تمهيــــد :

يمثل التراث جذور الأمة الثقافية التي تصوغ هويتها، وتستمد منها قوتها ونماءها وعناصر وجودها في الحياة، وإحياء التراث لا يزدهر إلا في بيئة علمية واعية تعرف أهميته، وتدرك مبلغ الحاجة إليه من جهة، وتستطيع الانتفاع به ونشر ما يفيد منه بين الناس من جهة أخرى.

ولقد ارتبط العلم بالدولة السعودية منذ عام 1157هـ عندما تم الاتفاق التاريخي الذي عقد بين أمير الدرعية محمد بن سعود وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب رائد الإصلاح الديني في الجزيرة العربية، وكان هذا الاتفاق أساساً لالتزام الدولة الجديدة بالعلم؛ إذ إن نشر العقيدة الصحيحة لا يتم إلا عن طريق بيئة تشجع العلم وترعاه، ولما كانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تقوم على أصول ومبادئ تخالف السائد في البيئات الإسلامية في ذلك العصر فقد أصبحت بيئة هذه الدعوة بيئة دعوية توعوية تقوم على شرح مبادئها للناس، وتتصدى للدفاع والحجاج عن الأفكار التي تقوم عليها الدولة الجديدة.

ولهذا فإن اتصال هذه الدعوة بمنابع العلم ومصادر المعرفة وتصديرها لفكرها ماكان له أن يتم إلا عن طريق العمل الدائب لتحويل تلك البيئة عمّا كانت عليه من ركود إلى بيئة علمية متحركة نابضة بالحياة.

 ولم يكن التعليم وإشاعة العلم في مثل هذه البيئة ترفاً أو محاولة لتحقيق مستوى أعلى من الرفاه للناس بقدر ما كان ضرورة يقتضيها موقف هذه الدولة التي جوبهت دعوتها بالمعارضة من فئات كثيرة داخل الجزيرة وخارجها والتي بدأت معركتها سلميــاً – أول الأمر – عن طريق الإقناع وإرسال الرسائل وتفنيد الأقاويل بالردود، ثم ما لبثت أن اتخذت الوسائل العسكرية سبيلاً لتحقيق أهدافها؛ كي تعم دعوتها أرجاء الجزيرة العربية، وتنتقل من مرحلة الدعوة المسالمة إلى مرحلة الفرض والاحتواء السياسي.

 

والناظر في التاريخ لتلك المرحلة المبكرة من حياة الدولة السعودية يتنابه شعور مؤداه أن الجميع في حاضرة الدولة كانوا مجندين للعلم ومقبلين عليه؛ فقد كانت دروس الشيخ محمد بن عبدالوهاب التوعوية العامة – وبخاصة فيما يتعلق بالعقيدة– أشبه بالدروس الإلزامية التي يحضرها الجميع من أجل تصحيح مفاهيم العقيدة، ولا يتخلف عنها أحد إلا بعذر، ومن المعروف أن هذه الدروس سواء كانت تلقى من قبل إمام الدعوة أم من قبل أبنائه وتلاميذه كانت تلقى في المساجد في الدرعية وغيرها بعد الصلوات، حتى "عرف التوحيد الصغير والكبير" على حد تعبير ابن بشر(1).

والناظر في أهم كتابات الشيخ ومؤلفاته يجدها تنحو هذا المنحى التوعوي السهل الذي يقصد به إيقاظ العامة، وشرح مبادئ العقيدة الصحيحة.

ولقد كانت هذه إحدى المستويات العلمية التي تناولتها حلقات العلم في الدرعية، وهناك مستويات أرفع منها يقصدها طلاب العلم للتعمق في المسائل العقدية والفقهية، حتى كثرت الهجـــــرات إلى الدرعية، وازداد سكانها من طلبة العلم الذين يشير ابن بشــر إلى أنهــم عاشــوا "في أضيق عيش وأشد حاجة، وابتلوا ابتلاء شديداً، فكانوا في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون، وفي النهار يجلسون عند الشيخ في دروس الحديث والمذاكـــرة"(2).

وفي عهد الإمـــــام عبدالعزيز بن محمـــد بن سعود (ت 1218هـ) نجد الإمام يكتب – على ما يرويه ابن بشر – إلى "أهل النواحي بالحض على تعلم القراءة وتعليم العلم وتعلمه، ويجعل لهم راتباً في الديوان، ومن كان ضعيفاً يأتي إلى الدرعية ويقوم بجميع نوائبه" (3).

وكان الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد (ت 1229هـ) عالما أخذ العلم مع والده عبدالعزيز على الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكان لا يترك الدروس والمباحثة حتى في مغازيه، فكان يستصحب معه جملة من العلماء، وأثناء الغزو كان الناس يجتمعون عنده للدرس بين العشاءين كل يوم إلا قليلاً(4).

 

وفي عهده اتسعت حلقات العلم، فلم تعد قاصرة على المسجد ، بل رتب دروساً ثلاثة؛ أحدها عام يعقد في السوق الرئيسة للبلد عند الصباح، وقد وصف ذلك ابن بشر وصفاً مستفيضاً باهراً إذ حضره بنفسه، وكانت القراءة فيه مرة في تفسير ابن جرير الطبري، ومرة في تفسير ابن كثير(5). أما الثاني فيبدأ بعد صلاة الظهر في قصره في موضع معد لذلك يشبه المدرجات، ويقرأ فيه تفسير ابن كثير ورياض الصالحين. وأما الدرس الثالث فيكون بعد صلاة المغرب في مكان آخر هو سطــح مجلس الظهر، وفيه يقرأ صحيح الإمام البخاري(6).

ويسير الإمام عبدالله بن سعود بن عبدالعزيز آخر أئمة الدولة الأولى مسيرة أبيه سعود في مجالس العلم (7).

كما كان يجتمع المسلمون عند الإمام تركي بن عبدالله (ت 1249هـ) للدرس، وتقرأ في مجلسه كتب التفسير والسير، وكتب الحديث، كما يقرأ أحياناً كتاب "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام بن تيمية (8).

ويحضر ابن بشر مجلساً للدرس يقيمه الإمام فيصل بن تركي سنة 1262هـ أثناء غزوه لحزام بن حثلين ، يتصدى للتدريس فيه الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، كما يحضر ابن بشر درساً للإمام نفسه عند غزوه أهل القصيم في مخيمه، فيكون وصوله إليه بعد العصر أثناء اجتماع المسلمين في الصيوان الكبير للدرس، ويذكر أن الذي ألقى الدرس هو الشيخ عبداللطيف بن الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، ويعجب المؤرخ كثيراً ؛ إذ يقول: "فتعجبت من فصاحته وتحقيقه وتدقيقه، كأن بين يديه كتاب التفسير كالقرطبي وابن جرير أو أبي حيان وابن كثير" (9).

ونخلص من هذا إلى أن تقليداً قد تأسس لدى أئمة آل سعود، مؤداه أن تكون دروس العلم والاستماع إلى العلماء من مقتضيات الحياة العامة التي لا يتأخرون عنها في حضر أو سفر أو سلم أو حرب.

ولقد كان من أهم ملامح ازدهار العلم في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية كثرة العلماء، وكانوا في الأغلب على صنفين:

الأول : علماء موسوعيون كانوا على صلة واسعة بمنابع الثقافة العربية التراثية، فلم يقتصر تحصيلهم على علوم العقيدة والفقه، وإنما كانت لهم جهود في تحصيل علوم الحديث والتفسير وعلوم العربية وبعض المنطق، وكانت لبعضهم مشاركات أدبية، وغالباً ما يكون هؤلاء نتاج تأهيل تعدى البيئة النجدية أو بيئة الجزيرة العربية، فتتلمذ بعضهم على علماء الحجاز أو الأحساء أو العراق أو الشام أو مصر.

ومن هؤلاء العلماء الموسوعيين الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فقد امتدت رحلاته العلمية إلى الحجاز والأحساء والعراق، مما زاد في حصيلته العلمية المتصلة بالتراث، وإذا كان لم يبد في تأليف الشيخ الكثير من مصادره العلمية بسبب انشغاله بالتأليف للعامة أو عدم اكتراثه بذكر المصادر إلا نادراً فإننا لا نعدم الإشارات إلى فكر يعتمد على الكتب الأصول في التراث الإسلامي أكثر من اعتماده على كتب المتأخرين، ولعل ذلك يظهر أكثر في رسائله التي يبعثها إلى علماء عصره والتي يشرح فيها موقفه؛ ففي رسالة منه إلى الشيخ عبدالله بن محمد بن عبداللطيف عالم الأحساء يتحدث الشيخ عن ذم تقليد العلماء واتخاذهم أرباباً من دون الله، ويطلب منه أن ينظر في كلام أهل العلم مثل الحافظ الذهبي، وابن كثير، وابن رجب، ثم يقول: "وإن لم تتبع هؤلاء فانظر كلام الأئمة قبلهم كالحافظ البيهقي في كتاب المدخل، والحافظ بن عبدالبر، والخطابي، وأمثالهم قبلهم كالشافعي وابن جرير وابن قتيبة وأبي عبيد؛ فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف، وإياك وتفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه وشروحهم ؛ فإنها القاطعة عن الله وعن دينه، تأمل ما في كتاب الاعتصام للبخاري، وما قال أهلم العلم في شرحه" (10).

إن هذا النص يدل على أن الشيخ لم يكن محدود النظرة – وبخاصة فيما يتعلق بالعقيدة – في مصادر معينة، بل كان يستمد معارفه من منابع تراثية عريقة على الرغم من ندرة تلك المصادر وقلة تداولها بين الناس في ذلك العصر.

ومن العلماء الموسوعيين الشيخ عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب وابنه الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن؛ فقد كانت إقامتهما في مصر مدة طويلة من الأسباب التي جعلتهما يتصلان بالمصادر الكثيرة، مما أغنى اهتماماتهما العلمية.

والصنف الآخر صنف لم يغادر البيئة المحلية واقتصر في تأهيله على تحصيل علوم العقيدة والفقه، وهؤلاء هم أكثر العلماء الذين كانوا يعيشون في عهد الدولتين السعوديتين الأولى والثانية.

ولسنا بسبيل بسط الحديث عن هؤلاء العلماء أو أولئك، لكننا نرى أن من مستلزمات هذه البيئة النشطة علمياً أن يزدهر فيها تداول الكتب، وبخاصة كتب التراث، ولسنا نزعم أننا في هذه العجالة سنوفي الموضوع حقه بشأن تداول الكتب في عهد الدولتين الأولى والثانية، ولكن حسبنا أن نشير إلى أن أعمال الوراقة والنسخ كانت رائجة في ذلك العصر، وكثيراً ما نجد في تراجم العلماء ما يتميزون به من حسن الخط، وما حصلوه بخطوطهم من الكتب القيمة؛ ففي السنة التي انتقل فيها الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الدرعية توفي العالم الشيخ محمد بن ربيعة العوسجي قاضي بلدة ثادق، وقال عنه ابن بشر: "كان فقيهاً، وحصل كتباً كثيرة بخطه" (11).

ويشير ابن حميد في السحب الوابلة في ترجمة حميدان بن تركي الخالدي من علماء عنيزة إلى أنه "حصل كتباً نفيسة، أكثرها شراء من تركة شيخه عبدالله بن عضيب ومن تركة أخيه منصور بن تركي، فقد كان حسن الخط، كتب كتباً جليلة مع ما اشتراه" (12).

وفي عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد يشير بوركهات إلى أن "السلفيين بالذات كانوا يبحثون بصفة خاصة عن كتب التاريخ"، ويقول: "وقد سمعت هذه الملاحظة ذاتها تتكرر في المدينة، وخلال إقامتي في دمشق التي تعد أثرى أسواق الكتب في الشرق وأرخصها لأن الأوروبيين لا يترددون عليها إلا قليلا سمعت أن بعض رجال من أهل بغداد بعثهم سعود زعيم السلفيين قد اشتروا كثيراً من كتب التاريخ، وعندما أغار عبدالوهاب أبو نقطة على موانئ اليمن حمل منها عدداً كبيراً من الكتب، وأرسلها إلى الدرعية"(13)، ويشير في موضع آخر إلى كتب حملها السعوديون من المدينة(14).

 

لقد كان البحث عن الكتب خارج نطاق الجزيرة العربية من الأهداف الأساسية التي جعلها الحكم السعودي والعلماء السعوديون في ذلك الوقت نصب أعينهم، فما أن تلوح الفرصة للاتصال ببيئة تزدهر فيها صناعة الكتاب حتى يقتنصها العلماء والحكام للحصول على المصادر العلمية من الكتب التي كانت مخطوطة في الغالب، وكما أشار بوركهارت يشير الجبرتي إلى أن مبعوثي الإمام عبدالله بن سعود إلى محمد علي باشا وهما عبدالله بن محمد بن بنيان وعبدالعزيز بن حمد سبط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، قد دخلا الجامع الأزهر "وسألا عن مذهب الإمام أحمد بن حنبل – رضى الله عنه – وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه... واشتريا نسخاً من كتب التفسير والحديث مثل الخازن والكشاف والبغوي والكتب الستة المجمع على صحتها وغير ذلك" (15).

ويذكر ابن بشر أن الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن عبدالوهاب عندما عاد من مصر سنة 1264هـ أحضر معه كتباً كثيرة (16)، ولا شك أن والده الشيخ عبدالرحمن بن حسن الذي سبقه في القدوم من مصر سنة 1241هـ قد أحضر معه كتباً مشابهة.

ولقد كان للتداول النشط للكتاب أثر كبير في تكوين مجموعات الكتب التي نمت بشكل ملحوظ لدى بعض العلماء مما أدى إلى ظهور خزائن للكتب هيأها العلماء لأنفسهم ولطلابهم.

ففي أخبار رحلة الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى المدينة المنورة واجتماعه بشيخه العالم الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيف (ت 1189هـ) من أهل المجمعة قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب: "كنت عنده يوماً فقال لي: أتريد أن أريك سلاحاً أعددته للمجمعة؟ قلت نعم، فأدخلني منزلاً عنده فيه كتب كثيرة، فقال: هذا الذي أعددناه لها" (17).

وكان للدرعية مكتبة عامة يرتادها طلاب العلم (18)، كما نجد عدداً ملحوظاً من المكتبات الخاصة في نجد التي احتفظ بها العلماء لأنفسهم أو أوقفوها على طلاب العلم مثل مكتبة آل عبدالجبــار التي تضخمت وتــوارثها علمــاؤهم (19)، ومكتبــة الشيخ صــالح بــن عبـدالله البسام (ت 1307هـ)، ومكتبة صالح بن حمد البسام (20)، ثم خلف هؤلاء علماء كونوا مكتبات ذاع صيتها حتى عهد الملك عبدالعزيز مثل مكتبة الشيخ حمد الفارس ( ت 1345هـ) ومكتبة الشيخ سليمان المزيني (ت 1363هـ) (21).

 

عهـد المـلك عبدالعـزيز :

يعد عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود استمراراً طبيعياً للنهج الذي سارت عليه الدولة السعودية منذ نشأتها في تشجيع العلم، ومؤازرة طلابه وعقد مجالسه، وإنشاء مدارسه، والاحتفاظ بمصادره، وتأليف الكتب التي تشرح الدعوة السلفية وترد على أعدائها وتداول الكتب الأصول التي تعتمدها الدعوة السلفية.

ولقد جاء عهد الملك عبدالعزيز في بداية عصر اتساع المعلومات وسهولة انتشارها عن طريق الطباعة التي كانت سائدة في مراكز الهند ومصر والشام، فكان أن انتفع الملك المؤسس بهذه الوسائل الحديثة في نشر كتب العقيدة السلفية، وإحياء مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والإفادة من مصادر التراث الأخرى في التفسير والحديث، وما تمس إليه حاجة طلاب العلم.

أ – نشر الكتب قبل توحيد المملكة:

تميَّز عهد الملك عبدالعزيز بمرحلتين؛ إحداهما : تلك التي سبقت دخوله مكة المكرمة سنة 1343هـ ، والثانية : بعد دخوله مكة وتوحيده المملكة.

وفي المرحلة الأولى اعتمد الملك المؤسس على مطابع خارج البلاد من أجل نشر كتب التراث بين مواطنيه على الرغم من تواضع واردات الدولة في ذلك العهد المبكر.

وكانت الهند في مقدمة البلدان التي تولت طبع كتب التراث للملك عبدالعزيز والواقع أنها كانت في مقدمة البلدان التي اتصلت بالدعوة السلفية منذ عهد مبكر، وقد توثقت هذه الصلات بالرحلة إليها من قبل بعض علماء الدعوة السلفية كالعلامة الشيخ سعد بن عتيق الذي سافر إلى الهند في نهاية القرن الثالث عشر الهجري سنة 1299هـ، واجتمع بعلمائها، وقرأ على بعضهم، واستقر بها تسع سنين، وكذلك الشيخ إسحاق ابن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ الذي سافر إلى الهند سنة 1309هـ.

وليس من السهل معرفة الزمن الذي بدأ فيه نشر الكتب السلفية والمذهب الحنبلي في الهند، ولكن من المرجح أن يكون ذلك قد تم في بداية القرن الرابع عشر الهجري؛ إذ إن أقدم كتاب اطلعنا عليه من مطبوعات الهند باهتمام أحد أبناء الجزيرة العربية هو كتاب "دليل الطالب" في الفقه الحنبلي للشيخ مرعي بن يوسف المقدسي، وقد طبع سنة 1307هـ باهتمام إبراهيم المنديل البصري مسكناً والنجدي أصلاً في المطبعة الحيدرية في بمبي، وقد طبع كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب سنة 1308هـ، وبعده بعام طبع كتاب "منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس" للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ بمطبعة ديرسات في بومبي، ثم طبع بعد ذلك بعامين كتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" للعلامة الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ بالمطبع الأنصاري في بلدة دهلي سنة 1311هـ، كما طبع في السنة نفسها كتاب "مدارج السالكين لابن القيم"، ويليه كتاب "الإيمان" لابن تيمية في المطبعة نفسها، وفي سنة 1313هـ طبعت هذه المطبعة كتاب "إحكام الأحكام شرح أحاديث سيد الأنام" للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وعلى غلاف الكتاب أعلنت المطبعة عن كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لابن القيم؛ وكتاب "الرد على المنطقيين" لابن تيمية، ومجموعة التوحيد النجدية، ومجموعة الحديث، وكان الإعلان بالأوردية مما يدل على انتشار هذه الكتب بين الهنود أنفسهم.

وقد تتابع النشر من خلال مطابع الهند في ثلاثة مراكز، تمثلها في الغالب:

1–    مدينة بمبي، وهي أكثر المدن نشراً للمطبوعات السلفية؛ إذ نشطت فيها أربع مطابع، هي:

أ    المطبعة المصطفوية.

ب– مطبعة ديرسات.

ج – مطبعة كلزار حسني.

د  المطبعة الحيدرية.

2– مدينة دهلي ؛ إذ فيها المطبع الأنصاري والمطبع المجتبائي.

3– مدينة أمر تسر حيث مطبع "القرآن والسنة".

صدرت عن هذه المطابع معظم مؤلفات الدعوة السلفية، وبخاصة ما يتعلق منها بالردود التي سطرها علماء الدعوة من أمثال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، والشيخ سليمان بن سحمان، كما طبع الملك عبدالعزيز  بعض مؤلفات شيخ الإسلام بن تيمية، وتاريخ ابن غنام وغير ذلك.

أما في مصر فقد كان بعض الموسرين من أبناء الجزيرة من محبي عقيدة السلف والمنتمين إلى مذهب الحنبلي يقومون بطبع كتب المذهب، وأقدم ما اطلعنا عليه كتاب "المآرب بشرح دليل الطالب" للشيخ عبدالقادر بن عمر الشيباني، وهو شرح "لدليل الطالب" في الفقه الحنبلي للشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الكرمي، وقد صدر في مجلدين طبعـــا في مصر سنة 1288هـ، وكانت هذه الطبعة على ذمة الشيخ علي بن محمد بن إبراهيم من أهالي الكويت.

وفي مطلع القرن الرابع عشر بزغ نجم تاجر من أضخم تجار الجزيرة العربية وأكثرهم تأثيراً في هذا المجال هو مقبل بن عبدالرحمن الذكير الذي كان مقيماً في البحرين، فتجرد لنشر بعض كتب الفقه الحنبلي الضخمة، ولعل أهمها كتاب "كشاف القناع عن متن الإقناع" للشيخ منصور بن إدريس البهوتي الحنبلي (ت 1051هـ) الذي طبع في المطبعة الشرفية سنة 1319هـ، وقد وزع مجاناً على طلبة العلم، كما نشر "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ( ت 728هـ ) فيما بين عامي 1326 و 1329هـ، وكتابي "إعلام الموقعين" و"حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" لابن القيم. كما نشر رسالة للشيخ سليمان بن سحمان بعنوان "تأييد مذهب السلف وكشف شبهات من حاد وانحرف ودعى باليماني شرف"، وذلك سنة 1322هـ، وهو رد شعري ، أعقبه بيان عن عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وما يراه أتباعه.

وتبرز في أواخر هذه المرحلة التي سبقت دخول الملك عبدالعزيز مكة المكرمة دار كان لها أثر كبير في نشر تراث الدعوة السلفية وكتب الفقه الحنبلي، تلك هي دار مجلة المنار لمنشئها السيد محمد رشيد رضا.

كان السيد محمد رشيد رضا – وهو تلميذ للشيخ محمد عبده – سلفياً قبل أن يتصل بالملك عبدالعزيز؛ فمنذ بداية العقـد الثاني من القرن الرابع عشر الهجري عندما أنشأ مجلة المنار كانت الأفكار الإصلاحية تظهر بشكل واضح في مجلته؛ كما أنه سبق أن نشر كتباً في الفقه الحنبلي منذ أوائل العشرينيات الهجرية، فقد نشر كتاب "المقنع" للشيخ مــوفق الدين بن قدامة (ت 620هـ) على نسخة وصفت بأنها جميلة الخط، كتبت سنة 1227هـ على نفقة أحد المحسنين، وقد بين السيد رشيد رضا بأن علاقته بالفكرة السلفية لم تأت بسبب اتصاله بالملك عبدالعزيز، وإنما سبقت ذلك بمدة طويلة، وأنه أول ماعرف الصورة الحقيقيـة لعقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب،  وأنه وأتباعه قوم مصلحون ، كان ذلك بعد قدومه إلى مصر، وأول رجل سمع منه ذلك هو محمد مسعود بك المصري الكاتب المشهور، ثم اطلع على ما كتبه مؤرخ عصر ظهورهم الشيخ عبدالرحمن الجبرتي الأزهري، وما كتبه محمود فهمي المهندس المصري في تاريخ "البحر الزاخر"، وما كتبه صاحب "الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى"، ثم ما كتبه الشيخ عبدالباسط الفاخوري مفتي بيروت في كتابه "تاريخ الإسلام"، وقد عجب كيف تجرأ على مدح أتباع الدعوة السلفية في عهد السلطان عبدالحميد، ثم رأى شيخه الشيخ محمد عبده في مصر يثني على كتابي الشيخ محمد بن عبدالوهاب: "كتاب التوحيد" و"كتاب كشف الشبهات"، ووجد رأيه موافقاً لرأي محمد بك مسعود (22).

ومن المعروف أن السيد محمد رشيد رضا قد حج سنة 1344هـ، وفي ذلك الوقت قابل الملك عبدالعزيز، وأفاد من رحلته تلك بالاطلاع على مخطوطة في مكتبة الحرم المكي لتفسير ابن كثير كانت مكتوبة في عصر المؤلف ومقابلة على أصله، وقد اعتمدها لطبع التفسير فيما بعد(23).

طبعت مطبعة المنار أمهات الكتب في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وأعادت طبع كثير من كتب الدعوة السلفية، وكانت مطبوعات الملك عبدالعزيز أهم ما طبع من تلك المؤلفات، وبخاصة ما أمر بطباعته قبل بلوغه مكة، فقد بدئ في عام 1341هـ بطبع كتاب "المغني" لموفق الدين عبدالله بن أحمد بن قدامة (ت 620هـ) شرح بن مختصر أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي (ت 334هـ) في الفقه الحنبلي، وهو كتاب موسوعي كبير في فقه المذاهب جميعاً، كما نشر كتاب "الشرح الكبير" لشمس الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة (ت 682هـ) شرح به "متن المقنع" لموفق الدين عبدالله بن قدامة صاحب "المغني"، ومما نشرته هذه المطبعة للملك عبدالعزيز "تفسير ابن كثير"، و "تفسير البغوي"، ورسائل وفتاوي لابن تيمية مثل "التوسل والوسيلة" و "إغاثة اللهفان في طـلاق الغضبان" له، وطبعت من مؤلفات ابن القيم "مدارج الســــالكين" في 3 أجـزاء و "شرح عقيدة السفاريني" و "الآداب الشرعية" لابن مفلح المقدسي سنة 1348هـ، ومن تراث علماء الدعوة نشرت "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" للشيخ سليمان بن سحمان و "الهدية السنية" له، و "الرسائل والمسائل النجدية" ومجموعة متون.

وسنتحدث عن بعض هذه المطبوعات مفصلاً عند الحديث عن مجالات النشر والتحقيق.

ب – نشر الكتب بعد توحيد المملكة:

بعد بلوغ الملك عبدالعزيز مكة سنة 1343هـ امتلكت الدولة أول مطبعة لها ممثلة في مطبعة أم القرى التي خلفت المطبعة الأميرية العثمانية، وقد أجريت على هذه المطبعة إصلاحات كثيرة، ولحقها تطوير كبير ، كي تقابل الطلب المتزايد على نشر الكتب السلفية بالدرجة الأولى واحتياجات العلماء من أبناء البلاد من جهة ثانية.

وأول ما نشرته هذه المطبعة في هذا العهد هو "مجموعة التوحيد" التي انتهى طبعها في نهاية شوال سنة 1343هـ؛ أي بعد أقل من ستة أشهر من دخول الملك عبدالعزيز مكة المكرمة، وقد صدرها يوسف ياسين بمقدمة أشار فيها إلى حرص الملك عبدالعزيز على توعية الناس من منطلق الحاجة إلى هذا الكتاب الذي رأى أن ينشر ؛ ليقرأه الخاص والعام(24).

ثم تولت هذه المطبعة نشر مجموعة من أهم المجموعات السلفية، تضم رسائل ومسائل لعلماء نجد من عصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الوقت الذي جمعت فيه، تلك هي مجموعة "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" التي جمعها الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، كما نشرت "كتاب الزهد" للإمام أحمد بن حنبل.

وغير الكتب الدينية نشرت المطبعة كتباً أخرى مثل "تاريخ أحمد بن محمد بن لعبون سنة 1357هـ، إلى جانب تلبيتها احتياجات الدولة من المطبوعات وطباعة بعض مؤلفات المعاصرين التي لا تعنينا في هذا البحث.

وشارك مطبعة أم القرى مطابع أخرى في مكة كالمطبعة الماجدية التي أصدرت سنة 1352هـ "تاريخ مكة" للأزرقي بتحقيق رشدي الصالح ملحس، و "المطبعة السلفية" التي كان من مشاريعها أول تأسيسها (1347هـ) نشر عشر رسائل من تراث السلف الصالح بعنوان "مجموعة الرسائل السلفية"، كما أخرجت كتاب "عنوان المجد في تاريخ نجد" لعثمان بن بشر وكتاب "السنة" للإمام أحمد بن حنبل سنة 1349هـ، و"المطبعة العربية" التي نشرت "حاشية الآجرومية" لعبدالرحمن بن محمد بن قاسم.

غير أن النشر خارج المملكة لم ينقطع، فقد استمرت مصادر الهند ومصر والشام في إمداد البلاد بالكتب المطبوعة على حساب الدولة والناشرين الأفراد.

ومع ذلك فإن الملك عبدالعزيز لم يكن يقتصر تشجيع نشر التراث عنده على  ماكان يطبعه على حسابه من هذه الكتب، وإنما كان يشتري أعداداً كبيرة من المطبوعات التي تخدم أهداف الدعوة السلفية أو تفيد طلاب العلم في مجال الفقه الحنبلي، مما أدى إلى رواج كثير من هذه الكتب وازدياد حركة نشرها، وقد أشارت إلى ذلك افتتاحية أحد أعداد أم القرى الصادرة سنة 1347هـ بعنوان "الدين يقضي على الأمية، مائة ألف نسخة ونيف من الكتب يطبعها جلالة الملك"، ومما قاله الكاتب فيها: "ولا نغالي إذا قلنا: إنه قلما يصل بريد إلى العقير مرفأ نجد في الخليج ... أو جدة مرفأ الحجاز في بحر القلزم لا يحمل بين مشحوناته طروداً من الكتب المطبوعة الواردة باسم ديوان جلالة الملك الخاص لتوزيعها مجاناً ابتغاء مرضاة الله وحباً بنشر الثقافة"(25).

وبدأت أم القرى في افتتاحية العدد 219 (27 رمضان سنة 1347هـ) بإيراد قوائم لما طبع على حساب الملك المؤسس، وقال الكاتب : "أراد (الملك عبدالعزيز) أن ينشر الدعوة إلى الدين الخالص في سائر الأمصار، فاستشار العلماء في خير الكتب التي ينبغي نشرها بين الناس ليعمل جهده في توفيرها، فذكرت له الكتب التي تبين حقيقة التوحيد، ومنها ما هو مطبوع، ومنها ما لم يطبع، فاشترى من المطبوع مئات الكتب والألوف، وما لم يطبع منها أمر بطبعه وتوزيعه" (26).

وكان الملك عبدالعزيز – رحمه الله – متابعاً لحركة نشر الكتب التراثية، كما كان على علم بمخطوطات بعض الكتب التي يتوق إلى نشرها وأماكن وجودها؛ ففي حديث أجراه معه الشيخ عبدالعزيز الرشيد صاحب مجلة الكويت سنة 1348هـ تمنى الشيخ عبدالعزيز على الملك أن ينشر تفسير ابن تيمية، فرد عليه الملك بأنه كان راغباً كل الرغبة في طبع هذا التفسير، ولكنه لا يعلم أين يوجد، فرد عليه الشيخ عبدالعزيز بأن الشيخ محمد حسين نصيف أخبره أنه في عكا من مدن الشام، فقال الملك: "لا يبعد أن يوجد هناك أو في مكاتب الشام وغيرها، لكنه إذا ما وجد لا يوجد إلا مخروماً"، ثم يكشف الملك عن مشروع في غاية الأهمية وهو أن من المحتمل أن توجد الكتب التي يرغب نشرها في مكتبات أوروبا إذا لم توجد في مكتبات الشرق؛ ولذلك فإنَّ "في العزم إرسال شخص من أهل العلم والمعرفة إلى أوروبا ليبحث عمَّا يهم، وسنصحبه بتوصيات تسهل عليه مهمته، كلما وجد شيئاً مما نريد أخذه، ولو بالفتوغراف، ثم بعثه إلينا" (27).

وهذا يعني أن مشروع الملك عبدالعزيز كان طموحاً بحيث يشمل البحث عن المخطوطات خارج البلاد العربية وفي أوروبا على وجه الخصوص وإحضار هذه المخطوطات أو إحضار صور منها، ثم طبعها وتوزيعها على الناس، وهو تفكير سبق كثيراً المحاولات العربية الرسمية المعاصرة لجلب المخطوطات بالتصوير من خارج البلاد العربية.

وكان عهد الملك عبدالعزيز إرهاصاً بظهور نهضة طباعية في المملكة، ازدهرت فيما بعد لتغطي مدن المملكة الرئيسة، وتآزرت الجهود فيها على نشر التراث، وتحقيقه ضمن مسارات مختلفة،وتبع ذلك إنشاء مؤسسات تابعة للدولة تعني بالتراث، فلم يعد الديوان الملكي كما كان في عهد الملك المؤسس هو الذي يتولى الطباعة والتوزيع، وإنما أُسندت المهمة إلى رئاسة القضاء ثم إلى الرئاسة العامة للإفتاء والشؤون الدينية (التي تغيَّر اسمها فيما بعد إلى الرئاسة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد)، وأنشئ سنة 1376هـ ما سُمي بالمستودع العام للكتب والمطبوعات التابع لهذه الرئاسة، وأصبحت هذه الرئاسة توزع كتب الدعوة السلفية والكتب الدينية الأخرى التي تطبع على حساب المملكة أو التي تطبعها أو تقتنيها حسب ما تراه، وذلك استمرار لما كان يقوم به الديوان الملكي أيام الملك عبدالعزيز رحمه الله.

ويدخل ضمن المسار الحكومي ما قامت به مؤسسات الدولة الأخرى مثل الوزارات التي كانت تهتم بالطباعة أو الاقتناء مثل وزارة المعارف ووزارة الإعلام، ولكن أهم مسار حكومي يمكن أن يكون ذا أثر كبير في إحياء التراث في المملكة وتشجيع تحقيقه ونشره هو قطاع الجامعات التي كان إنشاؤها فتحاً جديداً لنشر التراث في المملكة وخطوة مهمة لتوطين التحقيق العلمي وازدهاره.

 


 

المؤسسـات العلمـية ونشـر التـراث :

1– الجامعات السعودية:

أ – جامعة الملك سعود:

كانت كلية الشريعة بمكة المكرمة التي أنشئت سنة 1369هـ أول كلية للتعليم العالي في المملكة، غير أن الأسس المنهجية الحديثة للتعليم الجامعي لم تعرف إلا بإنشاء جامعة الملك سعود سنة 1377هـ/1957م، فكان ذلك إيذاناً بانطلاقة التعليم العالي والبحث العلمي إلى آفاق متطورة سواء في المنهج أو في التناول.

وكانت بعثات جامعة الملك سعود الأولى إلى المراكز العلمية الجامعية خارج المملكة نوافذ فتحتها الجامعة للبلاد على العلم الحديث وعلى ما يجري في دنيا البحث العلمي في مراكزه العلمية ، وعندما عادت كوكبة من أساتذة هذه الجامعة من الخارج عرفت الجامعة ضروباً من التحديث الجامعي لم تكن معروفة في دنيا التعليم العالي بالمملكة، ومن ذلك تحقيق التراث على أسس علمية، وإنشاء المجلات العلمية، وتكوين الجمعيات المتخصصة والمتاحف التي تعني بالتراث القديم، وإنشاء المكتبات العلمية المتطورة ومنها مكتبات حفظ المخطوطات.

وأول كتاب من كتب التراث ينشر لأستاذ من أساتذة الجامعات السعودية هو كتاب "الإيضاح العضدي" للدكتور حسن شاذلي فرهود، وذلك سنة 1386هـ الذي كان يمثل أطروحته للدكتوراه، وقد حصل عليها من جامعة لندن، وقد طبعه على حسابه في القاهرة، وأعقبه نشر كتاب "الأمثال" لأبي فيد مؤرج بن عمرو السدوسي الذي نشر أول مرة في مجلة كلية الآداب بجامعة الرياض في عددها الأول سنة 1360هـ/1970م بتحقيق أحمد بن محمد الضبيب، وهو أول كتاب تراثي – فيما نعلم – يصدر عن جامعة سعودية، ثم أفرد بالنشر في العام نفسه، وعلى الرغم من هذه الريادة لجامعة الملك سعود إلا أنها لم تواصل نشر كتب التراث على نطاق واسع، ولذلك لم تظهر في مطبوعاتها أعداد ملحوظة من المطبوعات التراثية لقلة المختصين في التراث، ولكون الجامعة تهتم كثيراً بدراسات العلوم الحديثة والتقنية، فقد أصدر أساتذتها مجموعات كبيرة من المؤلفات في الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وعلوم الأرض والأحياء والنبات والحيوان والعلوم الطبية والصيدلة والعلوم الهندسية والتطبيقية والعلوم الزراعية والأغذية والفنون والعمارة وغيرها، هذا إلى جانب أن كثيراً من أساتذة  الجامعة العاملين في مجال التراث فضلوا نشر نتاجهم في مجلة كلية الآداب في صورة تحقيق لرسائل صغيرة تفيد في الترقية بالدرجة الأولى، وسوف نتطرق إلى ذلك عند الحديث عن المجلات العلمية.

والناظر في دليل مطبوعات الجامعة الصادر سنة 1417هـ يجده لا يحتفظ برصيد كبير في هذا المجال، فليس فيه إلا سبعة كتب مفردة نشرتها الجامعة ، هي حسب التسلسل التاريخي:

1– كتاب "التمييز" للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261هـ) ، حققه وقدم له وعلق عليه محمد مصطفى الأعظمي سنة 1395هـ.

2 – "ترسل بن قلاقس الإسكندري"، تحقيق ناصر بن عبدالعزيز المانع سنة 1400هـ.

3– "التكملة" وهــي الجزء الثاني مـن "الإيضاح العضدي"، لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (ت 377هـ) ، تحقيق حسن شاذلي فرهود سنة 1401هـ.

4– "الإعراب عن قواعد الإعراب"، لابن هشام الأنصاري (ت 361هـ) تحقيق علي فودة نيل  سنة 1401هـ.

5 – "الــــدرر المنـــــتثرة في الأحاديث المشتهرة"، تحقيق محمد بن لطفي الصباغ سنة 1403هـ.

6– "الزهر الباسم والعرف الناسم في مديح الأجل أبي القاسم"، لابن قلاقس الإسكندري ، تحقيق ناصر بن عبدالعزيز المانع سنة 1404هـ.

7– "شعر ضـبّة وأخبارها في الجاهلية والإسلام"، جمع حسن عيسى أبو ياسين سنة 1416هـ.

 

ب – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:

وحسب التسلسل التاريخي في نشر كتب التراث المحققة تحقيقاً علمياً تأتي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (وكانت نواتها الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية) تاليــــة لجامعــــة الملك ســـعود، وذلك بنشـــر كتاب مكي بن أبي طالب القيســــي" الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" سنة 1396هـ بتحقيق أحمد حسن فرحات(28).

وقد تعددت جهات النشر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ فتارة تكون كلية الشريعة التي نشرت بعض كتب الإمام ابن تيمية كالرسالة التدمرية سنة 1396هـ وبعض  مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وتارة كلية أصول الدين التي نشرت كتاب "درء تعارض العقل والنقل" لابن تيمية بتحقيق محمد رشاد سالم سنة 1399هـ، وكتاب "الاستقامة" له سنة 1403هـ، و"منهاج السنة النبوية" له سنة 1408هـ، أو المجلس العلمي الذي نشر سنة 1399هـ كتاب "المحصول في علم أصول الفقه" للفخر الرازي بتحقيق طه جابر فياض، و"الإبانة عن أصول الديانة" للإمام أبي الحسن الأشعري سنة 1400هـ، و"تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم " لأبي مسعر التنوخي بتحقيق عبدالفتاح الحلو سنة 1401هـ، و"حماسة أبي تمام" تحقيق عبدالله عبدالرحيم عسيلان سنة 1401هـ، وغيرها.

وعندما أُنشئت عمادة البحث العلمي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أوكل إليها نشر بعض كتب التراث، واهتمت بالرسائل الجامعية، وبخاصة ما يتعلق منها بالنحو،  فأصدرت سنة 1411هـ "شرح اللمع" للأصفهاني تحقيق إبراهيم محمد أبوعباة، و"شرح الحدود النحوية" سنة 1411هـ تحقيق صالح العائد، و "شرح الرضي لكافية ابن الحاجب" تحقيق حسن الحفظي سنة 1414هـ، كما أصدرت "فهارس معجم الأماكن الواردة في المعلقات العشر" لعلي حسين البواب سنة 1413هـ.

والملاحظ أن نشر التراث في جامعة الإمام قد طرق مجالات مختلفة وإن كانت الكتب المتعلقــــة بالعقيدة قد أخذت النصيب الأوفر مما نشرته الجامعة (14 كتاباً)، يليها الأدب (8 كتب) ثم النحو (5 كتب) ثم أصول الفقه، اعتماداً على ما جاء في دليل مطبوعات الجامعة حتى نهاية سنة 1414هـ، ونحسب أنه لم يظهر دليل بعده.

غير أن الجامعة لم تقتصر على ما نشرته من كتب في تشجيع حركة إحياء التراث، بل عضدت بعض كتب التراث بالشراء والتوزيع، مثل كتاب "طبقات ابن سعد"، و"سير أعلام النبلاء" و"طبقات الشعراء" لابن سلام و"المغني" في الفقه لابن قدامة ، وغيرها من الكتب، إلى جانب ما أحدثته الجامعة من رواج عام في سوق الكتاب التراثي بسبب فتح الباب للدراسات العليا فيها بتوسع واعتماد كثير من الباحثين والطلاب على كتب التراث، مما أدى إلى ازدهار نشر الكتاب التراثي، شأنها في ذلك شأن الجامعتين السعوديتين الأخريين جامعة أم القرى والجامعة الإسلامية، على ما سنتطرق إليه لاحقاً في الفصل الخاص بالدراسات العليا.

 

ج – جامعة أم القرى:

في عام 1396هـ أنشئ مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، وهو أول مركز علمي يعني بتحقيق التراث في المملكة، وكان تابعاً لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة، وقد كانت آنذاك مرتبطة بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ثم تحول الفرع بعد ذلك إلى جامعة أم القرى، وأخيراً تغير اسم المركز إلى مركز "إحياء التراث الإسلامي"، وضم إلى "معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي" بجامعة أم القرى منذ عام 1406هـ ، وهو أول مركز علمي يعني بتحقيق التراث ونشره في المملكة، وقد جاء من أهداف هذا المركز المتعلقة بإحياء التراث عند إنشائه ما يأتي:

1– جمع التراث الإسلامي المخطوط على ميكروفيلم.

2– تيسيره للباحثين ؛ كي يطلعوا عليه.

3– اختيار أهم المخطوطات في الحقول المختلفة للتحقيق.

4– التعاون مع العاملين في تحقيق التراث في العالم الإسلامي في تبني إنتاجهم ونشره.

5– التعاون مع المراكز والمؤسسات المماثلة في نشر الموسوعات وتحقيق التراث.

6– إعداد الكفاءات الناشئة وتدريبها تدريباً يمكنها من تحمل المسؤولية بإعداد دورات لهذا الغرض.

7– إتاحة الفرصة للأساتذة الذين يتفرغون للبحث العلمي أو التحقيق من جامعة الملك عبدالعزيز أو الجامعات الأخرى (29).

كانت أهداف المركز كبيرة، وقد حقق معظم هذه الأهداف بنجاح، فكون مكتبة للمصورات هي الأولى من نوعها في المملكة، وحسب إحصاء أخير يحتفظ هذا المركز بأكثر من 16000 مخطوطة مصورة (30)، كما قام في بداية أعماله بانتقاء الأعمال التي تدخل ضمن أهدافه ونشرها وإن لم تكن من نتاج المركز، فكانت باكورة أعماله رسالة دكتوراه قدمت لجامعة الأزهر سنة 1396هـ/1976م في علوم الحديث بعنوان" يحيى بن معين وكتاب التاريخ" للدكتور أحمد محمد نور سيف نشرها المركز سنة 1399هـ/1979م.

ويضم دليــــل معهـــد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي الصادر سنة 1417هـ/1997م (69) إصداراً، كثير منها طبع، وقليل منها تحت الطبع، ولقد غطت إصدارات المركز مساحة كبيرة نسبياً من دنيا التراث العربي القديم في علومه المختلفة، كعلـــوم القرآن التي صدر منها كتاب "القراءات السبع" لابن الباذش الأنصاري (ت 540هـ)، وكتب الحديث التي صدر منها أربعة كتب مهمَّة هي "غريب الحديث" للخطابي (ت 988هـ) و"غريب الحديث" للحربي (ت 285هـ) و"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى المديني (ت 581هـ) و"منال الطالب في شــــرح طـــوال الغرائب" لمجد الدين بــن الأثير (ت 606هـ)، وكتب أصول الفقه التي صدر منها "بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب" لشمس الدين محمود بن عبدالرحمن الأصفهــاني (ت749هـ) و"التمهيد في أصول الفقه" لمحفوظ بن أحمد الكلوذاني (ت 510هـ) و "شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير" لمحمـــد بن أحمد الفتوحي، المعروف بابن النجار (ت 972هـ) و"المغني في أصول الفقه" لجلال الدين عمر بن محمد الخبازي (ت 691هـ) و"المختصر في أصول الفقه" على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لعلي بن محمد البعلي الحنبلي المعروف بابن اللحام (ت 813 هـ).

أما في اللغة والنحو فقد نشر المركز عدداً كبيراً من المؤلفات مثل "المساعد على تسهيل الفوائد" لابن عقيــــل ( ت 769هـ ) ، و"التبصرة والتذكرة" لعبدالله الصيمري (ق 4)، وكتاب "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" لأبي البقاء العكبري (ت 616هـ) و"المنتخب من غريب كلام العرب" لكراع النمل ( ت 310هـ) ، و"شرح الكافية الشافية" لابن مالك (ت 769هـ) ، و"إكمال الأعلام بتثليث الكلام" له، و"الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة" له ، و"الإرشــاد إلى علم الأعــراب" للكيشي (ت 695هـ) ، و"شرح فصيح ثعلب" المنسوب للزمخشري (ت 538هـ).

وأولى المركز تواريــــخ مكــــة وكتب التراجم عناية خاصة، واهتم بما ألـــــف منها في عصر الممــــــاليك، مثل "الدليل الشــــــافي على المنهل الصــــافي" لابن تغـــــري بردي ( ت 874هـ ) ، و"الجوهـــــر الثمين في ســـير الخلفاء والملوك والسلاطين" لابن دقماق (ت 809هـ)، و"إتحاف الورى بأخبار أم القرى" للنجم بن فهد (ت 885هـ)، و"غاية المــرام بأخبــار سلطنة البلد الحــرام" لعــز الدين بــن فهــد (ت 922هـ).

وفي الأدب نشر المركز "كتاب الأمثال" لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) و"تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي" لسليمان بن علي المعري (ق 5).

 

د – الجامعة الإسلامية:

أُنشئت الجامعة الإسلامية سنة 1381هـ/1961م، وكان إنشاؤها في المدينة المنورة باعثاً على حركة علمية نشطة، تدور حول التراث وتستمد منه، فإلى جانب ما كان أساتذتها وبعضهم من جلة العلماء يدفعون به من مؤلفات، فإن الحركة العلمية التي أحدثتها الجامعة جعلت المكتبات التجارية في منطقة المدينة تنشط لتلبية احتياجات الأساتذة والطلاب، وكان من أثر ذلك أن ازدادت المكتبات التجارية التي تتعاطى كتب التراث، وكانت المدينة في السابق مقتصرة في هذا الشأن على أشهر مكتبتين، وهما المكتبة السلفية لصاحبها محمد بن عبدالمحسن اليماني والمكتبة العلمية لصاحبها محمد النمنكاني، وكانتا تلبيان حاجة الباحثين من علماء الحرم النبوي الشريف وطلابه، وتتوليان طبع بعض كتب التراث ونشرها، وبعد إنشاء الجامعة زادت المكتبات كما زاد نشر الكتب التراثية وتصويرها.

وفي سنة 1399/1400هـ أنشئ في الجامعة الإسلامية المجلس العلمي (فرع إحياء التراث الإسلامي) وكان من أهدافه:

1– إحصاء البحوث والتحقيقات التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس بالجامعة.

2– اختيار المناسب من هذه البحوث بغرض تعضيدها ونشرها من قبل الجامعة.

3– وضع لائحة لتعضيد التحقيق والتأليف والترجمة عن طريق نشر الكتب ومكافأة أصحابها.

وأُنشئ مركز للبحث العلمي ملحق بالمجلس العلمي، ضم إليه عدد من الباحثين الذين عهد إليهم بتحقيق بعض الكتب، وقد أشار المركز إلى أن أول مشاريعه التي أسندت إلى أولئك الباحثين تحقيق كتاب "إتحاف المهرة بأطراف العشرة" للحافظ بن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، وهو كتاب ضخم يقع في حدود ألفي ورقة (31).

ولقد تعددت المراكز التي تقوم بطباعة الكتب ونشرها في الجامعة الإسلامية، فإلى جانب مركز البحث العلمي نجد "مركز شؤون الدعوة"، وقد نشر جملة من الكتب التراثية، ويبدو أنه اهتم بالكتب المدرسيـــة؛ إذ لم نجد فيمـــا اطلعنا عليه من مطبوعاته ما يتفق وقواعد التحقيق المعروفة، وإنما تنشر الكتب على شكل متون يستعملها الطلاب في الجامعـــــة، أو توزع على العامة خارجها مثل إعادة نشر كتاب "الحيدة" للإمام عبدالعزيـــز بن يحيى الكنـــاني (ت 240هـ) وكتاب "الإبانة عن أصول الديانة" للإمام أبي الحسن الأشعري الذي قدم له الشيخ حماد بن محمد الأنصاري سنة 1409هـ.

ومركز ثالث أُنشئ في الجامعة الإسلامية مؤخراً هو "مركز خدمة السنة والسيرة النبوية" الذي نظن أنه خلف مركز البحث العلمي السابق كي يتخصص في بحوث الحديث النبوي والسيرة، وكان باكورة إنتاجه كتاب "بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث" (32) تأليف الحافظ علي بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي الشافعي (ت 807هـ) سنة 1413هـ بتحقيق حسين أحمد صالح الباكري سنة 1413هـ، وكانت في الأساس رسالة للدكتوراه قدمها الباحث إلى شعبة السنة بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية سنة 1405هـ، كما صدر عن هذا المركز كتاب "الأحاديث الواردة في فضائل المدينة" جمعاً ودراسة للدكتور صالح بن حامد بن سعيد الرفاعي سنة 1413هـ.

إن معظم ما أصدرته هذه الجامعة يختص بتراث الحديث النبوي دراية ورواية، وهو ما يتطرق إليه فصل خاص في هذا البحث.

 

2 – المراكز العلمية:

إلى جانب ما أنشئ في بعض الجامعات من مراكز علمية تهتم بالتراث فقد تأسس خارج الجامعات مركزان تمثل خدمة التراث الوطني والعربي والإسلامي جل اهتماماتهما ، وهما:

أ  ـ  دارة الملك عبدالعزيز:

أُنشئت دارة الملك عبدالعزيز سنة 1392هـ، وصدر المرسوم الملكي بالموافقة على نظامها في 5/8/1392هـ، وكان الغرض من إنشائها كما جاء في ذلك النظام "خدمة تاريخ المملكة وجغرافيتها وآدابها، وآثارها الفكرية والعمرانية خاصة، والجزيرة العربية، وبلاد العرب والإسلام عامة"، كما أن من وسائلها لتنفيذ ذلك: "تحقيق الكتب التي تخدم تاريخ المملكة، وجغرافيتها، وآدابها، وآثارها العمرانية، وطبعها وترجمتها بشكل خاص، وتاريخ الجزيرة العربية والبلاد العربية والإسلام بشكل عام" (33).

ولقد اهتمت الدارة بما نيط بها من موضوعات، فأصدرت بعض كتب التاريخ المتعلقة بالمملكة العربية السعودية ، وأهم ما طبعته في هذا المجال ما يأتي:

1– كتاب "عنوان المجد في تاريخ نجد" سنة 1402هـ، محققاً بقلم عبدالرحمن بن عبداللطيــــف بن عبدالله آل الشيــــخ، وهو إعادة لطبعة وزارة المعارف سنة 1394هـ، ولا تتميز عنها إلا بالتنظيم والترتيب والورق الصقيل وإمداد الكتاب بفهارس مفصلة.

2– كتاب "لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب" لمؤلف مجهول، ربما كان اسمه حسن بن جمال أحمد الريكي، صدر سنة 1395هـ، وقد سبق أن نشر هذا الكتاب في لبنان سنة 1967م بتحقيق أحمد مصطفى أبو حاكمة، ولكن طبعة الدارة هدفت إلى تبيين الأخطاء التي حفل بها الكتاب؛ لأن المؤلف كان متحيِّـزاً ضد الدعوة السلفية، وقد وكل إلى الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ وضع التنبيهات على مواضع كثيرة في الكتاب.

3– كتاب "كيف كان ظهور الشيخ محمد بن عبدالوهاب ؟" لمؤلف مجهول، بتحقيق عبدالله الصالح العثيمين، عن مخطوطة وحيدة في المكتبة الأهلية بباريس رقم 6061.

وإن مما يحمد للدارة أن اهتمـــــت بجلــــب الوثائــــق التاريخــــية عن المملكة وحفظها ، وبخاصة بعد أن أُوكلت إليها مهام "المركز الوطني للوثائق والمخطوطات"، ومن مهامــــه:

1– جمع الوثائق التاريخية وحفظها سواء كانت حكومية أو غير حكومية، وكذلك حفظ التسجيلات الصوتية للذين عاصروا الملك عبدالعزيز.

2– الإشراف على تنظيم الوثائق وتصنيفها وفهرستها.

3– تيسير الاطلاع على هذه الوثائق ونشرها، والاستعانة بجميع الوسائل العلمية في هذا السبيل، والإسهام في تنشيط حركة البحث التاريخي ونشر المعرفة التاريخية فيما يتعلق بتاريخ المملكة.

4– جمع أكبر عدد ممكن من المخطوطات من داخل المملكة وخارجها، وإصدار الفهارس اللازمة لها.

وقد ضم المركز وثائق تركية قدرت بخمسة آلاف وثيقة بين سنتي 1746م حتى بداية العقــد الثاني من القرن العشرين، كما ضم وثائق إنجليزية تدور بين عامي 1904م إلى 1938م، بعضها صدر عن وزارة الخارجية البريطانية، وبعضها من مكتب الهند بلندن، وبعضها من وثائق جامعة كمبردج، كما حصلت الدارة أيضاً على وثائق إنجليزية محفوظة في السودان ولم تنقل إلى بريطانيا، هذا إلى جانب بعض الوثائق العربية من العراق والوثائق الوطنية لدى الأفراد والمؤسسات وغير ذلك (34).

وقد ترجمت الدارة بعض هذه الوثائق ونشرتها، وذلك إسهام يميِّزها عن غيرها من مراكز العناية بالتراث في المملكة (35).

ب – مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية:

أُنشئ مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية سنة 1403هـ ضمن منظومة مؤسسة الملك فيصل الخيرية، واهتم بشكل خاص بإنشاء قواعد المعلومات المتخصصة، وكثير منها ذو علاقة بالتراث مثل:

§       قاعدة المعلومات للمخطوطات العربية .

§       قاعدة معلومات الببليوجرافيا عن المخطوطات المحققة والمنشورة.

§       قاعدة المعلومات الببليوجرافية عن  الرسائل الجامعية.

وقد أصدر المركز منذ إنشائه عدداً من الأعمال العلمية التي ألفها أسلافنا القدماء مثل كتاب "الأموال" لابن زنجويه (ت 251هـ)، حققه شاكر فياض، وهو من الكتب التي تهتم بالاقتصاد الإسلامي إبان سيادة الحضارة الإسلامية، ونشر المركز كتاب "إشــــارة التعيين في تراجم النحويين واللغويين" لعبدالباقي بن عبدالمجيد اليماني (ت 723هـ)، حققه عبدالمجيد دياب، وهو من كتب القرن الثامن الهجري.

ومما سبق به هذا المركز غيره من المراكز نشره لبعض كتب الطب القديمة المتعلقة بالكحالة (طب العيون) ككتاب "كشف الرين في أحوال العين" لمحمد بن إبراهيم السنجاري المعروف بابن الأكفاني (ت 749هـ)، وكتاب "نور العيون وجامع الفنون" لصلاح الدين بن يوسف الكحّـال الحموي (ت 696هـ)، وكلاهما بتحقيق محمد ظافر الوفائي ومحمد رواس قلعه جي سنة 1407هـ.

وآخــــر ما نشره المركز من كتب التراث كتـــــاب "طبقات القراء" للإمام شمس الدين الذهبي بتحقيق أحمد خان، وهي طبعة جديدة لكتاب الإمام الذهبي المطبوع سابقاً بعنــــوان "معرفة القراء الكبار"، وتمتاز هذه الطبعة بأنها تمثل الصيغة الأخيرة للكتاب كما وضعها مؤلفه، وقد زادت التراجم فيها بما يفوق الضعف عن الطبعة السابقــــة.

 

الدراسات العليا وتحقيق التراث :

بدأت الدراسات العليا في المملكة بإنشاء المعهد العالي للقضاء سنة 1385هـ/1965م بالرياض الذي هدف إلى تخريج متخصصين في القضاء بعد مرحلة البكالوريوس، وكانت أول دفعة من الحاصلين على الماجستير منه تتكون من 22 خريـــجاً، وذلك في العام الدراسي 1388/1389هـ، وتزامنت هذه الدفعة مع إجازة أول رسالــــة للماجستير من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة سنة 1389هـ(36)، ثم توالت بعد ذلك أعداد الرسائل تترى بفعل ما قامت به بعض الجامعات من نشاط كثيف لتخريج أعداد هائلة من الطلاب وبخاصة في الدراسات الشرعيـــة.

وحسب إحصاء صادر عن مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية (37) تتقدم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الجامعات كلها في عدد الرسائل المجازة، فحتى عام 1413هـ أجازت هذه الجامعة (2051) رسالة للماجستير والدكتوراه مدركةً بذلك ما يقارب 30% من مجموع ما أجيز من الرسائل في المملكة البالغ عددها حتى ذلك التاريخ (7053) رسالة.

وتلتها جامعة أم القرى التي أجازت في المدة ذاتها (1675) رسالة محققةً بذلك ما يقــــارب 24% من مجموع الرسائل، مما يعني أن هاتين الجامعتين قد أخرجتا ما يوازي 53% مما أنتجته الجامعات السعودية السبع مجتمعة.

ويؤخــذ من إحصــــاء آخر أن عـــــدد الرسائل التي اعتمدت على تحقيق كتـــــب التراث تبلــــغ (993) رسالة، وهي تمثل 16% من مجموع الرسائل المجازة في المملكة كلهـــــــا.

 

غير أن هــــذه النسبة ما لبثت أن ازدادت زيادة كبيرة؛ ففي آخر إحصاء حصلنا عليه من قاعدة الرسائل في مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية نجد أن مجموع الرسائل في التحقيق والبحث في الجهات التعليمية الأربع التي تبدي اهتماماً كبيراً بتحقيق كتب التراث وهي جامعة أم القرى، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والجامعة الإسلامية، ورئاسة تعليم البنــات، قد بلغ (7443) رسالة، يمثل تحقيق التراث فيها وحدها ما مجموعه (1467) رسالة بنسبة قدرها 7ر19% حسب ما يبينه الجدول المرفـــق:

 

الجامعــــــة

تحقيق

بحــــث

المجموع

نسبة التحقيق إلى المجموع

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

567

2282

2849

20%

جامعة أم القرى

407

2024

2431

17%

الجامعة الإسلامية

415

490

905

46%

الرئاسة العامة لتعليم البنات

78

1180

1258

6%

المجمـــــــوع

1467

5976

7443

19.7%

 

ومن خلال الرجوع إلى قاعدة المعلومات في مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية نجد أن كليات الشريعة وأصول الدين هي أكثر الكليات لجوءاً إلى التحقيق في رسائل الدراسات العليا.

وسوف نقف وقفات قصاراً أمام أهم الكليات والأقسام التي أولت التحقيق اهتماماً خاصاً في الدراسات العليا في الجهات التعليمية الأربع:

 


أ – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية:

تتصدر كلية أصول الدين كليات جامعة الإمام في هذا الشأن، فقد بلغ ما أُنجز منها من رسائل تعتمد على التحقيق (390) رسالة كما أُنجز فيها بالبحث (344) رسالة، وهذا يعني أن نسبة رسائل التحقيق إلى مجموع الرسائل المجازة في الكلية يوازي 53%.

وأكثر أقسام هذه الكلية لجوءاً إلى التحقيق في رسائل الدراسات العليا هو قسم السنة وعلومها الذي أنجز (195) رسالة بالتحقيق و (58) رسالة بالبحث ، وهذا يجعل نسبة التحقيق في هذا القسم تصل إلى 77% من مجموع ما أنتجه من رسائل، وذلك يمثل 50% مما أنتجته كلية أصول الدين من رسائل تعتمد على التحقيق.

أما قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين فقد اعتمدت فيه (123) رسالة على التحقيق بنسبة 51% من مجموع ما أنتج في القسم من رسائل بلغ عددها (239)، وهو يمثل 31.5% من مجموع الرسائل التي اتخذت التحقيق موضوعاً لها في الكلية.

أما كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقد أجازت (79) رسالة بالتحقيق بنسبة 19% من مجموع ما أنتجته الكلية من رسائل وعددهـــا (421) رسالة، منها (48) في قسم أصول الفقه بنسبة قدرها 60% من جملة ما حقق في الكلية ونسبة 45% من مجموع الرسائل المجازة في القسم البالغ عددها (106) رسائل.

وقد أجازت كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (46) رسالة بالتحقيق ، وتمثل 20% مما أنتجته الكلية من رسائل وعددها (230) رسالة، ويعد قسم النحو والصرف أكثر الأقسام إنتاجاً لرسائل التحقيق ؛ إذ أنجز (37) رسالة بنسبة 80% مما أنتجته الكلية من رسائل التحقيق، ونسبة تقارب 32% مما أنتجه القسم من رسائل عددها (117) رسالة.

 

ب – جامعة أم القرى:

إن كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة أم القرى هي أكثر كليات الجامعة لجوءاً إلى التحقيق في رسائل الدراسات العليا؛ فقد بلغت هذه الرسائل (178) رسالة تمثل نسبة تقارب 19% مما أنتجته الكلية من رسائل يبلغ عددها (952) رسالة، وأكثر أقسام هذه الكلية اعتماداً على التحقيق هو قسم الدراسات العليا الشرعية الذي أجيزت فيه (162) رسالة تمثل 91% مما أنتجته الكلية من رسائل تعتمد على التحقيق، كما يمثل التحقيق في هذا القسم نسبة 23% من مجموع الرسائل المجازة فيه وقدرها (701) رسالة.

وتأتي كلية الدعوة وأصول الدين في جامعة أم القرى في المرتبة الثانية من حيث أعداد الرسائل المجازة بالتحقيق، فقد أنتجت الكلية (150) رسالة تمثل نسبة 41% مما أنتجته الكلية من رسائل مجموعها العام (362)، ويبدو قسم الكتاب والسنة في هذه الكلية أكثر الأقسام حرصاً على التحقيق، إذ أجاز هذا القسم ما مجموعه (127) رسالة بالتحقيــــق بنسبة 51% مما أجازه القسم من رسائل يبلغ عددها (247) رسالة وبنسبة 84% من مجموع ما أنتجته الكلية من رسائل تعتمد على التحقيق.

أما كلية اللغة العربية وآدابها في هذه الجامعة فتأتي في المرتبة الثالثة من حيث أعداد الرسائل التي تعتمد على التحقيق؛ فقد بلغ مجموع ما أنتجته منها (79) رسالة بنسبة 25% من مجموع ما أنتجته الكلية من رسائل مجموعها (316) رسالة، وأكثر رسائل التحقيق في هذه الكلية أُنجزت في قسم اللغة والنحو والصرف فقد بلغ عددها (74) رسالة بنسبة تقارب 94% مما أنتجته الكلية من هذه الرسائل كما يمثل 5ر38% مما أنتجه القسم المذكور من رسائل بلغ عددها (192).

 

ج ـ الجامعة الإسلامية:

تعد كلية الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية أكثر كليات الجامعة لجوءاً إلى التحقيق فقد أجازت ما مجموعـــه (114) رسالــــة بالتحقيق، وذلك يمثــــل نسبة 27% مما أنتجته الجامعة من هذا النوع من الرسائل وعدده (415) رسالة، كما يمثل نسبة 67% مما أنتجته الكلية من مجموع الرسائل البالغ عددها (169) رسالة، ونجد أكثر الرسائل التي تعتمـــد على التحقيق تنجز في قسم فقه السنة الذي كان نصيبه منها (98) رسالة تمثل 86% مما أنتجته الكلية من رسائل، كما يمثل 64% مما أنتجه القسم من رسائل بلغ مجموعها (153) رسالــة. أما قسم علوم الحديث فقد أنجزت فيه (16) رسالة تمثل 14% مما أنتجتــــه الكلية من رسائل التحقيق، كما يمثل 76% مما أنتجه القسم من رسائل بلغت (21) رسالة.

وتأتي كليــــة الشريعـــة في المرتبــــة الثانيـــة فقد أجازت من الرسائـــل بالتحقيـــــق ما مجموعه (103) بنسبة تقارب 25% مما أنتجته الجامعة من هذا النوع من الرسائل، كما أن ذلك يمثل 45% مما أنتجته الكلية من رسائل بشكل عام يبلغ مجموعها (228) رسالة، ويعد قسم الفقه أكثر أقسام هذه الكلية اعتماداً على التحقيق في رسائل الدراسات العليا فقد أجاز (66) رسالة تمثل 64% مما أجازتــــه الكلية من رسائــــل بالتحقيق، كما يمثل ما يقارب 41% من مجموع ما أجيز في القسم من رسائل يبلغ عددها (162) رسالة.

أما كلية الدعوة وأصول الدين فتأتي في المرتبة الثالثة من حيث أعداد الرسائل المجازة بالتحقيق؛ فقد أعدت فيها (87) رسالة تمثل نسبة 30% من مجموع ما أعد في الكلية من رسائل بشكل عام يبلغ عددها (290) رسالة، ويعد قسم العقيدة في هذه الكلية أكثر أقســــام الكلية اعتماداً على التحقيق؛ إذ يبلغ أعداد هذه الرسائل المجازة فيه (61) رسالة تمثل 37% من مجموع ما أجيز من رسائل مجموعها (164) رسالة، كما يمثل نسبة 70% مما أنتجته الكلية من رسائل بالتحقيق.

وتلي هذه الكلية كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية التي أنتجت (76) رسالة بالتحقيق، ويمثل ذلك 55% من مجموع ما أنتجته من رسائل بلغ عددها (137) رسالة، ويعد قسم التفسير في هذه الكلية أكثر الأقسام اعتماداً على التحقيق في رسائل الدراسات العليا فقد أنتجت فيه (72) رسالة تمثل ما يقارب 95% مما أنتج في الكلية من رسائل التحقيق، على أن هذه الرسائل تمثل 54% أيضاً من جميع ما أجازه القسم من رسائل بالبحث والتحقيق بلغ عددها (133) رسالة.

أما كلية اللغة العربيــة في الجامعة الإسلاميــة فقد أجازت (35) رسالة بالتحقيق تمثل 43% من مجموع ما أنتجته الكلية من رسائل بلغ مجموعها (81) رسالة، وقد تركز معظمها في قسم اللغويات الذي أعدت فيه (28) رسالة تمثل 80% من مجموع ما أخرجته الكلية من رسائل التحقيق و 65% مما أجيز في هذا القسم البالغ عدد رسائله (43) رسالة.

 

د – الرئاسة العامة لتعليم البنات:

بلغ مجموع ما أنتجته كليات الرئاسة العامة لتعليم البنات من الرسائل المعتمدة على التحقيق (78) رسالة، وذلك يمثل نسبة 6% من مجموع ما أنتجته من رسائل بشكل عام، بلغ مجموعها (1258) رسالة، وتتوزع رسائل التحقيق في كليتي الآداب في الرياض والدمام وكليات التربية في الرياض وجدة ومكة والقصيم، وتتركز في قسمي الدراسات الإسلامية واللغة العربية في هذه الكليات، وأكثر كليات الرئاسة اهتماماً بالتحقيق هي كلية التربية بالرياض التي أنجزت (42) رسالة بالتحقيق توازي 54% من مجموع ما أنتجتــــه كليات الرئاســــة من هذا الفرع من الرسائل، كما تعادل نسبة 10% مما أنتجته هذه الكلية من رسائل بشكل عام بلغ مجموعها(414)، ويعد قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربيــــة للبنات بالرياض أكثر الأقسام اعتماداً على التحقيق؛ فقد أنجز (24) رسالة تمثل 57% مما أنتجته الكلية من رسائل التحقيق، كما يمثل 42% من مجموع ما أنتجه القسم من رسائل بلغ عددها (57) رسالة. ويأتي بعده في الترتيب من حيث الاهتمام بالتحقيق قسم اللغة العربية الذي أنجزت فيه (16) رسالة بنسبة 38% مما أنتجته الكلية من رسائل التحقيق ونسبة 28% مما أنتجه القسم من رسائل بلغ مجموعها (57) رسالة.

وتأتي كلية الآداب بالرياض الثانية في ترتيب الكليات التي أخرجت رسائل بالتحقيق، وقد بلغ عدد رسائلها (13) رسالة تمثل 10% من مجموع ما أنتجته الكلية من رسائل بلغت (136) رسالة، ويمثل قسم الدراسات الإسلامية نسبة 77% من مجموع رسائل الكلية بالتحقيق؛ إذ تبلغ رسائله من هذا النوع (10) رسائل، وهي تمثل 29% مما أنتجه القسم من رسائل بشكل عام بلغ مجموعها (35) رسالة. أما قسم اللغة العربية فقد أخرج (3) رسائل تمثل ما يقارب 9% من مجموع ما أنتجه القسم من رسائل بشكل عام بلغ مجموعها (35) رسالة.

 

هـ العمق الزمني للكتب المحققة:

لقد غطت الرسائل الجامعية التي اعتمدت تحقيق التراث جميع العصور الإسلامية ابتداءً من القرن الأول حتى القرن الرابع عشر، وعند دراسة دليل الرسائل الجامعية الذي أصدره مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية فإننا نلاحظ أن عدد المؤلفين قد بلغ (471) مؤلفاً، منهم (86) مؤلفاً قبل منتصف القرن الخامس الهجري، ويمثل ذلك 18% من مجموع المؤلفين ، فمن المؤلفين الذين نُسبت إليهم أعمال أو مرويات في القرن الأول ثمانيـــــة مؤلفـــين منهم عكرمــــة بن أبي جهـــل (ت 11هـ) وعبدالله بن مسعود (ت 32هـ) وعلي بن أبي طالـــب (ت 40هـ) والربيع الحارثي (ت 53هـ) وابن عباس (ت 68هـ).

ونجد ثمانية مؤلفــــين ينتمون إلى القرن الثــــاني الهجري، منهم الحسن البصري (ت 110هـ) وقــــتادة بن دعامة (ت 118هـ) ومحمد بن كعب القرظبي (ت 119هـ) ومقــاتل بن سليمــان (ت 150هـ) والكســـائي (ت 189هـ) ومحمد بن بشير المعافري (ت 198هـ).

ويرتفع العدد إلى (20) مؤلفاً بين علماء القرن الثالث الهجري، ومن بينهم الشافعـــي (ت 204هـ) وداود الطيـــالسي (ت 204هـ) وأبو عبيد القـــاسم بن سلام (ت 224هـ) وابن راهويــــه (ت 228هـ) وأحمد بن حنبــل (ت 241هـ) والترمـــذي (ت 279هـ) وسليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275هـ) والدارمي (ت 280هـ).

ويبلغ عـــدد مؤلفي القــرن الرابع (51) مؤلفاً، من أشهرهـــم أحمد بن محمد الخلال (ت311هـ) والطحاوي (ت 321هـ) ومحمد بن عزيز السجستاني (ت 330هـ) وقدامة بن جعفر (ت 337هـ) والزجاجي (ت 337هـ) والمتنبي (ت 354هـ) ومحمد بن أحمد الأزهــــري (ت 370هـ) والدارقطــــني (ت 385هـ) وأحمد بن محمـــد الخطابي (ت 388هـ).

أما القرن الخامس فقد شملت الرسائل أعمال (52) من أعلامه، منهم الحاكم النيسابوري (ت405هـ) وأبو القاسم الرازي (ت 414هـ) والمرزوقي (ت 421هـ) ومسكويـــه (ت 421هـ) وابن طاهــــر البغـــدادي (ت 429هـ) وأبو نعيم الأصبهاني (ت 430هـ) والجويني (ت 478هـ).

وبلغ عــدد المؤلفين المتوفين في القــرن الســادس (43) مؤلفاً، منــهم الخطيب التـــــبريزي (ت 502هـ) والراغب الأصبهاني (ت 502هـ) والغزالي (ت 505هـ) والميداني (ت 518هـ) والنســـفي (ت 537هـ) والــزمخشري (ت 538هـ) والقــاضي عياض (ت 544هـ) وابن بشكوال (ت 578هـ) وابن الجوزي (ت 597هـ).

وأكثر المؤلفين  جذباً للتحقيق هم مؤلفو القرنين السابع والثامن الهجريين، والغريب أن العدد يكاد يكون متساوياً بينهم، فنجد (66) مؤلفاً ينتمون إلى القرن السابع و (67) مؤلفاً ينتمون إلى القرن الثامن.

ومــن أعلام القــرن الســابع محمد بــن عمر الرازي (ت 606هـ) ومجد الدين بن الأثـــــير (ت 606هـ) والجاجــــــــرمي (ت 613هـ) والعكــبري عبدالله بــن الحســـــين (ت 616هـ) وابن عساكر (ت 636هـ) وضياء الدين بن الأثير (ت 637هـ) وابن الأجــدابــي (ت 650هـ) وابـــن عصفــور (ت 669هـ) وابن مالك (ت 672هـ).

أما أعلام القرن الثامن فمنهم السيرافي (ت 712هـ) والصرصري (ت 716هـ) وابن تيمية (ت 728هـ) ومحمد بن إبراهيم بن جماعة (ت 733هـ) وشمس الدين الذهبي (ت 748هـ) والسبكي (ت 756هـ) والنـــووي (ت 686هـ) وخليل بن أيبك الصفدي (ت 764هـ).

ويلقانا من مؤلفي القرن التاسع الذي حققت كتبهم (46) مؤلفاً، من أهمهم الحافظ العراقي (ت 806هـ) وابن خلدون (ت 808هـ) وابن ناصر الدين (ت 825هـ) والبوصيري أحمد بن أبي بكر (ت 840هـ) والعيني (ت 855هـ) وابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) والكافيجي (ت 879هـ) والمرداوي (ت 885هـ).

أما القرن العاشر فتنحسر موجة تحقيق مؤلفات أعلامه، فنجد (32) مؤلفاً منهم السيوطي (ت 911هـ) وبحرق محمد بن عمر بن مبارك (ت 930هـ) وابن كمال باشا (ت940هـ) وابن النجار (ت 972هـ) والشعراني (ت 973هـ) والغيطي (ت 981هـ).

وفي القـــرن الحادي عشر نجد (13) مؤلفــــاً ، منهم التمرتاشي محمد بن عبدالله (ت1004هـ) والسيواسي إسماعيل بن سنان (ت 1004هـ) والكرخي محمد بن محمد (ت1006هـ) ومـرعي بــن يوسف الكرمي المقــدسي (ت 1033هـ) والبهوتي منصور ابن يونس (ت 1051هـ) والمحبي فضل الله (ت 1082هـ).

ويستمر الانحسار في القرن الثاني عشر إذ نجد (8) مؤلفين، منهم محمد البرزنجي (ت1103هـ) وساجقلي زاده (ت 1150هـ) والسفاريني محمد بن أحمد (ت 1188هـ).

أما مؤلفو القرن الثالث عشر فمعظمهم علماء الدعوة السلفية كعبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (ت 1242هـ) وعبدالرحمن بن حسن آل الشيخ (ت 1244هـ)، وقد بلغ عدد مؤلفي هذا القرن (9) مؤلفين.

وشمل التحقيق مؤلفات عالمين من علماء القرن الرابع عشر الهجري، هما صديق حسن خان (ت 1307هـ) وحافظ بن أحمد الحكمي (ت 1377هـ).

وقبل أن ننهي الحديث عن العلماء الذين شملت أعمالهم حركة التحقيق من أجل الدراسات العليا يجدر بنا أن نشير إلى أن بعض المؤلفين قد استأثروا بجهود الطلاب أكثر من غيرهم، وفيما يأتي بيان بهؤلاء المؤلفين وعدد الرسائل التي استهدفت أعمالهم:

 


المؤلــــف

عدد الرسائل

أحمد بن حنبل (ت 241هـ)

36

ابن تيمية (ت 728هـ)

29

الماوردي: (علي بن محمد حبيب ت 450هـ)

18

ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)

17

ابن الملقن ( عمر بن علي بن أحمد ت 804هـ)

15

البيهقي ( أحمد بن الحسين ت 458هـ)

14

ابن عُـدَي (عبدالله بن عدي ت 365هـ)

11

الطيالسي: (سليمان بن داود بن الجارود ت 204هـ)

11

الخطيب البغدادي (ت 463هـ)

7

ابن كثير القرشي (ت 774هـ)

7

ابن قيم الجوزية (محمد بن أبي بكر بن أيوب ت 751هـ)

6

الدارقطني (علي بن عمر ت 385هـ)

6

المؤلفون الذين كثر تحقيق مؤلفاتهم في الرسائل العلمية

 

و – ملحوظات على الرسائل:

إن الدرس التحليلي السابق لوضع الرسائل العلمية المعتمدة على التحقيق والتمعن في نوعية هذه الرسائل وأنماطها يقودنا إلى ملحوظات مهمَّة يحسن تسجيلها:

1 – أن تحقيق التراث أصبح وسيلة سهلة للمشرفين وطلاب الدراسات العليا الذين يبتغون من ورائها اجتياز مرحلة الدراسات العليا بطريق مختصر، لا يقوم على البحث وإعمال الفكر بقدر ما يقوم على الجمع والتلخيص والشرح والتخريج ونحو ذلك، وقد أفرزت هذه الحركة كثيراً من المخطوطات المحققة التي لا تعد ذات أولوية في الإحياء مثل الشروح المختلفة لبعض المؤلفات التي لا تعدو أن تكون تكراراً وترديداً لشروح سبقتها أو عاصرتها، وكان من الواجب أن يسند تحقيق التراث إلى أفراد محدودين من ذوي المواهب الفائقة والقدرات المتميِّزة التي تتفق ومهنة التحقيق حتى نعد للمستقبل علماء متخصصين في هذا الفن.

2 – اتبعت بعض الجامعات طريقة تجزئة الكتاب الكبير إلى رسائل عديدة بين عدة محققين، ويشعر الباحث أن وراء ذلك ـ أحياناً ـ خطة مقصودة تبتغي إنهاء تحقيق الكتاب في مدة أقل من أجل تيسير نشره، غير أن ما انتاب تلك الأعمال من عشوائية وعدم انضباط جعل انتهاء الكتاب مرهوناً بنشاط الطلاب واستمرارهم واقبالهم عليه من عدمه، وجعل أجزاءه لا تنجز ـ أحياناً ـ في سنوات متتابعة متقاربة، بل قد تنجز منه أقسام متأخرة قبل أقسامه الأولى، وفي أحيان كثيرة ظلت هذه الكتب معلقة تنتظر من يكمل تحقيقها؛ فكتاب "الكامل في الضعفاء" لابن عدي (ت365هـ) يقسم بين 11 طالباً، وينجز الجزء الرابع منه بتحقيق يحيى مختار غزاوي سنة 1406هـ، على حين ينتهي تحقيق القسم الأول والثاني والثالث سنة 1407هـ، ويستمر التحقيق في هذا الكتاب إلى سنة 1412هـ، ولم يكتمل بعد.

وكذلك كتاب "الأسرار في الفقه" لأبي زيد الدبوسي (ت 430هـ) فقد حققت منه أقسام بل أبواب، عُهدَ بها إلى ثمانية طلاب فيما بين عامي 1405 إلى 1413هـ في الجامعة الإسلامية(38).

أما مسند الطيالسي فقد قسم إلى 10 رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية(39)، كما قسم الحاوي الكبير في الفقه للماوردي (ت 450هـ) إلى 17 رسالة في جامعة أم القرى(40).

ومن الغريب أن كتاب "الذخيرة في الفقه" للقرافي قد حقق قسم من الجزء الخامس منه سنة 1404هـ والقسم الثاني من الجزء الخامس سنة 1406هـ في رسالتين للدكتوراه في الجامعة الإسلامية (41)، أما القسم الأول من الجزء الرابع فقد تأخر تحقيقه حتى سنة 1409هـ حين أجيز رسالة ماجستير في جامعة أخرى هي جامعة أم القرى(42).

وتختلف مقادير هذه الأجزاء المحققة، فتارةً تكون أجزاء بتجزئة المؤلف أو أبواباً منه أو جملة أوراق يحددها المشرف على الرسالة، وغالباً ما تكون ضئيلة العدد.

ومن جانب آخر فإن النية الصادقة التي بدأت بتوزيع الكتاب على عدة رسائل من أجل تيسير وصوله إلى الناس كان عليها أن تعد إعداداً جيداً لظهور هذا الكتاب، وذلك بضمان التنسيق بين المحققـــين ومتابعتهم والالتزام بنشر الكتاب فور انتهاء تحقيقه، لكن ما حدث أن معظم هذه الكتب الكبيرة التي حققت من قبل مؤلفين مختلفين لم يحدث التنسيق بينهم، قد بقيت حبيسة الرفوف نظراً لعدم وجود جهة تقوم بإخراج هذه الكتب إلى حيز النور هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بقاء هذه الكتب على هذا النحو قد أساء إلى الكتاب، وعطل تحقيقه من قبل مؤسسات أو جهات نشر أخرى يمكن أن تجد العلماء الذين يخرجونه إلى الناس في وقت مناسب.

3 – إلى جانب طريقة تجزئة الكتاب اتجهت أنظار طلاب الدراسات العليا بتوجيه من مشرفيهم إلى المرويات الحديثية المسندة إلى الصحابة – رضوان الله عليهم – يستخلصونها من كتب المسانيد، مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل الذي حققت منه مرويات أبي أمامة الباهلي(43) ومرويات أبي بكرة (44) ومرويات أبي الدرداء(45) ومرويات أبي سعيد الخدري(46) ومرويات أبي قتادة الأنصاري (47)، ومعظم هذه الرسائل أُنجزت في جامعة أم القرى فيما بين السنوات 1399 – 1405هـ، وقد تناولت الرسائل أجزاء أو مسانيد أو مرويات من كل من مسند الطيالسي(48) ومسند البزار (49) وغير ذلك.

وقد تتجه الرسائل إلى مرويات الصحابة – رضوان الله عليهم – في كتب التفسير، وقد أُنجز من ذلك عدد كبير من المروي عن عبدالله بن عباس في ست رسائل أنجزت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فيما بين سنة 1403، و 1407هـ(50)، وكذلك المروي عن علي بن أبي طالب(51) وابن مسعود(52) وسعيد بن جبير(53).

ويتخذ التحقيق أحياناً منحى تجميع مرويات معينة حول حادثة أو موضوع أو غزوة مثل مرويات العهد المكي من سيرة النبي e (54)، ومرويات نكاح المتعة(55)، أو المرويات الواردة بشأن الدجال في كتب السنة ومسند أحمد(56)، وكثير من المرويات المتعلقة بغزوات الرسول e كمرويات غزوة بدر(57) وغزوة أحد(58) وغزوة الحديبية(59) وغزوة بني المصطلق(60) ومرويات غزوة الخندق(61) وغزوة خيبر(62) ، وكل هذه الرسائل أُعدت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

4 – ويدخل ضمن جمع النصوص التراثية جمع المسائل الفقهيــة والنحويــة وتتبعها وتحقيقها في بعض الكتب أو في كتب مختلفة مثل مسائل الإمام أحمد بن حنبل في كتاب "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلي في رسالتين (63)، والمسائل العقدية في كتاب ابن أبي يعلي (64) وفي كتاب "مشكل الآثار" للطحاوي (65).

أما جمع النصوص الشعرية فقد كان قليلاً جداً، ولم يفصح دليل الرسائل الجامعية إلا عن خمس رسائل تناولت جمع "شعر طي" في العصر الجاهلي (66)، و "شعر بني قيس بن ثعلبـــة" في الجاهليـــــة(67)، و"شعر باهلة من الجاهلية إلى آخر العهد الأموي"(68)، و"الشعر في مكـــة في الجاهلية وصدر الإسلام"(69)، و"شعر بني يربوع حتى نهاية القرن الثاني الهجري"(70).

5 – لقد أدت العشوائية في بعض الأحيان وعدم التثبت والتدقيق إلى ازدواج بين الجامعات في تحقيق بعض الكتب؛ فوجدنا الكتاب الواحد يحقق مرتين في جامعتين متجاورتــين ككتاب "الأجوبــة الفاخرة في الرد على الأسئلة الفاجـــرة" للقرافي، حققه سالم بن محمد القرني رسالــة ماجستير في جامعـــة الإمام محمد بن سعود الإسلاميـــة سنـــة 1404هـ(71)، وأنجزه محققاً في العام نفســــه ناجي محمـــــد داود ســــلام في جامعة أم القرى(72).

وكذلك كتاب "المبهج في القراءات الثمان وقراءة الأعمش وابن محيصن" لسبط الخياط؛ فقد حققه عبدالعزيز ناصر السبر رسالة دكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميـــة سنـــة 1405هـ(73)، وأنجزته في العـــام نفســــه وفاء عبدالله قرمـــــاز بجامعة أم القرى (74)، ولا يخفى ما في ذلك من هدر للوقت والجهد.

والخلاصة أن الرسائل العلمية قد تناولت أعداداً كبيرة من كتب التراث بالتحقيق ، وغطت مساحات زمنية واسعة، وتصدّت لأعمال علماء كبار في تراثنا الإسلامي الغني، ولكن معظمها ظل حبيس الرفوف، فلم يفد منها المجتمع العلمي الفائدة المرجوة، ولعلَّ يداً تنتشلها من مرقدها، تكمل ما نقص منها، وتنشر ما يستحق النشر من كتبها.

 

المجــلات العلميــة :

تعد المجلات العلمية رافداً بارزاً من روافد إحياء التراث في المملكة ومنفذاً مهماً من المنافذ التي لجأ إليها المحققون والباحثون لنشر الكتب الصغيرة والرسائل، ولقد زاد من أهمية المجلات ما اتخذته الجامعات من شروط للترقية احتسب من متطلباتها تحقيق نص قديم، فشجع ذلك أساتذة الجامعات على اختيار الرسائل القصيرة وتحقيقها ثم نشرها في المجلات المحكمة بغية تحقيق متطلبات الترقية.

وتعد مجلة "العرب" التي أصدرها حمد الجاسر سنة 1386هـ/1966م أول مجلة سعودية اهتمت اهتماماً واضحاً بالتراث بشكل عام، سواء في كتبه أو موضوعاته، وقد تهيأ لهذه المجلة أن تنشر مجموعة من النصوص القديمة تعددت أشكالها؛ فتارة تنشر كتباً قائمة بذاتها كنشرها كتاب "الأماكن" للحازمي(75)، وأحياناً تنشر منتخبات من الكتب كتراجم العلماء النجديين في كتاب "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة"(76)، أو تنشر ملخصات وعروضاً للرحلات التي قام بها الرحالة إلى الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين الشريفين(77)، كما تهيأ لهذه المجلة أن تنشر مجموعات شعرية لبعض الشعراء القدماء مع تراجم لها من مثل كعب بن همام السلولي (78) ويزيد بن الطثرية(79) والقحيف العقيلي(80) ومحمد بن عبدالملك الفقعسي الأسدي(81) وغيرهم، ومن الواضح أن "مجلة العرب" قد عنيت بتاريخ الجزيرة العربية وتراثها تاريخاً وأدباً ومواقع وأنساباً ونحو ذلك، وليس من غرضنــــا استعراض ما نشرتــــه هذه المجلة في مسيرتهــا الطويلة ولا تقويمه، فذلك له موضع آخر، ولا يتسع له المجال في هذه العجالة لكثرته وتنوعه.

أما في الجانب الأكاديمي فإن أول مجلة صدرت في الجامعات السعودية هي مجلة جامعة الملك سعود التي صدرت سنة 1377هـ عند إنشاء الجامعة، واستمرت حتى سنة 1390هـ، ولم تنشر هذه المجلة شيئاً من النصوص التراثية، ثم خلفتها مجلة كلية الآداب بجامعة الرياض (الملك سعود حالياً) التي صدرت سنة 1390هـ، وقد أفردت منذ العدد الأول منها حيزاً كبيراً لكتاب مهم من أقدم مؤلفات أسلافنا اللغويين هو "كتاب الأمثال" لأبي فيد مؤرج بــن عمرو السدوســي(82) (ت 198هـ).

ثم تتابع نشر النصوص المحققة في هذه المجلة خلال مسيرتها التي قطعتها، واستمر ذلك بعد تغير اسمها إلى (مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود)، حتى دمجت المجلات الجامعية سنة 1409هـ، فأصبحت فرعاً من مجلة جامعة الملك سعود، وتغيَّر اسمها إلى "مجلة جامعة الملك سعود (الآداب)"، وأصبحت تصدر مرتين في العام، وأكثر النصوص التي نشرت فيها نصوص لغوية أو أدبية تحوي رسائل صغيرة أو شعراً مجموعاً لبعض الشعراء؛ فمن الرسائل اللغوية مجموعة من المؤلفات النحوية واللغوية نشرت بتحقيق حسن شاذلي فرهود مثل "عقود اللمع" في النحو لابن جني(83)، وكتاب "مختصر في ذكر الألفات" لأبي بكر بن الأنباري(84)، و"المقصور والممدود" لنفطويه(85)، و"كتاب الإرشاد" لمسعود بن عمر التفتازاني(86) ، وكتاب "حروف الممدود والمقصور" لابن السكيت(87).

ومن كتب العروض نشرت المجلة "مختصر القوافي" لابن جني(88) تحقيق حسن شاذلي فرهود.

ومن كتب الأدب نشرت المجلة كتاب "مناظرة بين أبي الطيب المتنبي والحاتمي" بتحقيق حسن الشماع(89)، وكتاب "مـــن توفي عنها زوجها" لابــن المرزبــان بتحقيق عبدالعزيز المانع(90)، و"شعر إسماعيل بن عمار الأسدي" جمع وفاء السنديوني(91)، و"شعر زيادة بن زيد العذري"، جمعه حسن عيسى أبو ياسين(92).

ومن كتب البلاغة رسالة "الإغريض في الحقيقة والمجاز والكناية والتعريض" لشيخ الإسلام علي بن عبدالكافي السبكي بتحقيق محمد بن عبدالرحمن الهدلق(93).

ومما نشر فيها من غير كتب الأدب واللغة كتاب "البديع في القراءات" للحسين بن خالويه بتحقيق صبحي عبدالمنعم سعيد(94).

وما تزال هذه المجلة تولي التراث بعض الاهتمام وإن تباعد الزمن الذي فصل بين نشر النصوص القديمة؛ لقلة المهتمين بالتراث القديم من أعضاء هيئة التدريس، وتعدد منافذ النشر من جهة أخرى.

 

وفي سنة 1390هـ ظهر العدد الأول من مجلة أضواء الشريعة التي صدرت عن كلية الشريعة بالرياض، كما صدرت سنة 1391هـ مجلة كلية اللغة العربية، وكلتاهما تتبعان رئاسة الكليات والمعاهد العلمية التي تحولت فيما بعد إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

لم تنشر أضواء الشريعة نصاً قديماً قبل العدد الرابع سنة 1393هـ حين نشرت كتاب "الباعث على الخلاص من حوادث القصاص" لعبدالرحيم بن الحسين العراقي، تحقيق محمد لطفي الصباغ(95)، ثم نشرت في العدد الخامس "رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه"، تحقيق محمد لطفي الصباغ(96)، كما نشرت في العدد السادس كتاب "الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة"(97) لمرعي بن يوسف الكرمي بقلم المحقق نفسه، وقد تقطع نشر التراث في هذه المجلة لاحقاً، ثم انحسر منها تماماً.

أما مجلة كلية اللغة العربية التي صدر عددها الأول سنة 1391هـ فقد بدأ نشر التراث فيها من العدد السابع سنة 1397هـ حين نشــــر رمضان عبدالتواب كتاب "الممدود والمقصور" لمحمد بن أحمد بن إسحاق الوشـــاء(98).

وفي عام 1393هـ أصدرت كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة مجلتها، وكانت تنشر بعض النصوص التراثية فيما صدر من أعدادها، وفي سنة 1398هـ أصدر مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي في مكة المكرمة مجلة متخصصة تعني بالتراث باسم "مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي"، وكانت هذه المجلة منبراً متميِّزاً من منابر تحقيق التراث في المملكة، ومتابعة ما ينشر منه، وتقويمه، وصناعة فهارسه ومسارده، وقد دأبت هذه المجلـــة على تخصيص باب ثابت في كل عـــدد من أعدادها لنشر النصوص المحققة، وحيزاً آخر لنقد الكتب ذات العلاقة بالتراث؛ فنشرت في عددها الأول رسالتين قديمتين إحداهما في الحديث، هما "كتاب الناسخ والمنسوخ" لأبي الفرج بن الجوزي تحقيـــق عبدالكريم العزباوي(99)، والثانية "رسالة في أصول الفقــــه" لأبي المحامد بدر الدين محمود بن زيد اللامشي الحنفي بتحقيق محمد مصطفى الشلــــبي(100).

لقد كان من المؤمل أن تسد هذه المجلة الفراغ الذي يشعر به المهتمون بالتراث في بلادنا من حيث وجود منفذ متخصص في نشر التراث وتحقيقه وتقويمه والتعليق عليه، ولكن الفرحة بهذه المجلة لم تطل؛ إذ لم تلبث أن أُغلقت، ففقد الوسط المهتم بالتراث منفذاً جيداً من منافذ النشر.

وفي سنة 1401/1402هـ أصدرت كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى مجلة باسم "مجلة كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى"، ومنذ العدد الأول فسحت هذه المجلة مكاناً لتحقيق التراث، فنشرت فصلاً عن "أوزان المتنبي وقوافيه" لأبي العلاء المعري بتحقيق الدكتور السعيد السيد عبادة(101)، وهو فصل مأخوذ من كتاب "الموضح" للخطيب التبريزي (ت 502هـ) أملاه أبو العلاء على تلميذه الخطيب ، فنقله بتمامه إلى كتابه.

لقد أُغلقت جميع مجلات جامعة أم القرى المذكورة آنفاً، وخلفتها مجلة واحدة، هي مجلة جامعة أم القرى التي صدر أول عدد منها سنة 1409هـ، وقد فسحت هذه المجلة مكاناً لبعض الأعمال التراثية، ولكن المتتبع لأعدادها يجد أن هذا الحيز قد تقلَّص نظراً لالتفات المجلة إلى موضوعات علمية أخرى تخدم تخصصات كثيرة في الجامعة.

أما خارج المؤسسات الأكاديمية فقد أصدرت دارة الملك عبدالعزيز مجلتها الدورية باسم "الدارة" سنة 1395هـ، وهي مجلة تعني بالتراث الفكري للمملكة من الجزيرة العربية والعالم الإسلامي مما له صلة بالجزيرة العربية، ومع ذلك فإن إسهام المجلة في نشر نصوص التراث العربي القديم كان إسهاماً متواضعاً ، ولكن مما يحسب لهذه المجلة أنها نشطت في وقت من الأوقات في نشر الوثائق القديمة التي تخص تاريخ المملكة العربية السعودية بوجه خاص(102)، كما أن عروضاً لبعض كتب التراث ومراجعة لما نشر منها ولحركة الإحياء في المملكة بشكل عام تظهر بين حين وآخر على صفحاتها.

وفي شهر رجب سنة 1400هـ/ مايو1980م صدرت مجلة "عالم الكتب" بجهد فردي عن دار ثقيف للنشر والتأليف بالرياض، وكان من أهدافها التي أوضحها رئيس التحرير في العدد الأول "التنقيب عن نوادر المخطوطات التي لا زالت حبيسة خزائن الكتب في مختلف أنحاء العالم، ودراستها، والتعريف بها، وتحقيق الرسائل الصغيرة منها"(103).

وعلى الرغم من أن المجلة تختص بشؤون الكتاب ـ بشكل عام ـ إلا أنها أولت التراث عناية خاصة في أعدادها على مدى أكثر من 18 عاماً؛ وذلك بنشر الرسائل الصغيرة التي بــــدأت منذ العدد الثاني من المجلــــة؛ إذ نشرت فيه رسالة "اختصار القول في الوقــــف على كلا وبلى ونعم في كتاب الله"، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق أحمد حسن فرحات(104)، وقد تميَِّزت المجلة بعروض الكتب المحققة ومراجعتها سواء ما كان منها مطبوعاً في المملكة أو خارجها، والتعريف بالمخطوطات، وأصبحت ميداناً يتبارى فيه المحققون بالنشر والتعليق والرد والتعقيب، وليس القصد استيفـــاء كل ما نشرته هذه المجلـــة، فكل أعدادها ينطق بالعناية بالتراث، وقد أضحت – وبخاصة في أعدادها الأولى – مثابة للمهتمين بالتراث ينشرون فيها بحوثهم ونصوصهم المحققـــة.

وآخر المجلات التي تُعنى بالتراث صدوراً في المملكة مجلة "عالم المخطوطات والنوادر"، وهي فرع من مجلة "عالم الكتب"، وتعد ملحقاً نصف سنوي لها، وقد صدر عددها الأول في محرم 1417هـ، وتحظى هذه المجلة بتعضيد من مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض، وهذه المجلة (الملحق) متخصصة في شؤون الكتب التراثية تحقيقاً وعرضاً وفهرسة وتصنيفاً وحديثاً عن المكتبات وعالم المخطوطات الواسع في العالم، والمؤمل أن تسد فراغاً في هذا الجانب، وتكشف الأعداد الصادرة منها عن رغبة أكيدة في هذا الاتجاه، فقد نشرت المجلة في عددها الأول ثلاث رسائل قصيرة هي:

1 – "شرح التحيات لله"، لأبي طالب محمد بن علي الخيمي (ت 642هـ) ، بتحقيق غادة سعد السعيدي (105).

2 – "رسالة القول الأقوى في تعريض الدعوى"، لحامد بن علي العمادي (1171هـ)، تحقيق عبدالله بن محمد بن سعد الحجيلي (106).

3 – "منظومة في الشهور الرومية"، للشاعر أبي زكريا جمال الدين يحيى بن يوسف الصرصري (ت656هـ)، تحقيق مخيمر صالح (107).

وفي العدد الثاني من المجلد الأول نشرت المجلة "فتح المتعال بشرح القصيدة المسماة لامية الأفعال"، لمحمد بن محمد الرائقي الصعيدي (ت تقريبا 1250هـ)(108)، ورسالة "في ذكر من سمى محمداً قبل ميلاد سيدنا رسول الله e، ومعها قصيدة "بواعث الفكرة إلى حوادث الهجرة"، لابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842هـ) (109).

وفي العدد الأول من المجلد الثاني الصادر في المحرم سنة 1418هـ/ مايو 1997م نشرت المجلة ثلاث رسائل مخطوطة، هي:

1 – "تقييد في بناء جامع حسان من رباط الفتح"، لمحمد بن علي الوكالي السلاوي، تحقيق نجاة المريني(110).

2 – "المتبقي من شرح ابن كيسان لمعلقة طرفة بن العبد"، تحقيق بهاء الدين عبدالرحمن(111).

3 – "رد الإلحـــاد في النطق بالضاد"، لعلي بن سليمــــان المنصوري، تحقيق ملاذ زليخـــة(112).

 

مجالات التحقيق (الكتب الدينية) :

احتلت الكتب الدينية – وبخاصة في مجال العقيدة والتشريع – الأسبقية في النشر والأكثرية في العدد؛ وذلك لارتباطها بالدعوة والإرشاد وشؤون الدراسة والقضاء؛ فتبيين أصول العقيدة الصحيحة للناس وتدريسها في حلقات المشايخ ومعاهد التعليم إلى جانب حاجة العلماء إليها في مجالات القضاء والدرس جعل الاهتمام ينصرف أول الأمر إلى توفير هذه الكتب.

وقد استغرقت حركة الإحياء مؤلفات علماء بأعيانهم مست إليها الحاجة في الحلقات العلمية التي أشرنا إليها سابقاً، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام بن تيمية الذي طبعت معظم مؤلفاته إن لم تكن كلها، وتلميذه ابن قيم الجوزية، ومؤلفات الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب وعلماء الدعوة السلفية، وهؤلاء العلماء لم يقتصر نشر مؤلفاتهم على الدولة ومؤسساتها، وإنما اندفع إلى طباعتها الناشرون وأصحاب المكتبات التجارية داخل المملكــة وخارجها، وأحياناً يشترك فيها ناشران : أحدهما محلي ، والآخر من خارج البلاد لإمداد الدارسين بما يحتاجون إليه.

لقد قادت الدولة نشر هذه الكتب في مؤسسات، مختلفة منها الديوان الملكي ورئاسة القضاء التي أنشئت سنة 1347هـ والرئاسة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد، ثم شاركت المؤسسات التعليمية الكبرى كوزارة المعارف والجامعات، إلى جانب النشر التجاري من خلال دور النشر والمكتبات، والنشر الخيري المتمثل في اتجاه ملوك البلاد وإمرائها وتجارها من الموسرين إلى الإسهام في طبع كتب العقيدة والتشريع وتوزيعها على طلبة العلم ابتغاء وجه الله، ويمثل ذلك استمراراً للإسهام الذي بدأ مع بداية القرن الرابع عشر الهجري، وشمل عهد الملك عبدالعزيز عند فجر تأسيس الكيان السعودي الكبير.

لقد شملت حركة الإحياء إلى جانب كتب العقيدة والتشريع كتب علوم القرآن وكتب الحديث وكتب التاريــخ والجغرافية وكتب اللغة والأدب، وتعددت منافذ نشرها وطباعتها، وليس من السهل استقصاء جميع ذلك أو الإشارة إليه في هذه العجالة؛ ولذلك فإن هذا البحث سوف يجعل محوره نشر الكتب الدينية المختلفة في مجالات العقيدة والتشريع وعلوم القرآن وكتب الحديث النبوي وحسب، وسوف نخص كتب الحديث بمعالجة خاصة.

أ – كتب العقيدة:

سبق أن ذكرنا أن كتب العقيدة كانت من الكتب التي بدأ الملك عبدالعزيز – رحمه الله – نشرها قبل بلوغه مكة، وحين بلغ مكة سنة 1343هـ كان أول كتاب طبع في مطبعـــة أم القرى هو كتــــاب "مجموعة التوحيد النجدية" التي طبعها في شوال سنة 1343هـ ؛ أي بعد دخول الملك مكة بأقل من ستة أشهر، وقد طبعت على ورق رديء لاحظه كاتب مقدمتها يوسف ياسين، فاعتذر عنه بقولــه: "ولعلنا إن شاء الله نجد من الوسائط ما يجعلنا نقدم للقراء في الطبعة التي تلي هذه نسخة صحيحة جيدة الطبع حسنة الورق؛ لأنه لم يتيسر لنا – ونحن في أم القرى والأيام أيام حرب وكفاح – أجودُ من هذا الورق ولا أحسن" (113).

وقد احتوت هذه المجموعة على رسائل للشيخ محمد بن عبدالوهاب وبعض كتبه ككتاب "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" و"مسائل الجاهلية" ورسائل لأبي العباس أحمد بن تيمية الحراني، وبعض رسائل لحفيدي الشيخ محمد بن عبدالوهاب والشيخ عبدالرحمن بن حسن، والشيخ سليمان بن عبدالله بن عبدالوهاب، ورسائل لبعض علماء نجد الآخرين كالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبي بطين، والشيخ حمد بن عتيق. وتمتاز هذه الطبعة عن الطبعة الهندية التي سبقتها بوجود رسالة ليس لها وجود في الطبعة السابقة، وهي رسالة لأحمد الأقحصاري الرومي في "زيارة القبور والنهي عن الصلاة عندها".

ولم يطل الزمن حتى طبعت المجموعة طبعة أحسن في مطبعة المنار سنة 1346هـ بمصر على نفقة الملك عبدالعزيز بإشراف السيد محمد رشيد رضا، وتوالت طبعاتها بعد ذلك.

لم تكن "مجموعة التوحيد النجدية" المجموعة الوحيدة التي أنتجتها حركة الأحياء، بل إن الاتجاه إلى المجموعات في بداية عصر نشر التراث العقدي والشرعي كان هو السائد، ويعد ذلك امتداداً لثقـافة المتون التي كانت تدرَّس في حلقات العلم بالمساجد وغيرها، والتي يحسن بالطالب أن يلم بها أو يحفظها قبل أن يلج أبواب العلم الواسعة في جميع التخصصات؛ ولذلك وجدنا أن المجموعات المدرسية من هذه الكتب تكثر طبعاتها وتتنوع في موضوعاتها.

غير أن من هذه المجموعات ما يحوي تراث علماء الدعوة السلفية، وهذه في الغالب موجهة إلى العلماء وطلاب العلم، مثل مجموعة "الرسائل والمسائل النجدية" التي تضم عدداً كبــــيراً من الرسائل والفتــاوي والأجوبة والنبذ المتعلقة بالعقيدة والفقه للشيخ محمد بن عبدالوهاب وأبنائه وأحفاده وأبيه عبدالوهاب وجده سليمان، ورسائل وفتاوي لعلماء آخرين، كالمشايخ حمد بن ناصر بن معمر، وعبدالله بن عبدالرحمن أبي بطين، وسعيد بن حجي، ومحمد بن عبدالله بن إسماعيل، وعبدالعزيز بن عبدالجبار، وحمد ابن عتيق وغيرهم. وقد صـــدرت في أربعة مجلدات عن مطبعة المنار فيما بين الأعوام 1344– 1349هـ.

ومن المجموعات المهمة التي أنتجتها حركة الإحياء مجموعة "الدرر السنية في الأجوبة النجدية"، وهي تضم رسائل ومسائل لعلماء نجد من عصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى الوقت الذي جمعت فيه، جمعها الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، وطبعت أول مرة في مطبعـــة أم القرى بمكة المكرمة سنة 1353هـ، وجاءت في 11 جزءاً.

وإذا كانت مجموعة "الدرر السنية" من أضخم المجموعات التي نشرت في المملكة فإن "مجموعة فتاوي شيخ الإسلام بن تيمية" تعد أضخمها جميعاً، وهي من الأعمال الجليلة التي تصدي لها الشيخ عبدالرحمن بن محمد قاسم، فأنجزها في 35 مجلداً، بدئ في طبعها سنة 1380هـ، وانتهى الطبع سنة 1386هـ من مطابع الرياض، وقدرت تكاليف الطبع بأكثر من مليون ريال سعودي، ثم أتبعت بفهارس عامة من مجلدين بعنوان "الفهارس العامة والتقريب لمجموع فتاوي شيخ الإسلام بن تيمية" ، وطبعت في الرياض بمطبعة الحكومة سنة 1388هـ/ 1389هـ.

لقد جمع الشيخ ابن قاسم هذه الفتاوي من مناطق المملكة، ثم من بلدان مختلفة شملت مصر وسورية والعراق وفرنسا، واستغرق زمن الجمع ما يقارب الأربعين عاماً؛ ومعنى ذلك أن فكرة الجمع قد بدأت منذ عهد الملك المؤسس، ولا يفوتنا أن نشير إلى ماسبق أن أوردناه من رغبة الملك عبدالعزيز سنة 1348هـ في طباعة تفسير ابن تيمية وكتبه والبحث عنها في مكتبات العالم العربي وأوروبا وإرسال "شخص من أهل العلم والمعرفة إلى أوروبا يبحث عمَّا يهم"، واستعداده أن يزوده بما يلزمه من توصيات، ورغبته في إحضار مصورات لتلك المخطوطات في تلك المرحلة المبكرة، وقد اطلع الشيخ ابن قاسم وابنه محمد على مخطوطات الفتاوي في مكتبات البلدان التي زاراها، وبذلك تكون هذه المجموعة أوثق ما طبع من فتاوي ابن تيمية لما توافر لها من المراجعة على نسخ مختلفة.

 

وقد سبقت هذه النشرة من فتاوي ابن تيمية مجموعة رسائل له، طبعت في مطبعة المنار بين سنتي 1346 – 1349هـ في ثلاثة أقسام على نفقة الملك عبدالعزيز.

وإذا تركنا حديث المجموعات – وهي كثيرة – إلى الكتب المفردة نجد أن تراث شيخ الإسلام بن تيمية سواء في العقيدة أو الفقه قد استغرقته حركة الإحياء؛ فممَّا طبع له في وقت مبكر من تاريخ نشر التراث كتاب "تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري"، وقد طبعته المطبعـــة السلفيـــة بمصر سنة 1346هـ، وكتاب "عرش الرحمن وما ورد فيه من الآيات والأحاديث"، طبع بمطبعـة المنار بالقاهرة سنة 1349هـ، وكلاهما على نفقة الملك عبدالعزيـز، و"الفتوى الحموية الكبرى" بتصحيح محمد عبدالرزاق حمزة، طبعت في المطبعة السلفيـــة بمكة المكرمة سنة 1351هـ، و"موافقــــة صحيح المنقــــول لصريح المعقول"، بتحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد ومحمد حامد الفقي في مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة 1951م.  وغير ذلك من كتب طبع بعضها عدة مرات لارتباطها بمناهج الدراسة "كالعقيدة الواسطية" و"الرسالة التدمرية"، وقد حظيت كثير منها بشروح وتعليقات من علماء البلاد(114).

ومن الكتب التي نشرت مبكراً في العقيدة كتاب الحافظ بن خزيمة كتاب "التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل" ، وقد صححه وعلَّق عليه محمد منير الدمشقي مع ترجمه لابن خزيمة، طبع في القاهرة في إدارة الطباعة المنيرية سنة 1353هـ على نفقة الملك عبدالعزيز. ومنها كتاب الحافظ عبدالرحمن بن أحمد بن رجب "التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار"، وقد صححه عبدالرحمن بن قاسم، وطبع في مكة المكرمة بمطبعة أم القرى سنة 1357هـ على خمسة أصول. ومما طبع للحافظ ابن رجب مبكراً كتاب "نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي e لابن عباس" على نفقة محمد ماجد كردي بمكة المكرمة بمطبعة الترقي الماجدية سنة 1347هـ. وكذلك "شرح الطحاوية في العقيدة السلفية"، وقد صححها لجنة لا تقل عن عشرة أشخاص من المشايخ والعلماء تحت رئاسة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ، وطبعت في مكة المكرمة بالمطبعة السلفية سنة 1349هـ.

ونشرت جملة صالحة من كتب تلميذ شيخ الإسلام بن تيمية الإمام شمس الدين محمد أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية (ت751هـ)، ومن أوائل ما طبع منها:

1 – "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية"، وقد عني بتصحيحه ومراجعة أصوله ونشره الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ وإبراهيم الشورى، وطبع في إدارة الطباعة المنيرية في القاهرة سنة 1351هـ.

2 – "الرسالة التبوكية" بمراجعة عبدالظاهر بن محمد أبي السمح إمام وخطيب الحرم المكي الشريف وطبعت في مكة في المطبعة السلفية سنة 1347هـ.

3 – "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، طبع في القاهرة في مطبعة أمين عبدالرحمن سنة 1346هـ على نفقة عبدالظاهر بن محمد أبي السمح ومحمد صالح نصيف.

4 – "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، تحقيق وتعليق محمد حامد الفقي طبع في القاهرة بمطبعة السنة المحمدية سنة 1375هـ على نفقة محمد سرور الصبان.

هذا إلى جانب مؤلفات الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب(115) التي طبعت مراراً وكتب أولاده وأحفاده وعلماء الدعوة السلفية الذين يضيق المجال عن تعداد أعمالهم.

 

ب – كـتب الفـقــه:

ربما لا يخفى على الدارس للحياة العلمية أثناء القرن الثالث عشر حتى منتصف القرن الرابع عشر تقريباً ما مُنِيَ به الفقه الحنبلي من إهمال تمثَّل في حلقات العلم والدرس وفي مناصب الفتيا والقضاء، مما استتبع قلة حركة الطبع والنشر لمؤلفاته عندما انتشرت الطباعة في البلاد العربية، ولقد سجل لنا المؤرخون والرحالة في تلك المرحلة هذا الركود الذي أصاب المدرسة الحنبلية في الفقه؛ فالجبرتي – وهو معاصر لنهاية الدولة السعودية الثانية – يشير إلى أن مبعوثَيْ الإمام عبدالله بن سعود إلى محمد علي باشا – وهما الشيخان عبدالعزيز بن حمد وعبدالله البنيان – "قد دخلا الجامع الأزهر... وسألا عن أهل مذهب الإمام أحمد بن حنبل – رضي الله عنه – وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه، فقيل: انقرضوا من أرض مصر كلية"(116)، وكان ذلك في شهر رمضان سنة 1230هـ (سبتمبر 1825م) قبل سقوط الدرعية بثلاث سنوات، ويشير الرحالة بيرتون سنة 1850م (1267هـ) الذي زار مكة في هذه السنة إلى أن المذهب الحنبلي ليس معروفاً في الأزهر كما أنه ليس له تمثيل في مكة المكرمـــة (117)، وفي سنة 1303هـ (1885م) يشير سنوك هير خرونيـــه إلى أن أتباع المذهب الحنبلي قلة، وهناك مدرس أو اثنان من مدرسي الحرم يقومان بتدريس الفقه الحنبلي(118).

ولعلَّ أبلغ دليل على ضعف العناية بالمذهب الحنبلي ـ وبخاصة في مكة المكرمة حيث تمثـل المذاهب الأربعة تعطـل الفتـــوى على مذهب الحنابلة بعد وفاة الشيخ محمد بن يحيى بن ظهــــيرة (ت 1271هـ) إلى أن وليها الشيخ محمد بن عبدالله بن حميد العنزي سنة 1295هـ، ويشير الشيخ عبدالله مرداد أبو الخير إلى أنه بعد وفاة ابن حميد تولاها ابنه علي عدة أشهر، ثم عزل عنها، وتولاها الشيخ خلف بن إبراهيم الحنبلي، وبعد وفاته أُسندت إلى الشيخ أحمد بن علي بن عبدالله فقيه المكي الشافعي المذهب الذي أمره الشريف عـــون بتقليد مذهب الإمام أحمد، فقلده، ثم ولاه إفتاءه، ومكث في ذلك حتى سنة 1326هـ، ثم تولاهـــا الشيخ بكر (كذا) خوقير مدة يومين، ثم عزل منها وتولاها الشيخ عبدالله بن علي بن محمد بن حميد (ت 1246هـ)(119) حتى دخول مكة تحت الراية السعودية.

لقد سقنا هذه المقدمة التاريخية ؛ لنبين شدة الحاجة إلى بعث التراث الفقهي الحنبلي في بداية القرن الرابع عشر حتى منتصفه، وكان بزوغ نجم الملك عبدالعزيز منذ عام 1319هـ واعتماد الدولة على الفقه الحنبلي سبباً قوياً لأن تدب الحياة من جديد في المؤلفات التي كتبها الفقهاء الحنابلة، وكان من أوائل ما طبع في عهد الملك عبدالعزيز من تراث الفقه الحنبلـــي كتاب "المغني" لموفـــق الدين أبي محمــــد عبدالله بن أحمد بن قدامة ( ت 620هـ ) شرح به مختصر أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي (ت 334هـ)، ويعد "المغني" كتاباً موسوعياً يضم فقه المذاهب الأربعة جميعاً، وقد طبع مع المغني كتاب "الشرح الكبير" لشمس الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت 682هـ) شرح به متن "المقنع" لموفق الدين بن قدامة، وصحح الكتابين العلامة السيد محمد رشيد رضا، وطبعا على نفقة الملك عبدالعزيز، وقد بدئ بالطبع سنة 1341هـ، وانتهى سنة 1348هـ، وكان طبع "المغني" على نسختين نجدية وشامية، وقد وجد المصحح في مرحلة من مراحل التصحيح أن النسخة النجدية أصح، وأن فيها ما ليس في النسخة الشامية ، فاعتمد عليها في سائر الكتاب.

لقد استقبل نشر "المغني" استقبالاً حسناً من قبل المهتمين بعلوم الشريعة، فنجد السيد رشيد رضا يشيد بخطوة الملك عبدالعزيز في نشر هذا الكتاب المهم، ويشير في ختام طبعة كتابي "المغني الشرح الكبير" سنة 1348هـ إلى أنه : "لولاه (الملك) لما أقدمنا ولاأقدم غيرنا على طبعه؛ لأن التجار لا يقومون على طبع اثني عشر مجلداً في الفقه الحنبلي لأحد فقهاء مذهب الإمام أحمد مع قلة الحنابلة في الأمصار وفقرهم وقلة من يعلم أن هذا الكتاب هو في فقه الإسلام في جملته لا فقه الحنابلة وحدهم" (120).

كما تحدث الشيخ محمد بهجت البيطار عن هذا الكتاب في مقال نشره في مجلة "الإصلاح"، فقال: "إن كتاب المغني تضمن فقه الصدر الأول للإسلام وتابعيهم أئمة المذاهب الإسلامية في الأمصار، وناهيك بكتاب كالمغني يجد المتأمل فيه يسر الدين وسماحته، وسعة فقه علمائه ومجتهديه، وقوة استنباطهم من النصوص ومراعاتهم للمصلحة العامة، وناهيك بشهادة سلطان العلماء في عصره العز بن عبدالسلام القائل عن كتاب "المغني": إنه لم يؤلف نظيره في الإســلام" (121).

لقد تتابعت بعد ذلك نشرات "المغني"، وليس هذا مجال الحديث عنها أو تقويمها، غير أن "المغني" و"الشرح الكبير" لم يكونا الكتابين الوحيدين، بل تبعهما معظم تراث الفقه الحنبلي، فقد نشر من كتب موفق الدين بن قدامة كتابه "عمدة الفقه"، وأصبح هذا الكتاب متنـاً دراسياً تكرر نشره.

 

وبعث من كتب القرن التاسع الموسوعية كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" على مذهب الامام أحمد بن حنبل في اثني عشر جزءاً من تأليف العلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (ت 885هـ)، وهو كما وصفه محمد حامد الفقي "معلمة حنبلية لعلها تغني مقتنيها عن المختصرات والمطولات؛ فقد سلك فيه مسلكاً لم يسبق إليه، بيَّن فيه الصحيح من المذهب، وأطال في الكلام، وذكر في كل مسألة ما نقل فيها من الكتب وكلام الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين، إلا أنه قلَّما تعرض للدليل؛ لأن كل همه كان موجهاً إلى الجمع والإحصاء لكل ما قيل في المسألة ، وهي مهمَّة شاقة تستوعب المجهود العظيم" (122).

وقد نشر هذا الكتاب على نسختين، إحداهما نسخة مكتبة الملك السلطان أحمد الثالث، ومنها مصورة، ونسخة ثانية يملكها الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة، تقع في 6 أجزاء كل جزء منها 283 ورقة من القطع المتوسط، وهي حديثة عهد بالكتابة، كاتبها طالب علم متوسط، هو عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالعزيز العنقري، فرغ منها في 5 شعبان سنة 1342هـ، وفيها زيادات كثيرة على النسخة الأخرى (123).

كما نشر من كتب المرداوي كتاب "تصحيح الفروع" بتحقيق السيد محمد رشيد رضا، وطبع بمطبعة المنار (1339 – 1345هـ) مع كتاب "الفروع" لشمس الدين محمد ابن مفلح (ت762هـ)، ونشر في هذا السياق كتاب العلامة شرف الدين موسى بن أحمد الحجاوي (ت960هـ) "زاد المستقنع في اختصار المقنع" في المطبعة السلفية بالقاهرة سنة 1345هـ بتعليق عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن ناصر، ونشره الشيخ سليمان بن حمدان وآخرون في المطبعة السلفية بمكة المكرمة سنة 1348هـ، وقد لقي هذا الكتاب رواجاً منقطع النظير في حلقات الدروس مذ قرر هو وشرحه في المدارس والمعاهد مما أدى إلى تكرار طبعه، كما طبع شرحه "الروض المربع" للشيخ منصور بن يونس البهوتي مراراً ابتداء من سنة 1348هـ على نفقة عبدالرحمن القصيبي، والجدير ذكره أن كتاب "الزاد" قد صدر باسم "مختصر المقنع"، وطبع عدة مرات بهذا الاسم.

ونشر من تراث القرن العاشر كتاب "التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" لشهاب الدين أحمد بن محمد الشويكي (ت 939هـ)، جمع فيه بين كتابي "المقنع" للموفق ابن قدامة و"التنقيح" لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي (ت 885هـ)(124) على نسخة خطية أزهرية، نشره محمد حامد الفقي سنة 1371هـ بالقاهرة، وكتب مقدمته سليمان الصنيع.

وفي القرن الحادي عشر الهجري يلقانا أحد أعمدة المذهب ومن أخصب المؤلفين فيه، هو العلامة منصور بن يونس البهوتي (ت 1051هـ) الذي اختص بشرح مؤلفات المذهب وبسطها، فنشر له إلى جانب "الروض المربع" المذكور سابقاً ثلاثة كتب، أولها "شرح منتهى الإرادات" شرح به كتاب "منتهى الإرادات" في الفقه الحنبلي للعلامة محمد بن أحمد بن رشيد الفتوحي المشهور بابن النجار (ت 972هـ)، وهو من أهم كتب المذهب، وقد اقتصر فيه مؤلفه على الراجح من مسائله. كما نشر للبهوتي كتابه الآخر: "كشاف القناع عن متن الإقناع" شرح به متن "الإقناع" لشرف الدين الحجاوي، وطبع الكتاب سنة 1366هـ بمطبعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة على نفقة عبدالله بن عبدالعزيز السويل، وقد سبق أن نشر هذان الكتابان معاً على نفقة مقبل الذكير، وطبعا سنة 1319هـ بالمطبعة الشرفية بالقاهرة. ومن تراث البهوتي أيضاً كتاب "منح الشفا الشافيات في شرح المفردات"، وقد طبع في وقت مبكر سنة 1343هـ بالمطبعة السلفية بالقاهرة.

ولا شك أن الحديث يطول بنا لو استعرضنا جميع ما نشرته حركة الإحياء من كتب، وحسبنا أن نذكر هذه البدايات الأولى التي بيّنت مدى الرواج الذي لقيته كتب المذهب الحنبلي في السنوات الأولى من تكوين الدولة السعودية الحديثة، ويلاحظ أن هذه الحركة قد استهدفت نوعين من الكتب؛ الأول: ما تمس الحاجة إليه في حلقات الدروس التي يتلقاها المبتدئون، والثاني: توفير الكتب المتخصصة والمطولات للعلماء وطلاب المراحل العليا في حلقات المشايخ. ويلاحظ أيضاً أن مؤلفات القرون المتأخرة التاسع والعاشر والحادي عشر هي أكثر هذه المؤلفات تداولاً، أما مؤلفات القرون المتقدمة فما طبع منها قليل بالقياس إلى ما ذكرنا(125)، ولقد لقيت كتب المتقدمين عناية واضحة في زمن متأخر نسبياً حين استبحر البحث، وظهرت الجامعات، وامتدت أيدي طلاب الدراسات العليا إلى رفوف المخطوطات، تختار منها وتنقب، وتختار المسائل والرسائل، وكذلك الأمر فيما يتعلق بأصول الفقه فعلى الرغم من أنه نشرت بعض كتبه مبكراً ككتاب تقي الدين الفتوحي (ت 972هـ)، واسمه "مختصر التحرير في أصول الفقه" الذي طبع طبعة شديدة التحريف سنة 1367هـ وسنة 1372هـ (126) إلا أن الكتب الكبرى فيه لم تظهر إلا في السنوات الأخيرة.

ج – كتب التفسير وعلوم القـرآن:

بدأ الاهتمام بكتب علوم القرآن وطبعها منذ عهد مبكر، فعندما أمر الملك عبدالعزيز بنشر بعض الكتب الدينية في مطبعة المنار بمصر كان تفسير الإمام عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي (ت 774هـ) ـ وهو من أشهر التفاسير بالمأثور ـ من أوائل تلك الكتب، وكذلك تفسير الإمام الحسين بن مسعود البغوي (ت 516هـ) المسمى "معالم التنزيل"، وقد صدر هذان التفسيران في تسعة مجلدات ضخمة انتهت طباعتها سنة 1347هـ، وأشرف على تصحيحها السيد محمد رشيد رضا، وقد سبق أن طبع كتاب ابن كثير في المطبعة الأميرية المصرية في حواشي كتاب "مجمع البيان في مقاصد القرآن" للسيد صديق حسن خان، ووصف السيد رشيد رضا هذه الطبعة بأنها كثيرة الغلط والتحريف "، وذكر أنه لم يجد نسخة خطية صحيحة للمعارضة عليها إلا نسخة في مكتبة الجامع الأزهر لا تخلو من غلط وتحريف وحذف ونقص"(127).

غير أن السيد رشيد رضا ما لبث أن اكتشف نسخة أخرى نفيسة صحيحة، أعلن عنها في ختام نشرته لكتاب "فضائل القرآن" الذي جعله المؤلف ذيلاً لكتابه، وهي نسخة محفوظة في مكتبة الحرم المكي، وجدها رشيد رضا سنة حجه في موسم عام 1344هـ، ووصفها بأنها "من حيث الصحة والتنقيح لا نظير لها في هذا العصر"؛ فقد كتبت في عصر المؤلف، وفرغ منها ناسخها سنة 759هـ غير جزئين كتبا سنة 769هـ، وقوبل ذلك تصحيحاً على أصل المؤلف، كما هو ثابت في التاريخ الموجود آخر أجزائها" (128).

وضع تفسير ابن كثير ـ في طبعة الملك عبدالعزيز ـ أعلى الصفحة في الكتاب، وتفسير البغوي أسفلها، وقام المصحح بوضع التعليقات على الكتابين مع ضبط بعض الكلمات وتخريج بعض الأحاديث أو بيان درجتها، وإيضاح بعض المسائل الغامضة أو المبهمة، وتمييز الآيات المفسرة من الآيات المكررة والشواهد، وتمييز الأحاديث المرفوعة.

ونجد تعليقات السيد رشيد رضا تكثر في المجلدين الأولين، ثم تتلاشى وتنعدم في المجلدات التالية، وقد ذكر أسباباً لذلك منها مرضه، وإلحاح الملك عبدالعزيز في الإسراع في طبعه لتعجيل استفادة الناس منه (129).

وبعد نحو أربعين عاماً من هذه النشرة أصدرت مكتبة النهضة الحديثة بمكة المكرمة طبعة جديدة من تفسير ابن كثير ، وذلك سنة 1384هـ، علق حواشيها وقدّم لها عبدالوهاب عبداللطيف، وأشرف على طبعها محمد الصديق، وكلاهما أزهريان، وطبعت في مطبعة الفجالة بالقاهرة، في 4 مجلدات، ووصفت بأنها "أدق وأكمل طبعة ظهرت، مزودة بفهارس جمة".

والظاهر أن هذه الطبعة قد اتخذت من طبعة رشيد رضا أساساً لها، ولكن لم يشر إلى ذلك في المقدمة؛ إذ لم يذكر المعلق ولا المصحح الأصل الذي اعتمدا عليه على الرغم من الإشارة إليه أحياناً كقولهما في هامش 1/80 "كذا بالأصل"، وبالموازنة بين طبعة رشيد رضا وهذه الطبعة نجد تشابهاً كبيراً، ولعلَّ أقوى أوجه التشابه الإبقاء على تعليقات رشيد رضا دون الإشارة إليه (130)، غير أنها لا تحتفظ بكل هذه التعليقات، وإنما تحذف كثيراً منها، وأحياناً تأتي بمعناها (131).

ومع ذلك فقد أسهم المعلق عبدالوهاب عبداللطيف في هوامش أخرى، ومن أهم ما يلاحظ على هذه الطبعة عناية المعلق بمراجعة الكتاب على بعض موارده، وتتبعه لبعض المواضع مما نقله ابن كثير عن ابن تيمية، كما نجده يخرج بعض الأحاديث، ويهتم بأسباب النزول معتمداً على كتاب "لباب النقول" للسيوطي، وتتميَّـز هذه الطبعة بمقدمة طويلة كتبها عبدالوهاب عبداللطيف، تعد مدخلاً لعلم التفسير، تناول فيها قضايا هذا العلم، والتعريف بتفسير ابن كثير ومؤلفه.

وامتدت العناية بتفسير ابن كثير إلى اختصاره، فهناك طبعة من مختصر تفسير ابن كثير لمحمد الصابوني يشار فيها إلى تعضيد نشرها من قبل السيد حسن عباس شربتلي، ومعلوم أن بعض آراء الصابوني قد وجدت نقداً تمثل في بعض المؤلفات(132).

كما نجد إسماعيل الأنصاري يجرد من تفسير ابن كثير ما يتعلق بالإسراء والمعراج، ويرتبه وينشره في الرياض سنة 1393هـ، كما اختصره عبدالله بــن محمد بــن عبدالرحمــن بن إسحاق آل الشيخ في جزئين، وسمى مختصره "لباب التفسير من ابن كثير"، وصدر سنة 1414هـ.

أمـــا تفسير البغــــوي "معالم التنزيـــــل" فقــــد ذكر رشيد رضا إنه طبع مراراً في الهنــــد ومصر، ولم يجد منه نسخـــــة جيدة التصحيح، وكانت لديه نسخة كتبت سنة 669هـ، كما وجد نسخاً في دار الكتب المصرية، ولا تخلو جميعها من الغلط والتصحيـــــف والتحريـــف (133)، ومع ذلك لم يهمل المحقق النسخ المطبوعة بل كان ينظر فيهـــــا (134)، وقد سار في تصحيحــــه على الطريقة التي اتبعها في تصحيح تفسير ابن كثير.

أما آخر طبعة لتفسير البغوي مستقلاً فقد كانت بتحقيق محمد عبدالله النمر، وعثمان ضميرية، وسليمان مسلم الحرش، وقد صدر الجزء الأول منها سنة 1409هـ، ونشرته دار طيبة في الرياض.

ويعد تفسير ابن جرير الطبري "جامع البيان عن تأويل القرآن" بتحقيق محمود محمد شاكر، ومراجعة أحمد محمد شاكر لبعض أجزائه من الكتب التي نالت التعضيد من دار الإفتاء وبعض الجامعات، وكانت نسخه توزع مجاناً من المستودع العام للكتب ومن بعض الجامعات.

وقد شملــــت حركة الإحيـــاء كتباً أخرى مشهورة في التفسير ، منها تفسير الجلالين(135) ، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي(136)، و"فتح القدير" للشوكاني (137)، كما نشرت تفاسير أخرى محققةً لأول مرة في المملكة مثل "غرائب التفسير وعجائب التأويل" لمحمود بن حمزة الكرماني بتحقيق شمران سركال يونس العجلي (138)، و"قانون التأويل" لأبي بكر محمد بن عبدالله بن العربي بتحقيق محمد السليماني(139)، و"تفسير القرآن العظيم مسنداً عن الرسول e من الصحابة والتابعين" لأبي محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي، حققه وخرج أحاديثه أحمد عبدالله العماري الزهراني(140)، وغير ذلك.

وثمة مجال آخر من مجالات التفسير شارك فيه الباحثون، ودعمته حركة النشر في المملكة؛ ذلك هو جمع النصوص لبعض المفسرين من مصادرها المختلفة وتكوين مجموعات من كتب التفسير لمؤلفــين معينين، أو لبعض الصحابة والتابعين، ولعلَّ أقدم ما نشر من هذا النوع في المملكة كتاب "التفسير القيِّم للإمام ابن القيم"، جمعه محمد أويس الندوي، وحققه محمد حامد الفقي، وطبع على نفقة عبدالله وعبيدالله دهلوي سنة 1368هـ/1949م.

وضمن هذا المجال جمع عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي تفسير ابن عباس – رضي الله عنه – ومروياتـــــه في التفسير من كتب السنة في رسالة للدكتوراه نُوقشت سنة 1401هـ، ونشرها مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة، ولم يذكر تاريخ النشر، وقد جمع المؤلف مادة الكتاب من الصحاح، وموطأ مالك، ومسند أحمد، ومسند أبي داود الطيالسي، ومصنف عبدالرزاق، والمنتقي لابن الجارود، ومسند الشافعي، ومسند الحميدي، والعمل لا يستوعب كل كتب السنة، كما أن المنشور منه لا يشمل كل ما جمعه المؤلف كما يشير إلى ذلك في مقدمته(141).

ونشرت مؤسسة الملك فيصل الخيرية بالرياض سنة 1405هـ مجموع "تفسير ابن مسعود" رضي الله عنه، جمعه محمد أحمد عيسوي مع تحقيقه ودراسته، وهو في الأصل رسالة للماجستير أُجيزت في كلية الآداب في جامعة القاهرة سنة 1400هـ/1980م في مجلدين يشتمل الأول منهما على الدراسة التي ضمت ترجمة لابن مسعود، تناولت حياته وشخصيته وأسلوبه في التفسير، مع توثيق التفسير.

وجمع أحمد صالح محايري "تفسير سفيان بن عيينة"، وحققه مع دراسة له، وشـــــارك في نشره المكتب الإسلامي ببيروت ودمشق ومكتبة أسامة بالرياض سنة 1403هـ.

وقد نشرت جملة من كتب القراءات، منها كتاب "الإقناع في القراءات السبع" لابن الباذش الأنصاري (ت 540هـ) بتحقيق عبدالمجيد قطامش، صدر عن مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى سنة 1403هـ، وكتاب "الغاية في القراءات العشر" للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران النيسابوري (ت 381هـ) بتحقيق محمد غياث الجنباز سنة 1405هـ، كما حقق علي حسين البواب كتاب "تحفة الأقران فيما قرئ بالتثليــث من حروف القرآن" لأبي جعفر أحمد بن يوسف الرعيني (ت 779هـ)، وصدر عن دار المنارة للنشر والتوزيع في جدة سنة 1407هــ، وغير ذلك.

ونشرت كتب عدة تتناول موضوعات متفرقة من علوم القرآن كالنسخ، والغريب، والمشكل، والمتشابه.

ومن ذلك كتاب مكي بن أبي طالب القيسي (437هـ) بعنوان "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه" بتحقيق أحمد حسن فرحات، ونشرته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1396هـ، وكتاب أبي الفرج ابن الجوزي المســـمى "نواسخ القرآن"، حققه محمد أشرف الملباري، ونشرته الجامعة الإسلامية سنة 1404هـ، وكان في الأصل رسالة للماجستير.

د ـ كتب الحديث النبـوي:

إن الحديث عن نشر كتب الحديث النبوي يقتضي منا أن نفرق بين حقبتين مهمتين في تاريخ حركة الإحياء للكتب الدينية، ومنها الحديث؛ أولاهما: تلك الحقبة التي بدأ فيها الاعتناء بالحديث النبوي منذ قيام الدولة السعودية الحديثة حتى سنة 1380هـ، وقد شهدت هذه الحقبة عهد الملك عبدالعزيز وبعض عهد الملك سعود رحمهما الله.

والحقبة الثانية : عهد التوسع في مجالات النشر والتحقيق لكثير من كتب التراث، ومن أهمها كتب الحديث النبوي إلى عصرنا الحاضر.

وفي الحقبة الأولى كان التركيز على علم رواية الحديث أكثر من علم الدراية، فكان أن نشرت النصوص الحديثية التي تمس إليها حاجة الدارسين والعلماء، وكانت كتب الأحاديث المبنية على الأحكام من أكثر هذه الكتب تداولاً ونشراً، كما كانت العناية موجهة إلى كتب المتون التي تصدر ضمن كتب المجموعات كي تلبي حاجة الدارسين في حلقات المشايخ بالمساجد أو مقاعد الدراسة الشرعية النظامية.

ومن أشهر الكتب التي لقيت رواجاً في هذه الحقبة كتاب "عمدة الأحكام" لمؤلفه عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي الجمّـاعيلي (ت 600هـ)؛ فقد نُشر أولاً في مجموعة "الحديث النجدية" التي طبعت في الهند ثم في مطبعة المنار سنة 1342هـ، ثم تتابع نشر هذا الكتاب في عدة طبعات، كما طبع شرحه المسمى "إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد، وكان قد طبع في الهند سابقاً سنة 1313هـ، وطبع شرح إحكام الأحكام لابن الأمير الصنعاني سنة 1379هـ.

وقد ألفت على متن "عمدة الأحكام" بعض الشروح الحديثة من قبل بعض علمائنا مثل فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (142)، وإسماعيل الأنصاري(143)، وحسن سليمان النوري، وعباس مالكي (144)، وعبدالله بن عبدالرحمن البسام (145)، وعبدالله بن إبراهيم الخزيم بالاشتراك مع إبراهيم أحمد الوقفي (146)، وتكاد تتفق هذه الشروح في منهجها، فهي تشرح المعنى الإجمالي، وتفسر ألفاظ الحديث، وتستنتج ما يؤخذ منه. ومنها ما يتحدث عن راوي الحديث أو من أخرجه، وذلك يؤكد ارتباطها بمناهج الدراسة.

ومن كتب أدلة الأحكام المشهورة التي طبعت كتاب "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، وقد طبع بعناية محمد حامد الفقي سنة 1347هـ، ثم توالت طبعاته، كما طبع شرح هذا الكتاب المسمى "سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام" لمحمــد بن اسماعيـــل الأمير اليمــــني الصنعـــــاني (ت 1182هـ) مرات عديدة منذ زمن مبكر، ووضع بعض علمائنا المعاصرين شروحاً لبلوغ المرام مثل السيد أحمد حسن الدهلوي(147) وعلوي عباس مالكي وحسن سليمان النوري (148) وعبدالقادر شيبة الحمد(149).

كما نشرت من كتب المتون "الأربعون النووية" في عدة طبعات مفردة وضمن مجموعات، وكتاب "رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين" للنووي ، راجع أصله وعلَّق حواشيه علوي عباس المالكي ومحمود أمين نواوي (150).

وإذا تركنا كتب المتون المتعلقة بحلقات الدرس إلى الكتب الكبرى التي بعثت أول مرة أو تلك التي مست إليها دواعي الاختصاص لدى العلماء فإننا نجد من أهم ما نشر منها كتاب "جامع الأصول من أحاديث الرسول" لمجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير (ت 606هـ)، الذي نشر على نفقة الملك عبدالعزيز، وقد صدر منه 12 جزءاً بإشراف عبدالمجيد سليم مفتي الديار المصرية واعتناء محمد حامد الفقي، وكان الطبع على مخطوط بدار الكتب المصرية.

كما نشر "فتح الباري شرح صحيح البخاري" للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852هـ) نشرة جديدة محققة، أسهم في تمويلها مجموعة كبيرة من طلبة العلم في المملكة، وقرئ أصل المجلدات الثلاثة الأولى منه على الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وكان إذ ذاك مدرساً في كلية الشريعة في الرياض، وقد اجتهد الشيخ في تحرير نصوصه والتعليق على بعض مسائله والتنبيه على بعض أخطاء المؤلف، واعتمد في تحقيق الجزء الأول منه على مطبوعة بولاق، وعلى قطعة خطية كانت في مكتبة الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ، واستمر التصحيح عليها إلى نهاية كتاب "الجنائز"، ثم بدئ التصحيح على نسخة أخرى وجدت في جيزان، وتمت المقابلة عليها وعلى طبعة بولاق إلى كتاب "الحج"، ثم كلف الشيخ بجملة أعمال تمس المصلحة العامة، منها رئاسة الجامعة الإسلامية والتدريس في المسجد النبوي ، فانقطع عن مراجعة الكتاب خوفاً من تعطل هذه المصالح من جهة وضنًّا بالكتاب أن يتأخر طبعه من جهة أخرى، واعتذر في نهاية الجزء الثالث عن مواصلة العمل فيه، وعهد إلى الشيخ محب الدين الخطيب صاحب المطبعة السلفية بمصر أن يكمل طبع الكتاب على مطبوعة بولاق؛ لكونها أصح الطبعات، وأقلها أخطاء، على أن يصحح محب الدين ما يمكن تصحيحه ويجتهد في إنجاز الكتاب (151).

والكتاب وإن بدا في الأجزاء الأخيرة منه صورة من النسخة البولاقية؛ إذ فقد التعليق والتصحيح على الأصول الخطية، إلا أنه امتاز بميزة أخرى مهمَّة، وهي ترقيم الكتب والأبواب والأحاديث، واستقصاء أطراف الحديث، والتنبيه على أرقام هذه الأطراف عقب كل حديث، وهو عمل فهرسي رائع قام به الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي، وأكسب العمل ميزةً خاصة.

وفي هذه الحقبة عضَّدت المملكة نشر كتاب "المسند" للإمام أحمد بن حنبل بتحقيق أحمد محمد شاكر، وقد رُوجعت بعض أجزائه على نسخة نجدية كانت لدى أبناء الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ.

أما كتب أصول الحديث ونقد الرجال فقد بدأت العناية به كالعادة بنشر الكتب المتون "كالمنظومة البيقونية" التي شرحها حسن مشاط، وكانت مقررة على طلبة السنة الثانية من قسم العلوم الدينية في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة (152)، وقد صدرت قبل العهد السعودي، ثم أعيد طبعها، ومن أشهر المتون "نخبة الفكر" لابن حجر العسقلاني و"ألفية العراقي" في مصطلح الحديث.

ولعل أهم ما حقق من كتب الرجال في تلك الحقبة الكتب التي اعتنى بتحقيق معظمها الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني الذي حقق بعضها عندما كان يعمل في دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن، وبعضها حققه بعد عودته إلى الوطن، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا : إنه كانت لهذا العالم المحقق نظرة في معظم كتب الحديث والرجال التي صدرت عن دائرة المعارف العثمانية في الهند بعد سنة 1342هـ، حتى ما كان منه بتحقيق غيره، وآخر أعماله هو كتاب "الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب" للأمير الحافظ أبي نصر علي بن ماكولا الذي صدر الجزء الأول منه سنة 1381هـ، وأبلى المعلمي في تحقيقه بلاءً حسناً، فراجع الأصول، ووازن بين الروايات في كتب الرجال، وأضاف تعليقات جمة مفيدة بعد أن قدم الكتاب بمقدمة بلغت 91 صفحة، تحدث فيها عن التصحيف والتحريف وعن حرص العلماء على تلافي ذلك، ثم أتى بسرد وصفي متأنٍ لكتب المؤتلف والمختلف المطبوعة والمخطوطة، وأتبع ذلك بترجمة مفصلة للمؤلف ابن ماكولا وحديث عن الكتاب ووصف لنسخه وتكملة في منهج الكتاب ومنهج التحقيق، وقد صدر من "الإكمال" ستة مجلدات، ثم اخترمت المنية المحقق الفاضل قبل أن يكمل عمله.

ومن كتب الرجال التي حققها علماء بلادنا في هذه الحقبة كتاب "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" لزين الدين العراقي، وكتاب "ديوان الضعفاء والمتروكين" للإمام شمس الدين الذهبي (ت 748هـ)، وقد طبع في مكة سنة 1387هـ، وكلاهما من تحقيق الشيخ حماد الأنصاري.

أما الحقبة الثانية في حركة إحياء تراث الحديث النبوي الشريف فهي التي يمكن التاريخ لها بدخول العقد التاسع من القرن الرابع عشر حين بدأت حركة التراث بشكل عام بالازدهار المتنامي لأسباب عدة؛ من أهمها الوفرة المالية التي حظيت بها المملكة، وظهور آثار إنشاء الجامعات السعودية على حركة النشر والطبع، وبخاصة تلك الجامعات التي أُنشئت فيها كليات وأقسام تختص بأصول الدين والشريعة والدراسات الإسلامية.

لقد تضافرت جهود هذه الجامعات، فأوجدت حركة نشطة حول الحديث النبوي بفضل وجود أساتذة متخصصين في هذا المجال قدموا من شتى أنحاء العالم الإسلامي من جهة، وظهور موجة الدراسات العليا التي توسعت فيها هذه التخصصات على نحو ملحوظ.

وكان من نتائج ذلك ازدهار النشر والتوزيع لكتب التراث من قبل المكتبات التجارية داخل المملكة وخارجها، ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا : إن ازدياد نشر هذه الكتب في البلدان العربية بشكل عام – وبخاصة في مصر ولبنان – لم يكن له أن يحقق ماوصل إليه من توسع لولا هذه الحركة المتنامية التي قادتها جامعات المملكة في سبيل دراسة الحديث النبوي والعلوم الشرعية والتأليف فيها.

وتبع ذلك أيضاً أن زاد عدد المكتبات التجارية في المملكة زيادة كبيرة، إلى جانب ماقامت به المكتبات التقليدية القديمة في أسواق المملكة من نشاط في هذا المجال، ويلاحظ أن تحالفات قد تمت بين مكتبات أو دور نشر داخل المملكة وأخرى خارجها لطبع الكتاب التراثي في الخارج وتوزيعه في الداخل أو للنشر المشترك لبعض الكتب بين ناشرين محليين وغيرهم.

وإذا نظرنا إلى مجال الحديث النبوي بشقيه: علم الدراية وعلم الرواية بشكل عام فإننا نجد أن حركة الإحياء قد شملت مؤلفات تراثية كثيرة يصعب حصرها، وربما لا يجد الباحث بسبب ذلك ما يطمئن إليه من نتائج قاطعة تحدد اتجاهات هذه الحركة من حيث مواضع الاهتمام التي حظيت بالتأليف كتابة وتحقيقاً  دون غيرها، غير أن من الممكن الوصول إلى مؤشرات مقنعة بعض الشيء من خلال دراسة ما نشر من فهارس ببليوجرافية، ولعلَّ من أهم هذه الفهارس "دليل مؤلفات الحديث الشريف المطبوعة" لأصحابه محيي الدين عطية، وصلاح الدين حفني، ومحمد خير رمضان يوسف (153)، فهذا الدليل الذي ذكر محرره أنه اعتمد الكتب الحديثية المباشرة دون ما يشبهها في الموضوعات أو ما يلحق بها مثل كتب الزهد والرقائق إلا ما كان معظمها في الحديث يمثل أساساً – وإن لم يكن مستوعباً – لفهرسة تشمل كتب الحديث المطبوعة تأليفاً وتحقيقاً، كما أنه في الوقت نفسه يمثل قدراً كبيراً من مؤلفات الحديث النبوي الصادرة في المملكة العربية السعودية؛ ولذلك فقد اعتمدنا عليه فيما قمنا به من دراسات إحصائية وتحليلية لحركة نشر مؤلفات الحديث النبوي؛ لكونه من أوفى ما اطلعنا عليه في موضوعه، ولأنه يمتد زمنياً حتى سنة 1414هـ، ولا شك أن حركة التأليف والتحقيق وما يتبعها من نشر قد استمرت بعد هذا التاريخ.

يتضح من هذا الدليل الذي يحتوي على 3292 (154) مادة مطبوعة في مجال الحديث النبوي باللغة العربية أن عدد المؤلفات التي حققت أو نشرت في المملكة يبلغ 1017 مؤلفاً يمثل ما يقارب 31% مما رصد في ذلك الدليل من مطبوعات.

وتتوزع هذه المؤلفات التي أسهمت بها المملكة العربية السعودية بين ثلاث فئات، هي:

– التحقيق.

– الدراسة.

– الرسائل العلمية (تحقيق ودراسة).

ويمكن تلخيص ذلك في الجدول الآتي:

 

الموضــوع

الكتب المنشورة

الرسائل العلمية

المجموع

تحقيق

دراسة

مجموع الكتب

تحقيق

دراسة

مجموع

الرسائل

علم الرواية

298

255

553

126

17

143

696

علم الدراية

113

136

249

31

41

72

321

المجموع

411

391

802

157

58

215

1017

جدول توزيع مؤلفات الحديث النبوي في المملكة العربية السعودية

 

ويمكن أن يستخلص من هذا الجدول ما يأتي:

1– أن الكتب المنشورة تمثل ما يقارب 79% من هذه الأعمال ، على حين تمثل الرسائل ما نسبته 21%.

2– أن التحقيق في الكتب والرسائل يستأثر بما نسبته 56% من جملة الأعمال ، على حين تمثل الدراسات ما يقارب 44%.

3– أن علم رواية الحديث يستأثـر بمعظم الأعمال ؛ إذ يرصد فيه 696 مؤلفاً بنسبة 68% من إجمالي الأعمال، على حين يختص علم الدراية ب 321 مؤلفاً بنسبة تقترب من 32%

4– أن التحقيق يتفوق في العدد على الدراسة في مجال الكتب المنشورة بفارق قليل؛ إذ يمثل ما يزيد قليلاً عن 51% من جملة الكتب، على حين تمثل الدراسات النسبة المتبقية.

  أما الرسائل فيبدو فيها الفرق كبيراً بين المؤلفات المحققة وتلك التي تعتمد على الدراسة؛ إذ تشكل المؤلفات المحققة ما نسبته 73% من الرسائل ، على حين يهبط عدد الدراسات إلى ما يقارب 27%.

5– في داخل الفرعين الرئيسين (علم الرواية وعلم الدراية) نلاحظ ما يأتي:

أ – أن التحقيق في علم الرواية يفوق الدراسات بفارق قليل في الكتب المنشورة؛ إذ يمثل نسبة تقارب 54% ، وتمثل الدراسات 46% ، على حين نجد الاتجاه نحو التحقيق في الدراسات العليا يبرز بنسبة كبيرة جداً ؛ إذ يمثل 88% من الرسائل العلمية في علم الرواية، والباقي يمثل الدراسات.

ب – أما علم الدراية فيمثل التحقيق فيها 45% من المؤلفات المنشورة ، على حين تمثل الدراسات ما يقارب 55%، ونجد الوضع قريباً من ذلك في حقل الدراسات العليا؛ إذ يمثل التحقيق ما يمثل 43% ، على حين تمثل الدراسات نسبة تقارب 57%.

 

1– عـلم الـروايــة:

لقد شملت الحركة العلمية حول الحديث الشريف في المملكة نشر كتب للأئمة الستة مع صحيحي ابن حبان وابن خزيمة، وأعداد من الجوامع، والمسانيد، والسنن، وكتب بعض أئمة الفقه الأربعة، والمستدركات، وكتب الفهارس، والمعاجم، والمنتخبات، والمختارات والمستخرجات، كما شملت الحركة الكتب المتعلقة بتخريج الأحاديث النبوية في تصنيفاتها المختلفة، وبعض الأجزاء، والفوائد والأمالي، ومجموعات معينة من الأحاديث كالأربعين النووية التي استأثرت بالنشر والشرح بشكل ملحوظ، كما شملت حركة التحقيق مجموعات من المؤلفات تختص ببعض شروح أحاديث معينة، ومؤلفات تتعلق بأنواع الأحاديث كالأحاديث العالية والمدرجة والموقوفة والناسخة والمنسوخة والموضوعة والأحاديث القدسية.

وإذا أردنا تحليل المعلومــــات الــــواردة في "دليل مؤلفات الحديث الشريف المطبوعـــــة" لمعرفــــة أكثر الموضوعـــات نشــــراً في المملكة فإننا نجد أن الجوامع الموضوعية التي تضم أحاديث مختصة بموضوع واحد يمكن أن تكون أبرز هذه الموضوعــــات.

ويبين الجدول الآتي أهم موضوعات هذه الكتب :

 

الموضــــوع

تحقيق

تأليف

المجموع

العقائد

19

4

23

الفقه

33

61

94

الآداب والأخلاق

2

8

10

الأدعية والأذكار

14

35

49

الطب النبوي

1

4

5

التفسير والتاريخ

1

1

2

الجهاد

3

0

3

الفتن

6

12

18

الفضائل والمناقب

7

4

11

المجـــمــــوع

86

129

215

 

أعداد الكتب المنشورة في الجوامع الموضوعية

 

وقد أنتجت الحركة عدداً ملحوظاً من كتب المسانيد المشتملة على مرويات الصحابة " كتهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار" لأبي جعفر الطبري (ت310هـ)، وهو يشتمل على مسند عمر بن الخطاب ومسند علي بن أبي طالب ومسند عبدالله بن عباس رضي الله عنه؛ وقد نشر مرتين بتحقيقين ؛ أحدهما بعناية محمود محمد شاكر سنة 1403هـ، والثاني بتحقيق ناصر بن سعد الرشيد وعبدالقيوم عبد رب النبي 1402 – 1404هـ(155)، ومسند أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – لجلال الدين السيوطي (ت911هـ) بتحقيق عبدالله الصديق العماري(156)، ومسنــــد أسامة بن زيــــد – رضي الله عنه – بتحقيق حسن بن أمين بن المندوة سنة 1409هـ(157)، ومسند أم المؤمنين عائشة من كتاب مسند ابن راهويه (ت238هـ)(158)، وحظيت مسانيد الطيالسي وأبي يعلى والبزار وكذلك مرويات الصحابة في مسند الإمام أحمد بن حنبل بعناية خاصة من الباحثين وطلاب الدراسات العليا(159)، ونشرت ستة أعمال تخص مسند الإمام أحمد، ويعد هذا المسند أكثر كتب أئمة الفقه الأربعة رواجاً سواء في الكتب المنشورة أو في أعمال طلاب الدراسات العليا(160).

أما موطــــأ الإمام مالك فيأتي في المرتبة الثانيــــة من حيث العناية به من قبـــل الناشرين(161)، وقد نشر "الموطأ" من قبل دار الإفتاء بالرياض سنة 1404هـ بالاشتراك مع دار النفائس، كما أن "الموطأ" برواية عبدالرحمن بن القاسم (ت 191هـ) وتلخيص محمد القابسي (ت403هـ) قد نشر بتحقيق محمد بن علوي بن عباس المالكي في دار الشروق بجدة، أما أقدم كتاب تناول "الموطأ" نشراً في المملكة فهو كتاب " المسوى من أحاديث الموطأ " لشاه ولي الله الدهلوي ، وقد طبعته المطبعة السلفية بمكة المكرمة سنة 1353هـ .

ولا يسجل الدليـــل كتباً نشــــرت في المملكة أو رسائــــل أعدت تخص آثار الإمام أبي حنيفة في الحديث .

أما الإمام الشافعي فقد حظيت سننه بالنشر مرتين(162).

وقد ظهر اتجاه في حركة الإحياء نحو تحقيق كتب " الأجزاء " ؛ إذ يرصد الدليل لنا 20 عملاً محققاً ، منها " (163):

§       جزء ابن جريح ( ت 150هـ ) بعناية عبدالله بن إبراهيم الرشيد .

§       جزء البطاقة ، لأبي القاسم حمزة بن محمد بن العباس الكناني ( ت357هـ).

§       جزء فيه حديث سفيان بن عيينة ، رواية زكريا المروزي عنه ، تحقيق أحمد بن عبدالرحمن الصويان .

ومن الحقول الخصبة التي شملتها حركة الإحياء حقل تخريج الأحاديث على أنواع مختلفة ؛ فهنالك التخريجات العامة، وقد حقق من كتب التراث القديم مما يتعلق بها ثلاثة كتب ، هي: (164)

§       " رسالة الحافظ البارع البيهقي إلى أبي محمد الجويني " ، تحقيق وتخريج إبراهيم عبدالله الحازمي .

§       " المنار المنيف في الصحيح والضعيف " لابن قيم الجوزية ، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة.

§       " الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث " ، تأليف أحمد بن عبدالكريم العامري الغزي ( ت 1143هـ ) بعناية بكر بن عبدالله أبو زيد .

ومن ذلك تخريج أحاديث كتب معينة مثل " تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب " لابن كثير (ت774هـ)، بتحقيق عبدالغني بن حميد الكبيسي ، وكان أصله رسالة ماجستير أجيزت في جامعة أم القرى سنة 1402هـ ، ونشرته دار حراء سنة 1406هـ ، والغريب أن هذا الكتاب قد حقق بعد ذلك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وأجيز سنة 1406هـ (165).

ومن ذلك كتاب " تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدار قطني " ، لأبي محمد عبدالله بن يحيى الغساني (ت 682هـ) بعناية أشرف بن عبدالمقصود ، ونشرته دار عالم الكتب بالرياض سنة 1411هـ(166).

أما الكتب المعاصرة التي خرّجت أحاديث بعض الكتب المعينة فعددها سبعة كتب، منها:(167)

§       " تخريج أحاديث الروض المربع " ، لمحمد بن صالح العثيمين .

§ " طريـــق الرشد إلى تخريـــج أحاديث بدايـــة ابن رشد " ، لعبداللطيف بن إبراهيم آل عبداللطيف ، نشرته الجامعة الإسلامية سنة 1397هـ .

§       " تخريج أحاديث وآثار كتاب " في ظلال القرآن لسيد قطب " ، لعلوي السقاف.

وفي مجــال الـدراسات العليـــا أجيزت كثير من الرسائل التي تعالج أحاديث كتب معينة (18 رسالة)(168)، وقد انقسمت من حيث التناول قسمين :

1– أن يحقق الدارس كتابـــاً تراثيـــاً يتناول تخريج أحاديث كتــــاب معين مثل كتاب "البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي " لابن  الملقن (ت 804 هـ) ؛ إذ ينحصر العمل في تحقيق الكتاب ودراسته .

2– أن يعمد الدارس إلى كتاب أو موضوع من كتاب ، فيستخرج أحاديثه ويدرسها ويحققها ، كما في الرسائل الآتية :

§       أحاديــــث " الاعتصــــام " للشاطبي ، تحقيــــق وتخريــــج، لعمر بن سليمــان المكحل(169).

§       تخريج الأحاديث والآثار الواردة في كتاب " الأموال " لأبي عبيد القاسم بن سلام ، لعبد الصمد بكر عابد(170).

§ تخريج أحاديث سورة الرعد من تفسير ابن كثير ، لمحمد عبده عبدالرحمن، وقد كان رسالة ماجستير أجيزت من الجامعة الإسلامية سنة 1401هـ، تبعتها رسالة " تخريج ودراسة أحاديث سورة الكهف من تفسير ابن كثير "، وهي رسالة الدكتوراه للباحث نفسه ومن الجامعة ذاتها(171) .

وإلى جانب ذلك نجد التحقيق يقل بشكل ملحوظ في تخريج الأحاديث المفردة مثل تخريج " حديث الأسماء الحسنى " لابن حجر العسقلاني ، حققه مشهور بن حسن بن حجر بن سلمان، ونشرته مكتبة الغرباء بالمدينة المنورة سنة 1413هـ( 172)، و" حديث الستة من التابعين، وذكر طرقه واختلاف وجوهه " للخطيب البغدادي (ت 463هـ)(173)، ولكنه يكثر بشكل ملحوظ في مؤلفات علمائنا المعاصرين (19كتاباً)(174)، ومن أمثلة هذه المؤلفات " تصحيح حديث صلاة التراويح عشرين ركعة " لإسماعيل بن محمد الأنصاري ، و" فتح الغفور بتضعيف حديث السفور " لخالد بن علي العنبري ، ورسالة " كشف اللثام عن حديث غربة الإسلام " لعبدالله بن يوسف الجديع (175).

أما شروح الأحاديث المفردة فقد حظيت بإقبال شديد سواء في تحقيق ما ألفه علماؤنا الأقدمون منها أو في مؤلفات علمائنا المعاصرين ، وبعض شروح هذه الأحاديث من تأليف زين الدين بن رجب الحنبلي (ت 795هـ) مثل كتاب " شرح حديث أبي الدرداء فيمن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً "، وهو من أوائل المطبوعات في العهد السعودي بعد توحيد الجزيرة، فقد طبع بمكة بمراجعة عبدالظاهر محمد أبي السمح سنة 1347هـ في المطبعة السلفية، ومثله كتاب " غاية النفع شرح حديث تمثل المؤمن بخامـــة الــــزرع " لابن رجب ، وقد طبــــع بمطبعة الترقي الماجدية بمكة المكرمة سنة 1347هـ (176).

وبعض هــــذه المؤلفات رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية مثل شرح حديث أبي ذر : " يا عبـــادي، إني حرمت الظلـــم على نفسي " ، وشرح حديث : " إنما الأعمال بالنيات " (177).

أما الدراسات المعاصرة حول بعض الأحاديث المفردة فمثل دراسة حديث : " نَضّر الله امرأ سمع مقالتي " رواية ودراية لعبدالمحسن العباد، ودراسة حديث : "أو ولد صالح يدعو له " لإبراهيم بن عبدالله السنيد (178).

وفي مجال الأحاديث الموضوعة يرصد لنا الدليل ستة مؤلفات من كتب التراث القديم، منها كتاب " تذكرة الموضوعات " لابن القيسراني (ت 507هـ) تعليق محمد مصطفى الحدري، نشرته مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة بمكة المكرمة سنة 1401هـ، وكتاب " أحاديث مختارة من موضوعات الجورقاني وابن الجوزي " تحقيق وتعليق عبدالرحمــــــن بن عبدالجبار الفريــــــوائي ، نشرته مكتبة الدار بالمدينة المنورة سنة 1404هـ(179) .

أما التأليف المعاصر في الأحاديث الموضوعة فلا يتعدى مؤلفين اثنين(180). وكذلك الأمر بالنسبة للتحقيق في مجال الرسائل الجامعية (181).

وقد لقيت فهارس الكتب وكتب ترتيب الأحاديث والأطراف عناية واضحة، فمما حقق منها كتاب "المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي"، حققه سمير أمين الزهيري، وطبع في الرياض سنة 1410هـ (182). أما المؤلفات المعاصرة من الفهارس وكتب ترتيب الأحاديث فقد رصد الدليل منها 30 كتاباً نشرت في المملكة، وتلمع أسماء تخصصت في تحقيق كتب الفهارس أو في وضعهـــا مثل عبدالرحمن دمشقيـــة الذي حقق كتــــاب "ترتيب أحاديث وآثـــار تلخيص الحبير" لابن حجر العسقلاني، ونشرته مكتبة الرشد في الرياض سنة 1407هـ، ولدمشقية من الفهارس التي صنعها ونشرت في المملكة:

ترتيب أحاديث وآثار "سنن الدارمي".

فهارس أحاديث وآثار "كتاب السنة" لأبي بكر عمر بن عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني.

فهارس "شرح معاني الآثار" للطحاوي.

فهارس "مسند أبي عوانة". (183)

إلى جانب فهارس أخرى نشرت له خارج المملكة.

وممن تخصصوا في صنع الفهارس الحديثية من المعاصرين ونشرت أعمالهم في المملكة: علوي السقاف(184)، وأم عبدالله بنت محروس العسلي(185)، وعمر غرامة العمروي(186)، وعدنان عرعور(187)، وغيرهم(188).

2 – علم الدرايـة:

وأخرجت حركة الإحياء في المملكة كتباً تراثية كثيرة في علم الدراية، وهو من أكثر علوم الحديث سعة وتنوعاً، وقد شارك في ذلك المحققون المحليون ودور النشر بالنسبة للكتب المطبوعة، كما أعد طلاب الدراسات العليا رسائلهم في تحقيق هذه الكتب، وإلى جانب ذلك أسهم علماؤنا وباحثونا في التــأليف عن قضايا هــذا العلــم، ويبين الجــدول الآتي موازنة بين ما نشر من كتب التــراث وما ألف في العلم مـن دراســات ، بعضها مطبــوع ، وبعضها ضمــن أعمـــال طــلاب الدراسات العليا:

 

الموضــــوع

الكتب المنشورة

الرسائل العلمية

المجموع

تحقيق

دراسة

مجموع

الكتب

تحقيق

دراسة

مجموع

الرسائل

تاريخ الحديث

2

1

3

0

5

5

8

أصول الحديث ومصطلحه

17

31

48

6

9

15

63

مباحث الحديث العامة

14

50

64

3