مقدمـــة :

تسود الأمم – على امتداد تاريخها الذي تحياه – تطورات وتحولات تترجم ماضيها وتعبّر عن حاضرها، وهي تطورات تخضع لعوامل العصر، وتحولات تساير سنة الحياة، ومرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية حدث مهم في بناء كيان هذه الأمة وفي واقع هذا الوطن، وإن قرناً من الزمان في حياة هذا الشعب تتابعت فيه أحداث كبيرة، وتكونت خلاله أجيال عديدة جدير بأن يكون موضع حفاوة، ومحل احتفاء، والمؤتمر الذي يقام بمشيئـــة الله تبارك وتعالى تحت شعار (المملكـة العربيــة السعودية في مائـــة عـام) تدور أبحاثــه حاضـــراً كما دارت أحداثـــــه سابقاً – في شخصية الملك عبدالعزيـــز– طيب الله ثراه– المؤسس لهذه الدولة التي نتفيأ ظلالها، وهو – رحمه الله تعالى– يمثل شخصية متعددة الجوانب رحبة الأبعاد ، ولعل الجانب الذي أكتب عنه المتمثل في: ( الحركة الفكرية والثقافية ) لا يمثل سوى شريحة محدودة من إنجازات عهد سخي وافر العطاء ، وإذا كانت النواحي الأخرى قد غُطّيت بمؤلفات كثيرة، فإن هذه الناحية لا تزال في بداياتها لم تصدر عندنا فيها مؤلفات مستقلة بذاتها، تحدد جوانبها، وتثري مادتها، وتوضح مسارها، وتجلو صورتها، وإنما يجيء الحديث عن هذه الحركة ضمناً في صورة لمحة عابرة أو إشارة مختصرة اقتضاها السياق ضمن بحث أحد جوانب النهضة الأدبية العامة في هذه البلاد على نطاق عـام، مما يعني افتقار المكتبة الأدبية إلى مؤلَّف أو أكثر يختص بإلقاء الضوء على الحركة الفكرية والثقافية بنوع خاص، على غرار ما جرى من تغطية الأحداث المرافقة لمسيرة هذا العاهل الكبير من خلال مؤلفات كثيرة شملت تخصصات عديدة عدا هذه الحركة، ولعل من فضائل الاحتفاء بالقرن التأسيسي للمملكة، وما انبثق عنه من اهتمامات بتغطية الجوانب المهمة من حياة الملك عبدالعزيز التي نعيشها حاضراً متصلاً وتاريخاً ممتداً أن يكون للحركة الفكرية والثقافية أثر في هذه المناسبة، والواقع الملموس يُنْبئُنا أن المكتبة السعودية تفتقر إلى تدوين هذه الحركة وتوثيقها بهذا العهد، فلا نزال نشعر بفراغ في هذا الجانب المهم من حياتنا الأدبية على امتداد حقبة زمنية مساحتها مائة عام.

وقد يرد على الذهن أن يكون منطلق هذه الدراسة : بدايةً من الرجوع إلى مستهل الدور الأول من أدوار الأسرة السعودية الحاكمة، عنـدما التقى الإمامان: (المحمدان) على الكتاب المنزل والسنّة المطهرة، وهما المصدران الأساسيان في حكم الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً إن شاء الله، وإذا كان هذا الموضوع يدخل في النسيج العام لـدراسة شاملة لأدوار هذه الأسرة بصورة عامة، ولتاريخ الملك عبدالعزيز بصفة خاصة، فإن الحركة الفكرية والثقافية – موضوع هذا البحث – يحكمها إطار التحديد بعهد الملك عبدالعزيز الذي تبـــدأ منــه، فكان من الطبعي – والواقع كذلك – أن تكون بداية البحث وارتباطه بعهد الملك عبدالعزيز بحكم أنه المؤسس لهذا الدور الثالث من أدوار الدولة السعوديـة، ولأن هذه الحركة تُعَدُّ إحدى صور منجزات عهده المديد من عمر هذه الدولة.

وعندما التزمتُ بالكتابة عن الحركة الفكرية والثقافية في هذه البلاد خلال المدة المحددة كنتُ أظن أنني لن أتكلف البحث عن المراجع لهذه الحركة، وأنها من الكثرة بحيث لا تحتاج إلى جهـــد، وحينمـــا توجهتُ لوضع خطة الدراســة، وتحديد معالمها الرئيسة: كان هاجسي أني سأجد مؤلفات عديدة تتحدث عن هذه الحركة في مستوياتها المختلفة، وفي عهودها المتعددة، وفي ألوانها المتنوعة، وقد عوّلتُ في رسم الخطة على تلك المصادر التي وضعتُ في حسباني أنها ستجيب عن التساؤلات التي تقوم في ذهني، وأنها ستفتح أمامي نوافذ أتطلّع منها إلى عطاء مفيد، ولكني بعد المعاناة في البحث والمراجعة لم أجد سوى لمحات سريعــة لا تقف بالقارئ على معلومة موفورة، إنما هي أمشاج لا تلبي نداء الباحث، ولا تشبع رغبة الدارس، وأكثر من ذلك أني رجعت إلى عناوين كثيرة، أبحث عن أضواء جديدة، تنير مسار هذه الحركة وتطوراتها، وترصد خطواتها فإذا بي أواجه خداع العناوين، فبعض المؤلفات يوحي عنوانه بأنه يحوي بين دفتيه ما يثري الدراسة عن الثقافة والفكر، وبعد إهدار وقت في قراءته وتتبع فصوله أجد أنه لا يضم أي سمات فكرية أو ثقافية، وإن بدت بعض العناوين كأنما توحي بتلك السمات السرابية.

الأمم تنطلق في حياتها عبر تيارات تحدوها توجهات، وتتلوها مؤثرات في مختلف أوجه الحياة وصورها، وإذا أخضعنا هذا القول لما ينطوي عليه عالم الفكر والثقافة: تتبين لنا مؤشرات عامة تقود إلى قضايا خاصة، فالتوجه الفكري يستمد فاعليته وانطلاقته من المدّ الثقافي الذي يختزنه ذهن الفرد أو يستوعبه فكره بمساندة موهبة أصيلة وملكة مدربة، وبذلك يتوهج العطاء الفكري. ومما هو محل إدراك على نطاق واسع أن الثقافة تتبوأ مكانة كبيرة تحتشد فيها عوامل فاعلة في الحركة الفكرية، ولعل من بداهة القول أو تحصيل الحاصل أن الفكر والثقافة مكملان لبعضهما، ووفق هذه الرؤية فإن المقومات الفكرية تُعَدّ امتداداً للحركة الثقافية التي هي أساس في نموها وإشراقتها، ومنذ أن تكونت الإرهاصات المعرفية للإنسان في الماضي البعيد وعرف أبجدية الحروف التي تشكلت منها الكلمة المفيدة للمعنى وهو يحاول أن يتعلم كيف يثري فكره، ويستثمر عقله، بحيث يتجاوز نطاق البدائية التي كان فيها من قبل، وليصعد بالعلم والإدراك إلى المنزلة التي تخطّت مرحلة التخلف، وعلى هذا الأساس في دروب الصعود استطاع مع مرور الزمن وتقدم الأساليب الاجتماعية أن يرسم لنفسه منهجاً في طريق العلم والمعرفة سعياً وراء تحقيق أهدافه في مجال الثقافة والفكر، وتلك العوامل بمثابة الركائز التي يعتمد عليها في تزويده بالقدرات التي تمدّه بالرؤية العميقة والإدراك السليم، وتهيئ له سلامة الاختيار فيما يستقبل من أمره، واستعمال الأدوات والوسائل التي تمكنه من تمهيد السبيل أمامه ليكون فرداً فاعلاً في مجتمع منتج.

ومع توافر أدوات التثقيف وقيام مؤسسات معرفية : استطاع الفكر أن يجد مجاله في الابتكار والإبداع، كما استطاعت الثقافة تحقيق وجودها وبث رسالتها، وكل ذلك يتم من خلال أجواء مفتوحة وأبواب مشرعة لتجسيد آمال وأحلام يختزنها عقل الإنسان منذ اكتمال وعيه واستكمال إدراكه في خضم ما يجري حوله من أحداث، وما يعايشه من تحولات، وما يحيطه من أجواء، وتبرز الأفكار المتميّزة في إطار مؤسسي واحد ينتظم الفكر والثقافة معاً، وذلك في ذاته يخضع لطبيعة الظروف البيئية المساعدة، والبنية الفكرية المساندة، ففي وعاء تلك البيئة وعلى قواعد تلك البنية تكتمل معالم التطور الفكري والثقافي من واقع عالم الإنسان. بحكم أن الثقافة والفكر أهم الدعامات الأساسية للصرح الحضاري ليس في عصرنا الحالي فحسب، وإنما عبر العصور السالفة والأزمان الماضية، كما هو واقع التجربة الإنسانية المتجددة في نماذج وصور معاصرة، وذلك مما يساعد على دفع التوجه الفكري إلى آفاق فسيحة من الرؤى المدركة والثقافات المستوعبة. وتتحدّد مكانة أي أمة في أهمية أدوارها في هذه الحياة بما تتصف به من فكر، وما تمثله من ثقافة، فالإبداع الحضاري لا ينشأ من فراغ، ومنطلقاته ترتكز على المعرفة التي تمثل نزوعاً إلى الفكر والثقافة والالتقاء بهما في معارج التفوّق، وفي هذا السبيل تتقدم الأمة نحو النهوض بخطوات إيجابية واثقة في دنيا الإنجازات الباهرة والتطورات الهائلة فتستطيع– بما لها من رصيد في الفكر والثقافة– مزاحمة الأمم الغربية الناهضة في تقدمها المستمر، وبروزها على الساحة العالمية بأفكارها وإنتاجها وترويج ثقافتها ونشوء أفكارها في محاولة من الأمة الواعية للحد من صرامة الاحتكار الحضاري الذي تفرّدت به تلك الأمم حقبة مديدة من الزمن، ولا تزال تحتكره لصالحها بفضل ما بلغته في المعرفة من إدراك، وما انتهت إليه في العلم من تفوق مما مكّنها من التألق بجدارة في عصر أهمُّ سماته الإنجازات الضخمة والاتصالات السريعة، والفكر المتوهج، والثقافة الرائدة.

وبعد: فلعل هذه الدراسة ترسم داخل دوائرها المتعددة الجوانب خطوطاً مستقيمة تقود إلى منهجية في تحديد إطار الحركة الفكرية والثقافية في بلادنا عبر مائة عام، وهي ربما لا تستوفي كل روافد هذه الحركة، ولكن حسبها أن تشير إلى المقومات البارزة والسمات العامة ، فالدارس يضع في حسبانه الأسس المنهجية التي يستدعيها الموضوع، بحسب مسار البحث، والأدوات التي يستخدمها على أساس منهجي في إبراز الفكرة وتحديد معالمها، ومن المسلّم به والمتفق عليه أن أي موضوع لا بد أن تحكمه مقاييس خاصة، ليكون ضمن إطار محدد، لكن إمداداته ليست محدّدة، وروافده غير محدودة، وعلى هذا النسق تسير الدراسة، وقد تطول بحسب وفرة المنابع التي تصب فيها أو الروافـــد التي تثريها، أو تقصر وتشح عندما تنضــب المصــــادر وتشح المراجع ، وهذا ما يواجهه الكاتب في إعداده لبعض الدراســات، ولا سيما التي لها طابع خاص يتعلق بالفــكر.

والكاتب عندما يتهيأ لإعداد المادة، ويعيد النظر فيها قد يتراءى له أنه لو عدَّل فيها أو أضاف إليها لكانت أفضل مما كانت عليه، وهذا يعود إلى قصور الإنسان الذي يملك الاجتهاد، ولكنّه لا يقدر على الكمال، مهما حاول من إتقان، ومهما بذل من جهد. لكنّ الجوهر سيظل كما هو مرسوم في منهج الدراسة، وأسأل الله عز وجل سلامة القصـــد واطّراد التوفيـــق، وقد جرى إعداد هـــذه الدراســـة بتوفيــق من الله وعون منه تبارك وتعالى في نطاق المضامين الآتيــة:

الفصل الأول: (الحركة الفكرية والثقافية)

وتنطوي تحت هذا الفصل خمسة مباحث: عن تعريف هذه الحركة، وماهيتها، وأهميتها من خلال العناوين الآتية:

·       حركة الفكر.

·       في الإطار الفكري.

·       الثقافة والمعرفة.

·       الثقافة بين التعريف والمفهوم.

·       الواقع الثقافي.

الفصل الثاني: (واقع الثقافة والفكر في مناطق المملكة)

وهي كبرى المناطق الثلاث عشرة التي تشكل من بينها في العدد ثماني مناطق، هي أكثر المناطق كثافة سكان، وأسبقها في مجال الثقافة والفكر، وتندرج تحتها العناوين الآتية:

·       أثر التعليم وأهميته بحكم أنه إرهاص للفكر والثقافة.

·       أثر الصحافة بصفتها الإعلام المقروء.

·       أثر الإعلام الفضائي بقنواته العديدة المتطورة، وهو يمثل الإعلام المسموع والمرئي.

 

الفصل الثالث: (النهضة الأدبية ومراحل تطورها)

وتأتي محاور هذا التطور الأدبي ومراحله الفكرية والثقافية على النحو الآتي:

·       البدايات: وتشمل مرحلة التخلف ومرحلة الإحياء.

·       النزعة التقليدية.

·       التجديد.

·       حركة الشعر الحر.

·       قصيدة النثر.

·       الحداثة.

·       صورة عن الأدب في حياتنا.


 

الفصل الأول : الحركة الفكرية والثقافية:

حركــة الفــكر :

عندما نواجه معترك الحياة نجد أنفسنا مرتبطين بأحداثها ومساراتها، ونحتار في اختيار المسار الذي نسلكه؛ لأننا نجهــل إلى أين يقودنا؟ والحياة– كما هو معلوم– حركة دائبة لاتتوقف، فإذا توقفت توقف نبضها؛ لأنها تمثل مصدر الحيوية في الوجود البشري، وتتعدد ألوان الحركة بتعدد أنواع الناس وأمزجتهم واتجاهاتهم، وتتدافع الحركة بتدافع موجات الحياة ذاتها بحسب الطاقة الموظّفة فيها، والأداء المطلوب لها، والشعور الواجب نحوها، وهذه العوامل تفضي إلى رسم خطوات تمهد للأعمال الإبداعية، وتتواكب مع المعطيات الفكرية.

ويتمثل الإبداع في تصوير اللون الموحي ورصد الحركة الفاعلة، بما يؤدي إلى التناسق الإيقاعي لانسياب العبارات وانسياق الكلمات، وبناء المعاني التي تتجسد في الذهن لاستقبال العطاء الذي تبرز من خلاله الصورة التي تملأ الوجدان، وتمدّ الفكر بخيوط الإلهام في مواكبة لطروحات يقوم نسيجها على براعة تصوير البواعث الوجدانية المنتزعة من عالم الحياة الواقعية التي تتجاوز في أثرها الشعوري السمات الجامدة والمشاعر الراكدة، وتجتاز في تأثيرها المسافات، وتتخطى الأبعاد عندما تتفاعل وجدانياً في نفس صاحب العطاء، لتعكس أثرها على المتلقي لذلك العطاء، وهي من خلال الحس الفكري الأصيل المتفاعل مع الحدث تستطيع أن ترسم أضواء متوهجة وأصداء متألقة لمحتوى التعبير الذي يتطلب حتمية الإعراب عن الأحاسيس، وترجمة المشاعر والعواطف بلغة معبّرة وفي حيوية مؤدية.

واللغة تمثل الوعاء الفكري الذي تنطلق منه عندما تتحول إلى كلام منطوق أو كتابة مقروءة أو حديث مسموع، وفي هذا الإطار ندرك كيف تسنّى للإنسان أن يستخدم اللغة من خلال مفرداتها وأدواتها ووسائلها لإيصال فكره للأمة التي يحيا بين أفرادها، وللمجتمع الذي يعيش فيه؟ وحتى يكون بإمكانه إيصال صوته إلى الرأي العام عبر أجهزة حديثة من مستحدثات العصر ومبتكراته.

ولعل من البداهة أن نؤكد أن وظيفة اللغة الأساسية تتمثل في بناء جسور التواصل بين جميع الأفراد، لكن أثرها الفكري يتجسد في تحولاتها الفكرية والثقافية، وفقاً للتطورات الاجتماعية وبحسب التقدم الحضاري، والكتابة التي تشكل فصلاً في السِفْر الثقافي تعكس أهميتها الكبرى في الحركة الإبداعية التي من أهم روافدها وأمتن قواعدها: البناء الفني الذي يرتكز عليه الأسلوب الكتابي الذي يحدد إطار الموضوع، ويرسم سمات الصورة الجمالية للنص الإبداعي من جانب المبدع على اختلاف ألوان الإبداع وتعدد الموضوعات إلى جانب إبراز أثر كلّ من الفكر والعاطفة بحسب مقتضى الحال ومضمون الموضـوع؛ ليكـون العطاء إبداعاً تتجسد فيه الفكرة كما يتألق الأسلوب، وبذلك يتسنى تفادي اهتزاز الصورة الأدبية في ذهن المتلقي وتدارك قصور الفكرة عن بلوغ الأداء المطلوب بالحجم الذي يتطلبه الإبداع الذاتي والعطاء الأصيل، وإِعمال الفكر مطلب مهم في الحياة الإنسانية وفي المجال الفكري بالذات بشكل خاص: (والفكر إنما هو حركة دائمة ننتقل خلالها من المعلومات إلى المجهولات كما عرّفه المناطقه العرب: أي هو ضرب من الانتقال المنتج الفعّال جيئةً وذهاباً بين المقدمات والنتائج، أو بين المبادئ والوسائل، أو بين الفروض النظرية والممارسات التجريبية، أو بين هواجس الذات ومباغتة الوقائع، وهذه الخاصية الدينامية هي ميزة الفكر المبدع )([1]).

ومن المهم في هذا الإطار تكثيف الفكر وتكرار التجربة ، وفشل التجارب مهما تعددت لا يحول دون محاولة تكرارها؛ لأن الفشل في التجربة لا تستتبعه حتمية فشل الفكر، والمهم إدراك حجم المسافة بين التجربة الناجحة والتجربة الفاشلة حتى يمكن استدراك النقص، وتلافي التقصير في المسار الفكري، وذلك بالقدرة على توظيف الكلمة ووضعها في الموضع المناسب من حيث الدلالة والأسلوب، وتطويع المفردات اللغوية لأداء المخزون الفكري والإفادة من اللغة بكل مقوماتها في دفع العطاء مما يهيئ ذهن المتلقي لاستقبال الأفكار والتجاوب معها، ومما لا شك فيه أن التعامل مع اللغة بكل معطياتها يأتي في طليعة اهتمامات المثقف أياً كان أثره في الحياة الفكرية ذلك (( أن اللغة هي أداة لتلقي المعرفة ، وأداة للتفكير ترمز إليه وتجسده، وإذا كان مطرداً أن ننعت اللغة بأنها كائن حي فإننا نتوسل بالمجاز في التعبير عن حقيقة يعوزنا ما به نعبّر عنها بغير المجاز، وبنمط متجانس ننعت اللغة بكونها مؤسسة اجتماعية، رصيدها رموز أوعية تُسكب فيها الصور المشتقة من حياة الناس في مظاهر المادة والمعاش والأخلاق والمعارف، فيئول الأمر بالمؤسسة الاجتماعية إلى صوغ شبكة العلاقات الجامعة بين أطراف الحياة البشرية فيما هم قائمون عليه ثم بين المتعاقبين منهم على محور الزمن، فكان لزاماً أن تتأسس اللغة على قوانين الحركة الذاتية، وهذا مفاد الصورة المجازية التي يلجأ إليها الإنسان عندما يصف الظاهرة اللغوية بقوله: إنها ظاهرة طبيعية، وإنها كائن حي، وإن لها أطواراً من النمو ومن الازدهار، وعسى ألا نجازف إن زعمنا أن المعادلة الدقيقة بين بقاء الحركة الذاتية في اللغة وتدخل الإرادة البشرية في توجيه حركتها هو الذي يجعل اللغة عنوان الهوية الحضارية وميسم الخصوصية الثقافية)) ([2]) .

والكلام هو وسيلة التعبير عن حاجات الإنسان ومتطلباته، وتختلف طرق الأداء وأنواعه، فتكون باللسان أو بالقلم أو بالرسم، فأداة التعبير هي التي تشكل النهج الذي يتصل من خلاله الإنسان بأفراد المجتمع عن طريق الحديث أو الكتابة أو الرسم، وهذا النهج يشكل مادة البناء الأساسية في هيكل التصور الذاتي، الذي يصنع من خلاله الإنسان الصورة التي تحدد نهجه، وتعبّر عن قصده ، ويفصح فيها عن غايته، والمثقف بصورة عامة أو المفكر على وجه الخصوص يستطيع التعبير عما يعتمل في نفسه بأدوات متعددة، ومن خلال فنون متنوعة، والفكر بالذات يهتم بالإبداع التصويري للفكرة، وتُعنى الثقافة بصياغة الأسلوب ، واصطفاء الكلمات المعبرة عن المضمون الفكري، ومن هذا المزيج المتكافئ بين اللفظ والمعنى، يسري في الكلمات نبض الشعور وتتجسد فيها الروح، ويبرز التأثير عندما تتوافر أسباب القدرة الذاتية على الحركة الفنية، وتكثيف وسائل التأثير في المتلقي، فالأسلوب المؤثر هو الذي يمثل توهج العبارة وتطويعها لترجـــمة المعاني الكامنـــة في النفس ، ورسم خطوط الاتجاهـات المؤديــة إلى ما يجسد المضامين الفكرية، ويجسّم الجمال الفني في الأداء التعبيري وفي الصياغة الأسلوبية بحسب تمكن المبدع وقدرته على الإبداع سواءً كان عالماً أو كاتباً أو شاعراً أو ممارساً لأي فن من فنون القول أو المهارات الفنية لفنون لها صلة بالوجدان الإنساني، وبالقدر الذي يتقنه الكاتب أو الفنان ومدى مهارته التي يجيدها، يكون مقدار تأثيره وأثر عطائه وإنتاجه.

وفي عصرنا الحالي الذي نعيش فيه، ونعايش أحداثه وتطوراته، نلمس مدى تطور وسائل المعرفة وأدوات التقدم، فهو العصر الذي تضخمت فيه الإنجازات الحضارية. كما ازدحمت فيه الدنيا بأنواع كثيرة ومتعددة من المنجزات والأفكار والتحولات، ومن بينها الحركة الفكرية والثقافية التي استطاعت أن تشق طريقها على الرغم من مزاحمة الأشكال الحضارية بضجيجها، ومع الانبهار بكثير من المنجزات العصرية بهيمنتها وفاعليتها، وعلى الرغم من ذلك كله فإنها لم تستطع أن تحبس صوت الفكر أو أن تصادر روافد الثقافة أو أن توقف مدّها، فإذا كان المدّ الحضاري بمثابة كيان للمنجزات التقدمية ويمثل ثورة في التطورات الحالية ، فإن الفكر والثقافة يمثلان روح هذا الكيان، فالمثقف له رسالته الفكرية بصفته فرداً في أمة وعضواً في مجتمع ، فهو يحمل في وعيه ويحتضن بفكره قضايا أمته وهموم مجتمعه ، والتجربة الميدانية تكرس هذا الواقع وتؤكده. كما هو واقع الحال في المجتمعات المتقدمة وبين الشعوب المتحضرة.

 

في الإطار الفكري :

لقد تميز الإنسان عن سائر المخلوقات بالعقل المفكر واللسان المعبر، وكما هو معلوم بداهة فإن الكلام هو الوسيلة التي يعبر من خلالها الإنسان عما يريده، مما تقتضيه طبيعة احتياجاته، وعما يعتمل في نفسه مما تنطوي عليه جوانحه ويـــدور في ذهنه، وسواء كان هـــذا الكلام جاء تلقائيـاً في أحاديث عاديــــة تعبر عن ضروراتــــه الحياتيـــــة واتصالاتــــه الاجتماعيـــة، أو جاء في صياغة أدبيــــة فنية ترتقي فــــوق الأساليب المألوفـــــة والصيغ المكرورة، فالأديب الفنان هو الذي يطوّع الكلمة ويتفنن في صياغتها فيشكل أبعادها ويؤكد محتواها لأداء المعنى الذي يريد، وتصوير الحدث الذي يشغل مساحة من ذهنه؛ ذلك أن الكلام يمثل خصوصية الإنسان بين الأجناس الأخرى من مخلوقات الله تبارك وتعالى، وهو بهذه الخصوصية الإنسانية يمكنه التعبير عن حاجاته وترجمة مشاعره بطرق شتى وأساليب متعددة: أرقاها التعبير الفني الأدبي الذي تتوافر فيه عناصر الصياغة الفنية الجيدة، وتكتمل فيه مبررات التأثير العاطفي بما يُخاطَب به القلوب وتتلقاه المشاعر، أو الأثر الفكري الذي يترك بصماته في ذهن المتلقي وينعكس على فكره، والأديب أو الشاعر أو الكاتب هو الذي يصنع وسيلة التأثير، بما يملك من موهبة متأصلة، وما تكوَّن لديه من ملكة مدربة، ولعله بذلك يستطيع تلبية حاجات النفس ومطالب الفكر، وتتفاوت مراتب الكلام بحسب المقاصد والأساليب، فيختلف الحديث المألوف الذي يجري إطلاقه دون ضوابط معرفية أو محسنات أسلوبية عن الحديث المصنوع بأدوات أدبية أو كتابة فنية . والكاتب أياً كان لونه الأدبي ونهجه الفكري واختصاصه الفني في أي لون من الألوان الأدبية أو الفكرية وفي أي فن من الفنون الراقية يعد صانع بناء جمالي، يجسد مادة البناء في صور وألوان، يعبر عنها بالفكرة العميقة أو باللمحة العابرة، وفي إطار المضمون الواضح أو الرمز الذي يحمل الدلالة الموحية، أو من خلال الإشارة التي تتضمن القصد الذي يضمره الكاتب، أو يهدف إليه ليعبر عن رسالته إلى قارئه، ويترجم مشاعره كما يفيض بها وجدانه.

والتعبير فنّ أسلوبي يرتقي أو يهبط بحسب الصياغة والمنحى والتصوير، بمقدار تجسيد الفكرة أو تيسيرها، ووضوح المعنى أو غموضه، وسلاسة الأسلوب أو تعقيده، ومتانة البناء أو هشاشته، والكاتب غايته من الكتابة إلى جانب ترسيخ الفكرة التي يتبناها إشاعة الأثر النفسي في المتلقي، ومخاطبة الخلجات الإنسانية والأحاسيس الذاتية لاستنهاض بواعث التأثر وتكريس فاعلية التأثير، وهي بواعث فاعلة سواء كانت وجدانية أم فكرية، فإنها مرتبطة بانفعالات النفس إلى جانب تكيفها مع العطاء الفكري، واجتذابها نحو المعنى المقصود، والفكرة المطروقة. وللأسلوب تأثيره بحسب صياغته، وفق رسم الصور الجمالية وأداء الأفكار بعد تلوينها بما يشوّق المتلقي لها ويشدّه إليها، فالأديب الفنان يجسّم في كتاباته معرضاً زاهياً لآرائه ؛ لأن الأسلوب قوام الفكر، والوسيلة التعبيرية عن غاياته، والموهوب هو الذي يطبع أسلوبه بطابع مميز فتلتقي فيه السهولة في التعبير مع العمق في الفكرة، وتحفّة الشفافية في الكلمة والجمال في الأداء مما يمكن أن يُطلق عليه السهل الممتنع : يبدو ذلك فيما يرسم الشاعر أو يكتب الأديب، أو يصنع الفنان في فنه، بما يحرك الإعجاب في النفوس، ويضفي على الأثر جمالاً ذاتياً متألقاً، وعلى هذا الحسبان فإن الأسلوب فنٌّ من الفنون الأدبية يمثل قدرة صاحب العطاء على استعمال الكلام وتطويعه للتعبير بما تشير إليه المعاني أو تحمله الكلمــات أو تضمــه المشاعر مما يحصـــل من جرائه التأثـــير ويتحقــق بسبـــبه الهدف، وذلك – بطبيعة الحال– يخضع للقدرة الذاتية على تنويع الألوان في العطاء ، وتحديد النّسِب في توزيع الأضواء والظلال على جميع الأفكار في تناغم جميل وتناسق بديع، تبدو من خلاله صور أخّاذه وتعبيرات متألقة تثري العطاء وتجتذب القراء.

والأسلوب الأدبي الجميل أشبه باللوحة الفنيّة، حينما يصبُّ الفنان فيها كل مهاراته، ويودع فيها قبساً من روحه فيخرجها إخراجاً متناسقاً، تتناسب فيها مساحات الظلال والأضواء، وتتواءم فيها مسافات الأبعاد والألوان، فتشدّ الأنظار، وتلفت الناظرين، وكذلك يفعل الكاتب عندما يهتم بإعداد ما يكتب فيصنع بأسلوبه وفي كتاباته لوحة جمالية تتوافر فيها كل بواعث التأثير من حسن التصوير وجمال التركيب وانسجام التلوين والتمكن من استخدام الخيال وإجادة التصرف في النص توليداً وتبسيطاً وتعميقاً وتوضيحاً مما يجعل منها لوحة إبداعية مؤثّرة فيكون للكلام وقعه وصداه، والكلام الأدبي يجب أن تتوافر فيه مثل هذه العناصر ؛ لأنه إذا لم يحرك مشاعر القارئ ويستولِ على إعجـاب المتلقي فإنــه يتســاوى مع كل كلام قد يفيــد، لكن لا روح له ولا حيوية فيه، سواء كان صدوره من مثقف أم أمي؛ لأنه يتطلب جهداً ذهنياً وإرهاقاً فكرياً، وذلك لا يتأتَّى إلا ببذل الجهد في الصياغة، واستنفار الفكر في تأصيل الحرف، وتكوين الكلمة، وكل فرد – مهما كان مستواه– يستطيع أن يتحدث بما تختزنه عواطفه وتضمه جوانحه، فيعبر عن الحدث أو الفكرة بما يلائم قدرته على التعبير بحسب موقعه الاجتماعي ومكانته في الميدان الثقافي، ومدى استطاعته التعبير عن أحاسيسه تعبيراً فنياً فكرياً، أو عجزه وعدم قدرته على ذلك، إذا كان لا يملك الأدوات الفكرية التي تؤهله لاقتحام هذا الميدان ولا الوسائل التي توصله إليه وتربطه به.

ومن السهل اليسير رصف كلمات بعضها إلى بعض وصفّها في وضع غير متجانس. لكنها بهذا المظهر لا تكون لها مزية ولا تؤدي أثرها إلاّ إذا اقترنت بكلمات أخرى تجاورها في النسق، وتلتقي معها في الهدف، فتنصهر معها في المعنى، وتكمّلها في الأداء، وبذلك تكتسب دلالتها الأسلوبية ومقدرتها التأثيرية وتبرز في مجالها الإبداعي، والأفكــار تنمـــو والإبــداع الفكري يزدهــــر بصقـــل الموهبـــة وتدريب الملـــكة، وبهاتين الظاهرتين تأخذ الأفكار مسارها في المجتمعات ومكانتها بين الأمم . وبما أن لكل آلية أداة فإن الأداة التي يرتكز عليها الفكر ويقوم عليها كيانه تتمثل في اللغة التي هي بمثابة الوعاء الثقافي للعطاء الأدبي، وهي تتشكل من مفردات ذات أداء ومعنى ، يجري التعبير بها من خلال أساليب متعددة، ووفق تنويعات مختلفة، وفي صيغ متنوعة تجعل لها الأهميـة المطلوبـة والفاعلية المتوخـاة على أن تكون الألفاظ بمقدار المعاني وفي مقاييسها لاتخرج عن دلالاتها ولا تقصر عن مفهومها، ولا تكون فضفاضة عليها مترهلة فوقها فتسيء إليها، بل لا بد أن يسود التوازن بين الألفاظ والمعاني وتنسجم معها بحيث تكون الشحنة الشعورية للفظ مواكبة لجوهر المعنى.

والأفكار تتألق بمزية التعبير عنها قولاً أو كتابة ، فاللسان والقلم يجري بهما التعبير عمّا تنطوي عليه جوانح الإنسان، وما تفيض به مشاعره، والتعبير الراقي هو الذي يُصنَّف في المجال الفكري، وتنتج الحركة الفكرية عن ذلك التفاعل بين أفكار الكاتب وتقدم الأمة، وللبيئة أثرها المحسوس في مثل هذه التوجهات: (( ودراسة مراكز الحركة الفكرية لا يعني الاعتقاد بالحتمية الجغرافية في تقرير ازدهار الحركة الفكرية، فمن المعلوم أنّ تكوَّن مراكز الحركة الفكرية يتأثر بعوامل متعددة وليس بعامل واحد، وأنها لاتبقى ثابتة في مكان واحد، وإنما تتبدل تبعاً للظروف والأحوال، ومن أبرز الأمثلة على ما نقول هو بلاد اليونان التي ازدهرت الحركة الفكرية في عدد من مدنها قروناً عديدة ، ثمّ غرقت في سبات لم تتحرر منه حتى الآن)) ([3]). والحركات الفكرية التي تحتضنها الأمم المتقدمة ليست محصورة في أمة بذاتها ، ولا في شعب بذاته، وإنما هي في مَعيِنها ودوافعها عطاء أفراد لهم أدوارهم المميزة. قد توافرت لهم مواهب مرموقة، وتأصلت فيهم ملكات مصقولة، فكان لهم حضورهم في المجالات الفكرية التي تقوم في أساسها على عوامل نابعة من تلاحم الثقافات والتقاء الأفكار في آفاق رحبة، في إطار الفكر الإنساني على اتساع مداه وامتداد رؤيته.

 

الثقافــة والمعرفــة :

العلم والمعرفة لفظان يجري بهما القلم، وينطق بهما اللسان، وتدور حولهما الأحاديث العامة، ويظن كثيرون أنهما يصدران عن معنى واحد ومفهوم موحّد، والواقع أن لكلٍ منهما معنى يختص به ومفهوماً يدل عليه، ولا ينفي ذلك اتساع نطاق مفهوم المعرفة في عصرنا الذي أطلق عليه عصر تفجّر المعرفة حيث أخذ مدلولها أبعاداً جديدة، وتنوعات كثيرة ، وصار لها حضور ملموس في كيان الحياة المعاصرة.

وقد حدد الراغب الأصفهاني مفهوم كل من المعرفة والعلم ، فوصف المعرفة بأنها: (إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره) وعلى هذا المعنى فهي: (أخص من العلم) ، وأورد أمثلة لذلك على هذا النحو: (يقال: فلان يعرف الله ، ولا يقال يعلم الله متعدياً إلى مفعول واحد، لمّا كان معرفة البشر لله بتدبر آثاره دون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم كذا ولا يقال:يعرف كذا لمّا كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل به بتفكر) ([4]).

وإذا كان العلم والمعرفة مترادفين في الإطلاق اللغوي، وقد يلتقيان في الفهم العام، فإنهما مختلفان معنىً كما هما مختلفان لفظاً، وكذلك الاختلاف بينهما في الأداة التي يتعدى بها فعل كلٍ منهما، فإذا كان الفعل في المعرفة يتعدّى إلى مفعول واحد فقط كما في قول الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا}، فإنه في العلم يتعدى إلى مفعولين كما في قوله عز وجل: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ}. وقد ذكر الدكتور عبدالرحمن الزنيدي في كتابه: (مصادر المعرفة) عن نظرية المعرفة نقلاً عن المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بوصفها: (النظرية التي تبحث في مبادئ المعرفة الإنسانية وطبيعتها ومصدرها وقيمتها وحدودها، وفي الصلة بين الذات المدرِكة والموضوع المدرَك) ([5]). وأشار الدكتور الزنيدي في هذا الصدد إلى أن الأشياء بالنسبة للإنسان تنقسم قسمين:

1-     موجودات عالم الطبيعة التي يسميهــا القرآن: ( عالم الشهادة ) .

2-     موجودات عالم ما وراء الطبيعة والقرآن يسميها: ( عالم الغيب ) .

ثم يؤكد هذا التصور من خلال تقسيمه جميع الموجودات على النحو الآتي:

  أ‌- (موجودات عالم الشهادة وهي الأشياء التي تحيط بالإنسان في عالم الطبيعة من جماد ونبات وحيوان وإنسان ، ويدركها بحواسه).

 ب‌- (موجودات عالم الغيب ، وهو العالَم الذي ليس باستطاعة الإنسان إدراكه بالحواس في هذه الحياة الدنيا، وهو داخل فيما يسمى في الفلسفة بالميتافيزيقيا). أي ما وراء الطبيعة.

وقد تتداخل بعض المفاهيم بشأن المعرفة والعلم في مفهوم واحد بحسب الرؤية الفردية لكل مادة منهما ووفق الصياغة الأسلوبية في اللغة المعبّرة عن الهدف المقصود، فإذا كان من المعلوم – بحسب الاختصاص– أن فعل العلم يتعدّى إلى مفعولين، فإنه قد يرد بمعنى المعرفة ويكتسب اختصاص فعلها، فتتحدد تعديته إلى مفعول واحد، فقد ورد في التنزيل الحكيم قول الله تبارك وتعالى:{وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}([6])، فجاء العلم هنا بمعنى المعرفة، وقد يجيء العلم دون المعرفة كما جاء في قوله تبارك وتعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}([7]) . (ومما ينبغي أن ندركه أن الباحثين قد أجمعوا على أن الثقافة البشرية هي سلسلة متماسكة الحلقات. تؤثر سوابقها في لواحقها على صورة جلية أو غامضة، وجوهر المعرفة موجود وجوداً محققاً، ولكن نَعْت المعرفة من قلّة أو كثرة أو نسبية  أو إطلاق أو فطرية أو اكتسابية هو الذي اختلف فيه العلماء منذ أقدم العصور، فهي تارة نسبية، وأخرى مطلقة، وثالثة فطرية، ورابعة مكتسبة، وكلها ترتكز على التجارب، وكذلك تعيين القوة العارفة، وتحديد مدى اختصاصها، فمرة هي الحواس وحدها كما عند (هيراقليطس)، وأخرى هي الحواس مع العقل كما يرى (أرسطو)، وثالثة هي البصيرة كما يرى (أفلاطون)، ورابعة هي العقل وحده كما يرى (ديكارت)… إن المعرفة العامة فطرية توجد لدى كل من توفَّر فيه القدر المحقق للإنسانية من العقل، ولكنّ المعرفة العلمية مكتسبة بالمران والتطبيق) ([8]) .

وإذا كانت المعرفة فطرة إنسانية يدرك بها الفرد ما حوله، ويتعايش من خلالها مع مجتمعه، فإنها تنمو بالعلم وتتطور بتحصيله عندما يتعلم الفرد، ويتجاوز أسوار المعرفة الفطرية المحدودة إلى التعمق في العلم والتوسع في مجالاته، فإنه كلما ازداد علماً ازدادت معرفته التي تقوده إلى ثقافة واسعة ومكانة مرموقة . وفي واقعنا الذي نحياه نجد أنه عندما يلتحق الطفل بالمدرسة في مجتمعه الذي يضم أفراد أسرته فإنه يتعلم داخل المدرسة لغة غير مألوفة لديه في بيئته الصغيرة المتمثلة في محيط البيت والأسرة ، أو على نطاق البيئة العامة بين أفراد المجتمع عامة، فهو يتلقى في المدرسة عبارات فصيحة، ويتكلم خارجها تعبيرات عامية، وقد يعاني صعوبة في البداية من التوفيق بين ما يدرس وما يعرفه من مفردات مختلفة في ذهنه، فاستعمال الكلمات الفصحى تقتضي منه جهداً في إضافة مفردات جديدة عليه، وغير مألوفة لديه، بحكم نشأته بين أفراد يتحدثون العامية، فيتوقف في البداية عند استعمال الجمل والعبارات الفصيحة وتكوينها. لكنه ما يلبث أن يلمس الفارق بين لغة فصحى يتعلم مبادئها ولغة محلية يتقن أداءها، ونتيجة لذلك يتكوّن عنده قاموس لغوي مزدوج ذهنياً بين فصيح وعامي، ومع امتداد المراحل الدراسية واستمراره في التحصيل العلمي يستطيع أن يختزن في ذهنه صوراً متعددة للأساليب الفصيحة ، ويخصب – بعد ذلك – عنده الخيال عندما تتفتح أمامه أبواب الثقافة، ويرتقي تفكيره فيستطيع الإعراب عن أحاسيسه بطريقة مميزة وصياغة ذات تأثير وجداني مميز وفي أسلوب عربي سليم، وذلك حين يستطيع توظيف ما تلقاه من معلومات عن طريق الدراسة، وما توصل إليه من معرفة عن طريق التثقيف الذاتي، فيتكون لديه حِسّ جمالي ونظرة مدركة، ويمكنه عندئذ التعبير عن كل ما تنطوي عليه جوانحه، وما يستشعره وجدانه إزاء أي حدث أو تجاه أي رؤية، حيث تواتيه أدوات الإبداع ومقومات الكتابة الفنية.

والمجتمعات تتخاطب فيما بينها عبر مفردات لغوية، ذات قوالب محدّدة، ودلالات واضحة، ومصطلحات معروفة، تمثل الوسيلة التي تتحقق بها حاجات الأفراد، وتتحقق بها كذلك مصالحهم، ولكنها تظل في إطارها التخاطبي لغة تخاطب عادية، تؤدي المعاني التي تحملها، والمصطلحات التي تدل عليها، دون أن تضيف محسّنات إبداعية لأسلوب الحديث أو مستوى الكلمات ؛ ذلك أنها لا تستطيع تصوير المشاعر، وصياغة الأفكار، ورسم الآمال، وتجسيد الآلام وفق معايير أدبية فنية ذات مضامين فكرية يتسع فيها الخيال ، وتتألق عبرها الأفكار ؛ لأن الصياغة الأسلوبية الفنية تنبثق من الثقافة العميقة والموهبة الأصيلة، ومعلوم أن الكتابة تعد من أهم الأدوات التثقيفية في رسم السمات وتحديد الأفكار وتجسيم المعاني التي تعبر عن الخوالج الإنسانية، فتبعث في أوصالها الحياة ، وتجسد في نبضها الحيوية.

وأول مدارج المعرفة العلمية تتمثل في الدراسة التي تُخرج الفرد من إسار الأمية لتضعه على دروب العلم وأضوائه، فإذا ما اجتاز المراحل التعليمية اللازمة لمثله كان ذلك بمثابة إرهاص لتكوين ملكة أديب أو مولد شاعر إذا كان مهيأ لذلك بحسب الموهبة التي يتمتع بها، فكل من الأديب أو الشاعر سلاحه الموهبة التي هي معين الفكر ومشعل الشاعرية، فإذا توافر له التعليم واكتسب الخبرة استطاع أن يصنع الأدب أو الشعر الذي يسلكه في عداد الأدباء أو الشعراء الموهوبين.

ونشاطات الإنسان متعددة ومتنوعة لا سيما في الجانب الفكري أو العقلاني، فالأدب– نثراً أو شعراً– يُعنى بالنهج الفكري المرتبط بالعاطفة؛ لأنه يصدر عن تجربة وجدانية، على حين تتجه العلوم– والفلسفة بنوع خاص– إلى مخاطبة العقل الذي يهتم بالتجارب العقلانية، ويختلف الاتجاهان في النظرة وفي النتيجة، فالأدب محصول ثقافي، أما العلوم التجريبية فمردها إلى تفكير عقلاني، وعلى أساس هذا التصور فإن المحصلة النهائية للأدب أنه موروث ثقافي مرتبط بالتثقيف الذاتي تعززه موهبة أصيلة وملكة مدرّبة، على حين أن العلوم التجريبية مرتبطة بالجانب المعرفي إلى جانب أنها مستمدة من التفكير العقلاني الذي يسخّر التجربة، لتحقيق أهداف المعرفة والوصول إلى غاياتها، والثقافة جزء من العلم كما أنها لون من المعرفة.

 

الثقافة بين التعريف والمفهوم :

هل للثقافة تعريف محدد أم وصف مقيد؟ تعريفها المعجمي يحصرها في نطاق ضيق؛ لأنه ينظر إليها من زاوية محدودة تتمثل في معنى الكلمة (ثقافة)، يتبعها بطبيعة الحال معنى (المثقف)، فتكون على حد قول المعجم اللغوي: (حذاقة وصاحبها حاذق). هذه الخلاصة المعجمية لهذه الكلمة واقتصارها على هذا المعنى المحدود يجعلها مقصورة الدلالة محدودة المعنى، على حين أنها في واقعنا المعاصر تأخذ أبعاداً شتى، وتشمل ألواناً متعددة من النشاط الفكري والعملي، فهي مجموعة معارف يصل إليها الإنسان بجهده بوسائل مختلفة ذهنية وحسية، وهي في الغالب مرتبطة في أذهاننا بالناحية الفكرية التي تكون محصلتها الآداب والعلوم، وتجيء نتيجة الدراسة الجادة والاطلاع الواسع ، وفي محاضرة للأستاذ الدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك نُشرتْ في صحيفة الرياض بتاريخ 4/8/1418هـ بعنوان: (مفهوم الثقافة الشعبية والفصحى) تحدث عنها في مفهومها العام، وانتهى إلى أنها: (من أكثر المفاهيم تداولاً، ولكنها أيضاً من أكثرها غموضاً وتلوّناً، فالتعاريف التي اقتُرِحت في المائة سنة الأخيرة بلغت حداً من التنوع يصعب معه الاتفاق على تعريف). ثم يشير بعد ذلك إلى تداخل الحضارة والثقافة في هذا المفهوم، فيمتد تعريفها في مفاهيم آخرين، (فيعرفها بعضهم بأنها المجموعة المعقدة التي تشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل القابليات والتطبيقات الأخرى التي يكتسبها الإنسان في مجتمع ما، وهي تتصف بأنها مجموعة عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها في مجتمع من المجتمعات، وهي بهذا التعريف تبدو واسعة الدلالة مجملة المعانى تعطي تصوراً يدخل فيه كثير من النشاط البشري بل كل النشاط البشري المادي وغير المادي، يدخل – ضمن أطر الثقافة– فيشكل ملامح مميزة مادية وفكرية وروحية تميز مجتمعاً أو مجموعة اجتماعية يتعرف ذاته ويتعرف عليه غيره، وما يحدد الثقافـــة هنـــا هو خصوصيـــة القيم الاجتماعيـــة والاقتصاديــــة، وليس مدى تطورها وفعاليتهــا).

والثقافة في مفهومها العام لها امتدادات شاملة، فيتسع مدلولها ليشمل الحيِّز المكاني والمدى الزماني، فتمتد مساحةً، وتتعمق زماناً، بحيث تمتد شموليتها، فتشمل المناخ الطبعي لحركة الإنسان، وطبيعة المجتمع، وكل ما يعبر عن وجدان الأمة، فتنطلق كما ينطلق النهر المتدفق لتلامس أغوار النفوس، وتتخلّل عبر الطبقات الاجتماعية على اختلاف ألوانها وتعدد مناحيها، وتبعاً لشموليتها وامتداداتها يتأتَّى انتشارها الزماني وعمقها المكاني، وإذا كان الإنسان بحاجة لأن يتنفس الهواء بحكم أن حياته مرتبطة بهذا التنفس ما دام يحيا على صلة موصولة بالهواء الذي يمدّه بطاقة البقاء، فإن الثقافة رافد مهم للعقل، كما أن الهواء عنصر مهم للحياة.

وعن تحديد مسمى الثقافة وما ترمز إليه فقد اهتم المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه (مشكلة الثقافة) بإبراز (العوامل المختلفة التي لها دور ما في تحديد ثقافة معيّنة). وقد رصد تلك العوامل على امتداد صفحات كتابه المشار إليه فيما سلف، فقد حملت فصوله تحديد معالم الثقافة وتفسيرها على اختلاف مستوياتها، وأكّد هذا المفكر (مالك) امتداد ذلك التعريف للثقافة في أعماق التاريخ، فقد أشار إلى: (أن لفعل (ثقف) أصلاً لغوياً يتصل تاريخه بلغة ما قبل الإسلام حتى لنراه ورد في بعض آيات من القرآن الكريم من مثل قوله تعالى:{ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ }. ثم يعقب بعد ذلك على هذا الاستنتاج بقوله: (ومن هنا نفهم أيضاً أن كلمة ثقافة العربية لم تكسب إلى الآن قوة التحديد التي كان لنظيرتها الأوربية، وأننا مضطرون من أجل هذا إلى أن نقرنها بكلمة: (CULTURE) في مؤلفاتنا الفنية. وعلى هذا نستطيع أن نتصور عملية التثقيف في مرحلتين متميزتين : المرحلة الحركية ( الديناميكية )، والمرحلة الساكنة ( الإستاتيكية ) التي تسبق المرحلة الديناميكيــة مباشرة ). ثم ينتهي به تعريف الثقافـــة على النحو الآتي: (فالثقافة إذن تعرف بصورة عملية على أنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه، فهي على هذا: المحيطُ الذي يشكل فيه الفرد طباعـــه وشخصيته).

ولامتدادها في المجال التعريفي واتساع مفهومها، فإنه يضع لها تعريفاً واسع الإطار، فيصفها بأنها الوسط الذي تتكوّن فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وتتشكل كل جزئية من جزئياته وفق المنظور الذي وضعه المجتمع، وعلى أساس ذلك الطرح الذي انتهى إليه المفكر مالك بن نبي يتحدد تعريفها ومفهومها على المنوال الآتي: (فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تتضمنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة، وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة، وعواطف متشابهة).

وعن مفهوم الثقافـــة وأنها تعني في لغتنا العربيــــة وفي لغات أخرى ألوانـــاً عديدة من مناشط الحياة فقد كتب الأستاذ سعد الدين إبراهيم في صحيفة الحياة الصادرة بتاريخ 8/7/1418هـ / 8/11/1997م عن هذا المفهوم وعن تحديد (المثقف) بصورة خاصة فأشار إلى أنه: (في التراث العربي الإسلامي استخدمت كلمات عدة للإشارة إلى هذا المعنى مثل: صاحب القلم، والفقيه، والعلاّمة، والشاعر، والفيلسوف، والحكيم والشيخ، وحديثاً شاع استخدام كلمات: المتعلم، والمثقف، والأديب، والعالم، والفنان؛ لتدل على الشيء نفسه تقريباً). ثم إنه بعد ذلك أورد تعريفات عدة للمثقف في اللغات الأوربية الحديثة وانتهى إلى (أن معظم هذه التعريفات تلتقي في بعض النقاط الجوهرية، ويمكن التأليف بينها في تعريف توفيقي للمثقف يتضمن العناصر التالية: المعرفة العامة أو المتخصصة. الاهتمام بأمور الثقافة. الاهتمام بالمسائل العامة الأخرى لمجتمعه خارج نطاق تخصصه. التعبير عن هذه الاهتمامات العامة بقصد التأثير على المجتمع والسلطة). وبعد ما استوفى التعريفات التي تتبين في محيطها سمات المثقف يعود للإشارة إلى تعريف الثقافة نفسها على هذا النحو: ( أما التعريف الأنثروبولوجي السوسيولوجي للثقافة فهو أنها النسق الرمزي المادي العام الذي يشكل طريقة أي جماعة أو مجتمع: أي أن لكل جماعة إنسانية ثقافتها أو طريقة حياتها ولا توجد جماعة بشرية بلا ثقافة ، فالثقافة هي نتاج العيش معاً في جماعة). وبعد هذا التصور العام للثقافة في مفاهيمها ومراميها وأبعادها والتوسع في معانيها ودلالاتها يجيء التخصيص لتلك الدلالات على أساس أن ( هناك تعريفاً أكثر ضيقاً وتحديداً للثقافة يقصرها على العناصر الإبداعية في حياة المجتمع مثل: الفنون والآداب بكل أنواعها). وبعد أن ينتهي من تعديد أنواع الآداب وتحديدها في إطار المفهوم الثقافي يعقب على ذلك بما يأتي: (وهذا التحديد الأضيق للثقافة هو الذي تأخذ به وزارات الثقافة).

والمفهوم الشامل للثقافة في المجتمع المعاصر تنصرف إليه الأذهان عند ذكر المثقفين على نطاق الآحاد أو الأفراد. حتى لقد اكتسب هذا التعريف في خصوصيته بأفراد معينين ما يشبه الإجماع: سواء في إطلاقه على فئة مختصة من الفئات الاجتماعية المتعلمة أم حينما يُقصد به وصف حالة متميزة لشخصية من أفراد المجتمع، وذلك حين يجري التوصيف والتصنيف لطبقة معينة من المثقفين أو اختصاص فرد بهذه الصفة تتوافر لديه هذه الميزة.

والوعي بالثقافة صورة من صور التقدم الإنساني في المجمعات المتحضرة، ورمز من رموز التقدم المعاصر، والتثقيف الذاتي والثقافة العامة تمثيل للهوية الحضارية، فالبلدان المتخلفة في الوعي الثقافي تمثل التخلف في جميع أشكاله ومستوياته، ولذا فإنه لا بد أن تستيقظ في وجدان الأمة العربية الهموم الثقافية، لتستطيع نشر الوعي في آفاقها ومن حولهــا بعد أن تستوعبـــه مدركاتها، ويتمثّلـــه وجدانها، ويصبـــح هاجساً ملحاً من هواجسها، فالثقافة يُفترض أن تكون مؤثرة بذاتها ولها عطاؤها وتأثيرها، والثقافة المؤثرة يكون لها عطاء ملموس، وهدف مرموق، والمثقف المتطلع نحو الآفاق العليا لايسعه أن يتحصن بالسلبية في عزلة اجتماعية يائسة، بل من واجبه أن يشارك مجتمعه الإنساني وفق قدراته وبحسب مواهبه، فيسهم في حمل راية الثقافة التي ترفع من شأن الأمم، وتعلي مكانة الشعوب.

 

الواقــع الثقافـي :

تحتل الثقافة في عالمنا المعاصر واقعاً متميزاً تحتشد فيه عوامل ذات أثر فاعل في الاتجاهات الفكرية، وفي حياة العصر بصورة عامة، ولعل من البداهة الإشارة إلى أن الفكر وليد الثقافة ومكمل لها، وفي ضوء هذا المنظور تحتسب مقومات الفكر امتداداً لعطاء الثقافة التي هي أساس في تقدم الفكر وإنارته ، ولا يخالجنا أدنى ريب في هذا المفهوم الذي يكرّسه ويؤكده واقع الأمم المعاصرة، فمن المعلوم أن التخلف الفكري مبني على الانحسار الثقافي والإفلاس المعرفي، فالمعرفة تمثل الأسس التي تقوم عليها ركائز التقدم الإنساني بكل جوانبه الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وما سواها مما يدخل في مدلولها أو يسير على نهجها، فمنذ أن تشكلت المعرفة الأولى قديماً وعُرِفتْ أبجدية الحروف التي تكونت منها الكلمة وصيغت منها العبارة المؤدية للمعنى المفيد، والإنسان يتعلّم ليستفيد، ولكي يستطيع أن يفكر تفكيراً متميزاً يرتقي به في سلّم الإنسانية التي ترتفع عن الحيوانية بالفهم والإدراك وحسن التفكير، وأمام هذا المنحنى في طريق الصعود في آفاق الحياة فإنه لا بد من رفع راية العلم والاستظلال بها، لا سيما في هذه الأجواء الشاحبة التي تعكّر أديمها رياح عاتية وتدفعها أهواء متحيزة، وفي ظل هذا المفهوم يتعيّن تحديد المسارات اللازمة للإنسان في منهج حياته، وتحديد الطريق الذي يسلكه نحو أهدافه، والثقافة والفكر والعلم والمعرفة تلك هي الركائز التي ينطلق منها، والمصادر التي يعتمد عليها في تزويده بالقدرات التي تمكنه من السير في الاتجاه السليم، وتحقيق فاعلية وجوده عضواً عاملاً في مجتمع منتج وأداة فاعلة في أمة متقدمة.

لقد حظيت الثقافة في مفهومها العام باهتمامات كثيرة، عملت على اتساع نطاقها، وتأكيد حضورها، وبالذات في هذه الحقبة من الزمان بشكل لم تكن تحظى به من قبل في عصور سابقة، ولعل ثورة التقنية المعاصرة في كثير من مرافق الحياة وفي الاتصالات بنوع خاص مما وسع نطاق الثقافة، وصنع لها تلك الأبعاد الواسعة، ومن قبل كانت محصورة بين أسوار محدودة من الانعزالية السائدة في الماضي قبل حدوث التقدم الكبير، وحصول التطورات الرائعة التي صاحبت المنجزات الحضارية المتقدمة التي حققت طفرات مشهودة في مجالات متعددة من أساليب الحياة وفي أنحاء واسعة من أركان الدنيا ؛ وإذا كانت هناك بلدان مغلقة على شعوبها فيما سبق لضعف المواصلات وانقطاع الاتصالات ، فقد أصبحت في هذه الحقبة الزمانية الحالية متقاربة جداً. حتى لكأن العالم الممتد المكان المتعدد التوجهات انطوى في عالم واحد، تقاربت بلدانه والتقت شعوبه، فإن ما حدث في هذا العصر لم تكن له سابقة فيما سلف من انصهار ثقافات وأفكار والتقائها حيث تتفاعل الثقافات بحكم التجاور أو الاختلاط أو المحاكاة، ومن خلال ثورة المعلومات، وخاصة الاتصالات التي يمثلها العصر ويمارسها المعاصرون، وقد تفاعلت الثقافة العربية في حاضرها مع الثقافات الأجنبية، وكان ناتج هذا التفاعل: امتزاج تلك الثقافات الأخرى بالثقافة العربية، وتأثرها بها وتأثيرها فيها، كما سبق أن وفدت الثقافات الأجنبية إلى البلدان العربية في عصور متقدمة، ولا سيما في عصر الترجمة في العصر العباسي، حين امتزجت ثقافات البلدان المفتوحة بثقافة البلاد العربية، وانصهرت في كيانها، وذابت فيها، ثم صارت جزءاً منها؛ لأن الأمة العربية حينذاك كانت تملك القوة فكانت مؤثِّرة أكثر منها متأثرة.

وقد دار الزمان دورته، فحدث العكس في قابلية التأثر وعملية التأثير، فقد صار التفوق في المعارف والعلوم لأمم أخرى، وتحديداً كان التفوق ثقافياً وتقنياً في جميع الفنون للأمم الغربية، واقتصر أثر العرب على النقل والاقتباس والمحاكاة لكثير من أنواع المعرفة والحضارة والفكر والثقافة، ولم يَعُدْ صراع الحضارات مقصوراً على التقنيات الفنية والعلمية فحسب، بل وفي ألوان الثقافة في شمولها الفكري والمعرفي، أما في هذه الحقبة فإن الذي يسود الساحة العالمية أنواع من التقدم العلمي والتحديث التقني لم تكن معروفة في أسلافنا ، وليست واردة في حساباتنا ، كما يتمثل ذلك في الأسلحة النّوويّة التي عطلت فاعلية الأسلحة المعروفة في عصرنا التي كان لها تفوق منظور وضعت الأسلحة التقليدية في العصور الماضية (الرمح والسيف والحربة) في متحف التاريخ نموذجاً لسلاح انتهى أثره في الحياة، فقد جاء أثر المارد النّووي نموذجاً للسلاح الفتاك الذي يجوب الآفاق ويهدد بهلاك البشرية، كما يتمثل ذلك في قنابل نووية وهدروجينية وبيولوجية تحملها صواريخ تجتاز مسافات بعيدة لتكون نذيراً بتدمير العالم، وذلك يعود لتوظيف المعلومات فيها بما يعجل بفناء البشرية بدلاً من إسعادها، ولا يزال التسابق في هذا المجال يعلن عن نفسه في كل مناسبة، وإذا كان نوبل وضع جائزة كبيرة تكفيراً عن اختراعه الذي لا يتجاوز خطره مجموعة من الأفراد، فبماذا يكفّر هؤلاء المخترعون لأسلحة الدمار الشامل في عصرنا الحاضر؟! وإلى متى يستمر استغلال العلم في غير موضعه بين القوى العظمى لإنتاج هذا السلاح المخيف؟! إلاّ إذا كان الهدف أن يكون العالم اليوم في قبضة قوة واحدة أو في قبضة مجموعة قوى متحدة المصالح ومتفقة الأهداف، أو لعلها بعض مظاهر خطة العولمة المطروحة لاستقبال القرن الحادي والعشرين الميلادي؟!

وفي حديث أجرته صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ 11/2/1419هـ / 5/6/1998م مع المفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون عن صراع الحضارات جاء في حديثه ما نصه: (ليس من المحتمل أن تهزم القومية الثقافية العولمة أينما ظهرت، ورغم الحماس الشديد حيال العكس فإن سيادة العولمة المعيار في معظم أرجاء عالمنا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي). وإذا كانت الخطوات السابقة في عالم المعرفة ضيّقة المسافة محدودة الإطار، فقد تبدّل الوضع في الوقت الراهن عندما امتدت آفاقها وتعددت طرقها وكثرت تعريفاتها وتلونت اختصاصاتها وتنوعت وظائفها وأدواتها، فكان لها حضورها الملموس في الحياة المعاصرة إلى جانب ما تؤديه الثقافة من أدوار خاصة بها في توجيه الفكر الإنساني وصياغة الوجدان الاجتماعي، ولعل مردّ ذلك التأثير المباشر يعود إلى الامتزاج والتلاحم بين الثقافة ذات الأساس الثابت والنبع الدائم والحضارة ذات الإنجازات المتقدمة والتحديث الجديد، فقد التقت كل منهما بالأخرى على صعيد هذا العصر، وكان بينهما من التواصل ما يشبه الامتزاج، فأخذت الثقافة كثيراً من ملامح الحضارة وسماتها حتى صار التعبير بالمفردة الحضارية يصطبغ في الذهن على أنه لون من ألوان الثقافة أو تعبير عنها، فبينهما من التبادل في المفهوم ما يجعل إحداهما تمثل الأخرى، أو تُعَدُّ مكمّلة لها أو امتداداً لطبيعتها ، وهذا التقدم في المفهوم المتبادل بين هذين اللونين من مقومات الحياة: تَرسَّخَ في ذهن الإنسان المعاصر على نمط يشمل حركة المجتمع وأنواع نشاطه وأهم معطياته وهو منظور ينتظم البيئات البشرية على تعدد مناحيها وتنوّع سلوكياتها، وهذا المفهوم للتطور الحضاري في العصر الحديث شمل شرائح ثقافية واجتماعية تحت اسم واحد فصار التعبير عن الثقافة بالحضارة أو التعبير عن الحضارة بالثقافة من الأشياء المألوفة، لتداخلها في مفهوم واحد، وتقاربهما في الاختصاص، فاقترب المفهومان، وتداخل الاثنان، حتى كادا يتطابقان في الأذهان، وإن اختلفت بينهما كثير من الملامح والسمات.

وبلادنا في تاريخها الإسلامي وموروثها العربي وفي واقعها الاجتماعي تمثل الخطّ الثقافي المستقيم الذي ترسّمته الأمة العربية في ماضيها الإسلامي المجيد، وسارت عليه في حاضرها الحالي، وما بين ذلك الماضي الذي يختفي وراء قرون عديدة من الزمان وبين هذا الحاضر الذي نعيشه في مواجهة مدّ زاخر من أشكال الحضارة الحديثة نجد أننا نحيا وسط أطياف الماضي وتراكمات الحاضر ومستجدات المستقبل، فعلينا أن نعرف كيف تسير خطواتنا؟ وكيف نبني مستقبلنا في عصر العولمة و(الإنترنت والكمبيوتر) والأسلحة النّوويّة ؟! إننا في عالم عادت فيه جاهلية القرون الأولى والشواهد من واقع الحال للأمم التي تحيا فوق هذا الكوكب الأرضي، وتتطلع إلى حقوقها حيث يتسلط القوي، ويستخذي الضعيف، على الرغم من إطلاق شعارات براقة تدعو أو تدّعي المحافظة على حقوق الإنسان!

وإذا كانت هذه البلاد في انطلاقاتها إلى المعاصرة تجد من واجبها المحافظة على أسسها ومكوّناتها في التمسك بعقيدتها، والمحافظة على مسلّماتها اليقينيّة التي لا تقبل التراخي في الالتزام بها أو التهاون في تطبيقها؛ لأنها تمثل أهم مقومات هذه الأمة وأصدق ممارساتها لذلك فمنطلقاتها مع التطورات المتقدمة والتحولات الجديدة لا تنسيها الثوابت القائمة والمسلّمات الدائمة التي تمثل واقعها في الحياة وتعاملها مع المستجدات، إلى جانب الالتزام بما سلفت الإشارة إليه والتقيد به عَبْر تلك الحقائق فإنها لا تقف من إنجازات العصر موقف الجمود، ولا تنظر إليها من نافذة مغلقة، وإنما تنطلق في موقفها ونظرتها من رحابة الأبعاد العالمية، ومن الأجواء المفتوحة التي تحيط بها، إذْ لا يمكن أن تغلق على نفسها المنافذ، وتسد الأبواب المفتوحة، فتعتزل المجتمعات العالمية، وهي تعيش على ضفاف بحارها، وتتصل بحدودها، وتتنقل عبر أجوائها، وتستورد صادراتها، وتستخدم مصنوعاتها، وتعيش على منجزاتها. وفي ظل هذا الاعتبار فقد شاركت العالم من حولها في تقدّمه، واستفادت من حضاراته وطوّرت أدواتها ونوّعت وسائلها مواكَبةً لإنتاجه وتجاوباً مع قدراته، وبذلك انفتحت على العالم الخارجي، وفتحت جميع نوافذها للاقتباس من ثقافته والاستفادة من حضارته. على أنها تحتفظ في ذاتها بسماتها الأصيلة ومكوّناتها الأساسية، وهي تنفتح على غيرها وتتأثر بسواها، فلاتنسى في غمرة اتصالاتها الواسعة وتأثرها بالحضارة الوافدة طابع حياتها الفكرية والثقافية، وأن هذا الطابع موصول بقيمها، ومرتكز على عقيدتها وأنها امتداد للحضارة الإسلامية المرموقة وجزء من عالم عربي لغة وتراثاً كما كانت ولا تزال أمة عربية أصالة وتاريخاً، وهي بحكم هذا وذاك تجد نفسها عميقة الصلات بماضيها التاريخي والتراثي والفكري، وإزاء ما يطفح به العصر من تقنيات وتحولات وشبكات للأقمار الصناعية وقنوات فضائية يتولّد لديها شعور بأهمية رسالتها في هذا المحيط الزاخر بالعلوم، المتفجر بالمعرفة، حتى تستطيع أن تواكب العصر بمقتنياته المتطورة واتصالاته المتقدمة وانتشاره الواسع وتدفق المعلومات في فضاء السماء وعلى أديم الأرض، وتسير مع التيارات المندفعة قبل أن يلفّها إعصار قادم، فلا مكان لمن يتخلّف عن ركب الحضارة الذي يسير بسرعة فائقة، فواقع العصر يفرض التطور ويجاريه، والبلدان العربية والإسلامية تواجه اليوم تحديات غربيّة تُفْرِز أحداثاً طارئة، وتملي واقعاً مليئاً بالمتغيرات والمفاجآت.

والحياة التنموية حملت معها تطورات مادية وفكرية، تمثل إشارات مهمة على طريق التحدي واختباراً للوجدان الاجتماعي، وما صاحبها من انهمار سيل من العلوم والمعارف تأتي في مسلسل متتابع وعلى أنماط تراكمية متجسدة في انبعاث صيغ فكرية وتبدلات ثقافية تأخذ نسقها المتواصل في مسار جديد، ولو تأملنا هذا المسار الفكري والثقافي وأمعنّا في أثره وتأثيره لرأينا صورة هذه البلاد وهي تواجه المدّ الزاخر والكم الفائض من التيارات الوافدة التي عَبَرت الأجواء، واجتازت الحدود من خلال قنوات وتقنيات، لم تكن معروفة من قبل ولا مألوفة في حياة آبائنا السابقين، وبذلك يصبح التحصن ضدها من خلال تعامل واعٍ يدرك أثرها، ويعي أسلوبها ويستثمرها لصالح مواطنه بدلاً من أن ينساق في تيارها وهو فارغ الفكر مسلوب الحصانة في مواجهة جادة ملحّة، والتعامل يخضع لحسابات شتى ليس أقلها التوعية العامة لطريقة التعامل مع تلك الأنماط الحضارية على مستوى النديّة والفهم، لا الوقوف عند حدود الاكتفاء بالانغلاق أو الرفض، فلم تعد أدوات الرفض مجدية في ساحة مفتوحة وأمام غزو فكري منظّم يعلو في الأفق ويبثّه الأثير! وبلادنا وهي تمثل قلب الأمة الإسلامية ووجدان العروبة النابض ترى أن من واجبها وضع تحصينات تحمي أبناءها من الانزلاق نحو تلك البرامج المحفوفة بالمغريات حتى لا يصبحوا ضحايا للقنوات الجانحة والأفكار الجامحة، وإذا أمكن استنطاق الأحداث والمواقف التي وجدت البلاد نفسها في مواجهتها فإن عليها صياغة أدوارها على الأسس المنهجية التي ارتضتها لنفسها، وأصبحت طابعاً لمسيرتها، فإذا كانت المنجزات التقنية والمادية ما زالت تشكل عنصراً فاعلاً في أسس النهضة الحالية سواء من ناحية الكم أو من ناحية النوعية، فإنها قد اضطلعت بعملها الذي آمنت به، وطبقته في تصرفاتها في تلقي البدايات الحضارية أو في مواجهة زخمها وامتداداتها التي صارت تشكل موقفاً ملموساً يحدد الخطوات التي يجب أن تسير عليها كما تلقت البدايات، والعصر بما يمثله من إنجازات تقدمية، وما يحفل به من تقلبات وتبدلات يسير نحو أهدافه بخطى سريعة وفعاليات جديدة وإزاء هذا المد الجارف. لا بد من إعداد أساليب حديثة وصيغ فاعلة تستطيع من خلالها استيعاب تلك الفعاليات وتحجيم آثار البرامج التي تجرّ الشباب ولا سيما المراهقين إلى مستنقعات آسنة تلتهم حيويتهم، وتقضي على كيانهم، وتحطم مستقبلهم وتؤدي بهم إلى الضياع والهلاك.

وفي ضوء ذلك التحدي الذي يغزونا من كل فج ويروّج المغريات من كل لون يحسن أن نضع في مواجهته برامج تحمل التوجيهات المقبولة والتوجّهات المطلوبة؛ لأن النصائح المباشرة ثقيلة على نفس المتلقي، وعسيرة القبول لدى الشاب المتحفّز، وكما صنع الغربيون للاحتيال في الإقبال على برامجهم، وبثها بوسائل نفسية، يتصيدون من خلالها الشباب حيث يسهل التأثير عليهم وكسبهم لما يروّج لهم، فإن وضع برامج تثقيفية محفوفة بالتشويق، ومشمولة بالتنويع، يمكنها أن تجلب انتباه الشباب الذين تحولوا نحو تلك القنوات الأجنبية التي تحمل الغواية، وتمزج برامجها بالإغراءات الخادعة فتكون عودتهم إلى البرامج المحلية الهادفة التي تصوغ أفكارهم وفق القيم التي يعيشها مجتمعهم وتسود بلادهم، والتحرك داخل هذا الإطار يقتضي توظيف الحركة الفكرية والثقافية، وغرس المفاهيم السليمة في نفوسهم من أجل حمايتهم من الانحراف، وتحصينهم ضد الضياع، والحركة الفكرية والثقافية التي وضعت في حسبانها أهدافاً تتسع لكل المبادرات، وتحتوي كل خروج على المجتمع على أي صورة من صور المؤثرات الخارجية، فتعمل على توجيه القدرات الشبابية، وتنسيق أفكارها بما لا يتعارض مع مسارها الصحيح الذي رسمته الأمة وباركه المجتمع، وبهذه الوسائل وما سواها مما يمكن بثّه في نفوس الشباب وإنارة أذهانهم وتشجيعهم على الالتزام بآدابه والتمسك بثوابته، وبذلك يمكن الخروج من نطاق الدائرة الخارجية التي تهيمن عليها أجواء الإرسال الفضائي، حتى تتسنى إعادتهم إلى حصانة المبادئ وسلامة الأهداف.

ولا ريب أن الإسهامات الثقافية المحلية عندما تتوافر لها الجهود المكثفة والخطط الناجحة، فإنها تحقق الغاية المرجوة بتحويل الأنظار من القنوات الغازية المدمّرة إلى القنوات الصالحة المفيدة، ومفهوم الحركة الفكرية والثقافية يتجاوز المفهوم التقليدي الذي يحصرها في نطاق ضيّق من الإنتاج، أو يحدها بأسوار عالية من المحلية الضيِّقة، فما تتوهج به الأذهان الخصبة من عطاءات فكرية ومعطيات ثقافية تُجسد في ذاتها طموحات أبناء الوطن، وتُخصب أفكارهم، وتملأ الفراغ الذي يلمسونه في واقعهم، ويشعرون به في ذواتهم، وأهم العوامل المؤثرة في هذا المجال: رصد التيارات الثقافية العالمية واستخلاص أفضل معطياتها، وتهيئة الجيل الحالي لمواجهة هذه التيارات مسلّحين بالمعرفة الأصيلة، ومزودين بالثقافة الواعية، حتى لا يؤخذوا على غِرة، ولا ينخدعوا ببريق الألفاظ ورنين الكلمات التي يجري إطلاقها دون محتوى مفيد يقف عند حقيقة ملموسة أو هدف له ما يسوغه يمكن أن ينتهي إلى غاية نبيلة أو إصلاح مطلوب، ومن المهم في هذا الصدد وضع إستراتيجية ذات سياسة مقنعة، ووفق خطة مدروسة، تؤدي إلى تبديل المسار الخاطئ وتصحيح المفهوم المنحرف، وذلك من أجل دعم توجهات الشبــاب بإمكانات ثقافيـــة، تحول بينهم وبين الانسيـــاق خلف الثقافات المشبوهة التي لا يستطيعون إدراك مغزاها، ولا استيعاب أهدافها، ولا التحوط من انحيازاتها، وقد ينساقون نحو التأثر بمفاهيمها المغلوطة واتجاهاتها المنحازة، ولذا فإن من المهم التحرر من التلوّث الفضائي المشحون بأفكار منحرفة، أو ممارسات خاطئة، وما تنطوي عليه من مخالفة القواعد الخلقية القويمة والسلوكيات الاجتماعية المرعية.

ومع التسليم بأن أدوات التثقيف ليست محصورة في نوع واحد من الوسائل إلاّ أن الرعاية الثقافية والتوعية الفكرية تحققان الآمال المطروحة وعلاج الأوضاع الجريحة ، فالثقافة لا تقاس في عطاءاتها بالمنتجات الصناعية ؛ لأن الفكر يختلف عن المصنع في طبيعته وغايته، فالإنتاج الصناعي ليس بديلاً للفكر المثقف الذي يقود الإنسان إلى المنابر العالية والآفاق الرحبة، أو الثقافة الفكرية التي تختلف عن المادة في طبيعتها ومضمونها وجوهرها. والحياة الثقافية في مجمل أوضاعها تؤدي مهمتها عبر أجهزة ومؤسسات خاصـة بها، وهي تحقـــق منجزاتهــا، وتدعم بنيانهــا لتستشرف آفاقاً متألقة في الإبداع مما يدفع بالتوجهات الفكرية للانطلاق في أجواء مفتوحة، ومن خلال أبواب مُشْرَعة لتحقيق طموحات أدبية تعد محل اهتمام المجتمع وموضع اعتزازه، ولا سيما حينما تتجمّع تلك الأفكار داخل إطار مؤسسي واحد، ينتظم العمل الثقافي ويوحّد التوجه الفكري، وذلك يخضع في عمومه لتوافر الظروف البيئية المساندة، والبنْية الفكرية المساعدة، لتتم في وعاء تلك البيئة وفي أحضان تلك البنْية حركة التطور الإنساني باعتبار الحركة الفكرية والثقافية عملاً أساسياً في الصرح الحضاري، كما هو ملموس في المنظور التراثي، وفي معطيات التجربة الإنسانية المتجددة، ولعل ذلك يتحقق بامتداد أفق الحوار المثمر، وتوسيع نطاقه على مستوى عام، وتنشيط التوجّه الفكري في أعلى مستوياته، وتهيئة المناخ المناسب لتطوير المستويات الثقافية لتكون في أفضل حالاتها وأروع إيقاعاتها على صعيد تتجـــاوب مع أصدائه مناهل الثقافــة ومنابع الفكر، وإذا كـــان الغرب قد وظّف كل قـــواه الذاتيـــة والماديـــة في استثمار العلم والمعرفة، وبهذا الاستثمار استطاع تحقيـــق الإنجازات الحضاريــة والتفوق التقني في مجالات كثيرة وميادين واسعة، فإنه عمل كذلك على الإفادة الكاملة من خصائص الفكر ومعطيـــات الثقافة من خلال أساليب مختلفة وطــــرق متعددة وظّفهـــا في رقي الحياة الذهنيـــة، وتطوير أساليبها والارتفــــاع بالإنسان المتحضر إلى آفاق سامية من الآداب والفنون الجميلة على مختلف ألوانها الفكرية والثقافية، وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأمم الغربية، فإن من واجب الأمة العربية وهي لا تزال في حاضرها تحيا على سفوح الحضارة الغربية، والثقافات الوافــدة أن تحقق وجودها بالعلم والمعرفة، كما حققت الأمم المتقدمة وجودها وأثبتت حضورها المادي والمعنوي في عصر يموج بالمنجزات الحضارية الضخمة، وتتوهج فيه الأفكار والثقافــات.


 

الفصل الثاني: واقع الثقافة والفكر في مناطق المملكة:

تمهيـــد :

الصورة التي تتراءى لنا عن الحركة الفكرية والثقافية في هذه البلاد قبل عهد الملك عبدالعزيز– رحمه الله تعالى– يمكن أن ننظر إليها من خلال استعراض موجز للواقع العلمي والأدبي الذي عاشته المناطق الكبرى في المملكة العربية السعودية، التي هي أكثر المناطق اتساعاً وكثافةً في السكان وأقدمها ثقافة، ومدى تأثرها بحقبة الركود الفكري التي عمت البلدان العربية في أعقاب الاستعمار الذي امتد ليشمل مساحات من البلدان العربية سواءً على مستوى الحكم العثماني الذي امتدت ظلاله لتشمل منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى جانب منطقة عسير والأحساء من هذه البلاد، أو ما تلاه من استعمار بريطاني وفرنسي تركز في بعض البلدان العربية التي تحررت فيما بعد، فقد كادت ظلال الاستعمار القاتمة تطمس الصورة الوجدانية للشعوب العربية التي سادها ذلك الاستعمار، وحجّم أثرها العلمي، وقلّص مساحتها الثقافية، وحدّ من حرية انطلاقاتها الفكرية. والمناطق التي يجري استعراضها هنا إلى جانب أنها نماذج لبقية مناطق المملكة فإنها تمثل واقعاً عاشته وتجربة مرّت بها، ومن خلال ذلك الواقع وتلك التجربة فإنها تقدّم تصوراً واضحاً بقدر الإمكان عن تلك الحقبة التاريخية من حياتنا العامة، أو لعلها تحقق ذلك كما هو المظنون، وهي في الوقت نفسه تجسد نماذج متقاربة في المستويات الفكرية والثقافية ينتظمها تاريخ واحد، وتشملها مدة زمنيّة معينة، تعطي انطباعاً موحداً أو شبه موحد عن أوضاع متشابهة تشمل كل مناطق البلاد وجميع أجزائها. كما هو أيضاً واقع الثقافة والفكر في تلك الحقبة بالنسبة للعالم العربي الذي سبقتنا بعضُ بلدانه في هذا الميدان، وقد سلفت الإشارة إلى تحديد تلك المدة التي عانت منها بلادنا وبلدان أخرى على المنوال نفسه بدءاً من النصف الثاني للقرن السابع الهجري حتى فجر النهضة الحديثة عندما استيقظت الأمة العربية من سباتها بعد طول رقدتها، واستطاعت التكيف مع آمالها وطموحاتها ببعث ماضيها والعودة إلى منابعها الأصلية، ونحن في هذه البلاد جزء من الأمة العربية في الصحوة العلمية والعودة الثقافية كما تمّ ذلك في عهدنا الحالي. وفيما يأتي استعراض