مقدمـــة:

تحتفل المملكة العربية السعودية في هذا العام بمرور مائة عام على إعادة توحيد الدولة السعودية وانطلاق عملية تأسيس هذا الكيان الشامخ الذي أرسى دعائمه مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، رحمه الله، ولهذا الحـدث التاريخي أبعاد مهمة على جميع الأصعدة الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وأيضاً العلمية، وهذا هو محور بحثنا.

فالتطور العلمي والتحديث الذي مرت به البلاد السعودية خلال مدة زمنية قصيرة يعد قياسياً بكل المعايـير، وبخاصة إن قَدَّرنا الوضع السائد في البلاد في المراحل الأولى من قيامها وبدء عملية التأسيس، ومدى ما كان يعانيه سكانها من تخلف علمي وتنموي بالغ.

تكتسب تجربة التطور العلمي والتحديث في المملكة العربية السعودية أهمية خاصة في ضوء الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ترتبت من جراء عملية التحول الشاملة التي مرت بها البلاد، وما كان لذلك مـن أبعاد مهمة لتثبيت الوحدة الوطنية من خلال إتاحة تنمية شاملة وحقيقية مكنت الترابط الإنسـاني والاجتماعي، ووثقت انصهار المجتمع في بوتقة وطنية متكاملة، وفي دولة شاسعة المساحات ومترامية الأطراف.

يعالج هذا البحث بشكل مختصر قضية التحديث والتطوير العلمي في المملكة العربية السعودية من منظور تجربة علمية سعودية شاركت شخصياً فيها، ألا وهي المشاركة السعودية الأولى في الفضاء؛ وهنالك سببان لاختياري لهذا المحور بالذات: 

أولا: أنـني أنتمي إلى الجيل الأول الذي قطف ثمار ما بـذره الملك عبدالعزيز– رحمه الله– له في مجال التنمية الشاملة بما في ذلك التعليم؛ فلقد نشأ هذا الجيل ووجد التعليم مهيأ في جميع مراحله بما في ذلك الدراسات العليا والبعثات الخارجية لأفضل جامعـات العالم، كما وجد هذا الجيل الرعاية الصحـية والاجتماعية، ووجد الأمن مستتباً، ومؤسسـات الدولة قد تأسست بالفعل وانطلقت في تحقيق رسالتها، هذا الجيل هو الجيل الأول الذي نعم حقًّا بالرخاء منذ نشأته الأولى، وهو اليوم يواجه تحديات لا تقل أهمية عما واجهته الأجيال السابقة؛ لذا فعليـه المعول في أن يعي هذه التحديات، وأن يسهم كما أسهم المؤسسون الأوائل في وضع البذور النافعة للأجيال القادمة.

ثانياً: اعتقـادي أن ما كسبته من تجربتي الشخصية وما تلاها من مضاعفات يستحق التدوين والبحث، وبخاصة في ظل المتغيرات العالميـة المهمة في مجالات العلوم التي تفرض علينا تحـديات كبيرة لا تقل أهمية عما واجهه برنامج التحديث والتطوير العلمي في مراحله التأسيسية الأولى.

فتجربة المشـاركة السعودية الأولى في الفضاء قد اكتسبت بعداً وطنياً مهماً حيث أتت هذه المشاركة في خضم الانشغال بعملية التنمية وفي أوج مراحلها، أتت هـذه المشاركة لتوقظ الوعي الوطني المنشغل بقضايا التنمية وتحدياتها، وبما أنجز على أرض الواقع بـالفعل في مدة زمنية قياسية بشكل قد لا يكون مسبوقا في تاريخ البشرية.

وباختبار سريع لملاحق هذا البحث ودراسة الأرقام الواردة حول تطور مراحل التعليم والخدمات العامة تبرز أهمية تقويم المراحـل التي مرت بها عملية التحديث والتطوير العلمي في المملكة، وهو ما لا يدعي هذا البحث أنه يقوم به، كما تتضح الحاجة لاستطلاع احتمالات مستقبل هذا الموضـوع، وهو ما يحاول هذا البحث الحث عليه؛ فهذا البحث لا يحاول استعـراض الإنجازات السعودية خلال الأعوام المائة الماضيـة، وهي ضخمة في عددها وشاملـــة في مضمونها، وإنمـا فتح نافـــذة لاستشراف ما يمكن تحقيقه خلال مائة عام قادمة من الاستمرار في الازدهار والتطور والاستقرار بإذن الله.

لم نقصد في هذا البحث السرد التاريخي أو التحقيق في الوقائع من منظور أهميتها التاريخية، بل الاستهداء بموجز لهذه الوقائع والأحـداث لفهم مراحل التحول الانتقالية المهمة التي مرت بها المملكة خلال السنوات الماضية، وتقويم المرحلة الانتقالية القادمة التي لا تقل أهمية.

التزمت الدول السعودية المتعاقبة في جميع مراحل تطورها وانتقالها من مرحلة إلى مرحلة  أسساً ومبادئ ثابتة، كانت ولا تزال هي أساس الوحدة وبناء الدولة، ولقد جاء بناء المؤسسات التي قامت في وقت لاحق من تأسيس المملكة العربية السعودية على أساس تلك المبادئ الثابتة، ولعل أهمها هو التزام الدولة حكومة وشعباً بأسس العقيدة الإسلامية السمحة.

لقـد أسهمت النظرة الإسلامية الشاملة للتنمية والعدل وتوزيع الثروة في تكوين التوجه الوطني لبناء الدولة والمجتمع، ومن ذلك تأكيد أهمية التحديث والتطوير العلمي؛ لـذا يجب علينا تأكيد أثر الإسلام عقيدة ومبدأ وأسلوب حياة لتحفيز عملية التحديث والتطوير العلمي في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي المملكة العربية السعودية بشكل خاص، كما أنه علينا استطلاع الأثر المهم لذلك الأثر في المستقبل.

لقد كان دور قادة الدول السعودية المتعاقبة رائداً في إخراج أجزاء الجزيرة العربية من عزلتها وفراغها العلمي بعد انحسار الدول الإسلامية الأولى، كما كان لهذا العمل أثره البالغ في تهيئة أبنائها وتحفيزهم لاستعادة دورهم المجيد في نشر المعرفة وتطوير العلوم النافعة؛ لذا فإنه يتوجب علينا عند دراسة موضوع التطور العلمي والتحديث في المملكة أن نعي أن هذه الدولة والدول الأولى لم تبدأ مسيرتها من فراغ، وإنما استفادت من إرث تاريخي إسلامي مشرِّف في مجالات العلوم والمعرفة، ولقد كان هذا الإرث استمرارا للدور الرائد الذي كان لجزيرة العرب في مجالات العلوم والمعرفة على مر الأزمان.

 

جزيرة العرب والعلم:

تحتل الجزيرة العربية مكاناً بارزاً على خريطة المعرفة، وعلى الرغم من أن دور الجـزيرة وصداها العلمي لم ينتشر إلى أرجاء المعـمورة جميعها إلا بعد أن أضاءها الإسلام بهديه، فإن التاريخ يرصد حركة علمية كانت في جزيرة العرب قبل الإسلام ؛ إذ إنها كانت معبراً للحضارات في بلاد الشام ووادي الرافدين ووادي النيل، وهذه الصلة بين الجزيرة العربية والحضارات المجاورة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ ؛ إذ تدل الآثار على أن الاستقرار في الجزيرة العربية يعود إلى ما قبل الألف الثالثة للميلاد، وتدل الآثــــار على حركة نشطــــة قديمة، عاشتها المنطقة في العصر الحجري الوسيط، كما أن ما عثر عليه من بقايا هذه الحقبة يدل بوضوح على تفاعل مع البيئة والاستفادة منها، مع تماثلها مع التقنية المتقدمة التي انتشرت في البلاد المجاورة.

ويتفق العلماء على أن الكنعانيين الذين نزحوا من جزيرة العرب إلى فلسطين كانوا أول من استعمل حروف الهجاء، وهي الحروف التي اكتشفت في جزيرة العرب، ويجمع العلماء على أن الساميـين صانعي الحضارات القديمة كانوا من جـزيرة العرب، ثم نزحوا إلى الهلال الخـصيب، ويذكـر وِل ديوارنت في كتابه "قصة الحضارة" أن هناك ما يدل على أن الحضارة قد ظهرت في العـهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشرت منها في صورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين سومر وبابل وآشور ومصر، ويرى "سبرنكر"  في عام 1861م أن أواسط بلاد العرب ولا سيما نجد هو المكان الذي جهز الهلال الخصيب بالسكان وطبعه هذا الطابع السامي،  ومن هذا المخزن خرجـت طبقات من الـبشر اتسمت بالسمة السامية، ولا تزال تتسم بهذا السمة حتى اليوم، ويـرى المـستشرق "سايس" أن جمـيع الروايات والآثار السامية تشير إلى أن جزيرة العرب هي الوطن الأول الذي ظهر فيه الساميون.

ارتبطت النهضة العلمية في الجزيرة العربية في أعظم صورها مع ظهور الإسلام وحثه على طلب الـعلم؛ كما أن اللغة العربية من الخصائص الفكرية التي قام عليها العلم في عصر الإسلام، بل قامت عليها الشريعة الإسلامية كلها؛ حيث أنزل مصدر التشريع الأول – القرآن الكريم – بها، ولولا رحابة اللغة الـعربية ومرونتها ما كان للعلماء المسلمين أن يبرزوا على ساحة الفكر بهذه الصورة، وأن يبدعوا كما أبدعوا.

 

الإســلام والعلــم:

تتجاوز مهمة الإسلام تهذيب النفــــوس والأرواح بمجموعـــــة من الشعائـــر التي لا مكان لها خارج دور العبـادة، فالإسلام أكبر من ذلك، فهو دين شعائر وشرائع، دين علم وعمـل، ولقد حدد الإسلام العلاقة بيـن العبد وربه، كما أحكم ضوابط علاقة الإنسان مع بني جنسه وعلاقته بسائر المخلوقات التي خلقها الله، وجـاء الإسـلام ليحث المسلمين على طلب العلم، فأمرنا الله عز وجل أن نتدبر في الكون وفي أنفسنا وفيما حـولنا اسـتشعاراً بعظمة الخالق سبحانه وتعالى: { أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}([1])، كمـا قـال عز وجل: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}([2])، كما أمرنا أن ننظـر إلى آثار الماضـين لنعلم ونعـتبر، وقد جاء في الحديث الشريف العديد من التوجيهات والحث على طلب العلم حيث يقـول e : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" و "إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم".

لقـد وجد العلم في الإسلام موطناً ومن المسلمين رجالاً وحماة، وأضاء مشعل الحضارة في الأصقاع الإسلامية بعد أن كاد نوره يخبو تحت ستر الجهل في أصقاع العالم الأخرى بما في ذلك أوربا، وقد شهدت حضـارة المسلمين حضورا في كل الميادين، وبرزت على ساحة المعرفة علوم جديدة برع فيها المسلمون، إضافة إلى حفظهم وتطويرهم للصالح من العلوم القديمة سواء تلك التي كانت معروفة في جزيرة العرب مثل الفلك أو لعلوم الحضارات السابقة كاليونانية والرومانية والفارسية.

عـرف العالم أجمـع للمسلمين فضلهم وتفوقهم العلمي، يقول فلوريان بأنه كان للعرب عصر مجيد، عـرفوا فيه بانكبابهـم على الدرس، وسعيهم في ترقية العلم والفن، ولا نبالغ إذا قلنا: إن أوروبـا مدينة لهم بما قدموه في مجال العلوم؛ فلقد كان ذلك العامل الأول والأكبر في نهضة القرنين الثالث عشر والرابع عشـر للميلاد، ويقول ويرى البارون دي فو :"إن الرومان لم يحسنوا القيام بالميراث الـذي تركه اليونـان، وإن العـرب كانوا على خلاف ذلك، فقد حفظوه وأتقنوه ولم يقفوا فيه عند هذا الحـد، بل تعدوه إلى ترقيته وطبقوه باذليـن الجهد في تحسينه وإنمائه، حتى سلموه للعصور الحديثة"([3])، كما يقول العالم الأمريكي سارطون:" إن العرب والمسلمين كانوا أعظم معلمين في القرون الثلاثـة: الثامن والحادي عشر والثاني عشـر من الميلاد"، ويقول ليبري :" ارفعوا العرب من التاريخ تتأخر النهضة في أوربة قروناً عدة"، وقد عدّ المستشرق سخاو البيروني أعظم عقلية في التاريخ، كـما يرى سارتون أن ابن الهيثم أعظـم عالم طبيعة مسلم في التاريخ، كما لقب ابن سينا "الشيخ الرئيس"  بالمعلم الثالث بعد الفارابي وأرسطو.

تـذكر زيـجريد هونكة([4]) في باب شغف العرب بالعلم أن مكتبة صغيرة بالنجـف كانت تحوي أربعين ألف مجـلد؛ في حين أن مكتبات أديرة أوربا لم يكن بها سوى اثني عشر كتاباً مربوطاً بالسلاسل خشية ضياعها، ولقد برع المسلمون في كل أنواع العلوم وعلى مختلـف الأصعـدة، وبـرع في كل فن أعلام ظلت بصماتهم واضحة،([5]) ومن هذه علوم الفلك والنجوم التي أبلى فيها المسلمون بلاءً حسناُ.

يرجع اهتمام العرب بعلوم الفلك والنجوم إلى حاجاتهم الحياتية في الصحراء واستدلالهم في مسيرهم بالنجوم :{ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }([6])، وإلى متطلباتهم الشرعية التي فرضها عليهم الإسلام لمعرفة مواقيت الصلاة والصيام ومعرفة أوائــل الشهور ونهاياتـها، يقول الله تعالى :{ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}([7])، ولقد ولع العرب بهذا العلم مما حدا بهم إلى دراسة إسهام الإغريق في مجال الفلك.

لم تكن إسهامات العرب في مجال الفلك مجرد نقل لأعمال السابقين، بل تعـدى الأمر إلى أن زادوا على هذه الأعمال ووافقوا بعضها وخالفوا بعضها الآخر، ومخالفة العرب كما جاء في كتاب "المجسطي" وغيره من الكتب لأكبر دليل على ذلك، كما كان للعرب فضل اختراع آلات ومقاييس تستخدم في علم الفلك حتى يومنا هذا، ومن هذه الأدوات على سبيل الأمثلة لا الحصر: اللينة، والحلقة الاعتدالية، وذات الأوتار، وذات الحلق، وذات الشعبتين، وذات السـمت والارتفاع، وذات الجيب، والإسطـرلاب.

وقد اعترف الغرب أن العرب أتقنوا صناعة هـذه الآلات، ومن هذه الآلات ما هو من مخترعات العرب، ومنها ما هو من اختراعات من سبقهم، كما كان العرب المسلمون أول من عرف أصول الرسم على سطح الكرة، وحساب الحركة المتوسطة للشمس في السنة، كذلك ضبط حـركة أوج الشمس ، كما قالوا بدوران الأرض واستدارتها، هذا بالإضافة إلى النظريات العلمية للبتاني والبيروني وغيرهم، ويقول سارتون([8]) عن فضل العرب في مجال علم الفلك: إن بحوث العرب الفلـكية كانت مفيدة جداً، وهي التي مهدت الطريق للنهضة الفلكيـة الكبرى التي قـادها جاليلـيو وكبلر وكوبرنيكس، ويرى لا لاند أن "البتاني" من أعظم عشرين فلكياً في العالم.

تجدد الاهتمام بالعلوم والمعرفة في الجزيرة العربية مع انبعاث الدعـوة السلفية، ولقد كان لقيام الدولة السعودية الأولى ومناصرتها لدعوة الإصلاح الديني والاجتماعي أثر بالغ في تجدد هذا الاهتمام وخاصة في ظل الاستقرار السياسي والأمني النسبي الذي صاحب قيام الدولة.

 

الاهتمام العلمي في الدولتين السعوديتين الأولى والثانية:

تُعد الـدعوة السلفية للشيخ محمد بن عبدالوهاب (1115 1207هـ) ومناصرة الإمام محمد بن سعود (المتوفى عام 1179هـ)– رحمهما الله – لها نقطة الانطلاقة الجديدة التي أضاءت الجزيرة العربية وامتد سناها إلى أرجاء الدنيا، وفي ربوع الـدولة السعودية الأولى والثـانية وبجانب الصحوة الدينة التي أعادت البلاد إلى أسس الدين الحنيف وبفضـل الله ثم بفضل تبني الأسرة السعــودية للدعوة السلفية التي قامت على أساسها دولتهم ازدهرت دولـة العلم والعلماء، وكان أئمتها حريصين أشد الحرص على التفقه في علوم الدين والاســـتزادة من جميع العلوم الأخـرى، ولعل الدليل على ذلك ما يروى عن الإمام سعود بن عبدالعزيز من أنه كان محباً للعلم، وكان يجلس في الأسواق العامة وفي داره للوعظ والإرشـاد، وقد اشتهر بتعمقه في علم الحديث والتفسير، ويقال: إنه كان له مجلس يحتشد فيه طلبة العلم من كل مكان.

ولقد أشـــار بوركهــــاردت الذي قــــام برحلــة إلى الجـزيـــرة العربيـــة في عام 1230هـ/1814م ولم يصل إلى نجد إلى الوضع العلمي في نجد بقولـه: إنه "ما من مخطوطة في التاريخ والعلوم الدينية وُجِدت في مكة والمدينة أو مدن اليمن إلا وسارعت الدولة السعودية إلى شرائها وحملها إلى الدرعية "، ويقول: " إن مكتبة الإمام سعود تعد في ذلك الوقت أغنى المكتبات بدون منازع خاصة بالنسبة للمخطوطات العربية التي تـعالج موضوعات تاريخية"([9]) ، ويذكر الرحالـة الفنلندي روجـر والن أن الرياض والدروس التي كانت تعقــــد في مسجدها كان السـبب الأهـم لرحلته الأولى إلى الجزيرة العربية عام 1261هـ/1845م، وأنه كان متحمسا قبل بداية رحلته الثانية عام 64–1265هـ/ 1848م، إلى سماع المحاضرات التي كانت تعقد بجامع الرياض([10])، ويذكر ابن بشر عن الإمام تركي بن عبدالله (المتوفى عام 1249هـ) أنه كان لا يخل بمجالس الدروس واجتماع المسلمين، وفي كل يوم خميس واثنين يخرج من قصره فيجمع الناس لذلك أجمعين([11]).

ويقول: "ودخلنا مع الإمام (فيصل بن تركي) في خيمتـه، وجلسنا عنده، فابتدأ الشيخ عبدالله (بن جبر) يقرأ على الإمام في كتاب سراج الملوك والشيخ عبداللطيف يسمع، ولكن الإمـــام هـــو الذي يـتكلم على القراءة ويحقق المعنى"، ([12]) وقد أشار لويــس بيلي إلى أن الإمام فيصل بن تركي (1282هـ) أمر بجلب بعض الآلات إلى ضواحي العاصمـــة لرفع الماء، كما أشار إلى أنه كانت لدى الإمام فيصل ساعة من نوع (FlyingPanClass)، وقد طلب منه إصلاحها ، فتم ذلك في إنجلترا، وأعيدت للرياض.([13])

كما يذكر بالجريف أن الإمام عبدالله بن فيصل كان مهتما بالعلوم الطبية، وكان يطلب منه أن يحضر كتبه الطبية ، وقد أثار سلسلة مـن الأسئلة العلمية الطبية عن الأمراض المختلفة كأمراض الدم والليمفاوية وغيرها، وأن الإمام عبدالله أبقاه في إحدى المرات لمدة ساعة كاملة "نقرأ ويقرأ علينا أحياناً من مجلـدي الخاص، وأحياناً من مخطوطةٍ قديمة من مقتنيات مكتبته"([14])، لقد كان الاهتمام بالعلوم والمعرفـة متأصلا في قادة الدول السعودية المتعاقبة، ولم يختلف الأمر بعد انطلاق عملية التوحيد الكبرى على يد مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، رحمه الله.

 

الملك عبدالعزيز والعلم:

في الخامس من شوال 1319هـ (15/1/1902م) استعاد عبدالعزيز ومعه رجال استمدوا بأسهم من إيمانهم بالله ثم من بأس قائدهم مدينة الرياض، وبدأ منها توحـيد أجزاء من الجزيرة العربية، وكانت انطلاقته نحو مهمة البناء معتمدة على أسس الدعوة السلفـية، كما كان العلم السبيل الأمثل الذي سلكه عبدالعزيز لبناء كيانٍ حديثٍ متطور.

ولتوثيق تماسك الدولة وترابط المجتمع لم يكن غريبـا على ملك مستنير حافظ للقرآن الكريم أن يحرص على رعاية العلم والعلماء، وأن يتخذ من الإرث الثقافي العلمي لأمته أقوى أعمدة بناء الدولة السعودية، ولقد وقف الملك عبدالعزيز– رحمه الله– موقفا قويا ضد التيار المطالب بالعزلة والتقوقع باسم الدين، وأصر على أن يفتتح أول مدرسة في قصره بعد انتقاله إلى المربع عام 1357هـ كي لا تتعرض لمعاندة الرافضين لفكرة التعليم الحديث، واستعان بجهود خيرة الرواد المتعلمين من بيوتات المملكة المعروفين، وسرعان ما انتشر التعليم منطلقـــا من تلك النـــواة إلى جميع أنحاء البلاد، وابتدئ في إرسال البعثات إلى الخـــارج عام 1346هـ/1927م، وهو ما نُظِّم بتأسيس مدرســـة تحضير البعثات عام 1354هـ/1935م ([15])، وقد وضعت برامج الابتعاث إلى الخارج النـواة الأولى للتعليم الجامعي التي تحققت بإنشاء كلية للشريعة في مكة المكرمة عام 1369هـ وكلية للمعلمين عام 1372هـ ثم كلية للشريعة بالرياض في مطلع عام 1373هـ.([16])

كان الملك عبدالعزيز– رحمه الله– محباً للثقافة، مولعاً بالمعرفة، يقدر العلم والعلماء. والمتأمل في سيرته– رحمه الله– سيلحـظ موقع العلم على خريطة الملك اليوميــة؛ فقــد كان– رحمه الله–يجلس في بهو القصر بعد صـلاة العشاء يستقبل العلمـاء والأدباء ومسؤولي الدولة، بالإضافة إلى كل من أراد مقابلته من رعيته، وبعد أن يأخذ كل مكانه كان الشيخ عبدالرحمن القويز يبدأ في القراءة على الجمع شيئاً من كتب التفسير وغيرهـا، والملك يناقشه ويُعـقِّب على قراءته، ولا يتوقف الشيخ عن القراءة إلا إذا قال له الملك كلمة "بركة" والتي تعني الاكتفاء بما قال ذلك اليوم، وكان الملـك يحافظ على هذا الواجب اليومي، حتى في الظروف الاستثنائيـة، يروى أن الملك حينما ذهـب إلى الحـجاز فاتحاً على ظهور الجمال ولم تكن هناك سيارات في ذلك الوقت كان الشيخ عبدالله بن أحمد العجيري يقترب بجمله لمحاذاة الملك ، ثم يقرأ عليه ما تيسر من القرآن، ومن الحديث الشريف، والأدب العربي، والشعر الحماسي وغيره.

ولقد برز اهتمام الملك عبدالعزيز– رحمه الله – بالعلم من خلال مكتبته الخاصة التي بلغ عدد ما بها مـن كتب ما يزيد على 843 كتابا، ولعله من المناسب التنبيه على أن لهذا الرقم مدلولاً مهماً، فـلو أراد الملك عبدالعزيز لهذه المكتبة أن يصبح عدد ما بها من كتب عشرة أضعاف عددها لكان له ذلك، ولكن ما بمكتبته من كـتب يؤكد بشكل واضح أن اقتناء هذا العدد كان عن حسن اختيار وحرص على العلم، وليس من قبيل التفاخر والزهو، ويظهر بتـأمل مقتنيات مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصـة شموليتها للعلوم المختلفـة، وعلى الرغم من اهتمامه– رحمه الله– بالعلوم الدينية، فإنها كانت تمثل في مكتبته– رحمه الله– 34.87% من إجمالي عدد مقتنيات المكتبة الكلي، وهذا يعكس اهتمام الملك عبدالعزيز بالعلوم الدينية جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى.([17])

اهتم الملك عبدالعزيز– رحمه الله– بنشر الكتب منطلقا من فطرته التي جبلت على حب العلم، ووجهته التي اتخذت من الإسلام سمتاً لها، ومــن الســلــف الصـــالــح  نبراساً وقدوة، وكان – رحمه الله – يختار من الكتب الـمعتمدة في الدعوة والحديث والتفاسير المعروفة وبعض من كتب الأدب، ولم تقف حدود الملك عبدالعزيز في نشر الكتب على اللغة العربية وحدها، وإنما نشر عدداً من الكتب باللغات الجاوية والهـندية أملاً منه – رحمه الله – في نشـر الدعوة الإسلامية في أكبر رقعة ممكنة، ونظراً لتأخر ظهور الطباعة في المملكة ، وبخاصة في الرياض؛ ورغبةً من الملك عبدالعزيز في نشر الكتب السـلفية لجأ لطباعة ما اختاره من كتب خارج المملكة، وكانت القاهرة إحدى الأماكن التي طُبِعَ فيها عدد من جمـلة ما نشر على نفقة الملك عبدالعزيز، وقد تولت مطبعتان – حظي أصحابهما بثقة الملك عبدالعزيز – بـطبع كتب الدعوة على نفقته([18])، كما طبع الملك عبدالعزيز على نفقته الخاصة كتب الدعوة في مطابع الشام والهند، ولقد بلغ عدد الكتب التي طبعها الملك عبدالعزيز على نفقـته ثمانية وتسعين كتاباً.([19])

 

موقف الملك عبدالعزيز من العلوم الحديثة:

لم يتردد الملك عبدالعزيز– رحمه الله– من التعامل مع العلوم والمخترعات، وقطف ثمار المعرفة والمدنية الحديثة مادامت لا تعارض أصلا من أصول عقيدته الراسخة، ولقد حرص على إدخال كل ما يمكن نقلـه من تقنية حديثة مفيدة، كما حرص عـلى أن يحث أبناء المملكة على طلب العلم الحديث بعد أن اطمأنَّ على بناء العقيدة، فدخلت السيارات([20]) وأجهزة الاتصالات([21]) والإذاعة([22]) وغيرها، وكان اللاسلكي والإذاعة المصادر الرئيسة للمعلومات والأخبار، وبخاصة العالمية، وقد ربطت أجزاء المملكة بشبكة لاسلكية متكاملة كان لها أثرها في حفظ الأمن ولإدارة الحكم([23])، ويـذكر فيلبي أن الملك عبدالعزيز كان يدرك بحكمة ووعي ضرورة الاستفادة من الوسائل الطبية الحديثة وإدخالها في دولته([24]) .

وكما قام الملك عبدالعزيز في تجربة فريدة من نوعها بتوطين البادية وتأسيس المنابر العلمية في الهجر والقرى قام أيضاً بوضع الملامح الرئيسة لتوطين التقنية الحديثة في بلاده، ووقف بإيمان وثقة وحصافة ضـد من توهموا وعارضوا ملامح النهضة العلمية الحديثة، وكان شديد الحرص على نهضـة بلاده، فلم يكن ليترك ركب الحضارة الحديثة يمر من أمامه، ولا يأخذ منه ما ينفع هذه البلاد، يقول ريتشارد سامجز :" لقد ظل الملك عبدالعزيز يدرس إمكانية تطبيق مراحل معينة من الحضارة الغربية على بلده لعدة سنوات، ولقد  كان قراره الذي اتخذه بعد دراسة متأنية هو أن يحدث تغييرات اقتصادية يمكن مقارنتها بالتغييرات الـسياسية التي أحدثها بالفعل"([25])، ولعل أوضح الأمثلة على ذلك قــراره الحكيم بالسماح بالتنقيب عــــن النفط الــــذي لم يكن قراراً سهلاً  ؛ إذ واجــه – رحمه الله – ضغوطا داخلية وخارجية كبيرة في سبيل ذلك، وتمكن بإصراره وحكمته من معالجتها والتعامل معها منطلقا من إدراكه بالنتائج الإيجابية لذلك القرار وانعكاسها المباشر على مصلحة الوطن.

كان– رحمه الله– حريصاً على الأخذ بكل ما هو مفيد بغض النظر عن مصدره وهو يؤكد ذلك بقولــه: "لا مانع أن نـأخذ من غيرنـا المفيد؛ فالحكمة ضالة المؤمـن، يلتقطهـــا حيث وجدهــــا"([26])، وكذلـك بقولـه : " إن بعض المسلمين– مع الأسـف– لم يجدوا طريقة للتقدم في نظرهم إلا تقليد الأوربيين، ولكنهم لم يقلدوهم فيما كان سبب قوتهم ومنعتهم، ومضت عشرات السنين على الذين يدعون لتقليد الأوربيين، ولكن من منهم عمل إلى اليوم إبرة أو صنع طائرة أو اخترع بندقية أو مدفعا؟".([27])

كان من الركائز التي استند إليها الملك عبدالعزيز في تـوطين العلم والمدنية الحديثة ابتعاث السعوديين إلى البلاد الأكثر تقدما ؛ إذ عنيت المملكة باستقدام أخصائيين، وإيفاد عدد من أبناء الوطن إلى خارج المملكة لتعلم فنون الطب، ووضعت  إدارة الصحة العامة تنظيماً عامًّا يضمن سير هذه العملية بانتظام، كما وضعت لائحة للأطباء القـادمين من الخارج سواء فيما يخص طريقة عملهم، ومدة إقامتهم، والجهة المسؤولة عنهم خلال هذه المدة.

حرص الملك عبدالعزيز– رحمه الله– على جلب البعثات المتخصصة من الخبراء للنهوض بالمرافق والخدمات في المملكة؛ ففي مجال النهوض بالزراعة استغل الملك عبدالعزيز العلاقات الطيبة بينه وبين بعـض البلاد العربيـة، فطلب إرسال الخبراء الزراعيين من العراق تارة ومن مصر تارةً أخرى، وتابع الملك عبدالعزيز أعمال هذه البعثات في البلاد، كذلك أرسلت الولايـات المتحدة الأمريكية بعثات من الخبراء الزراعيين لديها، وكانت البعثات الزراعية في وقتها المبكر من أسباب وجـود نهضة زراعية مبكرة في المملكة سواء في منطقة الخرج في نجد، أو في منطقـة وادي فاطمـة بالمنطقـة الغربية، وقد اهتمت حكومة الملك عبدالعزيز بتأمين مصادر الري وحفر الآبار وبناء السدود.

 

رأى الملك عبدالعزيز ضرورة مجاراة تطور التسلح، ولهذا أمر بإنشاء إدارة للأمور العسكرية في عام 1348هـ فكانت نواة للجيش النظامي، تلاها إنشاء وزارة الدفاع عام 1356هـ ، وقد تنبه الملك عبدالعزيز إلى ضرورة شحذ خبرات الجنود السعوديين، وإكسابهم مهارات حديثة متقدمة للـذود عن الوطن وحفظ استقراره، ولم يتردد الملك لحظة واحدة في إرسال البعثات العسكرية إلى كلية ساند هيرست وكلية الطيران الملكي في بريطانيا وبعثات للتخصص في الطيران بمختلف فروعه إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبعثات إلى الكلية الحربية في مصر ؛ إذ كان لوزارة الدفاع بعثة فيهـا بلغ عددها 127 مبتعثاً في سلاح المهندسـين والكلية الحربية وكلية الطيران ومدرسة الصيانة الحربية، كما أنشئت في عهد الملك عبدالعزيز عدد من المدارس والمعاهد العسكرية المتخصصة([28])، ووضعت النواة لتأسيس الحرس الوطني.

وضع المـلك عبدالعزيز الأساس لإنشاء الحرس الوطني، فقد حرص– رحمه الله– بعد استكمال مراحل التوحيد وسيادة الأمن والاستقـرار على الإبقاء على الرايات المجاهدة في جيشـه، وأمر بإنشاء "مكتب أهل الجهاد والمجاهدين" الذين قاموا بمهمات وأعمال كثيرة، وعند الإعلان عن إنشاء الحرس الوطني في 10/9/1374هـ كانت بعض من وحدات المجاهدين هي نواة ذلك الجهاز المهم([29]) الذي سلك بثقة وثبات وبقيادة حكيمة من صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني مسيرة التقدم ؛ ليكون درعاً حصيناً ومؤسسة عسكرية وحضارية متطورة.

قرر الملك عبدالعزيز انطلاقا من قناعته بمدى أهمية الأخذ بالتطورات الحديثة النافعة أن يدخل الطائرة لكونها وسيلة نقل متطورة، وتم في عام 1348هـ شراء أربع طائرات، واستقدم للعمل عليها عدداً من الطيارين، ثم تم ابتعاث عشرة سعوديين إلى إيطاليا لتعلم الطيران عام 1354هـ ، وقد عادوا بعد تخرجهم للعمل على تلك الطائرات، كما تم ابتعاث عدد من الطيارين إلى مصر، وكانت الرحلات داخلية بادئ الأمر، ثم تطورت وربطت في عهده المدن الرئيسة بخطوط جوية منظمة، وخط يربط السعوديـة بمصر وسورية ولبنان، وقد قرر الملك بعد أن قدم إليه الرئيس روزفلت في عام 1364هـ طائرة من طراز دي سي 3 إنشاء إدارة للطيران تابعة لوزارة الدفاع، تطورت فيما بعد إلى الخطوط الجوية العربية السعودية، وقد بدئ بإنشاء المطارات في عهد الملك عبدالعزيز بدءاً بمطار جدة، وزودت بأحدث أجهزة اللاسلكي والرادار.([30])

آمن الملك عبدالعزيز بأهمية التعليم وضـرورة بناء قاعدة من المتعلمين وفق نظام تعليمي متطـور، يوثق بداياته الشيخ محمد بن مانع في تقرير نشرته مجلة "العالم العربي" بمصر، فيقـول: "لقد أسبـغ جلالة الملك المعظم أيده الله بنصـره على المعارف في هذا العام من سحائب جوده وعوائد إحسانه من الأموال الطائلة أضعاف ما كانت عليه من قبل في أعوامها السالفة؛ فنشط لذلك رجال العلم، واشتدت رغباتهم في التعليم، وسهل على رجال المعارف إنجاز ما كانوا يفكرون فيه من تكثير فتح المدارس وزيادتها في جميع نواحي المملكة حاضرها وباديها زيادة على ما كان لديها من المدارس الثانوية والابتدائية"، وباتساع رقعة المتعلمين ازداد عدد المكتبات التي يعد وجودها في بلد وانتشارها من أهم ملامح وعلامات النهضـة فيه، ومع أن ظهور المكتبات بالمملكة جاء متأخراً بعض الشيء وذلك ضرورة منطقية  ؛ إذ لا تأتي هذه السمة الحضارية إلا بعد توافر رصيد من البناء الفكري والثقافي فقد ظهرت بعض المكتبات العامة مثل مكتبة المسجد النبوي الشريف، ومكتبة الحرم المكي، وظهرت أيضا مكتبات خاصة فتحت أبوابها لطلبة العلم مثل مكتبة سمو الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، ومكتبة سمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن، ومكتبة الشيخ محمد بن إبراهيم.

أنشأت الحكومة السعودية مديرية التعليم العامة عام 1344هـ، وافتتح المعهد العلمي السعودي عام1345هـ ، وأرسلت أول بعثة تعليمية للخارج عام 1346هـ، وتم افتتاح المدارس الـثانوية والابتدائية في كل من جدة والمدينة والطائف ومكة والأحساء ونجد، وتعد الطفرة التعليمية التي حدثـت في عهد الملك عبدالعزيز نتيجة للاستقرار السياسي والأمـن العام الذي عاشت المملكة في ربوعه؛ مما أدى إلى وجود هيكل تعليمي نظامي سرعان ما آتى ثماره رجالاً أسهموا في بناء النهضة العلمية والأدبية والاجتماعية في البلاد.

استمر أبناء الملك عبدالعزيز– رحمه الله– من بعده في توجهه وقناعته بأهمية الدور العلمي في نهضة الأمة، وقد تواصلت تلك القناعة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي كان أول وزير للمعارف ، وقد شهد التعليم بعنايته وثبات كبيرة، وتطورت جميع مراحله، كما انطلق التعليم الجامعي إلى آفاق جديدة رحبة([31]) بعد أن عانى التعليم من سنوات العزلة.

لقد كان هذا الجزء من العالم العربي في يوم من الأيام معزولا عن العالم في مجالات العلوم والتقنية رغم موقعه الجغرافي في المنطقة، ولكن قيام المملكة العربية السعودية واهتمام قادتها البالغ بالعلم والتحديث أدى إلى تغيير هذا الوضع؛ ولذلك نجد أن هناك عدداً كبيراً من الاتفاقيات التي عقدت بعد قيام الدولة بين المملكة وعدد من الدول المتقدمة في المجالات الفنية والعلمية والتقنية، فهناك اتفاقيات تعاون مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والصين وبعض الدول العربية ودول أخرى، كما أن هناك تعاوناً علمياً تقنيًّا مع الولايات المتحدة في مجالات كثيرة؛ منها الطب والزراعة والطاقة والهندسة وعلوم الفضاء، وتعد رحلة مكوك الفضاء ديسكفري (إس تي إس 51 جي) التي كان للمملكة فرصة المشاركة فيها من أهم الأمثلة على هذا التعاون، ونعرض فيما يأتي بعض جوانب هذه المشاركة الرائدة.

 

المشاركة السعودية الأولى في الفضاء:

برزت في عام 1386هـ/1966م فكرة استخدام القمر الصناعي العربي، وكان ذلك نتيجة لتوصية وزراء الإعلام العرب في اجتماعهـم الأول المنعقد في بنزرت بتونس بضرورة استخدام وسائل التقنية الحديثة في عملية تطوير قاعدة الانتشار الإعلامي والتعليمي وتوسيعه في الأقطار العربية باستخدام الأقمار الصناعية، وأنشئت في عام 1396هـ/1976م "المـؤسسة العربية للاتصالات الفضائية (عرب سات)" بهدف تأمين استخدام أحدث وسائل الاتصـال الحديثة لتوفير شبكة اتصالات وثيقة بين الدول العربية، وقد اختيرت "ديراب" بالمملكة العربية السعودية لتكون المحطة الرئيسة للتحكم في شبكة عرب سات التي تقدم خدماتها لدول المنطقة، وقد أطلق القمر الصـناعي العربي الثاني بواسطة مكوك الفضاء ديسكفري في 29/9/1405هـ/ (17/6/1985م) الذي حمل أول انطلاقة علمية سعودية إلى الفضاء.

لم تكن الرحلة مجرد سبق للمشاركة في ارتياد الفضاء رغم أهمية ذلك، وإنما كانت رمزا لنجاح مرحلة علمية حققـتها المملكة؛ فقد جاء اختيار المملكة لتمثل جميع الدول في المؤسسة العربية للاتصالات (عرب سات) على أساس أنها الدولة الرئيسة المسهمة في المنظمة، كما أنها أحد أهم الدول العربية من حيث استخدام تقنـيات الفضاء والاتصالات في العصر الحديث، كما أن ما للمملكة من علاقـات واسعة مع المؤسسات العلمـية والحكومات، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، قد أهَّل المملكـة بحق لكسب شرف المشاركة العربية الأولى في رحلة فضائية دولية مهمة.

لقد تم استغلال الرحلة بالإضافة إلى هدفهـا الرئيس وهو متابعة إطلاق القمر الصناعي العربي الثاني (عرب سات 1B)؛ لتكون مجالا لعدد من التجارب الخاصة بدراسات وأبحاث علمية لعلماء وباحثين سعوديين، وبالتعاون في بعضها مع علماء أمريكيين وفرنسيين وغيرهم، وقد تم تشكيل فريق علمي متخصص من مؤسسات علمية سعودية وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن التي تمثل أحد أبرز ملامح التطور العلمي الوطني وثمرة من ثـمار سياسة تطوير العلوم في مجالات البترول والطاقة التي انتهجها الملك عبدالعزيز قبل حوالي خمسة وسبعين عاما؛ لتحديد التجارب والتدريب على القيام بها، كما يمثل أعضاء الفريق عينة من المواطنين الذين استفادوا من التطور العلمي بالمملكة؛ فكل أعضاء الفريق الذين أتوا من أصقاع المملكة المتباعدة درسوا في مدارس المملكة وأكملوا دراساتهم التخصصية سواء داخل المملكة أو خارجها بدعم وتشجيع من الدولة، ولقد كان للمشاركة السعودية الأولى في الفضاء عدة نتائج هامة، فبخلاف نتائجها العلمية البحتة أثمرت المشاركة نتيجتين مهمتين؛ إحداهما تتعلق بالانطباع الذي خلفه المشاركون من الفريق السعودي لدى العلماء الذين تطلب العمل الاحتكاك بهم، والأخرى هي ما خلَّفته المشاركة من انطباعات وطنية لها أبعاد خاصة.

ففي الجانب الأول وفق الله الفريق العلمي والإداري السعودي المشارك في الإعداد للرحلة إلى القيام بجهود متميزة في سبيل إنجاز مهامه الـمنوطة به بكل جدارة ودقة، وقد تمكن المشاركون السعوديون خلال مدة قياسية من استيعاب برنامج علمي وعملي مكثف ومعقد في ظل ظروف حرجة تحت مجهر الاختبار الدقيق، لقد كان لذلك أثر بالغ في إعطاء صورة حقيقية ناصعة لما يمكن أن يحققه العالم السعودي متى ما تيسر له الدعم والتشجيع من دولته، ولكون المشاركة الفضائية العلمية السعودية قد تطلبت أن يعمل أعضاء الفريق في عدد متباعد من المراكز العلمية التابعة لإدارة الفضاء والطيران الأمريكية NASA ، وما تبع ذلك من احتكاك ضروري مع النخبة من العلماء والخبراء، فلقـد كان لتلك الانطباعات أثرها المهم في سبيل نقل الصورة الحقيقية لتطور العلوم والعلماء في المملكة، وفي الوقت ذاته إبراز الجانب الإنساني المتميز الذي تحرص الدولة منذ عهد المؤسس ويحرص المجتمع على توثيق عناصره الإيجابية البناءة في المواطن السعودي، أسهمت هذه العوامل في بناء علاقات إنسـانية وعلمية مهمة مع العلماء والخبراء خلال مدة المشاركة الفضائية الأولى، ولا زالت أواصرها تمتد حتى هذا اليوم.

فـي الجـانب الآخر لقيت المشاركة السعوديـــة الأولى في الفضاء اهتماماً محلياً له دلائل مهمة فالمُسلَّم به أن رحلات الفضاء كان لها دائماً جانبها الرومانسي في مخيلة الإنسان، ولقد انطلق الخيال الإنساني إلى الفضـاء سابقاً بمدة زمنية طويلة انطلاق أول جرم فضائي في عام 1377هـ/1957م، وأول إنسان إلى الفضاء في عام 1381هـ/1961م. وقـــد أدى انطــلاق الإنسان إلى الفضـاء أول مـرة إلى إشعال الحماسة بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وقد كان وصول الإنسان إلى سطـح القمر تتويجا لتلك الحماسة.

لقد كان لوصول الإنسان ممثلاً للإنسانية جمعاء إلى سطح القمر أثر بالغ في نفس كل من سمع أو شاهد ذلك الحدث التاريخي المهم، ولقد كنت واحداً منهم؛ لذا فعندما شاركت المملكة بمواطنيها في تحقيق عمل رائد مثل المشاركة الفضائية الأولى أتت ردود الفعل مضاعفة وعفوية، كما أتت معبرة عن ذلك الجانب الإنساني الذي يعيش في مخيلة كل منا.

ومع أهمية ذلك إلا أن هنالك جانباً آخر ومهماً لرد الفعل الوطني للمشاركة الفضائية؛ فالمملكة قد كانت إلى وقت قريب في عمر الأمم قاحلة ومتباعدة الأطراف، ولقد كان العلم مطلباً غير متيسر لسكانها، ولعل ما قامت به في رحلة الفضاء هو إيقاظ لمشاعر الاعتزاز الوطني بالإنجازات العلمية والإنسانية الكبرى التي تحققت في وقت قصير لبلاد لم يـكن يحسب إنسان أنها ستتوحد، ناهيك عن أن تتمكـن من تحقيق معجزات التنمية العلمية والإنسانية التي نشاهدها ونعيشها اليوم بفضل الله أولاً ثم بفضـل ثاقب بصيرة مؤسس البلاد وإقدامه على اتخاذ القرار الصائب والصعب لانتشال البلاد من التخلف والجهل، لقد رأيت أنا وزملائي من المشاركين في برنامج رحلة الفضاء الأولى هذه الدلالات على وجوه الأعـداد الكبيرة من الناس الذين تشرفنا بلقائهم بعد إتمام مهمتنا، ولم تزدنا هذه الانطباعات إلا يقيـنا بأهمية متابعة ما بدأه المؤسس– رحمه الله– وما قام ويقوم به أبناؤه من بعده في سبيل أن تخطو بلادنا نحو المستقبل بطموح، تدعمه ثقة مستمدة من عقيدة راسخة وتراث عريق .

 

نــحو المستقبــل:        

لا يمكن استشراف مستقبل أمة إلا من خلال دراسة متأنية لتراثها الروحي والفكري والعلمي واستيعاب حقيقي لمقوماتها الإنسانية والمادية، والمملكة العربية السعودية دولـة قامت على أساس متين يؤهلها لأن تنطلق نحو المستقبل لتكون صانعة للتاريخ.

لقد كان توحيد المملكة العربية السعودية حدثا تاريخيا مهما بذاته، كما كانت عملية التحول التنموية الكبرى التي قامت بها الدولة والإنسان السعودي في مدة زمنية قياسية إنجازاً حضارياً مهماً تداعت نتائجه عربياً وإسلامياً وعالمياً؛ لذا فإن ما تقوم به المملكة في المستقبل في جميع المجالات ومنها التحديث والتطوير العلمي يترتب عليه تبعات مهمة على المستويين المحلي والدولي.

فعلى المستوى الدولي ينتظر أن يكون للمملكة أثر قيادي في التوجه العالمي المستقبلي في مجالات العلوم؛ فهي بلاد الحرمين ومهد الحضارة العلمية الإسلامية، والعمل الذي يمكن أن تؤديه في ظل واقعها السياسي والاقتصادي مؤثر على الساحة الدولية إنما هو عمل مهم وأساس، وهي مهمة منوطة بقيادة البلاد وشعبها ومؤسساتها.

أما على المستوى المحلي فالأمر يتطلب الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في السنوات الماضية، والاستمرار في عملية التحديث والتطوير لتحقيق مزيد من الازدهار والنهضة الاجتماعية في ظل تحديات جديدة تشابه ما واجهه المؤسسون الأوائل، وإن اختلفت في حجمها وأبعادها.

لقد واجه المؤسسون الأوائل تحديات كبرى خلال المراحل الانتقالية الأساسية في عمر الدولة السعودية، وهنالك في اعتقادي أربع مراحل جديرة باهتمامنا في هذا البحث؛ أولها مرحلة التوحيد، وتلتها مرحلة ما بعد التوحيد الانصهار الوطني، ويتبعها مرحلة إنشاء المؤسسات، وأخيراً مـرحلة خطط التنمية. ولقد كان لكل مرحلة من هذه المراحل تحدياتها الخاصة فيما يتعلق بعملية التحديـث.

فعلى سبيل المثال واجه الملك عبدالعزيز– رحمه الله– معـارضة حقيقية منذ بداية عملية التحديث، ولقد كان أساس ذلك جهلاً سببه العزلة الفكرية التي كانت تعـاني منها البلاد، وكانت في غالب ظاهرها معارضة نابعة من خوف موهوم من أن تمس عملية التحديث الأسس والمبادئ التي يؤمن بها المجتمع، وأولها الدين والعقيدة، لازم هذا الخوف من التغيير مرحلة التوحيد، ولقد دعا الملك عبدالعزيز إلى أهمية التعليم ونشر المعرفة لكونها وسيلة أساسية للتغلب على دعوات التقوقع وعوامل الجمود الفكري، فلقد واجه المشككين بالحسنى والحوار والحجج المبنية على أساس العقيدة وبالمنطق الفكري السائد، وعندما توصل الأمر إلى تهديد الوحـدة والأمن الوطني بحجة المعارضة للتحديث والانفتاح على العالم واجه ذلك بالقوة والحزم.

برزت في المراحل التالية من عمر الوطن تحديات أخرى؛ فمرحلة الانصهار الوطني تطلبت مجهوداً بالغاً وبموارد مادية شحيحة في سبيل تأسيس البنية التحتية وربط البلاد المترامية الأطراف لتعجيل التنمية الاقتصادية لكونها أساساً لتوثيق أواصر الانتماء الوطني، كما كانت مرحلة بناء المؤسسات مليئة بالعقبات، وقد كان أهمها ندرة الخبرات السعودية المؤهلة للقيام بهذه المهمة الكبرى، وهو ما تم تجاوزه في وقت لاحق عن طريق استقطاب الخبراء والتعاون الإقليمي والدولي وتكثيف التعليم المتخصص والبعثات التعليمية.

تميزت المرحلة التالية- وهي مرحلة خطط التنمية- بتحديات كبرى؛ فالتنمية الشاملة وعملية التحديث السريعة التي هدفت إليها التنمية أدت إلى تحولات اجتماعية واقتصادية مهمة، وهو ما وضع الثوابت التي يثمنها أهل البلاد في محك الاختبار، ففضلا عن المعتقد الديني الراسخ لأهل البلاد هنالك العادات والتقاليد العربية الراسخة التي تميزوا بها، وهنالك الارتباطات الاجتماعية والأسـرية التي تشكل أساس التكوين الاجتماعي ، ومن ثم تشكيل التركيبة السكانية للدولة.

لقد بدأ الملك عبدالعزيز– رحمه الله– في وضـع اللبنة الأولى بعد التأسيس لقيام مؤسسات الدولة؛ فأنشأت مجلس الشورى عام 1345هـ/1926م ، وقامت– على سبيل المثال– وزارة الخـارجية عام 1349هـ/1930م، ووزارة المالية عام 1351هـ/1932م، ووزارة الدفاع عام 1365هـ/1945م، ومديرية الزراعة عام 1367هـ/1948م، ووزارة الصحة عام 1370هـ/1950م. وتـولى من بعده أبنـاؤه سعود وفيصل – رحمهما الله – البناء على ذلك الأساس؛ ليتكامل بناء المؤسسات وتوجيهها في مهامها الأساسية، ثم قام الملك فيصل–  رحمه الله –  فيما بعد بإطلاق عملية التنمية الشاملة، كما قام الملك خالد –  رحمه الله – وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بالبناء على ذلك وإطلاق إحدى أهم عمليات التنمية الشاملة في تاريخ البشرية، وهي التي تتتابع فعالياتها حتى يومنا هذا، وقد أنشئ المركز الوطني للعلوم والتقنية (مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية حالياً) في عام 1397هـ/1977م لدعم وتشجيع البحث العلمي للأغراض التطبيقية وتنسيق نشاطات مؤسسات ومراكز البحوث العلمية في هذا المجال بما يتناسب مع متطلبات التنمية في المملكة.

تمكنت البلاد خلال تلك المراحل من اجتياز تحديات التنمية والتقليل من أضرارها، ومع ذلك فقد كان للقرار السياسي الواعي أثره المهم، سواء في إطلاق مرحلة من المراحل أو قيادة البلاد خلالها بحكمة بالغة، ولم يكن اتخاذ القرار للانتقال من مرحلة إلى أخرى بالسهل، فلقد تطلب ذلك شخصيات قيادية تمثلت في هؤلاء القادة الذين انطلقوا من إيمان راسخ بأهمية التحديث والتطوير للمحافظة على المكاسب الوطنية وتثبيت الوحدة والانصهار الاجتماعي ولتمكين البلاد وأهلها من الرقي والازدهار في ظل العقيدة الإسلامية والتقاليد والخصوصيات المحلية، واليوم ونحن نستعيد إنجازات مائة عام ماضية يتوجب علينا الاستفادة من دروس هذه المراحل واستيعابها بشكل صحيح ومجرد، فبقدر ما كانت تلك الإنجازات ولا تزال مدعاة للفخر والاعتزاز حقاً بقدر ما يفرض ذلك علينا مسؤولية المحافظة على مكاسبها ومواصلة البناء عليها في ظل تحديات جديدة من نوع آخر.

لعل من أهم التحديات التي تواجهها الأمم هو تحديد مسارها المستقبلي في عالم سريع التغير وأهمية مواكبة التغيرات ومجاراتها وبخاصة في مجالات التقدم العلمي، ولقد أصبحت المعادلة الآن إما مواكبة هذا التقدم والاستفادة منه، أو الاندثار والزوال؛ فلقد كانت العزلة سابقاً اختيارا قائماً، ولكن في عالمنا الحالي أصبح هذا الاختـيار غير متاحٍ بـأي شكل من الأشكال؛ فالعالم أصبح قرية صغيرة، وتقنيات الاتصالات والمواصلات الحديثة قربت المسافات جغرافيًّا وحضاريًّا بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ.

التحدي الأكبر الذي نواجهه هو صياغة مجموعة من الأهداف الوطنية للعقود القادمة، ولذلك يجب علينا إعادة تقويم إمكاناتنا الحالية وأوضاعنا الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والخروج بمجموعة اختيارات واقعية نرى أنها متاحة لنا ثم تبويبها أو سردها في قائمة تحددها الأولويات لتبدأ بالأهم فالمهم؛ فلكل دولة طموحات يتم بوساطتها تحديد أهداف واضحة لتتـضافر الجهود وتتناسق في تحقيقها، والدول الحديثة لها أهداف معلنة؛ منها مجالات العلوم الطبيعية والعلوم البحتة، وأثر تحديد الأهداف وإعلانه بالغ في عملية التنمية الاجتماعية، وفي الاقتصاد الوطني، والمستقبل السياسي للدولة. فما طموحاتنا؟ وما أهدافنا؟ وكيف نحققها؟ وكيف يمكننا أن ننمي إمكاناتنا العلمية لخدمة أهدافنا الوطنية المشروعة؟ وما العلوم التي نحتاج التركيز عليها؟ ولماذا؟ وكيف يكون أسلوبنا في مواجهة التحديات المستقبلية على جميع المستويات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والجغرافية والمعيشية؟

من الجـدير أيضاً أن يكون لنا أهداف فائقة الطموح، فهي وإن لم تتحقق بشكل كامل كفيلة بشحذ همم شبابـنا وصقل مقدراتهم؛ فلقد وضـعت الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي (الخمسينيات الميلادية) هدفاً كان يعد في ذلك الوقت بالغ الطموح، وعده بعض الناس بالغ التهور والتبذير، وهو إيصال أول رائد فضاء إلى سطح القمر، وجعلت الدولة ممثلة برئيسها هذا التحدي مرتكزاً لتكاتف الجهود العلمية في البلاد، ولقد تحقق الهدف، وكان للولايات المتحدة السبق في الوصول إلى سطح القمر، ولقد كان لذلك نتائج إيجابية على المستوى الوطني والعالمي، ولكن الأهم هو أنه في سبيل تحقيق هذا الهدف تم تعليم الآلاف من العلماء وتخريجهم فـي مختلف مجالات العلوم الطبيعيـــة والتقنــــية، مما كان له الأثر الكبير في تقدم البـــلاد علميًّا وتقنيًّا، وهو ما نـرى نتائجه اليوم، كما تم تطوير العديد من التقنيات ذات الفائدة الاقتصادية على جميع المستويات، ومنها الطبية والعسكرية والتجارية والصناعية.

لذا ينبغي أن يكون لكل أمة أهداف طموحة معلنة، يتم بوساطتها تنسيق الجهود والإمكانات الوطنية؛ فالتحدي الأكبر هو أن نحدد أهدافنا ونضع خططنا ونبدأ بالعمـل؛ فالبنية التحتية أو الأساسية قام بوضعها لنا عبدالعزيز وأبناؤه ومن شارك معهم في هذا العمل الكبير، وواجبنا ومهمتنا هو استكمال البناء ووضع الأسس للأجيال القادمة ليتواصل الرخاء والنماء والاستقرار والازدهار الذي ننعم به اليوم ولله الحمد.

ومن الأهمية بمكان أن نعي أن استمرار ازدهار أمة ما في هذا العصر قد أصبح مرتبطـــاً إلى حد بعيد بمدى قدرتهــــا على مواكبة التطورات العلمية، فالبحث العلمي لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة ملحة لتطوير مقدرات البلاد واقتصادها، وتمكينها مـن تنمية اجتماعية وحرية سياسية واقتصادية حقيقية، ولقد كان لتطوير التقنية واستيعابها دور أساس في عملية التنمية في الدول النامية في السنوات الخمسين الماضية، ولقد حرصت حكومة المملكة العربية السعودية من خلال مؤسساتها العلمية على تحفيز البحث العلمي والتطوير التقني، فلقد قامت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والجامعات المحليـة بعمل متميز نحو دعم التقنيات والعلوم وتقدمها وتطويعها لما يخدم الحاجات الوطنية المباشرة، كما قامت المؤسسات العسكرية والطبية بعمل مهمٍّ أيضاً في هذا السبيل.

ولكن التشكل الاقتصادي العالمي والوطني الجديدين يحثان على أثر أكبر للحكومات والمؤسسات التجارية والصناعية غير الحكومية في التنمية الاقتصادية، وقد أدى ذلك إلى ضرورة إعادة النظر في عمل هذه المؤسسات وإسهاماتها في عملية التنمية والتطوير العلمي والتحديث، كما أدى إلى مراجعة عمل الدولة في العملية ذاتها، وإن بقي أثر مؤسسات الدولة ضروريا ومهمًّا منظماً وداعماً وموجهاً لعملية البحث العلمي والتحديث فإن المؤسسات التجارية والمنشآت الاقتصادية قد اكتسبت أهمية خاصة وبالغة الأهمية في ظل سياسة الدولة المعلنة نحو التخصيص والتوسع الصناعي في ظل المتغيرات العالمية التي تعطي عملاً أكبر لهذه المؤسسات على حساب ما كانت تقوم به الدول من أعباء.

لقد فرضت هذه المتغيرات واقعاً جديداً انصهرت فيه اقتصاديات الدول تحت مظلة اقتصاد عالمي سَهَّـل التنـافس في مجالات تصدير السلع والخدمات، وفتح الحدود أمام عصر اقتصادي جديد ، البقاء فيه "للأقوى والأجدر"([32])؛ لذا فإن مناسبة غالية ومهمة كمرور مائة عام على بدء عملية توحيد هذا الكيان الكبير تتطلب طموحاً يرقى إلى أهمية الحدث التاريخي، وقد يكون ذلك بإعادة تشكيل النظرة الوطنية نحو المستقبل بما في ذلك عملية التحديث والتطوير العلمي وتحديد علاقة ذلك بإستراتيجية طويلة المدى، تأخذ في الحسبان المكانة التي حققتها المملكة العربية السعودية منذ انطلاق عملية التوحيد قبل مائة عام،كما أن على تلك الإستراتيجية محاكاة عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأمن الوطني بشكل أوثق.

من هذا المنطلق قد يكون منبر مناسبة مائة عام على انطلاق توحيد المملكة العربية السعودية هو المكان المناسب لتقديم اقتراحات عملية في سبيل تفعيل ما ورد هنا من أفكار نحو ضرورة تركيز النظرة الوطنية المستقبلية الشاملة، فنحن نلحظ بشكل متزايد الحوار الصحي والمجهودات المتفرقة بشأن إعادة تشكيل التوجه الوطني في مختلف المجالات، مثل التعليم والرعاية الصحية، والتنمية الاقتصاديـة وغيرها من المجالات الحيوية إلا أن تشتت هذه الجهود وعدم انتظامها ضمن نظرة موحدة وشاملة نحو المستقبل يحد من احتمالات تحقيقها للأهداف الوطنية العليا بشكل متكامل وفعال.

لقد أحسنت اللجنة المنظمة للمناسبة عملاً بأن حددت فعاليات المناسبة ضمن مضامين مهمة وأطر نافعة، وهذا المؤتمر المبارك لا يستثنى من هذا التوجه، بل هو دليل عليه، لذا فقد يتبنى المؤتمر الدعوة لانعقاد ندوة أو مؤتمر وطني، يتم الإعداد له مـن قبل نخبة مختارة من العقول الوطنية المدركة لدراسة مجموعة من الاختيارات المحددة وطرحها، يتم بموجبها تحديد مجموعة من الأهداف الوطنية ذات الأولوية للخمسين سنة القادمة على أن يتم تقويمها وإعادة صياغتها كل خمسة أعوام، واقتراح خطة إستراتيجية طويلة المدى لتحقيقها، وقد تقر هذه الخطة رسمياً لتكون دليلاً تستنير به المؤسسات الوطنية عند تحديد أهدافها وأعمالها في الخطط الوطنية القادمة في جميع المجالات الحيوية، ومنها العلوم وتطوير التقنية، كما يستنير بها المواطن لتحديد مهمته والإعداد للقيام بهذه المهمة كما هو مؤمل منه، ومن الضروري هنا الإشارة إلى أهمية تفعيل أثر مؤسسات الأبحاث الإستراتيجية التخطيطية القائمة لمواكبة هذا التوجه، والنظر في تشجيع إنشاء مؤسسات موازية خارج قطاع الدولة من أجل تعزيز القدرات الوطنية لاستشراف المستقبل، وتوثيق العلاقة بالمراكز والمعاهد المماثلة على مستوى العالم والاستفادة من منتوجاتها وقدراتها الفكرية في مجالات البحوث الإستراتيجية والاستشرافية.

 

 

الخاتمـــــــة:

قد يكون ما حققته البلاد السعودية من تحول حضاري وعلمي واقتصادي في مدة وجيزة دليل على قدرة هذه البلاد قادة وشعباً على تحمل المسؤولية وتولي القيادة، كما أنه مدعاة للثقة في إمكان التطلع إلى آفاق أوسع، ومائة عام مقبلة من الطموح والآمال والإنجازات الكبرى والنافعة بإذن الله؛ فالمؤشرات السابقة  تعبر عن الإنجازات الحضـارية التي حققتها المملكة العربية السعودية في جميع المجالات على أسس دينية وفكرية، ودعائم علمية راسخة اتضحت في ذهن المؤسس قبل أعوام خلت، ولم يكن الملك عبدالعزيز إلا ليستجيب لأي تطور علمي من شأنه المصلحة العامة، ولعل المشاركة السعودية في الفضاء بجميع أبعادها كانت رمزا لثاقب بصيرته ووضوح رؤيته، وبناء على الأسس التي وضعها في سبيل الرقي بالحركة العلمية في البلاد واستيعاب تطورات التقنية الحديثة لما فيه خير أهلها.

لقد وضع الملك عبدالعزيز–رحمه الله – الأسس التي أكدت توجه الدولة، ولقد أصبحت هذه الأسس المبنية على العقيدة الصافية والنظرة الإسلامية الشاملة والداعية للكسب العلمي والاستفادة من التطورات التقنية الحديثة والتعاون مع الآخرين لما فيه المصلحة والخير جزءاً من الركائز التي قامت عليها التنمية في الدولة السعودية الحديثة والتي نتج عنها الازدهار والتنـمية الهائلة التي نشهدها اليوم.

ولعلنا في مناسبة غالية مثل الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية نستمد من تحدي الملك عبدالعزيز– رحمه الله – للجمود والتقوقع وتحريكه لكيان الأمة من جذوره ليخرجها من الجهل والفقر والتناحر ما نستمد انطلاقا منه وبناء على أسسه الواثقة التي وضعها المؤسس وسار عليها أبناؤه من بعده التطلع والقوة لبناء مستقبل أكثر إشراقا يعتمد على أسس علمية تتماشى وطموح هذا الوطن، معتمدة على مبدأ راسخ وهو التحديث مع الالتزام بالمبادئ الأساسية التي قامت عليها هذه الوحدة المباركة.

 

المــلاحــق

 

ملحق (1) مؤشرات الوضع الراهن في العلوم و التقنية

 

1– الإنتاج الفكري:

بلغ الإنتاج الفكري السعودي من الكتب والرسائل الجامعية 18686 مادة منذ 1300هـ حتى 1413هـ وهو في ازدياد مستمر، ويعد الكتاب أهم أشكال النشر بنسبة  89.8% ، يليه الرسائل الجامعية بنسبة 4.5% ، ثم المواد السمعية والبصرية بنسبة 3.2%، وأخيراً الدوريات بنسبة 2.5%، ويتركز الإنتاج الفكري السعودي في قطاع العلوم الطبيعية في موضوعات الرياضيات ، ثم الكيمياء، ثم الفيزياء، ثم الفلك.

 

2– النشاط البحثي المكشف في قواعد البيانات العالمية:

بلغ عدد البحوث السعودية المكشفة في قواعد البيانات الخمسة العالمية الرئيسة (الطبية Medline ، والهندسية Compendex ، والزراعية Agris ، والرياضية Mathsci ، والجيولوجية Georef) 6771 بحثاً مكشفاً في الإصدارات (1991–1996م)، وتمثل البحوث الطبية منها 42.8% ، والبحوث الهندسية 31% ، ثم الزراعية والرياضية والجيولوجية قرابة 9%  لكل منها . أمَّا ما يتعلق بأماكن نشر البحوث السعودية في عام 1996م فتعد الولايات المتحدة صاحبة أعلى نسبة في عدد المقالات الطبية المنشورة في مصادرها ، يليها المملكة المتحدة وهولندا ، وباقي الدول بنسب أقل. أما عدد البحوث غير المكشفة في تلك القواعد فهو أكبر بكثير من العدد المذكور أعلاه، ويصعب حصرها حاليا.