على الرغم من تداخل العلوم وتراكم المعرفة
الإنسانية إلا أنه يمكن إرجاع البدايات الأولية لتحليل الخطاب في العصر الحالي إلى
منتصف عقد الستينيات من القرن العشرين. فقد أفردت مجلة الاتصال Communication الفرنسية عام
1964م عدداً خاصاً أسهم فيه عدد من الباحثين الذين وضعوا الأسس الأولية لمشروع تحليل
الخطاب . ومن الموضوعات التي ظهرت في ذلك العدد:
تحليل نقدي جديد لبروب ، تطبيق اللسانيات الحديثة والسيميوطيقا على الأدب،
تحليل الفيلم، مقدمة في السيميولوجي. وبعد عامين صدر عدد آخر من المجلة نفسها أسهم
فيه إلى جانب الباحثين الأوائل أمثال بارت، وميتز، وتودوروف، وبريموند، كل من
جريماس ، وأمبرتو أكو، وجينيت([1]).
أشار فان دايك (Van Dijk) إلى أنه في
المدة نفسها تقريباً كان هناك اهتمام مشابه في الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث
صدر كتاب هايمز Hymes " اللغة في الثقافة والمجتمع " عام
1964م. وعلى الرغـــم من أن مصطلـــحي
" الخطـــاب " و " النـــص " لم يسيطرا على هذا العمل ، إلا
أنه كان هناك توجه إلى موضوع الخطابة والاتصال الذي تطور فيما بعد إلى تحليل خطاب
أثنوجرافيا الكلام . وقد كان للتفاعل بين اللسانيات البنيوية والأنثروبولوجيا أثره
المفيد في توليد الاهتمامات لدراسة استعمالات اللغة والخطاب وأشكال الاتصال . ومما
يدل على هذا التلاحم إسهام عدد من
الباحثين الاجتماعيين والأنثروبولوجيين واللغويين في هذا الاتجاه ، أمثال
مالينوسكي، وبواز، وجرينبرج، وليفي شترواس، وسابير، وفيرث، وغيرهم. وهكذا نشأت
مدرسة علم اجتماع اللغة في شكله الجديد الذي أخذ يركز على السياق الاجتماعي
والثقافي والتاريخي إضافة إلى اهتمامها بالخطاب والفنون اللغوية الأخرى([2]).
يهدف تحليل الخطاب إلى إعطاء وصف صريح
ومنظم للوحدة اللغوية تحت الدراسة. وهناك بعدان لهذا الوصف ؛ هما النص text والسياق
context ،
حيث يتوجه النص لبنيات الخطاب على عدد من مستويات الوصف، على حين يقوم البعد
الســياقي بمهمـة ربــط هــذه البنيــات بعــدد من ســـمات الســـياق وخصـــائصه
الإدراكية والاجتماعية والثقافية .
إن تحليل الخطاب هو عبارة عن تحليل
استعمالات اللغة . فإذا كان هناك نوعان من اللغة ، هما الكلام أو النص التجريدي
الذي لا يقصد به شخصاً أو مكاناً أو فعلاً ، وذلك الذي يقصد به أن يعبر عن نوع من
الاتصال بين طرفين ، ويقصد به تحديد مكان وزمان وأشخاص .. الأول يدرس عادة في مواد
القواعد والنحو وما شابه ذلك ، مثل أن تقول : ضـــرب زيد عمراً .. فأنـــت لا تقصد
في حقيقة الأمر زيداً من الناس ، كما لا تعني أن عملية الضرب قد تمت أمام عينيك ،
أو أن شخصاً من الناس قد أخبرك عن عملية الضرب هذه . فهذا كلام أو نص تجريدي غير
مرتبط بمكان أو زمان أو أشخاص معروفين . أما النوع الثاني من اللغة فهو النص المتجانس
الذي نقصد به مكاناً وزماناً وأشخاصاً .. مثل أن نقول: نشرت صحيفة التايمز: أن
وزير الخارجية البريطاني سيقوم بزيارة لعدد من دول الشرق الأوسط، هذا النوع هو ما
نسميه خطاباً discourse ؛ لأننا حددنا اسم الصحيفة (التايمز)، ومنصب الشخص
(وزير الخارجية البريطاني)، وطبيعة العمل الذي يقوم به (زيارة) ، والمكان الذي
سيتجه إليه (الشرق الأوسط) .
وعموما فإن تحليل الخطاب يتجاوز تحليل
النص ، حيث إن النص عبارة عن تحليل داخلي لا يتجاوز إطار النص ، على حين يتطلب
تحليل الخطاب استرجاع الظروف التي أدت إلى إنتاج النص، وهو ما نسميه بتحليل السياق
. فالسياق هو جزء أساس من عملية تحليل الخطاب .
ولم يكن من السهل وضع تعريف للنص ..
فلا يكفي القول: إنه " وحدة فوق مستوى الجملة " ، أو هو عبارة عن "
سلسلة من الجمل المتتابعة " ؛ لأن ذلك لا يأخذ في الحسبان أن النص في نهاية
الأمر هو حدث اتصالي؛ ولهذا فإن أهم عناصر تعريف النص يجب أن تشير إلى عملية
التجانس والتماسك التي تربط بين كل الجمل التي يتكون منها النص . وكذلك فإن عملية
التجانس cohesive تعتمد
كذلك على موقف المشاركين في الحدث الاتصالي، فهم الذين في نهاية المطاف يحكمون على
كون هذا النص متجانساً أو مفككاً، ومن ثم ليس له معنى أو دلالة([3]).
أما من ناحية الفرق بين النص والخطاب
فيمكن القول إجمالاً: إن هناك وجهات نظر متعددة في هذا الشأن ، فبعض الباحثين يرى أنه لا فروق بينهما، ويتم استعمال
هذين المصطلحين في شكل تبـــادلي، دون أن يوضع تمايـــز بينهما . ولكن يرى آخرون –
وهذا الأرجح – بأن النص هو غير الخطاب . فكلا الحقلين (تحليل النص وتحليل الخطاب)
انبثقا من تطور السنيات الجملة sentence ، ولكن كل منهما تعرض لتيارات وضغوط
مختلفة أدت إلى نوع من التمايز بينهما . ويمكن القول: إن أهم اختلاف بينهما يرتكز
في طبيعة حقل المعرفة الذي يحتضن كلاً منهما ، فنجد أن تحليل الخطاب يتجه إلى
توظيف الرؤية الاجتماعية الشاملة ، على حين يقتصر تحليل النص على مجال
الألسنيــــات. أو كما يذكر كرسKress ([4]) عندما
يكـــون الاهتمـــــام منصباً على مادة اللغة أو شكلها أو بنيتها تكون القضية في
المسألة النصية ، أما عندما يكون محور الاهتمام هو مضمون أو وظيفة أو الدلالة
الاجتماعية للغة فإن القضية تكون – إذن – في مجال الخطاب . وتتمثل العلاقة بينهما
في كون الخطاب يتجسد ويعبر عنه في النص ، على الرغم من بعض الغموض الذي يكتنف بعض
النصوص التي تعبر عن أكثر من خطاب واحد .
وكردة فعل للاتجاه الذي قام بتوظيف
الجملة بوصفها وحدة للتحليل sentence linguistic بدأ الاهتمام بالبنية structure بوصفها
وحدة للتحليل . ولهذا جاءت البنيوية، ثم تحليل الخطاب كامتداد للتطور الأساس لعلم
اللسانيات . وأشار دي بيجراند debeaugrande ([5])
إلى وجود اتجاهين الأول في الأعمال التي قام بها كينيث بايك Pike وزملاؤه ، حيـــث وجدوا أن تحليل
الخطاب هو أساسي جداً في تطور حقل الأنثروبولوجيا في مجال اللغات غير المعروفة (أو
قليلة المعرفة)، حيث يواجه الباحث الميداني مهمة بالغة الصعوبة عندما يحاول تحليل
اللغة دون مساعدة من قواعد أو قواميس نابعة من تلك اللغة . وفي بعض الأحيان يتم
ذلك دون وجود مترجم لهذه اللغة. وتكون الفرصة الوحيدة في تحليل تلك اللغة في
استنتاج طبيعة الكلمات والجمل ومعناها من سياق استعمالها الاجتماعي .. وهكذا فإن
هذا الاتجاه يؤلف بين العوامل اللغوية والعوامل غير اللغوية .
أما الاتجاه الثــــاني فقد نشـــــــأ
من أعمال زيلج هـــارس Zellig Harris في أوائـــل
الخمسينيات ، (وهو الذي وضع اسم هذا الحقل تحليل الخطاب في مقال نشره في مجلة Language بعنوان
تحليل الخطاب) حيث اقترح هارس ([6])
أن يكون هناك توجه في اللسانيات لدراسة توزيع تدفق الكلام وترتيبه من خلال ربط
جزئياته مع بعضها ببعض، وأضاف إلى ذلك اقتراحه بالبحث عن أنماط خطابية باكتشاف
وحدات وبنيات شكلية متساوية بين الجمل التي يتكون منها الخطاب.
وهناك عدد من الدراسات والبحوث التي
حاولت الجمع بين هذين الاتجاهين المتطرفين . ولحظ دي بوجراند أن مدرسة اللسانيات
الأمريكية قد اقتفت أثر التوجه الذي تزعمه هارس على الرغم من أن الخطاب نفسه قد
اختفى من الساحة الأكاديمية نتيجة نظرية تشومسكي([7]) التي
استفادت، ولكنها تجاوزت مفهوم التوليدية transformarion الذي طرحه هارس في بادئ الأمر. وقد هدف
تشومسكي من تحليلاته إلى وصف بنية الجملة، ليس في خطاب واحد، وإنما في كامل اللغة
، ومن ثم إذا أصبح من الممكن وصف كل الجمل الموجودة في اللغة من خلال قواعد
التكوين والتوليد التي اقترحها تشومسكي فيكون من الممكن أيضاً دراسة الجملة
الموجودة داخل خطاب واحد ووصفها . وإذا كانت كل الجمل النحوية في اللغة شواهد
صادقة للنظرية الألسنية يصبح من غير الضروري أخذ عينات طبعية من الخطابات المعاشة
مثلما كان يقوم به البنيويون . وتبعاً لذلك فإن النحويين الجدد بدأوا يختلقون
عينات من الجمل التجريدية أبطالها في العادة جون وميري ، ربما كما هي الحال أيضا
في اللغة العربية مع زيد وعمرو.
واستمرت المدرسة الأمريكية منشغلة
بالجمل التجريدية المختلفة ، على حين رأى باحثون آخرون أنه من الأفضل القيام
بمعايشة فعلية لخطابات حية . وجاء هذا انبثاقاً من المدرسة الأوربية التي اهتمت في
المقابل بدراسة خطابات فعلية، وليس خطابات أو جزءاً من خطابات مختلقة . ومن هنا
بدأ الاهتمام بدراسة خطابات فعلية ، وليس خطابات أو جزء من خطابات مختلقة . ومن
هنا بدأ الاهتمام بتحليل النص الذي شاع في التداول خلال السبعينيات. كما أن العلماء الألمان أضافوا إلى ذلك من
ناحية أخرى اهتمامهم بعمليات القراءة التي حاولوا وصلها بعمليات تحليل النص .
ونتيجة لذلك فإن عملية الفصل بين " اللغة" من ناحية واستعمالات اللغة من
ناحية أخرى هو الأساس الذي بنيت عليه نظريات الخطاب ؛ لأن تحليل الخطاب في نهاية الأمر
هو تحليل في استعمال اللغة . وعلى الرغم من الإجماع الذي قد يحصل على بعض المفاهيم
والبنيات الموجودة في الجملة واللغة عموماً إلا أن الاختلاف حتمي فيما يتعلق
باستعمال هذه الجملة أو أنواع من اللغة التي نسميها خطابات([8]).
لا شك أن الخطاب يشبه مصطلح الإيديولوجيا
المستعمل بكثرة في أدبيات العلوم الاجتماعية. ولكن السؤال الذي نطرحه يتمثل في
الأسباب التي تجعلنا نحن وغيرنا نفضـــــل استعمـــــــال الخطـــــاب على
الإيديولوجيــــا . يشـــير فاوكوoucault ([9]) إلى أن
الإيديولوجيا تعتمد في أساسها على ضرورة التفريق بين المقولات الحقيقية عن العالم
، وهذا ما نطلق عليه " العلم " وبين المقولات الزائفة (المشوشة) ، وهذا
ما نعنيه بالإيديولوجيا . ونجد من الصعوبة بمكان الحكم على المقولات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية بأنها حقيقية أو مزيفة ؛ لأن هذه المقولات غير
قادرة بذاتها أن تقرر بشكل يقيني على مدى مصداقيتها ؛ نظراً لأن هذه الحقائق facts تبنى
بطرق مختلفة. وعلى سبيل المثال فإن اللغة التي نستعملها لوصف هذه الحقائق تتداخل
مع عناصر المقولات لتحديد ما هو حقيقي ، وما هو مزيف .
وقد ذكر فاوكو أن هناك صعوبات تعترض
مفهوم الإيديولوجيا واستعمالها في التحليل الاجتماعي، واستطاعت حركة ما بعد
البنيوية poststructuralism أن تقدم نقداً لمفهوم الإيديولوجيا أفرز اهتماماً
شديداً بموضوع الخطاب بصفته بديلاً وأنموذجاً نظرياً عن الإيديولوجيا([10]).
ويعد فاوكو أحد الرواد الذين تناولوا هذا الاتجاه . وقد حاول أن يوجد أطول مسافة
بينه وبين الماركسية ، حيث تناول إقران الخطاب بموضوع القوة . وأهم ما نلحظه في
مفهوم فاوكو عن القوة هو أنه لم يحملها على المؤسسات مثل الدولة والأفراد والقوى
الاقتصادية ، كما فعلت الماركسية مثلاً – لكنه يراها على أنها شيء يتم يُمارس exercised ولا
يُملك possessed ، فلا نضيفها إلى مؤسسات أو أشخاص أو مصالح ،
ولكنها متضمنة لممارسات تفرزها هذه الجهات ([11]). ويتم
تنظيمنا ومشاركتنا جميعاً في شبكات القوة الاجتماعية ، ومن ثم إدخالنا في جوهر
عملياتها
. ولهذا فإن
فاوكو يرى أن مفهوم حرية الفرد ليس لها أي معنى في إطار شبكات القوة، ونفوذها
الشامل على الأفراد . وقد ارتأى فاوكو([12]) بدل القول
بتعميم أن القوة موجودة في كل مكان – مثلما ينادي بذلك الماركسيون – إلى طرح عدد
من الأسئلة ذات الصبغة الكيفية How ، محاولة كيفية ممارسة القوة من خلال طرق وإستراتيجات
معينة ، وكيفية حدوث التحولات الجوهرية في المجتمع الغربي الحديث ، وكيفية قيام
الفرد بكشف الأبعاد السياسية والاقتصادية للتغيرات في مجالات القوة . ويرى فاوكو
بأن أسئلة من يملك قرارات القوة ومن يمنع من القيام بكذا – أو يلزم بعمل كذا –
كلها يمكن الإجابة عنها فقط بعد أن يجاب عن سؤال كيف تمارس القوة ؟. بمعنى أن سؤال
:" من يمارس القوة"؟ يأتي تالياً لسؤال كيفية ممارستها – الإستراتيجيات
والآليات وشبكات القوة.
ويضرب هول Hall([13])
مثالاً من الشرق الأوسط لتوضيح تداخل اللغة مع الحقائق الاجتماعية التي تعبر عنها
، فالفلسطينيون الذين يقاتلون من أجل استرداد الضفة الغربية – مثلاً– يمكن وصفهم
بأنهم إرهابيون terrorists أو أنهم أبطال
تحرير (مجاهدون) freedom fighters . إن الحقيقة تشير إلى أنهم يقاتلون، أي: أنهم
يقومون بأفعال تتضمن عمليات قتل، ولكن ماذا يعني هذا القتال؟ أو: كيف نصف هذا
النوع من القتال ؟ فالحقيقة نفسها لا يمكن أن تكفي هنا .. فاستعمالنا للغة لوصف
هذه الحقائق يضيف نوعاً من التلوين على هذه الحقائق . إن بعض الأوصاف – حتى ولو
أنها تبدو غير حقيقية – يمكن أن تظهر على أنها حقائق؛ لكون الناس يعتقدون فيها ،
ويؤمنون على أنها تمثل لهم حقائق غير مشكوك فيها. فبغض النظر – كما يقول هول Hall – عن كون الفلسطينيين (أو الفيتناميين
أو غيرهم من الشعوب المكافحة) إرهابيين أم لا ، فإذا كنا نعتقد كذلك ونتصرف من
منطلق هذه المعرفة، فإنهم سيصبحون كذلك إرهابيين ؛ لأننا نتعامل معهم من خلال هذا
التصور .
وفي الفكرة نفسها طرحت ماكدونيل Macdonell
([14]) أمثلة قديمة
من واقع أدبيات القرن الثامن عشر والتاسع عشر عندما كانت الكنيسة الإنجليزية ذات
خصومات مع الكنائس الأخرى، أو مع منظمات معارضة لها. فقد كانت الكلمات التي
تستعملها كل فئة من هذه الفئات المتخاصمة – على الرغم من كونها كلمات واحدة – ذات
مدلولات مختلفة. وعلى سبيل المثال، فإن كلمة الخلاص والإنقاذ salvation لها
معنيان مختلفان عند الكنيسة الإنجليزية وعند خصومها . فترى الكنيسة بأن
"الخلاص" يكون عن طريق اكتساب الحياة الأبدية (الأخروية) بوساطة الإيمان
بالمسيح عيسى بن مريم ، على حين أن الكلمة نفسها عند جماعات أخرى تعني الوصول إلى
الحرية من الأحكام الاستبدادية.
إن محاولة فاوكو لتوظيف مفهوم الخطاب
ومنهجيته جاءت لتحل إشكالية الحقيقي (العلمي) والمزيف (الإيديولوجي) في المقولات
الاجتماعية ، ويتجاوز ذلك ليؤكد أن القيم الاجتماعية التي نحملها تترك أثرها
وفعلها على معرفتنا ومفاهيمنا عن العالم . وكذا فإن معظم مقولاتنا تقع تحت نفوذ
الإيديولوجيا. وما يقوله فاوكو هو أن معرفتنا بقضية أو موضوع أو حالة اجتماعية
معينة تأتي نتيجة تنافس عدد من الخطابات التي ترتبط هي – في الوقت نفسه – بتجاذب
القوة الاجتماعية بين الجماعات المسيطرة . والمحصلة النهائية لهذا الصراع هي التي
تحسم مسألة الحقيقة والمصداقية لهذه المقولات.
وحينما يتغاضى فاوكو عن إشكالية
الحقيقي والمزيف – أو عن السؤال الإيديولوجي – فإنه يطرح " القوة "
موضوعاً رئيساً بديلاً عن جدلية حقيقة الواقع الاجتماعي . ويرى فاوكو بشكل خاص في
كتابه Power/Knowledge ([15])
أن القوة هي التي تجعل من الأشياء حقائق معاشة . وقال: إن كل مجتمع لديه نظام من
الحقائق وسياسات عامة عن هذه الحقائق ، وهي ما نسميه ونحدده بنوع الخطاب السائد في
المجتمع . ويرى فاوكو بأن بنية الخطاب عبارة عن عدد من الأحكام والقواعد الموروثة
التي تحدد شكل الممارسة الخطابية وجوهرها، وهي التي تقرر طبيعة المعرفة والقوة
والأخلاقيات داخل الخطاب ، وهي التي تتحكم في مضمون الخطاب وتحديد من يتأهل للحديث
باسم الخطاب . كما أن نظرية فاوكو تنادي بمقولة : إن الناس لا يتحملون مسؤولية
تأسيس شروط الخطاب، ولكن تشكيلات الخطاب discoursive formation هي التي تحدد تعريف كل شخص ومكانته في
منظومة العالم الاجتماعي . وهذه المقولة لا تعني – كما يشير إلى ذلك ليتيلجان Littlejohn –
أن الأفراد لا ينتجون خطاباتهم، ولكنهم يؤدون عملاً محدداً لهم، يتمثل في
إنتاج مقولات تصب في إطار ملء فراغ مصنوع لهم سلفاً عند التكوين الأساس للخطاب.
ولهذا فإن فاوكو يتجنب ربط الخطاب بمؤلفين أو كتاب ؛ لأن عملهم لا يتعدى كونهم
ينفذون ما أملاه عليهم الخطاب ، ويحققون وظائفه، وليسوا بأي شكل من الأشكال سوى
أدوات أو أجهزة لتأسيس بناء النص الذي ينتجونه([16]).
إن الكلمات ومعانيها ودلالاتها داخل
اللغة الواحدة تتغير من خطاب إلى خطاب آخر.
وهذا بعكس ما تنادي به البنيوية
السوسيرية، حيث ترى بأن اللغة (إنجليزية كانت أو فرنسية أو صينية أو عربية) عادة
ما تكون متجانسة. وكلنا نتكلم اللغة نفسها التي تخضع لنظام واحد، وهذا الذي يحدد
طبيعة المعاني وأشكال الصوتيات اللغوية المستعملة . والخطاب لا ينفي وجود نظام عام
في اللغة ، ولكنه يرفض فكرة أن يكون في اللغة نظام واحد فقط بل تتعدد الأنظمة
بتعدد الخطابات التي تفرزها تلك اللغة([17]). ومن أهم أساسيات الخطاب هو أن المعاني تتولد من
مبدأ الاختلاف القائم في المجتمع . وكما يقول بيتشو Pecheux([18]) فإن الخطابات
المتعددة توجد معها أنظمة متعددة أيضاً.
وتقوم المؤسسات الاجتماعية بإنتاج عدد
من الأساليب (للتفكير) والطرق (للتعبير عنها) في مجالات معينة في الحياة العامة في
المجتمع ، وذات ارتباط بطبيعة هذه المؤسسات ومكانتها. ويتمثل هذا الإنتاج في عدد
من العبارات والمصطلحات والتصريحات التي تقوم بتعريف المقبول وغير المقبول أو
الممكن والمستحيل اجتماعياً ووصفه وتحديده، على مستوى ماذا يجب أن يقال، وكيف يمكن
أن يقال؟([19]).
ولهذا فإن موضوعات مثل الجنس والسلطة والعلم والأسرة لها خطاباتها الخاصة([20]) ،
ونضيف إلى ذلك أن هناك خطابات في السياسة والثقافة والدين والطب والإعلام والأدب
وغير ذلك من العلوم والاهتمامات الإنسانية . فكل مجال له خطابه الخاص ، الذي يكون
قد نشأ من قربه أو بعده من مؤسسة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، أو ثقافية أو
جاء ردة فعل لها .
الخطاب العربي:
يعد قرار مصطفى أتاتورك بإلغاء الخلافة
العثمانية عام 1908م تاريخاً حاسماً في نهضة مفاهيم الخطاب العربي وتغيرها. فإلغاء
الخلافة الإسلامية التي مكثت في حمى الدولة العثمانية أكثر من أربعة قرون أدى إلى
نشوء فراغ معين في نطاق مضمون الخطاب العربي وتوجهه. وخلال السنوات التي سبقت تولي
جماعة الاتحاد والترقي في تركيا وفي السنوات التي تلتها، عاش العرب حقبة قلق وتخبط
فكري، ونمت تيارات عديدة ساندتها في كثير من الأحيان قوى استعمار غربية، كانت تسعى
إلى تأجيج الخلاف العربي، والإبقاء على حالة الشتات والتمزق الذي كان سائداً مع
مطلع القرن العشرين. وقد تنازعت العالم العربي تيارات كثيرة منها تيار الاستقلال
الذاتي في نطاق الدولة العثمانية ، وتيار رافض للدولة العثمانية، وجعلها لا تملك
مقومات الشرعية، وتيارات قطرية انفصالية عديدة. كما أن الاتفاقيات التي وقعتها
القوى الغربية مثل مؤتمر لندن واتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور كلها وغيرها أدت إلى
الإمعان في التمزق العربي، والمناداة بسيادة الدولة القطرية ضد التيارات الوحدوية
مثل الإسلامية أو القومية العربية أو غيرها من التيارات الفكرية أو السياسية أو
الاجتماعية.
استعرض الدكتور محمد عابد الجابري في
كتابه " الخطاب العربي المعاصر "([21]) مشروعات
النهضة والحداثة العربية خلال قرن مضى، حيث أربعة خطابات رئيسة سيطرت على الفكر
العربي ، وهي الخطاب النهضوي، الذي يُعنى بقضايا النهضة والتجديد الفكري والثقافي؛
والخطاب السياسي، الذي يتركز في الإشكاليات العلمانية الديمقراطية؛ والخطاب
القومي، الذي يتناول قيم الوحدة والاشتراكية العربية وتحرير فلسطين ؛ والخطاب
الفلسفي ، الذي يُعنى بقضايا الأصالة والمعاصرة . وقدم الجابري قـــراءة نقديــــة
لهذه الخطابـــات الأربعة . ووجد أن الخطاب النهضوي منذ مائـــة عـــام لم يستطع
أن يقدم تعريفاً واضحاً لمشروع النهضة أو الطريقة التي يمكن تحقيقها من خلاله .
كما أن الخطاب السياسي راوح في مكانه، وبقي عاجزاً عن الخروج من ثنائيات الدين
والدولة ، الإسلام والعروبة، الأغلبية والأقلية ... أما الخطاب القومي فلم يستطع
بناء نظرية قومية تحقق أحلام الوحدة العربية . وبالنسبة للخطاب الفلسفي فقد أثبت
عجزه في الملائمة بين غير العقلانية الموجودة في التراث الفكر الأوربي الحديث.
وخلص الجابري إلى القول: إن العقل العربي قد فشل في بناء خطاب متسق بشأن أي قضية
من القضايا التي عاشتها الأمة العربية خلال مائة عامٍ التي مضت .
ويصف الدكتور هشام شرابي([22])
وضع المثقفين في العالم العربي خلال العقود الماضية بأنهم جاءوا انعكاساً للتيارات
الغربية المختلفة . فقد كان تيار العلوم الاجتماعية (الأنجلو – أمريكي) هو السائد
في عقد الخمسينيات والستينيات. وقد طغى تيار الماركسية على الثقافة العربية في
نهاية الستينيات وخلال عقد السبعينيات . ومنذ نهاية السبعينيات انبثق التيار
البنيوي وما بعد البنيوي ، الذي أثر على
تطور الحركة النقدية العربية . وعموماً فقد ظهر فشل التيار الفكري الليبرالي
(الأنجلو – أمريكي) أمام الحركة القومية العربية، وعجز المثقفون الليبراليون عن
مواجهة التيار الماركسي على الصعيد النظري . وفي الوقت نفسه أثبت التيار القومي
(مصر) والاشتراكي (الهلال الخصيب) فشلهما في إقامة نظام سياسي يجسد التطلعات
القومية العربية أو الحركة الماركسية الاشتراكية .
وقام الدكتور شرابي([23])
بتحديد خمسة اتجاهات (خطابات) كبرى سائدة في العالم العربي، وهي الماركسية
والفرويدية والبنيوية والتفكيكية والحركة النسوية ، وكلها تشكل – على حد قوله –
خطًا فكريًا متحدًا يحاول زعزعة الخطاب المهيمن ونظامه الفكري والاجتماعي .
ويشير شرابي([24]) إلى أن
التيار النقدي الفلسفي السائد في المغرب العربي يعد تياراً مستقلاً يعمل على تجاوز
الفشل الإيديولوجي الذي عاشه العالم العربي خلال عقود الخمسينيات والستينيات
والسبعينيات، ويركز على النظريات النقدية ، وبشكل خاص على محاولة تشريح (تفكيك)
الخطاب الليبرالي (الاجتماعي العلمي)، والخطاب القومي (البعثي والناصري) والخطاب
الماركسي (اللينيني والمأوي). ويحاول مثقفو المغرب العربي صياغة أطر فكرية جديدة
لإعادة فهم الذات العربية وعلاقتها بالآخر ، وإعادة كتابة التاريخ العربي
والإسلامي بما يثبت شرعية التعددية الفكرية والسياسية.
وفي كتابه " في شرعية الاختلاف
"حاول علي أومليل([25])
أن يؤسس نظرية الاختلاف في التراث العربي والإسلامي، وقام برصد مواقف العلماء المسلمين القدامى
واستخلاصها. وأشار إلى أنه كانت لدى العرب ثلاثة مطالب كبرى قبل عقد الثمانينيات،
تمثلت في مبادئ الوحدة والتحرر والاشتراكية . وعلى الرغم من أن هذه المطالب لم تلغ
أو تنسخها الذاكرة العربية، إلا أن هناك قناعات جديدة بمطالب جديدة . ويرى أومليل
بأن هذه المطالب أخذت تتصدر الخطاب العربي العام، وهي التعددية والديمقراطية وحقوق
الإنسان . وكل مطلب من هذه المطالب يتأسس على مبدأ الحق والاختلاف. ودعا إلى ضرورة
الإيمان بشرعية الاختلاف في الوطن العربي على الرغم مما قد يعتريها من ملابسات
ومشكلات نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أنه يرى بأن التعددية
يجب أن يتم من خلالها عمل الأطراف والهوامش – في الجسد العربي – بتجاوز انعزالها
في سبيل إمكان الوصول إلى توافق مشترك على مشروع مجتمعي واحد ، والذي لن يكون إلا
من خلال وسائل ديمقراطية تقتنع بها جميع الفئات .
وفي دراسة قام بها فادي إسماعيل([26])،
حلل فيها عدداً من الدوريات والمجلات الفكرية (الوحدة ، المستقبل العربي ، الفكر
العربي المعاصر ، الفكر العربي) خلال المدة من 1978م إلى عام 1987م، إضافة إلى عدد
من الكتب التي صدرت خلال المدة نفسها. وحاول الباحث في دراسته، وهي أطروحة ماجستير
بالجامعة الأمريكية في بيروت، كتبها في مدة شهدت صراعاً ثقافيًا وإعلاميًا
وسياسيًا عنيفاً بين التيارات الإسلامية والتيارات العلمانية القومية الليبرالية
واليسارية ، تفحص رؤية الكتاب والمؤلفين ورأى أنه تتجاذبها ثلاثة مفاهيم : التقدم
، والنهضة ، والحداثة . إن الحداثة والتقدم اللذين نقدهما إسماعيل وأعلن رفضه لهما
هما " تقدم التبعية وتحديث القمع والاستبداد والتسلط "، ورأى بأن الخطاب
العربي يرى دائماً وجود غائب، وهو الوجود الغربي ، وعندما يحدث القياس يكون من الآخر، وليس من
الذات العربية المسلمة([27])
.
وأضاف بأن الفكر العربي منذ هزيمة
1967م حتى يومنا هذا لا يزال يُحمِّل الفكر التقليدي والقيم والتقاليد الاجتماعية
مسؤولية التخلف والهزائم . وقد وصف هذا الفكر تلك القوى الاجتماعية بغير العقلانية
وغير التاريخية والظلامية والماضوية ونعتها بأنها معادية للتقدم والحداثة والعصر
والعقل والعلم والحضارة . وقد قبل فادي إسماعيل تحمل التيار الديني بعض المسؤولية
، ولكنه لم يكن في موقع المسؤولية وكان مهمشاً ومبعداً عن اتخاذ القرار([28]) .
وفي دراسة لتيسير مشارقة([29]) قام
خلالها بتحليل الخطاب الإعلامي الفلسطيني منذ بداية انطلاقة العمل العسكري لمنظمة
التحرير الفلسطينية عام 1965م حتى بداية التسعينيات مع مؤتمر مدريد ، وقسم المراحل
الرئيسة التي مر خلالها الخطاب الفلسطيني إلى ثلاث مراحل:
الأولى :
مرحلة العمل العسكري الذي امتد من عام 1965م حتى عام 1974م، وتأسس على ثلاث
إستراتيجيات، هي (أ) تحرير فلسطين ، من خلال (ب) الكفاح المسلح ، وأن يكون ذلك
التحرير (ج) مدخلاً لتحقيق الوحدة العربية . وعلى الرغم من نجاح الخطاب الفلسطيني
في تثبيت مفهوم الهوية الفلسطينية ، إلا أنه عانى خلال هذه المرحلة من تحديد
أهدافه النهائية . فقبل هزيمة الأيام الستة عام 1967م كانت حركة القوميين العرب هي
التي تملي أولويات العمل العسكري والسياسي والإعلامي ، ووضعت مفهوم الوحدة العربية
في مقدمة الأهداف التي يجب أن تسعى لها الأنظمة وحركات التحرير العربية ، التي سينتج
عنها تحرير فلسطين ، ولن يكون ذلك إلا من خلال " قذف إسرائيل في البحر "
بصفته شعاراً سياسياً لتلك المرحلة . أما بعد الهزيمة ، فقد بدأ الخطاب الفلسطيني
يتجه نحو تعزيز مفهوم الهوية الفلسطينية وبلورته، وأخذت شعارات إنشاء دولة
فلسطينية ديمقراطية يتخاوى فيها العرب والمسيحيون واليهود تظهر في مضامين خطاب هذه
المرحلة .
الثانية : مرحلة المزج بين الخطاب السياسي والعسكري ، التي
تمثلت في المرحلة من عام 1974م إلى عام 1982م. حيث قام المجلس الوطني الفلسطيني
بتبني توصيات ذات منعطفات تاريخية في تطور العمل الفلسطيني . ومنها استبدال مفهوم
" رفض الحلول البديلة عن تحرير فلسطين " ومفهوم " تدويل القضية
الفلسطينية " والاتجاه نحو أفكار جديدة مثل أن القرار الدولي 242 غير كافٍ،
ويجب أن تناضل منظمة التحرير الفلسطينية لإقامة سلطة مستقلة على أي جزء من الأرض
الفلسطينية ، من أجل إقامة الدولة الفلسطينية . وفي نهاية هذه المرحلة التي شملت
حصار بيروت ، تحولت مجريات الخطاب إلى مفهــوم " الواقعية والعقلانية "
حيث اندحر الخطاب الثوري الذي ينادي بـ " باللامساومة " ويطالب بالصمود
بأي ثمن، وفُتح مجال المناورات السياسية والصمود ، ولكن بأقل الخسائر الممكنة .
الثالثة : مرحلة تكثيف النشاط السياسي ، الذي امتد من عام
1982م حتى مؤتمر مدريد 1991م. وقد كان أهم ما يميز هذه المرحلة هو بروز خطاب
الانتفاضة بما حمله من مفاهيم ولغة ومصطلحات جديدة ، التي سميت بـ " إعلام
العمل الممكن " أي الإعلام الشعبي عن طريق لجان إعلام وعلاقات عامة واتصالات
شخصية . وتركزت محاور خطاب الانتفاضة في ضرورة مواصلة الانتفاضة الشعبية حتى بناء
الدولة المستقلة ، والاحتفاء بالإنسان الفلسطيني ، وعدم العودة إلى الوراء وأن
النصر قادم . ويلحظ الباحث([30])
أن اندلاع الانتفاضة وتحقيقها لنجاحات إعلامية أدى لأن تتبنى القيادة الوطنية
الموحدة بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية لبعض شعارات الانتفاضة وأساليبها ، ومن
ثم التحرر من الخطاب التقليدي الذي كان مسيطراً على وسائل إعلام المنظمة الرسمية .
وهذا ما انعكس في الاتجاه نحو الخطاب الفلسطيني المعتدل الذي كسب تأييد العالم
وعطفه باعتراف أكثر من مائة دولة بالمنظمة ، وفتح حوار رسمي للولايات المتحدة
الأمريكية معها .
الخطاب الإعلامي العربي :
يظل الهدف الأساس للخطاب الإعلامي هو
إعادة إنتاج الخطاب السياسي ، من خلال إنتاج الرموز والإشارات والعمل على تقنيع الواقع
وتقديمه بصور وأنماط مختلفة لتحويل الآراء والقناعات إلى ممارسات سلوكية تتواءم
وأهداف الفاعل الخطابي([31]) ،
وإذا كان الخطاب السياسي هو الفاعل الأساسي في تحريك الواقع وتحديد معالمه فإن
أهمية الخطاب الإعلامي تكمن في قدرة الأجهزة الإعلامية الثقافية على تمثل الواقع
وإعادة إنتاجه، وفق برمجة محددة وآليات واضحة ، وقد وضعت الدكتورة حميدة سميسم
تعريفاً إجرائيًا للخطاب الإعلامي في كونه : عملية تقنيع الواقع وتصوره وفق إدراك
مسبق كما يجب أن يكون ، ويتم تمثله في نظام من المفاهيم والتصورات والمقترحات
والمقولات ، التي تتميز بمنطق داخلي يحكمها ، هدفه الإقناع والاستجابة السلوكية
بما يقوله ، ويتسم بطقوس معينة ، وله خصائصه وأبعاده الأسطورية([32]) .
هناك عدد من السمات الأساسية التي
يتميز بها الخطاب الإعلامي العربي ، وهي قواعد وأسس يرتكز عليها الخطاب في كليته.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الأسس ليس بالضرورة أن تكون واضحة وصريحة في داخل
الخطاب ، ولكنها قد تبدو أكثر تجليًا عند قراءة الخطاب من الخارج . وقد يكون هناك
اختلاف على درجة توافق انطباق هذه الأسس على كل خطاب عربي ، ولكن الاختلاف قد يكون
في الدرجة، وليس في تغييب هذه الأسس تماماً. وقد حددتُ أربعة أسس ينطلق منها
الخطاب الإعلامي العربي، هي السلطوية ،
والأحادية ، والرسمية ، والاحتفائية([33]).
أولاً
: السلطوية:
وهــذه سمة تختص بهــا كثير من أجهزة
الخطـــاب في العالم النامي بشكل خاص. ولا يعني غياب السلطة في خطابات أخرى في
المجتمعات الغربية ، لكننا معنيون هنا بخطابنا الإعلامي المعاصر . وقد نسأل أولاً
عن السلطة : ما هي وكيف تُمارس ؟ السلطة في العالم العربي موجودة في جميع المؤسسات
الاجتماعية التي تحيط بالفرد وتغمره بخدماتها ، فهي مغروسة في المؤسسات السياسية
والاقتصادية والثقافية ، وهي موجودة في المدرسة والأسرة والمسجد، وفي الكتاب
والصحيفة وأجهزة التلفزة والإذاعة ، وهي موجودة في رجل الأمن والمعلم والأب والأم
والأخ الأكبر والقائد والمسؤول . إنها منتشرة في كل مكان، وتحيط بالفرد العربي في
كل لحظة من لحظات حياته العامة والخاصة. ووجود السلطة بشتى أشكالها ودرجاتها لا
يعني أنها أدوات تكبيلية قمعية مرعبة في كل حالاتها؛ لأن الفرد في أي مجتمع يحتاج
إلى وجود سلطة لحمايته، والدفاع عنه والسهر على راحته .. ودرجة تواجد هذه المؤسسات
السلطوية وكثافة عملها وحجم تدخلها تقل وتزداد باختلاف التنظيمات السياسية والاجتماعية
في كل مجتمع من المجتمعات العربية. فلا يمكن أن ندعي أن هذه المجتمعات متساوية في
سلطوياتها المؤسساتية، بل ما نعلنه هنا أن الاختلافات بين البنى المؤسساتية
المجتمعية العربية هو الذي يوجد مناخاً تعددياً في الخطابات العربية .. وهو ما
يسهم في تعددية الموقف الرسمي العربي تجاه القضايا الإقليمية والدولية . ولا شك
أيضاً أن ممارسة السلطة تختلف من مجتمع إلى آخر ، فقد تمارس من خلال قنوات تنظيمية
شرعية يعرفها المواطن ، ويدرك منفعيته منها ، وقد تكون تعسفية فردية عشوائية قهرية
لجماهير دولة أخرى .
إذن – رغم اختلاف درجة السلطة وحجمها –
فإن الخطاب العربي عادة ما يكون مكبلاً بالسلطة ورهيناً لسطوتها وخاضعاً لسيطرتها
. فالسلطة موجودة في أشخاص الخطاب وموضوعاته وتوجهاته وقيمه، وهي موجودة أيضاً في
تفاصيل الخطاب واختياراته وتوقيته. ولا أحد يستطيع أن ينكر هذا التواجد السلطوي في
الخطاب، والذي يجب أن نوضحه – هنا – أيضاً هو أن درجة هذا التواجد وشموليته
وتفاصيله تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر.
ثانياً
: الأحادية :
ونقصد بذلك أن الخطاب الإعلامي العربي
يقوم بتغييب الآخر واستبعاده. ولهذا فهو خطاب أحادي التوجه والممارسة ، وغير قابل
للثنائيات والتعدد. ويأتي ذلك بشكل طبعي نتيجة تفرد المؤسسات الاجتماعية بسلطة
الخطاب وإشرافها على مجريات أموره وتحديد آلياته وتخطيط تفاصيله . ولهذا فإن
التعددية الوحيدة الموجودة في الخطاب الإعلامي العربي لا تأتي من داخل الخطاب، بل
إنها تكون من وجود خطاب آخر . ولهذا تشكل الاختلافات الخطابية داخل الوطن العربي
مع بعضها بعضاً – وليس بانفرادها – تعددية في الرؤية والاتجاه والممارسة . ويفرز
الخطاب مع مرور الوقت آليات تقوم بفرز كل الأفكار والمحتويات، واستبعاد ما يتنافى
مع روح الخطاب وشكله ومضمونه ، كما يفرز الخطاب كوادر بشرية تعمل على تدعيم الخطاب
وترويجه .
ثالثاً
: الرسمية :
إذا كانت المؤسسات الإعلامية في
المجتمعات الغربية ترى بأنها مؤسسات مستقلة، ولا تقع في دائرة النفوذ الحكومي ، بل
إنها تسعى إلى أن تكون مؤسسات منافسة للمؤسسات الاجتماعية الأخرى مثل الحكومة
والبرلمان والشرطة والكنيسة والأسرة .. فإن الحال في العالم الثالث – والدول
العربية غير مستثناة – هو في كون المؤسسات الإعلامية – التي يفترض أن تقوم بإنتاج
الخطاب السائد وترويجه – تابعة وليست متبوعة للمؤسسات الرسمية . ولهذا عادة ما تقف
مؤسسات الإعلام العربية في حيرة من أمرها أمام بعض الأحداث الجديدة والمواقف
السياسية الطارئة أو معظمها، ريثما تتلقى توجيهاً أو إشارات تستطيع من خلالها
استطلاع الرأي الرسمي للحكومة ، ومن ثم تتصرف إعلامياً طبقاً لهذا الموقف أو هذا
التوجه. ولا يكفي في بعض الأحيان أن تقوم هذه المؤسسات باستنتاج الموقف الرسمي من
خلال الخبرات السالفة والمواقف السابقة ، بل إنها تحتاج أحياناً إلى "
المراوحة " الإعلامية في انتظار إعلان الموقف الرسمي ، حتى ولو اضطرت الوسيلة
– صحيفة أو إذاعة أو تلفزة – إلى إغفال الحدث وتجاهل أهميته لمدة زمنية تؤثر على
علاقة المؤسسة الإعلامية بمتلقيها ، مما يعكس فقدان الثقة مع الوسيلة الإعلامية .
ونقصد بالرسمية في هذا المقام أن تكون
المؤسسة الإعلامية – إذاعة أو تلفزة أو صحيفة – حكومية أو شبه حكومية أو تحت تأثير
الحكومة ونفوذها. وانطلاقاً من هذه الرسميــة التي تطغى على الوسيلة ، فإن حالة
الانفكاك بين وحدتي الإعلام الرئيستين – الخبر والرأي – تزداد صعوبة وتعقيداً .
وعلى الرغم من أن فك ارتباط الخبر من الرأي قد يساعد الوسيلة على الوفاء ببعض
التزاماتها الإعلامية بالتحرر من قيود انتظار الرأي الرسمي ، ومن ثم يهئ لها
المبادرة في الإعلان عن الحدث ، ويعفيها من انتظار تحديد الموقف الرسمي.
رابعاً
: القدسية :
يحيط بكل خطاب عربي هالة ربما لا تكون
متوافرة بشأن خطابات أخرى غير عربية . ولا نقصد هنا بالضرورة القداسة الدينية ،
ولكن قداسة الهدف الذي يتضمنه أو يزعمه الخطاب ، أياً كان موضوعه. وتتمثل القداسة في
مكانة الخطاب ووضعه ومرتبته الاجتماعية، حيث يحتل الخطاب موقعاً فوقياً، ومنزلة
عالية في بنية القوة الاجتماعية، يكون هو المصدر الذي يعين الأشخاص ، ويمنحهم
الصفة الاجتماعية التي تؤهلهم في الخوض في موضوعات الخطاب ، ويعطيهم التعريف
الاجتماعي الذي يحدد دوائر المسؤولية وهوامش الحريات. كما أن الهالة التي يحاط بها
الخطاب توجد الحواجز التي تعيق عمليات اختراق هذا الخطاب من أشخاص آخرين، أو عن
طريق موضوعات جديدة مغايرة. وكما أشار الدكتور تركي الحمد([34]) إلى أن
الطبيعة البشرية تتجه إلى إضفاء هذا النوع من الاهتمام الخاص على الكلمات
والمفاهيم والمصطلحات، وإعطائها بعداً ثابتاً.
فرضية الدراســـة:
تهدف هذه الدراسة إلى تحديد ملامح
الخطاب الإعلامي السعودي وتحولاته خلال العقود الماضية منذ تأسيس المملكة العربية
السعودية حتى الوقت الراهن. وتتحقق النظرة
إلى مكونات الخطاب، وتحليل أبعاده المختلفة من خلال الاعتماد على المصادر الرئيسة
الآتيـــة:
(1) الأحداث الكبرى:
السياسية والاجتماعية والثقافية داخل المملكة وخارجها في العالم والوطن العربي.
(2) الفضاءات
الاجتماعية: وهي تلك المحيطة بأجهزة الإعلام وتكوينات الخطاب السعودي إجمالاً من
قوة دفع وتحريك منطلقها عوامل سياسية واقتصادية وتعليمية وثقافية ومجتمعية
وتاريخية وتراثية.
(3) الإعلام السعودي: بما ينتجه من مفردات وقيم ومعارف وسلوكيات
من خلال مختلف أنواع المادة الإعلامية التي يوجهها إلى المتلقي ، ويكون نتاج المؤسسات
الإعلامية مرهوناً بالفضاء الاجتماعي الذي تعيش في كنفه هذه الوسائل.
إن الأحداث الكبرى مصدر رئيس لتكوين
الخطابات وصناعة الأحداث الصغرى، وتحديد معالم الخارطة التفصيلية للحياة
الاجتماعية، بما فيها من مسائل وهموم وقضايا في السياسة والاقتصاد والمجتمع والتراث
والمعارف والثقافة وغيرها من منظومة الأجهزة الاجتماعية، تعمل على وضع المنعطفات
الكبرى والتحولات النوعية والاتجاهات الجديدة في المجتمع. وتتأثر تبعاً لذلك
المؤسسات الاجتماعية بما تضعه من قيم وممارسات وتصنعه من مواقف وأحداث، وتحتاج هذه
المؤسسات إلى قنوات تنقل من خلالها الفكر والقيم والممارسات والأنظمة والقواعد
العامة والسلوكيات الوطنية إلى المواطن والمجتمع والناس والشعوب الأخرى. ووسائل الإعلام تؤدي عملها الاجتماعي والتاريخي
من خلال عمليات إعادة إنتاج الخطابات الأخرى في المجتمع، وبالتحديد الخطاب السياسي
الذي عادة ما يكون هو الأقوى والأكثر نفوذاً في المجتمع ، وهو المعني بدرجة رئيسة
بتسيير الحياة ودفعها إلى الاتجاهات المقبولة والمحددة سلفاً.
وانطلاقاً من المراحل الكبرى التي مرت
بها المملكة العربية السعودية، وتفاعلاً مع الأحداث الكبرى في العالم والوطن العربي
بما في ذلك تلك الأحداث التي شهدتها المملكة، يمكن الاستنتاج أن الإعلام السعودي
قد أفرز أربعة خطابات كبرى خلال القرن العشرين الذي يمثل كذلك مائة سنة منذ تاريخ
دخول الملك عبد العزيز في الرياض وبداية تأسيس الدولة السعودية الثالثة. وهذه الخطابات هي:
أولاً: الخطاب
التوحيدي: تنطلق فكرة هذا الخطاب من الأوضاع التي كانت تعيشها البلاد قبل
توحيدها. وحالما بدأت مسيرة الوحدة تمتد
إلى جميع مناطق المملكة كانت هناك حاجة لأن ينشأ مع التكوينات المؤسسية للإدارة
السعودية خطاب إعلامي/ اجتماعي/ سياسي يتوجه إلى الناس لدعم فكرة الوحدة الوطنية
بشقيها العسكري والسياسي. وقد امتد هذا الخطاب إلى خمسة العقود الأولى من تأسيس
الدولة السعودية.
ثانياً: الخطاب التضامني: بعد أن تأسست المملكة واكتسبت
الشرعية الإقليمية والدولية، أخذت تشق طريقها إلى العالم الخارجي لتؤدي عملها
التاريخي في تعزيز مبدأ الأخوة العربية والإسلامية. وانعكس هذا التوجه في وجود خطاب إعلامي ينادي
بوحدة العالمين العربي والإسلامي وتضامنه، ويمثل حضوره الأساس خلال عقدي
الخمسينيات والستينيات الميلادية.
ثالثاً: الخطاب التنموي: بعد أن أخذ النفط عمله التاريخي
في بناء الحضارة السعودية المعاصرة، بات من المتوقع أن تتعايش المؤسسات الإعلامية
مع الأوضاع الاقتصادية الجديدة للمجتمع السعودي، وخصوصاً خلال العقدين السبعيني
والثمانيني الميلاديين.
رابعاً: الخطاب الشوروي: حققت المملكة العربية السعودية
خلال عقد التسعينيات الميلادية تحولات نوعية في طبيعة العمل الإداري والتنظيمي
والمؤسسي، وما يعكسه ذلك من ملامح جديدة للحياة السياسية للمملكة. ومن خلال هذه الأحداث والرؤية السياسية للقيادة
السعودية بدأت تتولد هناك حاجة لبناء خطاب إعلامي جديد يواكب التحولات الاجتماعية
التي أخذ يعيشها ويتفاعل معها المجتمع السعودي.
منهج الدراســـة:
يقع المنهج العلمي لهذه الدراسة تحت
مظلة المنهج العددي، ويشتمل على دراسة تحليل مضمون، وفق إجراءات تحليل المضمون
وأسلوبه المتبع في الدراسات الكمية. كما
تتضمن الدراسة آفاقاً أخرى يمكن إدراجها تحت اسم التحليل النوعي – الكيفي – للمادة الإعلامية، التي وقعت في دائرة موضوع
الدراسة واختيرت بصفتها شواهد وأمثلة من خارج نطاق الدراسة الكمية لتعزيز النتائج
التي وصلت إليها الدراسة وإضفاء آفاق جديدة في شرح الأرقام والجداول التي عادة ما
تفرزها الدراسات الكمية وتفسيرها. ويعد التحليل الكمي من أبرز سمات تحليل المضمون
حيث يتيح هذا المنهج للباحث استعمال الطرق والأساليب الإحصائية التي تهيئ إلى وجود
تبويب وتصنيف للفئات وجدولة للوحدات وقياسها ، والتعبير عن نتائجها بقيم عددية،
تهدف إلى التحقق من الموضوعية والتقليل من أخطاء التحيز([35]). وقد اعتمد التحليل
الكمي لهذه الدراسة على أسلوب تحليل المضمون المتبع في الدراسات الإعلامية المعنية
بمضامين المادة الإعلامية ، ويعد هذا المنهج تحليل المضمون Content
Analysis من بين أهم الأساليب المستعملة في بحوث
الاتصال والإعلام ودراساتها منذ أن قدم لاسويل (Lasswell) هذا المنهج في
الثلاثينيات الميلادية إلى حقل الإعلام . ويقوم هذا المنهج بالتركيز على محتوى
الرسائل الإعلامية لكون المضمون (الرسالة) هو أحد أهم العناصر الرئيسة في مجمل
عمليات الاتصال ، إضافة إلى عناصر المرسل أو المنتج الإعلامي ، والوسيلة من إذاعة
وتلفاز وصحافة وغيرها ، إلى جانب المتلقي من الجمهور العام الذي يتفاعل مع هذه
المضامين التي أعدها المرسل من خلال الوسائل الإعلامية التي يتعرض لها المتلقي.
لقد عرف برلسون (Berelson)تحليل المضمون على أنه " أسلوب البحث الذي يهدف إلى الوصف الكمي والموضوعي والمنهجي للمحتوى الظاهر في العملية الاتصالية والإعلامية "([36]). ومن خلال هذا التعريف يمكن اشتقاق عناصر عدة يعتمد عليها هذا الأسلوب المنهجي ، وحددها ستمبل (Stempel) في الأسس الآتية([37])