وجود نتاج أُدباء جنوبي المملكة العربية
السعودية في عهد الملك عبدالعزيز ابن عبدالرحمن آل سعود في عدد من : المظان
الأَولية ، والمصادر الموثّقة ، مثل : ((المخطوطات،
والمطبوعات، والدوريات، وما تحمله ذاكرة عدد من المعمّرين الثقات، ذوي الثقافة
والعلم والذين شهدوا تطور هذه الحياة )) (37) ،
وعرفوها .
وتأَتي الآثار المخطوطة في مقدمة تلك
المظان ، إِذ لم تكن الحياة الأَدبية يومئذ بضعيفة لا يفترض فيها ما يمكن عدّه من
مصادر هذا النتاج ومراجعه ، بل كانت حياة الناس الأدبية في تهامة على وجه الخصوص
عامرة بنتاجهم الأَدبي ، وعطائهم الفكري المناسب المقبول ، ولربما لا يتحقق للدارس
جمعه ، والإحاطة به؛ نظراً لتشتته ، وعدم التوافر عليه، ومما يمكن ذكره في هذا
المقام: آثار الشاعر الأَديب علي بن محمد السّنوسي ( 1315 –
1363هـ ) المتمثلة في: مؤلفاته ، ورسائله ، وشعره . أَما مؤلفاته، فمنها : كتاب: (( السماط الممدود في رباط المحبة
والعهود: ما بين الأَدارسة، وآل سعود )) (38)،
ويحتفظ هذا الكتاب بشيء من نتاج هذا الأديب ، وبعض آرائه ، وما كان يصدر عنه من
مظاهر الأسلوب وملامحه، وأما رسائله فلربما عرفت في مكاتباته ، وتقريظاته (39)
مع علماء زمانه وأدبائه . وأما شعره المخطوط فقد ضمّ بعضه كتابا : ((المفقود من شعر علي بن محمد السنوسي))، (( ومن شعر علي بن محمد السنوسي )) (40)
جمع الباحث وتحقيقه، ناهيك عن شعره المنشور في كتاب : ((شعراء الجنوب )) وفي دوريتي : المنهل، وأم القرى (41) ،
وغيرهما مما لم يحط به الآن .
ومن تلك الآثار المخطوطة: نتاج القاضي
الشّاعر محمد بن حيدر القبي، ومنه ماتتضمّنه بعض المجاميع المخطوطة الموجودة لدى
الباحث ، إِذ تنطوي تلك الآثار على بعض نتاج معاصريه ، وشيء من نتاجه ، لولا وضوح
المسحة المذهبية فيها (42). وكان للشاعر عبدالرحمن بن
يحيى المعلمي ديوان شعر مخطوط لم يطبع (43)، ولم يخل من
مظاهر الواقع الفكري الذي كان عليه الوضـع الديني في تهامة قبل منتصف القرن الرابع
عشر الهجري، ناهيك عن آثاره الخطية الوافرة الموجودة في مكتبة الحرم المكي الشريف،
ولكنها لم تنل حظاً من العناية والترتيب ، إذ لم تزل عند زيارتي (44)
لتلك المكتبة في أضابير ورقية لم تفهرس أو تنظم ، أو تنالها رعاية الدارسين .
ولربما عدّت آثار القاضي عبدالله بن
علي العمودي من أوسع المظان الأولية لهذا الدور الأدبي بتهامـة، لما خلّفه هذا
الأديب من مخطوطات وآثار أدبية لم تطبع ، مثل : ديوانه ، وتاريخه: " اللامع
اليماني " ومختصره : " تحفة القارئ والسامع "، فضلاً عما دونه هذا
المؤرخ في أثناء حياته الأدبيـة من النتاجات الفكرية المناسبة التي استوعبتها
مجاميعه المخطوطة التي تتجلى أهميتها في : ((تصوير الحياة الأدبية بتلك الأنحاء حتى
سنة 1363هـ/ 1943م ، وما حصل عبرها من ردود فكرية ، وحركة أدبية ظاهرة)) (45) ،
ويلحق بهذه المظان المخطوطة آثار : الأستاذ سعيد الغماز بعسير ، وآثار الشيخ
إبراهيم ابن زين العابدين الحفظي برجال ألمع بتهامة عسير ، والشيخ حافظ بن أحمد
الحكمي بجازان : إِذ : ((
تعد الحلقات العلمية التي نشرها ابنه أحمد بن حافظ الحكمي على صفحات مجلة اليمامة
من المظان الأدبية التي حفظت آثار هذا العالم ... وبخاصة قصائده الشعرية ، ورسائله
الأدبية ، وهي منشورة في مجلة اليمامة ، ومخطوطة أيضاً في بعض الآثار الأدبية ،
مثل آثار العمودي ، وغيره من علماء صامطة وأهليها )) (46) .
أما المظان المطبوعة المنشورة ، فتمثل
عدداً من المصادر والمراجع المعروفة ، مثل الكتب الآتية : ((الأدارسة في تهامة)) لعبدالله بن علي العمودي ، و (( شعراء الجنوب )) لمحمد بن علـي السنوسـي وآخريــن ، و
: (( الحيــاة
الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية)) ، و (( نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي
المملكة العربية السعودية ))، و(( أثر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في
الفكر والأدب بجنوبي الجزيرة العربية ))
للباحث ، و (( تاريخ
المخلاف السليماني )) ، و (( التاريخ الأدبي لمنطقة جازان )) لمحمد بن أحمد العقيلي ، و (( مجموعات قصص محمد زارع عقيل )) ، و : (( مع الشعراء )) لمحمد بن علي السنوسي ، و : (( أديب من عسير )) جمع محمد بن عبدالله الحميد ، و:(( في ربوع عسير )) لمحمد عمر رفيع ، و : (( في بلاد عسير )) لفؤاد حمزة، و : ((رحلات في عسير )) ليحيى بن إبراهيم الألمعي ، و : (( تاريخ عسير في الماضي والحاضر )) لهاشم بن سعيد النعمي ، و : (( شهادة للبيع )) لمحمد بن عبدالله الحميد ، و: ((نفحات من عسير)) لمحمد بن إبراهيم الحفظي ، و : (( أبها في التاريخ والأدب )) لعلي بن أحمد عمر عسيري ، و : (( محمد بن علي السنوسي ... شاعراً )) لمحمود شاكر سعيد، و: (( المذاهـب الأدبية في الشعر الحديث
لجنوب المملكة العربية السعودية ))
لعلي علي مصطفى صبـح ، إلـى جانـب الدواويـن الشعريـة المنشـورة ، مثال : (( القلائد )) و(( الأغاريد )) ، و((الأزاهير)) و : (( الينابيــع )) ، و : (( نفحـات الجنوب )) لمحمد بن علـي السنوسي، و : ((أفاويق الغمام))، و (( الأنغام المضيئة )) لمحمد بن أحمد العقيلي، و : (( عبير من عسير )) ليحيى إبراهيم الألمعي ، و : (( الألمعيات )) لزاهر بن عواض الألمعي ، و (( رحلة العمر )) لعلي حسين الفيفي ، ناهيك عن أهمية
الدوريات المحلية ومنزلتها من تلك المظان العلمية ، وبخاصة : أم القرى ، وصوت
الحجاز ، والندوة ، والرائد ، وقريش ، وعكاظ ، والمنهل ، واليمامة (47)
وغيرها ، ولم تكن أَحاديث معاصري بناء هذه الحياة الأدبية في عهد الملك عبدالعزيز
بقليلة الأهميـة فـي الحديث عـن هذا الجانب بل هي مهمة مفيدة ، ويمكن الوقوف عندها
في كتاب : (( نشأة الأدب
السعودي المعاصر في جنوبي المملكة ))
للباحث (48) .
لم تكن تهامة على وجه الخصوص بقليلة
الحظ في يقظتها الأدبية عبر هذا العهد ، بل كانت حاضرة العطاء ، كثيرة الموروث
الأَدبي، يسعفها في هذا الميدان: اتصالها بحياة أدبية سابقة ، وظهور الدوريات
المحلية فيها مذ العقد السادس من القرن الرابع عشر الهجري ، ناهيك عن وجود بعض
الأمراء المتأدبين فيها الذين شجعوا الأدب السعودي، وأخذوا بأسباب نشأته ، إلى
جانب أهمية الأثر الذي نهض به بعض المصلحين العلماء عند وفادتهم لتهامة ، مثل :
أثر الداعية عبدالله بن محمد القرعاوي الذي وفد لصامطة بتهامة أواخر العقد السادس
من هذا القرن نفسه ، وإذا كانت عسير في تواضعها الأدبي عندئذ تقصر عن بلدان تهامة
، فإنها من بعد قد استفادت من تلك الأسباب، وأصبحت من مراكز الفكر الناشئة في هذا
العهد السعودي الجديد.
ويأَتي أثر البيئة المحليّة ظاهـراً في
تكوين هذا الدور الأدبي لأَدباء الجنوب ، حيث استفـادوا كثيراً مـن واقعهـم
المحلـي : فلقد تعوّدوا : ((
الإسهام بشعرهم في المنتديات المحلية ، وما تقوم به إِمارات بلادهم من مهرجانات
اجتماعية ، وبخاصة في المناسبات الدينية والاجتماعية )) (49) ،
إِذ كانوا : (( يتوافدون على
دار الإمارة في أيام العيدين، ورمضان من أجل إِلقاء قصائدهم بين يدي عامل بلدتهم ،
وهم عندئذ يلقون نتاجهم الأدبي من الشعر والنثر في حضرة ملأ من الناس . وكان من
نتائج هذا اللقاء أنهم يتعرضون للمدح أو للقدح ، وليس ذلك في مكان الاحتفال وحسب ،
وإِنما في : المجالس الخاصة ، والندوات المختصرة أيضاً ، وكانـوا عندئذ يرتبـون
طريقــة إِلقائهم لشعرهم ، وكيفية مشاركاتهم ، وربما كان يتعرض رجال منهم للحرج ،
وما يمليه المقام )) (50) ،
وكان هذا الإسهام الأدبي يذكي هذا النشاط ويرفده ، بل ويدعو للحديث عنه في الصحف
والمجلات ، وربما لتقويمه ونقده ، وبخاصة في تلك المجالس الخاصـة ، فلقد كان مجلس
الأديب عبدالقادر علاقي بجازان : ميداناً رحباً للمناقشة ، واستماع ((أخبار الأدب))(51)، شأن أدباء عسير الذين كانوا
أيضاً : (( يحرصون على
مثل تلك اللقاءات ، ويخصصون يوماً معلوماً لها )) (52) ،
ويضاف إِلى هذا العمل المحلي الأدبي ما كان عليه أمراء هذه الأنحاء من الثقافة
الأدبية التي أسهمت في تقبل مشاركات أولئك الأدباء ، إذ هم عندئذ لا يخلون من ميول
أدبية ، واستعدادات فطرية مقبولة ، فلقد قيل عن أحد أولئك العمال الأمراء بتهامة :
إنه كان له : (( فضل كبير في
إِشعال جذوة الروح العلمية والأدبية في المنطقة ، وكانت مجالسه الخاصة ندوات أدبية
، وحلبات فكرية )) (53) ،
مما يعد عندئذ من الروافد الجادة لبناء هذه الحياة الأدبية الناشئة .
أَمّا دور المصلحين العلماء في تحقيق
هذه الروافد الأدبية فقد تمثل في جهود الداعية عبدالله بن محمد القرعاوي الـذي
أسهم : (( في النهضـة
العلمية والأدبية في المنطقة الجنوبية )) (54) ،
ومثله تلميذه الشيخ حافظ الحكمي الذي كان : (( ممن أسهم في الساحة الأدبية بمناظيمه
المشهورة، وقصائده المعهودة )) (55) ،
ويضاف إلى هذه الجهود الفردية في استظهار تلك الروافد المحلية : (( دور المعارك الأدبية ، والتقريظات
الشخصية ، وتناول المؤلفات المحلية بالنقد والتحليل))(56) ، إذ كان ينهض بها في الصحافة
المحلية عدد من أدباء تهامة وعسير ، ((
هـذا بالإضافـة إلـى أثر طبع الكتب المحلية ونشرها ، وما كان يصيبها من التقريظ ،
والمناقشة)) (57) ،
ناهيك عن أثر المكتبات المحلية التجارية وغيرها في إنماء هذه الروافد وإثرائها .
ويأَتي أثر البيئَات الأَدبية المعروفة الأخرى في بقية بلدان المملكة العربية السعودية ظاهراً في إِنماء هذه الروافد الأدبية لحركة الأدب بتهامة وعسير ، حيث كان أدباؤهما يقبسون من آثار إخوانهم في تلك المراكز ويتأَثرون بعطائهم الأَدبي ، مما زاد في ثقافتهم الأَدبية ، ومكّن لمراسهم الأسلوبي ، يقول السيد محمد الها