يحتاج
الراصد لمنجزات المملكة العربية السعودية الحضارية منذ عهد جلالة الملك عبدالعزيز
بن عبدالرحمن مؤسس المملكة في دورها الثالث إلى يوم الناس هذا يحتاج ذلك الراصد
إلى وقت، وجهد للوقوف على المصادر والمراجع التي تناولت تاريخ المملكة في هذه
المرحلة؛ فقد شهدت الدولة السعودية من الآفاق الحضارية والأحداث، والتمكن، والتوسع
، والسباق مع الزمن لقيام دولة عصرية تأخذ بأسباب التطور في كل منشط من مناشط
الحياة شهدت هذه الدولة الشيء الكثير والمتميز تخطيطاً وعطاءً .
وأزعم أن الإحاطة بتلك المنجزات، أو
إعطاء بعضها حقها من الدرس والتحليل يعد من الأمور شبه المستحيلة على الدارس في
هذا الشأن . لكن حصر بعض تلك المنجزات في شعر شاعر واحد قد يتيح فرصة الكشف عن
كثير من مجمل تلك المنجزات دون تفصيلاتها ؛ نظراً لما تحتمله العبارة الشعرية من
فضاء الإيحاءات التوسعية، التي ليس من شأنها الدخول في تفصيلات الفعل السعودي على
مسرح الحياة العامة ؛ إذ إنها تكتفي بالتلميح البعيد دون التصريح المباشر .
وقد اخترنا شعر أحمد بن إبراهيم
الغزاوي لهذه المهمة المعرفية الراصدة لمنجزات المملكة العربية السعودية لأسباب
لعل من أبرزها أنه شاهد عصر في مواجهة المتطلبات والأحداث التي صاحبت تأسيس
المملكة، فهو من مواليد عام 1318هـ ولد في مكة المكرمة، قبل استعادة الرياض بعام
واحد، وكان متابعاً لأخبار انتصارات عبد العزيز بعد استعادة الرياض وسعيه في توحيد
قبائل الجزيرة العربية وبيئاتهم، حتى إذا ما قدم الإمام عبد العزيز إلى مكة ضاماً
إياها خرج الغزاوي إلى السودان ، ثم بعد ذلك إلى الهند، وعاد إلى الحجاز سنة
1345هـ ، ولازم الملك عبد العزيز ما يقرب من ثلاثين عاماً، ولازم بعد ذلك الملك
سعود والملك فيصل فالملك خالـــد – رحمهم الله جميعاً – حتى توفي سنة 1401هـ . وفي
هذه المدة الزمنية التي بلغت سبعاً وخمسين سنة تقريباً كان الغزاوي من أكثر
الشعراء مدحاً لملوك الدولة السعودية الذين عاصرهم ، ومن أشد الشعراء حرصاً على
رصد التطورات والتحولات الحضارية التي حققتها المملكة ، فقد مدح الملك عبد العزيز
بأكثر من خمس وستين قصيدة، ورثاه بقصيدة واحدة، ومدح الملك سعود بأكثر من أربعين
قصيدة، وبمثلها الملك فيصل، ورثاه بواحدة، وخص الملك خالد ببعض مدحياته، وكذلك فعل
مع خادم الحرمين الشريفين إبان ولاية العهد .
ومدحياته في الملك سعود والملك فيصل
والملك خالد – رحمهم الله جميعاً – قالها في مناسبات عديدة، بعضها كان قبل توليهم
الحكم ملوكاً، أضف إلى ذلك حولياته التي نظمها في مناسبات مواسم الحج وعيد الفطر
وذكرى جلوس العرش ، والقصائد التي قالها في بعض المناسبات الاحتفالية والاحتفائية
لبعض المنجزات التنموية كاحتفائه ببضع المناشط الإعلامية من مثل صوت الحجاز، وتحية
الصحافة السعودية ، والإذاعة، والمنهل ، وتحية الجيش والجيل الجديد ، ومناسبة
إيصال ماء العين العزيزية إلى جدة، والاحتفاء بميناء جدة الجديد ، وعمارة الحرمين
، وغير ذلك من المناسبات التي سجل فيها انطباعاته بشأن ما حققته المملكة من قفزات
حضارية تطورية ما كانت لتتم لولا توفيق الله سبحانه وتعالى ، ثم حرص ولاة الأمر في
هذا البلد الأمين في الأخذ بكل أسباب الحياة الحرة الكريمة المستندة على قيم
الإسلام الثابتة ، أضف إلى ذلك قيمة المنجز الحضاري الذي يستحق الإشادة به شعراً
ونثراً .
فقد قامت ركائز الحكم السعودي
ومنطلقاته منذ محمد بن سعود على المعرفة الشرعية ديناً وسلوكاً ، وتوسيعاً للنظرة
إلى الحياة هذا ما أكده نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ، وهذا ما قامت
عليه هذه الدولة منذ جذورها الأولى التي جمعت بين السلطة الإدارية والدعوة إلى
الله، فاجتمع لها قوة الانتماء العقدي وقوة السلطان .
من هنا تأسس أرقى مشروع حضاري عرفته
الجزيرة العربية إذ كان همُّ قيادييها بناء دولة عصرية تنشد الاستقلال والنهضة،
وتتطلع إلى آفاق الحياة المدنية، والأخذ من أسبابها ما يعضد أصول الحكم الدينية ،
وينمي المشروع المدني السعودي فهو مشروع ينطلق من أصول الدين ، ويعود إليها . إنه
تأصيل الحكم الإسلامي الذي يتجاوز النظرة البيئية الضيقة أو العصبية التي تفرق ولا
تجمع .
فقد كانت هذه البلاد ترزح تحت وطأة
التخلف والضعف بدءاً من تشويه العبادة وانتشار البدع والخرافات ، وانهزام الناس
أمام سيطرة بعض القوى التي وجدت السبل ممهدة إلى ظلمهم، واضطراب الأمن . فكان لا بد
أن يأمن الناس على أعراضهم وأموالهم ودمائهم وفق ما ينتمون إليه من مثل إسلامية ؛ لأن
ذلك يعد حجر الزاوية في انطلاق الإصلاح التنموي .
فكان قدر هذه الدولة أن تواجه التحديات
العصيبة في بداية تأسيسها وسيرورة نهضتها مما جعلها تزداد قوة وعزيمة ومضاء
وتصميماً من قادتها على إقامة دولة قوية في إيمانها بالله في ظروف ومعوقات صعبة لم
يخترقها إلا العزم القوي والمواهب السياسية النابهة بعد توفيق الله ونصره ، حتى
أضحت المملكة بناءً شامخاً ذا ثقل مؤثر في قضايا الكون المعاصرة .
لقد عاشت الجزيرة العربية في الظل
لسنوات عديدة ، فأعاد إليها عبد العزيز وأبناؤه مكانها الطبعي في حركة التاريخ
العربي الإسلامي ؛ لتعود كما كانت في ماضيها قبلة العالم النابض بالحركة الدعوية
والسياسية والتنموية .
هكذا قامت المملكة العربية السعودية
على مرتكزات المعرفة الإلهية، والنبوية ، وعلى الإرث العربي ، والإسلامي ،
والإنساني العريق .
وكان هم مؤسسها وقادتها أن يبنوا دولة
قوية ، يكون لها فعلها المؤثر في حركة التاريخ المعاصر، تستمد فعلها هذا من كتاب
الله وسنة رسوله e ، المصدرين
الأساسين اللذين صلح بهما حال المسلمين في أول حياتهم، وأن ينشروا العدل، والحق
بين الناس، ورفع الظلم، والقضاء على بؤر الجهل ، والفقر ، والأمية التي كانت تضرب
بجرانها على أهل هذه البلاد ، قبل توحيدها تحت راية التوحيد الخالدة ، والأخذ
بالأسباب التي تجعل هذه الديار في مصاف الدول المتقدمة وفي طليعتها، واستشراف
المستقبل ببصيرة واعية ، وخطط إصلاحية مستقبلية ، تكفل للمواطن ، والمقيم ، والحاج
، والزائر حقوقهم المشروعة ، وبناء علاقاتها مع دول العالم على الثقة المتبادلة ،
والصدق في التعامل ، لما فيه خير الإنسان .
فقد كانت الخطوة الأولى بعد تصحيح
الدين هي توحيد المملكة على كلمة سواء، وفي كيان واحد قوي قادر على مواجهة متطلبات
هذه المرحلة من هذه الحياة الجديدة، أعقب ذلك الدعوة المخلصة الجادة إلى جمع كلمة
العرب وتوحيدهم .
وكان هـــذا الأمر من أكثر الأمور التي
اهتم بها الملك عبد العزيز وخلفاؤه من أبنائــــه؛ لأن اتحاد العرب الخطــوة
القوية الأولى لاتحاد المسلمين ، ففي العرب نزلت آخر الرسالات السماوية ، وفي ديار
العرب قبلة المسلمين؛ لذلك كان الاهتمام الإسلامي الأشمل، والأكبر ، وهو جمع كلمة
المسلمين ، واتحادهم في مواجهة التحديـــــات التي تعوق حركتهم عن الوصول إلى
أهداف الأمة ، وغاياتها ، وقضاياهم المصيرية .
فلم يكن أحب عند عبد العزيز من أن
تجتمع كلمة المسلمين كما يقول. وتكمن قوة المسلمين ، واتحادهم في نظره – رحمه الله
– في إيمانهم بالله إيماناً صادقاً وثقتهم به، وصدقهم في النصح لشعوبهم ، والتعامل
مع مشكلات الحياة تعاملاً حقيقياً، وتطبيق الأقوال بالأفعال .
ولم يكن اهتمام الملك عبد العزيز
مقصوراً على مستوى الدول فحسب فقد تجاوز اهتمامه ذلك إلى الاهتمام بالأقليات
المسلمة في غير بلاد المسلمين ، ومنحها الشيء الكثير من رعايته؛ فقد كان يتطلع إلى
أن يعيش العالم كله في سلام، ووئام، وأمن ؛ لأن في ذلك الخير كل الخير لشعوب الأرض
عامة . وكان هذا دأب ملوك هذه الدولة بعد عبد العزيز .
أما السبيل إلى نهضة الأمة ، وتحقيق
ذاتها ، ودورها في إثبات هويتها، ووقوفها عند مبادئها التي تؤمن بها ؛ فإن ذلك لا يتحقق
إلا من خلال إرساء دعائم الأمن، والاستقرار، ونشر المعرفة الصحيحة المفيدة ،
وتنمية الوعي الجمعي القادر على تحقيق متطلبات الحياة باقتدار، ومرد هذا كله
الإخلاص، والصدق في العمل ، ومراقبة الله في السر والعلن ، فإصلاح الذات طريق إلى
إصلاح الآخر .
ونظراً إلى قيام المملكة العربية السعودية
على الدعوة السلفية الصحيحة منذ أدوارها الأولى فقد ارتبط لقب الإمام بأمراء هذه
الدولة وملوكها ؛ وقد لقب عبد العزيز بهذا اللقب الذي يجعل أعمال الدولة الإدارية
تستند على الدين في منطلقاتها .
وهو لقب يحمل في دلالته الدينية ما
يتمتع به الملك من معرفة شرعية ، كانت مرتكزة في سياسته داخلياً ، وخارجياً من حيث
غيرته على سنن الإسلام ، وحرصه على إقامتها على وجهها الصحيح ، ومن حيث غيرته على
مقدسات المسلمين وتفانيه في الدفاع عنها .
ولعل أكبر قضــية إسلامية شغلت اهتمام
قادة الدولة السعودية هي قضية فلسطين . فقد ناصروا القضية عربياً ، ودولياً، وما زالــوا
يؤكدون في كل مناسبة على قدسية مسرى رسول الله e،
وعلى هذا الإرث الديني ، وعلى وحدة أرض فلسطين؛ وأنها أرض محتلة ينبغي جلاء المحتل
عنها، وتسليمها إلى أهلها، وعدم التفريط في الحقوق العربيــــة فيها ؛ وأن وعد
بلفور لليهود بإقامـــة وطن لهم في فلسطين لا يستند على شرعية دولية . هذا ما كان
يقوله الملك عبد العزيز ، وهو ما حرص على الدفاع عنه ملوك هذه البلاد .
فقد كان الملك عبد العزيز حريصاً على
أن يكون للفلسطينيين حضورهم المباشر والفاعل في المطالبـــة بحقـــوقهم في المحافل
الدولية ، والمؤتمـــرات الخاصة بهذه القضية يدعـــو إلى مناصرتهم في ذلك ، والوقـــوف
إلى جانبهم ، حتى تقوم دولتهم المستقلة على أرضهم ، وكان يتطلع إلى اتخاذ بعض
المواقف الإجرائية الممهدة لقيام الدولة الفلسطينية، واسترجاع الحقوق العربية
كاملة ،كمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وعدم تفريغ الأرض من العرب بالهجرة
المضادة ، أو بحجة بيعها ، أو استصلاح غيرها مما هو أحسن منها ، أو بأي ذريعة
يتذرع بها المحتل الغاشم .
وكانت تعليمــــات الملك عبد العزيز
لأبنائــــه، وسفرائــه في دول العالم أن ينطلقوا في محاوراتهم الدولية في
المؤتمرات، واللقاءات الخاصة بمناقشة القضية الفلسطينية من تلك الأسس التي وضعهـــــا
، وأن يؤكدوا دائماً على قدسية هذه الأرض ، وأنها أرض محتلة أعطيت لليهود بغير وجه
حق، لإقامة وطن قومي لهم على حساب تشتيت أهلها الحقيقيين .
لقد حقـــق عبد العزيــــز بن عبد الرحمن
آل سعـــود لهذه الدولــــة المملــــكة العربيـــة السعوديــــة وحدة الدين على
هدى من كتاب الله وسنة رسوله e
، فجمع الناس على اختــــلاف مشاربهم ، وتصوراتهــــم على كلمة سواء هي كلمة
التوحيد، وحقق وحدة الأرض في دولة قوية جمعت شتات الناس من بادية ، وحواضر ، وأصبحوا
ينتمون إلى أرض واحدة ، بعد تفرق دام كثيراً، فأخرهم عن أسباب التمدن، والتحضر.
وكان لا بد لهاتين الوحدتين أعني وحدة
الدين ، ووحدة الدولة أن تكونا سبباً في الدعوة إلى الوحدة الكبرى وحدة المسلمين،
وأن يجد ذلك كله من ينهض به إلى آفاق المدنية المعاصرة، وقد تحقق ذلك داخلياً
بدءاً من نشر العدل ، والأمن بين الناس ووصولاً إلى الأخذ بمقومات الحياة الحرة
الكريمة ، ونجح آل سعود في الدعوة إلى وحدة العرب والمسلمين ، وكان الاعتماد في
ذلك كله على الله سبحانه وتعالى ، ثم على تفاني عبد العزيز ، وخلفه من أبنائه ، في
تنمية هذه الدولة والوصول بها إلى دولة عصرية ذات فاعلية مؤثرة في المحافل الدولية
، وفي صدق نواياهم العربية والإسلامية وإخلاصهم في الدعوة إلى ما يجمع شمل العرب
والمسلمين .
ويجد الراصد لتاريخ الحضارة الإسلامية
أنه بانتهاء دور الخلافة العباسية بانتهائها من الوجود في بداية النصف الثاني من
القرن السابع الهجري تفرق عمود الأمة الإسلامية ، ولم تجتمع حتى يوم الناس هذا في
وحدة اجتماعية وسياسية، مما زاد في ابتعاد الناس عن منابع الدين الصافية وتشويه
العبادة ، وكانت هذه سمة المجتمعات العربية في الجزيرة العربية ، وغيرها من البلاد
، وقد تعمق هذا الانحراف والجهل بأصول الدين إبان زمن الخلافة العثمانية التي كانت
الجزيرة العربية طرفاً من أطرافها، وليست مركزاً من مراكزها مع وجود الحرمين
الشريفين بها ، فتعمقت الشقة بين الناس وما ينتمون إليه من مرجعية دينية ، حتى إن
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي واكبت الطور الأول من أطوار المملكة العربية
السعودية لم يكن لها ذلك الفعل الشمولي في البيئات البعيدة عن مركز نجد .
ولما قامت دعوة الملك عبد العزيز بن
عبد الرحمن الإصلاحية الداعية إلى وحدة التصور على هدي من كتاب الله وسنة رسوله
محمد بن عبد الله e ، والداعية إلى وحدة الأرض ؛ كان لا بد من إعادة الناس إلى الدين
الصحيح كما جاء من عند الله ، فالملك عبد العزيز لم يطلب الحكم مغنماً بل طلبه
إحياء لدين الله ، وعملاً لتوحيد الديار وأهلها . تجد الإشارة إلى هذا الإحساس
بأهمية العودة إلى الدين الصحيح في أول قصيدة قالها الغزاوي في مدح الملك عبد
العزيز وصفه فيها بإمام الهدى، وكان في بداية توحيد المملكة في عام 1345هـ ، وقد
تكرر وصف الملك عبد العزيز وأبنائه من بعده بالأئمة في شعر الغزاوي، وفي شعر غيره
من الشعراء الذين رصدوا منجزات المملكة الحضارية ، وما ذاك إلا لطبيعة مرتكزات
الحكم السعودي ومنطلقاته التي قامت على إحياء شرع الله عقيدة وسلوكاً، وتطبيقاً
لأحكامه في العبادات والمعاملات .
|
إمام الهدى لازلت للدين موئل |
|
يعز بك الإسلام والعرب والحمى |
|
أقمتم صروح العدل والفضل والتقى
والتقى |
|
وأعليتم بنيان شرع تهدما |
|
وأطلقتمو ما قيد البغي والهوى |
|
وقيدتمو ما أطلقاه تحكما |
|
حكمتم بما قد أنزل الله في الورى |
|
ويا حسن ما يقضي به الله محكما |
|
وأحييتم بالنهج سنة أحمد |
|
نبي الهدى فارتاع من كان مجرما |
( أحمد الغزاوي وآثاره الأدبية . جمع وتصنيف،
وتحقيق وشرح . الدكتور مسعد عيد العطوي. السعودية 1406هـ / 1986م . ص 605–606) .
إن هذا المنهاج الذي نهجه عبد العزيز
في إقامة شرع الله في الأرض ما هو إلا تطبيق عملي لدعوة الأنبياء – عليهم الصلاة
والسلام – في تحقيق التوحيد ، ونبذ الشرك، وإخلاص العبادة لله وحده ، وهذا ما يحمله
علم المملكة الخفاق براية التوحيد ( لاإله إلا الله محمد رسول الله ) هذا الرمز
الخالد الذي بعث به عبد العزيز الدين قوياً كما كان.
|
يا باعث الدين من أجداث غربته |
|
ومنقذ الشعب من جهل وأصفاد |
( السابق 1057) .
ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائد الغزاوي
المدحية التي مدح فيها ملوك هذه الدولة الزاهرة منذ زمن مؤسسها عبد العزيز – رحمه الله – إلى خادم
الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي مدحه الغزاوي ببعض شعره عندما كان
ولياً للعهد ، أقول لاتكاد تخلو قصيدة من تلك القصائد المدحية من الإشادة بإحياء
الدين ، والمحافظة عليه عند هؤلاء الملوك .
فعبد العزيز في شعر الغزاوي ،
طامس معالم الإلحاد، والحاكم بشرع الله
الحنيف، وقد ناضل بالحق الضلال وأهله ، ونشر العدل بين الناس ، وأقام الشرع الذي
تسمو به الأقوام ، ونصر السنة ، وقامت به حجة التوحيد ، حتى اقترن اسم عبد العزيز
بهذا الإحياء الديني الذي سهد ، وجهد من أجله، حتى أظفره الله به ، فهو منارة شرع
الله، ومبدد أحلاك الضلال بالهدى ، وحامي حمى الإسلام، والمتطلع دائماً إلى مجد
الحنيفية ومحطم البدع ، المؤيد بنصر الله له .
وهذا النصر المــــؤزر بتوفيق الله ما كان
ليتحـــقق لو لم يتخذ عبد العزيز نفسه داعياً إلى الله .
|
أقام حدود الله في غير خشية |
|
وقام على حفظ الشريعة وازعه |
|
فمن تكن الدنيا مناط همومه |
|
فكل هوى عبد العزيز مراجعه |
|
وما التاج إلا سجدة في جبينه |
|
ولا المجد إلا سيفه وصنائعه |
|
ولا الحكم إلا عد له وتقاته |
|
ولا الفخر إلا دينه وشرائعه |
( السابق 891–892) .
لقد أصبحت هذه الدولة في نظر الغزاوي
بهذا الانتماء الإيماني القوي جنة، قطوفها الدين ، وحارسها الواحد المعبود ، وقد
كرر الغزاوي في شعره الإشادة ببعث الدين ، وإحيائه ، وقد افتخر به كثيراً، وتدفق
في التغني به رخاءً ، وسعة ، واعتداداً به ، فقد أشاد بهذا الانتماء في مدحه الملك
سعود – رحمه الله – الذي أحيا نهج الرسول e،
وأقام حكمه على سمت النبي ونهجه ، ونصر دين الله ، حتى أثنت عليه منابر الهدى، ولجت
بثنائها لذلك العرش الممدود سرادقه على دعائم الدين فهو لا ينفك يروم عزة دين الله
، مقيماً حدوده .
|
لك الشريعة حكم والهدى خلق |
|
والجيش زحف وأشفار الظبي غفر |
( السابق 1306) .
وكان الملك فيصل – رحمه الله – منار
الإسلام وقلبه المتفتح .
|
وما فيصل للدين إلا منارة |
|
وما هو إلا قلبه المتفتح |
|
بنى شعبه عبر الصحارى فيالق |
|
مدرعة للحق والسلم تجنح |
|
وشيده صرحاً منيعاً ممرداً |
|
به الحق يعلو والشكائم تكبح |
|
دعائمه التقوى وأركانه الهدى |
|
وأخلاقه الحسنى بها هو يمرح |
(
السابق 1662) .
وقد وصفه الغزاوي بأنه معقل الإسلام ،
الداعي إلى توحيد الله .
|
ويقيننا التوحيد لم نشرك به |
|
شيئاً ولا علقت بنا الأوهام |
|
يدعو إليه فيصل في أمة |
|
هي وحدة بالله وهو إمام |
( السابق 1675) .
أما الملك خالد – رحمه الله – فتاجه
الفرقان الذي يفاخر به .
|
لدن ملك ما تاجه من زخارف |
|
ولكنه الفرقان وهو يفاخر |
هــذه هي أسس الركائز التي قامت عليها
منجزات المملكة العربية السعودية الحضارية ، وهي إحياء الدين ، وتصحيح العقيدة ،
ووحدة التصوّر بدءاً بالقدوة الحاكم الذي اتخذ نفسه داعياً إلى الله ، فاطمأنت
النفوس إلى صدق الدعوة ، والإخلاص لها ، ثم استجابت بإذنه لها طائعة منقادة .
أما الركيزة الثانية المنبثقة من تصحيح
العقيدة فهي إشاعة الأمن والاستقرار عن طريق إقامة العدل المستند إلى تطبيق
الشريعة قولاً وعملاً . ويعد توطين الأمن حجر الزاوية في الانطلاقة إلى ال الشاملة
التي بدأها الإمام عبد العزيز بتوحيد التصور العقدي، وتوحيد الوطن ، والعمل على
انبثاق التنمية الداخلية في مناشط الحياة العامة، وتطوير أدائها ، ثم الدعوة إلى
الوحدة العربية تمهيداً لدعوة وحدة المسلمين ، ومتعلقات هذه القضايا الكبرى التي
كانت وما تزال الشغل الشاغل لاهتمامات قادة المملكة العربية السعودية . وقد رصد
الغزاوي في شعره بعض ما أنجزه حكام هذه الدولة التي أعزها الله بالإسلام وأعز
الإسلام بها ، ويحتاج تأصيل الأمن وتوطيده إلى قوة تعضد الحق حتى تستقر الأمور ،
ويأمن الناس على أنفسهم وأعراضهم ، وأموالهم ، وقد كانت الشجاعة ، والحزم ، والكرم
والمروءة ، مجمع صفات الفروسية متأصلة في شخصية موحد الجزيرة ، وفي أبنائه الذين
حملوا راية التوحيد بكل أمانة وصدق وإخلاص ، فهم ليوث الحرب ، وجند النضال المؤزر
بتوفيق الله عرفوا بسداد الرأي، والحلم ، وبسطـــوا سيادتهم وسلطانهم بالدعــــوة
إلى الله ، وليس برهبـــة السلطة ، فأرسوا بذلك دعائم العدل ، والحق ، والرخاء ،
وملأوا الأرض أمنَّا وارفاً تفيأ الشعب ظلاله، ونعم بهذا الأمن الرغيد القادم إلى
هذه الديار حاجاً ، ومعتمراً ، وزائراً ، ومشاركاً في البناء .
وكانت مرحلة التأسيس الأمني على يد
الملك عبد العزيز مكان التجلة ، والإعجاب ، والإكبار في نفوس الناس هذا ما أكده
الغزاوي في شعره في مناسبات عديدة، وكيف صار هذا الأمن مضرب الأمثال، وحديث
الركبان في الداخل والخارج، ومحل عناية ملوك هذه الدولة باستمرار ففي عبد العزيز
يقول الغزاوي :
|
بك الله أدني كل خير ونعمة |
|
وقرب أشتات المنى والمطالب |
|
وأيد توحيداً ووحد أمة |
|
تردت زماناً في مهاوي النوائب |
|
وأعلى لواء الأمن والعدل والهدى |
|
وقوم معوج الهوى والمشارب |
|
فأهلاً بمن قد وطد الملك عزمه |
|
وشيده بالمرهفات القواضب |
|
وأسمع أصلاد الحجارة وقعها |
|
إذا هي غنت في الطلى والمناكب |
|
ومن تخش من شزراته أسد الشرى |
|
إذا شاء يقسو فارتدى ثوب غاضب |
|
ومن ليس يحكي الرعد مبلغ صوته |
|
إذا صاح يوماً بالوغى والكتائب |
|
يقدمها والله يضمن أنها |
|
إذا اختلط الزحفان أول غالب |
( السابق 731–732) .
وفي قصيدة لاميّة للغزاوي يمدح فيها
الملك عبد العزيز في حفل استقبال الملك لحجاج بيت الله في منى سنة ثنتين وخمسين
وثلاثمائة وألف ومطلعها :
|
|
وهاتا اسمعاني في الكتاب المنزل |
يسترفد الشاعر قول امرئ القيس في
الوقوف على الأطلال للتحول من ذلك التقليد الطللي، ومعاناة الزمــــان الغابر إلى
مايستند عليه نظام الحكم في المملكة العربية السعودية من انتماء إلى الكتاب والسنة
فهما مصدر التشريع ، وأساس الحكم ، وماذاك إلا لإحساس الشاعر العميق بنهج هذه
الدولة الشرعي واقتدائها بالذي من تمسك به لن يضل أبداً . فقد خاطب الغزاوي صاحبيه
بقوله:
|
وعوجا على الآيات من كل معجز |
|
ففيها جلاء الحق من كل معضل |
|
ألما بها واستجلياها بعبرة |
|
فإن بها نور الهداية ينجلي |
وانتقل بعد هذه المقدمة إلى وصف الملك
بالناصح المأمول الذي أمن البلاد بعد خوف كان يستوي أمامه أهل الجزيرة ، والقادمون
إليها لأداء فريضة الحج ، أو لمنافع الحياة .
|
فمن كان من قبل السعود وبأسه |
|
يطيق بلوغ الحج دون تزلزل |
|
ومن كان يسطيع المناسك آمن |
|
على نفسه ما بين جمع وجرول |
|
ومن كان في الرؤيا يصدق أنه |
|
يروح ويغدو في أمان مخول |
|
ومن كان يمضي في الجزيرة وحده |
|
بأزواد تبر في سلام ممثل |
|
ومن كان يأتي للحجاز وقلبه |
|
يرجى نجاة من حمام معجل |
|
ومن كان لا تغري الثياب بحتفه |
|
ولو هي ساوت نصف حبة خردل |
وبعد هذه الصورة البائسة المعتمة لما
كان يعانيه الناس من فوضى النهب والتقتيل والسلب حتى في أماكن تجمعات الناس في
المشاعر يظهر الوجه المشرق للأمن الذي تحقق على يد عبد العزيز .
|
ومن هو هذا الزاعم اليوم أنه |
|
يقاسي الذي قد كان زعم المضلل |
|
ومن يبغني ألا أقول الذي أرى |
|
فكل لسان غير عصبي مقول |
|
ومن ذا الذي لا يشكر الله نعمة |
|
تحدث عنها كل شاك وأعزل |
|
فهل أنا إلا مؤمن لحقيقة |
|
هي الشمس لا تخفى على متأمل |
|
وهل يجحد الفضل الذي هو ظاهر |
|
سوى أكمه عن منهج الحق معدل |
|
لقد حول الله المصائب منة |
|
وعوض عنها بالحباء المكمل |
|
فأبدلنا أمناً وعدلاً فمرحباً |
|
بكل مجيب للفريضة مقبل |
( السابق
734–736) .
هكذا زانت الحياة باستقامة عبد العزيز
، وإقامته الأمن ، فأعز الله به التوحيد، واستتب بعزيمته وتوفيق الله له الأمن
والاستقرار.
|
تمثلت حتى خافت الكف أختها |
|
وأعديت حتى استصحب الشاة والذئب |
|
أقمت حدود الله في كل حالة |
|
فلا مفسد ينجو ولا مصلح يكبو |
|
رفعت لواء الأمن في كل نفنف |
|
تضل به الأرياح والأنجم الشهب |
|
وأفسحت للبيت الحرام مناهجاً |
|
تحيفها من قبلك السلب والنهب |
|
فباتت أماناً للملبين شاملاً |
|
وكانت لحوداً للحجيج إذا لبوا |
( السابق 794) .
لقد أصبح الأمن ومتعلقاته الوجه المشرق
للمملكة العربية السعودية والصفة الملازمة لقادتها .
|
اليمن والأمن والتوفيق والظفر |
|
مهما أقمت ومهما أوشك السفر |