مـقـدمـة :
إنّ من الأسس التي يعتمد عليها المجتمع
المسلم هي التكافل بين المسلمين وتوفير الرعاية للمحتاجين، ولقد حمّل الإسلام
الدولة مسؤولية رعاية الفئات المحتاجة عندما تعجز أسرهم عن رعايتهم، فهي راعية من
لا راعي له، ودعا الدولة إلى أن تتحمل مسؤوليتها في سد حاجات المعوزين من موارد
بيت المال وذلك عند عجز الفرد عن الكسب لسد نفقات معيشته بسبب عجز ناتج عن مرض أو
شيخوخة أو ما شابه ذلك (الدبو، 1988).
بعد قيام الدول الحديثة بدأت الحكومات
تولي الرعاية الاجتماعية اهتمامها ، وقامت بتقنين نظم لتقديم الرعاية الاجتماعية
ولصرف المساعدات الحكومية للمستحقين، وكانت من أولى الدول في ذلك المملكة المتحـدة
؛ إذ تم إصدار قانون إليزابت للفقراء في عام 1601م، ثم فرنسا عام 1791م ، والدنمرك
عام 1891م ، ثم تبعها عددٌ من الدول.
وتعد الولايات المتحدة الأمريكية دولة
رائدة في مجال الضمان الاجتماعي بوصفه مفهوماً حديثاً وشاملاً حينما أصدر الكونجرس
الأمريكي في عام 1935م قانون الضمان الاجتماعي الذي يشمل المساعدات الاقتصادية
للفئات المحتاجة والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية (Breiland and others, 1980)، وقد قامت دولٌ
عديدة بتبني مشاريع للرعاية الاجتماعية حسب إمكاناتها الاقتصادية وحاجة مواطنيها
لأنواع معينة من الرعاية.
والمملكة العربية السعودية بوصفها
بلداً إسلامياً ودولة حديثة اهتمت بتوفير الرعاية الاجتماعية لمواطنيها ؛ لذا
انتشرت كثيرٌ من المؤسسات الاجتماعية التي تعمل على تقديم أنواع من الرعاية
الاجتماعية للفئات المحتاجة للرفع من مستواهم المعيشي ولمساعدتهم في التغلب على
المشكلات التي تواجههم في حياتهم.
إنّ الرعاية الاجتماعية في وقتنا
الحاضر أصبحت نظاماً أساسياً لا غنى عنه لأي مجتمع ، بل إنّه يُنظر إلى تطور
المجتمع بحسب تطور نظام الرعاية الاجتماعية فيه، وتبعاً لذلك فإنّ من الملاحظ أنّ
الدول الصناعية المتقدمة تتمتع بنظام رعاية اجتماعي متطور يلمس جوانب حياة المواطن
في تلك الدول.
مشكلة الدراسة وأهميتها :
إنّ المشكلات الاجتماعية من فقر ومرض
وجريمة وحرمان من الرعاية الأسرية قديمة قدم الإنسان ، وكانت المجتمعات في السابق
تتعامل مع تلك القضايا بأنظمتها وأجهزتها الموجودة والمتعارف عليها كالنظام الأسري
ونظام القرابة والدين، وتعد الأسرة من أهم تلك الأجهزة والأنظمة القادرة على
التعامل مع تلك المشكلات ومواجهتها ؛ لأنّ الأسرة –وهي بطبعها أسرة ممتدة– تقوم
بإشباع الحاجات الإنسانية لأفرادها، وتقوم بعلاج المشكلات التي تعترضهم وتوفير
الرعاية الاجتماعية لهم، ومن ضمن تلك الأجهزة ايضاً المجتمع المحلي الصغير المتمثل
في الجيرة، بالإضافة إلى أماكن العبادة ومراكزها من مساجد وكنائس وخلافها.
إنّ التغير الحضاري والاجتماعي المرتبط
بالثورة الصناعية في القرن التاسع عشر والتقدم العلمي الكبير الذي اتسم به القرن
العشرين جعل المجتمعات الحديثة تواجه كثيراً من القضايا والمشكلات الجديدة والمعقدة
والتي لم تعد الأجهزة والأنظمة السابقة بأساليبها وتقنياتها قادرة على التعامل
معها ومواجهتها بفاعلية؛ لذلك تولدت الحاجة إلى نظام من الرعاية له من البرامج
والتقنيات ما يجعله أكثر قدرةً على التعامل مع الظروف المستجدة والمشكلات المعقدة
، وهو ما يعرف في الوقت الحاضر بالرعاية الاجتماعية، ويرتبط الاهتمام بهذه الرعاية
مع تنامي الدور الذي تقوم به الحكومات في توفير سبل الرعاية والحماية
لمواطنيها،كما أنّ تطور العلوم الطبيعية والاجتماعية أوجد طرقاً وأدوات لتشخيص
المشكلات الاجتماعية وكذلك أساليب جديدة للتدخل المهني لعلاج تلك المشكلات أو
التخفيف منها ، مما مكّن مؤسسات الرعاية الاجتماعية من القيام بدور أفضل مع
المحتاجين لخدمات الرعاية الاجتماعية.
ولقد اهتمت الأمم المتحدة بالرعاية
الاجتماعية والضمان الاجتماعي للأفراد ؛ إذ نصت وثيقة حقوق الإنسان التي صادقت
عليها الأمم المتحدة في عام 1948م على أنّ لكل فرد الحق في أن يعيش في مستوى معقول
من المعيشة ويتوفر له ولأسرته الصحة والمعيشة الطيبة بما يضمن له الغذاء والسكن
والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية اللازمة، وكذلك حق الضمان في حالة التعطل
والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من العجز عن التكسب لأسباب لا يستطيع
التحكم فيها.
ومن الحقوق التي أوضحتها منظمة المؤتمر
الإسلامي في إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في عام 1411هـ/1990م، وهي حقوق مستمدة من
الشريعة الاسلامية ما يأتي :
1– لكل إنسان على مجتمعه ودولته حق الرعاية الصحية
والاجتماعية بتهيئة جميع المرافق العامة التي يحتاج إليها الإنسان في حدود
الإمكانات المتاحة.
2– تكفل الدولة لكل إنسان حقه في عيش كريم يحقق له
تمام كفايته وكفاية من يعوله، ويشمل ذلك المأكل والملبس والمسكن والتعليم والعلاج
وسائر الحاجات الأساسية.
إنّ أهمية الرعاية الاجتماعية في الوقت
الحاضر تكمن في أنّها تؤدي وظيفة أساسية في المجتمع؛ إذ أصبحت من مقومات المجتمع
الحديث ؛ لأنّها تعمل على مساعدة الفرد لتحقيق وظائفه في المجتمع وعلى توفير مستوى
معيشي مناسب للفرد في مجتمعه، ونتيجةً لأهمية الرعاية الاجتماعية والحاجة إليها وكذلك
للاهتمام المتزايد من قبل المنظمات الدولية بها سعت دول العالم إلى وضع برامج
وخدمات للرعاية الاجتماعية لمواطنيها وسن الأنظمة والقوانين لتقديم تلك الرعاية.
لقد شهدت الرعاية الاجتماعية في
المملكة العربية السعودية نمواً كبيراً وبخاصة فيما يتعلق بالفئات المحتاجة ، كان
له دورٌ كبير في الرفع من مستوى معيشة المجتمع السعودي والمساعدة في إيجاد الحلول
لبعض المشكلات الاجتماعية الناجمة عن التطور الحضري للمجتمعات العصرية.
إنّ هذه الدراسة تسعى إلى رصد النمو
الذي حصل في جوانب الرعاية الاجتماعية للفئات المحتاجة منذ إنشاء وزارة العمل
والشؤون الاجتماعية أي في عهد أبناء الملك عبدالعزيز، رحمه الله، وهذه الفئات تشمل
الأفراد المستفيدين من الضمان الاجتماعي، والأيتام ومن في حكمهم، والمسنين
المحتاجين للرعاية المؤسسية. كما ستتطرق الدراسة إلى إنشاء صندوق البر بالرياض
الذي كان الهدف منه تقديم الرعاية الاجتماعية للمحتاجين قبيل إنشاء وزارة العمل
والشؤون الاجتماعية.
وتؤمن هذه الدراسة أنّ التغير
الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته المملكة العربية السعودية في العقدين الماضيين
يتطلب تجاوباً أكبر من المؤسسات والنظم الاجتماعية لتواكب المستجدات التي طرأت على
المجتمع السعودي لتقديم خدمات تتناسب مع احتياجات المواطن ، وهذا ما حاولت الدراسة
أن تلمسه.
أهداف الدراسة :
تتمثل الأهداف التي تسعى الدراسة
لتحقيقها في ما يأتي:
1– رصد النمو والتطور الذي حدث في مجال الرعاية
الاجتماعية للفئات المحتاجة (الأفراد المستفيدين من الضمان الاجتماعي، والأيتام
ومن في حكمهم، والمسنين المحتاجين للرعاية) بعد إنشاء وزارة العمل والشؤون
الاجتماعية.
2– الإضافة العلمية في موضوع ذي أهمية يتصل بالرعاية
الاجتماعية في المجتمع السعودي.
3– إبراز بعض الإستراتيجيات للتعامل مع التغير الاجتماعي
والاقتصادي الذي شهدته المملكة لزيادة فاعلية برامج الرعاية الاجتماعية الموجهة
للفئات المحتاجة.
منهج الدراسة :
تسعى هذه الدراسة إلى رصد تطور الرعاية
الاجتماعية للفئات المحتاجة في المملكة العربية السعودية ؛ لذا فإنّ المنهج
المناسب لهذا النوع من الدراسات هو المنهج الوثائقي Docommentry
research،وهو منهج شائع
الاستخدام في العلوم الاجتماعية؛ وفي هذا يشير مونت وآخرون Monette
et al. إلى أنّ البيانات والمعلومات المكتبية مصدر غني للمعلومات للبحوث
في مجال الخدمات الاجتماعية (Monette et al., 1990)، وستعتمد هذه الدراسة في استخدامها
للمنهج الوثائقي على:
1– الأبحاث والدراسات التي تناولت مجال الرعاية
الاجتماعية.
2– المجلات والصحــف القديمـــة التي ورد فيها بعض
تنظيمات الرعاية الاجتماعية وما يتعلق بها في بداية تطورها.
3– بيانات إحصائية عن الرعاية الاجتماعية للفئات المحتاجة
موضوع الدراسة صادرة عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
مفاهيم الدراسة :
قبل التعمق في عرض هذه الدراسة يجدر
بالباحث أن يُحدّد المفاهيم المتصلة بالموضوع، وهذه المفاهيم تشمل: الرعاية الاجتماعية،
والفئات المحتاجة، والضمان الاجتماعي، والرعاية المؤسسية.
الرعاية الاجتماعية :
لا اتفاق عام بين الباحثين على تعريف
محدد للرعاية الاجتماعية، ويمكن ذكر بعض التعاريف للرعاية الاجتماعية ؛ إذ تعرف
هيئة الأمم المتحدة الرعاية الاجتماعية بأنها "النشاط المنظم الذي يهدف إلى
إحداث التكيف بين الأفراد وبين بيئتهم الاجتماعية، ويتحقق ذلك عن طريق استخدام
الأساليب والوسائل التي تصمم من أجل تمكين الأفراد والجماعات والمجتمعات من مقابلة
حاجاتهم وحل مشكلاتهم، وعن طريق العمل التعاوني لتطوير وتنمية الظروف الاقتصادية
والاجتماعية" (Friedlander, 1960: 3).
ومن الباحثين من يرى أنّ الرعاية
الاجتماعية هي تلك الجهود المادية والبشرية التي تهدف في الأساس إلى معالجة
الأمراض الاجتماعية وإزالة العقبات التي تعترض نمو الأفراد والجماعات وتكيفهم مع
بيئاتهم الاجتماعية (عثمان وآخرون، 1984م).
ويشير فهمي إلى أنّ الرعاية الاجتماعية
وظيفة أساسية في المجتمع تتضمن وسائل وأساليب لمساعدة الأفراد والأسر والمجتمعات
على إشباع الاحتياجات الإنسانية وتحقيق مستوى أفضل من الحياة، حيث تهدف إلى تأمين
مستويات مناسبة من المعيشة ومن الأداء الاجتماعي لأفراد المجتمع (فهمي، 1988م).
ويؤكد يونس أنّ الرعاية الاجتماعية
نظام مؤقت تظهر الحاجة إليه عند وجود قصور في إشباع احتياجات الناس، وهي تعمل على
مساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات لإشباع تلك الاحتياجات ولتحقيق مستوى أفضل من
الحياة (يونس، 1978م).
ويُعرّف فردلاندير وابت الرعاية
الاجتماعية بأنها نظام من القوانين والبرامج والمنافع والخدمات التي تقوي أو تؤكد
الاستعداد لمقابلة الاحتياجات الاجتماعية والتي تعد أساسية لرفاهية الناس ولسير
المجتمع (Friedlander and Apte, 1974:
4).
وبعبارات أكثر تفصيلاً يرى مختار الرعاية
الاجتماعية بأنّها "نسق منظم للخدمات الاجتماعية والمؤسسات ينشأ لمساعدة
الأفراد والجماعات لتحقيق مستويات ملائمة للمعيشة والصحة، وهي تستهدف العلاقات
الشخصية والاجتماعية التي تسمح للأفراد بتنمية أقصى قدراتهم وتحقيق تقدمهم وتحسين
حياتهم بحيث تنسجم مع حاجات المجتمع" (مختار، 1994م: 24).
ويشير مختار في تعريفه المتكامل لمفهوم الرعاية الاجتماعية
إلى أنّها:
1-
نسق منظم يتضمن كل أشكال التدخل الاجتماعي في
صورة خدمات اجتماعية متعددة ومؤسسات مختلفة.
2-
تقوم بوظيفة أساسية ومستمرة في المجتمع، وتعد
أساساً مسؤولية الدولة ومعاونة الجهود الأهلية لها.
3-
تنشأ لمساعدة الأفراد والجماعات والمجتمعات
لتحقيق مستوى أفضل للحياة.
4-
تؤدي دورها عن طريق:
· إشباع حاجات الناس
(هدف وقائي).
·
مواجهة مشكلات المجتمع وحلها
(هدف علاجي).
·
تحسين الظروف المعيشية للناس اجتماعياً
واقتصادياً بقصد نقل المجتمع من واقع اجتماعي واقتصادي معين إلى واقع آخر أفضل منه
(هدف تنموي وإنشائي) .
ويمكن للباحث
أن يضع تعريفاً شاملاً للرعاية الاجتماعية بأنّها عملية منظمة تؤدي وظيفة أساسية
في المجتمع، وتشتمل على برامج وخدمات اجتماعية لجميع فئات المجتمع مبنية على
سياسات محددة ومُقرة من الدولة وموجهة للأفراد والجماعات والمجتمعات ، وتهدف تلك
الرعاية إلى حل المشكلات التي تعترض هذه الوحدات وإيجاد انسجام بنائي بينها، وكذلك
مساعدة تلك الوحدات على القيام بوظائفها والرفع من مستواها لتوفير مناخ أفضل للحياة،
وتعتمد الرعاية الاجتماعية على جهود حكومية بالإضافة إلى الجهود الأهلية
والتطوعية.
الفئات المحتاجة:
الفئات المحتاجة تعبير يُطلق على أي
فرد يحتاج إلى نوعٍ من الرعاية، وفي التربية الخاصة يعبرون عن تلك الفئات بالفئات
الخاصة ، وهم الأفراد الذين يعانون من قصور في الجوانب العقلية أو الجسدية أو
الحسية أو جميعها، أو بلفظ آخر المعاقون (Fagan and Wallace,
1979).
ويمكن تعريف مفهوم الفئات المحتاجة
تعريفاً عاماً شاملاً بأنّهم الأفراد الذين يتصفون بعدم الاتساق مع الطبيعة
السائدة في المجتمع مما يتطلب نوعاً خاصاً من الخدمات التي تقدم لهم في
محاولة للتحسين من مستواهم ومساعدتهم على
التكيف في مجتمعهم.
وفي هذا البحث فإنّ مفهـــوم الفئات
المحتاجة يُقصد به الأفراد الذين لا يستطيعون بما أوتـــوا من قدرات وإمكانات
التكيــف مع أوضاعهم الحياتية في مجتمعهم باستقلالية مما يتطلب تدخل الجهاز
الحكومي لتقديم الرعاية الاجتماعية لهم.
وقد تم تحديد الفئات المحتاجة في هذه
الدراسة بـ:
1–
الأفراد المستفيدين من الضمان الاجتماعي،
كما حددتهم لائحة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية([1]) سواءً
للمعاشات وتشمل الأيتام الذين أعمارهم أقل من تسع عشرة سنة والعاجزون عن العمل
والمرأة التي لا عائل لها، أو للمساعدات وتشمل الأفراد والأسر ممن لا تطبق عليهم
شروط المعاشات ويحتاجون إلى مساعدات اجتماعية نتيجةً لتعرضهم لكوارث من حريق وسيول
وغيرها.
2– الأطفال المحتاجين للرعاية من الأيتام ومن في حكمهم،
ويدخل في حكم الأيتام مجهولو الأبوين، والأطفال الذين يُولدون لأب غير شرعي،
والأطفال الذين لايمكن لأسرهم رعايتهم.
3–
المسنين المحتاجين للرعاية المؤسسية، وهي
الرعاية المقدمة من خلال مؤسسات إيوائية (دور الرعاية الاجتماعية) للأفراد
العاجزين عن القيام بشؤون حياتهم ممن لا تتوفر لهم أسر أو أسرهم غير قادرة على
توفير الرعاية التي يحتاجونها.
الرعاية المؤسسية :
هي نمط من الرعاية الاجتماعية تقدم من
خلال دور ومؤسسات تديرها الدولة أو تشرف عليها للأفراد الذين ليس لهم أسر أو أسرهم
غير قادرة على رعايتهم، وتتضمن تلك الرعاية أنواع عديدة من الخدمات مثل الخدمات
الاجتماعية والصحية والتربوية والترفيهية في محاولة لتعويض الأفراد ما قد يفقدونه
نتيجة بعدهم عن أسرهم الطبيعية، وفي هذا البحث سأقصر هذا المفهوم على الرعاية
المؤسسية المقدمة من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية من خلال أربعة أنواع من
الدور والمؤسسات الاجتماعية وهي: دور الحضانة، ودور التربية الاجتماعية، ومؤسسات
التربية النموذجية، ودور الرعاية الاجتماعية للمسنين؛ وذلك لأن هناك جهات أخرى
تُقدم رعاية مؤسسية لبعض الفئات المحتاجة مثل الجمعيات الخيرية ، ولكنها تختلف عن
المؤسسات الحكومية من عدة أوجه مثل التمويل، والإجراءات، وشروط الالتحاق ، وغير
ذلك ؛ مما يتطلب تناولها بطريقة مختلفة بعيدة عن هدف هذه الدراسة.
الضمان الاجتماعي :
الضمان الاجتماعي هو مجموعة من الأنظمة
والخدمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها العاجزين عن العمل أو الذين لحقت بهم أضرار
مادية من جراء الكوارث، ويهدف إلى الرفع من مستوى مواطنيها ولحماية الفرد في حاضره
ومستقبله حماية تجعله يعيش هو وأسرته في مستوى لائق من المعيشة، وتمتد هذه الحماية
إلى أسرته من بعده.
الرعاية الأسرية البديلة :
يشير حسن إلى أنّ لفظ الرعاية البديلة
يُطلق على كل الطرق التي يتم بها تربية الطفل بعيداً عن أسرته الطبيعية (حسن،
ب.ت.)، وتعرّف الرعاية الأسرية البديلة بأنّها " عملية إلحاق الطفل المحروم
من أسرته بأسرة أخرى بديلة تحل محل الأسرة الأصلية وتوفر له الرعاية الاجتماعية
السليمة من النواحي التربوية والتعليمية والصحية المهنية" (جبريل، 1997:
296).
ويمكن تحديد مفهوم الرعاية الأسرية
البديلة بأنّها رعاية تعويضية تقوم بها أسرة أخرى تحل محل الوالدين البيلوجيين
للطفل ، وتكون هي المسؤولة عن تنشئة الطفل ورعايته رعاية متكاملة. وعادة ما يكون
هناك متابعة وإشراف على الأسر البديلة من قبل الجهة الحكومية المعنية بتلك الفئة
من الأطفال.
نظراً للتطور الكبير الذي حدث في مجال
الرعاية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية وتنوع خدمات الرعاية الاجتماعية
مما يصعب معه الإلمام بجميع جوانبها في هذه المقالة فسأتطرق للحديث عن بعض برامج
الرعاية الاجتماعية وخدماتها الموجهة من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية
للفئات المحتاجة المعنية في هذه الدراسة ، وهم الأفراد المستفيدون من الضمان
الاجتماعي، والأيتام ومن في حكمهم، والمسنون المحتاجون للرعاية المؤسسية، وقبل ذلك
سأتحدث باختصار عن إنشاء صندوق البر في الرياض ؛ إذ كان يقوم ببعض وظائف وزارة
العمل والشؤون الاجتماعية التي لم يتم إنشاؤها بعد في ذلك الوقت، ثم سأقدم نبذة
مختصرة عن إنشاء وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لكونها الجهة الأولى المسؤولة عن
تقديم الرعاية الاجتماعية للفئات المحتاجة.
إنشاء صندوق البر في الرياض :
قبيل إنشاء وزارة العمل والشؤون
الاجتماعية كان هناك بعض الجهود لتقديم الرعاية الاجتماعية للفئات المحتاجة
لمساعدة هذه الفئات لتجاوز الصعوبات التي تعترضهم ومساعدتهم في حياتهم، ومن هذه
الجهود إنشاء صندوق البر بالرياض.
إنّ إنشـــاء صندوق البر بالرياض
لتقديم العون للمحتاجين والمتضررين كان ضرورةً ؛ لأنه نوع من أنواع الرعاية
الاجتماعية للمواطن في ظل غياب جهة متخصصة مسئولة عن الرعاية الاجتماعية؛ إذ إن
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لم تُنشأ بعد. وقد تم إنشاء الصندوق في عهد الملك
سعود بن عبدالعزيز عام 1374هـ/1955م، فقد قدّم مجموعة من المواطنين وهم حمد
المبارك ومحمد بن عبدالكريم وعبداللطيف بن عمر آل الشيخ وحمد العليوي وضحيان
العبدالعزيز وعبدالعزيز العبدالمنعم مشروع إنشاء صندوق للبر بالرياض للملك سعود ،
وقد أيد الملك هذا المقترح ، وعضّده ، وأحاله إلى مفتي الديار السعودية الشيخ محمد
بن إبراهيم لإبداء الرأي حوله ، وقد ثنّى الشيخ على المشروع وأهدافه وآزره، ومن ثم
أحال الملك سعود المقترح للأمير سلمان بن عبدالعزيز، أمير مدينة الرياض لإكمال
الإجراءات اللازمة، وقد عمل الأمير سلمان على إخراج صندوق البر بالرياض إلى حيز
التنفيذ ، وتولى رئاسة الصندوق، وتبرع عند إنشاء الصندوق بمبلغ عشرة الآف ريال،
وقد حددت لهذا الصندوق أهداف إنسانية تشتمل على([2]):
1– مواساة منكوبي الحوادث من حرق أو هدم أو موت عائل
بمجرد نزول الحادث لتخفيف وقعه في النفوس ، ويراعى في ذلك الفقراء.
2– مساعدة الأسر التي تفقد عائلها وليس لها مورد
تكتسب منه ولا من ينفق عليها.
3– مساعدة الأفراد الذين تقعدهم الشيخوخة أو المرض
عن السعي في سبيل تحصيل الرزق.
4– مساعدة المرضى الذين لا يملكون مصاريف العلاج أو
ثمن الدواء.
5– إذا توفر مال بعد سد عوز المحتاجين ينشأ بهذا
المال مستشفى أو مدرسة للفقراء أو ما تراه صالحاً.
وبعد تأسيس وزارة العمل والشؤون
الاجتماعية في عام 1380هـ/1961م استمر صندوق البر بالرياض في تقديم المساعدات
للفئات المحتاجة نظراً لأهمية الدور الذي يضطلع به في دعم الرعاية الاجتماعية جنبا
إلى جنب مع الجهات والمؤسسات الاجتماعية الأخرى في المجتمع، كما استمر الأمير
سلمان أمير مدينة الرياض في رئاسة الصندوق منذ ذلك الوقت.
كما كان هناك بعض الجهود في تقديم
خدمات الرعاية الاجتماعية وبرامجها للفئات المحتاجة التي لم تدون بشكل دقيق سبقت
إنشاء وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، فعلى سبيل المثال هناك "مبرة كريمات
جلالة الملك"، وهو مشروع لرعاية اليتيمات تبرع به ثلاث أميرات من بنات الملك
سعود (نورة وموضي وحصة) ، وقد شجّع الملك سعود هذا المشروع ، وساهم فيه (المنهل،
1376هـ)؛ إذ كانت تقدم لهم خدمات الإقامة والإعاشة وتوفر لهم ما يحتاجونه من ملبس
ونحوه، وكانوا يتلقون تعليمهم الابتدائي من خلال المبرة، ولمتابعة تعليمهم المتوسط
كانوا يُلحقون بمدرسة الأميرات أسوة ببنات العائلة المالكة.
إنشاء وزارة العمل والشؤون
الاجتماعية :
بعد اكتشاف النفط في المنطقة الشرقية
من المملكة العربية السعودية زاد الطلب على العمال ، فارتفع عددهم ، ورغبة من
الملك عبدالعزيز في وضع ضوابط تنظّم العمالة وتضمن حقوق العمال وأصحاب العمل صدر
نظام العمل والعمال في عام 1366هـ/1937م، وقد حرص على حماية أجور العمال وضمان
تسليمها في الزمان والمكان المناسبين، كما اهتم بالرعاية الصحية للعمال وحمايتهم
من الأخطار والأمراض الناجمة عن العمل والآلات المستعملة، وتولت وزارة المالية
الإشراف على المسائل المتعلقة بالعمل والعمال عام 1367هـ ، وبعد ظهور بعض المشكلات
العمالية في مناطق إنتاج النفط في المنطـــقة الشرقية تم إنشـــاء مكتب العمل
والعمال في الدمام في عام 1373هـ/1953م ؛ ليتولى النظر في قضايا العمل والعمال
(السنيدي، 1418هـ، العتيبي، 1414هـ).
ولما يوليه الملك عبدالعزيز من أهمية
كبرى لرعاية العاملين والاهتمام بقضاياهم تم ربط هذا المكتب برئيس مجلس الوزراء
مباشرة ، وسمي فيما بعد (عام 1980) بمصلحة العمل والعمال، وقد كان هذا المكتب نواة
لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
ومع تطور المجتمع السعودي وبروز الحاجة
إلى هيئة مستقلة ترعى وتشرف على خدمات الرعاية الاجتماعية التي أصبحت إحدى متطلبات
المجتمع الحديث صدر أمر ملكي في عهد الملك سعود في 24/12/1380هـ الموافق لعام
1961م بإنشاء وزارة العمل والعمال والشؤون
الاجتماعية.
وقد كان أول وزير للعمل والشؤون
الاجتماعية هو الأمير فيصل بن تركي بن عبدالعزيز الذي تولى الوزارة لما يقرب من
أربعة أشهر، وكان معالي الأستاذ عبدالرحمن أبا الخيل من بين الوزراء الذين تولوا
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية مدة طويلة استغرقت أربعة عشر عاماً من
11/10/1381هـ إلى 8/10/1395هـ (السنيدي، 1418هـ).
وكان تأسيس وزارة العمل والشؤون الاجتماعية استجابة
للتغيرات الاجتماعية التي شهدتها المملكة، وتتمثل في:
1– التطور الحضري وما نتج عنه من زيادة معدلات
الهجرة من الريف إلى الحضر وزيادة معدلات النمو العمراني.
2– اتجاه الدولة إلى التصنيع.
3– تغيّر احتياجات المواطنين وطموحاتهم وتنوعها
نتيجة للاحتكاك بشعوب العالم وثقافاتهم.
4– ظهور بعض المشكلات الجديدة التي تحتاج إلى جهودٍ
أكبر من الجهود الفردية والأسرية ، ألا وهي الجهود الرسمية المنظمة لمواجهتها.
5– سعي الدولة إلى الرفع من المستوى الاجتماعي
والمعيشي لأفراد المجتمع.
وإن كان الاهتمام بالخدمات الاجتماعية
بشكل رسمي ومنظم بدأ مع تأسيس وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلا أنّ النقلة
الكبيرة لتلك الخدمات بدأت مع تشكيل أول خطة خمسية للبلاد في عهد الملك فيصل بن
عبدالعزيز رحمه الله 1390–1395هـ (1970–1975م) وما صاحب ذلك من توسع في تلك
الخدمات وتنظيم لها وإصدار الكثير من اللوائح والتنظيمات لها.
ويجدر بنــا أن نذكر أنّ الأهداف
العامة في مجال الرعاية الاجتماعية في الخطة الخمسية الأولى 1390–1395هـ تحددت في
(الشؤون الاجتماعية في خمس سنوات، 1395هـ):
العمل على التوسع في الخدمات التي
تقدمها دور الرعاية الاجتماعية للمسنين والأيتام واللقطاء والأحداث الجانحين
وتشجيع إنشاء الجمعيات الخيرية الخاصة لتشارك في مشاريع الرعاية الاجتماعية،
ويتمثل ذلك في:
1– توفير خدمات الدور الاجتماعية في جميع المناطق
الرئيسة في المملكة.
2– إنشاء دور الملاحظة في المناطق الرئيسة الثلاث
للأحداث الموقوفين.
3– إنشاء دار للحضانة بالرياض.
4– تشجيع إنشاء جمعيات خيرية ودفعها إلى المساهمة في
مشاريع الخدمات الاجتماعية.
5– استبدال إنشاءات مصممة لعمل الدور الاجتماعية
بالمباني المؤقتة التي تسخدمها الدور .
6– تنظيم برنامج لتدريب الموظفين ورفع مستواهم بصفة
مستمرة.
وفي خلال تنفيذ الخطة الخمسية الأولى أضيفت
بعض الأهداف الأخرى ، وذلك لمواكبة الاحتياجات المجتمعية والتغيرات الاجتماعية
التي شهدتها المملكة في ذلك الوقت، وشملت هذه الأهداف إنشاء دار لرعاية أبناء
المسلمين في مكة المكرمة، وإنشاء دار للرعاية الاجتماعية في أبها، وإنشاء دار
للتوجيه الاجتماعي بالقصيم، وإنشاء عدد سبعة مكاتب لمكافحة التسول ببعض المدن (الشؤون الاجتماعية في خمس سنوات، 1395هـ).
إنّ اهتمام الدولة بخدمات الرعاية
الاجتماعية وتطور هذه الخدمات ينعكس في النمو الكبير في ميزانية وكالة وزارة العمل
للشؤون الاجتماعية (كما هو مبين في الجدول رقم 1)، بل إنّ النمو قد تضاعف ما يقارب
تسع مرات خلال خمس سنوات بين عامي 90/1391 و95/1396، كما أنّ معدل النمو في
ميزانية وكالة الوزارة للشؤون الاجتماعية خلال 37 سنة، بين عامي 1380/1381 و
1417/1418 بلغ مستويات قياسية وهو 47950% ؛ أي تضاعف الرقم خلال المدة 37 سنة إلى
ما يقارب 480 مرة، وبحساب آخر فإنّ معدل النمو السنوي في ميزانية الوكالة خلال تلك
المدة (37 سنة) بلغت مايقارب ثلاثة عشر ضعفاً سنوياً، وبحسابات الاقتصاديين فإنّ
هذا النمو في مجال الرعاية الاجتماعية لن تجد له مثيلاً في العالم.
479÷37= 13(تقريباً)
ونظراً لتعدد برامج الرعاية الاجتماعية
التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية مما لا يتسع المجال لذكره في هذه الدراسة
المختصرة فسأقتصر على ثلاثة برامج أساسية ، وهي: برامج الضمان الاجتماعي، والبرامج
الموجهة لرعاية الأيتام ومن في حكمهم، والبرامج الموجهة لرعاية المسنين.
جدول رقم (1)
تطور الاعتمادات السنوية المخصصة لميزانية
وكالة الوزارة للشؤون الاجتماعية
|
السنة المالية |
الاعتماد
(بالريال) |
معدل النمو* |
|
80/1381هـ |
1.950.800 |
سنة أساس |
|
85/1386هـ |
16.785.000 |
761% |
|
90/1391هـ |
22.538.000 |
34% |
|
95/1396هـ |
221.087.000 |
881% |
|
400/1401هـ |
531.345.000 |
140% |
|
405/1406هـ |
529.888.000 |
3.%– |
|
410/1411هـ |
594.662.000 |
12% |
|
415/1416هـ |
713.252.000 |
20% |
|
417/1418هـ |
736.975.000 |
47950%** |
تقرير معدّ بمناسبة مرور مئة سنة على تأسيس
المملكة، تحت النشر، وزارة العمل والشؤون الاجتماعية .
* معدل النمو عن السنة
السابقة المحددة في هذا الجدول.
** معدل النمو عن أول سنة
محددة في هذا الجدول.