مقدمـــــة :

التنظيم الاجتماعي من المفاهيم الاجتماعية التي تناقش علاقات الناس فيما بينهم وعلاقتهم ببعضهم ، ويرتبط بالتنظيم الاجتماعي مفهوم آخر، يُعدُّ أصيلاً في علاقته به، هو مفهوم البناء الاجتماعي، والبناء مأخوذ من المعنى المادي للبنيان، إلا أنه يختلف عن هذا الأخير في أنه ليس شيئا ماديا يمكن ملاحظته بالعين المجردة أو يمكن تحسسه، كما يختلف البناء الاجتماعي في كون مكوناته تتشكل من العلاقات التبادلية بين منسوبي ذلك البناء، مما يترتب على تلك العلاقات نشوء قيم ومعايير معينة، تحدد الأدوار التي يجب على كل فرد من أفراد التنظيم أن ينصاع لها، ويتقيد بها إلى حد بعيد، هذه العلاقات ليست جامدة، بل هي متغيرة من وقت لآخر، وتختلف سرعة التغيير ودرجته من حين لآخر حسب الظروف والملابسات (بلاو، 1964).

ويستخدم مفهوم التنظيم الاجتماعي عادة في مناقشة المنظمات الرسمية كالمؤسسات الحكومية والجمعيات التطوعية والهيئات العلمية أو الشركات التجارية في القطاع الخاص ، ونادراً ما يستخدم لمناقشة تنظيمات اجتماعية أخرى كالأسرة أو المجتمع أو الجماعة، ويعود السبب إلى اقتران ذلك المفهوم بالتطبيق في مثل تلك المنظمات، إما لصغر حجمها أو لوضوح أهدافها (بشكل نسبي طبعا نظرا للغموض الذي يكتنف وضوح الأهداف) أو لسهولة تحديد حدودها وعلاقاتها بالمؤسسات الأخرى، أو لإمكانية تحديد علاقاتها واتصالاتها بالمؤسسات الأخرى، سبب آخر يكمن في إمكانية تحليل تلك المنظمات وتتبع عوامل النشوء والتحول وإمكانية التنبؤ بالتغيير، لكن هل يعني هذا تلاشي فرص إمكانية تطبيق ذلك المفهوم في المنظمات الاجتماعية الأخرى وتضاؤله ؟

في هذا البحث نحاول أن نجيب عن مثل ذلك التساؤل؛ إذ  ستتم مناقشة تطور التنظيم الاجتماعي في المملكة العربية السعودية بعد توحيدها على يد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بتطبيق مفاهيم التنظيم الاجتماعي في منظمة تختلف عن تلك المنظمات سالفة الذكر، وستكون مناقشتنا محصورة في المدة التي سبقت التوحيد والتي أعقبتها في عهد الملك عبدالعزيز فقط، كما أن المناقشة ستتم على المستوى الكبير (MACRO) ، وليست على المستويات التفصيلية(MICRO) ، عزاؤنا في ذلك أن هذه الدراسة قد تكون الأولى– حسب علم الباحث– من نوعها في هذا المجال آملين أن تتبعها دراسات أخرى تتعرض لما لم تفِ به.

وتتلخص المشكلة التي نناقشها هنا في أن توحيد المملكة لم يسبق أن نوقش من زاوية تنظيمية؛ فمعظم الدراسات التي أتيحت الفرصة للباحث أن يطلع عليها كانت تناقش الموضوع إما من زاوية تاريخية سردية أو من زاوية اقتصادية، وعلى الرغم من تشابك الأحداث وتداخلها مع بعضها، مما يصعب معه الفصل بين ما هو اقتصادي أو اجتماعي أو تاريخي أو تنظيمي إلا أن تحليل التنظيم الذي كان يقوم عليه المجتمع وتبين العلاقات بين أفراده وفئاته قبل التوحيد، ثم بعده يضيف بعداً آخر، ومعلومات نعتقد أن لها أهميتها الكبرى بالنسبة لعبقرية ذلك البطل الذي سبق في قراراته من درسوا وتدربــوا على فنون القيـــادة والإدارة الحديــثة؛ فعبدالعزيز لم يكــن بطلا حربيا فاتحا ولا سياسيا محنكا فقط، بل كان قياديا تنظيميا من الدرجة الأولى.

وستكون المناقشة في هذا البحث مبنية على إجابات عن أسئلة صممت لهذا الغرض، مثل تعريف التنظيم الاجتماعي، وإمكانية تطبيقه على مستوى المجتمع، يتلوه سؤال عن أنواع التنظيم، وأي تنظيم كان عليه المجتمع قبل التوحيد ثم بعده؟، وماذا كانت خصائص المجتمع آنذاك؟ وكيف تغير إلى تنظيم آخر؟ وما أسس ومصادر القوة التي مكنت ذلك القائد من تحقيق مبتغاه؟ وما الإستراتيجية التحويلية التي اتبعها؟ وماذا كانت دوافعه من وراء تلك الإستراتيجية؟ ثم نعرض بإيجاز لتقويم فاعلية التنظيم الجديد آملين أن نكون قد وفقنا في تلك المناقشة بما يضفي المزيد على سيرة ذلك البطل وعبقريته، وبما يفتح مجالات أرحب لتطبيق مفاهيم التنظيم الاجتماعي، وعدم حصرها على حالات معينة.

 

 

التنظيم الاجتماعي:

ما التنظيم الاجتماعي؟ وهل يمكن تصنيف المجتمع على أنه تنظيم اجتماعي؟ سؤال مهم وحيوي في بداية موضوع هذا البحث؛ إذ من البدهي ضرورة إيجاد تعريف متفق عليه لموضوع الدراسة؛ ليكون أرضية ننطلق منها للمناقشة والتحليل، ومن الجدير بالذكر أن هناك عددا غير محدود من الكتّاب الذين تناولوا تعريف التنظيم الاجتماعي ( فيبر، 1947؛ برنارد، 1938؛ إتزيوني، 1964؛ سكوت، 1964؛ فيريل، 1979؛ ألدرتش، 1988؛ هال، 1996)، كل هذه التعاريف ترى أن التنظيم الاجتماعي عبارة عن تجمع لعدد من الناس، هذا التجمع له أهداف معينة، ويمكن تمييزه عن غيره من التجمعات الإنسانية الأخرى، وفي تفاعل مستمر معها.

هذه العناصر الثلاثة للتنظيم الاجتماعي: الأهداف، والحدود، والاتصال بالتجمعات الأخرى تشترك فيها جميع الوحدات الاجتماعية، مثل الأسرة، والجماعة، والمنظمة، والمؤسسة، والمجتمع، هذه الوحدات الاجتماعية يتكون بعضها من الآخر في الغالب ؛ إذ  تتكون الجماعة من عدد من الأسر المنظمة من عدد من الجماعات والمؤسسة من عدد من المنظمات، وهكذا المجتمع يتكون من عدد من المؤسسات(التركي، 1987م).

كما تشير الدراسات إلى أن التغيرات التي تمر بها المجتمعات عبر التاريخ ما هي إلا محصلة لتغيرات في خصائص الوحدات الاجتماعية التي يتكون منها المجتمع (مدني، د.ت) ، وما من شك في أن المجتمع هو الآخر جزء من تنظيم أكبر مثل المجتمع الإسلامي، أو العربي، أو العالمي ، وقد تتحد هذه الوحدات جميعها في تنظيم اجتماعي واحد كالمجتمع، وقد تتفرق مكونة كل واحدة منها تنظيما اجتماعيا مستقلا بذاته تقريبا، وبهذا تكون لكل وحدة اجتماعية أهدافها الخاصة بها، ولها حدودها التي تميزها اتصالاتها الذاتية، على حين تشترك مع غيرها من الوحدات الاجتماعية الأخرى في أهداف وحدود واتصالات مشتركة.

وبنـــاء على أن موضـــوع بحثنا هذا هو دراسة التطور التنظيمي للمجتمع السعــــودي، ومادمنا ذكرنا أن المجتمع يُعدُّ منظمة اجتماعية فسوف نعامله على هذا الأســــاس.

العناصر الثلاثة للتنظيم (الأهداف، والحدود، والاتصال) تؤدي دوراً كبيراً في تحديد الشكل أو الهيكل التنظيمي الذي تكون عليه المنظمة الاجتماعية.

وهناك شكلان تنظيميان مشهوران ، هما: التنظيم الوظيفي، والتنظيم الإنتاجي. وبالرغم من أن هناك أشكالاً أخرى غير هذين الشكلين مثل التنظيم على شكل مصفوفات، والتنظيم الذي يجمع بين الشكل الوظيفي والإنتاجي، إلا أنهما لا يعدوان كونهما مشتقين من هذين الشكلين (دافت، 1989).

 

التنظيم الوظيفي:

يعنى التنظيم الوظيفي بتجميع جميع النشاطات المتشابهة التي تؤدي وظيفة واحدة أو بينها نوع من التشابه في قسم أو إدارة أو هيئة واحدة، فمثلا يتم تجميع كل ما له علاقة بالشؤون الدينية من دعوة ووعظ وإرشاد وإفتاء وبناء مساجد في هيئة واحدة تكون مرتبطة بشخص واحد يكون مسؤولا أمام قيادة المنظمة، وينطبق الكلام نفسه على التعليم والاقتصاد والسياسة والتجارة وغيرها .

إن أهم ما يميز التنظيم الوظيفي أن الناس والنشاطات يتم تجميعها على أساس الموارد ، فتجميع أناس مختلفين على أساس الوظيفة التي يقومون بأدائها يوفر موردا غنيا من الخبرات والكفاءة التي ينعكس نفعها من غير أدنى شك على المنظمة جمعاء ؛ فكل جزء من أجزاء المنظمة يوفر موردا كالخبرة الدينية أو الاقتصادية للناتج النهائي للمنظمة ( دافت، 1989).

هذا التنظيم يكون مناسبا عندما تكون البيئة التي تعمل بها المنظمة مستقرة والتكنولوجيا المستخدمة غير متغيرة بشكل كبير.

 

التنظيم الإنتاجي:

في هذا التنظيم يكون الأساس المنتجات التي تنتجها المنظمة، فيكون التنظيم على أساس الإنتاج الفردي، وإنتاج الجماعة، والخدمات، والأقاليم، والأسواق، والعملاء، والبرامج الرئيسة. وأهم ما يميز هذا التنظيم هو أن التجميع يكون على أساس منتجات المنظمة وباستقلالية تامة لكل جزء من أجزاء المنظمة عن باقي الأجزاء وبخاصة فيما يتعلق بالقيادة والموارد؛ ولذلك تكون هناك مرونة وقابلية للتغيير بشكل سريع تبعا للتغيرات البيئية المحيطة (دافت، 1989).

من خصائص هذا التنظيم أنه نظراً لشبه استقلالية كل جزء من أجزاء المنظمة يكون هناك لا مركزية في عملية اتخاذ القرار ؛ إذ  يتم اتخاذ القرارات على مستوى كل جزء وليس على مستوى المنظمة جمعاء .

يكون هذا التنظيم مناسبا عندما تكون البيئة التي تعمل بها المنظمة غير مستقرة وعندما تكون هنـــاك تطورات تكنولوجية متلاحقة، مما يتطلب سرعة في اتخاذ القرار، لكن تحت مظلة السلطة المركزية للمنظمـــــة التي تسمح لأجزاء المنظمة بمثل تلك الاستقلالية المنضبطــــة (دافت، 1989) ، ولكن مثل هذا التنظيــــم يكون ضارا في حالـــــة عدم وجود سلطة مركزيــــة تكون مرجعا لحل الخلافات ووضع السياسات العامــــة للمنظمة، وإلا أصبحت المسألــة فوضى وعدم تنظيم، فينتج عنه تدهور المنظمة الأم.

 

خصائص التنظيم الاجتماعي قبل توحيد المملكة :

يمكن وصف تنظيم مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل توحيد المملكة بأنه تنظيم إنتاجي إلى حد بعيد، وعلى الرغم من أن كلمة تنظيم تتضمن وجود من يقوم بتصميم التنظيم وإدارته إلا أن التنظيم بالشكل الإنتاجي الذي كان عليه المجتمع في ذلك الوقت أمر فرضتــــه الظروف السياسيـــة والبيئية، وفي هذا الإطار يذكر الدكتور عبدالفتاح أبو علية (1406هـ) : "... عندما كان مركز الثقل الإسلامي في الجزيرة أثناء الحكم الراشدي كانت أرضها تضم مجتمعا إسلاميا واحدا متجانسا، وبعد أن انتقل مركز الحكم من الجزيرة العربية إلى الشام ثم العراق تقلصت قبضة السلطة المركزية على الجزيرة العربية؛ إذ  البعد المسافي أولا، وازدياد موجات الغزو الخارجي ضد السلطة المركزية ثانيا، وتنازع العناصر والطوائف والقوى على الحكومة ثالثا، كل هذا أدى إلى رجعة في وسط الجزيرة وشرقيها كانت نتيجة لشبه فراغ سياسي حدث فيها، تمثل في ظهور بعض الدويلات ثم رجوع مركز القبيلة حكومةً ورئيسها سلطةً تمركزت تلك القوة المتجدد عهدها في كل إقليم من أقاليم الجزيرة المتعددة، وأحيانا اجتازته، ساعد في بلورته أسلوب الحكم العثماني اللامركزي في البلاد، وعدم استقرار السلطات المحلية هناك" (ص 13).

ولدراسة خصائص هذا التنظيم سنقصر مناقشتنا على ثلاثة متغيرات رئيسة ، أثبتت الدراسات أنها من أهم العوامل التنظيمية التي تحدد شكل عمل المنظمة وطبيعته، أضف إلى ذلك أن التنظيم الاجتماعي يشتمل على ثلاثة جوانب رئيسة: الهيكل، والعمليات، والمخرجات ، وقد وقع الاختيار على أهم عامل من عوامل كل جانب، هذه المتغيرات هي: الحجم، والقيادة، والمخرج التنظيمي (بلاو، 1964).

الحجم : من المتفق عليه إلى حد كبير في عالم التنظيم أن الحجم يستخدم للإشارة إلى عدد منسوبي المنظمة ، وعلى هذا فإن استخدامنا هنا لكلمة حجم تعني عدد منسوبي المجتمع(السكان).

نقطة أخرى مهمة جدا لا بد من توضيحها قبل المناقشة ، وهي النطاق الجغرافي الذي تشغله المنظمة، فعلى الرغم من صعوبة تحديد ذلك النطاق إلا أننا سنعتمد هنا على ما ذكره الدكتور أبو علية (1406هـ) من "أن مجتمع نجد يضم الجماعات البشرية التي كانت تقطن حيزا جغرافيا يمتد من الربع الخالي في الجنوب حتى الحدود مع العراق وبلاد الشام في الشمال، ومن الأحساء في الشرق حتى الحجاز وعسير في الغرب" (ص13)، وهذا الحيز يشبه إلى حد بعيد جدا الحدود الجغرافية للمملكة بعد التوحيد.

 

ليست هناك حقائق ثابتة فيما يتعلق بعدد منسوبي المجتمع، إلا أن الدراسات تشير إلى أن العدد كان في حدود المليون في عام 1904م أي بعد فتح الرياض بعامين كما يذكر المسلم (1986) إلا أن هيلمز الذي (استشهد به المسلم) عام 1981م ذكر أن عدد السكان كان يقدر بمليون وخمسمائة ألف نسمة في سنة 1920م ، كما يشير المسلم إلى أن إحصائية 1962–1963م أوردت أن عدد السكان يقدر بحوالي ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف نسمة ، ويلاحظ اضطراد عدد السكان وإن كان ذلك بطيئا إلا أنه يُعدُّ أمراً طبعياً في ظل البطء الشديد في معدل النمو الذي شهده المجتمع بعد التوحيد(الهطلاني، 1407هـ).

وتجمع الدراسات تقريبا على أن غالب المجتمع كانت من البادية ؛ إذ  كان يتجاوز عددهم ثلثي المجتمع (أبو علية، 1406هـ؛ المسلم، 1986؛ الخريجي، 1983م؛ الحقيل، 1407هـ؛ الهطلاني، 1407هـ)، ومن أهم خصائص البدو ميلهم إلى الحرية المطلقة وعدم الخضوع لأي سلطان سوى سلطان شيخ القبيلة (الحقيل، 1407).

القيادة: لقد كانت الفوضى تسود التنظيم الاجتماعي، ؛ إذ  كان هناك شبه فَقْد للسلطة المركزية، وإن وجدت فهي ضعيفة وعاجزة عن بسط نفوذها على كل أجزاء التنظيم، أما سلطة الأجزاء فكانت موجودة وقوية متمثلة في ممارسات رؤساء القبائل ومركز القبيلة يؤدي دور الحكومة، لقد كان التنظيم عبارة عن عدد من القبائل المنتشرة في جميع أنحاء الحدود الجغرافية المشار إليها أعلاه، وكانت القبائل في حالة صراع دائم فيما بينها أو بين قبيلتين متحالفتين وأخرى، لقد كانت " القبيلة تعيش حالة من الاستنفـــــار الدائم أو الهجوم طبقـــا للحياة القبلية في المناطق المجاورة" (الغامدي، 1410هـ، ص، 190).

لقد كان هناك عدد من مراكز القوى، فبالإضافة إلى قوة القبيلة كانت هناك قوة البدو أشباه القرويين، وهم رعاة وجناة محصول عند نضوجه، وهناك قوة الحضر القرويين الذين يعملون في الزراعة، وأخيرا قوة الحضر الذين يعيشون في المدن وأشباه المدن ويعملون في التجارة والحرف (أبو علية، 1406هـ).

وكما أن القبيلة كانت تشكل الوحدة الاجتماعية الأساسية ورئيسها أو شيخها هو صاحب السلطة وقائد هذه الوحدة فإن العائلة أيضا كانت تشكل الوحدة الأساسية في المجتمع الحضري، وكبير العائلة هو صاحب النفوذ فيها (أبو علية، 1406هـ؛ لطفي، 1407هـ؛ الهطلاني، 1991م؛ مغربي، 1402هـ؛ البنيان، 1408هـ).

وهكذا نلاحظ أن السلطة ليست مركزية؛ إذ يتمتع كل جزء من أجزاء التنظيم بصلاحيات ونفوذ كامل، وباستقلال تام عن باقي أجزاء التنظيم؛ ليعمل ما يراه الأنسب والأصوب جاعلا الأولوية لمصالحه الشخصية ثم لمصالح منسوبي وحدته الاجتماعية قبيلته أو عائلته في شبه فقد للتنسيق، أو التعاون مع الأجزاء الأخرى من التنظيم ما عدا في حالات قليلة كالتحالف في حالة التهديد بالخطر.

إن وضعا مثل هذا يصعب فيه الاندماج والتمازج بين أجزاء التنظيم نظرا لتعارض المصالح، وعلى رأسها الرغبة في السيطرة وامتلاك المزيد من القوة (دافت، 1989م).

المخرجات: تصمم المنظمات حتى تحقق أهدافا معينة مخرجات ، هذه الأهداف ذات تأثير كبير سلبي أو إيجابي على منسوبي المنظمة(المجتمع) أجمع وعلى منسوبي المنظمات(المجتمعات الأخرى) في بيئة المنظمة(هال، 1996م) ، ويناط تحقيق تلك الأهداف بتقسيم المهام بين أجزاء المنظمة فيعمل كل جزء لتحقيق المهام المنوطة به في تكامل وتنسيق وتعاون مع باقي أجزاء المنظمة في ظل قيادة موحدة للمنظمة تعنى بالأهداف والسياسات العامة للمنظمة تاركة التفاصيل والأهداف الجزئية لقادة الأجزاء، هذا هو واقع التنظيم الجيد ، إلا أنه في حالة تلاشي السلطة المركزية تفقد المرجعية التنظيمية، ويعتري الأهداف العامة شيء من الغموض وعدم الوضوح، وتعم الفوضى جميع أجزاء التنظيم، لقد كان هذا هو واقع الحال بالنسبة للتنظيم الاجتماعي قبل التوحيد، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود مخرجات ، فكل تنظيم له وظيفة يؤديها (بارسونز، 1960)، فماذا كانت مخرجات ذلك التنظيم؟ للإجابة عن هذا السؤال سنلقي شيئا من الضوء على مخرجات كل جزء من الأجزاء الأربعة (البدو،وأشباه البدو، والقرويون، والحضر) بشيء من الإيجاز:

أ –  الباديـــــة:

تنحصر مخرجات البادية في تربية الماشية بالإضافة إلى الزراعة في حالة أشباه البدو، ونظراً لأن الأراضي الصالحة للزراعة ومصادر المياه والمراعي ملك لشيوخ القبائل، ونظراً لحاجة الفرد إلى الانتماء إلى قبيلته حتى يشعر بالأمن والحياة فإن ذلك ولد نوعا من الولاء والانتماء للقبيلة ، هذا المخرجان يعزى إليهما نشوء الصراع داخل المنظمة، فبالنسبة لتربية الماشية يمكن أن يكون فقد التنسيق قد أدى إلى وجود فائض من الماشية في ظل طلب ضعيف؛  مما أدى إلى كساد وتدني مستوى الدخل ثم إلى مزيد من التخلف ثانيا ملكية الشيوخ للأراضي الزراعية والمراعي ومصادر المياه قد يكون سببا لنشوء الحروب والغارات بين تلك القبائل نظرا لحاجة إحدى القبائل لمثل تلك المصادر وخوف الأخرى من استنزاف ذلك المصدر، ثم تكون النتيجة إضعافاً لكل منهما ومزيداً من التخلف.

ب – أشباه البدو والقرويون:

يشترك أشباه البدو والقرويون في ممارستهم لمهنتي رعي الماشية والزراعة، لقد انشغل الناس في هذا الجزء من التنظيم بشق" خنادق الري التي تصل المزارع في القرية وفي حفر الآبار، وتعاونوا في جني ثمار المحاصيل، وبخاصة محصول التمور" (أبو علية، 1406هـ، ص 119)، ومرة أخرى يؤدي عدم التنسيق بين هذه الأجزاء من المنظمة إلى إنتاج ما قد يفيض عن حاجة الاكتفاء ثم الكساد، ناهيك عن الغارات التي يشنها البدو على أصحاب المزارع والسطو على الثمار ونشوء الصراعات بين القرويين والبدو وإضعاف كل منهما للآخر، وتكون النتيجة مزيداً من التخلف.

     جـ ـ الحضر:

يشتغل الحضر في المدن بالتجارة والصناعة ، وقد كانوا يجلبون البضائع من أقطار شتى ، ويوزعونها على منسوبي المنظمة، ومخرجات هذا الجزء من المنظمة مهم لباقي أجزائها؛ لأن هذه الفئة تمثل نواة التطور والتنمية؛ لأنها تحتك بالشعوب الأخرى، ومن ثم  تتميز بما لا تتميز به الأجزاء الأخرى ؛ إذ  تتميز هذه الفئة بميزة الاتصال بالمنظمات (المجتمعات) وعدم الانغلاق، إلا أنه نظراً لكونهم الأقلية فغالبا ما تتعرض تجارتهم للكساد نتيجة لتعرض قوافلهم للسلب والنهب من قبل قطاع الطرق ونتيجة للغارات التي يشنها البدو على المدن، ومرة أخرى نتيجة لغياب السلطة المركزية، ولغياب التنسيق تعم الفوضى وتكون المحصلة مزيداً من التخلف.

 

نقطة التحول :

إن واقع التنظيم الاجتماعي الذي سبقت الإشارة إليه مرير ومؤلم ، لا يمكن السكوت عليه، هذا الواقع في حاجة ماسة للتغيير ، والتغيير التنظيمي أحد السمات البارزة في عالم التنظيم والمنظمات، وهناك العديد من النظريات التي وضعها العلماء لتفسير أسباب التغير الاجتماعي، في ضوء تلك النظريات "يمكن القول: بأن هناك مصادر كثيرة متداخلة ومتعددة للتغير الاجتماعي ، من أهمها: البيئة الجغرافية، والأفكار، والتجديد الثقافي الذي يأخذ أشكالا متعددة مثل الاكتشاف والاختراع والفعل الإنساني ؛ بمعنى أن الأفــــراد والجماعــــات والهيئات (مثل الحكومة) تستطيع أن تؤثــــر تأثيرا كبيرا في عمليـــــة التغـــير الاجتماعي "(لطفي، 1407هـ)، ويعرف هيج (1980، ص262) التغير التنظيمي بأنه "تبديل وتحويل الشكل (الهيكل) التنظيمي للحياة بشكل أفضل في البيئة"، وما من شك في أن من سينعمون بالحياة الأفضل هم منسوبو المنظمة، وهكذا أدرك الملك عبدالعزيز– يرحمه الله– وهو يرى أصول منظمته(ملك آبائه وأجداده) ومنسوبيها (بني شعبه) في حالة من التدهور والضياع الذي لن يقود إلا إلى مزيد من الضياع أنه لا بد من تغيير ذلك الشكل والهيئة التنظيمية إلى شكل أفضل يقود إلى حياة أفضل ؛ إذ  " نجح فعلا في تأسيس أقوى وأكبر دولة في الجزيرة العربية"(صالح، ص 10).

إن مهمة التغيير ليست بالأمر اليسير، فهي تتطلب خصائص معينة فيمن ينبري لها، إنها تتطلب إصراراً وتضحية وانطلاقا من مبادئ وصلابة في المواقف (براون، 1988)، هذه الخصائص قل أن توجــد إلا لدى العظماء وعباقرة التاريخ، وعبدالعزيز – طيب الله ثراه– " هو من العبقريات التي لا تنفرج عنها الأرحام إلا قليلا ، لقد ملأ اسمه دنيا العروبة والإسلام طوال نصف قرن من الزمن، عبقري تصاغرت أمام أعماله العظيمة العبقريات والعظمات في العصر الحديث" (الحقيل، 1407،ص 17).

إن عبدالعزيز من القادة القلائل الذين يطلق عليهم في عالم التنظيم "القادة التحويليون" ؛ أي الذين يستطيعون إحداث تغييرات جوهرية على المنظمة تشمل مسار المنظمة هيكلها وأنظمتها السياسية والثقافية، إن تغيير المنظمة يتطلب من القائد التحويلي أن ينجح في تحقيق ثلاثة أمور: إيجاد رؤية جديدة للمنظمة، وتحريك للولاء في أوساط منسوبي المنظمة، وتبني منسوبي المنظمة للتغيير (دافت، 1989، ص289)، وغني عن القول بأن الملك عبدالعزيز قد حقق باقتدار تلك الأمور الثلاثة، فقد نقل المنظمة الاجتماعية من تنظيم إنتاجي متهالك إلى تنظيم وظيفي ناجح تتطلبه ظروف تلك المرحلة فقد " وحد أجزاء المملكة ، وأقام الدولة الحديثة ، ووضع أسس الإصلاح والنهوض الاجتماعي والاقتصادي الشامل في المجتمع العربي السعودي... وضع أساسا للحكم المحلي مع التركيز على ربط تلك الوحدات المحلية بالحكومة المركزية "(شكري، 1983م، ص 424–425).

لقد بدأ التغـــير  التنظيمي للمجتمع السعــودي ليلة دخول الملك عبدالعزيز الرياض عام 1319هـ وإعلان المنادي صبيحة ذلك اليـــوم: "إن الملك لله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن".

ونظرا لجسامة ما قام به– رحمه الله– من عمل وما ينم عنه من امتلاكه لقوة جبارة مكنته من القيام بمثل ذلك العمل العظيم ونظرا لأن القوة تتولد من مصادر عدة فإن الأمر يستدعي إلقاء بعض الضوء على مصادر تلك القوة الهائلة.

 

أسس قوة الملك عبدالعزيز ومصادرها :

تعرف القوة عادة بأنها علاقة بين شخصين أو أكثر بحيث يكون لسلوك أحدهم تأثير على سلوكيات الآخرين (هال، 1996).

ويفرق علماء التنظيم الاجتماعي بين أسس القوة ومصادرها؛ فأسس القوة يشار بها إلى الشيء الذي يملكه أصحاب القوة ويمكنهم من التأثير على سلوكيات الآخرين، أما مصادر القوة فيذكر كل من فرنش وريفان (1968) أنها تأتي من القدرة على المكافأة أو القسر، والقوة الشرعية، وقوة امتلاك الخبرة، وقوة المرجعية لمن يقع عليهم تأثير القوة ، ويضيف بخاراتش ولولير (1980) مصدرا آخر هو قوة امتلاك المعلومات، وأخيرا يذكر آلين وبانيان(1982) أن الروابط العائلية يمكن أن تصنف أيضا من مصادر القوة.

هذه الأسس والمصادر للقوة غالبا ما تتداخل مع بعضها البعض بحيث يمتلك أحد الأشخاص بعض أو كل أسس ومصادر القوة ، وقد يمتلك بعضا ويظل في حاجة للبعض الآخر، فالقوة كما تبين من التعريف مصطلح "علائقي" و "تواقفي" ؛ أي يقوم على العلاقة بين شخصين أو أكثر ، ويتوقف امتلاك أحد الأشخاص للقوة على حاجة الشخص أو الأشخاص الآخرين لتلك القوة.

في هذا الجزء من هذه الورقة سوف نناقش أسس القوة عند الملك عبدالعزيز ومصادرهـــا ، وهي أسس متعـــددة ومتداخلة كما سنرى ؛ فمنها ما هو ديني، ومنها ما هو شرعي، والآخر كرزماتي مختلط موروث اقتصادي، ومنها ما هو ناشئ نتيجة لعلاقات خارجية.

أ – الأساس الديني:

ولد الملك عبدالعزيز في بيت دعوة قبل أن يكون بيت ملك (الحقيل، 1407هـ) ، وكان لذلك أبلغ الأثر في حياته ؛ إذ  عرف عنه– رحمه الله– إيمانه العميق بعقيدته الإسلامية ، فقد كان "ملكا عابدا خاشعا ورعا أوابا متهجداً قارئا للقرآن وللسنة النبوية الشريفــــة ولسيرة صاحبهــــا عليه الصلاة والسلام ولسيرة الراشدين" (الهاجري، 1418هـ، ص 21) ، إن قوة إيمانه هذه هي الوقود المحرك الذي جعله يسعى هادفا أساسا مما قام به إلى "أن تكون كلمة الله هي العليا ، وشريعته هي الحكم في شؤون الحياة" (الحقيل، 1407هـ، ص 26)، كما كانت ثقته بالله ليست لها حدود ؛ إذ  يرى أن إعداد المسلمين والعرب لآله واحدة لحرب العدو قد يعد العدو مقابلها مئات وألوفاً، ولكن قوة الإيمان والتوحيد والثقة بالله لا يمكن لأحد أن يأتي بها من غير المسلمين، لقد اهتدى بهدي المولى عز وجل ، وجاهد لأن تكون كلمة الله هي العليا ناصرا لله سبحانه، فنصره الله جل جلاله، كيف لا وهو القائل سبحانه: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (سورة الحج، الآية 40).

ب – الأساس الشرعي:

الملك عبدالعزيز وهبه الله خصالا قل أن توجد عند غيره ، وهي خصال عدة يصعب الإحاطة بها ، وقد تكون محاولات الإحاطة بها سبب في عدم الوفاء بحق هذا الرجل المعجزة، وسيقتصر حديثنا هنا على خصلتين أساسيتين تكسبان في الغالب من يمتلكهما تسليم من يعملون معه له بزمام الأمور، هما الشجاعة والإقدام، ومن أشجع وأكثر إقداما من رجل قاد جيشا قليلا بمقاييس القوة العسكرية اليوم ليستعيد عاصمة بلاد أجداده، بل من أكثر إقداماً وأشجع من رجل قاد جيشه في كل معركة ، ولم يخسرها، ولم تر عيناه هزيمة (الحقيل، 1407هـ).

إن هذه الخصال وغيرها من تلك التي عرف بها– رحمه الله– أكسبته قوة شرعية كانت من ضمن منظومة الأسس التي استمد منها بعد قوة الإيمان بالله عز وجل والثقة الكاملة به سبحانه قوته.

جـ – الأساس الكاريزماتي:

يكون الأساس الكاريزماتي للقوة نابعا من سمات الشخصية القيادية وخصائصها؛ أي أن هناك خصائص وسمات يتميز بها القائد عن غيره من الآخرين تجعل كلامه مسموعــًا وأمره منفـــــذا (هـــال، 1996)، إنها هبة من الله لمن يشاء من عباده ، وأمر لا يخضع للأسس المادية التي يمكن التصرف بها تصرفا يجعل من الممكن تعلمها أو اكتسابها.

لقد عرف عن الملك عبدالعزيز– طيب الله ثراه– قدرته على أسر قلوب مستمعيه من العامة ، فما بالك بأولئك الذين حظوا بالقرب منه وملازمته؟ لا شك أنهم أكثر إصغاءً وتقبلا بل تنفيذا لكل ما يطلب منهم، وعن قدرته الفائقة بما وهبه الله من أسر القلوب ، يقول الرئيـــس الأمريكي الراحل روزفلت كما نقـــل ذلك عنه الدكتور ساعد الحارثي (ص 97):"يمتلك لب كل زائر عليه من الخارج، ويمنحه صبرا لا ينفذ وحبا للاستطلاع لا حد له، وله براعة نادرة في أن يجعلك تشعر بأنك فرد من أسرته القريبة، وسر القرب في صحبته أن عقله يسبق لسانه ، وأنه نسي العاطفة أمام المنطق ، ولا يقول إلا ما يعتقد".

د –  مصدر تراثي:

يقصد بهذا المصدر من مصادر القوة الاعتقاد السائد والمتوارث لدى منسوبي التنظيم بأحقية وأهلية فرد أو فئة معينة دون غيرها بتولي مهام القيادة والزعامة، وهذا الاعتقاد يكون مبنيا على كون الناس تعارفوا على أن الزعامة في هذه الفئة أو تلك من بين سائر فئات التنظيم ، وتوارثت الأجيال هذا العرف وهذا الاعتقاد جيلا بعد جيل.

والملك عبدالعزيز من سلالة الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى، وجده الإمام فيصل بن تركي آخر حكام الدولة السعودية الثانية ، وبهذا فهو من وجهة نظر الناس إضافة إلى ما وهبه الله من مقومات الزعامة أحق من يتسلم القيادة.

هـ–  أساس اقتصادي:

القوة الاقتصادية تعني امتلاك فرد أو فئة من الناس لجل الموارد المادية التي يحتاجها الآخرون وكذا عناصر التصنيع والإنتاج، وتنشأ هذه القوة من حاجة الآخرين واعتمادهم على من يملك تلك الموارد، ومن ثم  تكون له الأولوية في إملاء ما يريد واستجابة الآخرين أمام إلحاح الحاجة (بلاو، 1964).

وإذا نظرنا إلى الموارد الاقتصادية في بداية توحيد المملكة نجد أنها شحيحة جدا ، "لا تفي باحتياجاتها للصرف على المؤسسات الحكومية التي قامت من أجل خدمة المواطن، ولذا فقد كانت الدولة تفرض ضرائب معينة حتى تسد النقص الحاصل في مواجهة تلك المصروفات" (الغامدي،1410هـ، ص 320).

لقد منَّ المولى عز وجل على الملك عبدالعزيز بأن سخر له باطن الأرض كما دان له ظاهرها ، وذلك باكتشاف النفط في أراضي مملكته ؛ إذ  توالت الاكتشافات لتؤكد على أن المملكة تعوم على بحيرات من البترول، لقد منح اكتشاف البترول الملك عبدالعزيز قوة عظيمة بعد عظمة الله تضاف إلى رصيده السابق من القوى التي سبق لنا مناقشتها، هذه القوة البترولية وعائداتها سخرها لصالحه بتنمية بلاده ومجتمعه وتطويرهما بالنسبة للشؤون الداخلية ، فألغى الضرائب والرسوم ، وقرر منحا وعوائد لمشايخ القبائل ورؤساء الأسر لكسب ولائهم وثقتهم ، وركز على تشكيل المؤسسات والمنظمات الحكومية لتطوير المجتمع، فأصبح الناس بعد أن كانوا يدفعون الضرائب والرسوم يتسلمون الإعانات والمقررات والقواعد ، وبدأوا يقطفون ثمرة ولائهم وطاعتهم لقائدهم الذي وقفوا معه وساندوه ، فلم يبخل عليهم ، بل كان هو الأكرم والأنبل.

أما بالنسبة للقوة الخارجية فقد أصبحت المملكة التي كانت مفازة لا أحد يرى بها مطمعا ولا بعدا اقتصاديا إستراتيجيا في مكانة يخطب الكل ودها ويحلم بإقامة علاقة اقتصادية وسياسية معها، فهذه الحكومات الأمريكية والبريطانية تتبارى وتتنافس للفوز بحق امتياز التنقيب عن النفط في البلاد السعودية، ونذكر هنا حادثتين فيما يتعلق بتأثير القوة الاقتصادية على الصعيد الخارجي، فقد أصدرت الحكومة الأمريكية قراراً يقضي بدفع معونات مباشرة للسعودية إبان توقف البترول في الحرب العالمية الثانية! لماذا؟ " لأن السعودية ذات مركز حيوي مهم، ولأنها من المراكز الإستراتيجية كطريق إمدادات لمناطق الهند والشرق الأقصى وأستراليا ، وهي مركز إستراتيجي قريب من إيران نقطة المواجهة ضد الاتحاد السوفيتي"(أبو علية، 1406هـ، ص 195).

الحادثة الأخرى هي رضوخ شركة أرامكو لمطالب ابن سعود بزيادة حصة الحكومة السعودية من البترول لتصل إلى المناصفة مع الشركة "، وبهذا كان لأول مرة في تاريخ الاتفاقيات البترولية ترضخ شركة بترولية كبرى لمطالب الحكومة التي تعمل في بلادها، وتضع نفسها تحت سلطة قوانينها"(أبو علية، 1406هـ، ص 197).

 

الإستراتيجية التحويلية:

إن عملية تحويل المنظمة من وضع متدهور ينذر بنهاية المنظمة إلى وضع تكون فيه المنظمة أكثر نجاحا وفاعلية لا تتحقق بمجرد الأمنيات والتنظير ، بل لا بد من العمل التنفيذي وتفعيل ما تم التخطيط له نظريا، لابد من وضع إستراتيجية عملية لنقل المنظمة من وضع الإفلاس إلى وضح النجاح وتحقيق الأهداف، هذه الإستراتيجية قد تأخذ وقتا لتؤتي ثمارها لكن بوادر نجاحاتها الأولية تكون واضحة للعيان بعد وقت قصير من تطبيقها.

الإستراتيجية التحويلية يتم اتخاذها في ضوء المعلومات المتوافرة عن المنظمة والمعطيات والإمكانات المتاحة، وغالبا ما يصاحب عملية التحويل هذه برنامج أو برامج لتدريب وتطوير منسوبي المنظمة.

نظراً لأن غالب منسوبي المنظمة السعودية (المجتمع) من البادية (60%) وأن نسبة الأمية مرتفعة جدا كما أنهم متفرقون في مناطق وأماكن مختلفة كان لا بد من إعادة تأهيل أولئك المنسوبين ، وذلك باتباع خطوات وطرق تحقق ذلك التأهيل، إن التأهيل يكمن في إعداد منسوبي المنظمة إعدادا يمكن من الاستفادة القصوى من كل فرد منهم بما ينعكس بالنفع والفائدة على المنظمة جمعاء ، إن إعادة التأهيل تتطلب الانتقال من أسلوب وسلوكيات معينة وهجرها إلى أسلوب وطريقة تعامل وسلوكيات جديدة تكون متناغمة ومنسجمة مع الهدف أو الأهداف المتوخاة، ولقد "آمن الملك عبدالعزيز بأن محور التنمية الاجتماعية والاقتصادية هو إحداث التغيرات السلوكية التي تزيد من قدرة المجتمع على الاستفادة من طاقاته البشرية...في تحقيق أعلى مستوى من الرخاء للسواد الأعظم من السكان، وعلى ذلك فإن نجاح خطة التنمية التي يهدف إلى تنفيذها هو رهن بتغيير القيم والعادات والتقاليد التي كانت تشكل أنماط سلوك البدو في جاهليتهم" (صالح، 1983، ص 11).

إن البرنامج التأهيلي الذي انتهجه الملك عبدالعزيز هو برنامج توطين البادية، هذا البرنامج برنامج شامل تضمن إعادة لهيكلة المنظمة وتدريب وتطوير منسوبيها، وبرنامج توطين البادية مشروع جبار ينم عن عبقرية فذة ، إلا إنني لست هنا بصدد الحديث عنه، فقد كتب عنه الكثير والكثير ، ولا يزال في حاجة إلى المزيد من الكتابة، ونظرا لكون هذه الورقة تناقش الموضوع من زاوية تنظيمية فسوف يقتصر الحديث على تعريف المقصود بتوطين البادية والدوافع التي دعت إلى تبني هذا المشروع وذكر الصعوبات التي زامنت تنفيذه.

توطين البادية:

يشير الجاسم (1973م، ص 879) إلى توطين البادية على أنها "عملية نقل مجموعات القبائل والعشائر من طور حياة البداوة ؛ إذ العيش المتنقل في البوادي والقفار إلى طور حياة الحضارة ، حيث العيش المستقر في الحواضر والمدن الآهلة". كما يذكر الحقيل (1407هـ) أن توطين البادية يعني تحضيرها أي جعل أبناء البادية يعيشون حياة المدن والحواضر ، وذلك بالاستقرار في مناطق معينة ومحددة سلفا وترك حياة البــداوة وما يترتب عليها من ترحال وتنقل. كما يذكر الهطلاني (1991م) أن عملية التوطين تعني التوحيد أو إيجاد وحدة اجتماعية. أما الخريجي (1983ص 9) فيعرف توطين البادية على أنه "الجهود التي استهدفت تحسين أحوال البدو وإدخال تغييرات جوهرية على ظروف حياتهم".

يلاحظ على هذه التعاريف خلوها من الهدف أو الأهداف من وراء عملية التوطين عدا ما أشير إليه من جعلهم يعيشون حياة الحضر ويستقرون في المدن والمواقع (الهجر) التي أقيمت فيما بعد بقصد إيوائهم، والأهداف عنصر من عناصر التنظيم المهمة (هال، 1996)، وإذا ما أردنا إضافة عنصر الهدف فيمكن اقتراح التعريف الآتي: يقصد بتوطين البادية نقلهم وتجميعهم في مكان أو أماكن معينة ، بحيث يمكن تعليمهم وتثقيفهم ودمجهم مع بعضهم البعض عن طريق ربطهم بهدف أو بعدة أهداف يعود نفع تحقيقها عليهم جميعا ، وبذلك تتضافر الجهود وتتحقق الوحدة المنشودة.

لا شك أن من أهداف الملك عبدالعزيز– رحمه الله– توحيد ولم شتات منسوبي مجتمعه ، لكن مثل هذه الأهداف تنطوي على دوافع معينة ، منها ما هو ديني ، ومنها ما هو عسكري ومنها ما هو اقتصادي ، ومنها ما هو اجتماعي، وعلى الرغم من صعوبة فصل مثل هذه الدوافع عن بعضها نظرا لتداخلها كما هي عادة الدوافع عموما إلا أننا سنحاول أن نناقشها في الفقرة القادمة.

 

دوافع عملية التوطين:

أولاً– دوافع دينية :

عرف عن الملك عبدالعزيز– رحمه الله– تدينه الشديد وتمسكه بالعقيدة السمحة قولا وعملا، من هذا المنطلق كان الدافع الرئيس من عملية التوطين هو رفع العامل الروحي بين الناس ونشر الشريعة السمحة الصحيحة الموافقة لشرع الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه ونبذ ما سوى ذلك وما يتعارض مع هذه الشريعة الغراء.

لقد آمن– رحمه الله– أن التمسك بشرع الله هو الغاية والوسيلة في آن واحد، فهو الوسيلة لتحقيق أهداف أخرى قد يكون تحقيقها مجال شك فيما لو اعتمدت وسيلة أخرى غير وسيلة الإيمان بالله والتآخي والمحبة لله وفي الله ؛ فمجتمع كمجتمع المملكة قبل التوحيد كانت تسوده الفوضى والغزو والنهب والسلب وعدم الأمن لا يمكن أن توثق علاقة فئاته ببعضها إلا بوجود وسيلة تجمع الكل تحت لوائها، هذه الوسيلة هي الإيمان بالله قولا وعملا واستشعار حرمة دم المسلم وحرمة ماله وعرضه وتعظيم ذلك في نفوس الناس، وقد "قام– رحمه الله– بوضع خطة شاملة تتحقق بها الوحدة الكاملة للقبائل المحاربة التي لم يكن يجمعها رابط، وقد كانت هذه الفكرة أن ينظم هذا الحشد الكبير ويوحده على منهج إسلامي متكامل، ويوجهه إلى تحقيق غاية إسلامية مؤكدة " (الحقيل، 1407، ص 44).

وبمثل هذا العمل يمكن إيجاد علاقة اجتماعية إيجابية يكون أساسها الدين، وكما أشرنا أعلاه من صعوبة الفصل بين الدوافع نجد أن هناك تداخلاً بين الدافع الديني والاجتماعي، فمع أن الدافع الأساسي هو الديني إلا أننا نجد أن الدافع الاجتمـــاعي يلعب دورا كبيرا أيضاً .

 

ثانياً– دوافع اجتماعية :

سبق أن أشرنا أن الملك عبدالعزيز– رحمه الله– كان من القادة التحويليين الذين ينقلون المنظمات نقلا جذريا من وضع وهيئة إلى أخرى بما في ذلك تغيير سلوكيات منسوبي المنظمة وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم ؛ ولذا كان من دوافعه– رحمه الله– تغيير عادات وقيم وتقاليد ذلك المجتمع الذي كانت تسوده الفرقة والفوضى والشتات وتغيير قيمه وتقاليده ؛ بحيث يصبح مجتمعا متماسكا يشد بعضه أزر بعض ، ويعمل منسوبوه يدا بيد لتتحقق التنمية التي كان يتطلع إليها، لقد كان همه هو " تطوير نزعة العرب الفطرية إلى الحرب، حتى يشعروا بأنهم أعضاء في جماعة واحدة" (الخريجي، 1983 كما يقتبس من بنوا – ميشان، 1965، ص 120).

إن تجميع الناس في تنظيم وظيفي قائم على الوظيفة المؤداة وليس على المنتج يلعب دورا اقتصاديا كما ذكرنا سابقا ؛ إذ  يتيح الاستفادة القصوى من جهود معظم العناصر، ويوفر الموارد المطلوبة ، وهذا هو مطلوب للتنمية.

 

ثالثاً– دوافع اقتصادية:

إن عملية توطين البادية توفر عاملا اقتصاديا مهما ؛ إذ تتم الاستفادة من الجهود المهدرة في أعمال لا طائل منها أو أن الاستفادة منها لا توفر العدالة الاقتصادية للمجتمع؛ إذ يستفيد البعض على حساب البعض الآخر كما في نتائج غزوات النهب والسلب ناهيك عن الشعور بالخوف وعدم الأمان، إن التوطين يتطلب الانتقال من حياة الترحال والتنقل إلى حياة الاستقرار والعمل المنظم ؛ إذ  وفرت الإعانات للأعمال الزراعية وإنتاج المحاصيل ، فانتعشت الحياة الاقتصادية ، وتوفرت فرص العمل الشريف من خلال الانخراط في الأعمال المتعلقة بالزراعة كالحرث والسقيا وجني الثمار وبيع المنتوجات ، وتم توظيف الطاقات فيما يعود على الكل بالنفع.

 

 

رابعاً– دوافع عسكرية :

الحماية مطلب أساسي لأي تنظيم حتى يتسنى له أن يعمل بنجاح ويحقق أهدافه ؛ إذ بغياب الأمن يكون الاهتمام ليس بتحقيق أهداف التنظيم ، بل ينصرف إلى ما يمكن عمله للمحافظة على الأرواح والممتلكات، وإذا كانت المنظمات الرسمية تستمد حمايتها من مظلة الشرعية القانونية التي توفرها لها الدولة فإن حماية المنظمات الاجتماعية كالدول تكون حمايتها من خلال سواعد أبنائها.

وبتثقيف منسوبي المجتمع دينيا وتوثيق عرى التآخي في الله وإقامة رابطة اجتماعية تستند إلى شريعة سمحة تتصف بالعدالة وبنبذ العنف والتقاتل والصراع من أجل الموارد والاعتماد على الاكتفاء الذاتي من خلال الأعمال التجارية والزراعية أضحت الحاجة ماسة إلى حماية هذا الكيان الوليد؛ لذلك كانت من دوافع التوطين بسط سلطان الدولة على الجميع من خلال تجميعهم في هجر أعدت لهذا الغرض ، وقد عززت لديهم أهمية عقيدة الجهاد في سبيل الله لنشر شريعة الله – عز وجل – وللزوم طاعة إمام المسلمين فيما يأمر به في غير معصية لله سبحانه.

وتشير الدراسات إلى أن الملك عبدالعزيز استطاع من خلال عملية التوطين " أن يجمع أكبر قوة عسكرية في جزيرة العرب" (صالح،1983، 9)، وكان قوام هذه القوة يتراوح ما بين خمسة آلاف مقاتل إلى عشرة آلاف مقاتل يمكن أن تزداد إلى خمسة وعشرين ألفاً في حال إعلان النفير العام.

وبهذا استطاع الملك عبدالعزيز من خلال هذا البرنامج الطموح النابع من حنكة سياسية ورؤية ثاقبة لم يسبقه إليها أحد من أسلافه أن يستجذب إليه غالب منسوبي مجتمعه(يمثل البدو 60% من مجموع المجتمع) المتحمسين له ولما يدعو إليه من تطبيق لشرع الله عز وجل وأن يوجههم توجيها دينيا ، وأن يستفيد من قوتهم العسكرية في فتوحاته وفي توطيد دعائم الأمن داخل مملكته (صالح،1983،ص 10)، ومن طرائف ما يذكر بشأن توطيد دعائم الأمن الداخلي ما ذكره محمد أديب غالب (أشار إليه الحقيل، 1407، ص 48) : "مر رجال من سراق الأعراب في عهد الملك عبدالعزيز ، ووجدوا عنزةً ضالة في رمال السر وهم لم يطعموا خلال 3 أيام ، فقال بعضهم لبعض : لينزل أحدكم على هذه العنز ، فيذبحها ؛ لنأكلها، فكل منهم كان يقول لصاحبه : انزل إليها، فلم يستطع أحد منهم النزول خوفا من العاقبة ، فألحوا على رجل منهم ، فقال: والله لا أنزل إليها فدعوها، فإن عبدالعزيز يراها ، فتركوها خوفا ، وهم جياع".

لقد استطاع الملك عبدالعزيز أن يحقق معظم الأهداف التي من أجلها وضع هذه الإستراتيجية الناجحة بكل المقاييس إلا أنه كشأن الإستراتيجيات عموما كانت هناك بعض السلبيات ، والمخطط الناجح هو الذي يراجع خطته ويقومها ويطورها، وغني عن القول أن هذا ما تم فعلا بشأن تلك السلبيات التي كان منها:

·  استئثار التعليم الديني بالتركيز والاهتمام ، وهذا أمر طبعي ؛ لأن الدافع في المقام الأول والأساس من التوطين كان دينيا، إلا أن مثل هذا التركيز أدى إلى أن انقطع الناس للعبادة وتعلم أمور دينهم وهجر العمل ؛ مما نتج عنه بطالة ، وطبعا هذا أمر ضار ، وتمت معالجته بتوعية الناس أن الدين لا يتعارض مع روح العمل.

·  نتج عن بيع البدو لإبلهم أضرار بالثروة الحيوانية ، وأصبحت المملكة تستورد بعد أن كانت تصدر ، وتمت معالجة ذلك الأمر بتقديم إعانات لتربية الماشية.

·                   كانت الهجر تفتقد إلى الخدمات الصحية والاجتماعية ، وتم تدارك ذلك.

·                   كانت هناك بعض الصعوبات مثل عدم توافر الإمكانات الفنية والتكنولوجية ، وتمت معالجة ذلك بتوفير مثل تلك الإمكانات.

 

تقييم الفاعلية التنظيمية :

في هذا الجزء الأخير من البحث سنلقي بعض الضوء على فاعلية التنظيم الجديد الذي تبناه الراحل العظيم ، وذلك بمناقشة مدى تحقيقه للأهداف التي تم تبنيه من أجلها، وعلى الرغم من الأساليب المتعددة لقياس الفاعلية التنظيمية والجدل المتنامي بين أنصار كل أسلوب إلا أن أشهر المقاييس لتقويم الفاعلية التنظيمية هو مدى تحقيق التنظيم لأهدافه (هال، 1996)، وتشير كتب التنظيم الاجتماعي إلى وجود نوعين من الأهداف التنظيمية: عامة وتفصيلية (دافت، 1989، هال، 1996) ، كما تجدر الإشارة إلى صعوبة قياس الأهداف العامة، أما بالنسبة للأهداف التفصيليــة التي عادة ما تتعلق بواقع ملموس كما في الحقائق والأرقام فهي التي يمكن قياسها،  من أجل ذلك ونظرا لما تنعم به المملكة– ولله الحمد– من بحبوحة العيش الرغيد والأمن الوارف ، ولأن مناقشة كل المظاهر التنموية في هذا البحث سوف تحيد به عما صمم من أجله سيقتصر النقاش على مدى تحقق الأهداف التي سعى إليها الراحل العظيم مستخدمين الحقائق الملموسة والأرقام لبعض الأهداف التفصيلية مؤشرات، ونظرا لأن من الأهداف الإستراتيجية التحويلية التي نهجها الملك عبدالعزيز أهداف عسكرية واجتماعية واقتصادية فستكون مناقشتنا مقتصرة على تلك الأهداف.

1– الهدف العسكري:

لقد أدت إستراتيجية الملك عبدالعزيز التحويلية المتمثلة في توطين البادية إلى توحيد الجهود العسكرية التي كانت مبعثرة هنا وهناك ناهيك عن كونها غير منظمة ولا مدربة تدريبا نظاميا وللاستفادة من تلك الطاقات الاستفادة المثالية كان لا بد من تدريبها وتأهيلها تأهيلا منظما على أساليب القتال وعلى الآليات العسكرية والحربية الحديثة من أجل ذلك أنشئت المعاهد والكليات العسكرية مثل كلية الملك عبدالعزيز الحربية التي تعد وتؤهل الملتحقين بها ليتزودوا بالعلوم العسكرية الحديثة في مجال القوات البرية، وكلية الملك فيصل الجوية للتأهيل في مجال العمليات الجوية ، وكلية الملك فهد البحرية لتأهيل الضباط على فنون ومعدات النزال البحري، وأخيرا كلية الدفاع الجوي للتأهيل على الدفاع عن سماء الوطن، لقد أدى التخطيط الإستراتيجي السليم والإعداد العلمي في المجالات العسكرية إلى وجود قوة عسكرية تمثلت في بناء القوات المسلحة بفروعها الأربعة: القوات البرية، والجوية، والبحرية، والدفاع الجوي للذود عن حياض الوطن وحفظ كرامة المواطن، كما تمثلت القوة العسكرية أيضا في بناء قوات الحرس الوطني والأمن العام ؛ إذ  يتخرج في كليات الملك خالد العسكرية بالحرس الوطني وكلية الملك فهد الأمنية سنويا آلاف الضباط المؤهلين، أما بالنسبة للأفراد فيتم تدريبهم في معاهد أعدت لهذا الغرض.

2– الهدف الاجتماعي:

يشمل هذا الهدف تنمية المجتمع تنمية شاملة بما في ذلك الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية والثقافية ( عبدالرحمن، 1989)، لقد وضع الراحل العظيم " أولى أسس الإصلاح والنهوض الاجتماعي والاقتصادي الشامل في المجتمع العربي السعودي؛ فقد وضع أساسا للحكم المحلي مع التركيز على ربط الوحدات المحلية بالحكومة المركزية، ونظم القضاء والعدالة في دولته، كما وضع باختصار كل الأنظمة الحكومية الحديثة تنظيما للأعمال والأنشطة العامة والخاصة كافة وتبعا لمقتضيات التطور والتنمية الشاملة في عهده ثم في عهد أولاده من بعده" (شكري، 1983)، ولتحقق التنمية الشاملة المحققة للهدف ولصعوبة تحقيق ذلك الأمر دفعة واحدة كان لا بد من انتهاج خطة عملية للتنمية، وبذلك وضعت الخطط الخمسية للتنمية.

وقد حققت المملكة منذ توحيدها " قفزات سريعة في النواحي الصحية والاجتماعية والتعليمية، وتحقق لها تطورات في الخدمات العامة التي تقدمها من مياه وكهرباء ووسائل اتصال متقدمة، وتم ربطها بشبكات سريعة من الطرق المعبدة، تماثل مثيلاتها في الدول المتقدمة" (النمر، 1412هـ)، وسنعرض فيما يأتي بإيجاز لعنصري التعليم والصحة من محاور التنمية التي أوردها النمر لما لهما من أهمية بالغة في التنمية الاجتماعية، وقد جاء استشهادنا بهذين العنصرين تمثيلاً لما تحقق في مجال الهدف الاجتماعي، وكما ورد في كتاب منجزات خطط التنمية(وزارة التخطيط، 1418هـ) بشأن منجزات خطط التنمية الخمس الماضية، بالإضافة لما تحقق حتى الآن من خطة التنمية السادسة التي تنتهي في عام 1420هـ ؛ ففي خلال المدة من 1389/1390هـ إلى 1416/ 1417هـ وهي مدة الخطط الخمسية الست وفي مجال التعليم ازداد عدد المدارس والكليات التابعة للمؤسسات التعليمية من 3283 إلى 22153 (ص 156)، كما زاد عدد الطلاب في مراحل التعليم العام والعالي من 547 ألف طالب وطالبة إلى 4.3 ملايين طالب وطالبة خلال المدة نفسها (ص 160).

وفي المجال الصحي ازداد عدد المستشفيات الحكومية والخاصة من 74 إلى 290 مستشفى، كما ارتفع عدد المراكز الصحية من 591 مركزا إلى  3370 مركز، وازداد عدد أسرة المستشفيات العاملة في المملكة من 9039 سريرا إلى 42625 سريراً ، وازداد عدد الأطباء من 1172 إلى 30544 ، وارتفع عدد العاملين في هيئة التمريض من 3261 ممرض وممرضة إلى 61214 ممرضا وممرضة، كما ازداد عدد الفئات الطبية المساعدة بما في ذلك الصيدلة من 1741 إلى 34277 (ص 170).

3– الهدف الاقتصادي:

هذا الهدف والهدف الذي قبله مرتبطان ارتباطا قويا ؛ إذ إن هدف التنمية هو الإنسان، ووسيلتها هي الاقتصاد الذي لا يتحقق إلا بجهود ذلك الإنسان، فكما سبق أن أشرنا أن من ميزات التنظيم الجديد هو التوحيد في كل شيء ، ومن ذلك توحيد الجهود والاستفادة من كل العناصر والكفاءات الموجودة في المجتمع، فعملية جمع الناس على كلمة واحدة وتحت سلطة واحدة أدى إلى ظهور أنماط سلوكية لم تكن موجودة قبل التوحيد؛ فبعد أن كانت القبائل والعائلات تقوم بكفاية نفسها بمستلزمات الحياة المختلفة، وكانت تنتج ما تحتاج إليه كبعض المنتوجات الزراعية والمواشي تغير النمط الاقتصادي من اقتصاد الكفاية إلى اقتصاد السوق، وأصبح الناس لا ينتجون لأنفسهم أو لعائلاتهم فقط كما كانوا يفعلون من قبل، وإنما ينتجون للمجتمع بعد أن زاد اعتمادهم على القرى والمدن، ؛ إذ  تقام الأسواق أسبوعيا ، فازدهرت حركة البيع والشراء ، وتنامت الحياة التجارية (لطفي، 1407هـ).

لقد كان من نعم الله على هذه البلاد أن فتح الله لموحدها العظيم خزائن الأرض ، وذلك باكتشاف البترول الذي يُعدُّ نقطة تحول في مسيرتها الاقتصادية. وقد تمت الاستفادة من ذلك المورد الاقتصادي العظيم أيما استفادة ، ومن ذلك تسخير العوائد البترولية لإعمار البنى التحتية للدولة، ونظرا لأن البترول واكتشافه لم يكن هدفا من أهداف التوطين ؛ إذ  لم يكن معروفا في ذلك الوقت فسنكتفي بالإشارة إليه هنا إلا أن ذلك لا يعني عدم الإشارة إليه بين الحين والآخر نظرا لارتباطه بالجهود التنموية التي تمت بعد اكتشافه وتسويقه.

لقد أدت الجهود المبذولة في الاستثمار في تنمية الموارد البشرية ثمارها ؛ إذ توفر أفواج من الكفاءات المؤهلة والمدربة تدريبا عاليا، لقد كونت هذه الأعداد قاعدة الانطلاق للأعمال الزراعية والصناعية سواء أكانت قوة عمل تشغل وتدير تلك المشاريع أو نواة قطاع خاص يشارك بفاعلية في مسيرة التنمية الخيرة.

وعودة إلى منجزات خطط التنمية (وزارة التخطيط، 1418هـ) فقد شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاعات غير البترولية حسب الأسعار الثابتة لعام 1409/1410هـ زيادة ملحوظة ؛ إذ ارتفع من 47.8 بليون ريال عام 1389/1390هـ إلى 242.7 بليون ريال في عام 1416/1417هـ، كما استمر أداء القطاع الخاص بما في ذلك المؤسسات العامة نشطا ضمن القطاع غير البترولي؛ إذ ارتفعت قيمته في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 27.1 بليون ريال إلى 143.6 بليون ريال، كما ازداد الناتج المحلي الحقيقي للقطاع البترولي من 64.6 بليون ريال إلى 143.4 بليون ريال خلال المدة نفسها (ص 82).

إن المتأمل المنصف يدرك النعم التي تزخر بها المملكة اليوم من أمن وتعليم وصحة واتصالات وكهرباء ومياه واكتفاء ذاتي في مجال الغذاء وخدمات اجتماعية وغيرها في ظل قيادة حانية راعية أسسها المغفور له، ومشى على منواله أبناؤه الأبرار من بعده سعود وفيصل وخالد ثم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني متلافين السلبيات ومعالجين الصعوبات أنى وجدت ومعززين للإيجابيات في عمل دؤوب من التقويم والتطوير والتنمية لا يعرف للكلل اسما ولا للملل معنى.

 

الخاتمــــة:

لقد كان واضحا كما بينا في هذا البحث أن المجتمع بوصفه مظاهر التنظيم الاجتماعي المتكون أصلا من وحدات تنظيمية أخرى كالمؤسسات والمنظمات الرسمية والجماعـــة والأسرة يمكن دراســــته باستخـــــدام مفاهيم التنظيم الاجتماعي التي عادة ما يقتصر استخدامها على التنظيمات الرسمية نظرا لوضوح أهدافها وسهولة تبين حدودها وإمكانية تتبع اتصالاتها، وهذه الدراسة التي بين أيدينا جاءت نتيجة لملاحظة الباحث ندرة الدراسات الاجتماعية التي تناولت ذلك التطور من منطلق التنظيم الاجتماعي؛ إذ كانت الدراسات السابقة تنطلق من منطلقات تاريخية أو اقتصادية.

لقد كان التنظيم الذي يقوم عليه المجتمع قبل التوحيد تنظيما إنتاجيا؛ فقد كانت وحدات أبناء المجتمع وأجزائه وجهوده مبعثرة هنا وهناك في ظل غياب واضح لسلطة مركزية وفي صراع مستمر بين تلك الأجزاء والوحدات من أجل البقاء، لقد رأينا كيف أدت تلك الانقسامات والصراعات إلى إضعاف المجتمع كله وعدم قدرته على النهوض بنفسه، ثم جاء الراحل العظيم ونقل ذلك المجتمع إلى تنظيم وظيفي يقوم على لم الشتات وتوحيد الجهود والموارد للاستفادة من الطاقات المهدرة والجهود المبعثرة ؛ ليشهد ذلك المجتمع تنمية شاملة تعد بحق من أعجز المعجزات في التاريخ، لقد استمد ذلك القائد التحويلي قوته من مصادر عدة ، على رأسها تمسكه بالعقيدة السمحة قولا وعملا ثم مشروعية وأهليته للقيام بذلك الدور، أضف إلى ذلك ما أنعم الله عليه به من خصال وصفات خلقية وجسمية جعلت مجالسه لا يمل من حديث، ولا يرغب في الإنصات والانصياع إلى سواه في طاعة تؤطرها مخافة الله وتقواه، كما أن كونه من السلالة السعودية ذات التاريخ المجيد أعطاه مزيدا من القوة وأهله لمزيد من إمكانية قيامه بذلك الدور الريادي.

لقد نهج– رحمه الله– إستراتيجية تحويلية تمثلت في مشروع غير مسبوق ، وهو مشروع توطين البادية، لقد كانت أهداف ذلك المشروع متنوعة ، فكان منها ما هو سياسي ، وآخر عسكري ، وثالث اجتماعي، وقد رأينا كيف تحقق له – رحمه الله – ما أراد.

 

المراجـــــع

 

أولاً –  المراجع العربية :

§        القرآن الكريم .

§        أبو علية ، عبدالفتاح حسن. الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبدالعزيز. دار المريخ بالرياض 1406هـ .

§ البنيان، عبدالله. أثر التقدم "التقدم التكنولوجي" على الحياة الأسرية في المجتمع العربي السعودي. الرياض، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب  1408هـ .

§ التركي، ثريا. تفاوت القيم والمفاهيم بين الأجيال في المجتمع العربي السعودي المتغير. مجلة المستقبل العربي، السنة التاسعة، العدد 67، آذار(مارس) 1978م .

§        الجاسم، محمد علي رضا. توطين البادية في المملكة العربية السعودية. مجلة العرب–السعودية، 12 جمادى الثانية 1394هـ .

§        الحارثي، ساعد. الملك عبدالعزيز: رؤية عالمية. الرياض، دار القمم للإعلام، الطبعة الأولى ، 1415هـ .

§        الحقيل، سليمان عبدالرحمن.في آفاق التربية الوطنية بالمملكة العربية السعودية ، الرياض، دار عالم الكتب 1407هـ .

§ الخريجي، عبدالله محمد. السياسة الاجتماعية للملك عبدالعزيز في توطين البدو(بحوث المؤتمر العالمي عن تاريخ الملك عبدالعزيز) القاهرة، دار المعارف 1983م  .

§        شكري، علياء علي. بعض ملامح التغير الاجتماعي الثقافي في الوطن العربي القاهرة، دار الثقافة، الطبعة الثانية 1983م  .

§