توطئـــــة:

تزخـــر أدبيـــات علم الاجتماع– والعلوم الاجتماعية بشكل عام– بالكثير من الثنائيات (DUALISM) التي يقصد منها وصف الواقع الاجتماعي أو تصويره من خلال الظواهر التي تقف من بعضها البعض بشكل ضدي أو ندي، أو ترتبط فيما بينها برباط السبب والنتيجة، أو برابطة الغاية والوسيلة، وذلك مثل الوعي والوجود، الروح والمادة، البنية الفوقية والبنية التحتية، البنى الكبرى والبنى الصغرى، الكليات والجزئيات، الأصول والفروع، المثالية والواقعية، البناء والعملية أو الإستاتيكا والديناميكا، التوازن والتغير، الاستقرار والصراع، الأهداف والوسائل ، ومفهوما الثوابت والمتغيرات إحدى هذه الثنائيات المستخدمة لتصوير أوضاع المجتمعات البشرية من حيث عوامل نشأتها ومقومات استقرارها وتطورها.

وللوقوف على طبيعة الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي وتحليلها من منظور علم الاجتماع فإنه يتعين علينا إثارة تلك الأسئلة التقليدية التي كانت الإجابة عليها وراء تطور النظرية الاجتماعية ، ومن ثم نشأة  ما هو معروف بعلم الاجتماع TURNER, 1986, P: 38) (، وتتمثل تلك الأسئلة في كل من:لماذا وكيف يكون المجتمع ممكناً؟ ما الذي يربط المجتمع بعضه ببعض؟ وما الذي يحمل المجتمع على التغير؟

وبطرحنا هذا الأسئلة على واقع المجتمع السعودي لتحليل الكيفية التي أصبح فيها هذا المجتمع ممكنا والعوامل التي تقف وراء ترابط أجزائه أو وحداته الصغرى مع بعضها البعض وتفسر توازنه واستقراره ، وكذلك العوامل التي أدت إلى تغيره وتطوره ، فإن الإجابة عليها لا محالة ستؤدي بنا إلى الوقوف بشكل منطقي على تلك الثوابت والمتغيرات في هذا المجتمع الذي ينطوي على الكثير من الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية إذا ما نظر إليه من زاوية مقارنة ، ومما لا ريب فيه أن تحقيق ذلك سوف يفرض على المحلل  تعقب عناصر الإجابة على تلك الأسئلة من جانبين على الأقل؛ أما الأول فيتمثل في تصوير الأوضاع الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية قبيل قيام الدولة السعودية وتقصيها، ومن ثم تفاعل هذه الأوضاع مع أبعاد الزمان والمكان ليتمخض عنها قيام المجتمع السعودي الذي فرض نفسه على الواقع الاجتماعي محلياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً ، أما الجانب الآخر فيتمثل في تحليل تفاعل البناء الديني للمجتمع مع كافة الأبنية الثقافية والسياسة والاجتماعية والاقتصادية وبخاصة منذ تأسيس المملكة على يد المغفور له الملك عبدالعزيز حتى وقتنا الراهن ؛ وذلك للوقوف على مسيرة المجتمع السعودي وهو يتفاعل مع موروثات الماضي ومعطيات الحاضر وتحديات المستقبل.

هذا وستشكل الآراء الرائدة لابن خلدون في كيفية قيام الدول وغيره من علماء الاجتماع المحدثين الذين دارت مقولاتهم الفكرية على الكشف عن العمليات الاجتماعية والتاريخية التي تجعل المجتمعات حقيقة واقعة– ستشكل هذه الآراء الإطار المرجعي لمعالجة الموضوع ؛ إذ سيتم من خلالها فحص الواقع الاجتماعي للمجتمع السعودي، الأمر الذي سيؤدي للوقوف عن كثب على الثوابت والمرتكزات التي انبثق المجتمع السعودي في ضوئها وساعدت لاحقاً على توازنه واستقراره، تلك الثوابت التي تتمثل في الدين الإسلامي عقدياً وسلوكياً الذي انعكس بالضرورة على وحدة الثقافة وتجانسها ، وأكسب سائر الأبنية الاجتماعية الكبرى الشرعية اللازمة كالسلطة والاقتصاد والتعليم ونحو ذلك لتؤدي وظائفها بما يضمن توازن المجتمع وتكامله ، كما سيؤدي هذا المدخل التصوري إلى التعرف على دور المتغيرات التي ساعدت المجتمع على التفاعل والتكيف مع معطيات العصر واللحاق بركب الحضارة والعلم ، وذلك مثل اكتشاف البترول وتطور الاقتصاد، التعليم، وتوطين البادية، والتحضر، والتصنيع، والأخذ بمعطيات الحضارة المعاصرة بما يتفق مع تلك الثوابت ولا يتعارض معها.

 

أولاً: تحديد مفاهيم البحث:

يُعَدُّ مفهوما الثوابت والمتغيرات المفهومين الرئيس في هذه الدراسة، ولذا يتعين تحديدهما تحديداً واضحاً قبل التطرق إلى تحليل ثوابت المجتمع السعودي ومتغيراته.

وبداية تجدر الإشارة إلى أن المفهومين شاع استخدامهما بشكل واضح في الدراسات الفلسفية والفكرية والتربوية والاجتماعية وبخاصة في العقود الأخيرة نتيجة لتزايد الاحتكاك والتواصل الثقافي المترتب على تطور وسائل الاتصال والمواصلات ، وقد كان من نتائج ذلك أن كان المفهومان موضوعاً لعدد من الندوات الفكرية التي عقدت خلال العقدين الماضيين في عدد من الأقطار العربية والإسلامية لمناقشة قضايا تتصل بالاحتكاك الثقافي وقضايا الأصالة والمعاصرة أو الحداثة أو الاتباع والإبداع وغير ذلك من المفاهيم التي برزت على الساحة الفكرية منذ ذلك الحين.

وأياً كان الأمر فقد استخدم مفهوم "الثوابت" في دراسات الثقافة الإسلامية ؛ ليشير بشكل عام إلى الدين الإسلامي باعتباره حقيقة راسخة بما يحتوي عليه من  عقائد وقيم وبما يحتوي عليه من أخلاق وسلوك، فهو يمثل القاعدة العريضة والقاسم المشترك الذي يدين به المسلمون وتقوم عليه حياتهم وينعكس على سائر شؤونهم المعيشية. (انظر: القرضاوي،1407 ؛ الراوي، 1411؛ البوطي، 1994؛ الزعير، 1411؛ الصاوي، 1414)

والحال كذلك في دراسات التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية التي تحدد الثوابت في الإطار العقيد ؛ إذ تتمثل هذه الثوابت في "القيم والعقائد والنظم المحددة التي تأخذ صورة مكتملة ونهائية وغير قابلة للتطور والتجديد ، وتعلو فوق الأزمان والبيئات المرتبطة بالإنسان حيث وجد وأنى وجد"، وينظر إلى هذه "الثوابت باعتبارها قيماً موضوعية ومستقلة عن كل اهتمام شخصي أو ثقافي" وما على الإنسان حيالها إلا أن يلتزم بها ويصوغ سلوكياته وفقاً لمقتضياتها. (أمزيان، 1401، ص: 354، 355).

وهناك من الدراسات الفلسفية والتربوية التي لم تحصر الثوابت في إطار الدين والمعتقدات، بل أضافت إلى ذلك ظواهر أخرى كاللغة، والتاريخ، والتراث الثقافي عامة (الدجاني، 1413)، والانتماءات القومية والعرقية والخصوصيات الجغرافية (إلياس، 1990، ص:12) ونحو ذلك من الأمور التي تنعكس بالضرورة على مسائل التعليم والسياسية والاقتصاد ونحو ذلك من وسائل الحياة.

ومما يلاحظ أن إسقاط مفهوم الثوابت على هذه الجوانب الدينية والثقافية يعني شيئاً مختلفاً باختلاف هؤلاء الباحثين ، وذلك من حيث الإطلاق أو النسبية ؛ فمن الباحثين من يرى تلك الثوابت ثوابت مطلقة لا تقبل التحول أو التغير فهي مستقلة عن الإنسان الذي ليس عليه إلا التقيد والانصياع لها (أمزيان، 1401، ص: 354)، وفي العلوم الاجتماعية الوضعية غالباً ما  يستخدم مفهوم الثوابت بشكل مجازي ، فهذه الأمور ثباتها نسبي ؛ بمعنى قابليتها للنمو والتطور([1]) ولو على الأقل على مستوى فهم الناس لهذه الثوابت وتطبيقهم أو ممارستهم لها، وهي أمور (أي الفهم والتطبيق والممارسة) ربما تتعرض للتطور والتغير بتغير مضامين اللغة وتطورها لكونها الوسيط الناقل لتلك المفاهيم، وكذلك بتغير ظروف الزمان والمكان التي قد يحرر المعاني التجريدية من إطارها التاريخي والمكاني مما يجعلها بالضرورة تعني أشياء تختلف ربما في الكم والكيف عن دلالاتها السابقة وإن حافظت على طابعها العام.

ويتفق هذا الطرح على الأقل من حيث الفحوى والمحتوى مع أطروحات  علم الاجتماع بشكل عام وعلم الاجتماع الوظيفي على وجه  الخصوص ؛ فالمفاهيم السوسيولوجية من أمثال: الإستاتيكا، البناء، التوازن، الاستمرار والاستقرار، الغايات والأهداف، العقل الجمعي، النسق الثقافي، وغير ذلك من المفاهيم التي لا تخلو منها الكتابات السوسيوليجية قديماً وحديثاً تشترك من زاوية أو أكثر مع مفهوم الثوابت ، وعليه فإننا سنستخدم مفهوم الثوابت في هذا البحث بمعنى البناء أو البنية التي تشير إلى "العناصر الثابتة لنظام معين مقابل عناصره المتغيرة" الذي يعني كذلك تمييز "الأساسي من الثانوي، والجوهري من غير الجوهري ، والأصلي من المشتق" (انظر: بورّيكو، 1986، ص: 100).

أما مفهوم "المتغيرات" فإنه على النقيض من مفهوم الثوابت،  من المفاهيم الشائعة في العلوم بشكل عام ، فالعلوم لكونها تقوم على المنهج الوضعي تركز في بحثها في الظواهر على مسألة التغير (أو التباين)؛ فكل علم في مجاله يصنف مجال اهتمامه إلى عدد كبير من الظواهر ، وكل ظاهرة إلى عدد من المتغيرات ، وتبحث العلاقة بين هذه المتغيرات في ضوء فكرة الارتباط أو التلازم في التغير أو الاختلاف أو التباين سواء كان تلازماً عضوياً أو سببياً أو جدلياً؛ فاقتران الاختلاف في متغيرٍ ما بالاختلاف في متغيرٍ آخر يعد دليلاً على وجود علاقةٍ ما بينهما، وقد استخدم هذا المفهوم في العلوم الاجتماعية بالمعنى نفسه مع تطور العلوم الاجتماعية واستخدامها للمنهج الوضعي ذاته منذ القرن التاسع عشر على افتراض أن الظواهر الإنسانية تشترك مع الظواهر الطبيعية من حيث الاستقلالية وإمكانية الملاحظة والقياس.

ومن الملاحظ أن مفهوم "المتغيرات" في الكتابات الفكرية والثقافية العربية والإسلامية المعاصرة قد استخدم بطرق خاصة؛ فإذا كانت الثوابت تشير في هذه الكتابات بشكل عام إلى ما هو رباني وديني فإن المتغيرات تشير إلى ما هو بشري ودنيوي، فقد ورد مفهوم المتغيرات في هذه الكتابات ليشير إلى ما يستخدمه الإنسان من وسائل وما يتخذه من أساليب لتلبية حاجاته ورغباته الحياتية ، وذلك من مثل الأنشطة العمرانية كالزراعة والصناعة والتجارة، والأنشطة الحضارية كالآداب والفنون، والأنشطة الفكرية كالعلوم والفلسفة ، فهذه الأنشطة وما شاكلها خاضعة للتغير والتبدل والتطور نتيجة للتواصل والتفاعل المستمر بين أبناء البشر في البيئة التي تمكنهم من الاهتداء إلى وسائل وأساليب أكثر فعالية في تحقيق حاجاتهم الإنسانية وتلبيتها . (انظر: القرضاوي،1407 ، الراوي، 1411، البوطي، 1994، الزعير، 1411).

ومفهوم المتغيرات بهذا المعنى يقترب أو يشترك مع عدد من المفاهيم المعروفة في علم الاجتماع كالديناميكا، العملية، البنى الفوقية،  الحاجات والوسائل، المؤسسات والأنسقة الوظيفية ؛ فقد وردت هذه المفاهيم لدى عدد من علماء الاجتماع الكلاسيكين والمعاصرين (من أمثال: كونت، دوركايم، سبنسر، ماركس، مالينوسكي، بارسونز، ميرتون)([2]) مشيرة إلى تلك الظواهر الاجتماعية التي تعبر عن الوسائل والأساليب التي تمكن الإنسان من التكيف مع الإطار الاجتماعي الذي يعيش فيه ، وعموماً فإننا سنستخدم مفهوم المتغيرات في هذه الدراسة للإشارة إلى تلك العناصر المتغيرة من النظام أو النسق الاجتماعي في مقابل عناصره الثابتة (بورّيكو، 1986، ص: 100) كالوسائل والإجراءات والآليات التي تتغير بتغير البيئات الاجتماعية، ولكنها على الرغم من ذلك تعكس بناء المجتمع وثوابته، مما يحقق التوحد والتماسك والتوافق بين ثوابت المجتمع وغاياته الكبرى وبين الطرق والآليات والوسائل المرتبطة بالشؤون الحياتية لوحداته الاجتماعية.

 

العلاقة بين الثوابت والمتغيرات:

من العرض السابق لمفهومي الثوابت والمتغيرات تبين لنا أن الثوابت هي تلك الجوانب الدينية والثقافية التي تتسم بالاستقرار والديمومة، أما المتغيرات فهي كل ما يستخدمه الإنسان من وسائل وأساليب لتلبية حاجاته ورغباته المعيشية، وهي أمور تتغير وتختلف حسب الثقافات ووفقاً لظروف الزمان والمكان، ولم تهمل الكتابات الفلسفية المشار إليها أعلاه مسألة العلاقة بينهما؛ فباعتبار الثوابت الأسس التي يقوم عليها المجتمع فإن المتغيرات تكتسب مشروعيتها من مدى تمثلها أو تصويرها أو أخذها في الاعتبار بالثوابت؛ فمشروعية هذه المتغيرات يعتمد على مدى تصويرها وتقيدها بالثوابت، فالأساليب والأدوات التي يستخدمها الإنسان في حياته  اليومية تكتسب مشروعيتها بقدر ما تعكس هذه الأساليب والوسائل ثوابت المجتمع، وهو ما أطلق عليه بعض المفكرين الإسلاميين مفهوم "الموازنة بين الثوابت والمتغيرات؛ يقول أحدهم : "نحن بدافع من ديننا لا ندعو إلى التمسك بالثابت وإهمال المتغير، وإنما ندعو إلى أن نصطحب الثابت في جميع أمرنا ولا نهمله في أي شأن من شؤون حياتنا ، نحن نعيش بثابت في متغير، وإهمال أحدهما ضار بالآخر" (الراوي، 1411هـ، ص:239)؛ وبهذا فإن النظرة الإسلامية للحياة والكون تقوم على الموازنة والموائمة بين الثوابت والمتغيرات ، "إنه الثبات على الأهداف والغايات والمرونة في الوسائل والأساليب، الثبات على الأصول والكليات والمرونة في الفروع والجزئيات، الثبات على القيم الدينية والأخلاقية والمرونة في الشؤون الدنيوية والعلمية" (القرضاوي، 1988،ص : 37).

 

ويؤكد العديد من المفكرين أن عدم التوازن بين الثوابت والمتغيرات يفسر العديد من الأزمات والمشكلات التي تواجه المجتمعات الإسلامية المعاصرة؛ فالقطيعة بين المعتقد والسلوك (ما لقيصر لقيصر وما لله فهو لله) يؤدي إلى ظهور الأزمات وانحطاط المجتمعات وتحول الإنسان في نهاية المطاف إلى جسد مادي خالٍ من الروح (الراوي، 1411هـ، ص:239)، ومنهم من يرى أيضاً أن من هذه الأزمات والمشكلات تنبع أيضاً من تثبيت ما من شأنه المرونة والتطور وتغيير ما من شأنه الثبات والجمود الأمر الذي يؤدي إلى اضطراب الحياة واختلال الموازين بها (القرضاوي، 1407، ص: 81).

وفي علم الاجتماع قام روبرت ميرتون بطرح نظريته المعروفة بالآنومي (أو فقدان المعايير) التي بين فيها أن التوازن والتوافق الاجتماعي إنما يتحقق في المجتمع بتطابق الوسائل المشروعة اجتماعيا مع الأهداف المحددة ثقافيا ، أما في حالة غياب هذه العلاقة أو الموازنة فإن ذلك يسمح بظهور واستفحال الكثير من المشكلات الاجتماعية كالجريمة والانحراف ومشكلات الروتين في التنظيمات وإدمان المخدرات والانسحاب من المجتمع وبروز مظاهر العصيان والتمرد على نظمه (MERTON, 1938).

 

تساؤلات البحث:

في ضوء الهدف من البحث وما تم توضيحه في الفقرات السابقة فإنه من الممكن صياغة عدد من التساؤلات التي سيتم الإجابة عنها من خلال الفقرات اللاحقة في هذا البحث، وهذه التساؤلات هي:

1- ما الثوابت التي يقوم عليها المجتمع السعودي، وتشكل المرجعية الأساسية بالنسبة للأفراد والجماعات والمنظمات المختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية؟.

2-  ما المتغيرات التي تعكس الوسائل والأساليب التي مكنت وتمكن سكان المجتمع من التأقلم والتكيف مع واقع الحياة المعاصرة في المجتمع السعودي؟.

3-          ما طبيعة العلاقة بين الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي على مستوى التخطيط والتطبيق؟.

 

الإطار التصوري للبحث:

للإجابة عن تساؤلات البحث فإنه يتعين علينا أولاً أن نقوم بمراجعة مختصرة للعديد من المقولات النظرية في علم الاجتماع التي تفسر قيام المجتمعات ونشأتها ؛ وذلك لاكتشاف طبيعة الثوابت والأسس التي تنبثق المجتمعات في ضوئها وتنعكس على سائر الأمور فيها، وذلك وفقاً لما تعكسه المعرفة الاجتماعية المعاصرة حيال هذه القضايا.

إن الناظــــر بشكل شمولي لأدبيــــات علم الاجتمــــاع التي تدور حول إشكاليــــة نشوء التنظيمات الاجتماعية أو بعبارة أخرى نشأة المجتمعات الإنسانية واستقرارهـــــا (انظر:  TURNER, 1986, P: 38 ) سيلاحظ بشكل مستمر أن منظري علم الاجتماع وإن انطلقوا من منطلقات إديولوجية وإبستمولوجية مختلفة واستخدموا مفاهيم ومصطلحات متنوعة إلا أنهم يكادون يلتقون في منعطف واحد، يتمثل هذا المنعطف في الدعائم والأسس أو العوامل التي قادت إلى نشأة المجتمعات الإنسانية، وباختصار شديد نستطيع الإشارة بشكل مباشر إلى أن هذه الأسس أو الدعائم ذات طابع ثقافي اجتماعي من المنظور الوضعي الوظيفي، في حين تأخذ الطابع الوجودي أو المادي من المنظور الصراعي، كما أن هذه الأسس أو الدعائم تتمحور حول المعاني التي تنشأ من التفاعلات التي تحدث بين الوحدات الاجتماعية في المنظور التفاعلي الرمزي، من هذا نستطيع القول بأن علماء الاجتماع لا يختلفون في هذه الزاوية، أي وجود عوامل أو أسس –وإن شئت ثوابت– هي التي تقف وراء نشأة النظام الاجتماعي (SOCIAL ORDER)؛ ولتفصيل هذه الرؤية فسأقوم بعرض موجز للاتجاهات النظرية الكبرى المفسرة لنشوء أنماط التنظيم الاجتماعي بما يساعد على فهم الثوابت التي تمثل الأسس والركائز للحياة الاجتماعية وتحديدها في أي مجتمع إنساني كان، كما تساهم في فهم المتغيرات التي تفَعِّل تلك الثوابت في الحياة والتفاعلات الاجتماعية من جانب وتعبر عن الكيفية التي تأخذ فيها المجتمعات بركاب التغير والتطور من جانب آخر.

 

أولاً– المنظور الصراعي:

يركز هذا المنظور بشكل عام على وجود عوامل أساسية في نشوء المجتمعات الإنسانية، إلا أن أصحاب هذا المدخل يختلفون كثيراً في ماهية  هذه العوامل؛ إذ تأخذ هذه العوامل طرفي النقيض في جدلية الوعي والوجود أو المثل والمادة.

وابن خلدون في تأكيده على البعد الديني والمثالي لكونه أساساً مهماً في قيام المجمعات يعد مثالاً لهذا المنظور؛ فقد أكد ابن خلدون– كما تشهد بذلك مقدمته والكتابات الكثيرة الحديثة عن تراثه– على مسألة الحتمية الدينية في نشأة العمران الإنساني؛ إذ يقول في مقدمته : "إن الدولة العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين، إما من نبوة، أو من دعوة حق" ، "وإن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية"(ابن خلدون، 1399، ص:132)، ولم تلاق هذه الفكرة الخلدونية ما يدحضها في الفكر الاجتماعي الحديث، بل إن فلسفة هيجل برمتها وتصوره للمجتمع كإرادة الله في أرضه (MARTINDALE, 1981, PP:149153)، وكذلك رؤية ماكس  فيبر في نمطيته المشهورة عن  المجتمعات القائمة على السلطة الكريزماتية (أو الملهمة)، والسلطة التقليدية، والسلطة العقلانية (انظر: MARTINDALE, 1981, P: 388) تلتقي مع رؤية ابن خلدون في هذه الزاوية المتمثلة في النظر للدين بعدِّه حجر الزاوية للحياة الاجتماعية، بل إن النظام الرأسمالي برمته عُدَّ لدى فيبر المحصلة الأخلاقية للمثل والقيم الدينية البروتستانتية التي تؤكد على عدِّ الاستغلال الأمثل للمــــادة رمزاً وبرهاناً للخلاص والنجاة في اليوم الآخر(WEBER, 1958)، وعليه فإن ما يجري في الحياة الاجتماعية من ظواهر اجتماعية ومادية ما هي إلا وسائل أو أساليب أو متغيرات يستخدمها الإنسان لتحقيق حاجاته الحياتية وتلبيتها، ولكنها في جوهرها تتمحور أو تعكس تلك البنية الدينية والخلقية التي كانت سبباً في نشأة ذلك المجتمع.

وهذه النظرة بشكل عام كانت ولا تزال محور المدرسة الصراعية الانتقادية في تركيزها على أهمية القيم والبنى الفكرية وخطورتها في ظهور المجتمعات وقيامها ، على أنه تجب الإشارة هنا بشكل موضوعي إلى أن هذا التوجه لا يمثل قاسماً مشتركاً بين منظري المدرسة الصراعية عموماً؛ فالشق الوضعي من الصراعية ينكر هذه النظرة التي تنظر إلى البنى الأخلاقية والمثالية والدينية قاعدة وبنية تحتية للمجتمع؛ فالوضعيون الصراعيون بشكل عام جرياً على أعقاب ماركس يؤكدون على أن المادة والاقتصاد أساس أو بنية تحتية للمجتمع ، وعموماً فإن المدخل الصراعي في تحليلاته للظواهر الاجتماعية يقوم على أساس التمييز بين بنيتين متمايزتين، بنية تحتية تمثل الأساس والقاعدة العريضة للمجتمع (وهي الدين والأخلاق والمثل عند ابن خلدون وفيبر ، في حين ينظر في الصراعية الوضعية إلى الاقتصاد ووسائل الإنتاج كجوهر لتلك البنية)، وبين بنية فوقية أو علوية تتجلى في مظاهر  الحياة الاجتماعية من وسائل وأساليب ومتغيرات يستخدمها الإنسان للوفاء بحاجاته المتعددة ، ولكنها تتغير وتتبدل وفقاً لمتطلبات وديناميكية البنى التحتية المتمثلة في الاقتصاد والسياسة وسائر مظاهر المجتمع المدني ونحو ذلك لدى الصراعية الانتقادية، في حين تعد الصراعية الوضعية الاقتصاد ووسائل الإنتاج المحور الذي تدور حوله  الحياة الاجتماعية ، وماعداه لا يشكل إلا مظهراً من مظاهر البنية الفوقية التي تتكيف وتتغير وفقاً لمتطلبات الإنتاج وظروفه (انظر: GOULDNER, 1980, PP: 5860).

 

ثانياً– المنظور الوظيفي:

هذا المنظور يقوم على فكرة التأكيد على التلاحم والتكامل بين العناصر المكونة للحياة الاجتماعية، والنظر إلى المجتمع بوصفه نسقاً من الأنسقة الكونية فكرة أو مفهوم محوري في النظرية الوظيفية بشكل عام؛ إذ ينظر  إلى المجتمع بكونه متكوناً من أنساق متعددة ولكنها تترابط وتتداخل مع بعضها البعض بشكل وظيفي مما يجعل قيام التنظيمات الاجتماعية أو ظهور المجتمع أمراً ممكناً، والنظرة هذه بشكل عام تمثل قاسماً مشتركاً بين العديد من النظريات الوظيفية التي إن تعددت فإن ما يجمع بين فروعها أكثر مما يفرق بين تلك الفروع.

 

وإذا أخذنا البنائية الوظيفية (STRUCTURAL FUNCTIONALISM) مثال من المنظور البارسونزي فإننا نلاحظ أن هذه النظرية قد صورت المجتمع في ضوء أربعة أنسقة أساسية ؛ هي النسق الثقافي والاجتماعي ونسق الشخصية والنسق العضوي، ونظر بارسونز إلى النسق الثقافي المتمثل في القيم والأخلاق والمثل لكونه الدعامة الرئيسة للمجتمع، والذي يقوم بدور الموحد الفكري الأيديولوجي بين الوحدات التي يتكون منها المجتمع، ومحورية هذا النسق تتمثل في العلاقة الهرمية التي تربط هذه الأنسقة الأربعة ببعضها البعض، فقد جعل النسق الثقافي النسق الأساس الذي ينعكس على الأنسقة الأخرى كافة ؛ فالأسرة والمدرسة والسلطـــة والاقتصــاد بوصفها مظاهر للأنسقة الثلاثة تتفاعل وتتكيف مع متطلبات قيم المجتمع وأهدافه ومثله، ومن هنا فإن النسق الثقافي في المنظور  الوظيفي هو الأساس ، في حين تُعدُّ بقية الأنسقة وسائل وأساليب تتكيف وتتغير مع البيئة المحيطة ولكن بشكل يتناسب مع نسق المجتمع الثقافي بما يحمله من قيم ومثل وأخلاق وغايات كبرى (PARSONS, 1951, PP: 345).

 

ثالثاً– المنظور التفاعلي الرمزي:

يختلف هذا المنظور عن المنظورين السابقين، فالتحليل هنا يتمركز لا على البنى أو الأنسقة كظواهر معطاة، بل كعمليات مستمرة في النشوء والتطور وفقاً لتلك المعاني التي تتكون لدى الأفراد في تفاعلاتهم اليومية مع بعضهم البعض؛ فهربرت بلومر في تفاعليته الرمزية يعد تلك المعاني ذات طابع محوري لا يمكن عزله عن واقع الحياة الاجتماعية بما فيها من نظم وأبنية، فهذه الأبنية والنظم لم تنزل فجأة من السماء إلى الأرض ليتقمصها الأفراد ويكيفون حياتهم وفقاً لها، بل إن الأفراد هم أنفسهم أثناء تفاعلاتهم مع بعضهم قد تكونت لديهم معاني عن الأشياء من حولهم، وقدرة الأفراد على استخدام تلك المعاني لحل إشكالية متطلبات الحياة هي التي أدت إلى انبثاق تلك البنى والتنظيمات الاجتماعية(MARTINDALE, 1981, P:354)، ولذا فإن الطابع التجريدي أو الفكري للمعاني– بصرف النظر عن نشأة هذه المعاني– هو ما يشكل قاسماً مشتركاً مع ما يقوم عليه الدين من مثل ومعانٍ وأخلاق ورموز، الأمر الذي يجعل من السهل عدَّ المعاني الخلقية والمثل هي أساس التنظيم الاجتماعي.

 

تعليق على هذا المداخل:

من خلال هذا العرض السريع والمقتضب للمداخل الثلاثة فإنه من السهل أن ندرك أن هناك ثنائية معينة قامت عليها هذه المداخل كافة، وتتمثل هذه الثنائية في كل من ثنائية المعنى أو الفكر أو الوعي أو الثقافة أو الغاية في مقابل  المظهر والشكل أو الوجود والوسيلة، كما أنه من الواضح أن جميع  هذه المداخل تشترك في منهجيتها  الأبستمولوجية في تحديدها للعلاقة بين طرفي تلك الثنائية وإن اختلفت طبيعة تلك العلاقة من مدخل إلى آخر، ولذا فإن هذا يطرح سؤالاً عن إشكالية هذه الثنائية بالنسبة للمجتمع السعودي وظروف نشوئه وقيامه، الأمر الذي يفرض علينا توضيح قطبي تلك الثنائية من جانب، وتحديد العلاقة بين هذين القطبين، وطبيعة هذه العلاقة من حيث كونها سببية أم تكاملية من جانب آخر ، وكذلك الوقوف على الكيفية التي ساهمت من خلالها هذه العلاقة بين قطبي تلك الثنائية في تفسير مظاهر الاستقرار والتوازن من جانب وبين مظاهر الانحراف والاختلاف أو التباين والصراع من جانب آخر.

 

منهجية البحث:

سيتم الاعتماد في الإجابة على تساؤلات هذا البحث على الأسلوب الكيفي في البحث، وذلك باستخدام المعطيات والكتابات التاريخية من جانب للكشف عن الغايات والأهداف التي تم في ضوئها بناء المجتمع السعودي كما تعكسها الوثائق والكتابات والتحليلات التاريخية التي تتعلق بقيام الدولة السعودية، مما سيساعد على إلقاء الضوء على الأسس والثوابت التي في ضوئها انبثق المجتمع السعودي ونشأ وترعرع، كما نقوم بمراجعة تحليلية للكتابات التي تطرقت لنشأة التنظيمات السياسية والإدارية التي حددت الوسائل والإجراءات المتاحة للوحدات الاجتماعية المختلفة من أفراد وجماعات ومؤسسات لتحقيق غاياتها وأهدافها بما يتمشى ويتفق مع الغايات والأهداف والثوابت الكبرى للمجتمع، مما أضفى عليها الشرعية الاجتماعية التي بدونها يصعب على تلك الوحدات تحقيق ما ترنو إليه بشكل اجتماعي مقبول.

ومن خلال ذلك سنكون في وضع نستطيع معه التمييز بين ما هو ثابت وأساسي وجوهري من جانب كون ذلك يمثل الدعائم أو الثوابت والغايات الكبرى التي قام عليها المجتمع السعودي وساهمت في استقراره، وبين ما هو حركي وعملي ومتغير على كون ذلك مظاهر للوسائل والمتغيرات والإجراءات التي تساعد الناس على تحقيق أهدافهم وغاياتهم في ضوء الأهداف والغايات الكبرى للمجتمع، ونأمل من خلال ذلك ليس فقط الكشف عن طبيعة كل من الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي، بل بشكل أهم الكشف عن طبيعة العلاقة بينهما من حيث التكامل أو التنافر، وكيف يمكن التعويل على هذه العلاقة في فهم مظاهر الاستقرار والتوازن من جانب ومظاهر التباين والاختلاف والصراع من جانب آخر.

 

التحليل والنتائج:

كما سبقت الإشارة إلى ذلك فإن هذا البحث يسعى للإجابة عن أربعة أسئلة مهمة تتمثل في:

        1-  ما الثوابت والغايات الكبرى التي انبثق المجتمع السعودي في ضوئها؟

        2-  ما طبيعة المتغيرات والوسائل في المجتمع السعودي؟

        3-  ما طبيعة العلاقة بين  الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي؟

        4-  هل يمكن فهم مظاهر الاستقرار والتوازن من جانب ومظاهر الانحراف والصراع من جانب آخر في ضوء تلك العلاقة؟

  وفيما يأتي عرض للإجابة عن هذه الأسئلة كلٌّ على حده:

 

أولا– الثوابت والغايات الكبرى التي انبثق المجتمع السعودي في ضوئها:

شكل قيام الدولة السعودية في مراحلها الثلاث حدثاً تاريخياً مهماً تناولته أقلام المتخصصين في العلوم الاجتماعية في الداخل والخارج بالدراسة والتحليل، ولا شك أن مكانة وموقع الجزيرة العربية من الأمة العربية والإسلامية على حد سواء كان سبباً مهماً في الاهتمام بهذا الحدث، ورغم كثرة ما كتب عنه من الكتب والأبحاث والدراسات من جانب واختلاف المشارب الفكرية والمنطلقات الأديولوجية لهؤلاء الكتاب والدارسين إلا أن جميع هذه الأفكار التي رصدت قيام الدولة السعودية تكاد تلتقي في منعطف واحد؛ فهذه الكتابات تشير بطرق متعددة ومن زوايا مختلفة– وبخاصة إذا جردت هذه الأفكار من الزخم الأيديولوجي والتوجهات السياسية لأصحابها([3])– إلى محورية الدين الإسلامي في نشأة هذا المجتمع ؛ فالجزيرة العربية التي تحولت بعد سقوط الدولة العباسية إلى أجزاء متعددة ومتناحرة ظلت هكذا مدة طويلة، أشبه ما تكون بدويلات الطوائف في حضارة الأندلس الإسلامية ، كل رقعة محدودة من الجغرافيا بيد زعيم تقوم سلطته في الغالب على منطلقات قبلية أو طائفية ، حتى بعد دخول العثمانيين إلى الجزيرة العربية فإن سلطانهم قد اقتصر على أجزاء منها بشيءٍ من المد والجزر في تلك الأجزاء، في حين ظلت بقية الأجزاء بعيدة عن النفوذ العثماني.

وليس من المستبعد أن سكان الجزيرة العربية في تلك الأزمنة وإن تقادم بهم العهد عن الدين الإسلامي إلا أن روح الإسلام ومثله وأثره في قيام الحضارة الإسلامية لا تزال حتى ذاك تشكل الصورة النمطية عندهم عن الماضي العربي والإسلامي التليد، ولكنها ظلت صورة نمطية هامدة لم تجد من يفعلها ويترجمها إلى واقع حتى تم الاتفاق التاريخي بين أمير الدرعية الإمام محمد بن سعود والمصلح الديني والاجتماعي الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله، فبفضل من الله ثم هذا الميثاق تحولت الدرعية من مجرد قرية صغيرة إلى عاصمة لمجتمع بسط نفوذه في مدة وجيزة على السواد الأعظم من شبه الجزيرة العربية ؛ إذ شكلت تلك الصورة النمطية الموجودة في مخيلة الناس عن الدين الإسلامي عاملاً نفسياً مهماً في ذوات الأفراد، مما جعلهم من جانب يتقبلون بشكل طوعي هذا النظام الجديد الذي يذكرهم بماضي أمتهم الإسلامية والعربية، كما ساعد من جانب آخر على التضحية والتفاني في سبيل الجهاد وخدمة الدين، ومما لا شك فيه أن الطابع الجماعي لا الفردي للسكان بعد أن تمت إعادة صياغته وتحويله من خلال دعوة الإصلاح الديني من ولاء الفرد لجماعته المحدودة إلى ولائه لدينه وأمته إضافة إلى حياة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي قد ساهم في الإسراع في ولادة المجتمع واكتمال شخصيته السياسية والاجتماعية.

ومن الطبيعي لنظام اجتماعي جديد أن يتعرض إلى مد وجزر لكونه كياناً جديداً وجد نفسه في مدة وجيزة بين عدد كبير ومهيمن من الأنظمة الاجتماعية التي وجدت في المرتكز العقدي لهذا الكيان الجديد خطراً يهدد مصالحها ومنطلقاتها الأيديولوجية، فكان أن عملت بصور متعددة إلى إجهاض هذا الكيان ومحاربته فكرياً وعسكرياً، وقد حققت تلك المساعي بعض النجاح لمدد قصيرة تمثلت في مدة الاضطرابات التي تخللت الدولة السعودية مع نهاية المرحلة الأولى ومروراً بالمرحلة الثانية منها، إلا أن هذا النجاح العسكري للقوى المعادية للنظام عجز عن هزيمة القوة العقدية الراسخة في ذوات سكان هذه الجزيرة، فما إن شرع المغفور له الملك عبدالعزيز في إعادة تأسيس الدولة منطلقاً من نفس التوجهات والمنطلقات العقدية لأسلافه، ولكن في هذه المرة برؤية استفادت من تجارب الآباء والأجداد في صراعهم مع القوى المعادية، حتى تمكن في مدة وجيزة وقياسية في حياة الأمم من إقامة مجتمع يعكس ويجسد تلك الصورة النمطية الموجودة في مخيلة سكان هذه الجزيرة.

والمتتـبع بشكل دقيق لما كتب عن شخصـــية الملك عبدالعزيز([4]) وعن عملية استعادة مدينة الرياض عام 1319 هـ/1902م وما بعدها وما جرى خلالها من أحداث ووقائع واتخذ من خطوات علاوة على المكاتبات الرسمية التي كانت تتم بين الملك عبدالعزيز وبين أنصاره ومعاديه على حد سواء وكذلك مضامين الكثير من النصوص الخطابية والشعرية نحو ذلك يلاحظ بشكل جلي أن الدين قد ساعد على العمل على قيام وحدة وطنيـــــة، وفي الوقت نفســــه عمل على إعادة تشكيلة تجانــس المجتمع ، يذكر السنيدي (1418) "أن الملك عبدالعزيز عندما عزم على توحيد البلاد كان هدفه الأسمى الوحدة على أســـاس الدين، وهو أمر واضــــح في وقائعه وسياساتـــــه وخطاباته" ، كما يذكر أن المملكـــة "قامت على أساس الشريعة الإسلامية، ولذلك فإن ملك هذه البلاد يستند في قراراته وأسلوب حكمه على ما ورد في هذه الشريعة" (السنيدي، 1418،  ص: 55، 94).

كل ذلك مما يؤكد محورية الدين الإسلامي هدفاً وغاية كبرى وراء قيام المجتمع الجديد ؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الصيحة الحربية والمعاني الرمزية لعلم القيادة الذي يتصدر الجيوش ومشاركة علماء الدين في الحروب والدور التثقيفي الديني الذي كانوا يمارسونه في الدعوة والتوجيه والإرشاد في الحاضرة وأثناء التحركات العسكرية والخطاب الديني الموجه للجماهير آنذاك الذي ينص على دعوة الناس إلى مناصرة المغفور له الملك عبدالعزيز في حملاته العسكرية لكونه جهاداً في سبيل الله وإحياء لكلمته كل هذه الأمور تبين بشكل قطعي أن هذا المجتمع الجديد ذو غاية وذو هدف سام ، لامست مشاعر الناس وأحاسيسهم ورغبتهم في العيش عيشة تتكامل فيها الوسائل والأهداف.

وعموماً فإن هذا الدور الذي قام به الدين الإسلامي في عملية بناء المجتمع السعودي وتأسيسه لا يعد من منظور علم اجتماع الدين أمراً نشازاً أو حالة خاصة بالمجتمع السعودي؛ إذ يذكر جوشيم واتش :"ليس هناك من شك في أن الدين قد برهن على أنه واحد من أعظم القوى التوحيدية الفعالة والمؤثرة في حياة (أو قيام) أو سيرة جميع أنواع الدول، على الرغم أنه من المعلوم أيضاً أن الدين يثور أو يرتد على الدولة أو قوادها عندما يساء استخدامه … فالتعاليم الدينية … تقف وراء (أو تدافع عن) مصداقية القوانين الكونية والأخلاقية والدينية، تلك الأمور التي يعتمد عليها صلاح وسعادة الجماعة، إن هذا الأمر صحيح في الأوضاع العادية، ولكنه يصبح أمراً أكثر أهمية ومصداقية في مراحل الضغوط والأزمات والصراعات، ولهذا السبب فإن جزءاً كبيراً يعتمد على التفسير الديني وعلى من يقوم بعملية التفسير، وطالما أن التنظيم السياسي والاجتماعي للدين ليس شأناً اعتباطياً، ولكنه يعتمد بدلاً من ذلك على مبادئ دينية  ثابتة، فإن الدولة ملزمة بالعمل وفقاً لمتطلبات الدين"(WACH, 1944, P: 290).

كما أن العلامة ابن خلدون قد أكد  هذه الحقيقة قبل ذلك بقرون عديدة؛ إذ يعتقد "أن الدول …أصلها الدين" ، وعلل ذلك بقوله: "إن القلوب…إذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتهم ، فذهب التنافس ، وقل الخلاف ، وحسن التعاون والتعاضد ، واتسع نطاق الكلمة لذلك ، فعظمت الدولة"، كما يقرر "أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة" ، وأرجع ذلك "إلى أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أصل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء ؛ لأن الوجهة واحدة ، والمطلوب متساو عندهم ، وهم مستميتون عليه" (ابن خلدون، 1399، ص: 132).

ومع ذلك فإن هناك أسباباً خاصة لأهمية الدين الإسلامي واعتباره الثابت والركيزة الجوهرية للمجتمع السعودي، يأتي في مقدمتها الأهمية الدينية للمجتمع السعودي بالنسبة للعالم الإسلامي الأكبر المرتبطة تاريخياً بانبعاث الرسالة المحمدية من أراضيها، وجغرافياً بوجود الحرمين الشــــريفين فيهـــا، ويذكر المؤرخ  الروسي فاسيلييف (1986) بهذا الصدد "أن من الأسباب الموضوعية لتوطيد مواقع علماء الدين وجود الحرمين في أراضي المملكة التي كانت مهد الإسلام، وكان تدعيم الشرائع والمؤسسات الإسلامية يتجاوب مع المهمات الداخلية في مجال صيانة القاعدة الدينية للنظام، وهي أهم ركائزه، وتوطيد هيبة الملك بوصفه إماماً، وعلماء الدين بوصفهم القيِّمين على تطبيق أحكام الشريعة، كما أنه كان يتجاوب مع مهمات تعزيز المواقع الدولية للعربية السعودية" (فاسيلييف، 1986، ص: 574).

ومن الجدير بالإشارة هنا أن العديد من الباحثين العرب في تحليلهم للبنية الاجتماعية والثقافية في العالم العربي قد أكدوا بصور مختلفة على الطابع الديني لتلك البنية؛ إذ يرى الجابري والإمام (1995، ص: 31–35) أن البنية العميقة للمجتمع العربي تتكــــون من عناصر ، ثلاثة أحدها العنصر العقائدي الفعلي، كما أن  أدونيس،(1983، ص: 32) في دراسته عن الاتباع والإبداع عند العرب قد أكد على البنية الدينية للثقافة في المجتمعات العربية.

ثانياً – المتغيرات والوسائل في المجتمع السعودي:

ما إن تنجح حركة إنشاء المجتمع الجديد حتى تأتي معضلة التنظيم الاجتماعي التي لا بد أن يواجهها القواد من خلال سن القواعد والإجراءات والأبنية لتنظيم المجتمع الجديد([5]) ، وهي معضلة لا  بد لها أن تحل بشكل تتناغم وتنسجم فيه تلك المتغيرات والوسائل والإجراءات مع تلك المنطلقات والأسس والثوابت التي قامت الحركة الإصلاحية من أجلها، وإلا اختلف القول عن العمل، وتباين التطبيق عن التنظير ، ومهد ذلك لخروج الصراعات والأزمات على المدى القريب والبعيد، وقد جاء حلها بالنسبة للمغفور له الملك عبدالعزيز أمراً لا جدال فيه، فالتنظيمات الاجتماعية المختلفة في القطاعات كافة ابتداءً بالقطاع السياسي والإداري تم تأسيسها في ضوء الثوابت والغايــات التي قامــــت الحركة من أجلها، مما أضفى مزيــــداً من التوازن والتكامل بين ما يعتقده الناس ويشكل منظورهم ورؤيتهم للكون والحياة وممارستهم الفعلية في الواقع اليومي المعيش.

وعموماً فقد ساهم الدين الإسلامي بدور المسوغ العقائدي أو الأيديولوجي الذي سهل على الناس تقبل السياسات والتنظيمات والإجراءات الموجهة نحو التغير والتنمية في معظم القطاعات المختلفة من المجتمع، كما تشهد بذلك الكثير من الفتاوى الشرعية([6]) والاستشارات الدينية التي يقدمها علماء الدين لصناع القرار، ويؤكد ذلك ما يذكره فاسيلييف (1986) أنه "من الناحية العملية يتخلل الإسلام كل ميادين الحياة في السعودية"(فاسيلييف، 1986، ص: 351).

وسنحاول إبراز ذلك من خلال مناقشة بنية السلطة والجهاز البيوقراطي للدولة، وكذلك بنية التعليم والاقتصاد وتوطين البادية، وظاهرة التغير والتنمية.

 

الدين والسلطة:

من الصعب جداً على أي محلل إدراك طبيعة السلطة في المجتمع السعودي بشكل مستقل عن الدين ؛ فالسلطة والدين في المجتمع السعودي بينهما الكثير من التلازم؛ فحركة الإصلاح الديني للشيخ محمد بن عبدالوهاب لم يكتب لها النجاح إلا بعد أن وجدت سلطة تدعمها وتتبناها، كما أن النفوذ السياسي لأمير الدرعية الإمام محمد بن سعود لم يكن ليتسع ليتجاوز حدود الدرعية ويشمل السواد الأعظم من مناطق الجزيرة العربية من دون تبنيه لهذه الحركة ذات الأهداف الدينية والاجتماعية السامية التي سهلت انصياع القبائل والجماعات المختلفة لها في زمن استحكمت فيه العصبيات والنعرات القبلية، ومن هنا يمكن القول : إنـــه في الوقــت الذي قامت السلطة بدور الآلية (MECHANISM) التي فعّلت من دور الدين وساهمت في الإسراع بعملية الإصلاح الديني والاجتماعي فإن السلطة ذاتها إنما اكتسبت شرعيتها الاجتماعية من الدين، فتبني السلطـــة للحركة الإصلاحية من خـــلال جعل نشر الدين هدفاً أولياً للنظام وانعكاس ذلك على السلوك السياسي والاجتماعي للممسكين بزمام الأمور عمّق بلا شك من الطبيعة الدينية للسلطة، مما شكل عاملاً مهماً في تقبل الناس لما يصدر عن هذه السلطة من نظم وتشريعات وإجراءات.

وبهذا الصدد يذكر فاسيلييف (1986) "أن آل سعود اتخذوا من الإصلاح الديني ركيزة وراية في صراعهم من أجل الوحدة"(فاسيلييف، 1986، ص :347)، كما يذكر "أن اتباع الإمام بوصفه الزعيم الديني كان عامل توحيد للمجتمع ، وجعل من الدين هالة تضفي على أعلى سلطة بالدولة"(فاسيلييف،1986،ص : 350).

ولم يكن التلازم بين الدين والسلطة خاصاً بالمرحلة الأولى من مراحل الدولة السعودية، بل أصبح أمراً أساساً، وازدادت أهمية هذه العلاقة فيما بعد ؛ إذ تم تفعيل دور الدين في علاج تلك المشكلات السياسية التي لم يكن من المستبعد أنها كانت وراء انحسار الدولة السعودية في مرحلتيها الأولى والثانية وبخاصة ما يتعلق بثنائية الحضر والبدو على نحو ما سيتضح لاحقاً عند الحديث عن مسألة توطين البادية على يد المغفور له الملك عبدالعزيز.

وقد سلك الملك عبدالعزيز المنهج ذاته، فكان أول بلاغ يصدر إبان نجاحه في استعادة مدينة الرياض أن "الملك لله ثم لعبدالعزيز" ، وعموماً كما يذكر المؤرخ الروسي فاسيلييف (1986) أن الملك عبدالعزيز قد حذا حذو أسلافه في اتخاذ التقاليد الإسلامية، وبخاصة تعاليم ابن تيمية مصادر يستمد منها الحجج لتدعيم السلطة المركزية، وكان ابن تيمية يرى أن المجتمع المثالي هو الذي يكون فيه الرأي المطاع لفئتين: العلماء المتمسكين بالشريعة ، والأفراد الحائزين على السلطة السياسية اللازمة لتطبيق أحكام الشرع" (فاسيلييف، 1986، ص: 355).

كما أن النص الأساسي للحكم قد قيد الكيفية التي يتم بها المبايعة بتولي الحكم ؛ إذ نص على أن يتولى الحكم الأصلح من أبناء عبدالعزيز وأبناء الأبناء للحكم وفقاً لكتاب الله وسنة رسوله" (السنيدي، 1418، ص:93).

وقد انعكس هذا التلازم بين السلطة والدين على طبيعة المهام المنوطة بالملك، وفي هذا الصدد يقول فاسيلييف : إن الملك "هو المشرف على التطبيق السليم لأحكام الشرع التي تشمل المسلمين كافة، وهو الذي يتولى تنفيذ الأحكام القضائية، ويقوم بعمل الخير والإشراف على الأشغال وتوفير الأمن للرعية وضمان عمل الخدمات العامة بشكل طبيعي، وهو أخيراً الجهة التي يصدر عنها التوجيهات الاجتماعية والاقتصادية التي تكفل لكل فرد العزة في إطار الشريعة" (فاسيلييف، 1986،ص : 350).

ولم يقتصر دور الدين على إكساب السلطة الصبغة الشرعية التي كانت ضرورية  لتقبل الناس ما يصدر عنها من أوامر أو نواهٍ أو أحكام وتشريعات عامة مما يسر من الإذعان وظهور الموافقات الجماعية للسلطة، كما سهل من ظهور التشريعات والتنظيمات الكبرى للمجتمع، بل تجاوز ذلك ليشكل عاملاً مهماً وراء إعادة توازن المجتمع في وقت الصراعات والأزمات، فقد وقف الدين إلى جانب السلطة في وقت الأزمات والمحن التي تعرض لها المجتمع؛ فقد أيد كبار العلماء "السلطة في الأزمات التي تعرضت لها السلطة كافة " (انظر، فاسيلييف، 1986، ص:351) كأزمة الإخوان، والهجوم على الحرم المكي الشريف، والإنزال الأمريكي أثناء حرب الخليج، كما أدانوا حركة الانشقاق عن طاعة ولي الأمر التي أعقبت حرب الخليج، مما شكل سداً منيعاً أمام ظهور الاختلافات والصراعات الفكرية التي ربما تتطور إلى ما هو أبعد من ذلك.

 

الدين وتوطين البادية:

من المعضلات التي واجهت تأسيس المجتمع السعودي في مرحلته الثالثة ما يتعلق بالتفاوت والتباين الاجتماعي والثقافي الشاسع بين شرائحه الاجتماعية المتعددة ؛ إذ كان المجتمع آنذاك موزعاً بين شريحة سكانية كبيرة تقطن البادية، وشريحة سكانية أقل عدداً من الشريحة السابقة تقطن القرى والواحات الزراعية، وشريحة ثالثة صغيرة تقطن عدداً قليلاً من المدن الصغيرة([7])؛ لذا فإن الحديث عن وجود شرائح مختلفة باختلاف أنماط الإنتاج ووسائله كان أمراً لا يحتاج إلى عناء البرهنة والأدلة القوية، ومعلوم أن هذا التفاوت بين القطاعات السكانية يتطلب القيام ببرامج ومجهودات خاصة تكفل على المدى البعيد والمتوسط اندماج المواطنين كافة في بوتقة المجتمع ، ومن ثم تقديم ما يُمَكِّنُ  الجميعَ من المساهمة والمبادرة في تقدم المجتمع وتشكيل مستقبله.

ومن الوجهة النظرية البحتة لا يمكن الحديث عن مفاهيم من مثل الأمة أو الوطنية أو المواطنة في مجتمع شديد التباين في الولاء والانتماءات والأنماط المعيشية والحيوية، ولذا كان ولا بد من مواجهة هذه الإشكالية من خلال العمل على دمج هذه الشرائح المتنوعة في بوتقة واحدة، ووفقاً للمنطلق العقدي الذي قامت الدولة في ضوئه فإن الحل الإستراتيجي المتمثل في توحيد المنطلق العقدي والأديولوجي لأفراد المجتمع لم يكن صعباً على الأقل من الوجهة النظرية ؛ حتى تصبح الغايات والأهداف والوسائل الخاصة بالأفراد والتشكيلات الاجتماعية التي ينتمون إليها موجهة أو مشكلة من جديد في ضوء الأهداف والغايات الكبرى للمجتمع الجديد، مما يؤدي بالضرورة إلى التوافق في هذه المنطلقات على المستويات الفردية والجماعية والمؤسسية.

 

ومن المعروف أن سكـــان البادية في مرحلــــة تأسيس المجتمع الجديـــد يمثلون جزءاً لا يتجزأ منه، بل كانت هذه الشريحة السكانية  إلى وقت قريب - أي ما قبل ثلاثين عاماً على وجه التحديد - تشكل السواد الأعظم من أبناء المجتمع، ويتمثل سكان البادية بوجه عام في عدد من القبائل العربية التي توارثت البداوة بكل عاداتها وتقاليدها كابراً عن كابر منذ القدم، تعيش كل قبيلة في مناطق صحراوية معينة، وتلعب الظروف الطبيعية كهطول الأمطار والجفاف ونحوها دوراً مهماً في استقرار تلك القبائل أو تنقلها ودخولها في صراع مع قبائل بدوية أخرى طلباً للماء والكلأ ونحو ذلك أو الدخول في صراع مع أبناء الريف والحضر الذين كانوا لا يشكلون آنذاك إلا نزراً يسيراً من سكان الجزيرة والذين يجدون أنفسهم أحياناً أنهم بصورة أو بأخرى ليسوا  أكثر من لقمة سائغة لأبناء البادية في أوقات الجدب والقحط وبخاصة في ضوء غياب سلطة مركزية قادرة على نشر الأمن واستتبابه.

وعلى الرغم من حياة التجوال والترحال التي اتسمت بها معيشتهم إلا أن ذلك لم يعن يوماً ما عزلتهم السياسية والاجتماعية عن بقية الشرائح السكانية بالمجتمع، ففي أوقات الرخاء على وجه الخصوص تدخل هذه الفئات في علاقات تبادل تجاري مع سكان الريف والحاضرة وبخاصة في موسم الصيف، ليس هذا فحسب بل إن الظواهر السياسية التي عايشتها الجزيرة العربية كافة لم تمر من دون أن يكون لأبناء القبائل الصحراوية دورٌ فيها، كما يشهد بذلك العديد من المصادر التاريخية، وهو أمر يجب ألاَّ يكون مثاراً للغرابة إذا وضعنا في الاعتبار الثقل الديموغرافي لهذه الشريحة السكانية مقارنة بالشرائح كافة، بل أيضاً ما هو معروف عن نظام الحمى المتعارف عليه من قبل القبائل البدوية القائم على أساس سيطرة كل قبيلة على مناطق صحراوية معينة تخضع لسيادتها وما يترتب على ذلك من تبعات سياسية واقتصادية.

هذا التصور العام والسريع يعكس إلى حد كبير ما كانت عليه أوضاع القبائل البدوية في الجزيرة العربية إلى وقت قريب تقريباً.

 

إن ما يهمنا بصدد الحديث عن ثوابت المجتمع السعودي يتمحور حول التغيرات التي طرأت على النمط المعيشي لأبناء البادية الذي فرض نفسه عبر قرون عدة من تاريخ الأمة العربية، تلك التغيرات التي حدثت مع قيام المملكة العربية السعودية في مرحلتها الثالثة على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله والمتمثلة في التغير الجذري الذي لحق بسكان البادية من حيث تحولهم عن نمط معيشي قائم على الترحال والتجوال إلى نمط معيشي قائم على الاستيطان والاستقرار، وذلك نتيجة مباشرة لما اتخذه الملك عبدالعزيز من سياسات وإستراتيجيات لإعادة تأسيس الدولة وبنائها في ضوء مرئيات أكثر عمقاً ودقة في استقراء أحداث التاريخ والاستفادة منها في تأسيس كيان  قوامه الاندماج الاجتماعي بين الشرائح الاجتماعية كافة، مما يدعم ويعزز من قوته ومناعته.

وليس بعيداً أن الملك عبدالعزيز كما يشار إلى ذلك في بعض الكتابات التاريخية([8])– قد أدرك أهمية هذه الشريحة السكانية في تأسيس الدولة وقوتها مما جعله يبادر منذ السنوات الأولى لتأسيس الدولة على توطين البادية والعمل على دمجهم في المجتمع الجديد، هذا وقد لا يكون من المستبعد أن انهيار الدولة السعودية في مرحلتيها الأولى والثانية من الممكن أن يفهم في ضوء اعتماد الدولة في تلك المرحلتين على سكان الحضر والريف من دون أبناء البادية، على الرغم من أن الشريحة البدوية من السكان إلى ذلك الوقت لا تزال تشكل غالبية السكان، ليس هذا فحسب، بل إن ثنائية الريف والحضر في مقابل البادية تقاطعت أو تفاعلت في كثير من الأحيان مع الحوادث السياسية الداخلية كالخلافات حول السلطة التي نشبت بين أبناء الإمام فيصل بن تركي ؛ إذ انحازت القبائل البدوية إلى أحد أبنائه في حين ظفر الطرف الآخر بتأييد أبناء الحضر والريف، مما ترتب على ذلك في نهاية المطاف انهيار الدولة السعودية في مرحلتها الثانية.

إن كل هذه الشواهد تؤكد على أهمية عدد من الأمور يأتي في صدارتها أمران ، هما أولاً أهمية الشريحة السكانية البدوية التي لم تمنعها عزلتها الصورية وتجوالها المستمر طلباً للغيث والكلأ من أن تلقي بظلالها على مجريات الأمور ومن أن يكون لها دور حاسم في الحياة الاجتماعية والسياسية في الماضي والحاضر، أما الثاني فيتعلق بنجاح السياسات التي تبنتها الدولة لتوطين البادية واندماجهم الاجتماعي وتحويلهم من عامل تفكك وصراع في المجتمع إلى قوة تكامل وتوازن اجتماعي جعلت المجتمع يتخطى القرن الأول إلى القرن الثاني من عمره الزمني.

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يدور حول الفعاليات التي اتبعتها الدولة إبان نشأتها حيال سكان البادية واندماجهم الاجتماعي في المجتمع ، وذلك من حيث توطينهم وعلاقة ذلك بالأوضاع السياسة والاجتماعية، وكيف أدى ذلك إلى تعميق تفاعل أبناء البادية وتكيفهم مع المجتمع الأكبر بعد أن أصبحوا جزءاً منه بفعل عمليات التوطين والهجرة إلى المناطق الحضرية والريفية.

ولا شك أن ذلك يتطلب منا الحديث عن إستراتيجية الدولة الموجهة آنذاك نحو أبناء البادية ابتداءً بمسألة توطينهم وتشجيعهم على الاستقرار ومروراً بتجنيد أعداد كبيرة منهم في جيوش الملك عبدالعزيز إبان مرحلة التأسيس، وانتهاء بمسألة إتاحة الفرص لهم في الانخراط في الأعمال التي تتناسب مع شخصية أبناء البادية وهويتهم الثقافية كالانخراط في القطاعات العسكرية المختلفة وغيرها من القطاعات، مما مكن العديد من أبناء البادية من أن يصبحوا مساهمين وشركاء في المجتمع وتنميته.

وتمشياً مع الغايات الكبرى للمجتمع والهدف الأسمى وراء قيامه كان من الطبعي أن تنطلق سياسة توطين البادية من فكرة التناقض بين  الحياة البدوية وبين الانصياع لتعاليم الدين الإسلامي، أي الطابع الحضري والاجتماعي للدين على أساس أن الحياة البدوية بطبيعتـــــها لا تمكن الإنســـان من التزود من التعاليم الدينيـــــة من جانب ، كما لا تمكنه من القيام بواجباته الدينية على الوجه المطلوب، ومن هنا فقد بث الدعاة وطلاب العلم الشرعي بين أبناء البادية هذه الفكرة وشجعوهم على الاستقرار وترك حياة البادية، ومن هنا جاءت كلمة الهجر ، ومفردها هجرة ، وهي الأماكن التي استقرت فيها القبائل البدوية، وذلك محاكاة لهجرة المسلمين من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام مع بداية ظهور الإسلام، وفي تلك الهجر استقر أبناء البادية ؛ إذ عملت الدولة على توفير أسباب الاستقرار لهم بما في ذلك حفر آبار المياه لأغراض السقيا والزراعة وإيفاد العلماء لتلك الهجر لتعليم البادية أمور دينهم وتشجيع الدولة لهم على بيع إبلهم لكونها مصدراً من مصادر عدم الاستقرار حيث تربيتها تتطلب حياة دائمة التنقل والترحال، وقد لقيت هذه السياسة نجاحاً واضحاً يتمثل في تزايد أعداد الهجر التي ابتدأت بعدد محدود كهجرة الأرطاوية التي أسست عام  1912م إلى نحو مائتي هجرة في غضون عشرين عاماً بعد ذلك (انظر: AlALSHAMEKH, 1975, P:47; ALABBADI, 1981, P:209).

وقد أصبح لهذه السياسة العديد من المترتبات، يأتي في مقدمتها مسألة اندماج أبناء البادية من دون قسر أو إلغاء لخصوصياتهم في بوتقة المجتمع الجديد؛ فالبدوي الذي تربى على الاستقلالية وساعدته الحياة الصحراوية على تضخم الأنا والتمرد على أي سلطة خارجة عن سلطة قبيلته أو عشيرته أصبح إنساناً اجتماعياً يتقاسم مع أبناء مجتمعه الكثير من الغايات والأهداف والقيم، ولم يجد بأساً في الخضوع لسلطة يرى فيها ما يتفق مع مبادئ الإسلام وتعاليمه، وقد يسر هذا انخراط أبناء البادية في السلك العسكري الذي ساهم لاحقاً في الإسراع بعملية توحيد الدولة في مرحلة التأسيس، كما ساهم في تقبل هذه الشريحة للعمل المأجور في القطاعات الحكومية المختلفة في الريف والحضر طالما أن سيد العمل هو صاحب الكلمة الأولى والسلطة العليا في المجتمع، ومن المترتبات على ذلك أيضاً أن ذابت الكثير من مظاهر الاختلاف والفرقة التي كانت تقف حواجز منيعة بين الحاضرة والبادية؛ إذ استقر أبناء القبائل البدوية في الهجر ، وامتهنوا الزراعة ، ومهد ذلك لقيام الأرياف التي تحول جزء كبير منها لاحقاً إلى مدن، كما انتقل أجزاء كبيرة منهم للسكن في المراكز الحضرية، وأخذت مظاهر  تفاعلهم وتكيفهم الاجتماعي واندماجهم مع المجتمع الأكبر ، كما يظهر في انخراط أبناء البادية في الأعمال الحديثة من عسكرية ومدنية وتجارية، وفي  تقلص الشعور بالمسافة الاجتماعية بين الفرد والآخرين، وفي قبول أبناء البادية بالدخول في علاقات أسرية أو علاقات صداقة وجوار ونحو ذلك مع الآخرين الذين يختلفون عنهم قبلياً أو إقليمياً أخذت هذه المظاهر في الازدياد مما عمق من مظاهر التجانس الثقافي وقوى من عرى الاندماج الاجتماعي، وأصبحوا بذلك جزءاً لا يتجزأ من  نسيج النظام الاجتماعي الجديد مما كفل لهم المشاركة والمساهمة ، وأبعد عنهم الهامشية ، ومكنهم من الاستفادة من منجزات وتقدم مجتمعهم، وأصبحوا صناعاً وشركاء في عملية البناء والتقدم.

ولعل هذه الصورة من اندماج الشرائح البدوية في المجتمع الأكبر بفعل سياسات التوطين تصبح أكثر وضوحاً إذا ما قوبل