أولا – المدخل إلى الدراسة :
يعد البحث العلمي أساس النهضة
والتطور ودعامة التنمية الشاملة التي تنشدها دول العالم قاطبة ، ولقد أخذت الدول
في الوقت الراهن تتنافس في إنشاء مراكز البحث العلمي ومراصده اقتناعاً منها بأن
البحث هو مصدر القوة وأساس التقدم والدفع بعجلة الحضارة قدماً إلى الأمام ؛ ذلك أن
تطبيق الأسلوب العلمي في البحث والاستقصاء وحل المشـــكـلات باتباع المنهــــج
العلمي أصبح ضــــرورة تمليها ظروف الحياة الراهنة وما يحيط بها من تعقيدات
وعاملاً مساعداً على تحقيق الرفاهية للوطن والمواطنين .
ومنذ أن تم توحيد المملكة على
يد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – وهي تسعى جاهدة نحو وضع دعائم التقدم
العلمي، وركائز الفكر والثقافة، وأسس التقدم العلمي والتقني ، والإفادة من معطيات
حضارة العصر، دون الإخلال بتراثها العريق وقيمها الخالدة، وأقبلت المملكة على
اقتحام مجالات العلم والمعرفة، فأنشأت مؤسسات للبحث العلمي ومراكز لخدمة العلماء
والباحثين في مختلف المجالات الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والتقنية ، وعملت
على دعمها بما تحتاجه من الموارد والإمكانات من أجل تحقيق التنمية والتقدم ،
واللحاق بركب العصر وتطوراته السريعة ، وتطوير الحركة العلمية .
هدف الدراسة :
تسعى الدراسة الحالية إلى
التعرف على واقع المؤسسات البحثية في المملكة التي تقـــــوم برسم البحث العلمي
وتخطيطه وتنسيقه وتنفيذه، وأثرها في تحقيق التنمية الشاملة ، والكشف عن المهام
المناطة بها، والمشروعات التي تمارسها ، ورصد ما قد يعتور مؤسسات البحوث من عقبات
ويحد من انطلاقتها ، ومن ثم تقديم بعض المقترحات التي يؤمل أن تسهم في التخفيف من
حدة تلك الصعوبات، وتساعد المؤسسات البحثية على تحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها،
وعلى هذا الأساس فإن الدراسة تعالج المحاور الآتية :
1 – المدخل إلى الدراسة :
يتناول هذا المحور مجموعة من
العناصر، من بينها هدف الدراسة وأسئلتها وأهميتها ومنهجيتها ونطاقها والتعريف
بأبرز مصطلحاتها .
2 – البحث العلمي في إطار التنمية الشاملة :
يستعرض هذا المحور بعض
العناصر المتعلقة بنشأة ظاهرة البحث العلمي في المملكة وتطورها، ويناقش الظاهرة في
ضوء احتياجات الدولة، وخططها التنموية الحالية والمستقبلية، وأثر المؤسسات البحثية
في إرساء النظام الوطني للمعلومات، ودعم البنية والتجهيزات الأساسية للمعلومات INFORMATION INFRASTRUCTURE .
3 – الوضع
الراهن لمؤسسات البحث العلمي :
يناقش هذا المحور واقع مؤسسات
البحث العلمي في المملكة على اختلاف مستوياتها وأنماطها، من حيث التعريف بطبيعتها،
والوظائف التي تنهض بها ، وأثرها في خدمة العلماء والباحثين ، وما تقدمه لهم من
برامج ونشاطات، ويتركز النقاش هنا على القطاع الأكاديمي (قطاع الجامعات) والقطاع
التطبيقي ( مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ) بوصفهما مثالين للقطاعات
البحثية في المملكة .
4 – المشكلات
والصعوبات :
يركز هذا المحور على تحليل
أبرز الصعوبات التي تواجه مؤسسات البحث العلمي في المملكة، وتقف حجر عثرة أمام
تقدمها، بما في ذلك الصعوبات الإدارية والمالية والبشرية والفنية والتقنية .
5 – النتائج
والتوصيات :
يلخص هذا المحور الأخير أبرز
ما توصل إليه الباحث من نتائج ، ويطرح مجموعة من البدائل والخيارات التي يؤمل أن
تسهم في معالجة ما يعترض قطاع البحث العلمي من مشكلات ، ويرسم للمسؤولين عن هذا
القطاع معالم في الطريق، يمكنهم الاسترشاد بها لتحسين واقع البحث العلمي .
ويمكن تحقيق هدف الدراسة من
خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية :
ما أثر البحث العلمي في
التنمية ؟ وما مكانته في خطط التنمية السعودية ؟
ما أبرز النماذج المهتمة
بالبحث العلمي في المملكة وبخاصة في المحيط الأكاديمي والمحيط التطبيقي؟
ما طبيعة المهام المنوطة
بمراكز البحث العلمي في تلك النماذج ؟
ما أبرز نماذج المشروعات
البحثية التي نفذت أو التي تحت التنفيذ ؟
ما أهم الصعوبات والمشكلات
التي تواجه مؤسسات البحث العلمي في المملكة في الوقت الراهن ؟
ما الخيارات والبدائل التي
يمكن من خلالها التخفيف من حدة تلك الصعوبات وجعل مراكز البحث والتطوير أكثر
فاعلية في تحقيق متطلبات التنمية ؟
أهمية الدراسة :
يقوم البحث العلمي في الوقت
الراهن بعمل حيوي ومهم في تقدم الأمم ورقيها ، ويسهم في التقدم البشري وفي تطوير
المعارف والعلوم ، وينظر إلى البحث على أنه مقياس حضاري لرقي الأمم والشعوب ، وهو
مجال حي يستوعب طاقات العلماء والباحثين في شتى فروع المعرفة البشرية ، وتنعكس
نتائجه على سائر مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولعل من أهم ما يميز
الدول التي ينظر إليها على أنها متقدمة (الدول الصناعية ) عن الدول التي ينظر
إليها على أنها أقل تقدماً ( الدول النامية ) النهوض في جانب المشروعات البحثية .
كما أن البحث العلمي يمثل أحد
الدعائم الرئيسة للتنمية الشاملة التي تسعى المملكة حثيثاً إلى تحقيقها ، وأحد
المرتكزات الأساسية للتقدم العلمي والتقني الذي يرتقي بحياة الإنسان، ويعمل على
تحسين مستوى معيشته ، ويساعد على دفع عجلة الحضارة والتطور؛ ذلك " أن تحقيق
التقدم والرخاء في أي مجتمع يتطلب استخدام الموارد المتاحة البشرية والمادية أفضل
استخدام وعدم ترك أي طاقة من طاقاته معطلة ، ويعتمد نجاح كل هذه الأمور أساساً على
البحوث العلمية ، فهي التي تمكن المجتمع من استكشاف موارده وحصرها واستخدامها
الاستخدام الأمثل الذي يجعلها تعطي أكبر إنتــــاج بأقل تكلفة في أقصر وقــــت
ممكن ، وهي التي تمكنه أيضاً مــــن حــــل مشــــكلاته " ( أبو شيخة : 1986
، 16 )، كما أن للبحث العلمي بمؤسساته المختلفة ( الجامعات ومراكز البحوث وبيوت
الخبرة ) عملاً قيادياً في عملية توطين التقنية وتطويعها ، ومساعدة الجهات على
استيعاب التقنية المستوردة، وملاءمتها لحل ما قد يواجهها من مشكلات .
مجال الدراسة :
من الممكن تناول ظاهرة البحث
العلمي من جوانب وزوايا عديدة ، وكان تركيز الدراسة الحالية على جانب المؤسسات
المعنية بالبحث العلمي على مستوى المملكة ؛ ذلك أن البحث لا يمكن أن ينهض دون وجود
هيئة ( مؤسسة ) ترعاه وتشرف عليه ، وتتولى مهام التخطيط والمتابعة والتقويم
ومعالجة ما قد يطرأ من صعوبات ومشكلات ، وتعمل على التعاون والتنسيق والتبادل
العلمي مع المؤسسات الأخرى ذات الاهتمام المشترك ، الأمر الذي يوحي بأن تقدم البحث
العلمي أمر مرهون بوجود مؤسسة تضمن له الفاعلية والديمومة والاستمرار .
وحرصاً على وضع معالم وحدود
يلتزم بها الباحث في معالجته للموضوع، ويدرس مؤسسات البحث العلمي في إطارها، فقد
تم التركيز على المؤسسات التي تخدم قطاع التعليم العالي ( القطاع الأكاديمي )،
وتعنى بالبحوث المؤصلة أكاديمياً، إضافة إلى المؤسسات المعنية أساساً بالبحوث
التطبيقية ( القطاع التطبيقي ) ؛ إذ تركزت الدراسة حول هذين القطاعين على وجه
الخصوص ، وذلك حرصاً على التعمق في المعالجة وعدم التوسع في النطاق الذي قد يترتب
عليه المعالجة السطحية، وبخاصة إذا أخذ في الحسبان كثرة مراكز البحث العلمي في
المملكة ، وتبعيتها لأنماط عديدة من القطاعات .
منهج الدراسة :
تم استخدام المنهج الوصفي في
هذه الدراسة؛ لأنها ترمي في النهاية إلى وصف واقع المؤسسات الموجهة للبحث العلمي
في المملكة، وتعالج ظاهرة معاصرة، كما تم استعمال منهج التحليل الوثائقي أو منهج
البحث المكتبي؛ لأن الباحث اعتمد في استقاء المعلومات التي تخدم موضوع الدراسة على
ما توافر له من وثائق منشورة أو غير منشورة وعلى استقراء الأدبيات ذات الصلة
الوثيقة بالظاهرة تحت الدراسة، وتم تعزيز هذا المنهج بمشاهدات الباحث وملحوظاته
خلال قيامه بالزيارات الميدانية لبعض المراكز البحثية، وتعامله مع بعض الجهات
المعنية بموضوع البحث والتطوير .
تعريفات بمصطلحات الدراسة :
يقصد بمصطلح البحث العلمي SCIENTIFIC RESEARCH الدراسة المتعمقة لمشكلة محددة بناء على أسس
ومعايير علمية، يسلكها الباحث من أجل الوقوف على الحقيقة للمشكلة التي يبحثها، ومن
أجل إثراء المعرفة البشرية وزيادة رصيدها (الشريف: 1985 ، 84 ) .
أما مصطلح البحث والتطوير RESEARCH AND DEVELOPMENT(R & D) فيطلق على أي نشاط علمي منظم، يقوم به فرد أو مؤسسة من أجل زيادة
المعرفة في مجال الاهتمام وتطبيقها بشكل مباشر .
ويعني مصطلح إستراتيجية البحث
العلمي الانطلاق من الواقع الراهن لإحداث تغييرات في المستقبل من أجل تحقيق أهداف
محددة تلائم طموحات المجتمع ، ولابد أن تستند هذه الانطلاقة على ركائز أساسية
أهمها حاجة المجتمع إلى التغيير ووضعه الراهن والتجربة التي يمر بها ، وما يتوافر
له من إمكانات ، وينبغي أن تستند الاستراتيجية على منهجية واضحة، تتحدد فيها
مسارات العمل واتجاهاته نحو تحقيق الأهداف المتوخاة ، وأن تنسجم مع الاستراتيجيات
الأساسية للتنمية الشاملة للدولة ( محسن وكلور : 1406 ، 169 ) .
ويشمل مصطلح المؤسسات في هذه
الدراسة جميع الجهات الحكومية والخاصة (مراكز، هيئات، أجهزة، مرافق ، وغيرها )
المعنية بالإنتاج العلمي على شكل بحوث نظرية أو دراسات ميدانية، وبوضع برامج للمنح
البحثية والطباعة والنشر ونحو ذلك من النشاطات التي تخدم البحث العلمي، وتنضوي تحت
مظلة الإنتاجية العلمية بمفهومها الواسع.
ثانيا – البحث العلمي في إطار
التنمية الشاملة:
تشير الدراسات إلى أن الوضع
العلمي للمملكة قبل توحيدها لم يكن بالصورة المطلوبة؛ إذ كانت نسبة الأمية عالية ،
ولم تتوافر البيئة العلمية المشجعة على البحث والتنقيب عن المعرفة ، ويذكر عبدالله الشهيل أن "المراحل غير
المناسبة في شتى المجالات التي مرت عليها الدولة السعودية المعاصرة في تاريخها قبل
توحيدها والعزلة الطويلة التي عاشتها المناطق الداخلية والاضطراب السياسي الذي
عانت منه المناطق الساحلية والبيئة القاسية والموارد الضئيلة غيبت الفعاليات
الفكرية برغم موروثاتها الروحية والثقافية ؛ لأن المفاهيم عجزت عن استثمارها
استثماراً يحفظها من التخلف ، ويؤمنها من الأرق الفكري الحاد " (الشهيل :
1407 ، 237 ) .
بيد أن تغيراً جذريًا حدث بعد
أن تم للملك عبدالعزيز توحيد المملكة؛ إذ بدأ بإرساء دعائم البنية العلمية
والتقنية ، ووضع مرتكزات البحث والتقدم التي تسهم في التفاعل مع الحضارات الأخرى ،
وبرغم أن التطور العلمي والتقني كان هاجساً للملك عبدالعزيز إلا أن استتباب الأمن
وتحسين الاقتصاد كان شغله الشاغل لقناعته بأن العلم ظاهرة حضارية تنشأ حيثما وجد
استقرار سياسي واقتصادي ؛ ولذا فقد فكر – رحمه الله – في إيجاد نظام حديث للتعليم
يستمد أسسه من الإسلام ، واهتم بنشر العلوم وافتتاح المكاتب والمدارس ورعاية
المعاهد العلمية ، وكان لتلك المؤسسات أكبر الأثر في تشكيل رواد الثقافة السعودية
المعاصرة وتنشيط الحياة العلمية والفكرية من مكتبات وصحافة وطباعة، وهذا يعني أنه
بعد استقرار الحكم السعودي وتفشي الأمن تهيأت الأجواء لظهور نشاط علمي ، وكان
بمثابة بداية لإرهاصات علمية جادة، ومؤشرٍ على انبعاث حركة علمية، مما هيأ فيما
بعد لظهور حركة البحث العلمي بمفهومها الحديث .
والواقع أنه على الرغم من
ظهور بوادر للعلم وإرهاصات للبحث في عهد الملك عبدالعزيز فإن الانطلاقة الحقيقية
لحركة البحث العلمي بدأت مع ظهور الجامعات في المملكة التي حظيت بمراكز كان ولا
يزال لها أثر مشهود في تنشيط حركة البحث العلمي، ولعل من بين أسباب تأخر ظهور
النشاط البحثي في المملكة حداثة النهضة التعليمية، وبخاصة نظام التعليم العالي ،
بيد أنه بعد إرساء هذا النظام أحست المملكة بالحاجة الملحة إلى إقامة دعائم العمل
العلمي ووضع نواة علمية يمكن من خلالها تحقيق أهداف التنمية وتطلعاتها؛ إذ أقبلت
على اقتحام مجالات التقدم العلمي والتقني، وشقت طريقها نحو التنمية الشاملة من
خلال إعداد العنصر البشري وتأهيله وتدريبه، وإنشاء المؤسسات العلمية ومراكز البحث
والتطوير ومراصد العلوم والتقنية.
ويتضح أثر البحث العلمي في
مساندة عمليات التنمية، وأهميته في ترسيخ القاعدة العلمية والتقنية من استقراء خطط
التنمية السعودية التي صدرت خلال المدة الماضية؛ إذ على مدى ست خطط تنموية سارت
المملكة وفق أسلوب التخطيط العلمي المدروس من أجل إحداث نقلة نوعية سريعة تضع
البلاد في مصاف الدول المتقدمة ، بل إن جميع تلك الخطط تقرن التخطيط للتنمية
بالبحث العلمي ، ونستطيع أن نتلمس ذلك بسهولة في خطة التنمية الخمسية السادسة (
1415 – 1420هـ ) التي تركز في غير موضع على تنشيط حركة الإنتاج العلمي ، وإجراء
الدراسات النظرية والميدانية التي تثري الرصيد المعرفي ، وتسهم في إيجاد حلول لما
يعانيه المجتمع السعودي من مشكلات .
وبظهور خطة التنمية السادسة
تكون المملكة قد قطعت مسافة ربع قرن من مسيرة الخير والعطاء متمثلة في جوانب
عديدة، من أبرزها إتاحة المزيد من فرص البحث العلمي، وتنص هذه الخطة صراحة على أن
من بين أهدافها : " دفع النشاط العلمي والحركة الثقافية والإعلامية إلى
المستوى الذي يجعلها تساير التطور الذي تعيشه المملكة " ( وزارة التخطيط:
1416 ، 88 ) .
والحقيقة أن تطوير مجال
العلوم والتقنية في المملكة لا يزال يواجه بعض العقبات مثل عدم كفاءة القاعدة
التقنية ، ومن ثم ظهور الفجوة التقنية على المستوى الداخلي ، وقلة الأيدي العاملة
المدربة المؤهلة ، وعدم الاستغلال الأمثل لمراكز البحث العلمي ، كما أن المملكة
اعتمدت خلال خططها التنموية على التقنية المستوردة للتعجيل بمسيرة التنمية ، ولقد
نجح هذا التوجه في تحقيق الكثير من الإنجازات في جميع المجالات ، إلا أن الوصول
إلى توطين التقنية وتطويعها محلياً يحتاج إلى الكثير من العمل والجهد ، الأمر الذي
يـوحي بأن هناك مجموعـة من المشـكلات التي تقــف حجر عثرة أمـــام التنميــة، ولا
مناص من القضاء عليها أو التخفيف من حدتها إلا من خلال البحث العلمي، وفي هذا
السياق فإن خطة التنمية السادسة تركز على معالجة القضايا الآتية من خلال البحث
والتطوير :
1 – الفجوة التقنية :
لقد اعتمدت المملكة خلال خطط
التنمية الخمسية السابقة على التقنية المستوردة للتعجيل بمسيرة التنمية ، بيد أن
الاعتماد على هذا النوع من التقنية دون محاولة تطويرها لن يمكن من ملاحقة التطورات
العلمية والتقنية المتقدمة ، ولمعالجة هذا الأمر لابد من التركيز على التقنيات
التي تساعد على تعزيز قدرات المملكة والنهوض بها في مجال البحوث التطبيقية
ومتطلبات التنمية .
2 – الاستغلال الأمثل لمراكز البحث العلمي :
برغم قيام الجامعات السعودية
ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بإنشاء مراكز بحوث متخصصة فإن الاستفادة
المثلى من خدماتها بواسطة القطاع الصناعي بقيت محدودة؛ إذ لم يتم توجيه نشاطات
قطاع كبير منها إلى المشكلات والاختناقات التي تواجه عملية التنمية ، بالإضافة إلى
عدم استيعاب كثير من المصانع الوطنية واستغلالها للعمل المهم الذي تقوم به الأبحاث
العلمية ، مما يؤكد على أهمية إيجاد وسائل مناسبة وآليات فعالة تضمن ارتباط القطاع
الإنتاجي مع قطاع العلوم والتقنية ، وتوثيق الروابط بين القطاع الصناعي ومراكز
الأبحاث، من أجل زيادة المعرفة والخبرة من تلك المراكز الحيوية .
3 – مهمة القطاع الخاص
في تنمية القدرات التنافسية لاقتصاد المملكة :
ذلك أن مشاركة القطاع الخاص
يمثل أهمية بالغة في تحسين الجودة النوعية للمنتجات الوطنية ؛ ونظراً لأن نشاط
البحث العلمي والتطوير الفني يتطلب توظيف استثمارات ضخمة وتقنية عالية فقد أدى ذلك
إلى انخفاض تحمس القطاع الخاص في المملكة إلى رفع قدراته التقنية الذاتية، وتحسين
الابتكارات في مجال البحوث والتطوير ، ويتطلب التقدم الصناعي والتقني الذي شهدته
المملكة خلال مسيرتها التنموية دفع القطاع الخاص إلى بناء قدراته التقنية الذاتية
عن طريق تشجيعه على تبني سياسات للبحوث والتقدم، وتذليل العقبات التي يواجهها،
ومساعدته في إنشاء مختبرات البحوث والجودة النوعية .
ومن بين السياسات التي
اعتمدتها الخطة المشار إليها تشجيع القطاع الصناعي على تبني نشاط البحث والتطوير
الذاتي ، ومساعدته في إنشاء مختبرات البحوث والجودة النوعية، وزيادة الاستفادة من
مراكز البحث العلمي عن طريق توثيق الروابط بين القطاع الصناعي وتلك المراكز وتوفير
قواعد المعلومات والبيانات بشكل واسع للباحثين في مختلف القطاعات لتعزيز التنمية
الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ إن تحقيق التنمية مرتبط بما يتوافر من بيانات يستفيد
منها الباحث في توقعاته المستقبلية ( وزارة التخطيط : 1416 ، 98 – 99 ) .
ويوحي استقراء خطط التنمية
بأن التركيز على إقامة البنيات الأساسية– وبخاصة تجهيزات البحث العلمي والتقني
وتنمية الموارد البشرية – مما يتطلب وضع سياسة علمية وطنية على المدى القصير
والطويل لتوفير الاحتياجات العلمية والتقنية للوطن ولأبنائه والمقيمين فيه ، وهذه
السياسة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا اعتمدت جزءاً متكاملاً مع إستراتيجية التنمية
الشاملة للدولة مع الأخذ في الحسبان تدريب القدرات البشرية، وتسليحها بسلاح العلم،
وتدريبها على البحث والاستقصاء المنهجي، والتخطيط الجيد لنشاطات البحوث العلمية،
وتكاملها مع الخطة المرسومة للعلوم والتقنية، ونقل التقنية المتقدمة وتطويعها
لصالح التنمية، وتعبئة الموارد المادية والبشرية والمؤسسية لتنفيذ السياسة
المنشودة ، وكل هذه الجوانب يمكن تعزيزها من خلال البحث العلمي .
وفي العقود الثلاثة الأخيرة
ازداد اهتمام المملكة بنشاطات البحث العلمي وبرامج المنح البحثية، وأخذت تدرك
أبعاد العلاقة بين العلوم والتقنية من جهة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة
أخرى، وتولي حكومة المملكة تنفيذ خطط وبرامج طموحة لتنمية المجتمع ، وانطلاقاً من
أهمية البحوث في جميع المجالات في تنمية الموارد البشرية والمادية ولما لها من أثر
فاعل في دفع عجلة التقدم ودعم بناء الدولة الحديثة وترسيخ الأساس الصناعي السليم
فقد عملت الدولة جاهدة على استخدام الأساليب العلمية في التنسيق والتكامل بين
مواردها وإمكاناتها وبين التقدم الحضاري المنشود، الأمر الذي ترتب عليه تعزيز القدرات
البحثية المتاحة من حيث الأفراد والتجهيزات والإدارة والتمويل.
ولاغرو في ذلك ؛ إذ إن
المملكة تملك ثروات طبيعية متنوعة ، وهي بأمسِّ الحاجة إلى تأمين العلم والتقنية
على جميع المستويات لدعم بناء الدولة الحديثة ، وإذا كانت التنمية ضرورة حيوية
للمملكة فإن البحث العلمي يمثل دعامة رئيسة للنمو والتقدم وأداة أساسية للنهضة
والرفاهية، وفي هذا الإطار تؤكد خطة التنمية السادسة على أنه سيتم تنفيذ
إستراتيجية تنمية قطاع العلوم والتقنية من خلال مجموعة من الأهداف والسياسات
والبرامج على النحو الآتي :
1 – الأهــــداف :
وتتمثل
في النقاط التالية :
§ الاستثمار في بحوث التقنية فيما يتعلق
بالنشاطات التي تتمتع فيها المملكة بمزايا طبيعية واقتصادية مثل أبحاث
البتروكيماويات ، والمحافظة على المياه، وأبحاث تقنية تحلية المياه ، واستخدام
المياه المعالجة في الأغراض الزراعية .
§ دعم القاعدة الوطنية للبحث العلمي والتطوير
التقني وتوسيعها .
§ تعزيز نشاط البحث والتطوير في المؤسسات
الصناعية والإنتاجية بالقطاع الخاص ودعمه، وتسهيل قيام هذا القطاع بالإسهام في
توفير الفرص للعلماء والباحثين لإجراء البحوث العلمية والتقنية، والتعاون الوثيق
في هذا المجال مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية .
2 – السياســـات :
من أجل تحقيق الأهداف
المذكورة سيتم اتباع ما يأتي:
§ الاستمرار في دعم نشاطات البحوث التطبيقية
والتطوير التقني الموجهة لخدمة احتياجات المملكة التنموية.
§ الاستمرار في مساندة معاهد البحوث في
الجامعات والأجهزة الحكومية الأخرى ، وتوجيه نشاطاتها نحو تحقيق الإفادة المثلى من
الموارد المتاحة ، والتركيز على معالجة أهم المشكلات التي تواجه التنمية في
المملكة ، والمساعدة في نقل النتائج العلمية إلى التطبيقات الصناعية .
§ تقويم برامج البحث والتطوير في القطاع الخاص
، وتشجيع الصناعة ومساعدتها لتوسعة نشاطها في هذا المجال .
§ تعزيز مهمات التنسيق التي تضطلع بها مدينة
الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في مجال البحث العلمي والتطوير التقني .
§ زيادة الإفادة من مراكز البحوث والدراسات
للقطاع الخاص .
3 – البرامــــج :
تمشياً مع السياسات سالفة
الذكر فمن المزمع تنفيذ مجموعة من البرامج لتحقيق أهداف خطة التنمية السادسة ، من
بينها ما يأتي :
§ دعم القاعدة التقنية الوطنية والنهوض بها:
وهو برنامج يهدف إلى تشجيع الابتكارات والتقدم التقني في المصانع الوطنية فضلاً عن
تعزيز القدرات الابتكارية لهذه المصانع من خلال تشجيعها على إنشاء وحدات البحث
والتطوير ، وتشجيع المصانع السعودية على القيام بإعداد الدراسات المتعلقة بالتقدم
التقني ، واستخدام التقنية المتقدمة المطوعة محليًا .
§ دعم البحوث العلمية في المملكة : وهو برنامج
يهدف إلى رفع مستوى كفاءة البحث العلمي والتطوير التقني وتحسينه بما ينسجم مع
أهداف التنمية الوطنية، مع الأخذ في الحسبان الأوضاع الطبيعية والبيئية للمملكة
ومواردها، ويشتمل هذا البرنامج على تقديم منح سنوية، ودعم البحوث الوطنية
التطبيقية، إضافة إلى دعم الدراسات العليا التطبيقية في الجامعات السعودية .
§ عمل البحوث التطبيقية والتطويرية في مدينة
الملك عبدالعزيز : وهو برنامج يهدف إلى رفع المقدرة التقنية لمعاهد المدينة
وتعزيزها؛ وذلك عن طريق القيام بتنفيذ عدة نشاطات بحثية تطبيقية في مجالات
الإلكترونيات والحاسبات ، والجيوفيزياء، والموارد الطبيعية والبيئية، والبترول
والصناعات البتروكيميائية ، والطاقة الذرية، والطاقة الشمسية، والفلك، والفضاء
(وزارة التخطيط: 1416، 331 – 334 ).
والحقائق السابقة مؤشر على أن
المملكة قد تحولت من مجتمع عادي إلى كيان اقتصادي علمي جديد يتجه نحو الحياة
العصرية على نطاق واسع ، وأن الخطط التنموية السعودية قد تضمنت برامج للبحث
والتطوير نفذ معظمها في الوزارات والمؤسسات الحكومية ؛ ذلك أنه اتخذت خلال الخطة
التنموية الثالثة خطوة أساسية في سبيل تنظيم الجهود العلمية والبحثية تمثلت في
إنشاء المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا ( مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية
حالياً )؛ لتتولى مهمة دعم البحوث العلمية للأغراض التطبيقية وتشجيعها وتنسيق نشاط
مؤسسات البحوث العلمية ومراكزه في المجال بما يلائم متطلبات التنمية في المملكة ،
ثم أتت خطط التنمية الرابعة والخامسة والسادسة لتؤكد على جانب البحث العلمي ،
وتعزز مبدأ التكامل والتنسيق بين مختلف القطاعات المعنية بهذا الجانب الحيوي
والمهم.
ومع أن مؤسسات التعليم العالي
والبحث العلمي في المملكة مازالت حديثة العهد نسبيًا إلا أنها برغم عمرها الزمني
القصير استطاعت أن تقف على أرض صلبة ، وأن تكون لها تقاليد علمية وأكاديمية راسخة
، وبدأنا نشهد منشآت البحث والتطوير في كل مكان تقريباً ، فأمكن معه تأسيس نواة
تنظيمية للبحث العلمي ، وبدأت تنشط القاعدة العلمية ، وأصبح عند المسؤولين وعي
أفضل بقيمة البحث وأهميته في تحسين أحوال المعيشة والحفاظ على الثروات المتاحة.
ثالثا – الوضع الراهن لمؤسسات
البحث العلمي :
إدراكاً من المملكة لأهمية
البحوث والدراسات في مختلف المجالات العلمية والصناعية والاجتماعية والتقنية
وأثرها الفاعل في نهضة المجتمع ودعم بناء الدولة الحديثة وإيماناً بأهمية العلم
والتقنية لتحقيق النهضة الشاملة والتكيف مع ظروف العصر فقد تم إنشاء مؤسسات بحثية
لتلبية احتياجات التنمية في مختلف القطاعات ، وإن نظرة إلى الهيكل التنظيمي للبحث
العلمي في المملكة توحي بتنوع الجهات المهتمة بالبحوث النظرية والدراسات
التطبيقية؛ إذ كانت البداية بإنشاء مراكز البحوث ومراصدها داخل الجامعات، ثم توسعت
الفكرة لتشمل قطاعات أخرى حكومية وخاصة بما في ذلك الوزارات والجمعيات والهيئات
العلمية ومعاهد التعليم العالي ومراكز العلوم والمستشفيات ومجالس البحث العلمي
والجمعيات العلمية وغيرها من القطاعات العسكرية والتعليمية والصحية والزراعية
والتقنية ، إضافة إلى وحدات البحث والتطوير المتوافرة في بعض أجهزة الدولة.
وبرغم أن الدراسة الحالية تتناول مؤسسات البحث العلمي بمفهومها الواسع فيدخل في نطاقها جميع الأجهزة المعنية برسم البحث العلمي والتخطيط له وتنسيقه وتنفيذه إلا أنه نظراً لصعوبة السيطرة على هذا المجتمع الواسع في دراسة واحدة فقد رأى الباحث التركيز على القطاع الأكاديمي الذي تتصدره الجامعات والقطاع التطبيقي الذي تمثله مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بوصفهما أنموذجين لبقية القطاعات البحثية في المملكة على أمل أن تتناول الدراسات اللاحقة النماذج الأخرى ، وعلى وجه الخصوص فقد كان التركيز داخل القطاع الأكاديمي على كل