مقدمـــــــة :

عندما يختار هذا المؤتمر، تاريخ استعادة الرياض في عام 1319هـ/ 1902م، بداية لدراساته التاريخية والسياسية، على أساس أن المناسبة تمثل الخطوة الأولى لمسيرة توحيد المملكة واستقرارها ، فإن هذا التاريخ الذي صادف مطلع القرن الميلادي العشرين يعني بالنسبة لموضوع هذا البحث أموراً أخرى مهمة ، تمثل الإرهاصات الأولى لنشأة الإعلام في المملكة.

ففي تلك الحقبة أي : منذ مائة عام بدأ غرب شبه الجزيرة العربية وشرقها يشهدان البدايات الأولى للتعليم ، متمثلاً في المدارس التي أنشأتها الحكومة التركية أو المحسنو، في مكة المكرمة وجدة والأحساء ، بدءاً بالرشدية (التركية) والصولتية والفلاح والفخرية .

وفي تلك الحقبة ظهرت المطابع في الحجاز ، بدءاً بمطبعة الولاية التي جلبت إلى مكة المكرمة عام 1300هـ /1883م، وظلت وحيدة فيها مدة ربع قرنإلى أن ظهرت مطابع بدائية أخرى في المدينة المنورة وجدة في عام 1327هـ/1909م ([1]).

وفي تلك الحقبة كذلك ظهرت أول مطبوعة رسمية في مكة المكرمة ، وهي التقرير الدوري للولاية الحجازية، الذي أصدرت مطبعة الولاية عدده الأول عام 1301هـ/1884م، وصدرت منه خمسة أعداد في أوقات متفاوتة، حتى عام 1309هـ

وفي تلك الحقبة بدأت طباعة الكتب في الحجاز ، حيث ذكر الدكتور محمد الشامخ في كتابه: الصحافة في الحجاز، أن تلك المطبعة أنتجت في أربع سنوات خمسة وأربعين كتاباً بالعربية والملاوية ، من النتاج الفكري لعلماء الحرم الشريف .

وشهدت تلك الحقبة البدايات الأولى للحركة الصحفية في الحجاز ، عندما صدرت صحيفة الحجاز الرسمية حجاز ، في عام 1326هـ /1908م، في أربع صفحات بالعربية والتركية .

وأسست الحكومة التركية في حدود عام 1318هـ/1901م، أول نواة للاتصالات السلكية وغير السلكية، بين المدينة المنورة وإسطنبول، لخدمة الخط الحديدي الحجازي، الذي بدأ تشغيله عام 1326هـ/ 1908م .

ومع أن جل تلك البدايات كانت بدائية ومتواضعة ، إلا أن أي دارس لتاريخ الإعلام في المملكة لا بد أن ينطلق منها ، فهي المقدمات ، التي مهّدت لانطلاق أول صحيفة سعودية في عهد الملك عبد العزيز ، وهي أم القرى ، التي صدر أول أعدادها في مكة المكرمة ، يوم 15 جمادى الأولى عام 1343هـ /12/12/1924م، أي : بعد أسبوع من دخوله مكة المكرمة .

ومن هذا المنطلق فإن الإطار الزمني لهذه الدراسة هو أربعة وخمسون عاماً ، ينتهي بوفاة الملك عبد العزيز – رحمه الله– في 3 ربيع الأول عام 1373هـ /9/11/1953م.

جرت العادة في مثل هذه الدراسة ، أن يستهل الباحث بحثه بخلفيات تاريخية ، عن الظروف الثقافية ، والاجتماعية ، والاقتصادية، والسياسية ، والبيئة المحيطة بالمرحلة التي يتحدث عنها ، والمجتمع الذي تقع فيه الأحداث ، والمجال الذي ينحصر فيه موضوعه ، لكن هذا البحث يختصر تلك المقدمة؛ لأنه يُلقى أمام مجمع ملم بهذه الخلفية ، وفي محفل يخصص أبحاثه لهذه الغاية .

كما لم يتطرق البحث إلى قضية التأليف والنشر ، والمكتبات العامة والتجارية ؛ لأنها أقرب إلى الثقافة من الإعلام ، وكان خير الدين الزركلي ود. يحيى الجنيد وعبدالعزيز الرفاعي وغيرهم قد غطّوا بعض جوانب هذا الموضوع من زاوية اهتمام الملك عبد العزيز بنشر الكتاب وطبعه وتشجيع مؤلفيه ، مما طبع في الداخل أو في مصر والشام ولبنان والمغرب والهند وغيرها.

وباستثناء بحث مماثل في العنوان قدمه حسن عبد الحي قزاز إلى المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبد العزيز، الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في عام 1406هـ ، فإن هذا الموضوع بإطاره الزمني ومفرداته – هو أول بحث من نوعه، ولعله يفتح الباب لأبحاث مماثلة ، تزيده ثراءً وعمقاً ، إذ إن كل عنصر من عناصره، يمكن أن يكون بحثاً منفرداً بذاته، كما يرجى أن تسفر جهود التوثيق الشاملة التي رافقت الذكرى المئوية عن اكتشاف المزيد من المعلومات بشأن هذا الموضوع .

يهدف البحث إذاً إلى تحديد الوسائل الاتصالية أو الإعلامية التي وظفت في عهد الملك عبد العزيز، سواء كانت شخصية أم جماعية أم على نحو بعث الرسائل والمندوبين، وهو – أي البحث – محاولة لتوثيق هذه الوسائل المستعملة في تلك المرحلة ووصفها وتحليل ظروفها .

وجاءت مفردات البحث محصورة في هذه المقدمة، وسبعة محاور رئيسة، هي:

أولاً : نظرة الملك عبد العزيز إلى الإعلام .

ثانياً : غير السلكي والهاتف في بداية عهد الملك عبد العزيز .

ثالثاً   : مراقبة المطبوعات .

رابعاً :   الطباعة والصحافة .

خامساً :  الإذاعة السعودية .

سادساً :  الملك عبد العزيز والإعلام الخارجي .

سابعاً : الخطاب الإعلامي في مراسلات الملك عبد العزيز .

 

 

أولاً : نظرة الملك عبد العزيز إلى الإعلام :

لا يجـــــد المتتبع لما كتب عن الملك عبد العزيز ، ما يشير إلى أنه كان يأبه بالأضواء ، أو أنه كان يهتم بما تنشره عن شخصه وسائل الإعلام الخارجية ، مدحاً كان ذلك أو ضده ، لكن المؤكد أن مستشاريه وسفراءه ورجال ديوانه كانوا يطلعونه عليه، فلقد كان يحيط بكل صغيرة وكبيرة تتعلق بدولته الجديدة، وكان يهتم بمختلف الأحداث الإقليمية والعالمية، التي تدور حوله، وكان يشعر أنه جزء من هذا العالم ، فيقيم حساباته ، ويحدد موقعه في ضوء تلك التطورات.

أما في الداخـــل فكان حاكماً واقعياً عملياً ، رأى في الاتصــــال المباشــــر بالناس – دون حواجز – أمثل أسلوب لمعرفة أحوال شعبه، فاختط لنفسه منهجاً يقوم على الالتقاء اليومي بمن يرغبون في لقائه أو زيارته، وجعل من سياسة الباب المفتوح تقليداً يسير عليه خلفاؤه إلى اليوم ، فكان ذلك النوع من الاتصال أول وسيلة إعلامية فاعلة اعتمد عليها لنقل أفكاره ، والتعريف بأهدافه وتصوراته .

ووجد في الترحال والانتقال داخل بلده ، أفضل طريقة للوقوف على أوضاع أرجائه الواسعة والنفاذ إلى قلوب الناس .

فهو لم يكسب اقتناع شعبه به ومحبته وولاءه من خلال توظيف وسائل الإعلام، ولم يسع يوماً إلى أن تكون الصحافة ثم الإذاعة وسيلة الوصول الأولى والرئيسة إليهم، ولم يعهد عنه حرصٌ على إجراء المقابلات الصحفية الداخلية أو الخارجية([2])، أو على توزيع كتاب إعلامي يحمل تمجيداً لشخصه ، مع أنه شيء لا يضير الملك عبد العزيز لو فعله ، لكون ذلك إحدى وظائف وسائل الإعلام في المجتمع، بل إنه – وقد ظهرت الإذاعة في العالم العربي – لم يسارع إلى تأسيسها للاستفادة منها في هذا التوجه ، وعندما وافق على إنشائها – قبل خمسة أعوام من وفاته – لم يحرص على استغلالها بنفسه، فأوكل أمر افتتاحها وحضور مناسباته – إلى ابنيه سعود وفيصل ، وأوصى باستعمالها بموضوعية في أغراض الدعوة والتثقيف والإرشاد وخدمة الحج والحجاج.

لم تصدر تلك المواقف عن تجاهل أو تعال أو عدم علم بأهمية وسائل الإعلام، التي عرفها ورأى اعتماد غيره من الزعماء المجاورين له عليها، لكن اقتناعاته، وتربيته ، وفلسفته، وطبيعته الشخصية، وطريقته ، جعلته يرسم لنفسه خطاً إعلامياً مختلفاً عن كل ما اختطه غيره من الزعماء الذين سبقوه أو عاصروه .

إن طريقـــة عبد العزيز ، ونظرتـــه إلى الإعلام مدرسـة متميزة المعالم والملامح، ما زالت تستعاد وتتبع إلى اليوم ، والمرجو أن يلتفت الباحثون إلى استكشاف أعماقها وأبعادها ،بقدر يوازي ما يعملونه في التنقيب لاكتشاف مواهبه القيادية الأخرى .

لقد صدر نظامان للمطبوعات في عهده ، أحدهما عام 1347هـ/1929م، والثاني عام 1358هـ /1940م ولا يجد الباحث فيهما ما يشير إلى توجهات فكرية أو سياسية لتمجيد الحاكم ، أو استثمار الصحافة والمطبوعات ، للثناء على إنجازات الحكومة.

وصدر في عهده – رحمه الله – مرسوم بتأسيس الإذاعة ، فجاء – في البلاغة والإيجاز – نموذجاً لفكره وأسلوبه في صياغة التوجيهات، فالمرسوم وإن كان يحدد مسؤولية الإذاعة ، إلا أنه يعبر عن منهج الملك عبد العزيز ونظرته إلى استعمالات الإعلام بشكل عام ، فهو يؤكد على تسخيره في خدمة العقيدة والثقافة الإسلامية ، ويركز على مراعاة الواقع والدقة والموضوعية في التعامل مع الأخبار الداخلية والخارجية، وتلافي المديح أو التعريض اللذين لا محل لهما ، مع ملاحظة التقاليد فيما جرت العادة على السكوت عنه أو نشره ، كما يشدد على تدريب العاملين وتمرينهم.

إن وقفة متأملة ، لتحليل الملامح التي يتسم بها منهج الإعلام السعودي ويسير عليها اليوم ،