عندما
نتحدث عن التعليم في المملكة، أو في منطقة من المناطق نتحدث عن بناء الوطن وبناء
المواطن، بل نتحدث عن الارتقاء بالوطن وتحديثه، والارتقاء بالمواطن وتهذيبه، فليس
من قضية تتصل بالإنسان في كل زمان ومكان أشرف من قضية التعليم.
وقد
تناولتْ قضية التعليم في المملكة دراسات كثيرة ، كما تناولت التعليم في عهد الملك
عبد العزيز دراسات مهمة أفادتني فائدة كبيرة في دراستي للتعليم بالمنطقة الشرقية
في عهد جلالته.
لقد
كان الملك عبد العزيز على وعي تام وثقة كبيرة في أن بناء دولة قوية ، وأمة ناهضة
إنما يبدأ بالتعليم ، ولهذا فقد اهتم اهتماماً كبيراً بنشر المدارس في كل مناطق
المملكة ، ونالت المنطقة الشرقية نصيبها من ذلك الاهتمام.
ولا
شك في أن أشكال التعليم التي سبقت توحيد المملكة من كتاتيب وجمعيات وأربطة كانت لا
تكفي لتلبية حاجة الوطن إلى مواطنين أكفاء ذوي خبرة في شتى مجالات الحياة.
وكانت
بصيرته النافذة تتوقع لهذه المملكة الفتية أن يكون لها دور على مستوى عالمها العربي
والإسلامي ، ولهذا بدأ فيما يمكن أن نطلق عليه إعادة البناء ، الذي ينظم كل مجالات
الحياة وأولها التعليم .
ولهذا
كان تناولي لموضوع التعليم بالمنطقة الشرقية في عهد جلالته محاولة للكشف عن حقبة
مهمة من تاريخنا الحديث... تلك الحقبة التي وحد فيها المجاهد العظيم هذه المملكة ،
وأعاد بناءها على أسس من الدين الحنيف ، وكان التعليم أهم الوسائل لهذا البناء ،
وأهم الغايات منه.
ولاشك
أن موقف الشعراء من الحركة التعليمية كان ذا أثر واضح فيها سواء في دعمها
ومؤازرتها أم في التصدي لها ومناهضتها ، حيث رأى بعضهم أن هذه المدارس تدرس علوماً
غير نافعة ، وأن التعليم لا يجب أن يتجاوز التعليم الديني ، حتى إن شاعراً من
الأحساء طالب الملك عبد العزيز بهدم المدارس وحرق مؤلفاتها.
وقـــــد تصدى المصلح الكبير– الملك عبد العزيز–
لكل المناهضين للتعليم الجديد – بالحجة والإقناع حتى اقتنعوا بأهمية التعليم لبناء
وطن قوي غني ، مثلما أقنعهم بالأخذ بوسائل المدنية الحديثة كالمذياع وغيره .
وها
نحن أولاء نجني ثمار هذا العمل الكبير بعد أن وصلت المملكة إلى أسمى المراتب في
نهضتها التعليمية المباركة مقارنة بأرقى الدول.
وما
هذا البحث إلاّ تحية تقدير واحترام لهذا المجاهد العظيم والمصلح الكبير ، ورائد
النهضة العلمية والعمرانية .
نبذة تاريخية عن حياة الملك عبد العزيز:
مولـــده:
في مدينـــة الريـــاض، وفي ليلــــة
التاســع عشر من شهر ذي الحجة عام 1293هـ / 2 كانون الأول عام 1880م ، وفي قصر الإمارة
، ولد جلالة الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن بن فيصل رحمه الله([1]) .
وكان والده الإمام عبد الرحمن "
رجلاً ممعناً في الزهد ، متعبداً رقيق الحاشية ، وكان مع ذلك ذا روح جهادية وقوية
فعزم على نشر الدعوة في الربوع العربية كلها.
وأخذ على هذا الأساس يهيئ عبد العزيز
لهذه المهمة "([2]) .
وكان الإمام عبدالرحمن ينصح ابنه عبد العزيز قائلاً : " يجب أن تعد نفسك
لحياة تقشف ونضال ... وتركز أفكارك كلها على تحقيق ذلك الهدف ، وعندما تجد نفسك
تائها في دروب الظلمات فتذرع بالصبر إلى أن يمن الله عليك بالفرج " ([3]).
ومن أجل هذه الغاية فإن الإمام عبد
الرحمن تعهد ابنه بالعناية والتربية منذ صغره ، فشجعه على طلب العلم ، وتعلم أصول
القراءة والكتابة ، وحفظ القرآن ، وتعلم الفقه والتوحيد([4]).
إلى جانب العلوم النظرية التي تعلمها
الملك عبد العزيز في صغره ، فقد كان " يمارس رياضات متعددة : منها الفروسية
والرماية ، فأكسبه ذلك أن نشأ قوي البنية ، شديد المراس ، عظيم الصبر والتحمل على
المشاق والشدائد ، شجاعًا مقداما "([5]) .
وكان لهذه التربية أثر كبير على حياته
: فقد شب قوياً كالأسد ، ذا شخصية قوية آسرة ، حملت هموم أسرته ، ثم حملت– بعد
ذلك– هموم الأمة الإسلامية كلها .
انتقاله إلى الكويت:
في المدة التي ولد فيها الملك عبد
العزيز كانت الصراعات على أشدها في الجزيرة العربية ، فالأتراك يتآمرون على
الجزيرة العربية من جهة ، وبعض أفراد الأسرة يتنازعون الأمر من جهة أخرى ، ولماّ
رأى الإمام عبدالرحمن اشتداد الأمر عليه قرر ترك الرياض والتوجه إلى الكويت ،
" وهيأ لهذه الغاية عدداً من الجمال وحوالي عشرين شخصاً من الأنصار الأوفياء
، ثم حزم أمتعته ، وودع أصدقاءه . وغادرت القافلة الرياض، وفي المقدمة جمل يقل
الفتى عبد العزيز وشقيقه محمداً، فتسترت بالظلام، متسللة إلى ما وراء خطوط العدو
"([6]).
وعندما وصل الإمام عبد الرحمن إلى
الأحساء عرض عليه العثمانيون أن يجعلوه واليًا على نجد وغيرها شرط أن يخضع
لسلطانهم ، غير أنه رفض هذا العرض ، وغادر الأحساء متوجهًا إلى الكويت .
وصل الإمام وأبنائه إلى الكويت سنة
1310هـ / 1892م ، وكانوا في ضيافة أميرها مبارك الصباح .
وفي الكويت بدأ الملك عبد العزيز يعدُّ
العدة لاسترداد ملك آبائه وأجداده ، فحرص على معرفة ما يدور حوله من أحداث سياسية
، فأخذ " يحضر الاجتماعات التي كان يعقدها مبارك الصباح مع مندوبي الدول
الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا والدولة العثمانية ، والاستماع إلى ما
يجري فيها من أحاديث حول مستقبل المنطقة ، وما تخططه تلك الدول في سبيل الحفاظ على
مصالحها في المنطقة العربية . فكانت هذه اللقاءات فرصة لعبدالعزيز عرف من خلالها
نوايا تلك الدول الكبرى التوسعية في المنطقة لخدمة مصالحها . وقد طبعت في ذهنه
صورة جديدة للمستقبل وزادت من طموحاته وتطلعاته لإنقاذ شبه الجزيرة العربية من
المصير المشؤوم الذي تعده تلك الدول الكبرى لها "([7]) .
وتأكد لعبدالعزيز أن عليه أن يعمل بكل
جد وسط تلك التيارات المتصارعة ليخرج من بينها منتصرًا، وقد حقق آماله وطموحاته،
وأعاد للجزيرة العربية وحدتها واستقلالها .
استعادة الرياض :
لم يعد عبد العزيز يطيق الانتظار في
الكويت فتاريخ آبائه الناصع ، والأحاديث التي كان يسمعها عنهم كانت " ناراً
تحترق في عروقه وفي صدره، وتدفعه للعمل لاستخلاص الرياض مرة أخرى ممن غلب عليها ،
وبعث هذا الملك الذي اندرس، ملك آل سعود في طول الجزيرة وعرضها"([8]).
خرج عبد العزيز من الكويت ، وكان قد
ناهز الحادية والعشرين من عمره ، وكان معه أربعون رجلاً كلهم أرتضى الموت في سبيل
الغاية النبيلة التي خرجوا من أجلها .
وكان خروجهم في سنة 1319هـ / 1901م في
رحلة تعد الأغرب من نوعها في التاريخ الحديث .
بدأت هذه السرية التي يقودها عبد
العزيز رحلة شاقة في طريقها إلى الرياض ، ومرت بهم مصاعب جمة ، فقد كان قائدهم
يخشى من انتشار الخبر إلى أعدائه ، فلما وصل إلى الربع الخالي أقام خمسين يوماً
متخفياً مع رفاقه .
وكانت هذه الأيام الخمسون أقسى الأيام
على رجاله وأشدها ، فلا غذاء سوى التمر الذي يوزع عليهم بكميات ضئيلة في كل يوم ،
وإن ساق لهم الحظ غزالاً أو أرنباً يقتنصونه فهم يأكلون لحمه نيئاً لا يضرمون
ناراً تلفت إلى وجودهم الأنظار .
والماء شحيح ، فلا يصلون إلى الآبار
إلاّ بحذر وحيطة للارتواء ، ثم يعودون
مثلما جاءوا بحذر شديد يخفون كل أثر من
آثارهم([9]).
ويصف الملك عبد العزيز هــــذه الأيام
العصيبة التي مر بها مع رجاله فيقول عنها : " إنها كانت أسوأ حقبة في حياتي ،
فقد التحق بي أولئك الرجال ليقاتلوا . وكانت الحرب بالنسبة لهم صناعة ولهوا ، فلم
يدركوا الحكمة في أن أفرض عليهم العزلة والنفي
ورأوا في انسحابنا إلى الصحراء عملاً عقيماً ... لقد علمتني المتاعب التي
واجهتها في تلك الفترة أن حمل الرجال على الحرمان ونكران الذات أشد صعوبة من دفعهم
إلى ركوب الأخطار " ([10]).
وفي العشرين من رمضان أصدر الملك عبد
العزيز تعليماته إلى رجاله بوجوب التحرك نحو الرياض لإنهاء مهمتهم التي خرجوا من
أجلها ووصل الجميع ضواحي الرياض، في الرابع من شوال سنة 1319هـ ، وكان الملك عبد
العزيز قد وضع خطة محكمة لفتح الرياض وأبلغ رجاله بها ، وطلب منهم التقيد بها مهما
كانت الأحوال .
تقدم الملك عبد العزيز ومعه عدد قليل
من رجاله نحو أسوار الرياض، وكان معه أخوه محمد وابن عمه عبدالله بن جلوي ، وكانت
مهمتهم اقتحام قصر الإمارة ، وتخليصه من الأعداء .
واستطاع الملك عبد العزيز– بتوفيق الله
وكرمه– أن ينفذ خطته كما أراد لها ، فقتل حاكم الرياض عجلان واستولى على الحصن ،
وأعلن أحد رجاله على الملأ : أن الحكم لله ثم لعبد العزيز . وعندما سمع أهل الرياض
هذا النبأ أسرعوا يبايعون عبدالعزيز ، ويرحبون به وفي ظهر ذلك اليوم الخامس من
شوال سنة 1319هـ/1902م أصبح عبد العزيز
سيد الرياض ، والحاكم الفعلي لها([11]).
ومن الرياض انطلق عبد العزيز يوحد
الجزيرة العربية ، متعرضاً لكل ألوان المتاعب والأخطار حتى استطاع بفضل الله – سبحانه – وتوفيقه أن
يوحد هذه الجزيرة تحت اسم " المملكــة العربيــة السعودية " ، وذلك ابتداء
من 21 جمادى الأولى عام 1351هـ / 23سبتمبر عام 1932م الموافق اليوم الأول من برج
الميزان من عام 1311هجرية شمسية . وهذا اليوم هو الذي تحتفل فيه المملكة بيومها
الوطني في كل عام .([12])
ضم الأحساء :
في أواخر العهد العثماني عمت الفوضى في
الأحساء، وضعفت الإدارة ، وكثر السلب والنهب ، وأصبح الإنسان لا يأمن على نفسه
وأهله وماله .
ونتيجة لهذا الوضع بادر بعض أهل الحل
والعقد في الأحساء بالكتابة للملك عبدالعزيز يطلبون منه القدوم عليهم ، وتخليصهم
ممًا هم فيه ([13]).
وقد تولى مهمة الكتابة للملك عبد العزيز
نيابة عن أهالي الأحساء فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن أحمد الملا مفتى الأحساء
وقاضيها آنذاك ، وكانت تربطه بالملك عبدالعزيز روابط قوية ، وقد وعده بالمؤازرة
والنصر ، وأرسل الخطاب مع أحد الرجال الذين يثق بهم الملك عبد العزيز ، وهو "
عبد الهادي بن قشعة " .
وقد سر الملك بهذا الخطاب ، وبدأ يعد
العدة لذلك .([14])
اتجه الملك عبد العزيز إلى الأحساء على
رأس جيش قوامه تسعمائة رجل ، وقد أظهر أنه يريد شراء الطعام من الأحساء لجيشه الذي
يعده لغزو منطقة أخرى .
كان مسير الملك في شهر ربيع الأول من
سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف " فوصل البلاد ليلة الخامسة من جمادى الأولى
سنة 1331هـ، وأحاطت جنوده بالرقيقة ([15])، وسار هو مع
ثمانمائة رجل من أهل الرياض والخرج واتجهوا إلى الكوت([16]) من الناحية
الغربية ، وتسور السور وتبعه الجند ، وكان حرس السور نائمين ، فاستيقظ رجل من
الحرس وزجرهم فأناموه واتجهوا بعد نزولهم إلى الكوت إلى الباب الشرقي الذي يلي
السوق، وقتلوا من حوله وفتحوه والناس يغطون في نومهم ، ثم أمر من كان معه أن
يصعدوا إلى البرج التي في السور ، وينزلوا من كان فيها من الحرس، ففعلوا ما أمرهم
، ولماّ ملك السور والبرج ولم يبق إلاّ الحصون أمر منادياً ينادي بأعلى صوته :
" إن الملك لله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل "([17]) .
حاولت القوات التركية المقاومة لكنها
لم تستطع أن تفعل شيئاً بسبب الاضطراب الذي حلّ فيها، وقتل بعضهم وأسر آخرون وفر
الباقون ، وقد أمّنهم الملك عبدالعزيز، وساعدهم على مغادرة الأحساء والتوجه إلى
العقير ثم إلى البحرين بعد ذلك ومنها إلى بلادهم ([18]).
استبشرأهل الأحساء عند سماعهم هذا
الخبر ، واتجهوا إلى منزل الشيخ عبداللطيف الملا حيث كان الملك قد اتجه إليه ،
فبايعه الناس على السمع والطاعة وعلى كتاب الله وسنة نبيه e .
وفي اليوم التالي رحلت الحامية التركية
متجهة إلى العقير ، ومنها إلى البحرين ، ولم يعد للأتراك وجود في منطقة الأحساء .
بعد ذلك اتجه جلالة الملك عبد العزيز
للقطيف، فانتدب لهذه المهمة أحد رجاله وهو " عبدالرحمن بن سويلم "
فاستطاع دخول المدينة دون قتال حيث رحب به الأهالي وأعانوه على طرد الأتراك
المتواجدين في المدينة([19]) .
أنواع التعليم بالأحساء عند
توحيد المملكة :
يتمثل التعليم في الأحساء عند توحيد
المملكة في الكتاتيب ، ومدارس الوعظ ، والأربطة العلمية ، والمساجد ، والمجالس
الخاصة .
أولاً : الكتاتيب:
أ– كتاتيب تعليم البنين:
وتنقسم إلى:
1-
كتاتيب خاصة بتدريس القرآن
الكريم وحفظه وتجويده .
2-
كتاتيب يقوم فيها المطوع بتدريس
القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة .
3-
كتاتيب خاصة بتدريس الحساب
والقراءة ومبادئ الحسابات التجارية .
وكان بالأحساء ما يزيد عن ثلاثين
كتاباً من تلك الكتاتيب، وكان الذي يقوم بالتدريس في الكتاب شخص واحد يطلق عليه
" مطوع " أو " مُلاّ "، والأخير لقب عثماني.
ولم يكن في الكتاتيب مستويات دراسية
يتدرج فيها الدارس، كما أن المطوع لم يكن مؤهلاً– في الغالب– للوصول بالدارس
لمستويات عالية في الدراسة ، اللهم إلاّ بالقليل منهم .
والكُتَّاب كما نعلم لا يتجاوز غرفة أو
ساحة واحدة– يجتمع فيها الدارسون على مختلف الأعمار والمستويات ، الأمر الذي جعل
مهمته غاية في الصعوبة ، وجعل نجاحه في مهمته صعبًا أيضاً .([20])
وكثيراً ما كان يستعين بالعقاب البدني،
وأدواته العصا .
ب–
كتاتيب تعليم البنات :
قامت كتاتيب عدة للبنات بالأحساء
والمبرز، وصل عددها ثلاثة عشر كُتَّابًا، وكانت البنات يحفظن القرآن وبعض مبادئ
القراءة والكتابة .
ثانياً: مدارس الوعظ والإرشاد :
كانت هذه المدارس عبارة عن أبنية يشيدها
أحد الولاة أو الأعيان أو الأثرياء، ويوقف عليها وقفاً ، وَيُدَرَّس فيها :
التفسير والحديث والفقه .
وكان يقرأ الدارس كتاباً من كتب الفقه
أو الحديث أو التفسير . وأشهر هذه المدارس:
1- مدارس حي الكوت ، وعددها ثماني مدارس أنشئت أولها عام 1019هـ
.
2- مدارس محلة النعاثل ، وعددها ثلاث .
3- مدارس حي الرفعة ، وعددها أربع .
4- مدارس الصالحية ، وبها مدرسة واحدة .
5- مدارس المبرز ، وعددها اثنتان .
6- مدارس القطيف .
ثالثاً: الأربطة العلمية:
وهي أماكن أنشأها أثرياء المنطقة ،
بحيث يتوافر السكن والمأكل والتعليم لطلاب العلم من الفقراء والأجانب ، ويطلق على
الواحد منها " الرباط " .
رابعاً: المساجد:
وكانت الدراسة بها تقتصر على العلوم
الدينية ، وقد تخرج منها عدد من العلماء الذين تولوا القضاء والإمامة والوعظ
والإرشاد .
خامساً: المجالس الخاصة:
واقتصرت على النخبة من المتعلمين
والشعراء حيث يتداولون المساجلات الشعرية، والمراجعات الأدبية والدينية ، وكانت
ذات أثر في إبراز أهمية التعليم والثقافة .
تقويم حالة التعليم بالأحساء
عند توحيد المملكة:
لم يكن التعليم إلزامياً ، وكثيراً ما
كانت الظروف الاقتصادية تمنع أولياء الأمور من إرسال أبنائهم إلى الكتاتيب وغيرها
.
كما لم يكن التعليم ذا مستويات محددة
ينتقل الدارس خلالها من مستوى إلى مستوى أعلى .
وقد اقتصر التعليم في الأعم الأغلب على
العلوم الشرعية ومبادئ القراءة والكتابة والحساب الوظيفي الذي يساعد على تسيير بعض
الشؤون التي تحتاج إلى حساب .
ولم تظهر مدارس نظامية إلاّ مدرسة
عثمانية أنشئت سنة 1326هـ / 1908م ، وكان مدرسوها من الأتراك، وكانوا يلقون دروسهم
باللغة التركية حتى قواعد اللغة العربية ([21]).
التعليم في عهد الملك عبد
العزيز :
كان الملك عبد العزيز يدرك أهمية
التعليم ، ودوره في تقدم الأمة ورقيها ، والذي
" يسترعي انتباه الباحث في تاريخ تلك الحقبة أن الملك عبد العزيز – رحمه الله – كان يخوض إلى
جانب معارك توحيد البلاد سياسياً وعسكرياً، معركة أخرى لا تقل أهمية ، وهي معركة
نشر العلم والثقافة والفكر ، ويتجلى ذلك في نشر كتب مختارة من التراث الإسلامي،
ومن مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب وعلماء الدعوة ، وكان الملك عبد العزيز– رحمه
الله– يهدف من وراء هذا العمل تصحيح بعض المفاهيم السائدة ، وإذاعة علوم السلف
الصحيحة، وخاصة كتب المذهب الحنبلي الذي هو موصول بالدعوة السلفية " ([22]).
وقد أحصى خير الدين الزركلي الكتب التي
تكفل جلالته بطبعها وأمر بتوزيعها فوجدها مائة كتاب تقريباً ([23]).
وكان رحمه الله " محدثاً طلق
الحديث يرسل أحاديثه على السجية بغير كلفة، ويعرب عن رأيه الصريح بغير مداراة ،
فكان يحث على الاقتداء بالأوربيين في الأمور النافعة والعلوم الحديثة وفي المجال
السياسي أيضا... وتدور أحاديث جلالته على الذكريات التاريخية، والمواعظ الدينية،
والتعقيب على الحوادث الهامة والمسائل العالمية، ويستشهد بالآيات القرآنية في
مواضعها ، ويروي الأحاديث النبوية في مناسباتها ، وقد يروي الأبيات من الشعر ،
ويسوق العبر من النوادر والأمثال "([24]).
وكان ذا عقلية فذة جعلته يولي التعليم
" أهمية قصوى خاصة بعد أن بدأ في توطين البادية في الهجر، ولم يكن الأمر
سهلاً ، بل كان في غاية الصعوبة ليس فقط من حيث الحصول على المعلمين وتوفير المنهج
التعليمي الصحيح ومكان الدراسة ولكن– وهذا هو المهم– من حيث إيجاد الرغبة لدى سكان
ألفوا حياة البادية للإقبال على الدراسة ، لقد كان للقبيلة حياة خاصة، لها
مضامينها الاجتماعية، ومنهجها، والمواصفات الطبقية لبروز أعضائها لم يكن التعليم
من بينها "([25]) .
وعلى الرغم من هذه الصعوبات ، فقد أصر
الملك عبد العزيز على تحدي كل المعوقات والقضاء عليها… إن التحدي الحقيقي يكمن في جعل سكان البادية يقتنعون بجدوى
التعليم ومن ثم يقبلون عليه.
وفكر الملك عبد العزيز في هذه المسألة
كثيراً حتى توصل إلى فكرة ربط البادية بالأرض ليستقروا أولاً ثم يتعلموا بعد ذلك ،
كان– رحمه الله– يقول : " أما وإن القبائل البدوية هي سلسلة الدولة الفقرية
وعمادها وسندها ، فلا مناص من ربطها بالأرض ربطاً محكماً ، وتحكيم صلاتها بها ،
ولا مناص من إرغام هؤلاء البدو على قبول التعليم " ([26]).
وقد سعى الملك عبد العزيز إلى تشجيع
رؤساء القبائل للحضور إلى الرياض والتعلم في مسجدها الكبير ليعودوا بعدها دعاة علم
بين أقوامهم ([27]).
وقد تحدث الأستاذ " حافظ وهبة
" وهو أول من أسند إليه القيام على برامج التعليم المنظم في المملكة ، تحدث
عن الصعوبات التي واجهت التعليم عند بدايته ، وعن تطوره بعد ذلك ، فقال : "
لم تكن توجد في البلاد مدارس تذكر في زمن الأتراك ، وما وجد منها كان ابتدائياً
قليل النفع ، ففي إقليم الأحساء لم يؤسس بعد إعلان الدستور العثماني إلاّ مدرسة
صغيرة واحدة ، ولم يكن الوضع في الحجاز أحسن بكثير ، فلما أتى الملك عبد العزيز
عمل على نشر العلوم والمعارف ، وفتح المدارس ، وأنشأ المعاهد العلمية غير عابئ بما
لقيه في هذا المضمار من معارضة شديدة وصعوبات جمة " ([28]).
لقد صمم جلالته على وضع الخطوات
السليمة في سبيل إيجاد تعليم يخدم أمته وبلاده لقد بذر جلالته " نواة التعليم
، فإذا التعليم اليوم سبع جامعات عملاقة ، ورئاسة عامة وكبيرة لتعليم البنات ،
وعشرات الكليات والمعاهد ، وألوف المدارس ، وملايين من الطلاب والطالبات "([29]).
التعليم شبه النظامي في
الأحساء:
بدأ التعليم شبه النظامي في الأحساء
سنة 1343هـ / 1925م على يد الشيخ حمد النعيم ، الذي بدأ بتأسيس مدرسة ابتدائية
سماها مدرسة " النجاح " كان عدد تلاميذها سبعين تلميذاً عند افتتاحها،
ثم زاد هذا العدد حتى وصل إلى ثلاثمائـــة تلميذ سنة 1348هـ . وكانوا يدرسون
القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية والخط والحساب ومسك الدفاتر([30]).
وقد زار الملك عبد العزيز هذه المدرسة،
واطلع على مناهجها ، واستمع إلى طلبتها ومعلميها عام 1349 هـ/1930م عندما زار الأحساء .
وقد استمرت هذه المدرسة حتى سنة 1351هـ
حيث أقفلت عندما توفي صاحبها .
وفي هذه الزيارة " التمس بعض
المستنيرين من الأحساء من الملك عبد العزيز– رحمه الله – حين زيارته للأحساء عام
1349هـ فتح مدرسة ابتدائية في الهفوف ، فأوعز جلالته لمديرية المعارف بتلبية الطلب
. وقد سارعت المديرية في عام 1350هـ بإرسال اثنين من المعلمين هما الشيخ عبد
الجليل الشعلان الأزهري، والشيخ راغب القباني فافتتحا مدرسة في شارع الخباز ، غير
أنهما مكثا ستة أشهر دون أن يأتيهما أحد من التلاميذ مما اضطرهما إلى إغلاق
المدرسة ، ويعزى أحد أسباب الإخفاق إلى أن الشيخ راغب القباني الدمشقي الأصل وخريج
الأزهر الذي أوكلت إليه إدارة المدرسة لم يكن على دراية بأوضاع الأحساء ودور
علمائها ونفوذهم واعتدادهم بمنزلتهم العلمية . ومماّ يؤكد هذا ما وقع فيه الشيخ القباني
بطريق الخطأ غير المقصود عند حديثه عن الحالة العلمية المتردية في المنطقة ، وذلك
في خطبة له في جامع الإمام فيصل بن تركي في الهفوف . فتشير الرواية أن الشيخ
القباني بعد أن استهل خطبته ببيان فضل العلم ومنافعه شرع يتكلم عن الجهل وكيف أنه
ضارب أطنابه في هذه المنطقة .
وقد فات الشيخ أن مثل تلك الأقوال تؤثر
في المشايخ والعلماء تأثيراً كبيراً إذ اعتبروها إهانة لهم . إضافة إلى ما كانوا
تشبعوا به من فكرة سيئة عن المدارس الحديثة من الناحية الأخلاقية ؛ ولذلك سعوا في
عدم تعضيدها والتنفير عنها حتى أغلقت بعد بضعة أشهر من فتحها"([31]).
وليس ما وقع من الشيخ القباني وحده هو
السبب في إغلاق المدرسة ، بل إن بعض الأعيان والمشايخ كان لهم موقف من تلك المدارس
بزعم أنها تدرس علومًا منافية للدين، وأنها بدع حتى إن الشيخ عبد العزيز العلجي
ناشد الملك عبد العزيز في قصيدة له طالباً منه هدم تلك المدارس وحرق مؤلفاتها .
وهو ما سنعرض له في موقف الشعر من التعليم .
وكما وجدت مدارس شبه نظامية في الأحساء
فقد وجدت مدارس مثلها في الجبيل ، فقد بدأ التدريس الأهلي في الجبيل سنة 1346هـ /
1927م ، وقد تطور هذا اللون من التعليم حيث فتحت مدرسة أهلية سنة 1348هـ كان يدرس
فيها القرآن واللغة العربية والحساب والتوحيد والفقه.
وفي عام 1356هـ / 1937م أمر جلالة
الملك عبد العزيز بفتح مدرسة حكومية في الجبيل تتولاها مديرية المعارف ، وعُيِّنَ
السيد يعقوب بن يوسف الفارسي مديراً لهذه المدرسة ، وكمثيلاتها في المناطق الأخرى
وجدت بعض الصعوبات؛ لأن الأهالي كانوا حذرين من إدخال مدارسهم في المدارس الحكومية
، ولكنهم سرعان ما أقبلوا عليها عندما عرفوا مزاياها ومحاسنها([32]).
التعليم النظامي في المنطقة
الشرقية:
تأسست مديرية المعارف في سنة 1344هـ / 1926م
في عهد الملك عبد العزيز ، وقد أنشيء أول مجلس للمعارف عام 1346هـ ليقوم على وضع
السياسة التعليمية في البلاد ، والعمل على نشر المدارس في مختلف مراحلها التعليمية
...([33])
وكان فتح أول مدرسة ابتدائية حكومية في
الأحساء سنة 1356هـ حينما أرسلت مديرية المعارف الأستاذ محمد علي النحاس، وهو مصري الجنسية ليفتح أول مدرسة ابتدائية في
المنطقة .
وقد سارع النحاس إلى استشارة علماء
الأحساء في شأن هذه المدرسة ، وعرض عليهم المناهج التعليمية لها ، وأخذ موافقتهم
عليها .
وبهذا ضمن مُؤَازَرَتهم ووقوفهم إلى
جانبه ، وقد كان علماء الأحساء من أوائل مدرسي هذه المدرسة التي سميت "
المدرسة الأميرية السعودية "([34]).
وفى عام 1358هـ " احتاجت الشرطة
في المنطقة لمبنى الحميدية ممًا أدى إلى إخراج المدرسة منها ، فدخلت المدرسة
الوليدة في أزمة للحصول على مكان مناسب لها . غير أن تحمس السكان للعلم أوجد حلاً
، إذ سارع السيد محمد بن حمد النعيم بتقديم منزله ليكون مقراً مجانياً للمدرسة
لمدة سنة ، واستأجر لنفسه منزلاً صغيراً "([35]).
اجتهد الأهالي بعد ذلك في إيجاد مبنى
خاص للمدرسة فجمعوا مبلغاً من المال، وتبرع أحدهم بالأرض التي أقيمت عليها
المدرسة، وتم بناء المدرسة في عام 1360هـ وانتقل الطلاب إليها.
وقد كان بناء هذه المدرسة حدثاً أسعد
الأهالي وسرّهم كثيراً ، وقد عبر الشيخ محمد ابن عبد الله آل عبد القادر عن سروره
بهذه المدرسة بقصيدة قال فيها :
|
لسان الشعب يصدح بالتهاني وأعلنت البشائر في سرور بمدرسة زهت في أرض هجر فلبوا دعوة الداعي إِليها فإِنَّ العلم أفضل كل شيء |
ونور الأُنس أشرف في المعاني على ما تم من نيل الأماني تفوقُ بحسنها كل المباني وحلوا عنكم قيد التواني ويهديكم إلى سبل الجنان ([36]) |
وقد اتسع هذا المبنى للمدرسة الثانوية التي
أنشئت سنة 1367هـ حيث جُعل الطابق العلوي مقراً لهذه المدرسة .
وقد كان لهذه المدرسة مجلساً علمياً
شكل في عام 1360هـ ، ثم شكل لها مجلس آخر سنة 1362هـ . وكانت مهمة هذا المجلس
متابعة سير الدراسة، والإشراف على المناهج ، وتعيين الموظفين وفصلهم .
" وكان افتتاح المدرسة الأميرية
السعودية الأولى في الهفوف إيذاناً ببداية عهد جديد بنشر العلم وتعميمه في مدن
المنطقة الشرقية ، فقد افتتح في السنة التالية لافتتاح مدرسة الهفوف مدارس في
المبرز والقطيف والجبيل "([37]).
فقد افتتحت مدرسة سعد بن أبى وقاص
الابتدائية في الدمام سنة 1356هـ ، ومدرسة الملك عبد العزيز في الجبيل سنة 1357هـ
، ومدرسة معاذ بن جبل في الخبر سنة 1361هـ ، ومدرسة ابن الأرقم في دارين سنة
1368هـ ، ومدرسة الحسين بن علي في القطيف سنة 1369هـ ، ومدرسة قرية العليا في قرية
سنة 1370هـ ، ومدرسة أم الساهك في صفوى سنة 1372هـ ، ومدرسة المهلب بن أبي صفرة في
تاروت سنة 1373هـ([38]).
ثم توالى بعد ذلك فتح المدارس في قرى المنطقة الشرقية ومدنها ([39]).
كان الإقبال على هذه المدارس في بدايته
أقل بكثير من الإقبال على مدرسة الهفوف، ولعل السبب في نجاح مدرسة الهفوف الحكمة
التي تعامل بها الشيخ محمد علي النحاس مع مشايخ المنطقة وعلمائها ، لكن الطلاب
توافدوا– بكثرة– فيما بعد حيث أصبح التعليم جزءاً من حياتهم اليومية .
وقد حددت الدولة في عهد مؤسسها الملك
عبد العزيز أهدافاً واضحة للتعليم الابتدائي الذي عدته القاعدة الأساسية للتعليم
في مراحله كلها ، وأهم هذه الأهداف:
1-
تهذيب النشء نفسيًا وروحياً بما
يتفق والمثل الإسلامية التي دعت إليها الشريعة الإسلامية ، ويتم ذلك بقراءة كتاب
الله ومعرفة العلوم الشرعية .
2-
تعليم الطالب في المدارس
الابتدائية القراءة والكتابة وعلوم اللغة والحساب ، والعلوم ، ليستفيد من هذه
العلوم مجتمعة في شق طريقه في الحياة ، وليكون فرداً صالحًا في مجتمعه .
3- تزويد الطلاب بقدرٍ كاف من الثقافة العامة تساعدهم على مواصلة تعليمهم في المراحل المتوسطة والثانوية(