مقدمـــة :
تسود
الأمم – على امتداد تاريخها الذي تحياه – تطورات وتحولات تترجم ماضيها وتعبّر عن
حاضرها، وهي تطورات تخضع لعوامل العصر، وتحولات تساير سنة الحياة، ومرور مائة عام
على تأسيس المملكة العربية السعودية حدث مهم في بناء كيان هذه الأمة وفي واقع هذا
الوطن، وإن قرناً من الزمان في حياة هذا الشعب تتابعت فيه أحداث كبيرة، وتكونت
خلاله أجيال عديدة جدير بأن يكون موضع حفاوة، ومحل احتفاء، والمؤتمر الذي يقام
بمشيئـــة الله – تبارك وتعالى – تحت شعار
(المملكـة العربيــة السعودية في مائـــة عـام) تدور أبحاثــه حاضـــراً – كما دارت
أحداثـــــه سابقاً – في شخصية الملك عبدالعزيـــز– طيب الله ثراه– المؤسس لهذه الدولة
التي نتفيأ ظلالها، وهو – رحمه الله تعالى– يمثل شخصية متعددة الجوانب رحبة
الأبعاد ، ولعل الجانب الذي أكتب عنه المتمثل في: ( الحركة الفكرية والثقافية ) لا
يمثل سوى شريحة محدودة من إنجازات عهد سخي وافر العطاء ، وإذا كانت النواحي الأخرى
قد غُطّيت بمؤلفات كثيرة، فإن هذه الناحية لا تزال في بداياتها لم تصدر عندنا فيها
مؤلفات مستقلة بذاتها، تحدد جوانبها، وتثري مادتها، وتوضح مسارها، وتجلو صورتها،
وإنما يجيء الحديث عن هذه الحركة ضمناً في صورة لمحة عابرة أو إشارة مختصرة
اقتضاها السياق ضمن بحث أحد جوانب النهضة الأدبية العامة في هذه البلاد على نطاق
عـام، مما يعني افتقار المكتبة الأدبية إلى مؤلَّف أو أكثر يختص بإلقاء الضوء على
الحركة الفكرية والثقافية بنوع خاص، على غرار ما جرى من تغطية الأحداث المرافقة
لمسيرة هذا العاهل الكبير من خلال مؤلفات كثيرة شملت تخصصات عديدة عدا هذه الحركة،
ولعل من فضائل الاحتفاء بالقرن التأسيسي للمملكة، وما انبثق عنه من اهتمامات
بتغطية الجوانب المهمة من حياة الملك عبدالعزيز التي نعيشها حاضراً متصلاً
وتاريخاً ممتداً أن يكون للحركة الفكرية والثقافية أثر في هذه المناسبة، والواقع
الملموس يُنْبئُنا أن المكتبة السعودية تفتقر إلى تدوين هذه الحركة وتوثيقها بهذا
العهد، فلا نزال نشعر بفراغ في هذا الجانب المهم من حياتنا الأدبية على امتداد
حقبة زمنية مساحتها مائة عام.
وقد يرد على الذهن أن يكون منطلق هذه الدراسة : بدايةً من الرجوع إلى
مستهل الدور الأول من أدوار الأسرة السعودية الحاكمة، عنـدما التقى الإمامان:
(المحمدان) على الكتاب المنزل والسنّة المطهرة، وهما المصدران الأساسيان في حكم
الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً إن شاء الله، وإذا
كان هذا الموضوع يدخل في النسيج العام لـدراسة شاملة لأدوار هذه الأسرة بصورة
عامة، ولتاريخ الملك عبدالعزيز بصفة خاصة، فإن الحركة الفكرية والثقافية – موضوع
هذا البحث – يحكمها إطار التحديد بعهد الملك عبدالعزيز الذي تبـــدأ منــه، فكان
من الطبعي – والواقع كذلك – أن تكون بداية البحث وارتباطه بعهد الملك عبدالعزيز
بحكم أنه المؤسس لهذا الدور الثالث من أدوار الدولة السعوديـة، ولأن هذه الحركة
تُعَدُّ إحدى صور منجزات عهده المديد من عمر هذه الدولة.
وعندما التزمتُ بالكتابة عن الحركة الفكرية والثقافية في هذه البلاد
خلال المدة المحددة كنتُ أظن أنني لن أتكلف البحث عن المراجع لهذه الحركة، وأنها
من الكثرة بحيث لا تحتاج إلى جهـــد، وحينمـــا توجهتُ لوضع خطة الدراســة، وتحديد
معالمها الرئيسة: كان هاجسي أني سأجد مؤلفات عديدة تتحدث عن هذه الحركة في
مستوياتها المختلفة، وفي عهودها المتعددة، وفي ألوانها المتنوعة، وقد عوّلتُ في
رسم الخطة على تلك المصادر التي وضعتُ في حسباني أنها ستجيب عن التساؤلات التي
تقوم في ذهني، وأنها ستفتح أمامي نوافذ أتطلّع منها إلى عطاء مفيد، ولكني بعد
المعاناة في البحث والمراجعة لم أجد سوى لمحات سريعــة لا تقف بالقارئ على معلومة
موفورة، إنما هي أمشاج لا تلبي نداء الباحث، ولا تشبع رغبة الدارس، وأكثر من ذلك
أني رجعت إلى عناوين كثيرة، أبحث عن أضواء جديدة، تنير مسار هذه الحركة وتطوراتها،
وترصد خطواتها فإذا بي أواجه خداع العناوين، فبعض المؤلفات يوحي عنوانه بأنه يحوي
بين دفتيه ما يثري الدراسة عن الثقافة والفكر، وبعد إهدار وقت في قراءته وتتبع
فصوله أجد أنه لا يضم أي سمات فكرية أو ثقافية، وإن بدت بعض العناوين كأنما توحي
بتلك السمات السرابية.
الأمم
تنطلق في حياتها عبر تيارات تحدوها توجهات، وتتلوها مؤثرات في مختلف أوجه الحياة
وصورها، وإذا أخضعنا هذا القول لما ينطوي عليه عالم الفكر والثقافة: تتبين لنا
مؤشرات عامة تقود إلى قضايا خاصة، فالتوجه الفكري يستمد فاعليته وانطلاقته من
المدّ الثقافي الذي يختزنه ذهن الفرد أو يستوعبه فكره بمساندة موهبة أصيلة وملكة
مدربة، وبذلك يتوهج العطاء الفكري. ومما هو محل إدراك على نطاق واسع أن الثقافة
تتبوأ مكانة كبيرة تحتشد فيها عوامل فاعلة في الحركة الفكرية، ولعل من بداهة القول
أو تحصيل الحاصل أن الفكر والثقافة مكملان لبعضهما، ووفق هذه الرؤية فإن المقومات
الفكرية تُعَدّ امتداداً للحركة الثقافية التي هي أساس في نموها وإشراقتها، ومنذ
أن تكونت الإرهاصات المعرفية للإنسان في الماضي البعيد وعرف أبجدية الحروف التي
تشكلت منها الكلمة المفيدة للمعنى وهو يحاول أن يتعلم كيف يثري فكره، ويستثمر
عقله، بحيث يتجاوز نطاق البدائية التي كان فيها من قبل، وليصعد بالعلم والإدراك
إلى المنزلة التي تخطّت مرحلة التخلف، وعلى هذا الأساس في دروب الصعود استطاع مع
مرور الزمن وتقدم الأساليب الاجتماعية أن يرسم لنفسه منهجاً في طريق العلم
والمعرفة سعياً وراء تحقيق أهدافه في مجال الثقافة والفكر، وتلك العوامل بمثابة
الركائز التي يعتمد عليها في تزويده بالقدرات التي تمدّه بالرؤية العميقة والإدراك
السليم، وتهيئ له سلامة الاختيار فيما يستقبل من أمره، واستعمال الأدوات والوسائل
التي تمكنه من تمهيد السبيل أمامه ليكون فرداً فاعلاً في مجتمع منتج.
ومع
توافر أدوات التثقيف وقيام مؤسسات معرفية : استطاع الفكر أن يجد مجاله في الابتكار
والإبداع، كما استطاعت الثقافة تحقيق وجودها وبث رسالتها، وكل ذلك يتم من خلال
أجواء مفتوحة وأبواب مشرعة لتجسيد آمال وأحلام يختزنها عقل الإنسان منذ اكتمال
وعيه واستكمال إدراكه في خضم ما يجري حوله من
أحداث، وما يعايشه من تحولات، وما يحيطه من أجواء، وتبرز الأفكار المتميّزة
في إطار مؤسسي واحد ينتظم الفكر والثقافة معاً، وذلك في ذاته يخضع لطبيعة الظروف
البيئية المساعدة، والبنية الفكرية المساندة، ففي وعاء تلك البيئة وعلى قواعد تلك
البنية تكتمل معالم التطور الفكري والثقافي من واقع عالم الإنسان. بحكم أن الثقافة
والفكر أهم الدعامات الأساسية للصرح الحضاري ليس في عصرنا الحالي فحسب، وإنما عبر
العصور السالفة والأزمان الماضية، كما هو واقع التجربة الإنسانية المتجددة في
نماذج وصور معاصرة، وذلك مما يساعد على دفع التوجه الفكري إلى آفاق فسيحة من الرؤى
المدركة والثقافات المستوعبة. وتتحدّد مكانة أي أمة في أهمية أدوارها في هذه
الحياة بما تتصف به من فكر، وما تمثله من ثقافة، فالإبداع الحضاري لا ينشأ من
فراغ، ومنطلقاته ترتكز على المعرفة التي تمثل نزوعاً إلى الفكر والثقافة والالتقاء
بهما في معارج التفوّق، وفي هذا السبيل تتقدم الأمة نحو النهوض بخطوات إيجابية
واثقة في دنيا الإنجازات الباهرة والتطورات الهائلة فتستطيع– بما لها من رصيد في
الفكر والثقافة– مزاحمة الأمم الغربية الناهضة في تقدمها المستمر، وبروزها على
الساحة العالمية بأفكارها وإنتاجها وترويج ثقافتها ونشوء أفكارها في محاولة من
الأمة الواعية للحد من صرامة الاحتكار الحضاري الذي تفرّدت به تلك الأمم حقبة
مديدة من الزمن، ولا تزال تحتكره لصالحها بفضل ما بلغته في المعرفة من إدراك، وما
انتهت إليه في العلم من تفوق مما مكّنها من التألق بجدارة في عصر أهمُّ سماته
الإنجازات الضخمة والاتصالات السريعة، والفكر المتوهج، والثقافة الرائدة.
وبعد:
فلعل هذه الدراسة ترسم داخل دوائرها المتعددة الجوانب خطوطاً مستقيمة تقود إلى
منهجية في تحديد إطار الحركة الفكرية والثقافية في بلادنا عبر مائة عام، وهي ربما
لا تستوفي كل روافد هذه الحركة، ولكن حسبها أن تشير إلى المقومات البارزة والسمات
العامة ، فالدارس يضع في حسبانه الأسس المنهجية التي يستدعيها الموضوع، بحسب مسار
البحث، والأدوات التي يستخدمها على أساس منهجي في إبراز الفكرة وتحديد معالمها،
ومن المسلّم به والمتفق عليه أن أي موضوع لا بد أن تحكمه مقاييس خاصة، ليكون ضمن
إطار محدد، لكن إمداداته ليست محدّدة، وروافده غير محدودة، وعلى هذا النسق تسير
الدراسة، وقد تطول بحسب وفرة المنابع التي تصب فيها أو الروافـــد التي تثريها، أو
تقصر وتشح عندما تنضــب المصــــادر وتشح المراجع ، وهذا ما يواجهه الكاتب في
إعداده لبعض الدراســات، ولا سيما التي لها طابع خاص يتعلق بالفــكر.
والكاتب
عندما يتهيأ لإعداد المادة، ويعيد النظر فيها قد يتراءى له أنه لو عدَّل فيها أو
أضاف إليها لكانت أفضل مما كانت عليه، وهذا يعود إلى قصور الإنسان الذي يملك
الاجتهاد، ولكنّه لا يقدر على الكمال، مهما حاول من إتقان، ومهما بذل من جهد. لكنّ
الجوهر سيظل كما هو مرسوم في منهج الدراسة، وأسأل الله – عز وجل – سلامة
القصـــد واطّراد التوفيـــق، وقد جرى إعداد هـــذه الدراســـة بتوفيــق من الله
وعون منه –
تبارك وتعالى – في نطاق المضامين الآتيــة:
الفصل الأول: (الحركة الفكرية والثقافية)
وتنطوي تحت هذا الفصل خمسة مباحث: عن تعريف هذه الحركة، وماهيتها،
وأهميتها من خلال العناوين الآتية:
· حركة الفكر.
· في الإطار الفكري.
· الثقافة والمعرفة.
· الثقافة بين التعريف والمفهوم.
· الواقع الثقافي.
الفصل الثاني: (واقع الثقافة والفكر في مناطق المملكة)
وهي
كبرى المناطق الثلاث عشرة التي تشكل من بينها في العدد ثماني مناطق، هي أكثر
المناطق كثافة سكان، وأسبقها في مجال الثقافة والفكر، وتندرج تحتها العناوين
الآتية:
· أثر التعليم وأهميته بحكم أنه إرهاص للفكر والثقافة.
· أثر الصحافة بصفتها الإعلام المقروء.
· أثر الإعلام الفضائي بقنواته العديدة المتطورة، وهو يمثل
الإعلام المسموع والمرئي.
الفصل الثالث: (النهضة الأدبية ومراحل تطورها)
وتأتي
محاور هذا التطور الأدبي ومراحله الفكرية والثقافية على النحو الآتي:
· البدايات: وتشمل مرحلة التخلف ومرحلة الإحياء.
· النزعة التقليدية.
· التجديد.
· حركة الشعر الحر.
· قصيدة النثر.
· الحداثة.
· صورة عن الأدب في حياتنا.
عندما نواجه
معترك الحياة نجد أنفسنا مرتبطين بأحداثها ومساراتها، ونحتار في اختيار المسار
الذي نسلكه؛ لأننا نجهــل إلى أين يقودنا؟ والحياة– كما هو معلوم– حركة دائبة
لاتتوقف، فإذا توقفت توقف نبضها؛ لأنها تمثل مصدر الحيوية في الوجود البشري،
وتتعدد ألوان الحركة بتعدد أنواع الناس وأمزجتهم واتجاهاتهم، وتتدافع الحركة
بتدافع موجات الحياة ذاتها بحسب الطاقة الموظّفة فيها، والأداء المطلوب لها،
والشعور الواجب نحوها، وهذه العوامل تفضي إلى رسم خطوات تمهد للأعمال الإبداعية،
وتتواكب مع المعطيات الفكرية.
ويتمثل الإبداع في تصوير اللون الموحي ورصد الحركة الفاعلة،
بما يؤدي إلى التناسق الإيقاعي لانسياب العبارات وانسياق الكلمات، وبناء المعاني
التي تتجسد في الذهن لاستقبال العطاء الذي تبرز من خلاله الصورة التي تملأ
الوجدان، وتمدّ الفكر بخيوط الإلهام في مواكبة لطروحات يقوم نسيجها على براعة
تصوير البواعث الوجدانية المنتزعة من عالم الحياة الواقعية التي تتجاوز في أثرها
الشعوري السمات الجامدة والمشاعر الراكدة، وتجتاز في تأثيرها المسافات، وتتخطى
الأبعاد عندما تتفاعل وجدانياً في نفس صاحب العطاء، لتعكس أثرها على المتلقي لذلك
العطاء، وهي من خلال الحس الفكري الأصيل المتفاعل مع الحدث تستطيع أن ترسم أضواء
متوهجة وأصداء متألقة لمحتوى التعبير الذي يتطلب حتمية الإعراب عن الأحاسيس،
وترجمة المشاعر والعواطف بلغة معبّرة وفي حيوية مؤدية.
واللغة تمثل الوعاء الفكري الذي تنطلق منه عندما تتحول إلى
كلام منطوق أو كتابة مقروءة أو حديث مسموع، وفي هذا الإطار ندرك كيف تسنّى للإنسان
أن يستخدم اللغة من خلال مفرداتها وأدواتها ووسائلها لإيصال فكره للأمة التي يحيا
بين أفرادها، وللمجتمع الذي يعيش فيه؟ وحتى يكون بإمكانه إيصال صوته إلى الرأي
العام عبر أجهزة حديثة من مستحدثات العصر ومبتكراته.
ولعل من البداهة أن نؤكد أن وظيفة اللغة الأساسية تتمثل في
بناء جسور التواصل بين جميع الأفراد، لكن أثرها الفكري يتجسد في تحولاتها الفكرية
والثقافية، وفقاً للتطورات الاجتماعية وبحسب التقدم الحضاري، والكتابة التي تشكل
فصلاً في السِفْر الثقافي تعكس أهميتها الكبرى في الحركة الإبداعية التي من أهم
روافدها وأمتن قواعدها: البناء الفني الذي يرتكز عليه الأسلوب الكتابي الذي يحدد
إطار الموضوع، ويرسم سمات الصورة الجمالية للنص الإبداعي من جانب المبدع على
اختلاف ألوان الإبداع وتعدد الموضوعات إلى جانب إبراز أثر كلّ من الفكر والعاطفة
بحسب مقتضى الحال ومضمون الموضـوع؛ ليكـون العطاء إبداعاً تتجسد فيه الفكرة كما
يتألق الأسلوب، وبذلك يتسنى تفادي اهتزاز الصورة الأدبية في ذهن المتلقي وتدارك
قصور الفكرة عن بلوغ الأداء المطلوب بالحجم الذي يتطلبه الإبداع الذاتي والعطاء الأصيل،
وإِعمال الفكر مطلب مهم في الحياة الإنسانية وفي المجال الفكري بالذات بشكل خاص:
(والفكر إنما هو حركة دائمة ننتقل خلالها من المعلومات إلى المجهولات كما عرّفه
المناطقه العرب: أي هو ضرب من الانتقال المنتج الفعّال جيئةً وذهاباً بين المقدمات
والنتائج، أو بين المبادئ والوسائل، أو بين الفروض النظرية والممارسات التجريبية،
أو بين هواجس الذات ومباغتة الوقائع، وهذه الخاصية الدينامية هي ميزة الفكر المبدع
)([1]).
ومن المهم في هذا الإطار تكثيف الفكر وتكرار التجربة ، وفشل التجارب
مهما تعددت لا يحول دون محاولة تكرارها؛ لأن الفشل في التجربة لا تستتبعه حتمية
فشل الفكر، والمهم إدراك حجم المسافة بين التجربة الناجحة والتجربة الفاشلة حتى
يمكن استدراك النقص، وتلافي التقصير في المسار الفكري، وذلك بالقدرة على توظيف
الكلمة ووضعها في الموضع المناسب من حيث الدلالة والأسلوب، وتطويع المفردات
اللغوية لأداء المخزون الفكري والإفادة من اللغة بكل مقوماتها في دفع العطاء مما
يهيئ ذهن المتلقي لاستقبال الأفكار والتجاوب معها، ومما لا شك فيه أن التعامل مع
اللغة بكل معطياتها يأتي في طليعة اهتمامات المثقف أياً كان أثره في الحياة
الفكرية ذلك (( أن اللغة هي أداة لتلقي المعرفة ، وأداة للتفكير ترمز إليه وتجسده،
وإذا كان مطرداً أن ننعت اللغة بأنها كائن حي فإننا نتوسل بالمجاز في التعبير عن
حقيقة يعوزنا ما به نعبّر عنها بغير المجاز، وبنمط متجانس ننعت اللغة بكونها مؤسسة
اجتماعية، رصيدها رموز أوعية تُسكب فيها الصور المشتقة من حياة الناس في مظاهر
المادة والمعاش والأخلاق والمعارف، فيئول الأمر بالمؤسسة الاجتماعية إلى صوغ شبكة
العلاقات الجامعة بين أطراف الحياة البشرية فيما هم قائمون عليه ثم بين المتعاقبين
منهم على محور الزمن، فكان لزاماً أن تتأسس اللغة على قوانين الحركة الذاتية، وهذا
مفاد الصورة المجازية التي يلجأ إليها الإنسان عندما يصف الظاهرة اللغوية بقوله:
إنها ظاهرة طبيعية، وإنها كائن حي، وإن لها أطواراً من النمو ومن الازدهار، وعسى
ألا نجازف إن زعمنا أن المعادلة الدقيقة بين بقاء الحركة الذاتية في اللغة وتدخل
الإرادة البشرية في توجيه حركتها هو الذي يجعل اللغة عنوان الهوية الحضارية وميسم
الخصوصية الثقافية)) ([2]) .
والكلام هو وسيلة التعبير عن حاجات الإنسان ومتطلباته، وتختلف
طرق الأداء وأنواعه، فتكون باللسان أو بالقلم أو بالرسم، فأداة التعبير هي التي
تشكل النهج الذي يتصل من خلاله الإنسان بأفراد المجتمع عن طريق الحديث أو الكتابة
أو الرسم، وهذا النهج يشكل مادة البناء الأساسية في هيكل التصور الذاتي، الذي يصنع
من خلاله الإنسان الصورة التي تحدد نهجه، وتعبّر عن قصده ، ويفصح فيها عن غايته،
والمثقف بصورة عامة أو المفكر على وجه الخصوص يستطيع التعبير عما يعتمل في نفسه
بأدوات متعددة، ومن خلال فنون متنوعة، والفكر بالذات يهتم بالإبداع التصويري
للفكرة، وتُعنى الثقافة بصياغة الأسلوب ، واصطفاء الكلمات المعبرة عن المضمون
الفكري، ومن هذا المزيج المتكافئ بين اللفظ والمعنى، يسري في الكلمات نبض الشعور
وتتجسد فيها الروح، ويبرز التأثير عندما تتوافر أسباب القدرة الذاتية على الحركة
الفنية، وتكثيف وسائل التأثير في المتلقي، فالأسلوب المؤثر هو الذي يمثل توهج
العبارة وتطويعها لترجـــمة المعاني الكامنـــة في النفس ، ورسم خطوط الاتجاهـات
المؤديــة إلى ما يجسد المضامين الفكرية، ويجسّم الجمال الفني في الأداء التعبيري
وفي الصياغة الأسلوبية بحسب تمكن المبدع وقدرته على الإبداع سواءً كان عالماً أو
كاتباً أو شاعراً أو ممارساً لأي فن من فنون القول أو المهارات الفنية لفنون لها
صلة بالوجدان الإنساني، وبالقدر الذي يتقنه الكاتب أو الفنان ومدى مهارته التي
يجيدها، يكون مقدار تأثيره وأثر عطائه وإنتاجه.
وفي عصرنا الحالي الذي نعيش فيه، ونعايش أحداثه وتطوراته،
نلمس مدى تطور وسائل المعرفة وأدوات التقدم، فهو العصر الذي تضخمت فيه الإنجازات
الحضارية. كما ازدحمت فيه الدنيا بأنواع كثيرة ومتعددة من المنجزات والأفكار
والتحولات، ومن بينها الحركة الفكرية والثقافية التي استطاعت أن تشق طريقها على
الرغم من مزاحمة الأشكال الحضارية بضجيجها، ومع الانبهار بكثير من المنجزات
العصرية بهيمنتها وفاعليتها، وعلى الرغم من ذلك كله فإنها لم تستطع أن تحبس صوت
الفكر أو أن تصادر روافد الثقافة أو أن توقف مدّها، فإذا كان المدّ الحضاري بمثابة
كيان للمنجزات التقدمية ويمثل ثورة في التطورات الحالية ، فإن الفكر والثقافة
يمثلان روح هذا الكيان، فالمثقف له رسالته الفكرية بصفته فرداً في أمة وعضواً في
مجتمع ، فهو يحمل في وعيه ويحتضن بفكره قضايا أمته وهموم مجتمعه ، والتجربة
الميدانية تكرس هذا الواقع وتؤكده. كما هو واقع الحال في المجتمعات المتقدمة وبين
الشعوب المتحضرة.
في الإطار الفكري :
لقد تميز الإنسان عن سائر المخلوقات بالعقل المفكر واللسان
المعبر، وكما هو معلوم بداهة فإن الكلام هو الوسيلة التي يعبر من خلالها الإنسان
عما يريده، مما تقتضيه طبيعة احتياجاته، وعما يعتمل في نفسه مما تنطوي عليه جوانحه
ويـــدور في ذهنه، وسواء كان هـــذا الكلام جاء تلقائيـاً في أحاديث عاديــــة
تعبر عن ضروراتــــه الحياتيـــــة واتصالاتــــه الاجتماعيـــة، أو جاء في صياغة
أدبيــــة فنية ترتقي فــــوق الأساليب المألوفـــــة والصيغ المكرورة، فالأديب
الفنان هو الذي يطوّع الكلمة ويتفنن في صياغتها فيشكل أبعادها ويؤكد محتواها لأداء
المعنى الذي يريد، وتصوير الحدث الذي يشغل مساحة من ذهنه؛ ذلك أن الكلام يمثل
خصوصية الإنسان بين الأجناس الأخرى من مخلوقات الله تبارك وتعالى، وهو بهذه
الخصوصية الإنسانية يمكنه التعبير عن حاجاته وترجمة مشاعره بطرق شتى وأساليب
متعددة: أرقاها التعبير الفني الأدبي الذي تتوافر فيه عناصر الصياغة الفنية
الجيدة، وتكتمل فيه مبررات التأثير العاطفي بما يُخاطَب به القلوب وتتلقاه
المشاعر، أو الأثر الفكري الذي يترك بصماته في ذهن المتلقي وينعكس على فكره،
والأديب أو الشاعر أو الكاتب هو الذي يصنع وسيلة التأثير، بما يملك من موهبة
متأصلة، وما تكوَّن لديه من ملكة مدربة، ولعله بذلك يستطيع تلبية حاجات النفس
ومطالب الفكر، وتتفاوت مراتب الكلام بحسب المقاصد والأساليب، فيختلف الحديث
المألوف الذي يجري إطلاقه دون ضوابط معرفية أو محسنات أسلوبية عن الحديث المصنوع
بأدوات أدبية أو كتابة فنية . والكاتب أياً كان لونه الأدبي ونهجه الفكري واختصاصه
الفني في أي لون من الألوان الأدبية أو الفكرية وفي أي فن من الفنون الراقية يعد
صانع بناء جمالي، يجسد مادة البناء في صور وألوان، يعبر عنها بالفكرة العميقة أو
باللمحة العابرة، وفي إطار المضمون الواضح أو الرمز الذي يحمل الدلالة الموحية، أو
من خلال الإشارة التي تتضمن القصد الذي يضمره الكاتب، أو يهدف إليه ليعبر عن
رسالته إلى قارئه، ويترجم مشاعره كما يفيض بها وجدانه.
والتعبير
فنّ أسلوبي يرتقي أو يهبط بحسب الصياغة والمنحى والتصوير، بمقدار تجسيد الفكرة أو
تيسيرها، ووضوح المعنى أو غموضه، وسلاسة الأسلوب أو تعقيده، ومتانة البناء أو
هشاشته، والكاتب غايته من الكتابة إلى جانب ترسيخ الفكرة التي يتبناها إشاعة الأثر
النفسي في المتلقي، ومخاطبة الخلجات الإنسانية والأحاسيس الذاتية لاستنهاض بواعث
التأثر وتكريس فاعلية التأثير، وهي بواعث فاعلة سواء كانت وجدانية أم فكرية، فإنها
مرتبطة بانفعالات النفس إلى جانب تكيفها مع العطاء الفكري، واجتذابها نحو المعنى
المقصود، والفكرة المطروقة. وللأسلوب تأثيره بحسب صياغته، وفق رسم الصور الجمالية
وأداء الأفكار بعد تلوينها بما يشوّق المتلقي لها ويشدّه إليها، فالأديب الفنان
يجسّم في كتاباته معرضاً زاهياً لآرائه ؛ لأن الأسلوب قوام الفكر، والوسيلة
التعبيرية عن غاياته، والموهوب هو الذي يطبع أسلوبه بطابع مميز فتلتقي فيه السهولة
في التعبير مع العمق في الفكرة، وتحفّة الشفافية في الكلمة والجمال في الأداء مما
يمكن أن يُطلق عليه السهل الممتنع : يبدو ذلك فيما يرسم الشاعر أو يكتب الأديب، أو
يصنع الفنان في فنه، بما يحرك الإعجاب في النفوس، ويضفي على الأثر جمالاً ذاتياً
متألقاً، وعلى هذا الحسبان فإن الأسلوب فنٌّ من الفنون الأدبية يمثل قدرة صاحب العطاء
على استعمال الكلام وتطويعه للتعبير بما تشير إليه المعاني أو تحمله الكلمــات أو
تضمــه المشاعر مما يحصـــل من جرائه التأثـــير ويتحقــق بسبـــبه الهدف، وذلك –
بطبيعة الحال– يخضع للقدرة الذاتية على تنويع الألوان في العطاء ، وتحديد النّسِب
في توزيع الأضواء والظلال على جميع الأفكار في تناغم جميل وتناسق بديع، تبدو من
خلاله صور أخّاذه وتعبيرات متألقة تثري العطاء وتجتذب القراء.
والأسلوب
الأدبي الجميل أشبه باللوحة الفنيّة، حينما يصبُّ الفنان فيها كل مهاراته، ويودع
فيها قبساً من روحه فيخرجها إخراجاً متناسقاً، تتناسب فيها مساحات الظلال
والأضواء، وتتواءم فيها مسافات الأبعاد والألوان، فتشدّ الأنظار، وتلفت الناظرين،
وكذلك يفعل الكاتب عندما يهتم بإعداد ما يكتب فيصنع بأسلوبه وفي كتاباته لوحة
جمالية تتوافر فيها كل بواعث التأثير من حسن التصوير وجمال التركيب وانسجام التلوين
والتمكن من استخدام الخيال وإجادة التصرف في النص توليداً وتبسيطاً وتعميقاً
وتوضيحاً مما يجعل منها لوحة إبداعية مؤثّرة فيكون للكلام وقعه وصداه، والكلام
الأدبي يجب أن تتوافر فيه مثل هذه العناصر ؛ لأنه إذا لم يحرك مشاعر القارئ
ويستولِ على إعجـاب المتلقي فإنــه يتســاوى مع كل كلام قد يفيــد، لكن لا روح له
ولا حيوية فيه، سواء كان صدوره من مثقف أم أمي؛ لأنه يتطلب جهداً ذهنياً وإرهاقاً
فكرياً، وذلك لا يتأتَّى إلا ببذل الجهد في الصياغة، واستنفار الفكر في تأصيل
الحرف، وتكوين الكلمة، وكل فرد – مهما كان مستواه– يستطيع أن يتحدث بما تختزنه
عواطفه وتضمه جوانحه، فيعبر عن الحدث أو الفكرة بما يلائم قدرته على التعبير بحسب
موقعه الاجتماعي ومكانته في الميدان الثقافي، ومدى استطاعته التعبير عن أحاسيسه
تعبيراً فنياً فكرياً، أو عجزه وعدم قدرته على ذلك، إذا كان لا يملك الأدوات الفكرية
التي تؤهله لاقتحام هذا الميدان ولا الوسائل التي توصله إليه وتربطه به.
ومن
السهل اليسير رصف كلمات بعضها إلى بعض وصفّها في وضع غير متجانس. لكنها بهذا
المظهر لا تكون لها مزية ولا تؤدي أثرها إلاّ إذا اقترنت بكلمات أخرى تجاورها في
النسق، وتلتقي معها في الهدف، فتنصهر معها في المعنى، وتكمّلها في الأداء، وبذلك
تكتسب دلالتها الأسلوبية ومقدرتها التأثيرية وتبرز في مجالها الإبداعي، والأفكــار
تنمـــو والإبــداع الفكري يزدهــــر بصقـــل الموهبـــة وتدريب الملـــكة،
وبهاتين الظاهرتين تأخذ الأفكار مسارها في المجتمعات ومكانتها بين الأمم . وبما أن
لكل آلية أداة فإن الأداة التي يرتكز عليها الفكر ويقوم عليها كيانه تتمثل في
اللغة التي هي بمثابة الوعاء الثقافي للعطاء الأدبي، وهي تتشكل من مفردات ذات أداء
ومعنى ، يجري التعبير بها من خلال أساليب متعددة، ووفق تنويعات مختلفة، وفي صيغ
متنوعة تجعل لها الأهميـة المطلوبـة والفاعلية المتوخـاة على أن تكون الألفاظ
بمقدار المعاني وفي مقاييسها لاتخرج عن دلالاتها ولا تقصر عن مفهومها، ولا تكون
فضفاضة عليها مترهلة فوقها فتسيء إليها، بل لا بد أن يسود التوازن بين الألفاظ
والمعاني وتنسجم معها بحيث تكون الشحنة الشعورية للفظ مواكبة لجوهر المعنى.
والأفكار
تتألق بمزية التعبير عنها قولاً أو كتابة ، فاللسان والقلم يجري بهما التعبير عمّا
تنطوي عليه جوانح الإنسان، وما تفيض به مشاعره، والتعبير الراقي هو الذي يُصنَّف
في المجال الفكري، وتنتج الحركة الفكرية عن ذلك التفاعل بين أفكار الكاتب وتقدم
الأمة، وللبيئة أثرها المحسوس في مثل هذه التوجهات: (( ودراسة مراكز الحركة
الفكرية لا يعني الاعتقاد بالحتمية الجغرافية في تقرير ازدهار الحركة الفكرية، فمن
المعلوم أنّ تكوَّن مراكز الحركة الفكرية يتأثر بعوامل متعددة وليس بعامل واحد،
وأنها لاتبقى ثابتة في مكان واحد، وإنما تتبدل تبعاً للظروف والأحوال، ومن أبرز
الأمثلة على ما نقول هو بلاد اليونان التي ازدهرت الحركة الفكرية في عدد من مدنها
قروناً عديدة ، ثمّ غرقت في سبات لم تتحرر منه حتى الآن)) ([3]). والحركات
الفكرية التي تحتضنها الأمم المتقدمة ليست محصورة في أمة بذاتها ، ولا في شعب
بذاته، وإنما هي في مَعيِنها ودوافعها عطاء أفراد لهم أدوارهم المميزة. قد توافرت
لهم مواهب مرموقة، وتأصلت فيهم ملكات مصقولة، فكان لهم حضورهم في المجالات الفكرية
التي تقوم في أساسها على عوامل نابعة من تلاحم الثقافات والتقاء الأفكار في آفاق
رحبة، في إطار الفكر الإنساني على اتساع مداه وامتداد رؤيته.
الثقافــة والمعرفــة :
العلم والمعرفة لفظان يجري بهما القلم، وينطق بهما اللسان،
وتدور حولهما الأحاديث العامة، ويظن كثيرون أنهما يصدران عن معنى واحد ومفهوم موحّد،
والواقع أن لكلٍ منهما معنى يختص به ومفهوماً يدل عليه، ولا ينفي ذلك اتساع نطاق
مفهوم المعرفة في عصرنا الذي أطلق عليه عصر تفجّر المعرفة حيث أخذ مدلولها أبعاداً
جديدة، وتنوعات كثيرة ، وصار لها حضور ملموس في كيان الحياة المعاصرة.
وقد
حدد الراغب الأصفهاني مفهوم كل من المعرفة والعلم ، فوصف المعرفة بأنها: (إدراك
الشيء بتفكر وتدبر لأثره) وعلى هذا المعنى فهي: (أخص من العلم) ، وأورد أمثلة لذلك
على هذا النحو: (يقال: فلان يعرف الله ، ولا يقال يعلم الله متعدياً إلى مفعول
واحد، لمّا كان معرفة البشر لله بتدبر آثاره دون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم كذا
ولا يقال:يعرف كذا لمّا كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل به بتفكر) ([4]).
وإذا
كان العلم والمعرفة مترادفين في الإطلاق اللغوي، وقد يلتقيان في الفهم العام،
فإنهما مختلفان معنىً كما هما مختلفان لفظاً، وكذلك الاختلاف بينهما في الأداة
التي يتعدى بها فعل كلٍ منهما، فإذا كان الفعل في المعرفة يتعدّى إلى مفعول واحد
فقط كما في قول الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا}، فإنه في
العلم يتعدى إلى مفعولين كما في قوله عز وجل: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ
مُؤْمِنَاتٍ}. وقد ذكر الدكتور عبدالرحمن الزنيدي في كتابه: (مصادر المعرفة) عن
نظرية المعرفة نقلاً عن المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بوصفها: (النظرية التي
تبحث في مبادئ المعرفة الإنسانية وطبيعتها ومصدرها وقيمتها وحدودها، وفي الصلة بين
الذات المدرِكة والموضوع المدرَك) ([5]).
وأشار الدكتور الزنيدي في هذا الصدد إلى أن الأشياء بالنسبة للإنسان تنقسم قسمين:
1-
موجودات عالم الطبيعة التي
يسميهــا القرآن: ( عالم الشهادة ) .
2-
موجودات عالم ما وراء الطبيعة
والقرآن يسميها: ( عالم الغيب ) .
ثم يؤكد هذا التصور من خلال تقسيمه
جميع الموجودات على النحو الآتي:
أ-
(موجودات عالم الشهادة وهي
الأشياء التي تحيط بالإنسان في عالم الطبيعة من جماد ونبات وحيوان وإنسان ،
ويدركها بحواسه).
ب- (موجودات عالم الغيب ، وهو العالَم الذي ليس باستطاعة الإنسان
إدراكه بالحواس في هذه الحياة الدنيا، وهو داخل فيما يسمى في الفلسفة
بالميتافيزيقيا). أي ما وراء الطبيعة.
وقد
تتداخل بعض المفاهيم بشأن المعرفة والعلم في مفهوم واحد بحسب الرؤية الفردية لكل
مادة منهما ووفق الصياغة الأسلوبية في اللغة المعبّرة عن الهدف المقصود، فإذا كان
من المعلوم – بحسب الاختصاص– أن فعل العلم يتعدّى إلى مفعولين، فإنه قد يرد بمعنى
المعرفة ويكتسب اختصاص فعلها، فتتحدد تعديته إلى مفعول واحد، فقد ورد في التنزيل
الحكيم قول الله تبارك وتعالى:{وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ
اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}([6])،
فجاء العلم هنا بمعنى المعرفة، وقد يجيء العلم دون المعرفة كما جاء في قوله تبارك
وتعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}([7]) . (ومما
ينبغي أن ندركه أن الباحثين قد أجمعوا على أن الثقافة البشرية هي سلسلة متماسكة
الحلقات. تؤثر سوابقها في لواحقها على صورة جلية أو غامضة، وجوهر المعرفة موجود
وجوداً محققاً، ولكن نَعْت المعرفة من قلّة أو كثرة أو نسبية أو إطلاق أو فطرية أو اكتسابية هو الذي اختلف
فيه العلماء منذ أقدم العصور، فهي تارة نسبية، وأخرى مطلقة، وثالثة فطرية، ورابعة
مكتسبة، وكلها ترتكز على التجارب، وكذلك تعيين القوة العارفة، وتحديد مدى
اختصاصها، فمرة هي الحواس وحدها كما عند (هيراقليطس)، وأخرى هي الحواس مع العقل
كما يرى (أرسطو)، وثالثة هي البصيرة كما يرى (أفلاطون)، ورابعة هي العقل وحده كما
يرى (ديكارت)… إن المعرفة العامة فطرية توجد لدى كل من توفَّر فيه القدر المحقق
للإنسانية من العقل، ولكنّ المعرفة العلمية مكتسبة بالمران والتطبيق) ([8]) .
وإذا كانت المعرفة فطرة إنسانية يدرك بها الفرد ما حوله، ويتعايش من
خلالها مع مجتمعه، فإنها تنمو بالعلم وتتطور بتحصيله عندما يتعلم الفرد، ويتجاوز
أسوار المعرفة الفطرية المحدودة إلى التعمق في العلم والتوسع في مجالاته، فإنه
كلما ازداد علماً ازدادت معرفته التي تقوده إلى ثقافة واسعة ومكانة مرموقة . وفي
واقعنا الذي نحياه نجد أنه عندما يلتحق الطفل بالمدرسة في مجتمعه الذي يضم أفراد
أسرته فإنه يتعلم داخل المدرسة لغة غير مألوفة لديه في بيئته الصغيرة المتمثلة في
محيط البيت والأسرة ، أو على نطاق البيئة العامة بين أفراد المجتمع عامة، فهو
يتلقى في المدرسة عبارات فصيحة، ويتكلم خارجها تعبيرات عامية، وقد يعاني صعوبة في
البداية من التوفيق بين ما يدرس وما يعرفه من مفردات مختلفة في ذهنه، فاستعمال
الكلمات الفصحى تقتضي منه جهداً في إضافة مفردات جديدة عليه، وغير مألوفة لديه،
بحكم نشأته بين أفراد يتحدثون العامية، فيتوقف في البداية عند استعمال الجمل
والعبارات الفصيحة وتكوينها. لكنه ما يلبث أن يلمس الفارق بين لغة فصحى يتعلم
مبادئها ولغة محلية يتقن أداءها، ونتيجة لذلك يتكوّن عنده قاموس لغوي مزدوج ذهنياً
بين فصيح وعامي، ومع امتداد المراحل الدراسية واستمراره في التحصيل العلمي يستطيع
أن يختزن في ذهنه صوراً متعددة للأساليب الفصيحة ، ويخصب – بعد ذلك – عنده الخيال
عندما تتفتح أمامه أبواب الثقافة، ويرتقي تفكيره فيستطيع الإعراب عن أحاسيسه
بطريقة مميزة وصياغة ذات تأثير وجداني مميز وفي أسلوب عربي سليم، وذلك حين يستطيع
توظيف ما تلقاه من معلومات عن طريق الدراسة، وما توصل إليه من معرفة عن طريق
التثقيف الذاتي، فيتكون لديه حِسّ جمالي ونظرة مدركة، ويمكنه عندئذ التعبير عن كل
ما تنطوي عليه جوانحه، وما يستشعره وجدانه إزاء أي حدث أو تجاه أي رؤية، حيث
تواتيه أدوات الإبداع ومقومات الكتابة الفنية.
والمجتمعات
تتخاطب فيما بينها عبر مفردات لغوية، ذات قوالب محدّدة، ودلالات واضحة، ومصطلحات
معروفة، تمثل الوسيلة التي تتحقق بها حاجات الأفراد، وتتحقق بها كذلك مصالحهم،
ولكنها تظل في إطارها التخاطبي لغة تخاطب عادية، تؤدي المعاني التي تحملها،
والمصطلحات التي تدل عليها، دون أن تضيف محسّنات إبداعية لأسلوب الحديث أو مستوى
الكلمات ؛ ذلك أنها لا تستطيع تصوير المشاعر، وصياغة الأفكار، ورسم الآمال، وتجسيد
الآلام وفق معايير أدبية فنية ذات مضامين فكرية يتسع فيها الخيال ، وتتألق عبرها
الأفكار ؛ لأن الصياغة الأسلوبية الفنية تنبثق من الثقافة العميقة والموهبة
الأصيلة، ومعلوم أن الكتابة تعد من أهم الأدوات التثقيفية في رسم السمات وتحديد
الأفكار وتجسيم المعاني التي تعبر عن الخوالج الإنسانية، فتبعث في أوصالها الحياة
، وتجسد في نبضها الحيوية.
وأول
مدارج المعرفة العلمية تتمثل في الدراسة التي تُخرج الفرد من إسار الأمية لتضعه
على دروب العلم وأضوائه، فإذا ما اجتاز المراحل التعليمية اللازمة لمثله كان ذلك
بمثابة إرهاص لتكوين ملكة أديب أو مولد شاعر إذا كان مهيأ لذلك بحسب الموهبة التي
يتمتع بها، فكل من الأديب أو الشاعر سلاحه الموهبة التي هي معين الفكر ومشعل
الشاعرية، فإذا توافر له التعليم واكتسب الخبرة استطاع أن يصنع الأدب أو الشعر
الذي يسلكه في عداد الأدباء أو الشعراء الموهوبين.
ونشاطات
الإنسان متعددة ومتنوعة لا سيما في الجانب الفكري أو العقلاني، فالأدب– نثراً أو
شعراً– يُعنى بالنهج الفكري المرتبط بالعاطفة؛ لأنه يصدر عن تجربة وجدانية، على
حين تتجه العلوم– والفلسفة بنوع خاص– إلى مخاطبة العقل الذي يهتم بالتجارب
العقلانية، ويختلف الاتجاهان في النظرة وفي النتيجة، فالأدب محصول ثقافي، أما
العلوم التجريبية فمردها إلى تفكير عقلاني، وعلى أساس هذا التصور فإن المحصلة
النهائية للأدب أنه موروث ثقافي مرتبط بالتثقيف الذاتي تعززه موهبة أصيلة وملكة
مدرّبة، على حين أن العلوم التجريبية مرتبطة بالجانب المعرفي إلى جانب أنها مستمدة
من التفكير العقلاني الذي يسخّر التجربة، لتحقيق أهداف المعرفة والوصول إلى
غاياتها، والثقافة جزء من العلم كما أنها لون من المعرفة.
هل
للثقافة تعريف محدد أم وصف مقيد؟ تعريفها المعجمي يحصرها في نطاق ضيق؛ لأنه ينظر
إليها من زاوية محدودة تتمثل في معنى الكلمة (ثقافة)، يتبعها بطبيعة الحال معنى
(المثقف)، فتكون على حد قول المعجم اللغوي: (حذاقة وصاحبها حاذق). هذه الخلاصة
المعجمية لهذه الكلمة واقتصارها على هذا المعنى المحدود يجعلها مقصورة الدلالة
محدودة المعنى، على حين أنها في واقعنا المعاصر تأخذ أبعاداً شتى، وتشمل ألواناً
متعددة من النشاط الفكري والعملي، فهي مجموعة معارف يصل إليها الإنسان بجهده
بوسائل مختلفة ذهنية وحسية، وهي في الغالب مرتبطة في أذهاننا بالناحية الفكرية
التي تكون محصلتها الآداب والعلوم، وتجيء نتيجة الدراسة الجادة والاطلاع الواسع ،
وفي محاضرة للأستاذ الدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك نُشرتْ في صحيفة الرياض
بتاريخ 4/8/1418هـ بعنوان: (مفهوم الثقافة الشعبية والفصحى) تحدث عنها في مفهومها
العام، وانتهى إلى أنها: (من أكثر المفاهيم تداولاً، ولكنها أيضاً من أكثرها
غموضاً وتلوّناً، فالتعاريف التي اقتُرِحت في المائة سنة الأخيرة بلغت حداً من
التنوع يصعب معه الاتفاق على تعريف). ثم يشير بعد ذلك إلى تداخل الحضارة والثقافة
في هذا المفهوم، فيمتد تعريفها في مفاهيم آخرين، (فيعرفها بعضهم بأنها المجموعة
المعقدة التي تشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل
القابليات والتطبيقات الأخرى التي يكتسبها الإنسان في مجتمع ما، وهي تتصف بأنها
مجموعة عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها في مجتمع من المجتمعات، وهي بهذا التعريف
تبدو واسعة الدلالة مجملة المعانى تعطي تصوراً يدخل فيه كثير من النشاط البشري بل
كل النشاط البشري المادي وغير المادي، يدخل – ضمن أطر الثقافة– فيشكل ملامح مميزة
مادية وفكرية وروحية تميز مجتمعاً أو مجموعة اجتماعية يتعرف ذاته ويتعرف عليه
غيره، وما يحدد الثقافـــة هنـــا هو خصوصيـــة القيم الاجتماعيـــة
والاقتصاديــــة، وليس مدى تطورها وفعاليتهــا).
والثقافة
في مفهومها العام لها امتدادات شاملة، فيتسع مدلولها ليشمل الحيِّز المكاني والمدى
الزماني، فتمتد مساحةً، وتتعمق زماناً، بحيث تمتد شموليتها، فتشمل المناخ الطبعي
لحركة الإنسان، وطبيعة المجتمع، وكل ما يعبر عن وجدان الأمة، فتنطلق كما ينطلق
النهر المتدفق لتلامس أغوار النفوس، وتتخلّل عبر الطبقات الاجتماعية على اختلاف
ألوانها وتعدد مناحيها، وتبعاً لشموليتها وامتداداتها يتأتَّى انتشارها الزماني
وعمقها المكاني، وإذا كان الإنسان بحاجة لأن يتنفس الهواء بحكم أن حياته مرتبطة
بهذا التنفس ما دام يحيا على صلة موصولة بالهواء الذي يمدّه بطاقة البقاء، فإن
الثقافة رافد مهم للعقل، كما أن الهواء عنصر مهم للحياة.
وعن
تحديد مسمى الثقافة وما ترمز إليه فقد اهتم المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه
(مشكلة الثقافة) بإبراز (العوامل المختلفة التي لها دور ما في تحديد ثقافة
معيّنة). وقد رصد تلك العوامل على امتداد صفحات كتابه المشار إليه فيما سلف، فقد
حملت فصوله تحديد معالم الثقافة وتفسيرها على اختلاف مستوياتها، وأكّد هذا المفكر
(مالك) امتداد ذلك التعريف للثقافة في أعماق التاريخ، فقد أشار إلى: (أن لفعل
(ثقف) أصلاً لغوياً يتصل تاريخه بلغة ما قبل الإسلام حتى لنراه ورد في بعض آيات من
القرآن الكريم من مثل قوله تعالى:{
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ }.
ثم يعقب بعد ذلك على هذا الاستنتاج بقوله: (ومن هنا نفهم أيضاً أن كلمة ثقافة
العربية لم تكسب إلى الآن قوة التحديد التي كان لنظيرتها الأوربية، وأننا مضطرون
من أجل هذا إلى أن نقرنها بكلمة: (CULTURE) في مؤلفاتنا الفنية. وعلى هذا نستطيع أن نتصور عملية التثقيف في
مرحلتين متميزتين : المرحلة الحركية ( الديناميكية )، والمرحلة الساكنة (
الإستاتيكية ) التي تسبق المرحلة
الديناميكيــة مباشرة ). ثم ينتهي به تعريف الثقافـــة على النحو الآتي:
(فالثقافة إذن تعرف بصورة عملية على أنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم
الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط
سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه، فهي على هذا: المحيطُ الذي يشكل فيه
الفرد طباعـــه وشخصيته).
ولامتدادها
في المجال التعريفي واتساع مفهومها، فإنه يضع لها تعريفاً واسع الإطار، فيصفها
بأنها الوسط الذي تتكوّن فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وتتشكل كل جزئية من
جزئياته وفق المنظور الذي وضعه المجتمع، وعلى أساس ذلك الطرح الذي انتهى إليه
المفكر مالك بن نبي يتحدد تعريفها ومفهومها على المنوال الآتي: (فالثقافة هي تلك
الكتلة نفسها بما تتضمنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة، وتقاليد متكاملة،
وأذواق متناسبة، وعواطف متشابهة).
وعن
مفهوم الثقافـــة وأنها تعني في لغتنا العربيــــة وفي لغات أخرى ألوانـــاً عديدة
من مناشط الحياة فقد كتب الأستاذ سعد الدين إبراهيم في صحيفة الحياة الصادرة
بتاريخ 8/7/1418هـ / 8/11/1997م عن هذا المفهوم وعن تحديد
(المثقف) بصورة خاصة فأشار إلى أنه: (في التراث العربي الإسلامي استخدمت كلمات عدة
للإشارة إلى هذا المعنى مثل: صاحب القلم، والفقيه، والعلاّمة، والشاعر، والفيلسوف،
والحكيم والشيخ، وحديثاً شاع استخدام كلمات: المتعلم، والمثقف، والأديب، والعالم،
والفنان؛ لتدل على الشيء نفسه تقريباً). ثم إنه بعد ذلك أورد تعريفات عدة للمثقف
في اللغات الأوربية الحديثة وانتهى إلى (أن معظم هذه التعريفات تلتقي في بعض
النقاط الجوهرية، ويمكن التأليف بينها في تعريف توفيقي للمثقف يتضمن العناصر
التالية: المعرفة العامة أو المتخصصة. الاهتمام بأمور الثقافة. الاهتمام بالمسائل
العامة الأخرى لمجتمعه خارج نطاق تخصصه. التعبير عن هذه الاهتمامات العامة بقصد
التأثير على المجتمع والسلطة). وبعد ما استوفى التعريفات التي تتبين في محيطها
سمات المثقف يعود للإشارة إلى تعريف الثقافة نفسها على هذا النحو: ( أما التعريف الأنثروبولوجي السوسيولوجي للثقافة فهو أنها النسق
الرمزي المادي العام الذي يشكل طريقة أي جماعة أو مجتمع: أي أن لكل جماعة إنسانية
ثقافتها أو طريقة حياتها ولا توجد جماعة بشرية بلا ثقافة ، فالثقافة هي نتاج العيش
معاً في جماعة). وبعد هذا التصور العام للثقافة في مفاهيمها ومراميها وأبعادها
والتوسع في معانيها ودلالاتها يجيء التخصيص لتلك الدلالات على أساس أن ( هناك
تعريفاً أكثر ضيقاً وتحديداً للثقافة يقصرها على العناصر الإبداعية في حياة
المجتمع مثل: الفنون والآداب بكل أنواعها). وبعد أن ينتهي من تعديد أنواع الآداب
وتحديدها في إطار المفهوم الثقافي يعقب على ذلك بما يأتي: (وهذا التحديد الأضيق
للثقافة هو الذي تأخذ به وزارات الثقافة).
والمفهوم
الشامل للثقافة في المجتمع المعاصر تنصرف إليه الأذهان عند ذكر المثقفين على نطاق
الآحاد أو الأفراد. حتى لقد اكتسب هذا التعريف في خصوصيته بأفراد معينين ما يشبه
الإجماع: سواء في إطلاقه على فئة مختصة من الفئات الاجتماعية المتعلمة أم حينما
يُقصد به وصف حالة متميزة لشخصية من أفراد المجتمع، وذلك حين يجري التوصيف
والتصنيف لطبقة معينة من المثقفين أو اختصاص فرد بهذه الصفة تتوافر لديه هذه
الميزة.
والوعي بالثقافة صورة من صور التقدم الإنساني في المجمعات المتحضرة،
ورمز من رموز التقدم المعاصر، والتثقيف الذاتي والثقافة العامة تمثيل للهوية
الحضارية، فالبلدان المتخلفة في الوعي الثقافي تمثل التخلف في جميع أشكاله
ومستوياته، ولذا فإنه لا بد أن تستيقظ في وجدان الأمة العربية الهموم الثقافية،
لتستطيع نشر الوعي في آفاقها ومن حولهــا بعد أن تستوعبـــه مدركاتها، ويتمثّلـــه
وجدانها، ويصبـــح هاجساً ملحاً من هواجسها، فالثقافة يُفترض أن تكون مؤثرة بذاتها
ولها عطاؤها وتأثيرها، والثقافة المؤثرة يكون لها عطاء ملموس، وهدف مرموق، والمثقف
المتطلع نحو الآفاق العليا لايسعه أن يتحصن بالسلبية في عزلة اجتماعية يائسة، بل
من واجبه أن يشارك مجتمعه الإنساني وفق قدراته وبحسب مواهبه، فيسهم في حمل راية
الثقافة التي ترفع من شأن الأمم، وتعلي مكانة الشعوب.
تحتل
الثقافة في عالمنا المعاصر واقعاً متميزاً تحتشد فيه عوامل ذات أثر فاعل في
الاتجاهات الفكرية، وفي حياة العصر بصورة عامة،
ولعل من البداهة الإشارة إلى أن الفكر وليد الثقافة ومكمل لها، وفي ضوء هذا
المنظور تحتسب مقومات الفكر امتداداً لعطاء الثقافة التي هي أساس في تقدم الفكر
وإنارته ، ولا يخالجنا أدنى ريب في هذا المفهوم الذي يكرّسه ويؤكده واقع الأمم
المعاصرة، فمن المعلوم أن التخلف الفكري مبني على الانحسار الثقافي والإفلاس
المعرفي، فالمعرفة تمثل الأسس التي تقوم عليها ركائز التقدم الإنساني بكل جوانبه
الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وما سواها مما يدخل في مدلولها أو
يسير على نهجها، فمنذ أن تشكلت المعرفة الأولى قديماً وعُرِفتْ أبجدية الحروف التي
تكونت منها الكلمة وصيغت منها العبارة المؤدية للمعنى المفيد، والإنسان يتعلّم
ليستفيد، ولكي يستطيع أن يفكر تفكيراً متميزاً يرتقي به في سلّم الإنسانية التي
ترتفع عن الحيوانية بالفهم والإدراك وحسن التفكير، وأمام هذا المنحنى في طريق
الصعود في آفاق الحياة فإنه لا بد من رفع راية العلم والاستظلال بها، لا سيما في
هذه الأجواء الشاحبة التي تعكّر أديمها رياح عاتية وتدفعها أهواء متحيزة، وفي ظل
هذا المفهوم يتعيّن تحديد المسارات اللازمة للإنسان في منهج حياته، وتحديد الطريق
الذي يسلكه نحو أهدافه، والثقافة والفكر والعلم والمعرفة تلك هي الركائز التي
ينطلق منها، والمصادر التي يعتمد عليها في تزويده بالقدرات التي تمكنه من السير في
الاتجاه السليم، وتحقيق فاعلية وجوده عضواً عاملاً في مجتمع منتج وأداة فاعلة في
أمة متقدمة.
لقد حظيت الثقافة في مفهومها العام باهتمامات كثيرة، عملت على
اتساع نطاقها، وتأكيد حضورها، وبالذات في هذه الحقبة من الزمان بشكل لم تكن تحظى
به من قبل في عصور سابقة، ولعل ثورة التقنية المعاصرة في كثير من مرافق الحياة وفي
الاتصالات بنوع خاص مما وسع نطاق الثقافة، وصنع لها تلك الأبعاد الواسعة، ومن قبل
كانت محصورة بين أسوار محدودة من الانعزالية السائدة في الماضي قبل حدوث التقدم
الكبير، وحصول التطورات الرائعة التي صاحبت المنجزات الحضارية المتقدمة التي حققت
طفرات مشهودة في مجالات متعددة من أساليب الحياة وفي أنحاء واسعة من أركان الدنيا
؛ وإذا كانت هناك بلدان مغلقة على شعوبها فيما سبق لضعف المواصلات وانقطاع
الاتصالات ، فقد أصبحت في هذه الحقبة الزمانية الحالية متقاربة جداً. حتى لكأن
العالم الممتد المكان المتعدد التوجهات انطوى في عالم واحد، تقاربت بلدانه والتقت
شعوبه، فإن ما حدث في هذا العصر لم تكن له سابقة فيما سلف من انصهار ثقافات وأفكار
والتقائها حيث تتفاعل الثقافات بحكم التجاور أو الاختلاط أو المحاكاة، ومن خلال
ثورة المعلومات، وخاصة الاتصالات التي يمثلها العصر ويمارسها المعاصرون، وقد
تفاعلت الثقافة العربية في حاضرها مع الثقافات الأجنبية، وكان ناتج هذا التفاعل:
امتزاج تلك الثقافات الأخرى بالثقافة العربية، وتأثرها بها وتأثيرها فيها، كما سبق
أن وفدت الثقافات الأجنبية إلى البلدان العربية في عصور متقدمة، ولا سيما في عصر
الترجمة في العصر العباسي، حين امتزجت ثقافات البلدان المفتوحة بثقافة البلاد
العربية، وانصهرت في كيانها، وذابت فيها، ثم صارت جزءاً منها؛ لأن الأمة العربية
حينذاك كانت تملك القوة فكانت مؤثِّرة أكثر منها متأثرة.
وقد دار الزمان دورته، فحدث العكس في قابلية التأثر وعملية
التأثير، فقد صار التفوق في المعارف والعلوم لأمم أخرى، وتحديداً كان التفوق
ثقافياً وتقنياً في جميع الفنون للأمم الغربية، واقتصر أثر العرب على النقل
والاقتباس والمحاكاة لكثير من أنواع المعرفة والحضارة والفكر والثقافة، ولم يَعُدْ
صراع الحضارات مقصوراً على التقنيات الفنية والعلمية فحسب، بل وفي ألوان الثقافة
في شمولها الفكري والمعرفي، أما في هذه الحقبة فإن الذي يسود الساحة العالمية
أنواع من التقدم العلمي والتحديث التقني لم تكن معروفة في أسلافنا ، وليست واردة
في حساباتنا ، كما يتمثل ذلك في الأسلحة النّوويّة التي عطلت فاعلية الأسلحة
المعروفة في عصرنا التي كان لها تفوق منظور وضعت الأسلحة التقليدية في العصور
الماضية (الرمح والسيف والحربة) في متحف التاريخ نموذجاً لسلاح انتهى أثره في
الحياة، فقد جاء أثر المارد النّووي نموذجاً للسلاح الفتاك الذي يجوب الآفاق ويهدد
بهلاك البشرية، كما يتمثل ذلك في قنابل نووية وهدروجينية وبيولوجية تحملها صواريخ
تجتاز مسافات بعيدة لتكون نذيراً بتدمير العالم، وذلك يعود لتوظيف المعلومات فيها
بما يعجل بفناء البشرية بدلاً من إسعادها، ولا يزال التسابق في هذا المجال يعلن عن
نفسه في كل مناسبة، وإذا كان نوبل وضع جائزة كبيرة تكفيراً عن اختراعه الذي لا
يتجاوز خطره مجموعة من الأفراد، فبماذا يكفّر هؤلاء المخترعون لأسلحة الدمار
الشامل في عصرنا الحاضر؟! وإلى متى يستمر استغلال العلم في غير موضعه بين القوى
العظمى لإنتاج هذا السلاح المخيف؟! إلاّ إذا كان الهدف أن يكون العالم اليوم في
قبضة قوة واحدة أو في قبضة مجموعة قوى متحدة المصالح ومتفقة الأهداف، أو لعلها بعض
مظاهر خطة العولمة المطروحة لاستقبال القرن الحادي والعشرين الميلادي؟!
وفي حديث أجرته
صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ 11/2/1419هـ
/ 5/6/1998م مع المفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون عن صراع
الحضارات جاء في حديثه ما نصه: (ليس من المحتمل أن تهزم القومية الثقافية العولمة
أينما ظهرت، ورغم الحماس الشديد حيال العكس فإن سيادة العولمة المعيار في معظم
أرجاء عالمنا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي). وإذا كانت الخطوات السابقة في عالم
المعرفة ضيّقة المسافة محدودة الإطار، فقد تبدّل الوضع في الوقت الراهن عندما
امتدت آفاقها وتعددت طرقها وكثرت تعريفاتها وتلونت اختصاصاتها وتنوعت وظائفها
وأدواتها، فكان لها حضورها الملموس في الحياة المعاصرة إلى جانب ما تؤديه الثقافة
من أدوار خاصة بها في توجيه الفكر الإنساني وصياغة الوجدان الاجتماعي، ولعل مردّ
ذلك التأثير المباشر يعود إلى الامتزاج والتلاحم بين الثقافة ذات الأساس الثابت
والنبع الدائم والحضارة ذات الإنجازات المتقدمة والتحديث الجديد، فقد التقت كل
منهما بالأخرى على صعيد هذا العصر، وكان بينهما من التواصل ما يشبه الامتزاج،
فأخذت الثقافة كثيراً من ملامح الحضارة وسماتها حتى صار التعبير بالمفردة الحضارية
يصطبغ في الذهن على أنه لون من ألوان الثقافة أو تعبير عنها، فبينهما من التبادل
في المفهوم ما يجعل إحداهما تمثل الأخرى، أو تُعَدُّ مكمّلة لها أو امتداداً
لطبيعتها ، وهذا التقدم في المفهوم المتبادل بين هذين اللونين من مقومات الحياة:
تَرسَّخَ في ذهن الإنسان المعاصر على نمط يشمل حركة المجتمع وأنواع نشاطه وأهم
معطياته وهو منظور ينتظم البيئات البشرية على تعدد مناحيها وتنوّع سلوكياتها، وهذا
المفهوم للتطور الحضاري في العصر الحديث شمل شرائح ثقافية واجتماعية تحت اسم واحد
فصار التعبير عن الثقافة بالحضارة أو التعبير عن الحضارة بالثقافة من الأشياء
المألوفة، لتداخلها في مفهوم واحد، وتقاربهما في الاختصاص، فاقترب المفهومان،
وتداخل الاثنان، حتى كادا يتطابقان في الأذهان، وإن اختلفت بينهما كثير من الملامح
والسمات.
وبلادنا في تاريخها الإسلامي وموروثها العربي وفي واقعها
الاجتماعي تمثل الخطّ الثقافي المستقيم الذي ترسّمته الأمة العربية في ماضيها
الإسلامي المجيد، وسارت عليه في حاضرها الحالي، وما بين ذلك الماضي الذي يختفي
وراء قرون عديدة من الزمان وبين هذا الحاضر الذي نعيشه في مواجهة مدّ زاخر من
أشكال الحضارة الحديثة نجد أننا نحيا وسط أطياف الماضي وتراكمات الحاضر ومستجدات
المستقبل، فعلينا أن نعرف كيف تسير خطواتنا؟ وكيف نبني مستقبلنا في عصر العولمة
و(الإنترنت والكمبيوتر) والأسلحة النّوويّة ؟! إننا في عالم عادت فيه جاهلية
القرون الأولى والشواهد من واقع الحال للأمم التي تحيا فوق هذا الكوكب الأرضي،
وتتطلع إلى حقوقها حيث يتسلط القوي، ويستخذي الضعيف، على الرغم من إطلاق شعارات
براقة تدعو أو تدّعي المحافظة على حقوق الإنسان!
وإذا كانت هذه البلاد في انطلاقاتها إلى المعاصرة تجد من
واجبها المحافظة على أسسها ومكوّناتها في التمسك بعقيدتها، والمحافظة على
مسلّماتها اليقينيّة التي لا تقبل التراخي في الالتزام بها أو التهاون في تطبيقها؛
لأنها تمثل أهم مقومات هذه الأمة وأصدق ممارساتها لذلك فمنطلقاتها مع التطورات
المتقدمة والتحولات الجديدة لا تنسيها الثوابت القائمة والمسلّمات الدائمة التي
تمثل واقعها في الحياة وتعاملها مع المستجدات، إلى جانب الالتزام بما سلفت الإشارة
إليه والتقيد به عَبْر تلك الحقائق فإنها لا تقف من إنجازات العصر موقف الجمود،
ولا تنظر إليها من نافذة مغلقة، وإنما تنطلق في موقفها ونظرتها من رحابة الأبعاد
العالمية، ومن الأجواء المفتوحة التي تحيط بها، إذْ لا يمكن أن تغلق على نفسها
المنافذ، وتسد الأبواب المفتوحة، فتعتزل المجتمعات العالمية، وهي تعيش على ضفاف
بحارها، وتتصل بحدودها، وتتنقل عبر أجوائها، وتستورد صادراتها، وتستخدم مصنوعاتها،
وتعيش على منجزاتها. وفي ظل هذا الاعتبار فقد شاركت العالم من حولها في تقدّمه،
واستفادت من حضاراته وطوّرت أدواتها ونوّعت وسائلها مواكَبةً لإنتاجه وتجاوباً مع
قدراته، وبذلك انفتحت على العالم الخارجي، وفتحت جميع نوافذها للاقتباس من ثقافته
والاستفادة من حضارته. على أنها تحتفظ في ذاتها بسماتها الأصيلة ومكوّناتها
الأساسية، وهي تنفتح على غيرها وتتأثر بسواها، فلاتنسى في غمرة اتصالاتها الواسعة
وتأثرها بالحضارة الوافدة طابع حياتها الفكرية والثقافية، وأن هذا الطابع موصول
بقيمها، ومرتكز على عقيدتها وأنها امتداد
للحضارة الإسلامية المرموقة وجزء من عالم عربي لغة وتراثاً كما كانت ولا
تزال أمة عربية أصالة وتاريخاً، وهي بحكم هذا وذاك تجد نفسها عميقة الصلات بماضيها
التاريخي والتراثي والفكري، وإزاء ما يطفح به العصر من تقنيات وتحولات وشبكات
للأقمار الصناعية وقنوات فضائية يتولّد لديها شعور بأهمية رسالتها في هذا المحيط
الزاخر بالعلوم، المتفجر بالمعرفة، حتى تستطيع أن تواكب العصر بمقتنياته المتطورة
واتصالاته المتقدمة وانتشاره الواسع وتدفق المعلومات في فضاء السماء وعلى أديم
الأرض، وتسير مع التيارات المندفعة قبل أن يلفّها إعصار قادم، فلا مكان لمن يتخلّف
عن ركب الحضارة الذي يسير بسرعة فائقة، فواقع العصر يفرض التطور ويجاريه، والبلدان
العربية والإسلامية تواجه اليوم تحديات غربيّة تُفْرِز أحداثاً طارئة، وتملي
واقعاً مليئاً بالمتغيرات والمفاجآت.
والحياة التنموية حملت معها تطورات مادية وفكرية، تمثل إشارات
مهمة على طريق التحدي واختباراً للوجدان الاجتماعي، وما صاحبها من انهمار سيل من
العلوم والمعارف تأتي في مسلسل متتابع وعلى أنماط تراكمية متجسدة في انبعاث صيغ
فكرية وتبدلات ثقافية تأخذ نسقها المتواصل في مسار جديد، ولو تأملنا هذا المسار
الفكري والثقافي وأمعنّا في أثره وتأثيره لرأينا صورة هذه البلاد وهي تواجه المدّ
الزاخر والكم الفائض من التيارات الوافدة التي عَبَرت الأجواء، واجتازت الحدود من
خلال قنوات وتقنيات، لم تكن معروفة من قبل ولا مألوفة في حياة آبائنا السابقين،
وبذلك يصبح التحصن ضدها من خلال تعامل واعٍ يدرك أثرها، ويعي أسلوبها ويستثمرها
لصالح مواطنه بدلاً من أن ينساق في تيارها وهو فارغ الفكر مسلوب الحصانة في مواجهة
جادة ملحّة، والتعامل يخضع لحسابات شتى ليس أقلها التوعية العامة لطريقة التعامل
مع تلك الأنماط الحضارية على مستوى النديّة والفهم، لا الوقوف عند حدود الاكتفاء
بالانغلاق أو الرفض، فلم تعد أدوات الرفض مجدية في ساحة مفتوحة وأمام غزو فكري
منظّم يعلو في الأفق ويبثّه الأثير! وبلادنا وهي تمثل قلب الأمة الإسلامية ووجدان
العروبة النابض ترى أن من واجبها وضع تحصينات تحمي أبناءها من الانزلاق نحو تلك
البرامج المحفوفة بالمغريات حتى لا يصبحوا ضحايا للقنوات الجانحة والأفكار
الجامحة، وإذا أمكن استنطاق الأحداث والمواقف التي وجدت البلاد نفسها في مواجهتها
فإن عليها صياغة أدوارها على الأسس المنهجية التي ارتضتها لنفسها، وأصبحت طابعاً
لمسيرتها، فإذا كانت المنجزات التقنية والمادية ما زالت تشكل عنصراً فاعلاً في أسس
النهضة الحالية سواء من ناحية الكم أو من ناحية النوعية، فإنها قد اضطلعت بعملها
الذي آمنت به، وطبقته في تصرفاتها في تلقي البدايات الحضارية أو في مواجهة زخمها
وامتداداتها التي صارت تشكل موقفاً ملموساً يحدد الخطوات التي يجب أن تسير عليها
كما تلقت البدايات، والعصر بما يمثله من إنجازات تقدمية، وما يحفل به من تقلبات
وتبدلات يسير نحو أهدافه بخطى سريعة وفعاليات جديدة وإزاء هذا المد الجارف. لا بد
من إعداد أساليب حديثة وصيغ فاعلة تستطيع من خلالها استيعاب تلك الفعاليات وتحجيم
آثار البرامج التي تجرّ الشباب ولا سيما المراهقين إلى مستنقعات آسنة تلتهم
حيويتهم، وتقضي على كيانهم، وتحطم مستقبلهم وتؤدي بهم إلى الضياع والهلاك.
وفي ضوء ذلك التحدي الذي يغزونا من كل فج ويروّج المغريات من
كل لون يحسن أن نضع في مواجهته برامج تحمل التوجيهات المقبولة والتوجّهات
المطلوبة؛ لأن النصائح المباشرة ثقيلة على نفس المتلقي، وعسيرة القبول لدى الشاب
المتحفّز، وكما صنع الغربيون للاحتيال في الإقبال على برامجهم، وبثها بوسائل
نفسية، يتصيدون من خلالها الشباب حيث يسهل التأثير عليهم وكسبهم لما يروّج لهم،
فإن وضع برامج تثقيفية محفوفة بالتشويق، ومشمولة بالتنويع، يمكنها أن تجلب انتباه
الشباب الذين تحولوا نحو تلك القنوات الأجنبية التي تحمل الغواية، وتمزج برامجها
بالإغراءات الخادعة فتكون عودتهم إلى البرامج المحلية الهادفة التي تصوغ أفكارهم
وفق القيم التي يعيشها مجتمعهم وتسود بلادهم، والتحرك داخل هذا الإطار يقتضي توظيف
الحركة الفكرية والثقافية، وغرس المفاهيم السليمة في نفوسهم من أجل حمايتهم من
الانحراف، وتحصينهم ضد الضياع، والحركة الفكرية والثقافية التي وضعت في حسبانها
أهدافاً تتسع لكل المبادرات، وتحتوي كل خروج على المجتمع على أي صورة من صور
المؤثرات الخارجية، فتعمل على توجيه القدرات الشبابية، وتنسيق أفكارها بما لا
يتعارض مع مسارها الصحيح الذي رسمته الأمة
وباركه المجتمع، وبهذه الوسائل وما سواها مما يمكن بثّه في نفوس الشباب وإنارة
أذهانهم وتشجيعهم على الالتزام بآدابه والتمسك بثوابته، وبذلك يمكن الخروج من نطاق الدائرة الخارجية التي تهيمن عليها
أجواء الإرسال الفضائي، حتى تتسنى إعادتهم إلى حصانة المبادئ وسلامة الأهداف.
ولا ريب أن الإسهامات الثقافية المحلية عندما تتوافر لها
الجهود المكثفة والخطط الناجحة، فإنها تحقق الغاية المرجوة بتحويل الأنظار من
القنوات الغازية المدمّرة إلى القنوات الصالحة المفيدة، ومفهوم الحركة الفكرية
والثقافية يتجاوز المفهوم التقليدي الذي يحصرها في نطاق ضيّق من الإنتاج، أو يحدها
بأسوار عالية من المحلية الضيِّقة، فما تتوهج به الأذهان الخصبة من عطاءات فكرية
ومعطيات ثقافية تُجسد في ذاتها طموحات أبناء الوطن، وتُخصب أفكارهم، وتملأ الفراغ
الذي يلمسونه في واقعهم، ويشعرون به في ذواتهم، وأهم العوامل المؤثرة في هذا
المجال: رصد التيارات الثقافية العالمية واستخلاص أفضل معطياتها، وتهيئة الجيل
الحالي لمواجهة هذه التيارات مسلّحين بالمعرفة الأصيلة، ومزودين بالثقافة الواعية،
حتى لا يؤخذوا على غِرة، ولا ينخدعوا ببريق الألفاظ ورنين الكلمات التي يجري
إطلاقها دون محتوى مفيد يقف عند حقيقة ملموسة أو هدف له ما يسوغه يمكن أن ينتهي
إلى غاية نبيلة أو إصلاح مطلوب، ومن المهم في هذا الصدد وضع إستراتيجية ذات سياسة
مقنعة، ووفق خطة مدروسة، تؤدي إلى تبديل المسار الخاطئ وتصحيح المفهوم المنحرف، وذلك من أجل دعم توجهات الشبــاب بإمكانات
ثقافيـــة، تحول بينهم وبين الانسيـــاق خلف الثقافات المشبوهة التي لا يستطيعون
إدراك مغزاها، ولا استيعاب أهدافها، ولا التحوط من انحيازاتها، وقد ينساقون نحو
التأثر بمفاهيمها المغلوطة واتجاهاتها المنحازة، ولذا فإن من المهم التحرر من التلوّث
الفضائي المشحون بأفكار منحرفة، أو ممارسات خاطئة، وما تنطوي عليه من مخالفة القواعد الخلقية القويمة والسلوكيات الاجتماعية
المرعية.
تمهيـــد :
الصورة
التي تتراءى لنا عن الحركة الفكرية والثقافية في هذه البلاد قبل عهد الملك
عبدالعزيز– رحمه الله تعالى– يمكن أن ننظر إليها من خلال استعراض موجز للواقع
العلمي والأدبي الذي عاشته المناطق الكبرى في المملكة العربية السعودية، التي هي
أكثر المناطق اتساعاً وكثافةً في السكان وأقدمها ثقافة، ومدى تأثرها بحقبة الركود
الفكري التي عمت البلدان العربية في أعقاب الاستعمار الذي امتد ليشمل مساحات من
البلدان العربية سواءً على مستوى الحكم العثماني الذي امتدت ظلاله لتشمل منطقة مكة
المكرمة والمدينة المنورة إلى جانب منطقة عسير والأحساء من هذه البلاد، أو ما تلاه
من استعمار بريطاني وفرنسي تركز في بعض البلدان العربية التي تحررت فيما بعد، فقد
كادت ظلال الاستعمار القاتمة تطمس الصورة الوجدانية للشعوب العربية التي سادها ذلك
الاستعمار، وحجّم أثرها العلمي، وقلّص مساحتها الثقافية، وحدّ من حرية انطلاقاتها
الفكرية. والمناطق التي يجري استعراضها هنا إلى جانب أنها نماذج لبقية مناطق
المملكة فإنها تمثل واقعاً عاشته وتجربة مرّت بها، ومن خلال ذلك الواقع وتلك
التجربة فإنها تقدّم تصوراً واضحاً بقدر الإمكان عن تلك الحقبة التاريخية من
حياتنا العامة، أو لعلها تحقق ذلك كما هو المظنون، وهي في الوقت نفسه تجسد نماذج
متقاربة في المستويات الفكرية والثقافية ينتظمها تاريخ واحد، وتشملها مدة زمنيّة
معينة، تعطي انطباعاً موحداً أو شبه موحد عن أوضاع متشابهة تشمل كل مناطق البلاد
وجميع أجزائها. كما هو أيضاً واقع الثقافة والفكر في تلك الحقبة بالنسبة للعالم
العربي الذي سبقتنا بعضُ بلدانه في هذا الميدان، وقد سلفت الإشارة إلى تحديد تلك
المدة التي عانت منها بلادنا وبلدان أخرى على المنوال نفسه بدءاً من النصف الثاني
للقرن السابع الهجري حتى فجر النهضة الحديثة عندما استيقظت الأمة العربية من سباتها
بعد طول رقدتها، واستطاعت التكيف مع آمالها وطموحاتها ببعث ماضيها والعودة إلى
منابعها الأصلية، ونحن في هذه البلاد جزء من الأمة العربية في الصحوة العلمية
والعودة الثقافية كما تمّ ذلك في عهدنا الحالي. وفيما يأتي استعراض لما أُنجز في
هذا التمهيد.
منطقتا مكة والمدينة :
يشمل
هذا الاسم التقسيم الإداري الحديث منطقة مكة المكرمة ومنطقة المدينة المنورة وما
يتبعهما من محافظات ومراكز، والحديث عن الحياة الفكرية والثقافية في هذا الجانب من
بلادنا العزيزة يقتضي الإشادة بما للحرمين الشريفين من مكانة مقدسة في قلوب ملايين
المسلمين عرباً وغير عرب، فمكة المكرمة والمدينة المنورة مهوى أفئدة المسلمين
جميعاً، وموضع تقديسهم ومحطّ أنظارهم فهم يحجون إلى أم القرى كل عام ويزورون طيبة
الطيبة، وقد نتج عن الاتصال المكثف المستمر بهاتين المدينتين العزيزتين كثرة
التزاور والاتصال بين علماء العرب والمسلمين وتكوّنت هجرات دينية إليهما وأقيمت
حلقات علمية، ولا سيما في الحرمين الشريفين، فكانت تُقام الدروس الدينية والعلمية
في الحرمين الشريفين من قبل علماء قدموا من الأقطار الإسلامية ينشرون المعرفة
ويبثون الوعي الديني بين الحجاج والعمّار والزائرين، ومع امتداد الزمن توالت هجرات
العلماء وتتابعت حلقات الدروس يتوارثها الخلف عن السلف، وكانت تلك الحلقات بمثابة
قنوات الاتصال بين المسلمين في تلك العصور.
وكانت
مكة المكرمة والمدينة المنورة ضمن المناطق التي امتد إليها الحكم التركي، وفي تلك
المدة ران على المنطقتين جمود في الفكر وركود في الثقافة، فقد عملت تركيا في أواخر
أيامها على تتريك التعليم، وتحويل الحياة العربية إلى المسار التركي لغةً وسلوكاً،
فقد فرضت سيطرتها على مرافق البلاد، وحاولت جاهدة أن تحوّل المجتمع العربي إلى
مجتمع تركي كما ظهــر ذلك في وسائــل التعليم وفي طريقته وأسلوبه، وعاشت المدينتان
– مكة والمدينة– في عزلة فرضها الحكم التركي ((وهكذا نرى أن سياسة العزلة التي مني
بها الحجاز، كانت من أهم عوامل تأخر النهضة فيه، فهذه العزلة المقيتة قد حالت بين
الحجاز وأهله وبين الاستفادة من حركة البعث التي شهدها الشرق العربي خلال القرن
التاسع عشر، فظلّ أهل الحجاز بعيدين عن أي أثر أو تجارب مع ما يجري في بقية
الأقطار. محرومين من أسباب النهضة الحديثة التي يأتي في مقدمتها تطور الثقافة
والتعليم))(9). كانت سياسة الدولة العثمانية في أواخر أيامها مسخ
الصورة العربية وتحويلها إلى صورة مهزوزة، وذلك بتغليب المفاهيم التركية، ومحاولة
توسيع نطاق الطابع التركي، فجعلت من لغة البلاد الأم لغة ثانية حيث قدمت عليها
لغتها بصفتها صاحبة سلطة وتسلّط، ولذلك انهارت الحياة الفكرية، وتدنّت الثقافة
تبعاً لمحاصرة التعليم في أدوار محدودة، تحيطها أسوار من التسلط العسكري الجاهل،
فقد كان رجالها من العسكريين والإداريين وكلّهم من الموفدين من تركيا للعمل في
جميع شؤون البلاد ولا سيما ما يتطلب التوجيه أو يركن إلى السلطة. أما العمل الذي
تَرَكه واليها لشريف مكة فينحصر في شؤون البادية. كما كانت السبل غير مؤمنة سواء
من جانب السلطة التركية أو من جانب من يُعيّن من الأشراف إلى جانب الوالي التركي
الذي يسمى في بعض البلدان بالمتصرّف، وهي تسمية تمثل حقيقة التصرف في مصير العباد
والبلاد، ولم تكن الطرق خارج المدن مؤمنة، وإنما يسودها الخوف وقطّاع الطرق،
فالأعراب هم سادة الصحراء، يتحكّمون في الذين يجتازون المسافات الفاصلة بين المدن
فيأخذون الإتاوات على الحجاج والمعتمرين والزائرين، ولا تأمن القوافل على أفرادها
من سطوة قطّاع الطرق، وفي ظل هذه الأوضاع المضطربة وتخلخل الكيان الأمني إلى جانب
التسلط التركي على الحاضرة لم يَعُدْ للثقافة
وجود ولا للأدب أهمية ولا للشعر صوت، فساد الخمول ربوع الحجاز وتبلّدت
الحياة الفكرية، وضاعت معالمها في تلك الأجواء المعتمة التي أصبح الفكر فيها
مكبلاً بقيود التسلط ونظام التعسف، وما يتلو ذلك من هدم للمقومات التعليمية التي
هي الركيزة الأساس في الثقافة والآداب، ولم تكن الحال بأحسن منها بعد الاستقلال
عندما ساعدت بريطانيا الحسين في انفصال الحجاز، وأُجهز على الحكم التركي المريض
فلم تتحسن الأحوال إلا في حدود نسبية، فقد نقل عبدالرحيم أبو بكر عن أحمد السباعي
في كتابه (تاريخ مكة) بعدما آلت الأمور إلى الشريف الحسين قوله: (كان الحسين يقظاً
حريصاً على سلامة دولته، ولكنه كان يتعالى في يقظته حتى فرض الجواسيس، ومنع
الاجتماعات وأبلى حياته في ذلك وأكثر فيه). وعلى هذا المنوال سارت الحياة الثقافية
متعثرة في سيرها، فلم يكن متاحاً للبيئة الثقافية أن تنمو سواء في عهد الأتراك أم
في العهد التالي له عهد الأشراف، ولم يتنفس الأدباء والشعراء هواءً نقياً إلا بعد
أن آل حكم البلاد إلى الملك عبدالعزيز الذي لم يقف بجهوده عند تأمين الطرق وحماية
الأرواح وإشاعة العدل بين الناس، بل عمل على توسيع قاعدة التعليم، ومنح الحرية
للمواطنين، ويتحدث عبدالرحيم أبو بكر عن: (ظهور النشاط الأدبي الإقليمي الذي أثبت
قوته وتطوره في فترة مطالع العهد السعودي الحاضر بصفة خاصة حيث توافرت له
الإمكانات الثقافية والفكرية بطريق أفضل).
مناطق نجـــد :
في التقسيم الإداري الراهن تنقسم نجد
إلى ثلاث مناطق: منطقة الرياض، ومنطقة القصيم، ومنطقة حائل، وهذه المناطق الثلاث
وما يتبعها يُطلق عليها اسم (نجد)، وفي منطقة الرياض تقع بلدة الدرعية، وهي الآن
محافظة تابعة لمدينة الرياض العاصمة، وكانت في عهود مضت عاصمة تتبعها بلدان أخرى،
فهي المدينة الأولى لآل سعود، وحين كان يحكمها الإمام محمد بن سعود حمل إليها
الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب دعوته الإصلاحية التي ناصرها الإمام محمد بن سعود،
وقد التقى الإمامان المحمدان على تبنّي الدعوة السلفية ونشرها، وكل دعوة لها
مناصرون مؤيدون ومناوئون مخالفون، ولكنّ أنصارها هم الغالبون، وأعداءها هم المخذولون،
فقد اكتسحت الدعوة كل العقبات واجتازت جميع التحديات، ووقفت صامدة بقوة عقيدتها،
وسلامة نهجها فثبتتْ وانتشرتْ واتسعتْ مساحتها، وصارت الدرعية حاضرة علمية يؤمها
رواد العلم وطلاب الشريعة، ويقصدها الناس من كل صوب؛ ليتزوّدوا من علوم الدين،
وينهلوا من معينها العذب، ومضت هذه الدعوة السلفية تشق طريقها، وتكسب الأنصار
حولها وتثبّت أقدامها على أرض صلبة، وهذا ما جعل بعض الأنظمة القائمة حينذاك تخشى
على نفسها المنافسة منها، فتحاول مقاومتها بعدما بسطت نفوذها على ربوع نجد كلها،
وامتدت إلى ما وراءها، فقامت تركيا وبعض البلدان العربية السائرة في ركابها
والمعاديـــة للدعوة بغزو الدرعية، فقد جاءت الجيوش الغازية تحمل النقمـــة
والحقد، وتطوي المسافات البعيدة وافرة العدد كثيرة العدة مجهزة بالتموين المتصل من
مصر حتى الدرعيــة، وكان من نتائج تلك الحملة الظالمة تدمير الدرعية عام 1233هـ/
1818م فقد حوّلت مبانيها إلى أطلال، وشرّدت سكانها فأصبحت قرية صغيرة بعد أن كانت
مدينة كبيرة، وبهذا العدوان الإجرامي انطفأت الجذوة المضيئة في تلك الربوع،
وانكمشت النهضة العلمية التي كانت قائمة فتلاشت، ولكن الدعوة ظلت راسخة في القلوب
ثابتة في نفوس أفراد المجتمع، فإن تحطمت قصورها وهدمت أسوارها وتشتت أهلوها فقد
بقيت مَعْلماً من معالم نهضة علمية سالفة، وسوف تتوهج أضواؤها بعد حين بالعقيدة
الثابتة والشريعة الدائمة، وتستعيد سيرتها الأولى مع عهد جديد، وبطل قادم من آل
سعود يقود المسيرة في عاصمة جديدة هي الرياض ، يعيد مجد هذه الأسرة السعودية التي
حملت الدعوة عقيدة وطبقتها شريعة، ولا تزال ماضية على درب الأسلاف في التشريع
والتطبيق.
ونتيجة
لتلك الحملة التركية التي دمرت مركز الدعوة السلفية الإصلاحية في مقرها بالدرعية
فقد أصيبت بلاد نجد كلها بحقبة جمود علمي، وهي حالة لم تنفرد بها هذه البلاد،
وإنما شاركتها في المصير نفسه بلدان عربية كثيرة عاشت ردحاً من عمرها تحت مطرقة
حكم الاستعمار، فقد توالت عليها سنوات عجاف، فأصحرت أرضها من الثقافة والعلوم،
وأصابها الجفاف لا في حياتها المادية فحسب، بل وفي حياتها الفكرية العلمية التي تقلّصت
مساحتها، وتبخرت حيويتها وتلاشت فاعليتها، فامتدت مساحة الجهل، وعمت الأمية حتى لا
يكاد يبدو في ليلها فجر جديد، فلم يعد للأدب ذكر، ولا للفكر وجود، ولا للشعر صوت،
كما يؤكد ذلك الدكتور عبدالله الحامد حين يقول: (تأخر ظهور الشعر الفصيح في نجد عن
ظهور الدعوة الإصلاحية، ولذلك نجد الشعراء الأوائل الذين واكبوا أصداءها وأفكارها
قد هاجروا إلى نجد لإقامة طويلة أو قصيرة؛ ولذلك أسباب: أولها: الأمية الحرفية
والفكرية التي جعلت الشعراء البارعين يظهرون على مسرح الشعر الشعبي دون الشعر
الفصيح كمحمد القاضي وابن جعيثن والهزاني وابن لعبون ونحوهم من الشعراء الكبار
الذي غذتهم نجد بلبانها وطبعتهم بصحراويتها. الثاني: أن هناك شعراء ذهبوا في غمار
الحياة وزحمة الأحياء فقد كان الشاعر النجدي المطبوع بين حالتين لا ثالثة لهما:
إما أن يكون جاهلاً أمياً، فلا عليه أن يكون
نبطياً يقول ما يشاء من طيب الكلام ومرذوله، وإما أن يكون متعلماً مثقفاً
والثقافة هناك لها صلة بالدين. ومن ذلك تتبين أهمية الدعوة في إدخالها الشعر
الفصيح في أجواء نجد التي ركعت لقيود العامية حقباً طويلاً سواء في الشعر أو
النثر). ومما تقدم يتبين مدى التخلف الفكري في مواجهة الصراع الدائر بين حماة
الدعوة وخصومها، كما تجسد ذلك في غزو الدولة العثمانية لنجد للإجهاز على هذه
الدعوة الإصلاحية في منبتها ومستقرها. مما ترتب عليه تقويض ذلك البناء الشامخ
وتفتيت الثروة العلمية التي تبددت بعد القضاء على معقلها، ثم امتدت حقبة من الجمود
الذهني والركود العلمي، ويقدم لنا عبدالله بن إدريس في كتابه: (شعراء نجد
المعاصرون) لمحة عن أوضاع الشعراء في تلك المدة الزمنية وأثرها، ولا سيما على
الواقع الشعري وانعكاسها على المسيرة الأدبية المتعثرة وقوالبها الجامدة إذ يقول:
(إن شعراء الفترة التي سبقت بزوغ فجر النهضة
الحديثة– جلّهم إن لم يكن كلهم– نَظّامون وليسوا شعراء بالمعنى الصحيح للشعر، وأغلب إنتاجهم الضحل
يتمثل في المدائح المحشوّة بغريب اللغة وحوشيها
والهجاء المقذع والرثاء النادب ونظم المتون العلمية. ولعل من أسباب ضعف الشعر في
تلك الحقبة الطويلة بنجد كما في كل بلد عربي– أن الشعراء كغيرهم من المثقفين – لا
يجدون الغذاء الفكري الدسم، إذْ يندر وجود الكتب الأدبية الرفيعة والثقافية العامة
في متناول أيديهم). وظلت الحال كذلك إلى أن
أشرقت شمس النهضة العلمية التي وضع أساسها وأشاد بناءها العاهل الكبير الملك
عبدالعزيز فآتت ثمارها فيما بعد ثقافة وفكراً.
المنطقة الشرقية :
المـدة
التي مرت بهذه المنطقة في الإطار الزمني الذي مضت الإشارة إليه تمثل امتداداً
طبعياً لحالة ركود عامة لا في بلادنا وحدها بل وفي البلاد العربية كلها، على
اختلاف في امتداد المدة نفسها أو انحسارها. لكن الطابع واحد والمسيرة متشابهة،
ولقد كانت المنطقة الشرقية في ذلك الوقت تدور حياتها العلمية والثقافية ضمن نطاق
العلوم الدينية وعلوم اللغة العربية: (وقد عاشت المنطقة– كغيرها من الأوطان
العربية– القرون المتأخرة فترة جمود فكري، أوقفها عن أي إبداع علمي خلاّق، أما عن
علوم اللغة فقد انتهت إلى حواشٍ وتقارير وشروح جافة يلقّنها المعلمون للمتعلمين من
منظومات باردة حتى كادت تضيع جهود البلاغيين والبلغاء والنحاة واللغويين القدماء
بعد أن حال لونها في تلك المنظومات والملخصات الباهتة). وبعد بزوغ فجر النهضة
الحديثة مع إطلالة العهد الحالي بدأت طلائع التحرك الفكري والثقافي بالتخلص من
طابع القيود القديمة التي عاشتها المنطقة خلال حقبة الجمود السالفة، وقد جاء هذا
التحول في أسلوبه ومضمونه ليصنع اتجاهاً جديداً في عالم ألِفَ الركود في فكره
وثقافته مستفيداً من الروافد الفكرية
والثقافية التي سبقت إليها بعض البلدان العربية، وقد نوّه الدكتور عبدالله
آل مبارك عن هذا النهج في كتابه (الأدب المعاصر في شرقي الجزيرة العربية) بقسميه
النثر والشعر الذي لم يحدد فيه إطار الدراسة داخل المملكة، وإنما امتد بها إلى بعض
بلدان الخليج العربي كالبحرين والكويت مستشهداً بشعراء الخليج وأدبائه، وفي هذا
الصدد يشير إلى: (أن جيل الرواد في شرقي الجزيرة العربية قد قام بجهود واضحة في
سبيل إنهاض المنطقة، وتوزعت هذه الجهود ميادين شتى بين تعليمية واجتماعية ووطنية
وثقافية عامة، وأغنت هذه الجهود التعبير النثري بأغراض ومضامين جديدة، سحبت
تأثيرها على أشكال هذا التعبير، وأدّت في النهاية إلى نقائه وإبانته وحيويته فقد
تطور الأسلوب فنياً من السجع والتزيين إلى السلاسة والإفصاح).
وفي كتاب:(أرض المعجزات) ذكرت الدكتورة عائشة عبدالرحمن: (بنت
الشاطئ) عن رحلتها إلى هذه البلاد عام 1370هـ/1951م، وأنها فوجئت بالنهضة الأدبية في المنطقة الشرقية فقد
زارت ضمن وفد من جامعة القاهرة هذه المنطقة وبالذات القطيف، وهي تصور مشاعرها
وترسم مشاهدها من خلال الصورة التالية: ((وتهادى إلينا نسيم المساء رخيّاً عليلاً
معطراً بأريج الأزهار وشذا الثمار ورائحة العشب، وانبثقت أضواء الشفق الوردي
فتوّجت هامات النخل الباسقات، ثم نفذت من بين الفروع والأغصان، واستلقت في وهنٍ
وتراخٍ على صفحة الغدير المتألق وفوق العشب النّدي، إن (دارين) ما تزال هناك ترجّع
صدى أغاني النابغة الجعدي والفرزدق وغيرهما من الشعراء الذين لم يجدوا ما يشبّهون
به عرف الحبيبة أذكى من مسك دارين، وإن بساتين (هجر) باقية حتى الساعة مثمرة غناء
تبتسم للضاربين في الصحراء، تَعِدُهم بالظل والثمر والماء، كما كانت في قديم
الزمن). ثم تواصل ترجمة أحاسيسها وتأثّرها لذلك تقول بما رأت وسمعت وما أعجبت به
بالنسبة للنهضة الأدبية في جزء من أجزاء هذا الوطن، مما أوجب أسفها لتجاهل أدباء
مصر هذه النهضة التي تعيشها بلادنا أو جهلهم لها لذلك تقول: ((كم تألمت وأنا أُصغي
إلى حديث أدباء القطيف عن معاركنا النقدية ومذاهبنا الفنية؟! كم خجلت وأنا أرى في
أيديهم كتبنا ومجلاتنا نحن الذين لا نشعر بهم أو نلقي إليهم بالا؟ كم تأثرت وأنا
أسمع الشاعر عبدالله الجشي يعرّفنا ببلده الذي هو قطعة من وطننا الشرق العربي)).
والشاعر يبدأ قصيدته بهذا الاستهلال:
هذي بلادي وهي
مـــاضٍ عامـر مجداً، وآتٍ– بالمشيئــــــة– أعمر
ومنها قوله :
|
ومنها :
|
والنخل وارفـة الظــــلال كأنـهــا |
جيـش
كثيف بالخليـــج معسكــر |
|
تُهدي لها الصحراء في السَّحـر
الصَّبا |
فتمر
كالحلم اللذيـــــذ وتخطــــــر |
|
والبحر يُهديهـــــا اللآلىء زينــــة |
وتجــارة
فيهـــــا الغـــــِنَى يتوفـــــر |
|
وكصفحة المـــرآة جـــوٌّ مشــــرق |
وكلوحـةِ
الفنـــــان رِيـف مُزهــــر |
منطقتا عسير وجازان:
من المراجع التي يعوّل عليها في متابعة نشأة الأدب في تهامة
وعسير كتاب: (الحياة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية) الذي ألّفه
الدكتور عبدالله أبو داهش. وقد استعرض فيه الأوضاع التعليمية والاجتماعية في
السابق، التي أصبحت فيما بعد بمثابة المادة الأساسية التي قامت عليها ركائز الحياة
الفكرية والثقافية في منطقتي جازان وعسير، وقد حدد البدايات للانطلاقة الأدبية
الحاضرة في هاتين المنطقتين بما كان يجري في ذلك الجزء الجنوبي من هذه البلاد من
إرهاصات خلال القرن الثالث عشر الهجري والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري،
عندما تكوّنت الحلقات العلمية التي يرعاها ويقوم عليها علماء الدين، وتبعتها في
التكوين مكتبات أهلية تلبي حاجة البحث لدى هؤلاء العلماء والمتعلمين؛ ولأن العلماء
هم المعنيّون بحلقات العلم والمكتبات فقد بدأت الملامح الأدبية تومض في سماء
المواهب الأدبية الموجودة لدى بعض العلماء، ولأن الأدب ثمرة موهبة سواءً جاء في
صورة نثر أم شعر، فقد كان لبعض الموهوبين من بين أولئك العلماء مَنْ حاول ممارسة
الأدب شعراً أو نثراً ؛ وبذلك تحققت البذرة الأولى في أرض تهامة وعسير التي سقتها
المعرفة، فيما بعد فآتت أكُلها بعد حين، والتي تمثلت في صيغ أسلوبية فيها بعض
اللمحات الأدبية المبكرة، وإن كان طابعها الإغراق في التقليد والمحاكاة في تَمثّل
النهج القديم سواءً كان ذلك في الشعر أم النثر على نمط العصور المتخلفة ثقافياً،
التي توارثت قوالب جاهزة الصنع عديمة الإبداع (ويتسم أسلوب التعبير في شعر تهامة
وعسير بالإغراق في البديع والزخارف اللفظية، وبكثرة الهنات الأسلوبية والضرائر
الشعرية،كما أنه يتصف بالأساليب التقريرية والخطابية ويحفل بالمصطلحات اللغوية
والعلمية وبعض المصطلحات المحلية واللهجات العامية. ولاتكاد تخرج الدلالات اللغوية
في شعر هذه الفترة عن المعجم الشعري المعهود في شعر العصور الأدبية الضعيفة)
([9]) .
وفي كتابه: (نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة
العربية السعودية) أشار الدكتور عبدالله أبو داهش بصدد الأدب في تهامة وعسير إلى ما
يؤكد سبق منطقة تهامة لمنطقة عسير في هذا المجال، وأرجع سبب التفاوت بين المنطقتين
في نشأة الأدب فيهما، ومدى تأثرهما وتأثيره فيهما إلى عوامل تختص بكل منهما وأن
تهامة كان لها السبق في مضمار النشأة الأدبية، وذلك منذ ضُمَّت (إلى بقية أجزاء
البلاد السعودية في سنة 1349هـ/ 1930م على حين تأخرت هذه النشأة الحقيقية في عسير
إلى نحو العقد الثامن من هذا القرن نفسه لما كانت عليه حياتها الأدبية من تواضع
وفتور ومحدودية). كما أشار المؤلف إلى أن الأدب التهامي اتصف بالمظهر التقليدي في
بدايات التكوين الثقافي وإن لاح بعضُ التفاوت في قدرات الشعراء. على أن الشعر في
عسير ظلّ وبحكم سنّة التطور، فقد استطاع شداة الأدب والمتطلعون إلى تحقيق الذات
الأدبية من خلال التواصل الفكري والثقافي في هذا الميدان أن يشقّوا طريقهم على
الرغم مما واجههم من صعوبات وما صاحب خطواتهم من عثرات، فقد نجحت محاولاتهم في
تطوير أساليبهم الأدبية، والتخلص من محاكاة الأقدمين، (ومن الواضح أن هذا الواقع
الأدبي الجديد الذي غشى الأدب في جزيرة العرب عندئذٍ لم يكن شاملاً لمعظم البدايات
الأدبية حينذاك . مما جعل بلدان تهامة وعسير تتأخر في قبوله. إذْ لم تقبله بسهولة
كما هو المعهود في بلدان الحجاز، وإنما أخذ يؤثر بقدر حتى اتصل أثره في النصف
الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ونجاحه عند رواد هذا الأدب المعاصر في جنوبي
المملكة العربية السعودية من أمثال محمد بن أحمد العقيلي ومحمد بن علي السنوسي) ([10]) .
أثر التعلــــيم:
لعل من أبجديات القول التأكيد على أن الحركة الفكرية
والثقافية وليدة النهضة التعليمية، فالعلم– كما هو معلوم– هو المصدر الأساسي للفكر
والثقافة، وهما نتيجة حتمية للتعليم، فالارتقاء في جميع مناحي الحياة مرتبط
بالحركة التعليمية التي تمثل القاعدة الأساسية والركيزة المهمة للثقافة والفكر،
وإذا نظرنا إلى هذه الحركة في بلادنا نجد أنه من توفيق الله – تبارك وتعالى – لها أن حكمها الملك
عبدالعزيز – رحمه الله تعالى– الذي لم تقف منجزاته عند حدود معيّنة، أو تقتصر على الأوضاع الأمنية
والسياسية أو الاقتصادية والاجتماعية، وإنما امتدت تلك المنجزات لإرساء دعائم
المسيرة التعليمية التي تُعَدُّ إرهاصاً مبكراً للحركة الفكرية والثقافية التي
تعيشها بلادنا في حاضرها الزاهر الذي نعايشه على مختلف تنوعاته وتعدد مناحيه ، وهو
حاضر يمهد لمستقبل مرموق إن شاء الله تعالى.
لقد نشأت تحولات جذرية في مسار النهضة، وقد كانت هذه البلاد
الواسعة المساحة المتباعدة الجهات قبل العهد السعودي مرتعاً للصوص، ومجالاً لقطّاع
الطرق، يسودها الاضطراب في الأمن والانقسام بين أفراد الشعب الواحد، وكانت ساحتها
خالية من التعليم بمفهومه الواقعي، ولقد أدرك الملك الراحل بثاقب فكره وبُعْدِ
نظره حاجة الأمة إلى العلم كحاجتها إلى الأمن الذي أقام الملك كيانه وأشاد بنيانه،
فأقام صرح العلم ورسخ قواعده وثبّت بنيانه على ما هو ملموس في هذه البلاد.
الكتاتيــــب:
كان التعليم قبل عهد الملك عبدالعزيز في هذه البلاد في
بداياته الأولى يسير بخطوات وئيدة، يحبو في سيره، ويتعثر في مسيرته، لا يستند على
دعامات ثابتة، ولا يقوم على ركائز واضحة، وإنما هو أشبه بأمشاج مختلفة من معارف
محدودة تتمثل أكثر ما تتمثل في الكتاتيب المدرسية التي تمثل نماذج بدائية للتعليم،
وكان لكل منطقة من مناطق المملكة أوضاعها العلمية الخاصة بها، وقد تميّزت المنطقة
الغربية لا سيما مكة المكرمة والمدينة المنورة بالعلم والتعليم، ولا شك أن أهم
الروافد العلمية تتمثل في الحرمين الشريفين حيث يتجه إليهما المسلمون لما لهما من
أهمية خاصة؛ لأنهما مقصد الحجاج والعمّار والزوار، كما كان لهجرة بعض علماء
البلدان الإسلامية إلى الديار المقدسة أثره الكبير في نشر العلم وتوسيع نطاقه. وفي
ظل السلطة العثمانية كادت اللغة العربية تتلاشى بسبب توجّه الدولة العثمانية في
أواخر أيامها نحو تتريك التعليم في محاولة لتحويله من اللغة العربية إلى التركية
مما انعكست آثاره على المستويات العلمية والنواحي الاجتماعية. أما المدارس
النظامية الصغيرة المحدودة التي افتتحتها السلطة العثمانية إلى جانب الكتاتيب
فكانت من أجل إعداد موظفين تحتاج إليهم السلطة من أبناء البلاد للقيام ببعض
الأعمال الحكومية في الدوائر العثمانية.
وكانت منطقة نجد في عمومها كذلك يقوم التعليم فيها على
الكتاتيب المدرسية، التي يُعَدُّ التعليم فيها تعليماً أولياً؛ لأنه يقتصر على
البدايات الأولى في هذا المجال، فهي تُعْنىَ بتدريس القرآن الكريم، وتقتصر في
إعداد التلاميذ على معرفة الحروف وأثرها في تكوين الكلمة، وبعد ذلك يأتي أثر
الكلمة في تكوين الجملة، إلى جانب تعليم الخط، وربما تدخل مادة الإملاء في تدريس
الخط، والكتاتيب في مجملها متشابهة في تشكيلها وفي أداء رسالتها ومحدودية الرسالة
التعليمية، والدراسة فيها إما أن تكون في المساجد، أو في حجرات صغيرة من بيوت
القائمين عليها، ومدة الدراسة بها لا ترتبط بزمن محدد ولا بمنهج معيّن؛ لأن
التلميذ لا ينتقل من فصل إلى آخر كل عام دراسي كما هو واقع الدراسة في المناهج
المعاصرة، وإنما يظل حيث هو في فصل واحد حتى يختم القرآن. الذي يمثل المؤشر
النهائي لاجتيازه الدراسة التي تضع الدارس في مواجهة الحياة، وكانت جميع مناطق
المملكة قبل عهد الملك عبدالعزيز وفي بداية عهده يعتمد التعليم فيها على تلك
الكتاتيب، وقد وجدت إلى جانب كتاتيب البنين كتاتيب للبنات، وإن كانت أقل من أعداد
كتاتيب البنين، ولكنها وجدت على قلتها في حواضر المدن، ولعلها امتدت إلى بعض
القرى.
أما في صحراء المملكة فلم يكن التعليم فيها معروفاً قبل عهد
الملك عبدالعزيز، عندما أمر بإنشاء الهجر لتوفير قدر مناسب من التعليم لأبناء
البادية وتحضيرهم، وقد جاء هذا اللون من التعليم حينما اهتم جلالته – رحمه الله تعالى – في
بداية عهده بتزويد القبائل بأئمة يؤمّونهم في الصلوات، ويعلمون أبناءهم على قدر
الإمكان، وقد جرى هذا التعليم على غرار الكتاتيب التي هي بمثابة الإرهاص المبكر
للتعليم، التي تمثل المرحلة الأولية في البدايات التعليمية، التي كان مجالها محدوداً
في نطاق ضيق من التعليم الأوليّ. على أنه من المعلوم بداهة أن التعليم في هذا
الجانب (الكتاتيبي) قديم جداً، متوارث منذ عصور مضت في العالم الإسلامي بصورة
عامة، ربما ترجع بداياته إلى نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني
الهجري، وقد أدت هذه الكتاتيب مهمتها في التخفيف من آثار الأمية التي كانت سائدة
آنذاك، ولو أن هذه الكتاتيب تعد رسالتها محدودة بمحدودية إمكاناتها، فمحيطها
التعليمي محصور في نطاق تعليم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة على أساس نطْق
الحروف وتركيبها الهجائي، ومن المعلوم أن الكتاتيب في عمومها متشابهة في منهجها
وطرق تدريسها، أو بتعبير آخر لا يحكمها منهج معيّن؛ لأن جميع الدارسين على
اختلافهم في مستوى واحد مهما تفاوتت أعمارهم ومداركهم وتحصيلهم العلمي.
الهجــــــر:
لقد كانت الرؤية المتفتحة للملك عبدالعزيز رؤية مستقبلية حين
فكر في توطين البادية، فقد فكر في إنشاء (هجر) بمثابة وحدات سكنية يقوم بناؤها على
مواد أوليّة بالطين والحجارة، (والهجر: جمع هجرة)، ولعلها من الهجرة بمفهومها
الديني، وهي في مضمونها هنا تعني الانتقال من الطابع الأعرابي المتبدّي إلى عالم
التحضر، وقد ارتبطت في أذهان الذين استوطنوها من البادية بتعلّم القرآن – حتى
للكبار منهم– ومبادئ العلوم الدينية التي تمنح المسلم ثقة بنفسه بمعرفة الأحكام
الأساسية لدينه، وعلى هذا الأساس قامت هذه الهجر، وكان التعليم هو الأساس الذي
انطلقت منه، وإن كان تعليماً محدوداً جداً، وفي نطاق محدود إلاّ أنه يُعَدُّ بذرة
أصيلة في مستقبل واعد، وقد كان قيام هذه الهجر على منوال القرى التي هي بمثابة
محاضن مدنيّة، تضم أسر البادية في خطوة غير مسبوقة في عالم الصحراء، وقد وجّه
الملك عبدالعزيز– رحمه الله تعالى– بتوفير كل المقومات اللازمة التي تُبنى عليها
الحياة المدنيّة في القرى، بدلاً من حياة الصحراء التي لا يحيط إطارها تنظيم معيّن
أو تحضّر مطلوب. وقد توافرت في هذه الهجر وسائل التعليم إلى جانب أنماط حضارية،
وإن كانت بدائية ومحدودة في بداياتها إلاّ أنها استطاعت تلوين الحياة الجديدة في
الهجر بألوان مختلفة عن تلك الحياة السابقة التي كانت واهية الصلة بوسائل التحضر
وحياة الحضر، فبدلاً من بيوت الشَّعر والخيام قامت بيوت من البناء وإن كانت من
الطين والمواد الأولية كما كان النظام العمراني سائداً في ذلك الوقت، والهجر وإن
كانت في تنظيمها العمراني لا تعطي الانطباع الكامل للصورة العمرانية في البلاد
إلاّ أنها استطاعت إخراج سكانها من طابع البداوة الجافة إلى طابع أقرب للحياة
الحضرية التي لم تَعُدْ تحدها حواجز النظام القبلي، وتحدد مسارها أسوار العيش
العشيري إلا في الطابع العام والأعراف المتوارثة.
لقد كانت هذه النقلة للبادية من أعماق الصحراء إلى أرياف
المدن تُعَدُّ إحدى منجزات الملك عبدالعزيز في تحديث المواطن السعودي وتهيئته
لتوحيد أجزاء المملكة الشاسعة المساحة الرحبة الأبعاد، فقد كانت عملية التوطين
التي تمت مصحوبة بالتطور التدريجي في الوسائل المدنية، واتساع الأرض الخضراء
بتنمية المساحات الزراعية، وإن تم ذلك في محيط محدود، إلاّ أنه كان لتلك المساحة
المزروعة أثر مباشر في تغطية كثير من مطالب العيش وروافده، وإنّ أهم ما حققته
عملية التوطين تعليم أبناء البادية ووضعهم على طريق المستقبل، وتلك غاية مهمة في
حدّ ذاتها، ولها دلالتها في تأكيد الأهمية العلمية في تأسيس البلاد إلى جانب فوائد كثيرة، ليس أقلها الاستقرار
واستتباب الأمن، وحشد الجهود لتوحيد أجزاء الوطن الكبير في وطن واحد، وفي وحدة
تجمع أجزاءه، وتلم شتاته، وتربط كيانه في وحدة واحدة تحت مظلة اسم المملكة العربية
السعودية.
الدراسة النظامية:
كان أول منهج دراسي جرى تطبيقه في عهد الملك عبدالعزيز في
بدايات التأسيس، وأهمّ ما يمثله هذا المنهج ما يأتي:
1-
التركيز على المواد
الدينية.
2-
إمداد التلاميذ
بقدر مناسب من العلوم الموجهة لخدمة الوطن.
3-
تأكيد المنهج على
تنمية الروح العربية الإسلامية.
4- عناية المنهج بتنمية
الاتجاهات الإيجابية، وخاصة العقيدة الإسلامية وحب الوطن.
ونظراً لأن المدارس الجديدة في هذا العهد مؤهلة للتوسع
والامتداد إلى سائر المدن والقرى في المملكة العربية السعودية فقد تأسست في ظل هذه
الدوافع مديرية المعارف، وذلك لأول مرة عام 1344هـ، فكان تأسيسها بدءاً لحقبة انتقالية
لبناء صرح ثقافي في المملكة، وتثبيت قواعده على أسس المعرفة القويمة والتربية
الصحيحة، ومعلوم أن كل شيء يبدأ صغيراً ثم ينمو فيكبر أو يتسع، والتعليم كذلك،
فكما كان التعليم قبل عهد الملك عبدالعزيز في غالبه في الكتاتيب أو حلقات التدريس
بالمساجد فقد تحوّل في عهده إلى التعليم النظامي الذي كان أيضاً محدوداً في بداءات
التأسيس سواءً من ناحية العدد أم من ناحية النوع بحكم سنن التقدم والتدرج.
لقد كان التعليم أحد الشواغل الفكرية
المهمة في ذهن الملك عبدالعزيز، ومن هذا المنطلق كان
اهتمامه بتنشئة أولاده (الأمراء) تنشئة ترتفع بهم إلى مدارج العلم ومدارك المعرفة،
التي هي إحدى غاياته التي تحتل حيّزاً من فكر جلالته الذي يحتشد فيه الكثير من
مسؤوليات الحكم ومهام الدولة؛ لذلك فقد أمر بإنشاء (مدرسة الأمراء) في قصره الملكي
بالمربع، ولم يكن التعليم فيها مختصاً بالأنجال من الأمراء، فحسب، بل إنه متاح
لسواهم من المواطنين ولا سيما أبناء الحاشيــة، وإقامة هذه المدرسة في قصر الملك
نفسه مما يدل على اهتمامه الخاص بالتعليم واستشعار أهميته لشعبه. حيث لم يكن هناك
إقبال على التعليم في ذلك الوقــت، وكانـــت الدراسـة في حدود ضيّقة، وإمعانــــاً
من جلالته – رحمه الله– في الاهتمام بهذه المدرسة امتداداً لاهتماماته برسالة التعليم في المملكة فقد اختار لإدارتها والتدريس بها
نخبة من المربين الأفاضل، وأبرز مدير لهذه المدرسة هو فضيلة الشيخ عبدالله
خياط رحمه الله، وكان جلالته يضفي عليها رعايته الخاصة، ويوليها اهتمامــه الشخصي،
فيتفقدهـا بذاته في زيارات مفاجئـــة، ومن تلك الزيارات ما ذكره أحد الأساتذة
العاملين بها: أحمد علي أسد الله، فقد ذكر أن الملك عبدالعزيز حضر إلى المدرسة في
زيارة مفاجئة، وقصد الفصل الذي يدرّس به الشيخ عبدالله خياط، وعندما قدموا لجلالته
كرسياً للجلوس عليه رفض ذلك مفضلاً عليه الجلوس في كرسي معلّم الفصل تواضعاً منه
وتكريماً للعلم، وفي تلك الزيارة وجّه أسئلة عدة للدارسين للاطمئنان على تحصيلهم
العلمي، ومدى استفادتهم من الدروس التي تُلقى إليهم، ومعرفة مستواهم الدراسي، كما
ناقش مع المدرسين المواد الدراسية التي تُعطى للطلاب([11])
.
على أن مسيرة التعليم في ظل الدافع المواكب لحركة التطوير
المبكرة لم تقف عند حدود المرحلة الابتدائية التي كانت تمثل الخطوات الأولى في
السلم التعليمي، وإنما تخطتها إلى مرحلة أعلى منها في المستوى العلمي وتالية لها في
التدرج الدراسي، وقد تمثلت هذه الخطوة التالية في قيام مديرية المعارف بافتتاح
(المعهد العلمي السعودي) في مكة المكرمة، وقد كان ذلك في عام 1345هـ/ 1926م، وهذا
المعهد بحساب ذلك الزمن في مستواه يعد رافداً مهماً ساعد في إثراء الحركة
التعليمية في البلاد، وكان لاختيار الأساتذة الذين عُهد إليهم بالتدريس فيه أثر
مباشر في تحقيقه لنتائج علمية ذات مردود ملموس الأثر في النهضة العلمية في ذلك
الحين، والمشاركة في الحياة الثقافية بعد حين.
كما أُنشئت فيما بعد في مدينة الرياض وبعض مدن المناطق معاهد
علمية لسدّ حاجة البلاد في مجال القضاء والإرشاد وتدريس العلوم الدينية، وقد جرى
تأسيس أول معهد من تلك المعاهد في العاصمة (الرياض) عام 1370هـ تحت رئاسة سماحة
الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي هذه البلاد آنذاك، ثم تعدّدت المعاهد
العلمية، مما استوجب العمل على إتاحة مجال أوسع وأعلى في الدراسة أمام خريجي هذه
المعاهد فكان إنشاء كلية الشريعة عام 1373هـ التي أصبحت نواة (جامعة الإمام محمد
بن سعود الإسلامية) بكلياتها المختلفة التي استوعبت جميع خريجي المعاهد العلمية
بحسب تخصصاتهم.
لقد استطاع الملك عبدالعزيز – رحمه الله تعالى – من
خلال تطلعاته الكبيرة أن يؤسس بناء وطن كبير ، فيضع هذا الوطن على طريق المعرفة
الحديثة على الرغم من المصاعب الكثيرة والإمكانات القليلة. لكن الإيمان الثابت
والإرادة القوية والحزم في اتخاذ القرارات عوامل مهمة في تذليل الصعاب وقهر
المتاعب، فكما حمل راية التوحيد فقد حمل كذلك مشعل المعرفة، فأضاء جوانب الجزيرة،
وجعل التعليم يتخطى حواجز المدن، ويتجاوز أسوارها إلى الدراسات الجامعية والعليا
داخل البلاد وخارجها في بعثات دراسية على حساب الدولة.
البعثـات والجامعـات:
في عام 1355هـ أُنشئت مدرسة ثانوية بمكة المكرمة تحت اسم (مدرسة
تحضير البعثات)، واسمها يحمل دلالة الهدف من إنشائها المتمثل في إعداد خريجيها من
طلاب المرحلة الثانوية للدراسات الجامعية (خارج المملكة)، التي لم تكن موجودة ذلك
الوقت في البلاد، وكان ابتعاث الطلاب من أوائل خريجي المعهد العلمي السعودي بمكة،
ومن جميع خرّيجي مدرسة تحضير البعثات الثانوية، وكانت مدة الدراسة بالمعهد خمس
سنوات، وفي تحضير البعثات ست سنوات منها السنة النهائية بمثابة إعداد للدراسة
الجامعية.
وكان المنطلق للتطور الفكري والتقدم الثقافي مقترناً بإيفاد
طلائع الدارسين إلى خارج البلاد للتحصيل العلمي الذي لم يكن متاحاً في المملكة في
الماضي، فجرى إيفاد أول بعثة دراسية إلى جامعات خارج المملكة تلتها بعثة أخرى عام
1355هـ/1936م. وقد كانت فكرة ابتعاث الطلاب للدراسات الجامعية في ذلك الوقت المبكر
من عهد الملك عبدالعزيز تؤكد بأن التعليم هاجس من هواجس الملك عبدالعزيز، وثمرة من
ثمار غرسه.
وامتداداً لتلك الروح الدافعة للتعليم في أعلى مستوياته وبعد
أن استوفت المملكة غايتها بتخريج أعداد كبيرة من الجامعيين الذين عادوا من بعثاتهم
في الخارج ليؤدوا عملهم الذي جرى إعدادهم من أجله بعد حصول كثير منهم على مؤهلات
عليا بعد الدراسة الجامعية تبلورت فكرة إنشاء جامعات داخل البلاد لاستيعاب الأفواج
الكبيرة والأعداد الكثيرة من خريجي المعاهد والمدارس الثانوية، فكان إنشاء جامعة
الملك سعود بالرياض عام 1377هـ، وتلتها بعد حين جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ثم
توالت جامعات أخرى بلغ عددها حالياً ثماني جامعات، تشتمل على مختلف التخصصات
العلمية والتقنيّة والنظرية، يشرف على إدارتها والقيام بالتدريس فيها مواطنون
سعوديون من أرباب التأهيل العالي والتخصصات المرموقة، وقد أُنشئت إلى جانب هذه
الجامعات كليات عسكرية، وكليات للبنات، وكليات متوسطة تقنية وتربوية للبنين
وللبنات مما وفر الأعداد الكبيرة في حقل التربية والتعليم، وفي مجالات تخصصية أخرى
تستدعيها حركة النهوض في أرجاء البلاد.
وللجامعات أثر ملموس في مواكبة النهضة الحالية على مختلف
المستويات، فهي تضم تخصصات كثيرة ومتنوعة فكل جامعة تحوي أقساماً مختلفة ومتعددة،
وكل قسم ينفرد بلون معيّن من التخصص العلمي، مما أثْرى الحياة الأكاديمية داخل
الجامعات وأثراها خارجها على مستوى النطاق العام للمجتمع، وسدّ حاجات البلاد في
ميادين كثيرة، فقد واكبت هذه الجامعات خطط التنمية من خلال عطائها السنوي المتمثل
في دفعات كبيرة من الخريجين الذي يسهمون بتخصصاتهم في مسيرة النهضة الشاملة في
البلاد .
وإذا كانت مقولة: العلم في أهميته للإنسان كالماء والهواء،
فإن العلم في ذاته هو الوعاء الذي يحتضن الثقافة والفكر الذي هو نتيجة طبعية
للثقافة، ولا ريب أن التعليم هو الإرهاص الذي يمثل الأساس الذي تُبنَى عليه حركة
الفكر والثقافة، فالعلم هو الذي يلبي مطالب الإنسان في حياته الفكرية والثقافية
بصفته القاعدة التي تقوم عليها دعائم الثقافة والنافذة التي ينطلق منها الفكر،
فالعلم – كما هو معلوم– هو الذي يشكل وعي الفرد ويؤهله للمكانة المرموقة، كما
يُهيئه للتثقيف الذاتي وتأصيل الفكر المستنير.
أثر الصحافة بصفتها الإعلام المقروء:
الصحافة
نتاج الحضارة البشرية والحضارة ليست مختصة بوطن معروف ولا مرتبطة بعهد محدود، فكما
أنها تشرق في بلاد وتنمو في عهد من العهود، فإنها كذلك تأفل في بلاد أخرى، وتتلاشى
في عهد آخر، وهكذا يدور الفلك، وتدول الأيام بين مدّ وجزْر واتساع وانكماش ونضارة
وانطفاء وانفتاح وانغلاق. والطباعة وليدة الحضارة وإحدى منجزاتها، وعليها تقوم
دعائم الصحافة التي تمثل أداة التواصل الإنساني والرابطة الفكرية بين البلدان
والمجتمعات، وكما يرتكز كيانها على الطباعة، فإنها ترتكز كذلك على وسائل النشر:
((فالطباعة والنشر صنوان أو وجهان لعملة واحدة هي حركة الفكر الإنساني عبر العصور
المختلفة قديمها وحديثها، أو هي أهم الخطوات التي خطاها الإنسان نحو تخزين المعرفة
وتصنيفها، وتسهيل مسالك قراءتها وفهمها)) ([12]). وقد عبر
الشاعر أحمد شوقي عن أهمية الصحافة وأثرها لا سيما في هذا العصر كما جاء في قوله:
لكــل زمــان مضى آيــــــــة
وآيــة هذا الزمان الصحــف
والصحافة
هي المرآة التي ينعكس عليها الفكر، وتمتد من خلالها آفاق الثقافة؛ ذلك أن الإنتاج
الفكري والثقافي يصب في الصحافة، ومن ثمَّ هي تحمله إلى القراء عبر صفحاتها، وهي
مع سعة انتشارها ووصولها إلى أيدي الأفراد تعمل على ترويج الأثر المنشور، وتزكية
الأديب الناشر، وبذلك يُعرف الأديب والشاعر، ويبرز المثقف والمفكر على الساحة
الجماهيرية، فيكون لذاته مكانة ولاسمه صدى، ومن خلال هذا الواقع فإن الكاتب أياً
كان حظّه من التوجه الثقافي أو الفكري لا يستقر اسمه في الأذهان إلا عن طريق
الصحافة التي تقدمه إلى أفراد المجتمع الذين هم يصدرون الحكم له أو عليه، ويحدّدون
منزلته بين أقرانه من أرباب الفكر والثقافة وأثره في هذا المجال. وهو من جانبه ومن
خلال عطائه يُثبت اسمه في سجل الشرف الفكري، أو يمحوه من هذا السجـل بحسب مواكبته
الفكرية والثقافية، أو انسحابه من هذا الميدان إذا لم يكن أحد فرسانه، وهذا ينسحب
على الصحف عامة في مفهومها الواسع، وعلى الأدباء في عطائهم العام.
أما
فيما يختص بالحركة الفكرية والثقافية في هذه البلاد وصلتها بالصحافة السعودية فإنه
لا بد لكي نتبين ذلك أن نلم إلمامة محدودة كافية في التعريف بمسار الصحافة في
بلادنا منذ عهد الملك عبدالعزيز خاصة، ومواكبة إصلاحاته، ونتعرف عليها كيف نشأت؟
وكيف كانت مسيرتها؟ والنهج الذي تمثله كل صحيفة أو مجلة واللون المميز لها؟ ومن
الطبعي في هذا المجال أن تكون البداءة جريدة (أم القرى)، وهي أول صحيفة صدرت في
مستهل العهد السعودي، فقد كان صدورها بمكة المكرمة في الخامس عشر من شهر جمادى
الأولى عام 1343هـ/ الثاني عشر من شهر ديسمبر عام 1924م، وكان لصدورها أهمية في
الرأي العام، وترجع أهميتها كما ذكر الدكتور منصور الحازمي إلى العوامل الآتيـة:
أولاً: أنها الصحيفة الرسمية للدولة التي تعبر عن سياستها
واتجاهاتها في الداخل والخارج، وقد نُشر بها جميع اللوائح والأنظمة والمراسيم التي
تنظم مرافق البلاد ومصالحها العامـــة، كما نُشر بها الخطــــب التي ألقاهــــا
جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود – غفر الله له – إثر دخوله
مكة المكرمة، وبعض مراسلاته إلى زعماء العرب، وجميعها وثائق مهمة لا يستغني عنها
المؤرخ والباحث.
ثانياً: أنها عُنيتْ
بالنواحي العملية التطبيقية التي تهدف إلى البناء والإصلاح الداخلي، ولا سيما
الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والإصلاح في ميدان التربية والتعليم، ومن ثم فإننا نستطيع القول: إن صحيفة أم القرى هي
جريدة الجماعة لاالفرد.
ثالثاً: أنها اهتمت
بما يُطلق عليها عادةً الأدب الرسمي أكثر من اهتمامها بالأدب الخاص، وهذا ينسجم مع
ما ذكرناه سابقاً من أنها جريدة الجماعة لا جريدة الفرد، فالأدب الرسمي بهذا
المفهوم هو الأدب الذي يُعنى بالأمة ممثلة في زعمائها ورجالاتها المخلصين. في حين
أن الأدب الخاص ينصبُّ في الغالب على توضيح مشكلات الفرد ومواقفه من الحياة
والناس؛ لذا فقد احتفظت لنا أم القرى بشعر المديح والمناسبات، كما احتفظت جريدة
صوت الحجاز بالأدب الخاص، وكلا الاتجاهين إنما يكمل بعضهما بعضا ([13]) .
وإلى
جانب أسبقية صحيفة أم القرى بالصدور أسبوعية في الساحة الصحفية بهذه البلاد، فقد حققت
حضورها على الصعيد الثقافي، ولو أنها رسمية، وذلك بما تمثله من ثقافة عامة، وقد
قال الدكتور محمد الشامخ في كتابه (نشأة الصحافة في المملكة العربية السعودية) عن
أم القرى إن: (صدور هذه الصحيفة قد آذن ببدء عهد صحفي جديد اتسم بالاستمرار
والاستقرار، وقام فيه أبناء البلاد بالدور الأكبر في ميدان العمل الصحفي.. ولقد
قامت أم القرى بدور مهم في رعاية الحركة الأدبية وإنعاشها.. ولكنها الآن قد تخلت
عن معالجة الموضوعات الصحفية العامة واهتمت بنشر الإعلانات الرسمية والأخبار
الإدارية، ومهما يكن فإنه لا بد لمؤرخ الحياة الفكرية في هذه البلاد من أن يشير
إلى ما قامت به هذه الجريدة من دور مهم في ميداني الصحافة والأدب خلال العقدين
الثالث والرابع من هذا القرن)
([14]) .
ومن
أجل وضع تصور صحيح لأثر الصحافة في هذا العهد فلا بد من إلقاء بعض الأضواء على
تقدم الصحافة في هذه البلاد منذ مستهل عهد الملك عبدالعزيز حتى الآن:
ففي
عام 1347هـ/1928م صدرت بمكة المكرمة إلى جانب (أم القرى)– الصحيفة الرسمية– مجلة
دينية باسم مجلة (الإصلاح) أشرف على إصدارها الشيخ محمد حامد الفقي من علماء
الأزهر بمصر، وحين صدورها كانت شهرية ثم صارت نصف شهرية، ولم تطل مدتها أكثر من
عامين ثم احتجبت عن الصدور.
وفي
عام 1350هـ/1932م صدرت بجدة صحيفة (صوت الحجاز)، وكان الذي تولى إصدارها محمد صالح
نصيف، لكنها في عام 1354هـ/1935م تحول امتيازها إلى شركة (الطبع والنشر العربية)،
وبعد هذا التحول كانت تصدر أسبوعية، ثم أصبحت تصدر نصف أسبوعية، وعندما قامت الحرب
العالمية الثانية توقفت عن الصدور بسبب شح ورق الطباعة، وبعد أن وضعت الحرب
أوزارها وعاد السلام العالمي واختفت أزمة الورق عادت إلى الظهور أسبوعية بعد أن
غيرت اسمها القديم إلى اسم جديد فصدرت باسم: (البلاد السعودية)، وبعد مدة زمنية
استعادت صدورها مرتين في الأسبوع ثم ثلاث مرات أسبوعياً إلى أن صدرت يومية، وحفلت
بالمقالات الأدبية إلى جانب الكتابات الاجتماعية، وسارت على هذا المنوال حتى عام
1378هـ/1958م حينما اندمجت فيها جريدة عرفات، وحملت اسم: (البلاد) الذي لا تزال
تصدر به حتى الآن.
وفي
نهاية عام 1355هـ/1937م صدرت مجلة (المنهل)، وكان صاحب امتيازها ورئيس تحريرها
عبدالقدوس الأنصاري، وهي مجلة تُعنى بالأدب في مجالاته الفكرية العامة، وعلى
مستويات مساحاته الثقافية المتنوعة، وكان صدورها في البدء بالمدينة المنورة، ثم
انتقلت إلى مكة المكرمة، وما لبثت أن استقرت في جدة مستقرها حالياً، وهي تصدر في مطلع كل شهر عربي وتُعدُّ أول مجلة
أدبية تصدر في مدينة الرسول الكريم e، وبعدها صدرت جريدة أسبوعية تحمل اسم
(المدينة المنورة)، وذلك في مستهل عام 1356هـ/1937م، وكان امتيازها للأخوين علي
وعثمان حافظ، وكان لصدور مجلة وصحيفة في مدينة واحدة وفي مدة زمنية متقاربة أثرٌ
مباشرٌ في النهضة الأدبية في المدينة المنورة. وقد أثّرت الحرب العالمية الثانية
على استمرار الإصدارات الدورية التي كانت في البلاد عدا جريدة أم القرى التي استمر
صدورها في سنوات الحرب مع ضغط مواضيعها وتقليل عدد صفحاتها، وبعد انتهاء الحرب
والأزمات المصاحبة لها عادت تلك الصحف المتوقفة إلى الصدور. وفي عام 1366هـ/1947م
صدرت بمكة المكرمة عن مديرية شؤون الحج سابقاً – التي أصبحت فيما بعد وزارة – مجلة
باسم: (مجلة الحج)، وهي مجلة دينية الطابع، كما يدل على ذلك اسمها ونهجها، وعلى
المنوال نفسه صدرت فيما بعد في عام 1382هـ/1962م مجلة عن رابطة العالم الإسلامي
وحمل عنوانها اسم (رابطة العالم الإسلامي) وكان المشرف على تحرير المجلتين محمد
سعيد العامودي لاتفاقهما في النهج المرسوم واشتراكهما في الرسالة الفكرية
والثقافية، وقد توقفت بعد ذلك مجلة الحج. كما صدرت في عام 1375هـ/ 1955م (مجلة
الإذاعة السعودية) في إصدار شهري استمرت مدة من الزمان، ولكنها لم تعد تصدر في
الوقت الراهن.
وأول
إصدار صحفي في مدينة الرياض العاصمة كان عام 1373هـ/ 1953م باسم (اليمامة)، مجلة
شهرية لصاحبها ورئيس تحريرها حمد الجاسر، وقد اهتمت بالجانب الفكري، والعمل على
توسيع المدّ الثقافي ، واستقطبت– للمشاركة في كتابة موادها– نخبة من الجامعيين من
أبناء البلاد، فقد بدأت النهضة التعليمية تُؤتي ثمارها، وبدأت الحركة الأدبية في
اتساعها، وقد تحولت هذه المجلة فيما بعد من شهرية إلى أسبوعية ولاتزال توالي
صدورها في الرياض عن مؤسسة اليمامة الصحفية. وفي عام 1385هـ/ 1955م وعن المؤسسة
نفسها صدرت جريدة يومية باسم (الرياض) تحت إشراف حمد الجاسر، وقد واكبت في صدورها
النهضة الأدبية، كما كان لها حضور في المجالين الفكري والثقافي، وفي مدينة الرياض وفي
العام نفسه صدرت مجلة (الدعوة)، وهي مجلة دينية تهدف إلى نشر الدعوة الإسلامية
والفتاوى والبحوث الفقهية وتوسيع آفاق الفكر الإسلامي. كما صدرت في مدينة الرياض
مجلة المعرفة عن وزارة المعارف عام 1379هـ/ 1960م، وقد توقفت عن الصدور عام
1383هـ/ 1964م، ثم استأنفت صدورها عام 1417هـ، ولا تزال توالي أداء رسالتها. وفي
الرياض أيضا صدرت مجلة (العرب) في عام 1386هـ/1966م لصاحبها حمد الجاسر، وهي مجلة
شهرية تُعنى بالأدب بصفة عامة والتراث بصورة خاصة. وكذلك أصدرت دارة الملك
عبدالعزيز مجلة فصلية باسم (الدارة) ولا تزال مستمرة الصدور منذ عام 1404هـ/1984م،
وهي تُعنى بالوثائق التاريخية والأبحاث التراثية. كما تبنت وزارة التعليم العالي
إصدار (المجلة العربية) عام 1395هـ/ 1975م، وهي مجلة أدبية لا تزال توالي أداء
رسالتها في الساحة الأدبية.
وفي
عام 1379هـ/1960م صدرت مجلة في مدينة الرياض باسم (الجزيرة) لصاحبها عبدالله بن
خميس، وكان صدورها في البداءة شهرية، ثم تحولت إلى أسبوعية، ثم تطورت فيما بعد ذلك
إلى صحيفة يومية، تصدر عن مؤسسة الجزيرة الصحفية. وفي مدينــــة الرياض أيضا صدرت
مجلـــة ( الفيصل ) عن مؤســسة الملك فيصل الخيرية عام 1397هـ/1977م، وهي مجلة
معنية بالفكر والأدب، كما صدرت جريدة باسم: (القصيم) لصاحبها عبدالله العلي
الصانع، ولم تستمر في مشوارها الصحفي.
وفي
المنطقة الشرقية صدرت في عام 1374هـ/1954م بالدمام جريدة باسم (أخبار الظهران)
تولى إصدارها عبدالكريم الجهيمان على أساس أنها أسبوعية، ولكن نظراً لضعف
إمكاناتها المادية بالذات اضطرت للصدور نصف شهرية، ثم تبدل اسمها إلى (الظهران)،
ولم تستطع الصمود في الساحة الصحفية سوى عام وبضعة شهور ثم توقفت. كذلك صدرت في
مدينة الدمام مجلة باسم (الفجر الجديد) لصاحبها أحمد بن يعقوب الشيخ، ولكن أدركها
الأفول بعد شهور عدة، فقد كان عمرها
قصيراً، فقد ودعت الميدان الصحفي إلى الأبد. وفي مدينة الخبر صدرت مجلة باسم
(الإشعاع)، وذلك في عام 1375هـ/ 1955م، وكان صاحبها سعد البواردي، ولم تكن أحسن
حظاً من سابقتها (الفجر الجديد) فبعد صدور (23) عدداً منها انطفأ إشعاعها، ولم تعد
للظهور من جديد. وفي عام 1373هـ/1953م صدر عن شركة أرامكو مجلة شهرية باسم (قافلة
الزيت)، ثم تحول اسمها إلى (القافلة) عام 1403هـ/1983م، وهي حتى الآن مستمرة
الصدور بالظهران. وقد صدرت جريدة اليوم في الدمام في عام 1384هـ/ 1965م، وقد ظلت
ثلاث سنوات تصدر أسبوعية ثم ثلاث مرات ومرتين كل أسبوع إلى أن استكملت تجهيزاتها،
وصدرت بعد ذلك يومية منذ عام 1392هـ.
وفي
عام 1377هـ/1958م صدرت جريدة (الندوة)، ونال امتياز إصدارها أحمد السباعي، كما
صدرت جريدة (حراء) لصالح جمال، وقد دُمجت الجريدتان في صحيفة واحدة باسم (الندوة)،
وقد تفرد بامتيازها صالح جمال، ولا تزال تصدر في مكة المكرمة عن مؤسسة الندوة
الصحفية. كما صدرت جريدة باسم (عرفات) في العام نفسه لصاحبها حسن قزاز، التي
اندمجت فيما بعد في جريدة البلاد التي تُعدّ أقدم صحيفة يومية، ولا تزال توالي
مسيرتها في الميدان الصحفي حتى الآن، وتصدر عن مؤسسة البلاد للصحافة والنشر التي
أصدرت مجلة أسبوعية باسم مجلة (اقرأ)، وذلك منذ عام 1394هـ/1974م.
وكبديل
عن تخلي أحمد السباعي عن امتيازه لصالح جريدة الندوة، فقد طلب منحه امتياز إصدار
مجلة أسبوعية بمكة المكرمة باسم (قريش)، وذلك في عام 1379هـ/ 1959م لكنها لم تدم
طويلاً في الساحة الصحفية، فقد اختفت كما اختفت أخوات لها من قبل. وفي العام نفسه
حصل عبدالفتاح أبو مدين على امتياز إصدار مجلة باسم (الرائد) نصف شهرية لكنها هي
الأخرى لم تلبث أن لحقت بسابقاتها في التوقف. وفي مدينة الطائف صدرت صحيفة عكاظ في
بداءة أمرها في 1379هـ/1960م، وكان صاحب امتيازها أحمد عبدالغفور عطار، ولم يطل
بها المقام في الطائف، فقد نقلها صاحبها إلى مدينة جدة، كما أنه تخلىّ عنها بعد
ذلك، وهي الآن تصدر يومية عن مؤسسة تحمل اسمها وهي مؤسسة عكاظ الصحفية.
تحويل الصحافة الفردية إلى مؤسسات صحفية:
وفي
عام 1383هـ/1963م صدر قرار مجلس الوزراء رقم 482 وتاريخ 23/5/1383هـ بإلغاء امتياز
الصحف الصادرة باسم بعض الأفراد، ومنح الامتياز لمؤسسات صحفية من مجموعة أفراد بدل
فرد واحد، وقد جاء في بيان وزارة الإعلام عن هذا التطوير التبرير الآتي بأن
الدولة: (أرادت أن تكون صحافتها رسالة لا حرفة. تسمو على المادة، وتسعى للتهذيب
والإصلاح، وتوجيه الرأي العام السعودي توجيهاً مثالياً تمدّ وجدانه، وتخاطب ذهنه،
وتخدم المجموع ولا تنزلق إلى عبادة الشخصية وخدمة المصالح الفردية اللتين ينبذهما
الدين الإسلامي، وأنّ انفراد شخص واحد أو شخصين بالحصول على امتياز الجريدة
وتحريرها دون الاستعانة بعدد من المواطنين من ذوي التجارب والقدرة على الإدارة
والتوجيه أمر لا يخلو من المساوئ كما أنه لا يتيح للصحيفة القيام بمسؤوليتها
قياماً كاملاً، لذلك رأت الدولة أن تعزز صحافتها وترفع مستواها، فقررت أن تعهد
بامتياز الصحف والمجلات إلى مجموعة من المواطنين المؤهلين لمثل هذه الرسالة، ويكون
لكل مجموعة وجود منظّم يأخذ شكل المؤسسة الأهلية أو الشركـــة دون أن يكون للدولة
ارتباط بها إلاّ بما تمليه المصلحة العامة، وفي حدود ما يقضي به النظام) . وفي 24
من شهر شعبان 1383هـ/1963م صدر مرسوم ملكي بنظام المؤسسات الصحفية على النحو
الآتي:
· مؤسسة البلاد .
· مؤسسة الندوة .
· مؤسسة الجزيرة .
· مؤسسة اليمامة .
· مؤسسة الدعوة .
· مؤسسة اليوم .
ووافقت
الدولة على استمرار صدور المجلات الآتية: المنهل، الحج، رابطة العالم الإسلامي،
قافلة الزيت، كلية التربية، كما أضافت إليها مجلة شهرية جديدة باسم (العرب)
لصاحبها حمد الجاسر. وعلى هذا النهج سارت الصحافة في عهدها الحالي، ولا تزال تؤدي
رسالتها، وتقدم مستواها بين حين وآخر لتواكب ركب التقدم الذي تنتهجه البلاد.
والصحافة
في إطارها الواسع إلى جانب أنها تخاطب الرأي العام فإنها تمثل بصفة خاصة الرافد
المهم في اندياح التيارات الثقافية، وتكثيف مستواها وتوسيع مداها وانطلاقها في
آفاق فكرية رحبة الأبعاد. فكل متعلّم يتمتع بموهبة أدبية أو شعرية، ويستشعر في
نفسه القدرة على خوض تجربة معيّنة، فإنه يمارس تجاربه من خلال الصحافة التي تقدمه
للجمهور، عندما تكتشـــف موهبته، أو تتأكد من القيمــة الفكرية لما يقدم من عطاء،
وهي تعمل من جانبها– بالنشر له– على تطوير فكره وإعلاء شأنه وإبراز اسمه في الساحة
الأدبية التي تكثر فيها المواهب، وتتباين فيها الأفكار.
والصحافة
هي المنبر الذي يلتقي عبره الأديب والشاعر بجميع أفراد الشعب، وربما العالم على
امتداده الواسع لا سيما في عصرنا الحاضر عصر ثورة الاتصالات واتساع نطاقها
العالمي، وذلك عندما يلمع اسم صاحب العطاء في سماء الفكر بعد نضوج تجربته وتألق
موهبته وامتداد عطائه. فالصحافة هي المجال المفتوح بكل أبعاده لشتى التحولات
الفكرية والمجالات الثقافية، فهي التي تحتضن التيارات الأدبية على مختلف اتجاهاتها
وتَنوّع مداراتها وتعدد مناحيها، وهي الأداة الفاعلة التي تقدم كلاً من الكاتب
والشاعر والأديب – أياً كان لونه– إلى الجمهور وتزفه إلى القراء؛ ليرتقي درجات
المجد بحسب موهبته في الإبداع ومقدرته على العطاء.
وإذا
كانت الصحافة توظف توجّهاتها في الاهتمام بنشر الآراء السياسية والاجتماعية
والتعريف بما يدور داخل المجتمعات التي تصدر عنها، وبسط آراء متعددة ومناقشتها على
صعيد النشر، وفوق مساحة واسعة من النقد أو التوجيه، فإن وظيفتها كذلك لاتقف عند
تلك الحدود المتصلة بالجوانب الاجتماعية أو المختصة بالنواحي السياسية، وإنما تمتد
ليكون لها حضور في تحريك عوامل ازدهار الحركة الفكرية وإشاعة الثقافة العامة على
نطاق جماهيري واسع.
ولعل
من تحصيل الحاصل التأكيد على أهمية أثر الصحافة في إنعاش الحركة الأدبية وانتشارها
وإلقاء الأضواء عليها، فنحن نلمس ذلك الاهتمام في الملاحق الأدبية والصفحات
الثقافية التي تصدر عن الصحف أو تضمها المجلات، وعناية الصحافة عامة بالأدب على
مختلف أنواعه وتنوع صوره؛ مما يعكس الأثر الكبير لهذا الدور، كما يتجلى ذلك في
التفاتات الصحافة اليومية نحو الفنون الأدبية نثراً وشعراً. كما أن هناك مجلات
شهرية وأسبوعية تواكب مسار الثقافة في البلاد، وتحتضن إنتاج الكتاب والشعراء في
أنواع الآداب من مقالة وقصيدة وقصة ودراسة، وما يدخل في هذا الإطار. كما أنها تعمل
على إبراز المواهب الشابة وصقلها وتقديمها من خلال الثقافة بمفهومها العام
وتشكّلها المعاصر وهمومها الآنيّة: ضمن مسيرة الحركة الأدبية الراهنة والتطلعات
المستقبلية الواعدة، وقد تركت الصحافة بصمات واضحة في الساحة الأدبية وأثْرت الفكر
وأثّرت في مساره على درب الثقافة سواء في نطاقها الخاص أو في إطارها العام.
الإعـــلام الفضـــائي:
منذ
منتصف هذا القرن العشرين الميلادي الذي يوشك على الانتهاء والتطورات العصرية يتلو
بعضها بعضاً في تقدم كبير وسرعة فائقة مما يثير العجب والإعجاب، ويدعو إلى الدهشة
والانبهار بما بلغته التقنيات الحديثة من تطور هائل، وما وصلت إليه من جهد رائع في
تحقيق منجزات كثيرة وخطيرة، ربما لا تكون في حسبان ابن هذا العصر ولا متوقعة في
أحلامه المستقبلية، ولعلها كذلك لم تكن منظورة في الواقع الذي يعيشه المجتمع
الحالي، وذلك من منظور ما تحقق على صعيد التقنية المعاصرة من إنجازات مدهشة في
تقنياتها، وفي سرعة ابتكاراتها وتطبيقاتها، وكأنها في حالة ثورة متواصلة، بل هي
ثورة في ذاتها بمقياس العصر، فقد كانت الساحة ميدان سباق للأفكار والإنتاج بين
العلماء، ومجال تنافس في الاختراعات والارتقاء بالخدمات التي تحتاجها المجتمعات
المعاصرة إلى درجة لعلها ما كانت تدور في أذهان المعاصرين. حتى بلغ التنافس حدّه
الأقصى في غزو الفضاء فصارت له مركبات تجهز لرحلاته وروّاد يصعدون إليه، وقد تخطّت
تلك المنجزات الحواجز النفسية، وتجاوزت كل التوقعات التي لم تكن مطروحة بين الناس،
ونظرة واحدة إلى الطفرة الكبرى في الفضائيات والاتصالات تكفي في الدلالة على مبلغ
التقدم السريع المدهش في مجالات عدة ليس أقلّها القنوات الفضائية التي أصبحت لها
في حاضرنا مكانة كبيرة وآثار مهمة، وارتبطت بها تأثيرات ومؤثرات، وصارت لها هيمنة
على الأجواء والوصول إلى الإنسان في أي مكان، فبرامجها لا تكتفي بأن تدخل مع الفرد
مجلسه العام، وإنَّما تقتحم عليه خلوته في مجلسه الخاص، بل إنها تدخل معه غرفة
نومه في شكل جهاز صغير يحشد أحداث العالم بين يديه، وينقل إليه أهم ما يدور من
أنباء، ويضع أمام نظره صوراً متعددة لألوان متنوعة الأشكال، سواء من المشاهد
الطبعية لما تحويه الغابات والصحاري والجبال، وما تضمه الأنهار والمحيطات إلى جانب
مرئيات لصور من الجمال المرئي في المدن المتحضرة والأرياف المتطورة، أو مما هو
طبعي أو من صنع المدنيّة القائمة وإفرازات الحضارة المعاصرة، فيطّلع على عوالم غير
مألوفة للعربي المقيم في بلدته والبدوي الملازم لخيمته، والريفي الذي لم يبارح
قريته، ولكنّ هذا الجهاز العجيب ينقل الأخبار كما ينقل صور الأحداث إلى كل فرد في
الحاضرة أو البادية أو الريف، من هنا تتجلّى أهميته، وتتحدد خطورته بحسب طبيعة
إرساله وجودة مادته.
كانت
تلك وقفة تمهيدية سريعة سقتها مقدمةً للإعلام الفضائي الذي أصبح له نفوذ مشهود
وأثر ملموس في عصرنا الحاضر وفي حياتنا التي نعيشها، وقبل الحديث عن وحدات أجهزة
هذا الإعلام الذي ينتشر فوق موجات الأثير نلم إلمامة عاجلة ببداية هذا التقدم حين
بدأت الإذاعة في بلادنا إرسالها، وقد مرّ بنا فيما تقدم أثر الصحافة في بلادنا وهي
تمثل أثر الإعلام المقروء، وقد استقطبت اهتمام المثقفين السعوديين، وعملت على نشر
إنتاجهم على صفحاتها وتشجيعهم على ذلك. كما استطاعت جذبهم إليها سواء من الذين
اكتسبوا ثقافتهم داخل البلاد أو خارجها ممن عادوا من دراساتهم في الأقطار الأخرى،
أو من الذين تأهلوا تأهيلاً محلياً، أو كانوا من الذين ثقّفوا أنفسهم بأنفسهم
تثقيفاً ذاتياً، فكان لهم أثرهم الملموس في المسيرة الثقافية، إلى جانب ما كان ضمن
توجهات الصحافة من محاولة نشر الوعي الثقافي، وتطوير التوجّه الفكري لدى أفراد
المجتمع وفق قدرات الصحافة المادية، وعلى قدر تطلعاتها الفكرية واهتماماتها
الصحفية.
وبعد
الصحافة التي كانت تمثل جانباً من الصورة الإعلامية في وضعها العام بحكم أنها تختص
بالإعلام المقروء الذي يسانده إعلام آخر يتمثل في أجهزة إعلامية مسموعة ومرئية
كالإذاعة والتلفاز إلى جانب قنوات فضائية أخرى، وهنا نلتقي بدور آخر يلتقي مع
الصحافة هو دور الإذاعة في بلادنا التي رافقت حياة الرعيل الأول من الكتّاب
والمفكرين في هذه البلاد. الذين تركوا ملامح إنتاجهم وسمات عطائهم في نشاطاتهم
المساندة لهذا الجهاز الإعلامي المسموع على النطاق الجغرافي للبلاد وامتدادها
الاجتماعي. وحينما افتُتحت إذاعة المملكة العربية السعودية لتنقل الصوت القدسي
المبارك من البيت الحرام إلى ديار المسلمين كانت هذه النقلة محفوفة بالفرحة
الغامرة والابتهاج الكبير بهذا الجهاز الذي علا صوته في سمائنا، وهو يستهل إرساله
(باسم الله) من ربوع البلاد الطاهرة والأماكن المقدسة، التي تضم أقدس مقدسات
المسلمين (الحرمين الشريفين)، فيرتفع صوت: (الله أكبر) عالياً فوق موجات الأثير
نحو العالم الإسلامي يحمل معه شحنة مضيئة من نور الإيمان تبتهج لها القلوب المؤمنة،
وتتعايش معها النفوس المتعطشة إلى سماع ذكر الله تبارك وتعالى، وما نزل من الحق.
لقد كان ذلك العمل الإعلامي في حينه حدثاً كبيراً بمعيار ذلك الوقت وبمقياس النظرة
إلى الزمن الذي تم فيه الحدث، فقد كانت الإذاعات– حينذاك– هي التي تسود الآفاق،
وكان لها أثرها في بث برامج لمستمعيها وبمشاركة علماء وكتّاب كبار لإعداد برامج
علمية وثقافية لها. من أجل إيصال المعلومة المهمة إلى فكر المستمع، وإنارة ذهنه
وتنويع ثقافته وتزويده بحصيلة من المعرفة تكون رافداً مهماً لمعرفته، وعلى الرغم
من أنها كانت تبث برامجها في ذلك العهد خلال مدد محدودة بحكم محدودية التقنية
آنذاك من ناحية، وعدم توافر المادة التي يقوم عليها كيان الإذاعة من ناحية أخرى
إلاّ أنها لم تعدم حركة تطويرية منذ ذلك الحين، وإن كانت تلك الحركة تقودها خطوات
بطيئة، وتحدوها مسيرة هادئة لصعوبة الظروف تقنياً واقتصادياً، ومع ذلك استطاعت
استقطاب أفراد المجتمع داخلياً، وكثيراً من المتابعين لذلك الصوت المنطلق عبر
الأثير في سماء بلادنا وفوق صعيد أرضنا.
ومع تقدم الزمان وتوالي التطورات جاء جهاز جديد ضمن
المسلسلة الإعلامية يحمل الصوت والصورة معاً، وكان حدثاً أكثر غرابة وأشدّ عجباً
أو إعجاباً. أما هذا الجهاز الذي حوّل الأنظار إليه وجذب الانتباه نحوه وربط
المشاهدين ببرامجه فهو التلفاز، الجهاز الذي ألفناه فيما بعد في واقعنا، وأصبح من
ضروريات حياتنا ومستلزمات مساكننا، فكان موعده مع النقلة الإعلامية المتطورة، فقد
دخل البيوت من غير أبوابها حيث اقتحمها من أجواء الفضاء بصوته المسموع، وصوره
المرئية وأثره الواضح، وكانت له إلى جانب ذلك جاذبيته التي شدّت نحوه المستمعين
والمشاهدين فقد ربطتهم بمرئيات لم يألفوها من قبل في جهاز. كما هو الوضع بالنسبة
للإذاعة، ولهذا أصبح لهذا الجهاز نفوذه القوي وسلطته الإعلامية، فكان دخوله في كل
بيت وحضوره في كل منتدى عام، وبهذا النفوذ الاجتماعي ساد وجوده في كل مجتمع، وكانت
مواد برامجه الواسعة الإرسال تحشد في ذاتها كل ألوان المغريات بقصد شدّ المشاهد
وكسبه لهذه البرامج التلفازية.
ولم
تقف التطورات العصرية الحديثة عند حدّ جهاز التلفاز وبرامجه، بل تجاوزته إلى غزو
فضائي جديد، يتمثل في قنوات فضائية لها امتدادات رحبة غير محدودة بزمان أو مكان
على اتساع دنيانا ذات القارات المتعددة، والمسافات المتباعدة، وتفاوت الأوقات
الزمانية بين كل بلد وآخر وبين كل قارة وأخرى، وعلى الرغم من ذلك فقد اقتحمت تلك
القنوات الفضاء العالمي، وفرضت وجودها على الأجواء، وبسطت برامجها أمام المشاهدين
والمستمعين، وحشدت إمكانات تقنية متقدمة لتغطية مساحات كبيرة من عالمنا المعاصر
على اختلاف مواقيته وتعدد شعوبه وتنوع ثقافات سكانه، فقد تقاربت البلدان بفضل
التقدم الهائل وثورة المعلومات التي أصبحت بصماتها مرئية في كل جانب من جوانب
الحياة الحالية. كما تكثّفت الاتصالات بشكل لم يسبق له مثيل في أي عصر من العصور،
وزادت مساحة المواصلات من خلال أجهزة حديثة التطوير عالية التقنية، وبذلك صارت
الدنيا أشبه بقرية في صلاتها واتصالاتها، وفي رحاب هذا الانفتاح الكبير صار انتقال
الإنسان في دنياه إلى أقطار بعيدة وعوالم فسيحة لا يحتاج إلى وسائل الانتقال
المعهودة في طريقة التنقل التي لا تزال معروفة بحراً بالسفينة، وبراً بالسيارة،
وجواً بالطائرة، وإنما يكفيه أن يتابع هذه القنوات، وهو لم يتكلف الرحيل إلى جهات
معيّنة، ولا السفر إلى بلدان بعيدة، فإنها تكفيه تلك القنوات فتنقله في فضائها،
وتطوف به في دنيا واسعة من المرئيات والمشاهدات، وهو في مكانه لم يبارحه حسياً
بجسده فيعيش بذهنه في عالم أشبه بعالم الخيال. عندما يتابع مع هذه القنوات الأحداث
الطارئة والمؤتمرات المقامة والمباريات العالمية المنقولة عبر الأقمار الاصطناعية،
فيشاهد معالم جديدة وتطورات متقدمة، ويضيف إلى رصيده المعرفي معلومات حديثة، وكل
هذه المشاهد والمرئيات لها انعكاسٌ على وعي الفرد المتابع وشدّه إلى وقائع خارج
نطاق معارفه المحدودة ودائرته الضيّقة، وخارج مجتمعه الصغير، وكل ذلك يتم عبر جهاز
يربطه بالعالم على اتساعه لا يكلفه سوى لمسه خفيفة من يده بعدها تتدفق المعلومات
مقرونة بالصور والأرقام، وينساب الصوت، وتبدو الصور كما تتسلل خيوط أضواء الصباح
بعد انطواء ظلال الليل؛ مما يجعل تفتّح رؤيته على آفاق رحبة من رؤى ومعالم ومشاهد
وعوالم تزيد من ثقافة الفرد وتنمية معطياته الفكرية، والمتابعة لهذه القنوات
ولجميع الأجهزة الإعلامية– مقروءة ومسموعة ومرئية– أصبحت واقعاً لا مفر منه، ولا
سيما بين فئات شباب هذا الجيل، ويترتب على ذلك الدعوة لتحسين إرسالها وترشيد برامجها،
فإذا تم هذا التحسين والترشيد استطاعت أن تحقق الفوائد المرجوة بتوسيع مساحة
الإدراك الذاتي لدى الفرد فكرياً وثقافياً، ومعلوم أن لنا في بلادنا هذه خصوصيتنا
في التعامل مع القنوات العالمية ومدى الاستفادة منها بحيث لا تجور على قيمنا، ولا
تمس ثوابتنا التي نعتز بها ونحافظ عليها، والتي يسير إعلامنا على نهجها وفي مدارها
سلوكاً وترشيداً وثقافة وفكراً.
الفصل الثالث: النهضة الأدبية ومراحل تطورها:
البدايات:
جرت
نشأة الأدب في المملكة العربية السعودية على غرار نشأة الآداب الأخرى في سائر البلدان
العربية، فقد كانت بداياته محصورة في نطاق ضيّق وفي ظلال نظرة محدودة، فلم يكن
الأدب حينذاك غاية في ذاته ولا نهجاً مستقلاً في ممارسته، وتعود هذه النظرة
القاصرة إلى محدودية التعليم في العهود السابقة، وعدم اتساع قاعدته، وحصره في
تدريس العلوم الدينية داخل المساجد، وفي أوقات محدودة تتمثل في الحلقات العلمية
على منوال السابقين في تدارسه وتعليمه، وإذا كان الحافز لدى الأقدمين في العصرين
الأموي والعباسي أقوى وأمتن في احتشاد العلماء والاهتمام بتحصيل العلم فإنه لدى
المتأخرين التالين لهم ليس كذلك، فقد مرّت حقبة ركود طويلة بعد أن زالت دولة
العرب، وجاء حكام البلدان من خارجها ومن غير أصولها، فكان أن شُغل الناس فيها
بأحداث دنياهم عن العلم أصولاً وفروعاً، فتخلّو عن مدارسته وتعهده بالمراجعة
والاستذكار. حتى حدثت فجوة بين السلف والخلف، وكلما مضى على هذه الفجوة زمن اتسعت وتباعدت
حتى كاد العلم لا يُعرف إلاّ في الآحاد بين الناس، أو على أحسن تقدير في فئات
قليلة تحدّدت مجالاتها في النواحي الدينية كالقضاء والخطابة في الجوامع وإمامة
المساجد، وبعض أفراد من العلماء ممن تطوّع للتعليم في المساجد على النمط القديم
المحصور في حلقات الدروس على أساس تطوعي، يهدف
إلى الرغبة في إشاعة العلم الواجب تعلمه على كل مسلم، وهو على هذه الصورة أشبه
بفرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
وتعطلت
حركة الفكر والثقافة وركدت الروح العلمية التي كانت متوقدة متألقة بعد انحسار العصر
العباسي وانطواء صفحاته التي كانت مشرقة بالعلوم والآداب، وكان أفول ذلك العصر في
بداية النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وبالتحديد في عام 656هـ، وبعد أفوله
أحاطت بالأمة العربية عصور كانت السلطة فيها للأعاجم، وقديماً صور أبو الطيب
المتنبي هذه المأساة وهو يأسى لحال العرب حين قال:
وإنما الناس بالملــوك
ومـــا تُفلح عُرْبٌ ملوكهــا عجــم
وبذلك
بــــدأت عوامــل الضعــــف والخمــــول تنخـــر في الجســم العربي، وكثــرت
الانقسامات والخلافات، مما هيأ للسلطات الأعجمية الاستيلاء على الحكم في كثير من
البلدان العربية، فانحدرت المستويات العلمية، وتقلّص حجم الثقافة العربية، وتعثرت
الآداب في جملتها، وانحطت الأساليب، وتراجع ذلك المد الزاخر من الأدب العربي،
ليعيش في عزلة عن ماضيه، وتخلّف عن تراثه. وانسحبت ظلال هذه الحقبة التاريخية على
ثمرات الفكر ونتاج العقل، فهبط مستوى الأدب والعلوم وسُمِّيتْ تلك الحقبة الزمنية
بعصور الانحطاط فلم يَعُد هناك عطاء مفيد ولا نتاج جيد، وإنما كانت الآداب على
تعدد أنواعها واختلاف مستوياتها سواء كانت شعراً أم نثراً تدور في نطاق ضيّق من
أنواع البديع والمحسنات والزخارف اللفظية ضمن قوالب باهتة وتعبيرات مكرورة
استُهلكت لكثرة استعمالها وبهتت لطول معايشتها، وتحول أدباء تلك الحقبة وشعراؤها
إلى نسخ مكررة، تفتقر إلى الروح المستقلة والتجديد المطلوب، فقد ظلت على أدائها
الرتيب المغلف بالجمود المفتقر إلى الأصالة، فكثرت المصطلحات النحوية الجافة
والتعريفات الفقهية، والاقتباسات الكثيرة، وتلاشت ذاتية الأديب والشاعر، وذلك
لتوظيف الشعر في أغراض تافهة وداخل أسوار ضيّقة من التقاليد السائدة حينذاك التي
كان مدارها محدوداً في التهاني والتعازي والمديح السمج المعطل من الشعور الصادق
والمفتقر إلى اللفظ الرشيق والمعنى الصحيح. لقد كانت البيئة ذاتها توحي بالانغلاق
والتقوقع داخل قوالب جامدة تجاوزها الزمن وتخطتها الأحداث، فظلت رهينة مدارات
ساذجة وأغراض تافهة، ونتيجة لذلك بقيت الحركة الأدبية راكدة، فتوجهاتها محدودة،
وأساليبها مثقلة بالقيود البديعية كالسجع والجناس والطباق وما في حكمها، وفي هذا
المسار المتعرج تعثّرت اللغة العربية متخلفة عن ركب التقدم الفكري والثقافي؛ لأنها
فقدت عناصر النهوض وحوافز الإبداع، وقد ظلّ الإنتاج الأدبي في ألفاظه ومعانيه
يحاكي أدب العصر المملوكي في مصر والعهد العثماني الذي كان له امتداد على بعض
مناطق هذه البلاد، فكان التوجه الأدبي أسير المحاكاة والتقليد، كما كانت الألفاظ
والمعاني تدور في إطار أفلاك مرسومة (كالتذييل والتشجير والاقتباس والتضمين
والتشطير.. وفي هذه المعاني جميعها لا يتجاوز الشاعر في الغالب حدود فرديته
الخاصة، ولا يخرج عن نطاق التحدث عن آلامه
وآماله ومطامحه ومطامعه، ولا يتعرض لقضايا مجتمعه وأحداث شعبه وتطلعات أمته.. وإذا
صح هذا الحكم على شعراء البلاد العربية فإنه ليصح كذلك على شعراء الجزيرة العربية
قبل مطلع القرن الرابع عشر الهجري / العشرين للميلاد)([15]). تلك كانت
حقبة جمود في الحركة الفكرية والثقافية خلّفتها عصور الانحطاط التي عانت منها
الأمة العربية على مختلف بلدانها، وتنوع حكامها من الأعاجم الذين تسلطوا على أجزاء
كبيرة منها، ولا ننسى حملة التتار القاسية وإحراقهم المؤلفات العلمية والفكرية
وإغراقها وإتلافها في نهر دجلة بالعراق، ومنذ ذلك الحين أصيب الفكر العربي بما
يشبه الركود وصار الأدباء والشعراء يجترّون مثل تلك القوالب البالية التي اجتازها
العصر وتجاوزها الزمن، وبعد ذلك الليل المديد بدأت تباشير فجر وليد تومض في أجواء
ملبدة بغيوم التخلف، فبدأت موجة إحياء للتراث العربي والرجوع إليه في مصادره
الأصيلة التي نسيها جيل حقبة الجمود في عصور الانحطاط، فقد تحرر الأدب ولا سيما
الشعر من أغلاله التي تقيّد بها طيلة تلك العصور ليعود إلى الشعر العربي في
أصالته، ويصدر عنه في معانيه، ويستلهمه في طريقته، ويعوّل عليه في ديباجته، وتلك
تُعدُّ خطوة إلى الأمام في تحرير الفكر من قيود الصنعة الثقيلة وإخراجه من مساره
الراكد، وتنسف ماضياً مظلماً طال سباته على الأمة العربية التي تداركت نفسها
واستعادت وعيها فعادت إلى عصورها السابقة على عصور الانحطاط: تتأثرها وتتأثر بها
وتسير على نهجها.
مرحلــة الإحيــاء:
نهضة
الأدب في الوطن العربي الكبير تسير على نهج واحد في خطوطها العريضة، وتتماثل في
توجهاتها وانطلاقاتها؛ لأن البلدان العربية تشترك في عوامل متشابهة ولاسيما في
عوامل النهضة. وبحسب ظروف كل بلد وإمكاناته كانت مسيرة تقدمه في المجال الفكري
والثقافي، ثم تحقيق التطوير في مساره الأدبي حينما اكتملت له عناصر ذلك التطوير
ووسائله بعد أن ظل حقبة من الزمن يعاني من تخلف فكري وثقافي كان سائداً في القرون
المتخلفة التي ساد فيها التأخر في كل مناحي الحياة سواءً الفكرية أم المادية حيث
تحوّل الأدب إلى قوالب متحجرة، قوامها التقليد والمحاكاة لأنماط قديمة من عصور
الركود، فأصبحت النصوص الأدبية مثقلة بقيود غليظة من الزخارف اللفظية والمعاني
الهابطة، ولم يستعد الأدب عافيته وانطلاقته إلاّ في أواخر القرن التاسع عشر
الميلادي، كما يشير الدكتور شوقي ضيف في هذا الصدد بالنسبة لواقع الحياة الأدبية
في مصر فيقول: (رأى المصريون عن بصيرة أنه يجب الرجوع إلى مصادر الإسلام الأولى
حتى يُنقّى الدين مما علق به من أوهام وخرافات، ورجعوا يدرسون كتبه القديمة
وماكتبه المسلمون في العصر العباسي، وكان ذلك تحولاً مهمّاً، فإن الأزهر لم يكن
يدرّس سوى كتب العصور المتأخرة التي التوت أساليبها وتعقدت، واقترن هذا الاطلاع
على المصادر الأولى في الدين بالاطلاع على المصادر الأولى في الأدب) ([16]).
وقد
كانت عوامل الحضارة الوافدة تمثل حاجزاً لتجاوز الحياة الرتيبة المشدودة إلى عصور
التخلف لتواجه المدّ الحضاري الذي وفد مع السلطات الأجنبية على أن الاحتكاك
بالأقوى يولّد القوة لدى الضعيف، ولو أن المغلوب مولع بمحاكاة الغالب كما يقرر ذلك
ابن خلدون في مقدمته، وفي هذا الصدد يستنفر العقاد الهمم العربية فيقول: (إن حيوية
التاريخ واللغة هي التي أوحت إلى عقول المتيقظين من أبناء الشرق أنهم يشبهون
أنفسهم في أيام مجدهم وازدهار لغتهم، ولا يشبهون الأوربيين في حضارتهم الحديثة،
فلم تمض سنوات على افتتان الشرق المغلوب بمظاهر القوة في الحضارة الأوربية الحديثة
حتى سُمِعَتْ في مصر وفي العالم العربي صيحة الدعوة إلى إحياء التراث القديم، وردّ
الأمانة إلى أهلها مرة أخرى قبل فوات الأوان؛ لأن الحضارة الحديثة عند الأوربيين
عارية مستعارة من هذا الشرق العربي أخذوها وأقاموا بنيانهم على أساسها الذي هو
أَوْلى بنا ونحن أَولى به من أن نتركه للمستعمرين المتطفلين عليه، وليس بالعسير
علينا أن نقيم بناءنا الجديد على أساسنا القديم. لهذا كانت الصدمة صدمة إحياء
للتراث القديم، ولم تكن في أشد أيام الضعف والمحاكاة صدمة تسليم وفناء) ([17]) . والعقاد
يؤكد فيما سلف أهمية صيحة الدعوة في العالم العربي لإحياء التراث القديم والرجوع
إليه لاستلهام معانيه واستعادة ماضيه، فقد كانت له آثار باقية على مر الزمن وبصمات
ثابتة لم تمحهـــا الأيام على الرغم من تتابع الأحداث وتوالي القرون، وفي هذا
الصدد يرى د. شوقي ضيف أن الإحياء بدأ في النثر بالشيخ محمد عبده كما جاء في قوله:
(على نحو ما كان مصلحاً في الدين كان معلّماً في الأدب واللغة، فهو الذي أخرج
كتاباتنا الصحفية من الدائرة البالية العتيقة دائرة السجع وما يرتبط به من أنواع
البديع إلى دائرة الأسلوب الحر السليم، وكان على رأس من طوعوا هذا الأسلوب ومرنوه
على تحمل المعاني السياسية والاجتماعية الجديدة). ورائد الإحياء في الشعر بلا
منازع هو محمود سامي البارودي: (فقد أنقذه من عثرة الأساليب الركيكة ورد إليه
الحياة والروح)، كما يقول د.شوقي ضيف، ويضيف: (إن البارودي ومن نسجوا على منواله
أثبتوا أن ضعف لغتنا لا يرجع إلى قصور ذاتي فيها، وإنما يرجع إلى الجهل بها، وعدم
التزود بأساليبها الناصعة الشفافة التي لا تحجب معنى من المعاني، فاللغة العربية
بذاتها ليست جامدة، وليست ضعيفة محصورة في خنادق البديع وما يتصل بها. إنما ذلك شيء
عارض فيها عَرَض لها في عصور محنتها وضعفها، وينبغي أن تعود إلى مجالها القديم
لتعبّر عمّا نريد من مدارك ومشاعر، ولن يكون
ذلك إلاّ عن طريق التثقيف ثقافة حقيقية نطّلع منها على مصادرها وأساليبها وألفاظها
الأولى).
وإذا
كان البارودي رائد الإحياء الشعري في مصر فإن ابن عثيمين رائده في هذه البلاد
(ووجوه الشبه بين الشاعرين واضحة، فكلاهما حمل لواء التجديد في الأسلوب وأعاد إليه
الرونق والرواء، وإن كانت الظروف السياسية والاجتماعية أتاحت للبارودي مجالاً أوسع
من مجال ابن عثيمين)([18])،
وقد أشار جامع ديوان هذا الشاعر الكبير ومحققه: سعد بن عبدالعزيز بن رويشد في
مقدمته إلى أن من خصائص شاعرنا هذا الالتزام بعمود الشعر، وأنه يمثل في الشعر
شعراء المملكة العربية السعودية الذين عملوا (على إحياء الديباجة القديمة المشرقة
يضمنونها فنون الشعر المعروفة)، وهو بهذه الصفة قد نهج مسلكاً يخالف الشعراء
النّظامين السابقين الذين ظلوا أسارى إفراز عصور التخلف السابقة: (وشعراء الإحياء
يتبعون في أعمالهم المنهج التقليدي الخالص فيحققون العمود الشعري في وحداته
وتقاليده الموروثة كما قننها نقاد العرب الأقدمون، ويلتزمون المثل الأعلى مستمداً
من شعر فحول الشعراء الأقدمين؛ لأن ثقافة هؤلاء الشعراء محدودة بالموروث القديم
بحكم تعلمهم وتكوينهم الفكري، فمنهم أصحاب المعرفة الدينية واللغوية الذين تخرّجوا
من حلقات الدراسة في المساجد ومدارس الوعظ والتعليم بديار شرقي الجزيرة والعراق
ومصر والشام، ويستمد هذا الشعر الإحيائي دوره النفسي والوجداني من بيئات المتعلمين
داخل الحلقات وبين أروقة المساجد) ([19]) .
ومن خلال هذا الطرح الموضوعي يتبين لنا أثر الإحياء في تلك الحقبة التي اتجه فيها
الأدب شعراً ونثراً نحو التراث العربي في عصوره الماضية والنسج على منواله والتأثر
به في الشكل والمضمون، وإعادة صورته الزاهية إلى عالمنا المعاصر بعدما ران عليه من
إهمال طويل وانقطاع عنه حقبة مديدة من زمن الأمة العربية التي انعزلت بفعل
الاستعمار الأجنبي عن تراثها وانقطعت عن صلتها بمعطياته.
النزعة التقليدية:
مرت
هذه البلاد بمراحل متعددة في المجالات الثقافية منها– كما سبق التنويه– مرحلة
الركود خلال عصور التخلف التي لم تقتصر على بلادنا وحدها، بل شملت بلدان الأمة
العربية في حقبة من الحقب التاريخية التي عاشتها أجيال سابقة، وبعد زمن الجمود جاء
أثر الإحياء الذي عادت الأمة في واقعه إلى ماضيها تنسج على منواله وتتأثر خُطاه
وتستلهم روحه، وكان لذلك العهد الإحيائي روّاد كما سلفت الإشارة إلى ذلك، ومع مرور
الزمن وبوادر التقدم في التعليم وتوسيع الثقافة جاءت الخطوة التالية، وهي المرحلة
الكلاسيكية التي تمثل النزعة التقليدية.
وكان أثر هذه المرحلة يتمثل في التأثر
بالموروث العربي منذ العهد الجاهلي مروراً بالعصر الأموي والعباسي ولا سيما
بالنسبة لأثر فحول الشعراء في تلك الحِقَب الماضية، وقد كان التأثر في مجال الشعر
بالذات أظهر منه في مجال النثر، وهذا واضح في التوجه الشعري بصفة خاصة، فقد كانت
أصداء الشعراء السابقين ذاتَ وقْع ملموس، وتأثير منظور بالنسبة لشعراء هذه
المرحلة. وعند تسجيل الظواهر الأدبية في أي بلد عربي فإن الشعر يأتي في مقدمة
الأنواع الأدبية التي تستأثر باهتمام الباحث حينما يتطرق إلى هذا الموضوع في
محاولة تؤدي إلى تحديد المنازع الفكرية والثقافية، فالشعر يفرض نفسه بما له من
مكانه شعورية وحضور وجداني، ولا غرو في ذلك فالشعر– كما هو معروف– ديوان العرب،
وهذا الديوان أوسع قاعدة من النثر وأعلى صوتاً عند تلبية نداء العاطفة والاستجابة
للنوازع الذاتية، ومع تعدد أنواع النثر وتنوع توجهاته ومخاطبته للعقل في أكثر
توجهاته وقدرته على إنشاء لغة للحوارات الفكرية والعلمية مع كل ذلك تظل للشعر
جاذبيّته وجماهيريته بحكم أنه يجسد وجدان الأمة، ويخاطب عاطفتها، ويمثل صوتها
المسموع. لذلك يكثر الاستشهاد بالشعر في كثير من المناسبات والأحداث على تعدد
مدارسه وتنوع أغراضه وتجانس موسيقاه، وهذا يعود– في الغالب– لسهولة حفظه وإمكان
استيعابه، في حين أن النثر ليس كذلك. فقد كان للشعر ميدانه السياسي والاجتماعي ولا
سيما في تلك الحقبة الزمنية، فهو المنبر الذي يعبّر من فوقه الشاعر عن أحاسيسه
الخاصة، وعن حشد المشاعر الجماهيرية، فالشاعر في تلك المرحلة يؤدي دور الصحف في
وقتنا الراهن، وكانت مساحة الفراغ تتسع أمام أفراد المجتمع مما هيأ لهم تداول
القصائد الشعرية واستيعابها رواية وحفظاً، وبذلك يتحقق انتشارها وروايتها وتداولها
بين الناس فتترك أصداءها، والشعر بطبيعته يجري إنشاده فيمتد أثره بين أفراد
المجتمع، ففي ذلك العهد لم تزدحم أوقات الناس بكثير مما تزدحم به أوقاتهم حالياً،
وما تشغلهم به أجهزة الإعلام الواسعة الانتشار العديدة الأنواع المديدة الإرسال
ومايرفدها من قنوات كثيرة تبث برامج منوّعة ومشوّقة ومشجّعة على الإقبال عليها
والانصراف إليها بما تحمله للمشاهدين من إغراءات تشدهم نحوها، ومن ثم تعطل فاعلية
الإقبال على وسائل الثقافة وأدوات المعرفة سعياً وراء الأسهل والأدنى، فالفرد يظل
في مكانه مسترخياً يشاهد ألواناً عديدة من مواد العرض التشويقية، ويتابع مثيلاتها
على قنوات تملأ الأفق وتطرح تصورات من التسلية تستهلك وقت الفرد العادي، وتحصر
رؤيته في نطاق محدود، ونتيجة لذلك أصبحت الثقافة هي الضحية، فيجري إقصاء الكتاب
والإعراض عن المتابعة الفكرية لما ينشر، وتبعاً لضيق المساحة الفكرية والثقافية
المتاحة ضاقت الزاوية الشعرية فتقلّص الاهتمام بها وتحدّد في طبقة معيّنة من فئات
المجتمع بدلاً من انفتاحها فيما سلف على كثير من الطبقات الاجتماعية كما كان الحال
من قبل، ولكل عصر لونه الذي يتصف به وسماته التي يُعرف بها، وما يكون محل اهتمام
عند جيل سابق، ربما لا يكون كذلك عند جيل لاحق، فلكل جيل رؤية، ولكل جيل اتجاه.
وعندما
نلتفت إلى بدايات نهضتنا الأدبية يحسن أن نستعيد إلى الأذهان ما رسمه الدارسون
لهذه النهضة. لكي تتضح الصورة بشكل أوفى ومن منظور أشمل ، وحتى نتبيّن أبعادها
المرئية ونستوعب إرهاصاتها المبكرة يتعيّن علينا استحضار بدايات هذه المرحلة في
مطالع النهضة الحديثة التي هي امتداد لعهدنا الحاضر، فلو تأملنا واقع الحياة
الفكرية والثقافية بعد الجفاف الذي أصابها في السنوات العجاف خلال حقبة الركود
التي مرّت من قبل لوجدنا تطلعات جديدة لا تقف عند القوالب المصنوعة أثناء عصور
التخلف، وإنما تخطتها إلى استلهام روح الشعر العربي القديم والتراث الأصيل، فكانت
هذه المرحلة الكلاسيكية التي تلمذت على الموروث القديم، وتأثرت به في نهجها، وعلى
هدى هذا النهج سادت النزعة التقليدية التي استكملت مقوماتها مع استهلال عهد الملك
عبدالعزيز، فقد صاحب تأسيس هذه المملكة تقدم في ميدان التعليم واتساع في مجال
الثقافة، وكان للشعر على وجه الخصوص صوت متميّز نجده لدى شعراء رافقوا حياة العاهل
الكبير، وسجّلوا مفاخره ومآثره، يأتي في طليعة هؤلاء الشعراء ثلاثة شعراء كبار هم:
محمد بن عبدالله بن عثيمين، وأحمد بن إبراهيم الغزاوي، وخالد بن محمد الفرج، وقد
عرفنا الشاعر ابن عثيمين من قبل في مرحلة الإحياء، ويجيء أثره كذلك في هذه المرحلة
التي يشاركه فيها كل من الغزاوي والفرج، وقد فرضت شخصية الملك عبدالعزيز على
الشعراء الثلاثة تخصصهم في تسجيل الأحداث التي واكبت حكمه والمواقف التي وقفها في
مواجهة تلك الأحداث والتعامل معها بمنتهى العزم والحسم. إلى جانب التنويه
بإصلاحاته وبنائه القواعد الأساسية لمقومات النهضة الحالية التي انتعشت في ظلها
الحركة الفكرية والثقافية، وفي هذا الصدد يقول الدكتور منصور الحازمي: (ولانعدو الحقيقة
إذا قلنا إن الملك عبدالعزيز هو أول مَنْ مهّد لإرساء دعائم النهضة الأدبية
والفكرية في بلادنا، وأن بداية حكمه لهذه البلاد تُعَدُّ بداية لهذه النهضة
الأدبية حيث شجّع الصحافة، وشجع حرية القول، وأنشأ دور العلم، وبعث البعوث إلى
خارج البلاد، وقام بالكثير من أوجه الإصلاح الديني والاجتماعي والاقتصادي)([20]).
وقد رافق تكوين الدولة السعودية في عهدها الحاضر ظهور شعراء وأدباء يمثلون النزعة
التقليدية، فقد كانت طبيعة المجتمعات من حولها تقتضي السير على منوال الأقدمين من
الشعراء والأدباء، يؤثرون فيهم ويتأثرون بهم، ويبدو أثر الثقافة التراثية واضحاً
في الأساليب الأدبية والصياغة الشعرية بوجه خاص، ففي هذه المرحلة الكلاسيكية جدّت
محاولات تغيير ذلك النمط التقليدي الباهت الذي اندثر مع مرحلة الجمود، وبدأ
التغيير أولاً: ببعث فكرة إحيائية تعيد للأدب صورته الحقيقية وللشعر سيرته الأولى،
وثانياً: بدأ الاهتمام بتجاوز هذه المرحلة إلى استعادة صور التراث العربي وأنماطه
الأدبية على اختلاف ألوانها، ولا سيما في الشعر المرتكز على منهجية العمود الشعري،
وترسّم خُطى الشعراء القدامى، والسير على نهجهم، وإن كان ذلك وفق منظور معاصر،
ولعل من المناسب هنا تقديم نماذج لهذه المرحلة ممثلة في أبرز شعرائها في بلادنا،
وهم الثلاثة الذين سبق ذكرهم:
الشاعر محمد بن عبدالله بن عثيمين:
ولــد
في بلــدة السلمية بمحافظــة الخرج، وذلك عـــام 1270هـ، وكانــت وفاتـــه عام
1363هـ، ولم يكن التعليم في عهده متاحاً للجميع، فقد كانت البلاد في شبه عزلة
موزعة إلى إمارات متعددة الكيانات قبل العهد الحالي، وكان يتمتع بموهبة شعرية،
فكان يقول الشعر العامي على السليقة، وبتلقائية فطرية مما يدل على أصالة شاعريته،
فهو إذن شاعر مطبوع، بدأ بالشعر العامي، لكن طموحه جعله يتجاوز الدور العامي،
فيرتقي إلى الفصيح؛ لذلك اهتم بأن يتعلم على الطريقة المعهودة في ذلك الزمن، فدرس
العلوم الدينية، وحذق اللغة العربية، ووسّع اطلاعاته على كتب التراث ودواوين
الشعراء في العصور السالفة منذ العصر الجاهلي، وعندما أتيح له أن يثقف نفسه
تثقيفاً ذاتياً تمكّن من قول الشعر الفصيح. وهو من الشعراء التقليديين، وقد بدأ
(الإحياء) الشعري مقتفياً آثار فحول الشعراء الأقدمين، لذلك نجده يهتم بالديباجة
الشعرية، وافتتاح كثير من قصائده بذكر الأطلال والآثار والربوع، ووضع المقدمات
الغزلية أحياناً في افتتاحيات قصائده يضعها بين يدي الغرض الذي من أجله أنشأ
القصيدة إلى جانب تأثره بالمفردات اللغوية الغريبة سيراً على النهج القديم الذي
سلكه الشعراء الأقدمون، ولذا نرى محقق ديوانه قد عُني بشرح كثير من مفرداته
الواردة في شعره لتقريبها إلى أذهان المعاصرين. وفي ترجمة الشاعر أنه ارتحل إلى
بلدان الخليج واتصل بأمرائها ومدحهم، وعندما ظهر الملك عبدالعزيز ولمع اسمه في
سماء الجزيرة العربية عاد الشاعر إلى بلاده، ولعل أول قصيدة قالها في مدح الملك
عبدالعزيز هي بعنوان: (العز والمجد) بمناسبة فتح الأحساء والقطيف عام 1331هـ التي
استهلها بقوله:
العز
والمجد في الهنديــــــــة القضـــب لا في
الرسائل والتنميــــــــق للخطب
وهي
تذكرنا بقصيدة الشاعر أبي تمام في قصيدة (عمورية) التي كان مطلعها:
السيف أصدق
أنباءً من الكتب
وفيها
كثير من ملامح قصيدة أبي تمام كما في قول ابن عثيمين:
الله
أكبر هذا الفتـــــــح قد فتحـــت به من
الله أبــــــــــــواب بلا حـجــب
فتح
تُؤرّج هــــــــذا الكون نفحتـــه ويلبس الأرض زي المارح([21]) الطرب
وتأتي
المقدمات الغزلية والوقوف عند الربوع وذكر الأطلال عند هذا الشاعر على منوال الشعراء
الأقدمين في افتتاحيات قصائدهم، فنجده يستهل قصيدته التي تحمل عنوان (عج بي على
الربع) على هذا النحو:
عج بي على الربع حيث الرنْد والبان
|
وإنْ نأى
عنــــــــه أحباب وجـــيران |
|
فللمنـــــــــازل
في شرع الهوى سنــــن |
يدري
بهـــــا مَنْ له بالحب عرفـــان |
|
وقلّ ذاك
لمغْنى قـد سحـــــــــبن بــــــه |
ذيل التصابي
على الأملاك سلطان |
|
لله أحور
ســـــــاجي الطرف مقتبــــل |
عذب اللمَى
لؤلــــــؤي الثغر فتـّان |
وبعد
(26) بيتاً تُمثل المقدمة الغزلية للغرض الذي من أجله قال الشاعر قصيدته يبدأ
الشاعر في البيت السابع والعشرين بالتحدث عمّا يريد ليصل إلى مدح الملك على هذا
المنوال:
عبدالعزيـز الذي نالت به شرفــــاً
|
بنو نزار وعزّت منــــــــــه قحطـــان |
مُقدَّم في المعــــــــالي ذكره
أبــــــداً
|
كما يُقدّم باســــــــــــم الله عنـــوان |
مَلْك تجســد في أثنـــــــــاء
بردتـــــه
|
غيث وليث وإعطــــــاء وحرمــان |
ويمضي
فيها على النهج نفسه إذ يقول :
فجئتَ بالسيف والقرآن معتزمـــاً
|
تُمضي بسيفك ما أمضـــاه قــرآن
|
حتى انجلى الظلم
والإظلام وارتفعت
|
للدين في الأرض أعلام وأركـان
|
وفي قصيدة بعنوان (ربع تأبد) قالها في مدح الملك
عبدالعزيز عام 1341هـ تبدأ بمقدمة غزلية جاء فيها:
ربع تأبد من شــــبه المها العِـــين
|
وقفتُ دمعي على
أطلاله الجـون([22]) |
ياغائبين وفي قلبي تصـــورهـــم
|
ونازحـين وذكراهــــمُ تناجيـــــني
|
مالي وللبرق يشـــجيني تألقـــه
|
وللصَّبا بشـــــذاكم لا تداويـــــني
|
وفي البيت السابع عشر يتخلص من الغزل ليصل إلى الغرض
الذي من أجله أنشأ القصيدة، وهو التعبير عن مشاعره نحو ممدوحه الملك عبدالعزيز في
تلك المناسبة إذ يقول:
|
ترى الملوك
قيامــــاً عند سُدَّتــــه([23]) |
وتنظرُ ابن سبيل وابـن مسكين
|
ذا يطلب العفو من
عُقْبَى جريرتـه
|
وذا يؤمل فضــــــلاً غير ممنــون
|
وبعد فتح مكة المكرمة عام 1343هـ قال الشاعر
قصيدة بعنوان (الحمد لله)، وقد استهلها بقوله :
الحمد لله صبح الحق قد وضحا
وفيها يقول:
والآن حجوا عباد الله واعتمــروا
|
وجدّدوا الشكر للمولى الذي فتحا |
فيا لها نعمــــــــة ما كان
أكبرهــــا
|
ويا لها منحــــــــــة تستغرق المنحـــا |
وفي
قصيدة (منال العلى) يقول:
|
سيأتي قتيل الطّف([24]) في الحشر شاهداً |
بهذا وحِجر
والمقــــــــــــام وزمــــزم |
غـداة كسـوتم كعـبة الله واعتــلى
|
بأبطحها
الدين القويم المعـــــــظـــم |
وبعد أن توالت الفتوحات بعد مكة للمدينة النبوية
وجدة وينبع قال الشاعر في عام 1344هـ قصيدة بعنوان ((سفر الزمان)) جاء منها قوله:
تألقت في طيــبة سرج الهـــــدى
|
مابين روضة
سيـــــدي والمنــــبر |
وتألقت من قبل ذاك بمكــــــــــة
|
إذ قُدست من
كل رجس مفــتر |
وتجددت من جـــدة أعلامهــــا
|
وتقشعت منها
رســـــوم المنكـــر |
وجرت ينابيع الهدى في ينبـــع
|
هذي السعادة
يا لـها من مفخــر |
بفتوح مؤتمن إلاله لدينـــــــــــه
|
ملك تسلسل
من كريم العنصــر |
الشاعر أحمد بن إبراهيم الغزاوي :
ولد
بمكة المكرمة عام 1318هـ، وكانت وفاته عام 1402هـ، وقد تلقى تعليمه في المدارس
الأهلية المتوافرة آنذاك، وبدأ حياته العملية في عهد الشريف حسين، وعندما جاء عهد
الانفتاح الفكري مع استهلال العهد السعودي عمل على تكوين ذاته ثقافياً، فاستطاع
بجهده الشخصي ومثابرته على متابعة القراءة ومداومة الاطلاع على المؤلفات الأدبية
والدواوين الشعرية أن يحقق لذاته مكانة بين شعراء عصره، وأن يكون له حضور في
الساحة الأدبية، فبرع في الشعر بصفة خاصة، وقد استرعى انتباهه تألق الملك
عبدالعزيز أسد الجزيرة العربية، وبهره ما يتمتع به هذا العاهل الكبير من مزايا
كبيرة، وما بدأه من إصلاحات فأطلق شاعريته بالثناء على أعمال الملك وتخصص في تسجيل
مآثره، فكانت له حوليات سنوية ينشدها كل عام بين يدي الملك عبدالعزيز إلى جانب
مشاركاته في المناسبات الأخرى، والمواقف التي يكون للشعر فيها مشاركة، وهذا الشاعر
وإن تخصص في مدح الملك عبدالعزيز حتى أُطلق عليه لقب شاعر الملك وحسان جلالته، فإن
له مشاركات شعرية وأدبية في الموضوعات العامة سواء منها السياسية والاجتماعية
والوطنية، أو ما يدور في إطار الدائرة العربية أو المحيط الإسلامي، وهو يحسن توظيف
شعره في المناسبات، ويستمد كثيراً من أخيلته الشعرية من التراث الإسلامي والعربي
المجيد، وهو يسير على سنن الشعراء الأقدمين، وهذه قصيدة بعنوان (قدوم حكى وشي
الربيع) قالها عام 1346هـ عند مقدم الملك عبدالعزيز إلى مكة شرفها الله:
قدوم حكى وشي الربيع
المنمنمــا
|
وأرّج
أوج الكــــــون لما تنسمــــا |
|
وأشرقت
الدنيا ضياءً وألبســــت |
من
الحسن بُرداً بالسعادة مُعلمــا |
|
وعاود
نجداً مامضى من شبابهـــا |
وراجعها
من حسنـــها ما تقدمــا |
|
سراج
هدىً عمّ الحجـاز بنـــوره |
وأشرق
ما ضم الحطيم وزمزمــا |
|
وفي
مسجد المختار طال مقامـــه |
وصلى
عليه من قريب وسلّمـــا |
|
وأوضح
من منهاجه كـل دارس |
وجدد
من آثـــــــــاره ما تثلمـــــا |
|
وطاب
لأهليها المقـــــام بطيبـــة |
وقد
شُرّدوا منها فرادى وتوأمــا |
وفي
عام 1352هـ نظم قصيدة بمناسبة سفر وفد البيعة لسمو الأمير سعود بن عبدالعزيز ولياً
للعهد حينذاك، وهي تسير على هذا النحو:
|
أجل هذه نجد فهل شاقك الرنــد |
وهبّت صباحاً فاستقر بك الوجــد |
|
بلاد أباة الضيم هذي رياضهـــــا |
وهذا ولي العهد يسمو له الوفـــد |
ثم
يعرّج على الغزل الذي يفتتح به الشعراء الأقدمون قصائدهم فينسج على منوالهم،
وينتهي من المقدمة الغزلية إلى الغرض الذي يستهدفه من القصيدة، ويتمثل في مدح
الملك وتهنئة ولي العهد:
وناهيك من
عبدالعزيز سعـــوده
|
فذاك
لنا فخر وهذا لنــــــــا سعـــد |
|
أتيناك
من قلب الحجــاز ببيعــــة |
توطّد
فيها الأمر واستحكم العهد |
|
وقد
حمّلتــــــنا أمة في ربوعـــــه |
أمانتها
الكبرى وفي طيها حشــــــد |
وفي
عام 1353هـ قال قصيدة بعنوان (هم الجيرة الأدنون) بمناسبة الصلح الذي تم باتفاق بين
المملكة واليمن بعد الحرب التي نشبت بين البلدين مشيداً بهذا الصلح:
حمدنا السرى عقبى امتشاق البواتر
|
وكدنا العدا
بالصـلح رغم العواثـر |
|
وأصبح مابين
العروبـــــــة مسفــــــراً |
من الحب
والقربى ونور البصائــــر |
ثم
يمضي فيها إلى أن يقول:
|
هم الجيرة
الأدنون واللُّحمــــة التي |
لها الحسب
الوضاح عَرْف الأزاهـر |
|
وهم دمنا
الغالي وأعصاب مجــدنــا |
وأعضادنـا
في كل ماضٍ وحاضـــر |
وفي
قصيدة أخرى يقول:
|
مشت الرياض
وماست البطحــــاء |
وهفت إليك بقلبــــــــها صنعـــــاء
|
|
فاسلك طريقك
واستبِق في حلبـــة |
فيها الهدى
والعـــــــزة القعســـــاء |
|
واشدد من
القُربى وشائج وصلهــا |
واسطع
فإنــــــك كوكب وضــــاء |
|
واشدد صروح
الحب بين جوانـــح |
هي
للعروبــــــة كلهــــــا أحنــــــاء |
وفي
عام 1354هـ ألقى بين يدي الملك عبدالعزيز قصيدة طويلة يهنئه فيها بالعيد مطلعها:
|
هنيئاً بك
العيد الذي أنت ناظــــره |
وفي الله
تقواه وفيــــــــك بشائـــــره |
|
تلألأ
وضاحاً كوجهــك مشرقــــاً |
تداعبه شمس
الضحى وتــــزاوره |
ومنها:
|
وتصبو إلى مجــــــد
قديم تزينـــــت |
به صحف
التاريخ واجتيح عاثــره |
|
إلى ذكريات
الفتح والعرب أمــــة |
سريعة
مَغْدَى العزم فيما تخاطـــره |
وهذه
القصيدة تبلغ نحو سبعين بيتاً يعلّق عليها عبدالرحيم أبو بكر بقوله: (يخيّل إليّ أنني
أحس في نص الغزاوي مزيجاً من نكهة فنّ البحتري وفن المتنبي مجتمعين استطاع شاعرنا
الغزاوي من خلال تأثرهما أن يأتي بهذه الحولية القوية في موسيقاها ومعانيها
وألفاظها) ([25]) .
والإنسان تمر به عبر
حياته أوقات لا يصفو له فيها العيش، ولا يدوم له الهناء، فينظر إليها بمنظار غير
الذي كانت عليه قبل هذه الحالة، وتتلوّن هذه النظرة بلون الحدث فتغلّفها مسحة من
الحزن أو ظلال الاكتئاب، فتتحول إلى نظرة متشائمة كما يصورها الشاعر الغزاوي في
الأبيات الآتية:
|
خمدت جذوة
الشباب وأمســـى |
ما أعانيه
من زمـــاني ثقيـــــــلا |
|
لم أجد في
الوجود إلا جـــــدالاً |
ورأيت
الضعيف فيـه ذليــــــلا |
|
وإذا الناس
كلهـــم أهل غـــــــي |
يكرعون
الحياة كأساً وبيـــــــلا |
|
فتراجعت
زاهــــــــداً وبقلــــــبي |
رجفة البعث
حائراً مذهــــــولا |
|
إنما
هــــــذه الحيــــــــــاة بــــــــلاء |
فدع
اللهـــو واتخذها سبيــــــلا |
|
وادّخر
للمعاد خــــــــيراً وبـــــراً |
وصلاحاً
وعفــــة وجميـــــــلا |
وعلى نمط هذه الرؤية
التي تحيطها ظلال الكآبة نلمس إحساسه بثقل أحداث الحياة في الأبيات الآتية:
|
أجشم قلبي
أن يســـــــــــر وربمـــــا |
عييت من
المكــــــــــروه أن أتألمــــــا |
|
وكيف سروري
والحياة كمـا أرى |
تجور وتحكي
في العــذاب جهنمــــا |
|
إذا شئت أن
أبكي صروف بلائهـا |
تقحمتُ
هولاً في الفؤاد مجمجمـــا |
خالد بن محمد الفرج:
هذا الشاعر الأديب تتنازعه
ثلاث بلدان خليجية: الكويت حيث ولد بها، وكانت بداية نشأته فيها، والبحرين التي
أمضى بها مدة من عمره فيها تفتح شبابه وبها تكوّنت ثقافته، والمملكة العربية
السعودية التي تمثل وطنه الأصيل، وبها ارتبطت جذوره، وكانت مستقر حياته وموضع
عمله، وقد كانت ولادته عام 1316هـ/1898م، ووفاته عام 1374هـ/1954م، وهو ينحدر من
قبيلة الدواسر التي استوطنت الدمام في عهد الملك عبدالعزيز، وتلقى تعليمه الأولي
بالكويت حيث ولد، وفي عام 1336هـ غادر الكويت إلى الهند، وعمل بها لدى أحد التجار
هناك، وبها تعلم اللغة الإنجليزية وعرف بعض لغات هندية، وفي عام 1341هـ ترك الهند
إلى البحرين، وفيها توسّعت معرفته، وامتدت آفاق فكره ونمت ثقافته، فشارك في النهضة
الفكرية والثقافية التي كانت في مستهل بداياتها في البحرين، ومكث بها حتى سنة
1346هـ حيث عاد إلى هذه البلاد، وبها أقام وعمل، وشارك أدباءها وشعراءها من الرعيل
الأول، وهي في بداية تطلعاتها. وقد استولى عليه الإعجاب بشخصية الملك عبدالعزيز،
فأقبل على تسجيل مواقفه الشامخة والإشادة بسيرته الرائعة حتى إنه لفرط إعجابه بهذا
العاهل الكبير وضع ملحمة شعرية بعنوان (أحسن القصص)، تناول فيها سيرة الملك
عبدالعزيز، يستهلها بهذا المقطع:
|
هو
ذا الدهـــر أكبر الأسفـــــــــــار |
فيه
أسمى العظـــــات والاعتبــــــار |
|
ما
الليالي فيه سوى أسطـــــــــــار |
في
طروس من نسج طول النهـــــار |
|
ملئتْ
من تقـــادم الأعصــــــــــــار |
صفحــــــــــات
مُلِئن بالأخبـــــــــــار |
لـذوي
الاتعــاظ والاعتـبــــــــار
وعلى هذا النهج
التسلسلي أقام ملحمته الشعرية في سيرة الملك عبدالعزيز، كما يراها شاعر معاصر،
وكما يمليها تاريخ بطل رائع . ومن مدائحه في الملك عبدالعزيز قوله:
|
إلى مجدك
العلياء تُعزى وتنســــب |
وفي ذكرك
التاريـــــخ يملي ويكتـــب |
|
وفي عدلك
الشرع الشريف ممثــل |
وفي حكمك
الأمثال تُتلى وتضـرب |
|
ولم يبقَ
للإسلام غيرك ناصـــــر |
يؤيــــــــده
في الله يرضى ويغضــــب |
|
نمتْك جدود
من ربيعة أصلهــــم |
بهم فَخَر
الحيّان : بكــــر وتغلــــب |
ومما جاء في إحدى
قصائده التي قالها بمناسبة زيارة الملك عبدالعزيز للبحرين التي يستهلها بقوله:
|
أجزيرة
العرب أبشري وتفــــاءلي |
إن
الأمــــاني عُلّقـــــــــت بجديــــــر |
وفيها
يقول:
أجدادنا فتحوا
الممالك كلهــــا
|
بيسير
وقــت –لايُعَدّ– قصــــــير |
|
سل
عنهم اليرموك في أجنادها |
والقادسية
ليلـــــــــــة التعويــــــــر |
|
ووقوف
طارق في قليل رجالـــه |
مثل
الشهاب هوى على ديجـــور |
وهو متأثر بأجواء
الشعر القديم، ومنه يستمد نَفَسه الشعري في المديح، إلى جانب حضوره الفكري في الساحة
الثقافية وإسهامه في الحركة الأدبية المعاصرة، فهو من الجيل الذي كوّن ثقافته
بجهده الذاتي، وامتدت آفاقه الفكرية لتتجاوز المحيط العربي إلى العالم في شموله
الواسع وأبعاده الرحبة، ففي بعض قصائده تتوهج المشاعر الإنسانية، كما يتجسد ذلك في
قصيدته عن حقوق الإنسان منذ ذلك الوقت الذي يعاني فيه الإنسان العربي، وفي هذه
القصيدة يطرح هذه التساؤلات التي لا جواب عنها حتى الآن:
|
من
هو الإنســــــان قـــــل لي |
ثم
ما تلــــــك الحقـــــــوق ؟ |
|
ولمـــــــــــــــــــاذا
قرروهـــــــــا |
وبهـــــــا
منهم خــــــــروق ؟ |
|
أمم
الدنيــــــــــــا توافـــــــــت |
لم
يميزهــــــــــا فــــــــروق ! |
|
فهي
أحيانــــــــــــاً حقـــــــوق |
وهي
أحيانـــــــاً عقـــــوق ! |
|
انظروا
الشــــــرق جريـحــــاً |
كلمـــــــــــــا
ذرّ شـــــروق ! |
|
هاهنــــــــــــــا
نهـــر دمـــــــاء |
وهنــــــا
– ثَم – حريـــــق ! |
|
وفلسطــــــــــــــــين
تعــانــــي |
منهمو
مـــــــــا لا تطيــــــق ! |
|
قـــــــال
:مـا الإنســــــان إلاّ |
من
على الغـــــير يفـــــوق ! |
|
وحقــــــــوق
المرء تُعطــــــى |
للذي
ليــــــــــــــس يطيــــــق |
وهي
قصيدة تصور حال الأمة العربية الراكدة منذ جيل مضى وحقوقها المسلوبة وضياع صوتها
في المحافل الدولية، ولا تزال قضيتها الأبدية فلسطين، تراوح مكانها والحقوق مضاعة؛
لأنها تدخل تحت إرادة الدول الكبرى التي لها مجلس أمن لا يحقق الأمن، ولها وحدها
حق نقض القرارات التي تتضمن بعض الإنصاف في إعادة الحق إلى أصحابه.
وفي قصيدة أخرى يأسى فيها لهذا الشرق الجريح ألقاها في الكويت
عام 1346هـ يستنهض فيها الهمم الباردة والنفوس النائمة على هذا النحو:
|
والشرق
ويح الشرق من جهلـه |
وهىَ
به الإحساس من علّتـــه |
|
يعلـــــل
النفــــــــــــس بأجــداده |
وياليت
المجــــد من دولتـــــــــه |
|
يكلــــــــف
الأقـــــدار إسعــــاده |
يحلم
بالآمــــــال في رقدتــــــه |
ولأن الاستعمار كان
يبسط ظلاله الكئيبة على بلدان عربية وإسلامية عديدة في ذلك العهد فقد فجّرت هذه
الظلال المعتمة في وجدانه صورة ساخرة لذلك الوضع، أراد أن يخفف من خلالها الشاعر عن
بعض آلامه نحو ما تعانيه هذه الأمة من تنازع وتخاذل إذ يقول:
|
أنا
شاعر لكن ببــــــؤس بــــلادي |
أفؤادكم
يا قوم مثـــل فـــؤادي؟ |
|
يا
قوم هل من ناظر فأريه ما فيها |
وهل
من سامـــــــــــع فأنــادي ؟ |
|
زعماؤنا
متخاذلــــــون لجهلهــــم |
والكل
للثاني من الأضـــــداد ! |
|
بالعلم
نقدر أن نعيـــــــــد تراثنــــا |
حتى
نرى الأحفــاد كالأجــــداد |
التجديـــد:
بعد
مرحلة التقليد جاء تيار التجديد، وكان من الطبعي في ظل المد الثقافي والتحوّل الحضاري
أن يبرز إلى الساحة جيل من الأدباء والشعراء يوائمون بين الماضي والحاضر، دون أن
يكون التقليد نهجاً لهم، فخرجوا على تلك التقاليد المتبعة في المرحلة السابقة،
محاولين التجديد ولا سيما بعد ما تفتحت مداركهم على رؤى جديدة في العلوم والثقافة
مع بداية التطور المعاصر الذي كانت تحمله الثقافة الوافدة من خارج البلاد ممثلة في
الكتب والمجلات والصحف على مختلف ألوانها الثقافية واتجاهاتها الفكرية، تحمل غذاء
الفكر ومادة التفكير، وكانت المدارس والمعاهد التعليمية في هذا العهد قد آتت
ثمارها وأخرجت جيلاً يتطلّع نحو مصادر الأدب وخاصة ما يفد من البلدان العربية
المجاورة التي سبقتنا في نهضتها الأدبية، فبدأت حركة انتقالية في المسار الفكري
والثقافي، وقد كان لهذه النقلة أثرها المباشر على الجو الأدبي الذي كان سائداً من
قبل، الذي كانت انطلاقته محدودة، فبدأ التفتح الذهني مع الانطلاقة الحديثة عندما
وجدت المناخ المناسب للتقدم المنشود، وهذا يُعَدُّ نتيجة طبعية للنهضة الشاملة
التي كانت لها امتداداتها في البلاد،
وكانت بمثابة مقدمات للصحوة الأدبية التي صار لها أثرها الملموس في النتاج الأدبي
نثراً وشعراً، وقد كان للانفتاح العلمي والثقافي على البلدان العربية كمصر والشام
والعراق والمهجر الأمريكي أثر كبير في تعميق الروابط الأدبية، وتمتين الوشائج
الثقافية، وزيادة التواصل مع الأقطار العربية المشار إليها وسواها عبر الإصدارات
المتعددة في جميع حقول العلوم والمعرفة وسائر الفنون الأدبية من شعر ومقالة وقصة
ورواية. إلى جانب إتاحة مجالات الاطلاع على آراء المفكرين والبارزين من الكتاب
والشعراء والأدباء الذين كانت لأسمائهم شهرة في دنيا الآداب، وكانت المؤلفات
الوافدة تمثل قنوات فكرية مفتوحة وجسوراً ثقافية موصولة. كما عزز ذلك التواصل
الفكري والثقافي واقع الصلات التعليمية المتمثلة في استقدام مدرسين لمختلف
المستويات التعليمية من البلدان العربية للإسهام في النهضة التعليمية التي كانت في
حاجة إلى الدعم العلمي بإمكانات خارجية تتمثل في قدرات علمية مؤهلة لحمل رسالة
التعليم، فجاءت بعثات التدريس من الأقطار الشقيقة: مصر وسوريا ولبنان والعراق
وفلسطين للقيام بالتدريس في مدارس المملكة ومعاهدها ، ثم في جامعاتها بعد ذلك ؛
مما ترك آثاراً ملموسة في نمو الحركة الفكرية والثقافية إلى جانب النهضة التعليمية
التي خلّفت وراءها بصمات شاهدة على النهضة الأدبية التي تعيشها البلاد في حاضرها.
وعندما
وفدت حضارة القرن العشرين واتسعت آفاقها في النصف الثاني من هذا القرن الميلادي
كانت تحمل معها روافد فكرية عملت على توسيع آفاق الثقافة وتعميق أبعادها، واستجابة
لهذه المظاهر الحضارية كان لا بد من تعايش أجيال الأدباء مع التطور الجديد ومسايرة
التقدم الوافد في محاولة جادة للتوفيق بين عطاء الحضارة المتجدد والقيم السلوكية
التي تتميز بها هذه البلاد. وكان المد الحضاري من حوافز النهضة التي استقبلتها
العقول المتفتحة والأفكار المتطورة لمواكبة حركة التقدم التي شملت شتى أنواع
الحياة بصورة عامة، وتطوير الحياة الفكرية، وتكوين الاتجاهات الثقافية، وتحديد
المسارات الأدبية بصورة خاصة، وعندما بدأت طلائع النهضة الحديثة كانت تواكبها صحوة
فكرية لجيل معاصر، وخلال أزمنة التبدلات الفكرية يحدث صراع بين الأجيال المتتابعة
منذ المرحلة السابقة على التطور الحالي، حيث تكون المواجهة بين المحافظين على
الاتجاه القديم والمجددين على النسق الحديث، وهنا يتمسك كل فريق بنهجه ،
فالمحافظون يصرون على بقاء قديمهم، والمجددون يدعون إلى إنهاء دور الأدب القديم
وإحلال أدب حديث محله يساير النهج المتطور ويتلاءم مع روح العصر الحديث.
ولعل
أوسع نموذج مبكر لإنتاج عدد من أدباء الجيل المعاصر وشعرائه الذي يطلقون عليه الآن
جيل الرواد كتاب (وحي الصحراء) من تأليف محمد سعيد عبدالمقصود وعبدالله عمر بالخير
الذي صدرت طبعته الأولى عام 1355هـ، أي أنه قد مضى على صدوره أربعة وستون عاماً أو
ما يزيد على ذلك، وهو كتاب يُعدُّ في طليعة بواكير الإصدارات الأدبية لأدباء هذه
المنطقة، وقد ضمّ بين دفتيه اثنين وعشرين اسماً من الأدباء أو المنتمين إلى الأدب،
فقد كان مشوار بعضهم محدوداً ونَفَسه قصيراً، فلم يواصل الكتابة أو يستمر في قول
الشعر، وإنما تخلف في الساحة الأدبية بعد هذا الإصدار. كما أن من الملحوظ غياب
أسماء بعض الأدباء الكبار الذين يعدون من روّاد الأدب لا في المنطقة نفسها فحسب،
وإنما في المملكة على اتساعها، وهم: محمد حسن عواد، وحمزة شحاتة، وأحمد عبدالغفور
عطار، وإبراهيم فلالي، وحسين عرب، وهؤلاء الأدباء يجمعون بين الإبداع في الشعر والإبداع
في النثر، ولم تتبين لي الأسباب الظاهرة لغياب هؤلاء الأدباء الكبار مع اهتمام
الناشِرَيْن: محمد سعيد عبدالمقصود وعبدالله عمر بالخير بجمع مادة هذا الكتاب
والحرص على إبرازه واجهةً مشرقة للأدب في هذه البلاد، وقد جاءت افتتاحية الكتاب
توضح الغاية من جمع مادته على النحو التالي: (يجد المتتبع للنهضات الأدبية في
الأقطار العربية صعوبة وشدة عناء عندما يحاول الكلام عن الحركة الأدبية في الحجاز،
ويحوجه البحث والتنقيب إلى إضاعة الوقت للحصول على مستند أو مرشد يستطيع بالنظر
فيه لمس بوادر هذه النهضة الفتية للحكم عليها وإعطاء صورة صادقة عنها للناطقين
بالضاد). وقد وضع مقدمة الكتاب الدكتور محمد حسين هيكل الأديب المصري الكبير الذي
ألمح في مقدمته إلى النهضة الأدبية في بداياتها إذ يقول: (وأول ما يلفت نظر
المطّلع على هذه المجموعة حداثة الكتّاب والشعراء الذين اختير لهم، فكثيرون منهم
لم يبلغوا الثلاثين، ولم يتجاوز الأربعين منهم أحد.. وإذا قلت: إنهم أبناء هذا
القرن العشرين الميلادي قلت: إنهم أبناء النهضة الحديثة في الأدب العربي). وهو
بهذا التقديم، يحدد بدايات معالم النهضة الأدبية في هذه البلاد، ويرجو لها المزيد
من التقدم ولا سيما أن فرسانها كانوا في ريعان الشباب وفورة الحماسة للأدب بمختلف
فنونه وتنوّع أشكاله.
وفي
عام 1370هـ أي منذ قرابة نصف قرن جمع عبدالسلام الساسي شعر مجموعة من شعراء منطقة
مكة المكرمة أسماه (شعراء الحجاز في العصر الحديث) يضم سبعة وعشرين اسماً من بينهم
جامع مادة الكتاب، وأغلبهم ليسوا من فرسان هذه الحلبة، والمقدمة الواعية التي
وضعها الشاعر الناقد حمزة شحاتة ترسم سمات غالب أفراد هذه المجموعة، وتحدد
مستوياتهم، وهي مقدمة طابعها المميز الصدق والصراحة التامة إلى جانب سعة الأفق
الثقافي الذي يتمتع به كاتب المقدمة، وهذا نص بعض ما جاء فيها: (والقارئ لا شك
يعلم أن من مصطلح أدب التقديم الذي جرى فيه الناس على مألوف العادة والعُرف أن
يكون تنبيهاً عريضاً إلى المحاسن وإعلاناً عنها ولها، وإشارة مجملة إلى نقائضها
وأضدادها لا تخرج عن نافلة الاستبراء بحركة أو بحركتين إن رؤي أن هذا ضروري لإثبات
الأمانة، وهذا – ولا أكتم القارئ– مزاح ثقيل الوطأة على مزاجي وعقلي، أو هو امتحان
عنيف لطبيعتي بما لا تواتيني عليه، فما يسهل عليّ أن أنزل منزلة المعلن أو قارع
الجرس أو السمسار يروّج للسلعة بالباطل.. والمقدّم– وهو هنا أنا إذا كان القارئ لا
يعلم – وسيط بين الشاعر وقرائه، فأول ما ينبغي أن يتصف به أمانة الوسطاء في دفع
أسباب الخداع والتضليل ووضوح البراءة منهما.. ولقائل أن يقول: ولكنّ الناس يعرفون
أو هذا هو المفروض فيهم فما ضرورة تنبيههم إلى المساوئ؟ أو يجهلون فما حكمة أن
تفتح عيونهم على ما يسوء ويغثي؟ والرد على هذا يتلخص في أن الإنسان الطبعي إنما
يستهدف حتى في تحمل الخبر الخالص نفعاً لنفسه، ولو جاء هذا النفع من باب اللذة
والارتياح، وإذن فلا أقل لمن يقدم مجموعة من الشعر– كهذه– من أن يدفع التهمة عن
رأيه وفطنته وبصره).
فالشعر
في رؤية كاتب المقدمة وتقديره يتجسد في أسلوبه وتأثيره فعلى حد قوله: (إن الأسلوب
قوام الشعر كما هو قوام الغناء، أو كما هو قوام كل فاتن وجميل وقوي ومؤثر في جملة
ما يتوقف حصول تأثيره على اجتذاب الرغبة فيه وإثارة الإعجاب به وتحريك الميل إليه،
نعم! إن الأسلوب قوام الشعر ومظهر غاياته ومقاصده.. فإن كان الشعر فناً والشاعر
فناناً أو كانا صناعة وصانعاً فالحقيقة لا تختلف، وهي أن الشعر موضوعه وغايته
الجمال والتأثير في كل مدخل ومخرج من مداخله ومخارجه، وإلاّ كان كل كلام يغْني عن
الشعر، وكل مبين عما يُحس ويُتخيل ويُبتغى يُغني عن الشاعر والناس؟). وبعد أن يحدد
الإطار الذي يوضح مواصفات الشعر وصفات الشاعر يعود ليوضح عمله بصفته المنوط به
تقديم هذه المجموعة من الشعراء، فقد كانت رؤيته رؤية الناقد لا المروّج للبضاعة
بالباطل لذلك نصب الموازين التي يزن بها إنتاج (27) شاعراً، وأقام المقاييس التي
يقيس بها مستوياتهم، وكانت موازينه منصفة، ومقاييسه عادلة، انتهى فيها إلى تصنيف
كل فئة من مجموعة أولئك الشعراء على النحو الآتي: (فإن من شعراء هذه المجموعة من
لا يفخر الحجاز وحده بهم ويتيه بل كل بلد عربي، وهم: السرحان، وعواد، وقنديل،
وحسين عرب، وأشباههم في معظم السمات وفي بعضها دون جملتها، ومنهم مستحق للرثاء،
ومنهم مستوجب للتعزير حتى يعلن التوبة من رفع عقيرته بمثل هذا الهراء ظنه شعراً).
وقد
أعيد طبع هذا الكتاب في عام 1402هـ ضمن مطبوعات نادي الطائف الأدبي، وأشرف على
تصحيحه رئيس النادي علي العبادي الذي أشار إلى ما حفلت به الطبعة الأولى من هذا
الكتاب من أغلاط كثيرة شنيعة، وانتقد رئيس النادي الأدبي جامع مادة الكتاب على ما
حشد من غث القول ورديء الكلام، واضطراب الأوزان الشعرية، ولامه على ذلك، ولكن لا
ملامة ففاقد الشيء لا يعطيه كما يقول المثل المعروف؛ لذا يقول العبادي: (ليت
الساسي – رحمه الله – جنّب كتابه هذا لغو الكلام، وخطل اللفظ وعبث الشُّداة، وما
يمجّه الفهم، ويسكّ الآذان، ويعافه الذوق السليم.. وإني رأيت أن الذين ذُكروا في
هذا الكتاب، وهم يظلعون في سيرهم، ويتعثّرون في خُطاهم قد احتجبوا عن الأنظار
وغادروا الساحة الأدبية، واستمعوا إلى نصيحة الأستاذ الكبير حمزة شحاتة – رحمه
الله – الذي رغب منهم أن يعلنوا التوبة من رفع عقيرتهم بمثل هذا الهراء ظنوه
شعراً).
وقد
صمد في الميدان أفراد من ذلك الجيل نهلوا من معين الثقافة العامة، واتصلوا
بمصادرها الفكرية، وكانت مواهبهم تدفعهم إلى التقدم والتطور، فساروا في هذا
المضمار بخطوات واثقة في دروب المعرفة بأنواعها المتعددة وألوانها المختلفة،
وبذلوا جهوداً متواصلة في توسيع آفاقهم الفكرية وتنمية مداركهم الثقافية، فكانت
لجهودهم المتواصلة نتيجة، ولتوجهاتهم الجادة عطاء، فكان لأسمائهم حضور في تاريخ
الأدب السعودي المعاصر، وكان لمواهبهم أثر مشهود في ميدان الأدب. لقد كان لهذا
الجيل الذي يمثل الريادة الأدبية آثار ملموسة في مجال النثر والشعر، ولعل تبريزه
في الشعر بصفة خاصة مما جعل أصداءه تتجاوز الحدود الإقليمية للمملكة العربية
السعودية إلى العالم العربي، كما أن هذا الجيل الرائد أسهم بمشاركاته الأدبية في
مشكلات المجتمعات العربية والإسلامية، وأثبت أثره في تسجيل أحداثها، وكان له صوته
في الدفاع عن حقوقها المستباحة في ظل الاستعمار الذي امتدت سيطرته على كثير منها
في تلك الحقبة الزمنية، ولعل أبرز مواقف هذا الشعر وأهمّ معالمه ما تجاوب به
الشعراء السعوديون مع قضية العرب المزمنة قضية فلسطين التي لا تزال تعاني محنتها
التاريخية، كما كان لهذا الشعر حضوره في محنة الجزائر حينما كانت تكافح الاستعمار
الفرنسي قبل حصولها على الاستقلال، فقد سجل الشعر السعودي مشاركته، وأعرب عن
أحاسيسه المفعمة بعقيدة الإسلام وروح العروبة. كما شارك الشعراء والكتّاب بشعرهم
ومشاعرهم في تصوير الخلجات الوجدانية التي تعكس آلام الشعوب وآمالها على صعيد
الأمة العربية، وعلى امتداد الأمة الإسلامية، وقد نوه الدكتور حسن الهويمل في
كتابه (النزعة الإسلامية في الشعر السعودي المعاصر) عن الحس الإسلامي وصداه في
الشعر السعودي، كما رصد الملامح والسمات التي برزت فيها تلك النزعة الإسلامية ،
ولا ريب أن الفضل في ذلك يعود إلى البيئة الإسلامية المحافظة التي نشأ في ظلالها
هؤلاء الشعراء، ويعلل ذلك الدكتور الهويمل بهذا الرأي: (أعتقد أن النزعة الإسلامية في هذا الشعر تتميز عن غيرها من النزعات
المماثلة لأسباب عدة، يأتي في مقدمتها تأثير الدعوة السلفية التي أخذها بقوة داعية
مصلح وجد من مساندة الحكام السعوديين ما شدّ أزره ومكّنه من الاستمرار والتأثير..
كما أن للحرمين الشريفين دوراً ملموساً في تعزيز هذا التيار إذْ تمكن الشاعر
السعودي من المعايشة المباشرة لهذه الروحانيات في مواسمها، وإلى جانب هذين
السببين يقوم الوازع الحكومي، فالدولة المسلمة في كل شؤونها الداعية إلى جمع كلمة
المسلمين. المنفذة لأحكام الله المهتمّة بالتعليم الديني تضفي على المجتمع مسحة إسلامية
تنشأ عليها الأجيال.. هذه الخصائص أعطت المضمون الإسلامي في الشعر مزيد اختصاص
ميّزه عن غيره).
ومن
المستقر في حياتنا الأدبية أن الشعر– كما هو ملحوظ– أوفر حظاً من النثر في
الاحتفاء به والاهتمام بنشره، فقد كانت العناية منصبّة على تدوين قصائد الشعراء
على حين لم يجد الكتّاب الاهتمام الكافي بتدوين نثرهم، مما جعل كفة الشعر ترجح كفة
النثر في التسجيل والتدوين، وفي الساحة الأدبية بصفة عامة، لعل توسع انتشار الشعر
في مضمار كان له فيه التفوق على النثر يعود إلى ارتباطه بالعاطفة، وهي رابطة لها
صلة بالجمهور الذي يتفاعل مع الشعر والشاعر. أما النثر فالانفعال به إما أن يكون
في حدود ضيّقة أو لا يكون هناك تفاعل معه مطلقاً أو أي انفعال به، وهذا الرأي لا
ينطبق على جميع ألوان الشعر وكلّ الشعراء ولا على كل النثر وجميع الكتّاب، فقد
يكون بين النثر ما يفوق كثيراً الشعر أثراً وتأثيراً لكنّ الشعر في عمومه أكثر
سيرورة من النثر، وأوسع منه صدى، ولذا نلحظ أن أكثر الإصدارات في مجملها اهتمت
بتدوين الشعر وتراجم الشعراء، وليس كذلك النثر وتراجم الكتاب نجد ذلك واضحاً في
المجموعات التي صدرت بعد (وحي الصحراء) مثل كتاب (شعراء الحجاز في العصر الحديث)
الذي سبق ذكره من جمع عبدالسلام الساسي، وعلى غراره صنع عبدالله بن إدريس فجمع مختارات من شعر ثلاثة وعشرين شاعراً في
كتاب جعل عنوانه (شعراء نجد المعاصرون)، ويمتاز كتاب (وحي الصحراء) عن
مجموعتي الساسي وابن إدريس بأنه لم يقتصر في مادته على الشعر وحده وتراجم الشعراء
وحدهم، وإنما ضمّ كتابات لعدد من الكتاب وتراجمهم، وكان بذلك أوسع دائرة في الأدب
الممثل لأدباء هذه البلاد من شعراء وكتّاب.
وتواصلاً
مع أسباب النهضة الأدبية وتجاوباً مع طموحات أفراد هذا الجيل فقد تفتحت أبواب
الاتصال الثقافي ونوافذه على البلدان العربية، فكانت الاستفادة من المؤلفات
والدوريات الصادرة عنها مما حفز على توسيع دائرة الاتصال بين أدباء تلك الأقطار
وأدبائنا على اختلاف مواهبهم وتنوع استعداداتهم، وتوزع اتجاهاتهم بين المدارس
الفكرية التي عُنيت بالتجديد واهتمت به، وكانت رائدة فيه مثل: جماعة الديوان،
وجماعة أبوللو، والمدرسة المهجرية، وعنها صدروا في أدبهم نثراً وشعراً، وتأثروا
بها في عطائهم فكانت ملامح الصورة العامة لاتجاهات تلك المدارس الأدبية مع تعدد
ألوانها وتنوّع اتجاهاتها واضحة في أساليبهم وتوجهاتهم بحكم المؤثرات الحديثة التي
شملت الأدب العربي الحديث، وإذا كان لتلك المدارس ظلال ترتسم في إنتاج بعض
الأدباء، فإنهم قد احتفظوا باستقلالهم الفكري وحافظوا على طابع أصالتهم. ومعلوم أن
الأدب لا وطن له، فهو مشاع للجميع فكل فرد يستطيع أن يتأثر بنهج معيّن أو بمدرسة
أدبية محددة بحسب استعداده الذهني وميوله الذاتية، والأدب في جوهره يمثل وجدان الأمة، ويعبّر عن ضميرها، ويجسد آمالها
وأحلامها، فهو ترجمان عواطفها والمعبّر عن تطلعاتها وأفكارها، ومن خلاله تتطلع في
واقع حياتها إلى فجر نهضتها وإشراق وجودها، والحياة تتجدد تبعاً للتطور المنظور في
هذه الدنيا التي تتعدد فيها مصادر الحيوية وتتنوّع بها أشكال العطاء، وكذلك الأدب
في ذاته يتجدد وفق سنّة التطور التي تحكم علاقات الإنسان والأشياء، وبداهة فإن
الفكر يُصنّف في مقدمة اهتمامات الأمم الصاعـــدة؛ لأنــه يعمل على رقيها ويُعلي
مكانتها ويوسع آفاقهــــا، ويدفعها إلى مستويات من الحياة المتفوقة، كما أن الأدب
بصفة عامة يمثل لغة راقية تربط أفراد المجتمع وجدانياً وفكرياً وثقافياً، فهو
الأداة المجسدة للتواصل الفكري والوجداني في محيط الثقافة العامة، وعلى نطاق
الساحة الأدبية الواسعة، وفي هذا الإطار يتجدد للأدب أثره في مجالات النشاطات الفكرية
للحياة العامة.
وقد
ساعد أدباءنا في هذه المرحلة على تطور الأساليب الأدبية التي جرت تحت مظلة التيار
التجديدي ما توافر من وسائل اتصال أفراد هذا الجيل بكبار أدباء البلدان العربية
اتصالاً فكرياً وثقافياً، فقد كانت الثقافة الوافدة من الأقطار تحمل قدراً من التفتح
الذهني ومزيداً من الألوان الثقافية. كما أن لعودة كثير من الدارسين أبنائنا في
جامعات عربية أو أجنبية أثراً في التوجه التجديدي الذي كان هاجس أفراد هذا الجيل
الذين يُطلق عليهم جيل الرواد، مما أصّل روح الإبداع والابتكار في إنتاجهم الأدبي
نثراً وشعراً، ولعل تعدد المناهل العلمية والثقافية من جانب آخر مما شكل صورة
متطورة تحمل معالم التجديد والتنوع في التيارات الأدبية المعاصرة. وعلى هذا النهج
التطوري توسع نطاق الأدب في مجالات كثيرة من العطاء الذي لا يقتصر على لون أو جنس
معين، وإنما يشمل أجناس الأدب الحديث من شعر ومقالة وقصة ورواية، وما سوى ذلك من
الأنماط الأدبية المختلفة في صورها المتعددة، والإيقاعات الشعرية التي واكبت مسار
الحياة الثقافية أضفت عليها ظلالاً متعددة الألوان أشبه بألوان الطيف، وقد كان
لهذا الرعيل من الأدباء أثرهم في تأصيل التجربة التجديدية الرائدة، وتجاوز الدور
الاتباعي التقليدي إلى دور الإبداع الفكري الريادي. والأفكار تنمو وتتطور في
المجتمعات المفتوحة على الثقافات العامة بكل أنواعها وفي جميع مصادرها، وتستطيع أن
تحدد اتجاهاتها من خلال فرز التيارات الثقافية الوافدة وتحديد توجهاتها فتستفيد
مما يفيدها في نهضتها وتتجاوز ما لا يتفق مع عقيدتها أو لا يلتقي مع قيمها، وذلك
من أجل التسامي بالفكر نحو أهداف أكثر اتساعاً وأعلى مدارك في الحياة العامة، ففي
ظل المؤثرات الفاعلة تتجاوب طموحات الأمة مع روافد الثقافة ومناحي الفكر، فتنطلق
في نهضة أدبية واعية، تُفسح مساحة رحبة للإبداع المشرق، ومن ثمّ تتحول إلى منارة
للفكر المتوهج بالعطاء المرموق، ويأتي ذلك بالتفاعل المثمر مع الثقافات واستثمار
المواهب المتألقة والطاقات الحيوية بما يضع الأمة على نهر المعرفة، ويضع في يدها
بطاقة التأهيل للاندماج في عالم الفكر والثقافة المعاصر.
حركـة الشعر الحــر :
من
المعلوم بداهة أن الشعر وليد موهبة خاصة، وكانت القبائل العربية تعتز بالشاعر الذي
يخرج في القبيلة، والشعر في ذاته يصدر عن سليقة غير مصطنعة، نلمس ذلك في شواهد
الشعر خلال القرون الطويلة التي تفصلنا عن العصر الجاهلي حتى عصرنا الحاضر، وقد
درج الشعر عَبر تلك القرون على أن يكون موزوناً مقفّى، وبعد الفتوحات الإسلامية
ودخول كثير من الأعاجم في الإسلام حصل اختلاط بين العنصر الأعجمي والعنصر العربي،
فقد رحل العرب إلى بلاد العجم فاتحين، ووفد الأعاجم إلى بلاد العرب مسلمين، وبهذا
التداخل بين العنصرين كان لا بد أن تُصان اللغة العربية من أن تتسرب إليها عوامل
الإخلال بقواعدها بسبب انتشار اللغات الأعجمية من جانبيْ الأعاجم الذين وفدوا إلى
بلاد العرب أو العرب الذين استقروا في تلك البلدان التي لا تعرف العربية وتأثروا
ببيئتها. مما دعا الغيورين على لغة القرآن للتفكير في وضع قواعد تحمي اللغة
العربية من التأثر بأساليب اللغات الأخرى، فكان علم النحو الذي وضع أسسه أبو
الأسود الدؤلي، وجاء دور الشعر للحفاظ على قواعده كما صدر في جذوره عن شعراء العرب
لئلا تطغى عليه العجمة فتصدى لهذه المهمة الجليلة عبقري من علماء العرب الواعين،
فقد قام الخليل بن أحمد الفراهيدي في عصره باستقراء الشعر العربي كله واستخراج
قواعد للموازين الشعرية في عملية استقصاء واستقراء ومراجعة طويلة للنغمة الموسيقية
في أبيات الشعر موازناً بينها ومستنبطاً منها النغمة الموحية بتحديد البحر معتمداً
على ثقافته الواسعة وأذنه الموسيقية ومعرفته باللغة العربية وتعمقه فيها، وبعد
معاناة مع هذه التجربة الرائعة اهتدى إلى وضع علم العروض ببحوره المعروفة، ونتيجة
لجهوده ومثابرته ومواصلة بحوثه توصل إلى ابتكار القواعد العروضية التي أصبحت
بمثابة قانون يحكم فن الشعر ويحدد معالمه لئلا يختلط بالنثر، وسارت أجيال متعاقبة
على التقيد بهذا القانون العروضي، ومضت القرون تلو القرون، وقد ظلّت هذه القواعد
موضع التزام من الشعراء والنقاد. وفي بداية منتصف هذا القرن العشرين الميلادي قامت
حركة الشعر الحر، وكانت في بدايتها محافظة على البحور الخليلية مع التصرف في توزيع
التفعيلات على أكثر من شطرين، وكان الشعراء الذين بدأوا هذه التجربة لهم قدم راسخة
في البحور الخليلية، ولكنهم سعياً وراء التجديد وتأثراً بالمدارس الغربية صاغوا
هذا الشعر وما علموا أنهم بذلك قد فتحوا أبواباً واسعة لكثيرين تنقصهم المواهب
ويفتقرون إلى المعرفة، فكان امتدادها في الوطن العربي امتداداً تجاوز القواعد
المرسومة لها، وتخطى القواعد الموضوعة للشعر العربي في أصوله العريقة، وإذا كانت
وحدة البيت في القصيدة العربية – كما يراها النقاد القدامى– مزية من مزايا الشاعر
العربي القديم، فإن ذلك ما تفتقده القصيدة الحرة التي تتوزع فيها وحدة البيت بين
أشطر عدة.
وقد
بدأت حركة الشعر الحر بداية عفوية لم يسبقها تخطيط مدروس ولا تفكير مبيّت، وإنما
جاءت التجربة مصادفة عابرة ضمن قصائد فردية متباعدة في التوقيت وفي البلدان التي
صدرت عنها، فتاريخ هذه الحركة الشعرية في هذا العصر يشير إلى أن أول قصيدة قيلت
عام 1921م في العراق، وفي قول آخر إن فاتحة هذه القصائد كانت في مصر عام 1932م،
وظلت الفكرة خافتة النغمة متوارية عن الظهور، ولعل المصادفة وحدها هي التي قادت
نازك الملائكة إلى هذه التجربـــة عندما انتشر وباء الكوليرا في مصر عام 1947م،
ومات في هذا الوباء عدد كبير، وكان تأثر الشاعرة بهذا الموقف إيجابياً، فجالت في
ذهنها خاطرة تتواكب مع وقع المأساة: (موتى موتى ضاع العدد موتى موتى لم يبق غد) من
قصيدة الكوليرا التي قالتها حينذاك بتلك المناسبة، وهي من الشعر الحر من بحر المتدارك
(الخبب)، وكانت هذه القصيدة محل انتقاد أكثر منها مجال استحسان، وفي العام نفسه
نشر الشاعر بدر شاكر السياب قصيدة حرة بعنوان (هل كان حباً) التي ضمّنها ديوانه
(أزهار ذابلة)، وظلت الفكرة هامسة الصوت وئيدة الخُطى، وكان المظنون أنها سوف
تتبخر وتتلاشى في فضاء الشعر العربي كما تلاشت محاولات سابقة، وفي هـــذا الصدد
تشير الشاعـــرة نازك إلى أن ظهور قصيدتها وقصيدة السياب لم تلفت إليهما الأنظار
على حد قولها:(مضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحــف شعراً حراً على
الإطلاق). وعندما أصدرت ديوانها (شظايا ورماد) عام 1949م الذي ضمّ قصيدتها تلك،
وضعت لهذا الديوان مقدمة طويلة تحمل ثورة على التقيد بالعروض الخليلية في محاولة
منها لتأصيل هذه التجربة، وقد قوبلت جُرأتها تلك بثورة مضادة، ومجابهة شديدة من
المحافظين على عمود الشعر القديم، ولعل هذا التصدي بعث الروح في هذه الحركة الشعرية
ومنحها مقومات الحياة، فكل دعوة فكرية تواجه بالردود العنيفة يكون لها شأن ويصبح
لها كيان، ومع المقاومة يشتد عودها ويصعد اسمها ويصير لها أنصار، وهذا ما حدث
لحركة الشعر الحر. مع أن الشاعرة نازك الملائكة سواء في قولها القصيدة الحرة أم في
تنظيرها للشعر الحر أكدت منهجها الذي انتهت إليه وأنه كما قالت: (ليس خروجاً على
طريقة الخليل، وإنما تعديل لها يتطلبه تطور المعاني والأساليب خلال العصور التي
تفصلنا عن الخليل). وظلت الدعوة للشعر الحر تتسع لتشمل فئات كثيرة من الشعراء
الذين يجيدون الشعر العروضي، وسواهم من الشداة الذين يفتقرون إلى المواهب وتنقصهم
الثقافة، ولعل تحديات المحافظين كانت عامل انتشار لها وإقبال عليها، ولا يزال
للمعركة بقايا صراع مندثر، حتى هذا الوقت الذي جدّت فيه صرْعات من الحركات الفكرية
والمدارس الشعرية تجاوزت حدود المعقول، وتخطت حركة الشعر الحر بمسافات واسعة، على
أن حركة الشعر الحر أخذت حجم الظاهرة، ولم يعد مجدياً حجب انتشارها، ولا سيما بين
الشباب المتعجل للشهرة، وهو لم يحصّن نفسه بمعرفة كافية لقواعد الشعر الأساسية،
ولم يتزود بثقافة عامة تخوّله دخول ميدان الشعر من أوسع أبوابه، فهو بحصيلته
الثقافية المحدودة ومعرفته الضحلة يقتحم المجال الشعري على غير استعداد ولا تأهيل
فتكون سباحته في بحور الشعر ضد التيار، وينتهي إلى أن يغرق في كثير من الأخطاء،
ونازك الملائكة التي كانت قد رفعت راية حركة الشعر الحر، بدأت تتذمر مما يحدث في
الساحة الشعرية من استهانة ببحور الشعر وأوزانه جنوحاً إلى استغلال حرية الأوزان،
وقد نتج عن ذلك ممارسات فجّة لشعراء لم يكتمل نضجهم الشعري ونموّهم الفني، وهي
تعالج هذه الثغرات في الشعر الحر من خلال كتابها (قضايا الشعر المعاصر)، ولعله
أوفى كتاب في موضوعه الذي رصدت فيه المزالق التي انحدر إليها أفراد استخفّهم الفرح
بأنهم قادرون على أن يصوغوا شعراً لا ضابط له من وزن ولا بحر ولا قافية، فكان هذا
الغثاء الكثير من الشعر المفتقر إلى الشعور، وعمّا يحدث في هذا المجال تؤكد
الشاعرة نازك بحسها الشاعري وملكتها الناقدة: (أن ما يبدو أول وهْلة مزايا في
الأوزان الحرة ينقلب حين نتفحصه إلى مزالق خطرة، وهذه المزالق قادرة على أن تخلق
من إمكانيات الابتذال والرخاوة في الشعر الحر ما هو خليق بأن يسبب للشاعر قلقاً
محقاً على شعره). وقد عقدت في كتابها هذا فصلاً مستقلاً عن (الأخطاء العروضية)
التي يقع فيها كثير من شعراء هذه الحركة كما هو واضح في قصائدهم الحرة، كما أنها
تبدي رأيها الواضح بصورة أوسع حين ترى الإقبال على الشعر الحر لسهولته من أفراد
تنقصهم الشاعرية ولا ترفدهم المعرفة، فطفقوا ينظمون قصائد منفلتة رديئة المعاني؛
لذلك ترفع صوتها بإيقاف هذا الزحف الجارف في الشعر الحر بلا تأهيل وتبدي تخوّفها:
(بأن حركة الشعر الحر ستتقدم في السنين القادمة حتى تبلغ نهايتها المبتذلة، فهي
اليوم في اتساع سريع صاعق، ولا أحد مسؤول عن أن شعراء نزري المواهب ضحلي الثقافة
سيكتبون شعراً غثاً بهذه الأوزان الحرة). وهذه الصورة التي رسمتها نازك للابتذال الواقع
في هذا الشعر الذي هبط مستواه على النحو الذي أشارت إليه، مما عكس لديها هاجس
الإحباط، وهي ترى هذه الدعوة التي بشّرت بها قد جرى تشويهها بالتجاوزات وامتهان
الضوابط التي تحدد المسار الشعري وتحافظ على قيمته الفنيّة، والمفترض في هذه
الحركة عدم التخبط في الأوزان الشعرية، أو الجنوح إلى ركوب موجة السهولة التي
تحولت إلى ابتسار في المعاني وإخلال بالقواعد، وهي إذ تحدد مسؤولية الشاعر المعاصر
في الإساءة إلى الشعر الحر بما يرتكبـــه من أخطــــاء وما يجهله من معرفــة تعلن
من فوق منبر هذا الشعر – الذي بذلت جهداً في الدفاع عنه والتنظير له – أن شعراءه:
(يرتكبون أخطاءً عروضية مشوهة، وهم لا يشعرون، وأنا أكاد أجزم بأن ثمانين بالمائة
من القصائد الحرة تحتوي على أغلاط عروضية من صنف لا يمكن السكوت عنه). تقول ذلك
بمرارة، وهي تحمّل نقاد هذا الشعر مسؤولية التسيّب الواقع والانفلات المطلق
والأخطاء الفادحة، فلا تجد من هؤلاء النقاد من يوقف تلك الأخطاء ويمنع ذلك
الانفلات، وفي ظل هذا المنظور ترى أن رسالة النقد عاجزة عن أداء رسالتها، والذين
يصفون أنفسهم أو يصفهم سواهم بأنهم نقاد لايولون الأخطاء في شعر هذه الحركة أي
اهتمام، وتلك ظاهرة خطيرة وهي شائعة في أوساط أولئك الشعراء ونقاد شعرهم، وعلى حدّ
تعبير الناقدة نازك فإن من يراقب النقد العربي المعاصر يجد: (أن النقاد يتغاضون
تغاضياً تاماً عن الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية فلا يشيرون إليها ولا
يحتجون عليها، وكأنهم بذلك يفترضون أن من حق أي إنسان أن يخرق القواعد الراسخة،
وأن يصوغ الكلمات على غير القياس الوارد، وأن يبتدع أنماطاً من التعابير الركيكة
التي تخدش السمع المرهف). فهي مع دعوتها لحرية الشعر ترى المحافظة على عروضه
وأدواته وموسيقاه وأن تخضع القصيدة للعروض القديم: (الذي لا عروض سواه لشاعرنا
العربي)، وهي تمثل لثبوت التفعيلات في القصيدة بثبات نِسَب الإيقاع في الموسيقا،
وإذا لم تنضبط النّسَب الإيقاعية في الموسيقا تحولت النغمة الموسيقية إلى نشاز،
وعلى هذا الاعتبار فلا تعني حرية الشعر الحر هدم كيان الشعر في مفهومه الثابت،
فمهما حدث من تطوير للقالب الشعري فإنه لا ينبغي
الجور على موسيقا الشعر العربي وهدم أوزانه والجناية على أصالته، كما أنها
كذلك تؤكد في تنظيرها للشعر الحر أنه: (لا بد للشاعر أن يفهم أن لكل بحر من بحور
الشعر تشكيلات مختلفة لا يمكن أن تتجاور– (بالراء)– في قصيدة واحدة، وإنما ينبغي
أن تستقل كل قصيدة بتشكيلة ما ، وأن تمضي على ذلك لا تحيد عنه إلى آخر شطر فيها).
كما أنها تؤكد رؤيتها الجادة للعملية الشعرية بأن تكون خالية من الأخطاء العروضية
والخروج على الأوزان المرعية، وذلك ما لحظته على كثير من شعراء هذه الحركة التي
حملت موجاتها وشطحاتها كثيراً من الغثاء الذي صار جناية على الشعر الحديث.
والحرية
في الشعر الحر لا تعني التحرر المطلق من بحور الشعر العربي، فالقصيدة الحرة تقوم
على التفعيلات الموزونة، وكل ما هنالك أنها تحررت من رتابة الشطرين المتساويين في عدد
التفعيلات بالبيت الواحد، كما هو واقع الشعر العمودي في مساره الطويل، والحرية
التي تتمتع بها القصيدة الحرة أنها تتكوّن من تفعيلات عدة موزعة في عدد من الأشطر
يمتد الشطر ويقصر بحسب اكتمال المعنى أو رؤية الشاعر، ومعلوم أنّ الشعر الحر لا
يتدنّى إلى الإيغال في النثرية كما في قصيدة النثر، ولا يهبط إلى الإسفاف في
المعنى والابتذال في اللفظ مثل قصائد الحداثة. وقد أشارت منظّرة حركة الشعر الحر
نازك الملائكة إلى أن أبرز عيوب الشعر الحر عيبان: الأول: اقتصاره على عشرة بحور
من بحور الشعر العربي الستة عشر، الثاني: أنه يرتكز على ثمانية بحور من هذه العشرة
إلى تفعيلة واحدة: (وذلك يسبّب فيه رتابة مملّة خاصة حين يريد الشاعر أن يطيل
قصيدته).
ويحسن
في هذا المجال الاستشهاد برأي اثنين من شعرائنا المعاصرين، والشاعران هما حسن
عبدالله القرشي، وسعد بن عبدالله الحميدين. الأول يمثل النهج العمودي، فهو ينتمي
للرعيل المحافظ على الشكل المعروف للقصيدة العربية ببحورها الخليلية، وهو مع ذلك
لا يرى فارقاً بين الشعر العروضي على النسق القديم، والشعر الحر على النسق الجديد،
وقد سجل رأيه هذا في مجلة العربي الكويتية بالعدد (477) الصادر في شهر ربيع الآخر
1419هـ/ أغسطس 1998م، فقد طُرح عليه السؤال التالي: تحرك شكل القصيدة عندك ما بين
الشكل العمودي وشعر التفعيلة، وفي رأيك المعلن أنك لا ترفض الجديد؟ وكان جوابه ما
يلي: (الشكل في القصيدة لا يعنيني بما يزيد عما يعنيني الموضوع والمضمون، والشعر
العمودي موروث عشنا عليه كما أن الحديث وهو في رأيي شعر التفعيلة قد أدّى دوره
أداءً حسناً، وبالقطع فأنا لا أرفض الجديد كما أنه ليس هناك مجال للمفاضلة بين
النمطين). وفي ملف (الثقافة والفنون) الصادر عن الجمعية العربية السعودية للثقافة
والفنون في العدد السادس لشهر صفر 1405هـ / شهر نوفمبر 1984م فيما يتصل بقصيدة
الشعر الحر كانت إجابة الشاعر الآخر سعد الحميدين:( إن الشعر الحر أو القصيدة
الحديثة لا يمكن أن تنجح ما لم تتوافر فيها شروط النجاح، وهي أبجديات اتُّفق
حولها، فالشعر الناجح لا بد أن يكون موزوناً كما يجب أن يحافظ على اللغة العربية..
إن القصيدة بدون وزن وموسيقا ولغة عربية فصحى
عبث وضياع لقيمة اللغة، وبعد هذه الأساسيات تأتي الرؤية، وكشاعر فأنا مطالب
بأن تكون صورة الفكر في بلادي صورة مشرقة) .
إن
الشكل الذي يختاره الشاعر للتعبير عمّا يود هو قضية محايدة تماماً من الناحية
الدينية والأخلاقية والوطنية وهذا يصح على الشعر العمودي، كما يصح على الشعر الحر،
ففي كل منهما مضامين جيدة دينياً وأخلاقياً ووطنياً،
وفي كل منهما مضامين سيئة دينياً وأخلاقياً ووطنياً. هذه الحقيقة ينبغي ألاّ تغيب
عن بالنا، كما أنه ينبغي ألاّ تغيب عن بالنا حقيقة أخرى تكملها.
أما
هذه الحقيقة الأخرى فهي أن الشعر الحر قد عملت أقلام وجهات نقدية مريبة على تمجيده
أولا،ً وعلى طرحه بديلاً للشعر العمودي ثانياً، وعلى تشجيع كثير من الجهلة
والمتشاعرين على اقتحامه ثالثاً، وعلى إشاعة كثير من المعاني المعادية للدين
والفضيلــة وثوابت الأمـــة رابعـــاً، ومثل هذا قد يوحي بما يشبه الإساءة للشعر
العربي. لا نجزم بما يُقـــال: إن يداً خفيّة صنعته، ولكن من الممكن أن نقول: إنه
وجدت فئات استعملته ووظفته لما تريد.
وقد
فطن إلى هذا المعنى المهم الدكتور الطاهر أحمد مكي الذي قرر أن ( ثمة ظاهرة تتصل
بالشعر الحر لمّا تدرس، وهي أن عدداً كبيراً من دعاته والمتحمسين له والمدافعين
عنه والثائرين على الأوزان والقوافي، وعلى التاريخ بعامه ، ينتمون إلى الأقليات في
الوطن العربي دينية أو مذهبية أو عرقية، وهم مع هذا يحاولون تجاوز الحاضر بنسيان
الماضي، والبحث في غياهب الغد عن إيدلوجيات جديدة ) ([26]) .
وفي
هذا الإطار نفهم كيف كانت أكثر مضامين هذا الشعر خاصة في زمن التيه وراء الشعارات
الزائفة التي حفلت بكثير من السوء في حق الدين والأمة واللغة والأدب ، والتي تمتلئ
بروح غاضبة كارهة لثوابت الأمة إلا من شعراء ليسوا كثيرين تجاوبوا مع الحركة في
شكلها الحر، وتمسكوا بالثوابت والمسلّمات في المضامين الشعرية التي انطلقوا منها
في أشعارهم.
قصيـدة النثــر :
كان
لا بد تحت مظلة التوسع في التعامل مع فن الشعر وتجاوز قواعده أن تأتي بعد حركة
الشعر الحر مرحلة جديدة تتخطى هذه المرحلة، تتمثل فيما أطلق عليه مصطلح (قصيدة
النثر)، والجمع بين الشعر والنثر في مسار واحد يُعَدُّ إحدى عجائب هذا العصر! فقد ظلّ الشعر له قوافيه ونظامه وأوزانه، كما كان للنثر مساره
وأساليبه ومفاهيمه، حتى تغيرت الأوضاع وتشبّه كل شيء بضده، ودخل كل فن في مجال غير
مجاله وفي وضع مخالف لوضعه، فكان الجمع بين الشعر والنثر في هذه التسمية الجديدة
(قصيدة النثر) وهل يكون للنثر قصيدة؟ ولماذا لا تكون قصيدة الشعر لتأخذ طابع الشعر
المعـــروف؟ وإذا كانت نثراً فلمــاذا تسمى قصيـــدة؟ ومعلوم أن القصيدة تختص
بالشعر لابالنثر! وهل المراد إقحام فن في فن آخر وتداخل معلومة مع أخرى؟ ولماذا
هذا التحوّل؟ ومنذ أن استقام فنّ الكلام والشعر شعر والنثر نثر، والقصيدة النثرية
المزعومة: هي في محتواها نثر فني كتب مثله أدباء قدماء ومتأخرون. ولو شئنا تصنيف كتابات
نثرية فنيّة على منوال قصيدة النثر لوجدنا في النثر الفني لأدبائنا المعاصرين
دواوين شعرية على نمط قصيد النثر هذه إذا كان للنثر قصائد، فبعض الكتب النثرية
مثل: (السحاب الأحمر) لمصطفى صادق الرافعي يُعَدُّ – بمفهوم أصحاب قصيدة النثر –
ديواناً شعرياً، واسمه يوحي بالتجديد، وهو بشهادة مؤلفه نثر فني، وكثير من
الكتابات المعاصرة من السهل تحويلها إلى قصائد نثرية إذا أُلغي ما للشعر من صفات،
وما بينه وبين النثر من فواصل. وعلى إيقاع هذه التحولات واختلاط المفاهيم بين
الشعر والنثر وتسمية أحدهما باسم الآخر أو إطلاق الاسمين على مفهوم واحد– مثلما
أُطلق على قصيدة النثر– مما يسبب البلبلة في الأذهان والاضطراب في الأفهام، وفي
ذلك تشويه لصورة الشعر العربي كما استقر في ذاكرة الأجيال مع تعاقب العصور حتى جاء
هذا العصر الذي يحمل في مساره ألواناً من التحولات والتبدلات، وفيه جرى الخروج على
القواعد المستقرة، والخلط بين الفنون الأدبية، والركض خلف الصرعات الحداثية، حتى
امتلأت الساحة بإنتاج (هجين) لا هو شعر
ولا نثر ولا يصنف في أحد الحقلين، وإنما هو نوع ثالث بين الشعر والنثر لا تحكمه
تسمية مهما حاول صانعوه أن يسموه ولا يخضع لقاعدة مهما حاولوا إضفاء صفة معيّنة
عليه، ومشكلة هذا النوع أنه لا ينتمي إلى فصيلة بذاتها في الأجناس الأدبية، وإلا
فأين يمكن تصنيف ما يطلقون عليه قصيدة النثر؟ وفي أي مجال يكون وضعها بين فنون
الآداب المعروفة وقضاياه المفهومة؟ وقد انطلقت هذه الفكرة من لبنان تحت ظل التأثر
التغريبي وتبنتها مجلة (شعر)، وهي مجلة قامت على تمويل أجنبي وبمنهج مشبوه، ومن
هذه المجلة انتشرت قصيدة النثر، حتى وصلت إلينا في صور ممارسات فئة من الذين خدعهم
المظهر البراق ولم يتبيّنوا ما وراء ذلك المظهر التجديدي الخادع من إساءة لأدبنا
العربي في صميمه، ولم يتوقفوا ليطرحوا على أنفسهم تساؤلاً واقعياً يصدر عن حقيقة
ملموسة لا تزال تعيشها الأمم المتقدمة: لماذا مَيّزت هذه الأمم – ولا تزال– بين
الشعر والنثر؟ وفي هذا الصدد فإن نازك الملائكة التي سبقت أن دعت لحركة الشعر
الحر، وهي غير متهمة في تطورها الفكري تقول عن قصيدة النثر هذه: (إن تسميتنا للنثر
شعراً هي في حقيقة الأمر كذبة لها كل ما للكذب من زيف وشناعة، وعليها أن تجابه كل
ما يجابهه الكذب من نتائج، والكذبة اللغوية لا تختلف عن الكذبة الأخلاقية إلاّ في
المظهر). وتواصل حملتهــا في كتابها (قضايــا الشعر المعاصر) على هذه الشطحــات
الفكرية والاستلاب الثقافي وهدم كيان اللغة العربية، ومحاولة زعزعة أصولها
الثابتة، ممن يتبنون هذه الفكرة عن خبث ومن يتابعهم عن جهل، فتعبّر عن مشاعرها في
حسرة شديدة وألم دفين على المنوال التالي: (إن هنالك اليوم مدارس بعينها هدفها
الرسمي أن تهدم قواعد اللغة العربية، وتقضي عليها قضاءً مبرماً، وسواء كانت هذه
المدارس تصدر في دعوتها عن نزوة فكرية بريئة أم كانت تتعمد – لغرض مبيّت– أن توهن
اللغة العربية وتهدم أصالتها فإن علينا أن نتصدى لها، ونناقش دعوتها مناقشة الحريص
الذي يغار على لغة الضاد من أن يعبث بها عابث غير مسؤول، وإنه ليحزننا أن نرى أكثر
نقادنا غير عابئين، وإلاّ فما الذي جعلهم يسكتون سكوتاً متصلاً على هذه الظاهرة
الخطيرة التي بدأت منذ سنين تشيع في شعر المدرسة اللبنانية الحديثة ظاهرة العبث
بالقواعد النحوية الراسخة وإخضاع اللغة للسماع الشاذ الذي لا يُعتدُّ به؟ لماذا لم
يحتج أي ناقد من نقادنا على (أل) التعريف وقد راح جيل كامل من شباب لبنان يدخلها
على الأفعال). وقد أوردت أمثلة كثيرة على إدخال (أل) التعريف على الأفعال من أقوال
شعراء هذه المدرسة، وهي مرحلة من مراحل الاغتراب الثقافي، وهذه القصائد النثرية إلى
جانب خروجها على النهج الشعري، فإنها تلتزم الغموض في معانيها، وتركز على الطلاسم
والرموز في ألفاظها، وقد سبق لي أن كتبتُ عن هذا الموضوع تحت عنوان (الكتابة
والأسلوب) في صحيفة الرياض بالعدد 8475 وتاريخ 28/2/1412هـ، ومما جاء فيه:
(الاغتراب الثقافي يمثل حالة غير مستقرة تواجهها الأمة العربية في وضعها الراهن،
مبعثها عقدة التخلف التي يحسها بعض المتطفلين على مائدة الآداب الغربية.. ومن خلال
منعطفات التحولات الخطيرة في أفكار الأمة وفي مضامين مساراتها الفكرية والمسارات
الأخرى التالية لها في الأهمية وفي الترتيب الأبجدي للأوليات المطلوبة لتحصين
الأمة ضد طفيليات الأفكار، وليكون لديها مناعة تحميها من الأخطار المضادة ومن
الانحرافات الثقافية التي تقودها إلى بحور التيه وصحاري الضياع: يتضح ذلك التوجه
في صور متعددة من النزعات التغريبية من خلال منازع الأدب المتعددة وفنونه المختلفة،
وبصورة خاصة لدى بعض الرموز الأدبية من الأدباء العرب حيث تتجسد عندهم ملامح
ثقافية واتجاهات فكرية متعددة الألوان مما يوحي بذوبان أفكار هؤلاء المقلدين في
تيار التوجه الغربي وانحيازهم إلى مساره، والمفترض أن يتحمل المفكرون والمثقفون–
على اختلاف مستوياتهم وتعدد انتماءاتهم وتوجهاتهم– تأكيد الهوية الثقافية وتحديد
الرسالة الفكرية العربية، ولا يتم ذلك إلا بتحديد منهج أصيل لمراجعة حركتنا
الثقافية ووضعها في مكانها الذي يجب أن توضع فيه، ومقتضى هذا الوضع أن نفتح
نوافذنا على الثقافات عامة، ونستفيد من كل أنواع المعرفة، دون أن نصبح أسارى لفكر
بذاته أو مقيدين بمذهب أدبي معيّن، أو نظل داخل إطار مدرسة فكرية غربية ندور في
نطاقها ولا نكاد نعرف طريقاً يؤدي إلى سواها أو ما هو أفضل منها، ولذا يتعيّن
علينا ونحن نمد أيدينا لموائد الفكر الغربي أن نحسن الاختيار، فنغربل الأفكار الواردة
لنأخذ منها ما لا يتعارض مع خطّنا الأصيل أو يخالف توجهنا السليم.. والمهم هو قدرة
الكاتب على التوصيل واستطاعته النفاذ إلى القارئ بالتعبير الموحي البعيد عن الغموض
والتعقيد والإبهام، فنحن في عصر يجب لكي نلحق بركب النهوض أن نتجاوز إضاعة الوقت
في وصل الكلمات المتقاطعة وحل الرموز الغامضة والوقوف عند العبارات المتعارضة،
فالقارئ يريد الوصول إلى النتيجة وبلوغ الغاية بأقل قدر ممكن من الوقت لفهم
الموضوع واستساغـة ما كُتب، فلديه من الشواغل الذهنية والمادية ما يحول بينه وبين
تبديد وقته في إطالة الوقوف إزاء عبارات يحتاج فهمها إلى معجم يوضح ألغازها،
وقاموس يفسر رموزها، فالأدب لا يعتمد على الغموض والإيهام، وإنما يستمد أثره من
البيان الواضح والإبداع المتألق، والكتابة صورة للكاتب، وهو الذي يضع نفسه حيث
يريد أن ينظر إليه القراء). والظروف التي يجتازها الجيل المعاصر ظروف بالغة الشدة
والعنف يسودها الاضطراب ويتخللها القلق ويمتزج بها عدم الاستقرار النفسي، وقد طبعت
جيلها بطابع التوتر في مدّها العنيف ومزاجها المتقلب، حيث تبسط ظلالها القاتمة على مساحة كبيرة في أجواء خانقة ثقيلة الوطأة
تصاحبها معاناة مرهقة وضغوط نفسية حادة التأثير، وتنعكس هذه الحالة بظلالها
وتوتراتها على نفوس كثير من الشباب الذين يتعلقون بالأوهام ويبنون آمالهم على
الأحلام وتكون النتيجة الانحياز إلى أفكار مسطّحة وتجارب فاشلة كما في
قصيدة النثر.
ويحسن
الاستشهاد برأي شاعر لا يمكن اتهامه بعدم التجديد فهو مجدد في الشعر، ومن شعــراء
حركة الشعــر الحر، وهو يرأس مجلة تحمل اسم (إبداع) في مصر، من بين ما ينشر فيها
الشعر الحر، فهو من هذا الجانب مؤهل لإصدار حكم على قصيدة النثر كما يراها من
منظوره الثقافي ومن تجربته الشاعرية، وقد أجرت معه مجلة (إقرأ) التي تصدر في جدة
مقابلة بتاريخ 8/6/1418هـ/ 9/10/1997م، أما هذا الشاعر فهو أحمد عبدالمعطي حجازي،
وهو معروف في الوسط الأدبي على مستوى العالم العربي، وقد طرحت عليه المجلة سؤالاً
عن دوافع ظهور قصيدة النثر فأجاب بالنص التالي: (أعتقد أن السبب الرئيس في ظهورها
في هذا الوقت بالذات يعود إلى حالة الانحطاط اللغوي التي يعيشها المجمتع كله،
والمقصود منها قتل القصيدة الموزونة، وتقديم الدليل على جهل اللغة العربية
وأدواتها). وقد أكد رأيه هذا بشأن قصيدة النثر في مناسبة ثانية وفي مجلة أخرى، فقد
أجرت معه مجلة الأسبوع العربي حواراً مطولاً في عددها الصادر بتاريخ
19/3/1419هـ/13/7/1998م، وجاء ضمن مدار هذا الحوار السؤال التالي: (قصيدة النثر
صارت همّاً أساسياً من هموم الجيل الجديد، فكيف تراها ؟)، وقد أجاب عن هذا السؤال
محدداً رؤيته لها بالنص الآتي: (أقبلها عندما تكون تجربة وأرفضها تماماً إذا تصور
البعض أنها أفضل الأشكال وأكثرها حداثة؛ لأنها في هذه الحالة تصبح وباءً كاسحاً.
إنها شكل يعتمد على لغة فقيرة من ناحية المعجم. بسيطة ساذجة من ناحية التركيب.
نثرية من ناحية الإيقاع، إنها ثمرة انحطاط لغوي). ونلحظ أن الشاعر أحمد حجازي وصف
قصيدة النثر هذه في المقابلتين اللتين تم أجراؤهما معه من قِبل المجلتين: بأنها
تمثل حالة انحطاط لغوي، وهي إجابة صريحة لشاعر يمثل نهجاً حُرّاً في صياغة الشعر،
ولا يمكن أن يُتّهم– على حدّ مقولـــة أصحاب قصيدة النثر لمــن يخالفهم– بأنه
رجعي؛ وذلك لأنه في ذاته شاعر وكاتب ليبرالي. ومن قَبل وجّهت نازك الملائكة اللّوم
للنقاد العرب الذين لم يكشفوا زيف قصيدة النثر بحكم أنها مستمدة من نظريات غربية،
وفي هذا المجال تقول في صراحة حادة: (إن الناقد العربي يقف اليوم وقفة خشوع وتقديس
أمام النقد الأوربي ونظرياته الوافدة) ([27]).
هذه عقدة النقاد، أما متابعة نهج قصيدة النثر فتلك عقدة أولئك المتشاعرين. الذين
حَبسوا أنفسهم في دائرة ضيّقة من النظريات الغربية ومدارسه الفكرية عجز يجب
التخلّص منه، وخمول ينبغي أن ينفضوه عن كواهلهم فلا يعيشون عالة على موائد غيرهم،
وإنما يكون الأخذ والعطاء بقدر ما يتفق مع مسلّماتنا ويتناسب مع توجهاتنا وينسجم
مع مسيرتنا، فلا يكون دورنا دور المتطفل على كل نظرية والمتسول لكل بادرة أجنبية،
وهذا يقتضي المتابعين لصرعات الغرب، أن يتحرروا من مركب النقص ويعيدوا الثقة
بأنفسهم وبمواريثهم التي يجب الاعتزاز بها فكراً وسلوكاً.
الحداثـــة:
يمثل
عصرنا هذا عصر التحولات الحادة في جميع الاتجاهات فكل حقبة زمنيّة تمر بنا تحمل
معها تطورات جديدة، وتستجد خلالها أوضاع مغايرة للأوضاع السابقة لها. لا في
طبيعتها وتركيبها فحسب، وإنما في عنْفها وحدّتها ومسلكها، وإن حدث اختلاف في
مسيرتها واتجاهاتها إلاّ أنها كأنما تصدر عن مسلك واحد ومنهج محدد في التبدل
والتحول، وهي أعراض مخاض عسير تصاحبه وقائع وتواكبه أحداث مشحونة بتوترات طفحت على
سطح المجتمع المعاصر، وتحدّت كثيراً من قيمه وثوابته، واقتلعت كثيراً من أعرافــه
وتقاليــده في موجة كاسحـــة من التحـــولات الخطيرة، (ومـــن هذه التحولات ما
يدخل في إطـــار العادات والتقاليد، ومنهـا ما يتصل بالأعراف والاعتبارات، ومنها
ما يندرج في نطاق المحظورات التي تجترئ على القيم وتتجاهل المُثل، وقد تلامس
الثوابت والمسلّمات، فنحن في عصر يموج بالفتن ويزخر بالاضطرابات، ويدور في دوامة
من الكوارث، وتتجسم فيه المحن وتتعاظم المشكلات عصر اتسعت فيه منافذ كانت ضيّقة،
وتفتحت أبواب كانت موصدة، وانفلتت أهواء كانت مقيّدة، وانطلقت صرعات كانت مُوثقة،
واختلطت مفاهيم كانت محددة، وتاهت أفكار كانت ثابتة) ([28]).
لقد
صاحب تطور الحياة الحاضرة تبدلات كثيرة في نمط العيش ومظاهر السلوك، وفي النظرة
إلى الأوضاع والتعايش مع الأحداث، وفي العلاقات الاجتماعية بصفة عامة والأدبية
بصفة خاصة، كما انسحبت تلك التحولات على صيغ التعامل مع الروح والمادة والأحياء
والأشياء، وتلك حالات أفرزتها طبيعة العصر وتوتراته وتقلبات أجوائه وتبدلات أحواله
حتى لقد نالت هذه التقلبات مسار الفكر وأثّرت في مسيرة الثقافة.
وإذا كان جيل قصيدة النثر قد أحدث
شرخاً كبيراً في بناء القصيدة العربية وإخلالاً بقواعد الشعر الثابتة فقد واكبه أو
تلاه جيل يُعد امتداداً لمنهجه ومكملاً له، وهذا الجيل قد أوغل في التطور، وتمادى
في تحديث الثقافة، وتجاوز نطاق التجديد إلى الخروج على المألوف في اللغة والشعر
والكتابة ، فقد افتعل أساليب قلّد فيها مدارس غربية، وعاش عالة على موائد الغرب
وصرعاته، وبالغ في التأثر بتيار التجديد والتمادي فيه وتوسيع قاعدته. وهذا التيار
من التحديث المبالغ فيه يخضع لعوامل عدة، أهمها الانفتاح على الغرب من جميع أبوابه
الواسعة مع عدم التروي في الأخذ عنه في الحدود المناسبة لنا وأخذ ما يتفق مع قيمنا
وتراثنا، ولم يقتصر هذا الانفتاح على الدراسة في جامعات الغرب ومعايشة مجتمعاته،
وإنما امتد التأثر بالحياة هناك في كل منازعها المادية والمعنوية، وكان للحضارة
الوافدة تأثير كبير في التحول الثقافي على نطاق واسع ومن منظور شمولي حتى الذي لم
يسعفه تعليمه، ولم تدفعه ثقافته نحو تخطي حواجز اللغة الأجنبية، ولم يدرس في
جامعات غربية قلّد أصحابها فيما وصل إليه من مترجمات وما جرى تعريبه من نظريات.
وقد اهتم بنظرية (الحداثة) نفر من أدباء العرب– بينهم أدباء من هذه البلاد– مولعون
بتقليد الأجنبي واقتفاء آثاره والسير على خُطاه اقتفاء التابع للمتبوع، ومتابعة
الظل للأصل. مع أن الحداثة نظرية انتهى دورها في الغرب، وطويت صفحتها قبل عقود من
السنين واندثرت معالمها هناك أو كادت وظلت في نومتها الطويلة حتى بحث عنها بعض
أدباء وشعراء عرب في الآونة الأخيرة، فأيقظها (هذا البعض) من مرقدها وبذلك استحق
وزر من أيقظ الفتنة النائمة، ولعل كثيرين من الذين ركبوا موجتها يجهلون فهمها ولا
يدركون مدى أبعادها، ولعلّهم استخفّهم اسمها، واستهواهم سبْق الغرب إليها فكان
انصياعهم لبريقها والتفافهم حولها. وفي كتاب (حديث الحداثة) لمؤلفه عابد خزندار
قال عنها: (إن الحداثة الغربية انطلقت من الحركة التي تزعّم لواءها إزرا باوند
والتي انضوى تحتها لفيف من أصدقائه ومريديه مثل: إليوت وفورد مادكس فورد ووندهام
لويس وجيمس جويس... وكما قلتُ فإن قصيدة (اليباب) أرست دعائم الحداثة، ولكنها في
الوقت نفسه تسببت في انحسارها؛ ذلك لأن النجاح الذي حققــه إليـــوت والذي تجلّى
في تعيينه رئيســاً لتحرير مجلة أدبية وطيدة هي (CRITERION) جعله يحس بنوع من الاستقرار، ويبتعد
عن رفاق الحداثة وفي مقدمتهم باوند.. وهكذا انفرط عقد الحداثة، وأصبحت حركة
تاريخية لم يعد لها وجود فعلي). ولكن عدداً من أدبائنا وشعرائنا العرب بعثوها من
جديد، وعلى حد تعبير عابد خزندار: (بثّوا الحياة في عروقها المتيبسة محاولين بذلك
أن يصطنعوا حداثة عربية). وفي هذا الصدد يشير الدكتور حسن بن فهد الهويمل إلى هذه
النزعة الحداثية التي تلقفها أدباء العرب، واحتضنوها بعدما أهملها أصحابها الذين
أوجدوها ثم تجاوزوها حيث يقول: (والعالم العربي المسكون بالفجيعة والتيه مغرم
بالطارئ وعاشق للرمم التي ينفيها أصحابها لقد رفض الغرب الحداثة ورفض البنيوية،
ونحن نمسح عنهما تراب الذل، وظهر في الغرب ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية وسيأتي
الزمان الذي نرفض فيه الحداثة والبنيوية ونتعلق بما بعدهما) ([29]). والحداثة
تقوم على ركائز غير سويّة فمن شطحاتها موت المؤلف أو كاتب النص الأدبي، وإزاء ذلك
فالمتأمل لهذا الكلام الذي يُطلق جزافاً يجد نفسه في حيرة بين مقولة (ديكارت)
الفيلسوف الفرنسي الذي يدلل على وجود الإنسان بالفكر في مقولته: أنا أفكر فأنا إذن
موجود وعكسها مقولة (فوكو) المنظّر الحداثي في مقولته بموت صاحب العطاء الأدبي،
فإذا كان (ديكارت) يثبت وجود الإنسان بسبب تفكيره، فإن ميشيل فوكو يميته بسبب فكره
الذي يقدمه لأمته، وعلى حد مقولتــه يصبح القراء بمثابــة مؤلفي النص الذي انتهى
صاحبه بمجرد كتابته، ولو أنه– واقعاً – لا يزال على قيد الحياة، وهي معادلة مقلوبة
لم تعمّر في الغرب طويلاً فهي أشبه بصرعة مسرح العبث التي انتشرت من قبل ولم تخلّف
لها أصداء فيما بعد.
ولأن بعضاً من شبابنا تستهويهم التبعية
إحساساً بمركب النقص أمام الثقافة الغربية،
وتغريهم تلك الثقافة بالمغامرة الفكرية فقد استجابوا لمثل هذه الصرعات
الوافدة على بيئتهم والمخالفة للمنطق السليم والفكر المستقيم. لقد تلقف هذه
النظرية رهط من المحسوبين على الفكر والثقافة في بلادنا، وأدخلوها ضمن قاموس
تعاملهم مع النصوص الأدبية، وتبنّوها في استسلام مهين للعقل، وهي لا تزيد عن
هلوسات أطلقها صاحبها في غيبة من وعيه، فصارت عند أصحابنا قضيّة مسلّمة لا تقبل الجدل،
ولا تخضع للمناقشة، ولقد كانت الحياة الغربية والأوربية بصورة خاصة تحكمها
اعتبارات تتميز بالرصانة وسيادة العقلانية ووضع أهمية للمسلك العام ومراعاة تلك
الاعتبارات ووضع الأمور في نصابها من خلال موازين دقيقة محكمة تراعي كل الأوضاع
وتحافظ على أصالة التقاليد، وفي طليعتها أهمية أوضاع الفكر والثقافة، فكانت الحياة
الأدبية منسجمة مع السلوكيات الاجتماعية المحافظة على التقاليد السائدة. بل لعلها
تحاول أن تروّض الوافدين إليها للتقيد بتلك السلوكيات المتفقة مع أعرافها التي
عايشتها عبر القرون، والتي كانت تتبناها فيما بعد كانت هذه الصورة سائدة خلال
الحقبة السالفة من هذا القرن، ثم تلتها الحقبة الحالية التي بدت خلالها موجات
التمرد على الأوضاع المستقرة فكرياً واجتماعياً، وانفتحت الأجواء العاصفة، تحمل في
طياتها شطحات صاخبة وانعطافات حادة في كيان المجتمع العالمي وفي رؤاه الفكرية
ونهجه المسلكي، ولعل الانفتاح الواسع على الغرب في عمومه كان له أثر مباشر في
اتساع المداخل عامة وانفساح مساحات الأبواب المشرعة لتهبّ عواصف التطور العنيف
فتقتلع دعائم الاستقرار وتجتثّ هيبة السلوكيات المتوارثة، فيحدث الانكسار في
الكيان الاجتماعي والشرخ في التوجه الثقافي، وتتشكل في حِسّ إنسان هذا العصر
مؤثّرات تهز كيانه فتتجسم سلبياته، وتجعله يعيش حياة قانطة يحيطه الإحباط من جانب،
وتكتنفه الكآبة من جانب آخر، وقد تمادت هذه الصرعات واتسعت مساحتها لتشمل كل أوجه
الحياة في السلوك والفن والفكر، وأصبحت المجتمعات التي كانت تتميّز بالهدوء
والرصانة في ظل التقلبات الجديدة موضع تحولات خطيرة تستبدّ بها التناقضات
والاضطرابات في جميع النواحي المعنوية والمادية، فلم يَعُدْ للفكر المستقر حصانة
تحميه من معاول الهزات العنيفة، وتقلبات التحول السريع التي تقوده نحو الفوضى، فقد
تحولت المفاهيم المعاصرة إلى صور عابثة تلتقي مع صرعات العنف والعبث والبوهيمية،
ونشأ في ظل هذا الانفلات ممارسات لم تكن معهودة من قبل سواءً على مستوى السلوك
الاجتماعي أم على مستوى التأثر الفكري والتأثير الثقافي، فقد انطلقت الخيالات
المنفلتة بلا ضوابط من أجل تحطيم القواعد التي كانت موضع اهتمام ومحل رعاية، وبدت
موجات صاخبة من النقد للقديم، لا لكونه غير صالح لمسايرة العصر، وإنما لمجرد أنه
قديم قد استقر في النفوس وأَلِفَتْه الفئات من الأجيال وامتزج بطباع أفراد
المجتمع، وذلك النقد ليس له هدف تقويمي محدد، وإنما يمثل ثورة تريد أن تعصف بالأسس
الثابتة، وما تمثله من قيم وما ترمز إليه من مُثل، ومردّ ذلك إلى الأفكار
المتناقضة والخيالات الجامحة التي حملتها الحداثة المعروفة التي عمقت مجالات
الصراع بين المدارس الفكرية المعاصرة، ووسعت مدارات الخلاف بين المثقفين خضوعاً
لأمشاج فكرية وأخلاط ثقافية مستوردة غير متجانسة ثقافياً ولا متناسقة فكرياً، وقد
ذكر د.وليد قصاب في مقال له نشرته المسلمون في عددها الصادر بتاريخ 28/11/1415هـ/28/4/1995م:(أن الحداثة ليست مذهباً في
الكتابة فحسب، ولكنها رؤية فكرية تعكس مع الكتابة المحررة سلوكاً يوائم هذه الرؤية).
ونقل ما تحدث عنه كمال أبو ديب في رؤيته الخاصة لهذا الجانب الفكري في قوله:
(الحداثة ليست انقطاعاً نسبياً فقط، بل هي أعنف شرخ يضرب الثقافة العربية في
تاريخها الطويل. ليس في هذه الثقافة في أي مرحلة من مراحلها ما يعادل هذا الانشراخ
المعرفي والروحي والشعوري الذي يكاد يكون انبتاتاً عن الجذور). وهي رؤية تكشف
حقيقة الحداثة والمروجين لها فهي تعمل على فصل التراث العريق، وقطع الجذور بالأدب
العربي عبر قرونه الطويلة وثوابته الأصيلة، وانقطاع الصلة بيننا وبين مواريثنا
الفكرية.
وقد كتب جهاد فاضل في زاويته الثابتة
بعنوان (نقطة على الحرف) بمجلة الحوادث في عددها الصادر بتاريخ 6/2/1412هـ/ 16/8/1991م عن مسار الحداثة وأنها
شعار طائفي في الباطن تقدمي في الظاهر، وتابع تحليله لها بوضوح تام على هذا النحو:
(الحقيقة أن المتابع لتاريخ التجديد الأدبي والفكري عند العرب في هذا القرن لن
يعثر على حركة تحديثية بالغة السوء كهذه الحركة الحداثوية التي اتخذت من بيروت
مركزاً، لها منتفعة بما كانت تقدمه العاصمة اللبنانية من حرية تعبير للجميع. لقد
كانت هذه الحركة عبارة عن (مليشيا) مبكرة سبقت المليشيات، ومهدت لها في آن،
فبالفكر الذي قدمته ومنذ وقت مبكر كانت نوعاً من بوصلة فكرية للذين بدأوا عمليات
الذبح على الهوية فيما بعد، فأصحابها هم الذين فرزوا التاريخ العربي الأدبي
والفكري: طائفياً ومذهبياً مانحين هذا الفريق صفة الحداثوي والآخر صفة الرجعي، ومن
يعود اليوم وبهدوء لتفحص آثارهم الفكرية يعثر على المحرك النظري الذي مهّد للحرب
اللبنانية، وساعد على تسعير الغرائز الدينية فيما بعد).
وكل نظرية جديدة يكون مصدرها الغرب تجد
القبول عند كثيرين من المفتونين بالحضارة الغربية ومنجزاتها، وهي عقدة قديمة في
تقليد المغلوب للغالب بحكم ما تركه الاستعمار القديم من ظلال على بعض النفوس التي
لا تزال ترى أنها في البلدان النامية لا تتساوى مع البلدان الراقية إلاّ إذا
قلّدتها في سلوكياتها وتابعتها في أفكارها وثقافتها، وفي ظل هذه النظرة بين مستوى
وآخر تكون نظرة هؤلاء لبلدانهم متدنية قياساً على نظرتهم للآخرين أصحاب الحضارة
الباذخة والإنجازات الضخمة التي شدّت إليها أنظار الكثيرين ممن بهرتهم تلك الأضواء
الحضارية، وتحت هذا الانبهار كان التعلق بكل وافد غربي حتى لو كان هذا الوافد
مخالفاً للسنن القائمة والعرف السائد، وبعض الأتباع لهذه العملية يركب الموجه عن
جهل بها من أجل أن يقال عنه أنه تقدمي، وبعض آخر يدرك مساوئ الحداثة لكنه بمفهوم
المخالفة يصرّ على تبنّيها حتى ينال الشهرة بها لكون أنها مجال للبروز ولو كان
فيها مخالفة لما تنطوي عليه جوانحه من عدم إيمان بها، لمخالفتها المفاهيم القائمة
في واقع الحياة والمستقرة في أذهان المجتمع، والذين ركضوا وراء الحداثة كان ركضهم
من أجل البروز في الساحة الأدبيـــة– على
قاعدة خالف تُعرف– ولو كان ذلك على حساب المفاهيم الصحيحة. على أنه مع
التسليم بوجود جنوح كثيرين من المنضوين تحت لواء هذه النظرية وانسياقهم في مدّها
الصاخب فإن أتباعها في بلادنا لايندفعون في تيارها على حساب الثوابت الدينية
والمسلمات اليقينية فلهم– كما هو المؤمل إن شاء الله– من عقيدتهم، وما نشأوا عليه
من تربية سلوكية ما يعصمهم من الانقياد لتلك النظرية والذوبان في وهجها، والتعليل
الذي يمكن اللجوء إليه لتبرير اندفاعهم نحوها تطلعهم لأن تلمع أسماؤهم في الأجواء
الأدبية، فكان انجذابهم إليها من حيث لم يحتسبوا، والعجب لا من انسياق بعض الشباب
عندنا نحو تلك الموجة العابثة، ولكن العجب من اندفاع بعض الكهول إليها ؛ لأنها
نظرية مستوردة، ولو كانت مستمدة من تراثنا الأصيل لأعرضوا عنها وتجاهلوها كما
فعلوا مع لغتهم وتراثهم حتى أصبحت الصلة مبتوتة بينهم وبين ماضيهم.
وهؤلاء الذين يتهافتون على النظريات
المستحدثة في الفكر والثقافة لا يمارسون التوجه نفسه فيما يتعلق بالمنجزات
الحضارية، فيقتصر التقليد على الشيء النافع لا على كل ما يصدر من غثاء، ولذا جاءت
نزوة تقليد الحداثة التي بشّر بها أدونيس في أرض العروبة وتابعه رهط ممن تخدعهم
النظريات الحديثة، ومن قبل كان للوجودية حضور في ساحة الأدب العربي، ثم انحسر
ظلالها وتقوّض بنيانها، ومجلة (شعر) التي احتضنت الحداثة كما احتضنت قصيدة النثر
مجلة أجنبية التمويل مشبوهة المنهج، وأدونيس المنظّر العربي للحداثة تحوم حوله
شكوك كثيرة لهدم اللغة العربية، ومحاربة التراث العربي، وهو الذي شجع على حشو
القصائد الحداثية بكلمات ساقطة، تستنكرها الأخلاق السوية، ويعافها الذوق السليم،
وقد تابعه في هذا المنحى الغريب كثير من شعراء هذه الموجة باستعمال كلمات رخيصة
مبتذلة إلى جانب تكريس الرموز الصليبية. كالصلب والفداء والخطيئة والاتكاء على
الأساطير الوثنية التي يستدعونها من أغوار الماضي السحيق.
وشعر الحداثة لا يرتبط بضابط فني ولا
توزيع إيقاعي، ولا اهتمام بالمعنى، أو احترام للقارئ، فهو كلام يستطيع أن يكتبه أي
فرد غير مثقف ولا شاعر أو أديب؛ لأنه عبارة عن كلمات مسطحة وعبارات ينقصها اللفظ
الجميل والمعنى المفيد، ولكنها بهذا الخروج على الأسلوب العربي وعلى النسق
المتعارف عليه تعد عندهم شعراً متميزاً، وهكذا امتزج الشعر بالنثر، وحملت الألفاظ
مفاهيم مغلوطة، وانحدرت المعاني إلى سفوح هابطـــة في الشكل والمضمون، وإذا وقف
ناقـــد صادق يبصّر هـــؤلاء المندفعين بلا روية عن مساوئ الحداثة ما أسرع ما
يتهمونه الاتهام التقليدي بأنه رجعي ومتخلف. ومعلوم أن للفنون الأدبية وسواها
ضوابط تسير عليها وقواعد تلتزم بها، فأين الضوابط المطبقة والقواعد المتّبعة في
القصيدة الحداثية؟ لا نرى سوى انفلات تام وإخلال بالأسلوب وتجديف في الموضوع، وإذا
كان أصحاب هذه البدعة يرون أنهم على صواب بهذا الطرح المبتسر الذي يجري على أيديهم
بما يحمله من تهافت وافتعال واضطراب وافتقار إلى الإبداع الصحيح، فما الفرق بين فرد
لا تعنيه الثقافة وليس له ارتباط بالأدب ومجرد من الموهبة، وهو مع كل ذلك يسوق هذا
العبث الذي يطلق عليه شعر الحداثة؟! وعلى
هذا الأساس فلم يَعُدْ فرق بين شاعر مثقف موهوب
ومتشاعر مفتقر إلى الصفات الحقيقية للشاعر أو الأديب ما دام الكلام يجيء على المنوال الذي يحدث في عالمنا العربي
من قبل تلاميذ الحداثة، ومعلوم أنه توجد ملامح عامة للشعر متفق عليها بين
المحافظين والمجددين المعتدلين تحدد معالم الشعر ومعالم النثر، كما تعارفت على ذلك
المجتمعات البشرية في آدابها العامة، فلا يُطلق على النثر اسم الشعر ولا يوصف
الشعر بأنه نثر، والخروج على هذا التعريف بين النثر والشعر يمثل خروجاً على الأدب
في مفهومه الخاص ومنحاه العام، وينطوي على تجاهل للعطاء الجيد، وذلك في حقيقته مسخ
للشعر والنثر.
في مجلة صباح الخير المصرية الصادرة
بتاريخ 22/3/1419هـ/ 16/7/1998م
وعلى مساحة خمس صفحات أجرت المجلة مقابلة صريحة مع الشاعر
أحمد عبدالمعطي حجازي ووصفته بأنه يفتح النار على الحداثيين، وكان العنوان البارز
لهذه المقابلة (شعراء الحداثة نصّابون). هذا الشاعر الذي التقيناه من قبل في قصيدة
النثر التي وصفها بالانحطاط اللغوي، نلتقيه فيما بعد مع الحداثة، وهو متّهم بها
فماذا يقول يبدأ بأدونيس، عرّاب الحداثة واستنكاره لإصدار مجلة (فصول) المصرية
لعدد خاص بأدونيس، ويعد ذلك: (دعاية لشاعر لا يزيد عن غيره نجح في تكوين عصابة
تهتف بقدراته الخارقة)، وجاء وصف ما كتبه أدونيس بالإفك الأدونيسي، وقد طرح عليه
محاوره– باسم المجلة– بلال فضل هذا السؤال: (عندما ترى أن الساحة الشعرية يتسيّدها
الزيف والغثاء، وترى انقطاع الشعر عن الناس. هل هذا ما كنتَ تسعى إليه أنت وزملاؤك
في صدامكم مع أنصار القديم، ألا تستطيع أن تقول: إن عباس العقاد كان على حق عندما
واجهك؟)، وقد أجاب في صراحة: (أستطيع أن أقول الآن: العقاد كان على حق في الخوف من
المآل الذي ستصل إليه القصيدة العربية إذا تهاونّا في جانب يمكن أن يُغري بالتهاون
حتى وصلنا إلى ما وصلنا الآن، ولكني أنا أيضاً كنت على حق؛ لأني كنت أدافع عن جوهر
الشعر، والعقاد كان يدافع عن شكل القصيدة، وله الحق؛ لأنه لا شعر بدون شكل).
وعندما طرح عليه محاوره. لكن الآن لم يبقَ لا الشكل ولا الجوهر؟ أجاب في أسى بأنّه
لم يبق: (فعلاً لا الشكل ولا الجوهر). وعلى سؤال: (الذين يسمون أنفسم بالحداثيين
يردّون على من يتهمهم بتكريس القطيعة بين الشعر والناس قائلين: إن الشـــعر فن
نخبوي، وليس للجماهــير؟)، أجاب: (هؤلاء نصّابون لا يخاطبون النخبة إلاّ إذا
اعتبروا أنفسهم النخبة. هؤلاء كذّابون)، ثم يؤكد اتهامه الصريح لهم ورؤيته
الحقيقية لما يمثلونه من منهجية زائفة بقوله: (هؤلاء النصّابون الذين لا يقرأون
شيئـــاً، ولا يقرأ لهم أحـــد شيـــئاً، وربما قرأ بعضــــهم لبعض فقــــط، وهم
لا يتوافرون على قراءة كتاب. يتحدثون عن شعر المتنبي دون أن يقرأوا له ثلاثة
أبيات، وهم ينفون شاعرية شوقي). وهكذا تبدّت لنا الحداثة في صورتها المجردة من
أصباغ الزيف وبهرجة ألوان الخداع.
والنظرة
الواقعية إلى الحداثة تعكس مفهوم هيكلها من الداخل، فلا نجد مقومات لنظرية يطول
بها البقاء في ساحة الأدب، والذين انقادوا لموجتها الصاخبة، وأتعبهم المسير في
ظلها، وأرهقهم الركض في طرقاتها المتعرجة وأنفاقها المعتمة حاولوا التخلّص من
تبعاتها الثقيلة بالتعلق بنظرية جديدة أطلقوا عليها (ما بعد الحداثة)، وهي
كسابقتها مجرّد هيكل لا تحوي داخلها فكرة مفهومة، وليس لها دعائم تسندها في البقاء
في عصر صراع النظريات، وسينتاب أصحابها الملل بعد حين فيعملون على استبدالها
بتجربة ثالثة أو رابعة تحمل اسم ما بعد البَعْد، وهكذا يدور معتنقوها في هذا
الحيّز المتاح لهم من التحوّل من فكرة إلى أخرى ومن نهج إلى سواه من الفكر الباهت
والضمور الثقافي. كما يدور صاحب الساقية وهو لا يدرك ما حوله سوى أنه يدور، كما
يريد له موجّهه أن يـــــدور، وتمضي المتابعــــة تتدحرج من تجربة إلى أخرى حتى لا
يبقى ضابـــط للفــكر ولاحصانة للثقافة، وتكون السيادة للفوضى والتخبط الذي يقود
أصحابه إلى فراغ ينتهي بهم إلى ضياع، وخطورة هذه النظريات التي تصدر عن فراغ ذهني
وترف حضاري أنها توظّف في مادتها الأساطير والمعتقدات التي كانت سائدة في مجاهل
التاريخ الوثني، كما في العقائد الدينية اليونانية والطقوس الآشورية والفينيقية
والموروثات المشابهة لها لدى أمم بائدة وديانات طمرتها الأحداث وتخطاها الزمان،
ولكنّ مثل نظرية الحداثة وما بعدها تستدعي تلك الرموز الوثنية وتنبشها من مقابرها
لتقيم عليها هيكلها المتداعي، وبذلك انحرفت الحداثة إلى توجهات خاطئة ومزالق
مدمّرة، والعجب أن أتباعها من المسلمين أو المنتمين إلى الإسلام لم يستلهموا
التاريخ الإسلامي ورموزه المضيئة، كما استلهموا التاريخ الوثني ورموزه الغابرة،
وإذا كان في نظرهم أن استلهام العصر الإسلامي رجعية؛ لأنه عصر قديم فهل الاحتفاء بالعصور
الوثنية وهي موغلة في القدم يعد تقدمية؟! وإذا نظرنا إلى بعض الحداثيين الذين
حاولوا استدعاء بعض المظاهر الإسلامية في بعض الشخصيات أو الحركات نجد تركيز
الاهتمام إما في شخصية لا تمثل الإسلام، أو في حركات هدامة كارهة للمسلمين. ولن
يسود الفكر الحر وتمتد الثقافة الأصيلة إلاّ عندما ينتهي هذا الانفلات، وتتلاشى
هذه الصرعات، وتنطوي صفحة هذا العبث، وبذلك تعود للفن الأدبي نضارته وبهاؤه، ويعود
التائهون إلى قواعدهم الثابتة، ومنطلقاتهم الواضحة، وتعود لهذا الجيل الواعد نظرته
إلى الحياة من خلال رؤية صادقة، وفي إطار شعار يحمل معنى الجديّة في عالمنا
المعاصر. بحيث ترتسم خُطاه في دروب المجد بأصالته وابتكاره لا بتقليد الحركات
الطائشة والتجارب العابثة والصرعات الوافدة.
تحت
عنوان: (الخداع الثقافي لما بعد الحداثة) كتب فوزي كريم مقالة مطولة في الشرق
الأوسط بالعدد 7215 بتاريخ 8/5/1419هـ–30/8/1998م استعرض فيها حقيقة الحداثة وما
بعدها في تحليل علمي واقعي جاء على هذا النحو: (كانت هذه الظاهرة موجة وفدت باسم
الحداثة، ولأي مطّلع على المادة الشعرية والنقدية والفكرية عامة في الثقافات
الأجنبية الفرنسية والإنكليزية– الأميركية خاصة– يلمس بأن هذه الموجة الغربية لا
صلة لها بالحداثة قدر صلتها بما بعد الحداثة، وبأن هذا الاحتيال الظاهر في التعامل
مع اللغة الشعرية واللغة النقدية والفكرية، وهذا التوليد الخادع للصياغات
والمصطلحات والتيارات ليس إلاّ صدى بائساً ومحزناً في آن لذلك الاحتيال والخداع الذي
يتم في موطن الحداثة وما بعدها). ويتحدث بعد ذلك عن اختراق هذه الموجة لثقافتنا
العربية وافتتان أصحاب الثقافات السطحية ببريق أي نظرية وافدة من الغرب والعمل على
تبنيها واللهاث وراءها، وهم يتلقونها من مصادر غير مأمونة وعبر ترجمات غير أمينة،
وفي هذا الصدد يقول: (لم تنفرد موجة الحداثة المترجمة المرتبكة برأس وروح المثقف
العربي الجديد، فقد كان هناك داخل ثقافة الغرب المتفجرة ما يشي باندلاع موجة
متطرفة داخل هذه الحداثة تنصرف أول ما تنصرف إلى اللغة فتلغي قواها الرمزية وتتشكك
بإمكانات الدلالة فيها. تأخذ بالسطح وتتعامل معه لذاته وتحفر هوّة بين هذه اللغة
والكائن الإنساني، ولكنّ المرير أن هذه الموجة ابنة الترف المادي والفكري فوجئتْ
بنفسها وقد انتسبت عن غير إرادة منها لقارة ثالثة مهلهلة الثياب هزيلة الجسد هي
قارة الثقافة العربية التي لا حول لها ولا قوة). ويتابع تحليله لهذه الموجة التي
تحولت إلى ظاهرة أو ما يشبه الظاهرة التي تبناها أفراد ينتسبون إلى الثقافة
العربية، وهم يحملون أفكاراً مشوشة ومبادئ مشبوهة، وينتمون إلى نحل متعددة فعملوا
على ترويجها لا سيما بين الشباب الذين يبهرهم كل جديد، واستطاعوا اختراق صفوف
الجيل الحديث ليفصلوا بين حاضره وماضيه، ويحيطوه بطلاسم البدعة الحديثة التي ستحل
محل ثقافته الأصيلة ومواريثه الثابتة، ولمزيد من إيضاح الفكرة كما يتصورها، وكما
هي في واقعها يشير إلى أنه سبق أن كتب على حدّ قوله: (مقالة في السياق الشعري
السائد أردتُها إلى جانب حرارة صراحة الاحتجاج فيها محاولة للكشف عن عورة مستورة
لظاهرة الاحتيال الحداثي، أو (لما بعد الحداثي) في لغة الشعر ولغة النقد التي
التبست علي وعلى الجميع. وهدفنا إثارة الانتباه إلى مظهر غير معروف نسبياً يتمثل
في هذه الإساءة المتكررة للمفاهيم والمصطلحات التي تنتسب في الأصل إلى علوم
الفيزياء والرياضيات... والمعرفة العميقة تتطلب جهداً لمزيد من التبسيط. على العكس
من افتعال المعرفة الذي يتطلب مزيداً من الأقنعة والصياغات التي تُقاتِل من أجل
بقائها داخل شبكة الالتباس والتعقيد والإغلاق، وهي بالتأكيد صياغات فارغة من
المعنى). ويُنهي مقالته بهذه الخاتمة التي توجز الرؤية الواقعية لموجة الحداثة،
فيقول: (على أنني– منتفعاً من صوت (ألان سوكال) المحتج القادم من حاضرة ما بعد
الحداثة–: أعيد وأكرر صرخة الاتهام بأن كل ما قرأتُه من نصوص الطليعيين المغلقة
وما أقرؤه اليوم وفي المستقبل شعراً أو نقداً أو فكراً، ما هو إلا حذلقة تُخفي
وراء قواها العضلية فراغاً ولا معنى). والفكر المتفتح هو الفكر المتجدد الذي لا
يُطل من فوق أسوار شامخة من الاستعلاء، أو يتوارى خلف رموز معتمة من الغموض،
والشباب الذي اندفعوا نحو الحداثة وما بعدها بلا روية ولاتفكير ولا إدراك لما
تنطوي عليه من مخالفة للنهج السليم سيدركهم الليل وهم نائمون على أوهام هذه
الموجة، وعندما تشرق عليهم شمس الحقيقة سيجدون أنفسهم حيارى بين مذاهب أدبية
وفلسفية متعددة ومتنافرة لا يدرون إلى أيها ينتمون ! وهي مذاهب بدأت ظلالها في الانحسار وسيقصيها مدّ الصحوة الفكرية.
ذلك أن الممارسات الخاطئة تسبقها أو تمهد لها أفكار خاطئة، والخطأ يتولّد عنه خطأ
مماثل فتتراكم الأخطاء، ومن هنا تأتي خطورة الشحن الذاتي بالوسائل الحداثية التي
انتهى أثرها أو كاد من ساحة الأدب العربي الأصيل.
صورة عن الأدب في حياتنا:
الأدب
في مفهومه العام ليس له تعريف محدد يحكمه؛ لأنه مرتبط في مصدره بالفكر الواعي،
ومتصل في عطائه بالحس المرهف، فهو في جوهره عمل فكري وأداء وجداني يعتمد على
الموهبة من جانب وعلى الثقافة من جانب آخر، وكما أن الموهبة وحدها دون صقل وإعداد
لا تكفي لأن تجعل الفرد أديباً إذا لم تساندها ثقافة عامة، واطلاع واسع على أبواب
المعرفة من جميع جوانبها وبكل أبعادها، فكذلك الثقافة وحدها مهما اتسعت قاعدتها
وتعددت مصادرها لا تمنح الفرد صفة الأدب إذا لم يكن يتمتع بموهبة أدبية، وعلى هذا
الأساس يبدو لنا أن الموهبة والثقافة
وجهان لعُملة واحدة أو قاعدتان لعملية موحّدة، فهما متلازمتان تلازماً حتمياً
لتكوين الأديب، واجتماعهما حتمي كذلك لتحقيق صفة الأدب، ولعله من المناسب هنا أن
أستدعي بعض عبارات كنت كتبتها في هذا المضمون جرى نشرها تحت عنوان: (صورتنا
الأدبية وكيف تكون؟) في صحيفة الرياض بالعدد 8342 وتاريخ 13/10/1411هـ، ومجال
الاستشهاد ما جاء على هذا المنوال: (فالأدب هو النبض الوجداني للحياة وللأحياء،
وهو الترجمة الشعورية للحس الإنســـاني على مختلف صوره وتشكل ألوانـــه، ومصـــدره
الوجدان المتألق، ومنبعه الإحساس العميق، وروافده الثقافة العامة بجميع قنواتها وفي
كل انطلاقاتها، وهو بعد ذلك أو قبله ترجمة أمينة للمشاعر الصادقة والأحاسيس الحيّة. كما أنه تعبير بأسلوب رفيع
المستوى عن حالات ينفعل بها الوجدان، أو تصوير لوقائع يتفاعل معها، وقد يختلف
النهج الأدبي، وتختلف طرق التعبير، ويكون هناك تغاير في المنحى الفكري. لكنها كلها
تصبّ في ملتقى واحد، هو التعبير الوجداني عن النوازع النفسية بأساليب متعددة،
والأدب –في عمومه– يهدف إلى تثبيت القيم الفكرية وتأصيلها في النفوس، أو هذا هو
المفترض في رسالة الأدب؛ لأنه ارتقاء فكري من طبيعته السمو بالإنسان في مدارج
الحياة). والأدب في ذاته يمثل تجربة شعورية حيّة، وينطلق من أحاسيس إنسانية صادقة
ولغة سليمة، فينفعل الأديب بتلك التجربة ويتعمق تلك الأحاسيس فيصورها في مقالة أو
يجسدها في قصيدة أو يرسمها في لوحة، وذلك بحسب استعــداده الفطري وموهبتــه
الأدبية أو الفنية ومدى انفساح رؤيته أو انحسارها. مما يترتب عليه قيمة العطاء
وأهمية الإنتاج، فهو يرتقي بأدبه أو شاعريته أو فنه بالذوق الجماعي من خلال
الأسلوب الأدبي أو الصياغة الفنية، والتأثير يأتي نتيجة للأثر الذي يتوسل به
الكاتب أو الشاعر أو الفنان نحو غايته، أو يتوصل منه إلى هدفه، فيستطيع من خلاله
تجسيد فكرته والتعبير عن مشاعره، فالفن الأدبي أرقى الفنون الإنسانية وأبرز أنواع
السلـــوك الاجتمــاعي، فهو الفن الذي يتجــاوب مع المآسي، ويتفاعل مع الأحداث،
ويترجم العواطف، ويرتفع بمكانة الإنسان في المجتمع، ويرتقي به في مدارج الفكر،
والأدب في مضمونه– نثراً أو شعراً– يصدر عن انفعال بحدث منظور أو التأثر بموقف
معيّن أو استجابة لإحساس داخلي، وعلى هذا النسق يجري تصوير الخلجات الإنسانية،
ورصد الانفعالات الذاتية في عمل أدبي أو فني يكون له حضور ملموس ووقع مميّز على أي
لون من ألوان عطاء الأديب ولغته وتجربته، ومعلوم أن لكل عصر أسلوبه واتجاهـه في
هذا الميــدان، وفي هذا الصدد نقرأ جانباً من هذا التوجه– ولا سيما ما يتصل
باللغة– أشار إليه الدكتور عز الدين إسماعيل قائلاً: (إن لكل عصر همومه ومشاكله
وقضاياه، والإنسان مطالب في كل عصر بأن يُواجه الحياة بما يلائمها من سلوك، ومن
خلال هذه المواجهة تترسب قيم العصر وتتبلور مُثُلــه، واللغة– بوصفها ترجماناً لكل
فعل أو المقابل اللفظي لكل موقف– إنما تتكيف بحكم ما في طبيعتها من طواعية ومرونة
وفقاً لكل فعل ولكل موقف، فإذا هي تتحمل الجديد من الشحنات التعبيرية كلما تجددت
الأفعال والمواقف، ومن ثمّ تظل اللغة دائماً أوضح وأقوى وأول ظاهـــرة، تتجمع فيها
كل سمات الوجـــه الحضاري الذي تعيشـه الأمة، وليس مبالغة أن يقال: إذا أردت
التعرف على الإطار الحضاري لشعب من الشعوب في زمن من الأزمان فادرس لغته. وارتباط
الأديب بقضايا عصره على اختلاف أنواعها، وبمشكلات
الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه– مهما يكن لها من طابع محلي– ليس شيئاً
غريباً على طبيعة الأديب، فنحن نفترض في الأديب المعاصر حصيلة وافرة من الثقافة
والخبرة فضلاً عن حس مرهف وإدراك سليم) ([30]) .
والأديب
الموهوب هو الذي يصنع الأسلوب الذي تمثله لغته الأدبية، فيتحول النص الأدبي الذي
يبدعه إلى لغة قائمة بذاتها شامخة بمعانيها، فهو بموهبته يبعث الروح في النص
المكتوب حتى تصبح اللغة العادية كأنها لغة وليدة، وكأنه بذلك صنع لغة جديدة من لغة
قديمة. واللغة هي وعاء الفكر ومادة الثقافة، ولا يكفي أنها تتشكل من مجموعة أحرف
تكوّن فيما بينها عبارات تؤدي المعنى المراد أو الفائدة المطلوبة، وإنما أهم من
ذلك أن هذا التكوين الجديد لتلك العبارات يمثل روحاً تتجسد في ألفاظها المعاني
الزاخرة بالحيوية الغنية بالعطاء. فهي الزاد الثقافي الذي يرتقي بالإنسان إلى
مدارج السمو النفسي والأداء المعرفي، وتضفي عليه صفة العالِم أو المفكر أو المثقف
أو أي فن من فنون القول الذي يندرج تحت اسم الأدب في شموله ومضامينه: (ومن النظرة
الشاملة للأدب بصورة عامة يتسنى تحديد بعض الزوايا التي تنصبُّ فيها الرؤية
العميقة، وتصدر عنها المفاهيم المحددة، وقد يصعب وضع إطار واحد لكل القضايا
الأدبية، لكنه لا يصعب تحديد المفهوم العام لماهيّة الأدب، وتحديد الرؤية يأتي من
عدة زوايا ومنطلقات، بعضها يتصل بحقائق القيم الكــبرى، وبعضها ملــتزم لكنه
الــتزام مشبع بأيديولوجيــة معيّنة لايلتقي مع القيم الدينية ولا يتقيد بها، وكل
اتجاه من هذه الاتجاهات مقيّد بمنهج من صنع الأشخاص الذين يتقيدون بلون منهجي من
هذه المناهج الأدبية، وعلى امتداد النظرة التأملية نجد بعض الأسئلة تطرح نفسها على
وعي الإنسان تدعوه إلى الإجابة عنها، وهي أسئلة قد تتشكل في وعيه أو ترتسم في
ذهنه، ومقتضى هذا توحيد قنوات الاتصال، وتعزيز الثقافة بالثوابت التي تُبنى عليها
أهداف وترسم لها مخططات)
([31]) .
والكتاب
هو أهم القنوات المفيدة التي تحفظ كيان اللغة، وأقدم وسائلها التي تحملها إلى
القراء منذ أن عُرف الكتاب حتى هذه الحقبة الزمنية التي نحياها والتي تواجهنا فيها
مجموعات صاخبة من القنوات الفضائية تزاحم الكتاب وتعطّل فاعليته أو تكاد، في
محاولة لأن تُفقده مكانته التي ظلّ محافظاً عليها عَبْر القرون الطويلة، وذلك أنه
منذ أن عُرفت الكتابة وجرى التدوين ومنذ
عهد النساخ والوراقين، والكتاب وسيلة المعرفة وأفضل رفيق، حتى بدأ الصراع بينه
وبين القنوات الطارئة على مسيرة الثقافة ومسار الفكر. لكن لا يزال للكتاب مكانته
في النفوس؛ لأنه أداة حضارية من أدوات الفكر الراقي لا يمكن الاستغناء عنه مهما
حاولت مزاحمته قنوات كثيرة تملك إمكانات قوية ومساحة واسعة للتأثير على الفرد
وجذبه إليها بوسائل إغراء لا يملكها الكتاب إلاّ أنه مع ذلك تبقى له خصوصيته
الفكرية التي تتطلب من كل صاحب وعي أن يبحث عنه، وأن يحرص على اقتنائه والإفادة
منه والتأثر بمضمونه، فهو الأداة الموصلة إلى الفكر والمادة المجسدة للثقافة. والمدّ
الحضاري مهما قوي تيّاره لا يستطيع أن يوقف أثر الكتاب، ولا أن يقضي على تأثيره،
ففي ظل الحضارة القائمة استطاع الكتاب أن يحتفظ بمكانته، وأن يتخطى صعوبات كثيرة
ليستفيد من التقنية الحضارية في الطباعة والإصدارات والمعارض والتسويق عبر
المكتبات وغيرها من الوسائل الأخرى التي تستعين بأجهزة الحاسب الآلي (الكمبيوتر)
وإيصاله إلى أيدي أكبر عدد ممكن من القراء على امتداد المساحات الواسعة والمسافات
المتباعدة، وهي نقلة مهمة للكتاب في عصر كاد يفقد أهميته فيه، أو فقد جانباً
كبيراً من تلك الأهمية.
وقد
اشتهر هذا العصر الذي نعيشه ونعايش منجزاته بأنه عصر الحضارة الباذخة التي تجاوزت
في إنجازاتها وتقدمها كل الحضارات السابقة لها؛ وذلك لأن طبيعة هذا العصر الاهتمام
بالمعلومات التي هي أساس في بناء الحضارة والركائز التي تقوم عليها، وأي حضارة لا
تقوم على فراغ ولا تنطلق من خيال، وإنما تعتمد على العلوم وتقوم بالمعرفة، ولذا
كان اهتمام البلدان المتقدمة بالكتاب الذي يمثل أهم الوسائل التي تعمل على تفتّح
الفكر واستيعاب الثقافة، ومن أجل ذلك فإنها تهتم بإصداره وتوسيع آفاق نشره،
ولتحقيق هذه الغاية الثقافية والعلمية والفكرية كان انتشار المكتبات، وإقامة معارض دوريــــة للكتـــاب– وقد
أسهمت بلادنا في هـــذا المجال– بقصد إشاعة المعرفة، وتكثيف المعلومة، ولا
يزال للكتاب أثره على الرغم من المنافسات الشديدة والمزاحمات الضخمة من أجهزة
الإعلام الأخرى التي تنافسه وتستقطب جمهوره، فهو لا يزال يعمل على تقديم معلومات
محددة في مجالها مختصة في موضوعها، والمعلومة في هذا العصر المتحضر لها أثر مهم في
تقدم المجتمع والرقي بالبلاد، وهي وسيلة ثقافية فكرية لها امتداد كبير في مساحة
الرأي العالمي، ومنها تمتد جسور التواصل بين العالم بما توافره التقنيات الحديثة
والاتصالات السريعة من تبادل المعلومات والاطلاع على كثير من المنجزات. وعندما
نلتفت إلى الإصدارات الكثيرة في هذه البلاد نجد أعداداً كبيرة من الصحف والمجلات
والنشرات والدوريات والمؤلفات تمثل رقماً كبيراً وحجماً ملائماً بالنسبة لنهضتنا
العلمية والأدبية، ولعل طرح عناوين الموضوعات يعطي تصوراً عن هذه النهضة كما يتمثل
ذلك في العناوين الآتية: تفسير– حديث– شريعة– فقه– أدب عام– دواوين شعرية– لغة–
نحو– بلاغة– سير وتراجم– تاريخ– معاجم جغرافية– تربية وتعليم– ثقافة عامة– نقد
أدبي– علم النفس– علوم تقنية– القصة– الرواية– رحلات– إدارة عامة– مكتبات– تخصصات
أخرى.
ومواطن
هذه البلاد له اهتمامات كثيرة بحسب طبيعة الحياة وتنوعها، وقد كان الإقبال على
التعليم ومناهجه المتعددة وتخصصاته الكثيرة إرهاصاً لتشكيل ثقافة عامة تختلف في
تكوينها وتنوّعها بحسب منازع الأفراد واتجاهاتهم، فكانت النهضة الحاضرة تمثل
هــــذا التنويــع الـــذي تحفل بـــه في جوانب من معطياتهـــا الكثـــيرة
وألـــوان نشاطها وفعاليتها، ومن النتائج التي تحققت عَبْر مسيرة هذه النهضة
الشاملة الارتقاء بمستوى الثقافة والاهتمام بأصالة الفكر وجدّية العطاء الأدبي.
وفي هذا الجيل الذي استكملت فيه النهضة الأدبية في بلادنا مقوماتها كان عطاء شعراء
كثيرين صدرت لهم دواوين شعريــة، وإنتاج أدباء متميزيـــن صدرت لهم مؤلفـــات
كثيرة في فنون مختلفة إلى جانب ما نشر وينشر في الصحف والملاحق الأدبية والمجلات
في الداخل والخارج من مواد أدبية لمجموعة من الكتّاب على اختلاف استعداداتهم وتنوع
تخصصاتهم، وكان للقصة القصيرة والطويلـــة إلى جانب الرواية أثر آخر في
الإصـــدارات التي جرت في الساحة الأدبية، كما حظي التراث وتحقيقه باهتمام كبير،
وكذلك صدرت موسوعات في الجغرافيا والتاريخ ومعاجم بلدانية وأنواع شتى من الأصناف العلمية
والثقافية المتعددة الألوان، والأدب بجميع أجناسه وتنوع توجهاته يمثل صورة صادقة
لفكر الأمة وثقافتها بين الأمم المتقدمة. ولقد كان التقدم في البلاد يسابق الزمن،
فالخطوات التي تمت عندنا والتطلع لإثبات الذات بين مثقفينا دفعهم إلى الاغتراف من
معين المعرفة والإقبال على مناهل الثقافة والاطلاع الواسع على كل ما تنتجه المطابع
من المعارف والعلوم والآداب على مختلف مساراتها وتعدد أنواعها، وكانت نتيجة ذلك
التوجه الجاد والإصرار على تنمية مداركهم الثقافية والفكرية أن تولّد في نفوسهم
إحساس صادق بأهمية إثبات وجودهم في ميدان الأدب على صعيد العالم العربي، وقد عمّق
هذا الإحساس في نفوسهم المزيد من بذل الجهد والتطلع نحو الآفاق الفسيحة في دنيا
الثقافة والفكر.
وكان
الاستقرار الذي ساد البلاد يمثّل دعامة تثبيت للحركة الفكرية والثقافية التي عمت
ربوع البلاد بجميع مناطقها التي اتحدت تحت مظلة الحكم السعودي، وتكوّن بها مناخ
فكري موَحّد كان بذاته عاملاً فاعلاً في كيان
الأدب وتماسك بنيانه وتوحيد نهجه في ظل الوحدة التي تمت، فجمعت الأقاليم
المتفرقة في كيان واحد، وربطت أفراد المجتمع برابطة واحدة، فكان الأدب السعودي
الذي ازدهر في ظلال هذه الوحدة. وفي إطار هذا المضمون كتب الدكتور منصور الحازمي
في (الأربعاء) ملحق صحيفة المدينة في العدد الصادر بتاريخ 12/7/1418هـ تحت عنوان
(دلالات الإقليم والوطن في دراساتنا الأدبية). استعرض في هذا المقال أجواء الحركة
الفكرية والثقافية منذ بداياتها في العهد الحالي محدداً مصطلح الأدب السعودي في
ضوء التصور التالي (مصطلح الأدب السعودي أو الأدب في المملكة العربيـــة السعودية
لم يظهر في صحفنا ومؤلفاتنا إلاّ بعد إطلاق الاسم الجديد: (المملكة العربية
السعودية) على جميع المناطق التي وحّدها الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في دولة
واحدة عام 1351هـ الموافق 1932م). ثم يضيف الدكتور الحازمي بعد ذلك تعليلاً
مقبولاً يتمثل في أنه: (من الطبيعي أن ينتسب الأدب إلى الإقليم– المنطقة– لا إلى
الوطن– الدولة– قبل إعلان اسم الدولة الجديدة ويبدو ذلك واضحاً في أسماء الكتب
والمقالات التي ظهرت في إقليم الحجاز قبل سنة 1351هـ الموافق 1932م). وهذا القول
يمثل تعليلاً جيداً يأخذ أبعاده المعنوية من وضع الحكم الذي كان قائماً فيما سبق
قبل وضع الحكم الذي أصبح سائداً فيما بعد، فمن قَبل كانت النظرة التجزئية التي
جعلت كل عنوان ينتسب إلى إقليم، وبعد التوحيد انتظمت الوحدة جميع الأجزاء التي
كانت متفرقة من قبل، لتتحد تحت اسم واحد، وتنطلق عناوينها بعد ذلك تبعاً لهذا
الاسم الذي يضم الجزء ويشمل الكل، فصار الأدب في المناطق جميعها يُعرف بالأدب
السعودي، كما ينسحب التعريف على مفهوم الأدباء في هذه البلاد بصفـــة عامـــة بالأدباء
السعوديــــين بدلاً من تعريفهــم بأقاليمهم، وفي ذلك ما يحول دون استشراء النزعة
الإقليمية الضيّقة إلى جانب تضييق الفوارق بين المواطنين، فجميع أفراد هذا الشعب
سواسية في المواطنة الموحدة والمصير الواحد، وعلى هذا الأساس فقد ذابت التسميات
المرتبطة بالمناطق، وانصهرت كلها في الوحدة الكبرى لهذا الوطن الكبير.
خاتمــــة :
إن
ثروة الأمة المعنوية تتجسد في قيمتها الفكرية وأهميتها الثقافية التي تمثل مصـدر
تفوقها وبروزها في زمن لا يعترف بالعاجزين ولا يلتفت إلى المحبَطين، الذين لم
توقظهم من غفلتهم أحداث العصـــر بتياراتـــه الصاخبة ومعطياتــه الضخمة وأدواته
المتقدمة، وما أنجزته الحضارة من وسائل الرفاه، وما أعدته من أدوات التدمير مما
يسعد البشرية أو يشقيها. وفي ظل هذا المنظور ينبغي أن يكون لكل أمة تتطلع إلى
المجد مشاركة فاعلة بإسهامها التقدمي، وحضور ملموس بوعيها المعرفي وتقدمها العلمي،
وواجب أمتنا في هذا العصر الاهتمام بما يحيطها من تطورات، وما يهددها من أخطار،
فتعمل على التعبئة الميدانية لا بسلاح الحرب ولكن بسلاح الفكر، وأن تنفعل بالأحداث
من حولها والمتغيرات المتجددة في الساحة، ومن طبيعة التفاعل مع الوقائع والأحداث أن
يؤدي ذلك إلى الاهتمام بها والإفادة منها، ومقتضى الاهتمام بها يعني تحويلها
بالوسائل التي تمتلكها الأمة إلى مصلحتها، وهي لا تمتلك هذه الوسائل إلاّ متى
امتلكت مقوماتها المتمثلة في العلم والثقافة، وهما يمثلان أداة التواصل بين البشر،
كما أنهما أساس لدعائم جميع الحضارات
الإنسانية، والثقافة في سماتها الإبداعية وخصائصها الفنية وتجاربها الشعورية
مرتبطة بالفكر، كما هي كذلك مرتبطة بالنظريات الإبداعية في الأدب، والتقدم الحضاري
بفعل الانفتاح الواسع على الثقافات الأجنبية والاتصال المباشر بالدراسات الحديثة،
وبذلك شكلت لوناً مميزاً في المسيرة الفكرية للأمة وفي توجهاتها، والتجربة الذاتية
لأي أُمة تأخذ بيد الواقع المؤطر بسياج الحضارة القائمة والثقافة السائدة، وتستطيع
بذلك أن تضع نفسها بين الأمم المتقدمة متى استطاعت تحديد معالم سيرها وطريقة بناء
مستقبلها في عصر التقنيات والفضائيات وصراع الأفكار واحتدام النظريات وشمول
الثقافات وتطور الآلة الذي ينافس تطور إنسان العصر.
وفي
مقابل تلك التحديات الشرسة التي تغزونا من كل جانب، وتكاد تسدّ في وجوهنا جميع
المنافذ علينا أن نعمل على هز النفوس المتراخية في مجتمعنا، وتحريك الجمود الفكري،
والركود الثقافي بين صفوفنا، ومواجهة تلك التحديات بمثل الوسائل التي تفوّق بها
علينا الغرب، والوسائل التي نحدوها في مسيرتنا تتجسد في تنمية مدارك الفكر وتوسيع
قاعدة الثقافة إلى جانب ما نعتز به من حصانة إيمانية تتمثل في ثوابتنا العَقَدية
ومواريثنا الإسلامية التي هي سياجنا أمام التيارات العاتية في خضمّ هذا العالم
الذي يموج بألوان عديدة من مظاهر الحضارة، وتقنيات متقدمة من وسائل النشر
والإعلام، وقنوات فضائية فرضت هيمنتها على قطاع كبير من شباب الأمة وأجيالها
المرتقبة، وأهم ما في ذلك أنها مع مرور الزمن وتطور التقنية سوف يكون بمقدورها بسط
نفوذها الفكري والثقافي على مساحة كبيرة من قطاعات المجتمع حيث يظل الأفراد يتلقون
منها التوجيه ويصدرون عنها في السلوك. ولن يتسنّى لنا الخروج من هذا المأزق
الفضائي إلاّ بما نحشده في أذهان شبابنا من معرفة وما يضيء وجداننا من وعي. حتى
لاتكون أجيالنا الواعدة ضحايا هذا المدّ الحضاري الكاسح، وحتى يكون لنا– بما نرصده
من توجس وما نعدّه من ثقافة– مناعة ضد الأفكار الشاطحة والثقافات المنحرفة، إلى
جانب الإعداد لتهيئة مناخ فكري يقابل عنفوان التحدّي المعاصر، وإعداد جيل مهيأ
لمواجهة التحديات الآنيّة والمستقبلية على أساس متين تقوده ثقافة واعية تحقق نجاحه
في المواجهة على نطاق واسع وفي مجالات شتى، فعصرنا يستثمر العلوم التجريبية في
وسائل التقدم والازدهار الحضاري، وعلينا أن نبني أنفسنا على المنوال نفسه، فنحن في
زمن يندحر فيه الجهل والتخلف، وتعلو فيه راية الفكر والثقافة، والبضاعة الرائجة
فيه بضاعة العلم والمعرفة، والأمة التي تنشد الصمود لتزاحم الأمم المتقدمة في
اعتلاء القمم هي التي تضع نفسها في حالة استنفار دائم في مواجهة المستجدات الكثيرة
في زماننا هذا، وتعمل على استثمار العلم والإفادة من المعرفة لتحقيق المقومات التي
تجعلها تستطيع أن تجاري تطورات العصر وتواكب تقدمه، وتحفظ توازنها في منحنيات
المسيرة العصرية، وعلى هذا المسار يمكنها أن تؤدي أثرها بعيداً عن عقدة العجز
والتخلف.
والأمم
المعاصرة تتعايش في جيلنا الحالي وفق نمط جديد من المعايشة تساير طبيعة العصر
وتتكيّف مع أوضاعه على نسق تجاوزت به ما كان مألوفاً بين الأمم السابقة في أجيال
سالفة، ومردّ هذا التحول يعود إلى تقدم العلوم التقنية (التكنولوجيا) إلى جانب
تطور الوعي الفكري، وامتداد ساحة الثقافة العامة التي أصبحت في متناول الجميع، مع
تعدد مصادرها، واتساع أبعادها، وتنوّع موضوعاتها، واختلاف توجهاتها، فقد عشنا في
عصر يفتـح ذراعيـه لاستقبال الابتكـارات الحديثـة ويعمل على تشجيـع المخترعـات
الكثــيرة، ويدفــع الطامحين لمواكبة إيقاعــه الزمني السريع، وتطــوره التقني
المذهل نحو العطاء والإنتاج. وينبغي أن تكون الحركة الفكرية والثقافية في بلادنا
بحجم طموحاتنا وفي حجم التحديات التي تواجهنا، فلم يَعُدْ العصر كما كان من قبل
ساحة تسودها السكينة وتظلّها الوداعة، فقد انطلق المارد العملاق ممثلاً في هذا
التطور العظيم الذي تجاوز كل المقاييس وتخطّى كل التوقعات وحقق منجزات لم تكن تخطر
في الأذهان ولا كانت تدور في مخيّلة أبناء هذا العصر
الذين يشاهدون أنواعاً متعددة من التطورات تتم في سرعة قياسية وفي أداء متقن يفوق
كل التصورات والتخيّلات، مما يدفع إلى مجاراة ركب التقدم وعدم التخلف عن هذا الركب
الذي تجاوز أديم الأرض إلى نطاق الفضاء.
وبعد:
فلعلي– كما هو المأمول– قد استطعت عبر الصفحات الماضية توضيح الصورة التي حاولتُ
رسمها للحركة الفكرية والثقافية في بلادنا من خلال أبعادها المتعددة ومناشطها
المتنوعة، وهذه الدراسة التي أعددتها تتمثل محاولة لرسم صورة هذه الحركة، وهي
محدودة الإطار بمدة زمنية محددة بمائة عام، وفي حدود هذا الإطار الزمني كان منطلق
الدراسة وفي اختصاص الفكر والثقافة كانت مادتها، وهي أخيراً محاولة لتقديم صورة
أرجو أن تكون وافية في هذا الجانب الحيوي من حياتنا الفكرية والثقافية، وأرجو من
الله – تعالى – المزيد من السداد والتوفيق.
الهوامــــش
([8]) مقال بعنوان: أضواء حول المعرفة الإنسانية
للدكتور أحمد عبدالرحيم السايح، مجلة (أحوال المعرفة)، شوال 1418هـ .
([15]) نقل ذلك الدكتور أحمد العبيدي في كتابه (أضواء
على مسيرة التعليم والثقافة في عهد الملك عبدالعزيز).