مقدمـــة :

إن المجتمع السعودي مجتمع قديم يتميز بالاستمرارية من جهة ، وبالانفتاح على غيره من المجتمعات من جهة أخرى ، مع الاحتراز بأن الاستمرارية والانفتاح في هذا المثال بالذات لا تعني مجرد تراكم الثقافات المتتابعة طبقة بعد أخرى ؛ إذ تتمتع المملكة العربية السعودية بمعدة ثقافية كفء استطاعت – على مدى التاريخ الطويل – وما تزال تهضم وتفرز الثقافات الأصيلة والوافدة ، وأن تخرجها في نسيج منفرد بريء من الرقع والندوب في إطار تراثه الإسلامي باعتبار أن البناء الديني بأبعاده العقدية أساسًا يحوي ويؤثر في كل الأبعاد الأخرى المتصلة بالمجتمع ،ومن ثم فليس من الغريب أن يظهر ويتأثر في الوقت نفسه بالواقع الاجتماعي السعودي  الذي هو مستمر في غير تكرار رتيب ، ومستقر في غير محافظة متزمتة ، ومنفتح على العالم المحيط في غير خوف أن يبتلعه هذا العالم أو أن يمسخه .

ومثل هذا الواقع الثقافي المتفرد وهذه السمات الثقافية المتميزة تثير تساؤلاً مهمًا ، يتعلق بتفسير الثوابت والمتغيرات في المجتمع السعودي بالتعمق الكافي ، وفي فهم ديناميكيات هذه الثوابت والمتغيرات (في قدمها واستمرارها وانفتاحها)، وفهم خبايا النسيج الثقافي السعودي والغوص وراء أعماقها .

ويتطلب منا ذلك بدايةً استعراض بعض الأفكار النظرية والمنهجية نستكشف من خلالها رؤى الكتابات السوسيولوجية والأنثروبولوجية ومالها من دلالات نظرية تتصل بموضوع الثوابت والمتغيرات بعامة ، وذلك من خلال عدة أبعاد تتصل بفكر بعض علماء الاجتماع من العرب وغيرهم على أنها مقدمات منهجية ، ثم نحلل الثوابت والمتغيرات الأساسية في المجتمع السعودي بركائزها ومنطلقاتها في إطار أيدلوجية التشريع الإسلامي الذي تنتهجه المملكة، مع الإشارة إلى أهم عوامل المتغيرات التي تدعم وتهيئ المملكة للدخول إلى القرن الحادي والعشرين ، وتنافسية المملكة في إطار النظام التكنولوجي الجديد، ثم نستعرض بعد ذلك التحديات وعلاقتها بالثوابت والمتغيرات في المملكة بخاصة في إطار صراع الحضارات الذي يواجه الأمة الإسلامية بعامة ، ونخلص من ذلك إلى نظرة مستقبلية ، نحاول من خلالها الإجابة عن كيفية التعامل مع المستقبل في ضوء ما تقدم .

 

مقدمـات منهجيـة:

الثوابت والمتغيرات في الفكر السوسيولجي :

عالج كثير من علماء الاجتماع بعض القضايا التي تتعلق بالثوابت والمتغيرات ، وكان لكل منهم منظوره في ذلك ، يأتي في مقدمتهم العالم العربي المسلم ابن خلدون الذي يُعد بحق أول عالم أنشأ علم الاجتماع ، وحدد موضوعه ومناهجه ، وأرسى الدراسة الاجتماعية على ركائز علمية سليمة .

ويؤكد ابن خلدون على أهمية التضامن والاستفادة من الجماعة سواء داخل المجتمع أو خارجـه ؛ ليستكمل بذلك خواصه النوعية فضلا عن حاجاته الضرورية ، وبمفهومنا الحديث الاستفادة من المتغيرات في المجتمعات الأخرى ثم الكشف عن العوامل التي تؤثر في نشأة المجتمع وتطوره وتعمل على ثباته واستقراره .

وهناك أيضا مفكرون اجتماعيون قد عالجوا قضايا التطور بثوابته ومتغيراته ، ومنهم هربرت سبنسر ووالت رستو .

وثمه اتجاهات ذات طبيعة أيديولوجية تسيطر على عملية المتغيرات في عالم اليوم ، بعضها شرقي وبعضها غربي .

وفي ضوء ذلك سنتناول بشيء من الإيجاز هذه الاتجاهات بثوابتها ومتغيراتها.

 

أولاً – الانفتاح العقلي على الأفكار الجديدة والعالم الخارجي :

في هذا السياق يدرس ابن خلدون المجتمع البشري وما يلحقه من العوارض، بل حاول أكثر من ذلك أن يحلل الضرورة الاجتماعية ويكشف الدعائم التي تقوم عليها ، فيقول : "إن الاجتماع الإنساني ضروري ؛ لأن الإنسان مدني بطبعه" ، ويسير في شرح هذه القضايا على وتيرة من سبقه من المفكرين كأرسطو والفارابي ، ويقرر أن عدم كفاية الفرد لنفسه يدفعه إلى التعاون والاشتراك في حياة الجماعة ، ومن ثم ينشأ التضامن الذي يعد أقوى الدعائم التي يقوم عليها المجتمع ، وما فطر عليه الإنسان من شعور نحو الجماعة على الاستئناس بغيره ؛ ليستكمل خواصه النوعية فضلا عن حاجاته الضرورية(1) .

وقد يفسر ذلك أيضًا أهمية تبادل الخبرات والاستفادة من الابتكارات والمخترعات فيما بين المجتمعات المختلفة ، والفرد هو قوام هذه المجتمعات .

والمجتمع في نظر ابن خلدون يخضع لقوانين عامة مثله فـي ذلك مثل الظواهر الفردية أو ظواهر الحيــاة في الكائنـات الحيـة ، ولذلك بــذل قصارى جهده في تفسير مبادئـه وتحليلهــا ، والكشف عـن العوامل التي تؤثر في نشأته وتطوره وتعمل على ثباته واستقراره ، وهي في نظره ثلاثة عوامل(2) .

1 – الضــرورة : وهذه الضــرورة لها مظهــران : ضرورة اقتصادية ؛ (لأن الإنسان لا يستطيع أن يحصل على حاجاته إلا بالاجتماع) ، وضرورة دفاعية .

2 – الشعور الفطري الذي زودت به الإنسانية لتحقيق الحياة الاجتماعية ، وابن خلدون إذ يدخل هذه الضارة السيكولوجية في تكوين المجتمع ويعدها عاملاً قويًا في قيام الحياة الاجتماعية وثوابتها يكون قد جاوز النظرية التاريخية الحديثة التي تعد الضرورة الاقتصادية فحسب هي أساس المجتمع .

3 – ميل الإنسان ورغبته الخاصة في تحقيق فكرة الجمعية ، أي لا بد من تدخل جانب الإدارة وإلا كانت الحياة الاجتماعية سلسلة من العدوان والاضطرابات .

ويذكر ابن خلدون أن المجتمع متى نشأ على هذه الصورة فإنه يكون مسرحًا لطائفتين :

الأولى : هي الظواهر الطبيعية ، والمجتمع لا يخلق هذه الظواهر ولا ينشئها ، ولكنه يجدها مستقلة عنه بطبيعتها ، فتؤثر فيه ويتأثر بها ويخضع لنتائجها ويكيف نفسه تبعًا لمفعولها ، ويرجع أهم هذه الظواهر إلى الوسط الطبيعي الذي يحيط بالمجتمع من بيئة وعوامل مناخية والجنس الذي يتكون منه المجتمع والدين الذي يدين به .

والطائفة الثانية : هي الظـــواهر الاجتماعية ، والمجتمع هو الذي يوجد هذه الظواهر ، وقد فطن ابن خلدون إلى أن هذه الظواهر لا توجد منفصلة ، بل تكون كلا متماسك الأجـــزاء ووحدة حية تتفاعـــل عناصرهـــا وتشتبك آثارها ، فينتج عن ذلك ما نسميه بالدوافع والتيارات الاجتماعية .

وبمفهومنا الحديث فإن هذه الظواهر تتأثر ويؤثر البعض منها في علاقات المجتمع بالمجتمعات الأخرى إن إيجابًا أو سلبًا لكون العالم الآن قد أصبح قرية واحدة بفضل وسائل الاتصال المتعددة والتكنولوجيا المتقدمة في هذا المجال .

ويذهب ابن خلدون إلى أن هاتين الطائفتين من الظواهر لا تعمل إحداهما مستقلة عن الأخرى ، ولكنهما تتحدان اتحادًا وثيقًا ، وترتبط نتائجهما وآثارهما ارتباطًا شديدًا معقدًا ، بحيث إننا إذا حللنا ظاهرة اجتماعية وأردنا الوقوف على عناصرها نجد أن بعض هذه العناصر يرجع إلى ظواهر طبيعية والبعض الآخر يرجع إلى ظواهر اجتماعية .

ومن هذا المنظور يمكن القول إن سمات المجتمع السعودي وخصائصه وثوابته الأساسية قد انطلقت من بيئته الصحراوية في الجزيرة العربية وما تتطلبه هذه البيئة من أنماط الحياة من تكوين عادات وتقاليد حميدة كالكرم والشجاعة والنخوة والوفاء والمحافظة على حقوق الغير وما إلى ذلك من الجوانب الإنسانية الفاضلة التي نمت في المجتمع السعودي وأسهمت في رسم ثوابته ونهجه في متغيراته .

وقد وصف ابن خلدون الظواهر الاجتماعية بأنها سريعة الحركة والتطور ، وهي على أنواع ، منها السياسية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية ، وكل منها يحكم مظهرًا من مظاهر الحياة الجمعية (ولها علاقة بالمجتمعات الأخرى من حيث التأثير والتأثر) .

 

ثانيا – الاتجاه التطوري المعاصر :

ليس التطور بالشيء الغريب على الحياة الإنسانية وغير الإنسانية ، إنما هو خاصية أساسية من خصائص الحياة عمومًا ؛ إذ تشهد في كل يوم حدثًا جديدًا، ولئن كان التطور خاصية من خصائص الحياة عمومًا فإنه أكثر ما يكون التصاقًا بالحياة الإنسانية التي تتميز بالحركة والديناميكية ، لذلك جاء التطور قرينًا للتقدم والنمو ، وبالمفهوم الاجتماعي يشير إلى قدرة الأفراد والجماعات على التكيف مع الأحداث والمتغيرات التي تصاحب حركة الحياة الإنسانية في كل زمان ومكان .

ويعدّ الاتــجاه التطـــوري الأساس الحقيقي لنظرية المفكر الاجتماعي سبنسر Spencer(3)    ؛ إذ ذكر أن التقدم سواء في مجال الكائنات العضوية أو المجتمع إنما هو تطور من ظروف تؤدي فيه الأجزاء المتشابهة وظائف متشابهة إلى ظروف تؤدي فيها الأعضاء أو الأجزاء غير المتشابهة وظائف غير متشابهة ، أي من الشكل الموحد إلى الأشكال المتعددة أو من التجانس إلى اللاتجانس ، وخلص من ذلك إلى القول بأن المجتمعات الإنسانية تسير كما يسير الأفراد أو على غرارهم تمامًا ؛ فمثلما يمر الفرد بمراحل نمو وتطور متعددة بدءًا من طفولته حتى كهولته فإن المجتمع أيضًا يخضع لتلك المراحل ، ثم ذكر عددًا من أوجه الشبه التي يراها بين الكائنات الاجتماعية والكائنات العضوية على النحو الآتي:

1 – يتميز كل من المجتمع والكائنات العضوية عن المادة غير العضوية بالنمو الواضح خلال الشطر الأكبر من وجودهما ، فالرضيع ينمو حتى يصبح رجلا ، والمجتمع الصغير يصبح منطقة متروبوليتانية والدولة تصبح إمبراطورية .

2 – تنمو كل من المجتمعات والكائنات العضوية ، وتتطور في الحجم ، كما أنها تنمو في درجة تعقدها البنائي .

3 – يصاحب التفاضل أو التمايز التقدمي في البناء سواء في المجتمعات أو في الكائنات العضوية تمايزًا تقدميًا في الوظائف أيضًا .

وقد سار بعض المفكرين الاجتماعيين المعاصرين على النهج التطوري ، وتبنوا فكرة المراحل التطورية التي تمر بها المجتمعات والتي تشير إلى أن المجتمعات تسير بالضرورة في تطورها خلال مراحل معينة مرسومة بدقة ، فتترتب كل مرحلة منها على المراحل التي سبقتها ، وتهيئ المراحل القائمة للمراحل التي تتلوها في سلم التطور ، وفي رأي والت روستو W. Rostow أن المجتمعات البشرية لا بد لها أن تمر في مراحل خمس حتى تصل إلى درجة عالية من النمو ، وهذه المراحل هي :

مرحلة المنهج التقليدي .

مرحلة التهيؤ للانطلاق .

مرحلة الانطلاق .

مرحلة الاتجاه نحو النضج .

مرحلة الاستهلاك الوفير ، وهي المرحلة التي تسير فيها الدولة إلى تخصيص قدر متزايد من مواردها لأغراض الرخاء والرفاه الاجتماعي ، وبذلك لا يتمتع أفراد هذه المجتمعات بتملك سلع الاستهلاك المعمرة فحسب ، وإنما يتمتعون بالخدمات الصحية والثقافية والترفيهية .

 

ثالثا – التغيير وحتميته :

إن العالم كله – والعالم العربي جزء لا يتجزأ منه – في تغير مستمر ، والتغير هو إحدى الحقائق القليلة ، وفي رأي بعض المفكرين أن كل شيء ماديًا كان أو معنويًا يتغير باستمرار، إن هذا بعينه هو ما دفع الفيلسوف الإغريقي هرقليطس إلى القول : إن "العالم في تغير مستمر" .

التغير إذا حقيقة لا يمكن الشك فيها ، إنه بدهية أساسية في الحياة ، هذا التغير قد يأخذ شكلاً أو آخر من الأشكال العديدة المتفاوتة التي تعم حياتنا والتي اهتم بها الفكر الحديث ؛ فقد يتخذ على سبيل المثال صور إصلاح فيكون متمهلا جزئيًا وبطيئا ، وفي كل الحالات قد يتداخل معنى المصطلح مع مصطلحات أخرى شائعة مثل مصطلحات التطور والتقدم والتمدن والتنمية وغيرها من المصطلحات المتشابهة .

والملاحظ أن هناك اتجاهات ذات طابع أيديولوجي تسيطر على عملية التغير في عالم اليوم ، بعضها شرقي ، وبعضها غربي ، بعضها مجدد ، وبعضها محافظ أو تقليدي ، وهناك ما يؤخذ من نماذج وأفكار من الغرب أو الشرق دون فحص ملاءمتها موضوعيًا وتاريخيًا وثقافيًا لمجتمعنا الإسلامي وفكره وعقيدته ، وتكون النتيجة إخفاق تجارب التنمية ، وتدفع الدول الإسلامية وشعوبها ثمن هذا التقليد المنقول عن الغرب أو الشرق أو نقل التجارب دون محاولة أقلمتها وجعلها مناسبة للبيئة الإسلامية .

ومع الاعتراف بوجود معطيات قطرية وظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية لكل دولة من الدول الإسلامية إلا أنه من الممكن التوصل إلى ركائز عامة وأساسية للتغيير في البلاد الإسلامية تستمد أصولها من الشريعة الإسلامية يمكن أن تكون بمثابة إطار عام تنطلق منه الإيديولوجية الاجتماعية ، على أن تقوم كل دولة بتكييف هذه الإيديولوجية في ضوء الظروف المعيشية للهيئات والجماعات المحلية بها ، على أن يؤخذ في الاعتبار أن تأكيد الذات والهوية الإسلامية لا يعني الانغلاق عن تجارب المجتمعات الأخرى خارج نطاق العالم الإسلامي ؛ فالاقتباس والتكيف والاستفادة من خبرات العالم أمر تفرضه مقتضيات التطوير وتحديات العصر وتؤكده التعاليم الإسلامية .

إن التغيير ظاهرة طبيعية تخضع لها جميع مظاهر الكون وشؤون الحياة بالإجمال ، ويحدث في النظم والانساق والأجهزة الاجتماعية سواء كان ذلك في البناء أو الوظيفة ، ولما كانت النظم في المجتمع مترابطة ومتداخلة ومتكاملة بنائيًا ووظيفيًا فإن أي تغيير يحدث في ظاهرة لا بد أن يؤدي إلى سلسلة من التغيرات الفرعية التي تصيب معظم جوانب الحياة بدرجات متفاوتة .

ويتطلب التغير في ميدان الحياة الاجتماعية عاملاً أساسيًا ، وهو ضرورة تكيف الأفراد ومرونتهم وحراكهم الاجتماعي وفقًا لما يتطلبه التغير من مستحدثات ؛ لأنهم إذا وقفوا جامدين ولم يستسيغوا ما يتمخض عنه التغيير الاجتماعي من أوضاع غلبوا على أمرهم ، والتمسوا الفرار من ضغوط البيئة موضع التغير ، فيجب أن يكون الأفراد أدوات حية وعناصر مرنة طيعة ؛ لتستجيب في سهولة لدواعي التغير حتى يتمكن هؤلاء الأفراد من مسايرة ركب الحضارة وملاحقة عملية الارتقاء .

ومن الطبيعي أن يشمل التغير البيئتين الطبيعية والاجتماعية على السواء ، والبيئة الطبيعية هي البناء الخارجي للمجتمع ، والبيئة الاجتماعية تشمل التراث الاجتماعي من عرف وتقاليد ومواصفات وسنن اجتماعية ومظاهر التراث الحضاري الثقافي كالفلسفات والمعتقدات والعلوم والفنون ومظاهر التراث الحضاري المادي التي تتمثل في ابتكارات الإنسان وأدواته وآلياته ومخترعاته وما إليها .

وهناك عوامل كثيرة للتغيير الاجتماعي ؛ من أهمها العامل البيئي ، والعامل السكاني ، والتغيرات التكنولوجية ، والعوامل الفلسفية والفكرية ، والانتشار الثقافي وتلاقح الحضارات وتبادل الخبرات .

وحين نتناول موضوع التغير في المجتمع فإننا نؤكد ثوابته التي لا تتغير وأن ثوابت هذا المجتمع هي التي تتحكم في متغيراته وكيفية تعامله مع المستقبل .

وفي ضوء هذه الرؤى وما تتضمنه من أفكار نظرية يمكن بلورة الثوابت والمتغيرات في مجتمعنا السعودي بشكل أكثر وضوحًا .

 

الثوابت والمتغيرات الأساسية في المجتمع السعودي:

أولاً – الركائز والمنطلقات :

من المسلم به أن للمملكة ثوابتها الأساسية التي ترتكز على تطورها التاريخي الذي تحولـــت فيه من نظام قبلي إلى دولـــة ملكية ، وتبلورت بشكل واضح منذ توحيد المملكـــة العربية السعودية بقيادة المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود يرحمه الله عام 1351هـ /1932م .

ومن خلال استقراء التطور التاريخي الطويل للمجتمع السعودي نجد أنه قد عاش في الجزيرة العربية ، ونجح في التغلب على ظروف مناخية وبيئة صحراوية بالغة الصعوبة والقسوة ، والارتفاع بالإنجازات الحضارية إلى عطاء خصب من الأدب والشعر والأحداث التي تشهد للأهالي بنجاح غير عادي في توفير حاجاتهم والارتفاع بمستويات حياتهم ومعيشتهم وبناء حضارة تميزت عبر التاريخ الطويل ، ثم جاء على رأس هذه الحضارة ظهور الدعوة الإسلامية على أرض هذه الجزيرة ، ومنها بدأ انتشارها إلى مختلف أنحاء المعمورة ناقلة للناس جميعًا أشرف الرسالات وأنبلها التي كانت وستظل دائمًا ترسم لهم طريق الحق والعدل والفكر المستنير والكرامة الإنسانية .

والمتابع لتاريخ المملكة الحديث وبخاصة منذ أن وحدها المغفور له الملك عبدالعزيز في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن نجد أنه نجح في تكوين صفوة متماسكة قادرة على إقامة إدارة فاعلة واتخاذ إجراءات سياسية منطقية مما يعد في حد ذاته تحديًا قاسيًا ، كما نجح في وضع المبادئ الأساسية للدولة السعودية وترسيخها ، فضمنت استمرارها واستقرارها وإحداث الهيكل الإداري القابل للبقاء والدمج الواسع النطاق للجماعات السعودية المتباينة ، تلك العمليات التي تعني التحول إلى دولة ملكية وتسارع الجهود لتوفير الحياة الكريمة وتنوعت بشكل غير مسبوق في كمه ونوعه وسرعته الأمر الذي حقق نتائج مذهلة ، كما أثار فضول كثير من علماء المجتمع للتعرف على أثر هذا التغير الاجتماعي السريع على الأفراد والمؤسسات المجتمعية لكونها حالة فريدة لم يسبق لأي مجتمع إنساني آخر أن عاشها .

كما أن المتابع لجهود تحسين الظروف المعيشية في المناطق المختلفة يمكنه أن يلحظ أن دور الحكومة في هذه الجهود قد تزايد تدريجيًا ، وبشكل ملحوظ مع تطور الجهاز الحكومي الإداري من جانب ، ومع توافر قدر معقول من الموارد المالية نتيجة لبدء إنتاج البترول إنتاجًا تجاريًا بعد الحرب العالمية الثانية من جانب آخر ، واستمر هذا التزايد التدرجي لدور الحكومة واضحًا إلى جانب استمرار المشاركة الأهلية أيضًا في تحمل نصيبها في الجهود الذاتية نحو توفير احتياجات مجتمعاتهم حتى أوائل التسعينيات ؛ أي حتى بدء المرحلة التي عرفت بمرحلة الطفرة .

ومع بدء المملكة في وضع خطط التنمية الوطنية منذ عام 1390هـ زادت الطموحات والاستثمارات ، وأدى هذا الكم الهائل والضخم من هذه الاستثمارات التي وظفت وفقًا لخطط مدروسة وتوقيت محكم إلى إحداث تغيير شامل ومذهل في مرافق المملكة ونشاطاتها الاقتصادية والحديثة كافة .

وفي الوقت الذي كانت تسعى فيه الدولة السعودية إلى استكمال خصائص الدولة وتدعيمها وبنائها وتطويرها وتنميتها فقد تم ذلك كله في إطار الركيزة الأساسية التي تحكم توجهات المملكة العربية السعودية ومقوماتها ، وهي شريعة الإسلام التي تضع الإطار المتكامل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا لمجتمع الرخاء والرفاه ، يعيش فيه المواطن قويًا قادرًا على العطاء ، يرعى مصلحته في إطار مصلحة المجتمع السعودي الذي يعيش فيه ، تنطلق فيه القوى الخلاقة للإنسان طبقًا لأصول وقواعد رسمها القرآن العظيم ، وطبقها الرسول عليه أفضل السلام ، ومن بعده الصحابة الحنفاء ، وقامت عليها دولة الإسلام في عصر النهضة ، فتحقق التوازن المنشود ، وتوافرت العزة والكرامة للإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ، وأمده بكل مقومات الحياة السعيدة .

وانطلاقًا من ذلك فإن للمملكة إيديولوجية إسلامية تعد من أهم ثوابت نظامها ، وسنعرض لهذه الإيديولوجية بشيء من التفصيل :

1 – إيديولوجية التشريع الإسلامي في المملكة :

تبني المملكة هذه الإيديولوجية على مجموعة المبادئ والأصول التي تضمنها التشريع الإسلامي والتي تنطلق منها الخطة العملية التي وصفها ذلك التشريع لإحالة تلك المبادئ والأصول إلى واقع مادي يعيش المجتمع في إطاره .

وتستمد المملكة توجيهاتها من هذه المبادئ ؛ إذ تؤكد على أن الإسلام لا يقتصر دوره على كونه عقيدة دينية وتوجيها خلقيا وروحيًا ، وإنما أيضًا شريعة ونظام سياسي وإداري وإجتماعي واقتصادي للمجتمع .

وتقتضي هذه الإيديولوجية الأخذ بالحقائق الآتية :

أ – الجمع بين المصالح المادية والحاجات الروحية .

ب – الجمع بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ، وموازنتها والتوفيق بينها عند تعارضها، وترجيح المصالح العامة إذا لزم الأمر .

ج – الجمع بين الثوابت والمتغيرات .

2 – القواعد التي يقوم عليها التشريع الإسلامي في المملكة :

من أهم هذه القواعد ما يأتي :

أ – التوفيق والموازنة بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع ، ومن هذا يتحقق العدل في  نواحي الحياة كافة .

ب – أن المصلحة هي مقصد الشرع الإسلامي ؛ فحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله ، فجميع الأحكام إنما ترتبط بالمصالح ؛ لأن الغاية منها جلب المنافع ودرء المفاسد .

ج – أن ترتيب المصالح يقوم على حسب أهميتها ، فيقدم ما هو " ضروري " على ما هو "حاجي" ، ويقدم ما هو "حاجي" على ما هو "تحسيني" ، وكذلك الضروريات لا تكون في مرتبة واحدة ، فلا يراعى ضروري إذا كان في مراعاته إخلال بضروري أهم منه ، وبالمثل الحاجيات والتحسينات .

د – حفظ التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة دون إهدار لإحداهما.

هـ – الاجتهاد في شتى شؤون الحياة المتجددة والمتطورة متى لم يوجد نص من الكتاب والسنة ؛ لأن الإسلام يعد الاجتهاد هو المصدر الثالث للتشريع بعد الكتاب والسنة .

3 – الإطار الإستراتيجي لموجهات العمل في المجتمع السعودي :

يستمد هذا الإطار مقوماته من خلال مجموعة من الثوابت يأتي في مقدمتها التشريع الإسلامي – على نحو ما أسلفنا – ومقومات المجتمع السعودي وخصائصه وتقاليده وتراثه ، وأن يكون منسجمًا مع الخطط الوطنية الشاملة للجوانب المختلفة كالتعليم والصحة والتجارة والزراعة والصناعة وغيرها ، وتتمثل أهم موجهات هذا الإطار فيما يأتي :

رفع معدلات الدخل الوطني بصورة مطردة وتحقيق أكبر قدر من العدالة في توزيع هذا الدخل .

توفير فرص العمل لكل مواطن بما يتناسب مع استعداداته وقدراته ، وما حصل عليه من علم وخبرة وأن تتاح له حرية اختيار هذا العمل .

توفير الحد الأدنى للمعيشة لكل مواطن بما يؤمن المطالب الأساسية للحياة .

توفير المسكن الملائم بمقابل مناسب لكل مواطن ، وعلى الأخص لذوي الدخل المحدود وأصحاب الأسر الكبيرة الحجم .

توفير الرعاية الصحية الكاملة من الناحيتين الوقائية والعلاجية لكل مواطن.

توفير فرص التعليم بالمجان لكل مواطن في جميع المراحل حسب استعداداته، وتخليص المواطن السعودي من الأمية التي تعوق تقدمه ، وإتاحة فرص الثقافة والتعليم المستمر له .

تأمين كل مواطن ضد البطالة ، والمرض ، وفقد العائل ، والعجز ، والشيخوخة .

علاج الأطفال ذوي المشكلات النفسية والاجتماعية .

توفير وسائل الرعاية والحماية للطفولة ، وحسن تنشئتها بالإيمان والعلم والخلق ، وتمكينها من تحمل مسئوليات الحياة في المستقبل .

إتـاحة الفرص للشباب للمشاركة الإيجابيــة بالفكر والرأي ، والعمـل على تطوير مجتمعه بما يدعم إعداده مبكرًا لتحمل مسؤولياته المستقبلية في جميع المجالات .

حسن استثمار أوقــات فراغ جميع أفـراد المجتمع السعودي ، وبخاصة الأطفال والشاب.

تمكين المرأة من القيام بدور مثمر في بناء المجتمع في إطار الشريعة الإسلامية .

الأخذ بوسائل الدفاع الاجتماعي في الوقاية من الجريمة والانحراف وعلاج المنحرفين .

الاهتمام بالتنمية الريفية والحضرية وتحقيق النمو المتوازن في الخدمات والمرافق بالمناطق المختلفة لتوفير الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان .

توطين التكنولوجيا المتقدمة واستنباتها بما يتفق واحتياجات المملكة وأوضاعها .

توفير مراكز المعلومات التي تدعم الخطط والمشروعات التي تستهدفها المملكة وتحديثها وتطويرها .

تشجيع البحوث والدراسات التي تسهم في حـل ما يواجه المجتمع من قضايـا ومشكلات .

 

وفي هذا السياق تؤمن المملــكة – بفضل ما لديها من إمكانات مادية جيدة – رأس المال البشـــري الذي يعد رأس الحربــــة في التنمية بجميع أبعادها، وطالمـــا أن التربية أساس التنمية البشريـــة فإن المملكة تهيئ شبابها وتعده ليصنع مستقبله بيده، وذلك عن طريــــق:

الاهتمام بالتخطيط التربوي وربطه بالمتوقع من الحاجة إلى القوى العاملة المدربة في مختلف التخصصات ، كما تكشف عنها خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية .

زرع حب العمل ونبذ التواكلة وتطوير مواقف الشباب من العمل المهني والفني واليدوي وتوجيههم نحو الأعمال المنتجة وفق سياسة محكمة للتشغيل ، قوامها الخبرة والكفاءة .

توجيه النظام التربوي نحو تكوين الكفاءات اللازمة لاستيعاب العلم والتكنولوجيا .

تطوير المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية وتطعيمها ببعض المواد التقنية تسهيلاً لدمج المتخرجين في الحياة العملية .

التقليل من الاعتماد على العمالة الوافدة وتشجيع العمالة الوطنية ليحلوا محلها .

4 – المملكة ومؤشرات التقدم أو التخلف في ضوء الثوابت والمتغيرات :

إن التقدم كما يراه علماء الاجتماع هو تطور الحياة الفعلية للإنسان ، إنه تزايد قدرة الإنسان على التحكم في الطبيعة ، كما أنه يبني أنماطًا جديدة من الفكر والسلوك يتقبلها المجتمع ، ويرى فيها فرصة سانحة لتحقيق آماله في حياة أفضل ، وسواء كان هذا من الناحية الطبيعية المادية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية فإنه يهدف إلى تحقيق الحرية الاقتصادية من ناحية ، ثم توفير الرفاه من ناحية أخرى ، ثم ضمان استمرار الرقي من ناحية ثالثة .

أما التخلف فينشأ عن الفشل – أو  القصور – في تبني مثل هذه الأنماط الجديدة من الفكر والسلوك التي من المفروض أن تقود المجتمع إلى وضع أفضل ، وينتج أيضًا من الجمود والتوقف عند نقاط بعينها قد لا تفيد المجتمع ، بل – طبقًا للتحركات والتغيرات الحادثة في مناطق أخرى من العالم – قد تضره ، كما أن التخلف أيضًا قصور في الإمكانات المادية والمعنوية والسياسية أو رأس المال المادي والبشري ، وهذا يؤدي بدوره إلى عدم إمكان توفير الخير الاجتماعي للمواطنين ، إنه الافتقار كذلك إلى الوسائل الكفيلة بالقضاء عليه ، وهو بهذا المعنى يتضمن عدم القدرة على ملاحقة الركب الحضاري التقدمي وسواء كان هذا لعدم القدرة على هذا أصلاً أو فقدان هذه القدرة بعد وجودها فعلاً .

ويمكن إجمــال سمــات التقدم والتخلف بعامــة ، وإبــراز أهم خصائصها طبقًا لما اتفـــق عليه معظم الكتابــــات التي تعاملت مع الموضوع ، وتتركز أهـم هذه السمات فيما يأتي(4):

سمات ديمو جرافية .

سمات اقتصادية .

سمات اجتماعية .

سمات ثقافية .

وسنطرح فيما يأتي تفاصيل هذه السمات ؛ ليمكن من خلالها التعرف على موقع المملكة منها في ضوء ثوابتها الأصيلة ، وفي الوقت نفسه تقبلها للأفكار الحديثة واستجابتها لها وتفاعلها معها في النواحي الاقتصادية والصحية والسلوكية والاجتماعية وغيرها كافة، وكذلك مدى تقبلها لما تأتي به التكنولوجيا الحديثة .

أ – السمات الديموجرافية :

 

م

سمات تقدم

سمات تخلف

1       

انخفاض معدلات الوفيات العامة .

– ارتفاع معدلات الوفيات العامة .

2       

انخفاض معدلات وفيات الأطفال .

– ارتفاع معدلات وفيات الأطفال

3       

ارتفاع المستوى الغذائي .

– انخفاض المستوى الغذائي ، وانتشار أمراض سوء التغذية .

4       

ارتفاع المستوى الصحي .

– انخفاض المستوى الصحي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ومما لا شك فيه أنه يمكن القول إن المعايير الأربعة من سمات التقدم تتوافر في المملكة العربية السعودية .

ب – السمات الاقتصادية :

م

سمات تقدم