المقدمــــة:
كانت زيارة الملك عبد العزيز آل سعود
ملك المملكة العربية السعودية لمصر في شهر صفر 1365هـ/ يناير 1946م تتويجاً
للعلاقات السعودية – المصرية التي تربط بين الشعبين
العربيين الشقيقين، فضلاً عما تتميز به هذه العلاقات من خصوصية تتفرد بها، وهي ما
خص الله به المملكة العربية السعودية بشرف خدمة الحرمين الشريفين وما لهما من
مكانة مقدسة في قلوب المصريين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وتأتي أهمية هذه الزيارة من كونها
الزيارة الرسمية الوحيدة التي قام بها الملك عبدالعزيز آل سعود خارج المملكة(1).
فعلى الرغم من كثرة رحلاته وأسفاره داخل بلاده الشاسعة التي لا تنتهي طوال العام،
إلا أنه لم يخرج من بلاده بعد توليه الحكم فيها إلا أربع مرات، زار خلالها في
المرة الأولى البحرين والكويت والبصرة أثناء الحرب العالمية الأولى(2)،
وفي المرة الثانية سافر إلى العراق حيث التقى بملكها فيصل في الثالث والعشرين من
شهر رمضــان 1348هـ / الثالث والعشرين من
شهر مارس 1930م(3)، أما في المرة الثالثة فقد جاء فيها
إلى مصر في الثاني من ربيع الأول 1364هـ / الرابع عشر من فبراير 1945م ليقابل
الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وونستون تشرشل رئيس الوزراء
البريطاني، كما التقى الملك فاروق حينذاك، على حين كانت المرة الرابعة والأخيرة هي
زيارة جلالته الرسمية لمصر في شهر صفر 1365هـ/ يناير 1946م، وكانت هذه الزيارة
التاريخية خير تعبير من قبل هذا القائد العظيم عن تقديره لتراث العلاقات
السعودية– المصرية الزاخر بصور التعاون
المخلص والمثمر بين البلدين الشقيقين مما مهد لتحقيق تلك الزيارة، التي كان لها
صدى بعيد المدى على المستويات الثنائية والعربية والدولية على السواء، كما كان لها
أثرها الكبير في دعم العلاقات السعودية –
المصرية.
وسوف نتناول هذه الزيارة الرسمية
التاريخية للملك عبد العزيز لمصر من خلال ثلاثة محاور، أولها : أن نستعرض بإيجاز
تراث العلاقات السعودية – المصرية في
الحقبة الممتدة بين عامي 1319– 1355هـ/
1902– 1936م لنتبين صور الاتفاق بين
الدولتين والشعبين السعودي والمصري وتعاونهما المخلص والمثمر الذي مهد لتحقيق تلك
الزيارة. على حين سنستعرض في المحور
الثاني الأحداث التي سبقت تلك الزيارة بشكل مباشر ، ومهدت لها أيضاً ، وخاصة
المعاهدة التي عقدت بين الجانبين السعودي والمصري في عام 1355هـ/ 1936م التي أدت
إلى تحسن العلاقات بشكل ملحوظ من جهة أولى، والجهود المشتركة بين الجانبين السعودي
والمصري لإنشاء جامعة الدول العربية من جهة ثانية، والاجتماع التاريخي الذي عرف
"باجتماع رضوى" بين الملك عبد العزيز والملك فاروق في اليوم العاشر من
صفر 1364هـ/ 25 يناير 1945م بصفته نقطة مهمة في مسار العلاقات الودية بين البلدين
الشقيقين من جهة ثالثة، ثم الزيارة الخاصة التي قام بها الملك عبد العزيز لمصر في
اليوم الثاني من ربيع الأول 1364هـ / الرابع عشر من فبراير 1945م، حيث التقى
الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا
والملك فاروق من جهة رابعة.
أما المحور الثالث من هذا البحث فقد
خصصناه لدراسة حيثيات الزيارة الرسمية التاريخية التي قام بها الملك عبد العزيز
لمصر في شهر صفر 1365هـ / يناير 1946م، والحفاوة البالغة التي قوبل بها الملك عبد
العزيز على جميع الأصعدة الرسمية والشعبية المصرية، هذا فضلاً عن صدى هذه الزيارة
الرسمية التاريخية على المستويات الثنائية والعربية والدولية وأثرها الكبير في دعم
العلاقات السعودية – المصرية.
ويشرفني أن أتقدم ببحثي هذا في مؤتمر
"المملكة العربية السعودية في مائة عام" حيث أستعرض فيه بإيجاز تراث
العلاقات السعودية– المصرية منذ بداية
المدة المعنى بها هذا المؤتمر الموقر، متتبعاً جذورها ونموها المطرد بحيث توجت تلك
العلاقات بالزيارة الرسمية التاريخية، التي قام بها الملك عبد العزيز لمصر في صفر
1365هـ/ يناير 1946م، التي كان لها أكبر الأثر في دعم تلك العلاقات، التي يزداد
توثقها يوماً بعد آخر، في تاريخنا العربي المعاصر.
المحور الأول: تراث العلاقات السعودية –
المصرية الذي مهد للزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر في الحقبة
الممتدة بين عامي1319– 1355هـ/ 1902– 1936م :
فيما يتعلق بالمحور الأول الخاص بتراث
العلاقات السعودية – المصرية فإننا نلحظ أن تلك
العلاقــــات قد شكلت أحد أهم التفاعـــلات العربية منـــذ نجاح الملك عبد العزيز
آل سعــود في دخول مدينة الرياض، واسترداد ملك أجداده في نجد عام 1319هـ/ 1902م(4) – وهي المناسبة التي نحتفل بمرور مائة عام عليها– وحتى مبايعته "ملكاً على الحجاز وسلطاناً
لنجد وتوابعها" في الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة 1344هـ/ العاشر من يناير
سنـــة 1926م(5)،
ثم عقد المعاهدة السعوديــة –
المصريـــة في عام 1355هـ / 1936م – حيث
تزامنت حركتــا الانبـعاث في كـل من الجزيرة العربية ومصر . وقد استهدفت الأولى
بقيادة عبدالعـزيز آل سعود استعادة سلطة أجداده وأسلافه في نجد، على حين استهدفت
الثانية التي قادها الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني تحقيق الاستقلال والحرية .
وقد تشابهت الخطوط العامة لكلتا الحركتين السعودية والمصرية في آمالها وطموحاتها
مما هيأ قدراً من التقارب والتعاطف المتبادل.
وقد تمثل ذلك في عدم تأييد الجانب
المصري لثورة الشريف حسين وتطلعاته التي عبر عنها بإعلان نفسه ملكاً على العرب في
29 أكتوبر 1916م، بل إن الجانب المصري والرأي العام في مصر آنذاك كان ساخطًا على
إعلان الشريف حسين الثورة ضد الدولة العثمانية ؛ لأن المصلحة تقضي بالتضامن
الإسلامي لمواجهة الاستعمار الغربي، كما جدت بعض الأحداث التي أدت إلى توتر
العلاقات بين مصر والشريف حسين مما أدى إلى التزام الجانب المصري باتخاذ موقف
الحياد إزاء العلاقات بين نجد والحجاز آنذاك، وانشغلت مصر بثورتها ضد الاستعمار
البريطاني في عام 1919م وما ترتب عليها من أحداث، ولكنها كانت في مقدمة الدول التي
احتجت على إعلان الحسين نفسه "خليفة للمسلمين" في 7 مارس سنة 1924م عقب
إلغاء الخلافة العثمانية، واتخذت موقفاً متحفظاً إزاء ادعاءات الشريف حسين
آنذاك. هذا في الوقت الذي كان يحرص فيه
الملك عبد العزيز على أواصر الإخاء والمودة في علاقاته مع ملك مصر فؤاد الأول مما
جعله يرسل برقية من الرياض بطريق البحرين لتهنئة ملك مصر وشعبها بمناسبة افتتاح
أول برلمان مصري في سنة 1342هـ/ 1924م. كما أرسل رسولاً خاصًا إلى ملك مصر في
أوائل عام 1344هـ/ 1925م هو الدكتور عبد الهادي خليل حمله تحياته(6).
وعلى الرغم من أن العلاقات السعودية
– المصرية قد واجهتها بعض الصعوبات في
الحقبة الممتدة بين عامي 1344– 1355هـ/
1926– 1936م تمثلت على وجه التحديد في
تطلع الملك فؤاد ليصبح " خليفة للمسلمين" ، وعقد مؤتمراً بالقاهرة لهذا
الغرض في عام 1344هـ/ 1926م، إلا أن عقلاء مصر وزعماء المسلمين في الأقطار الأخرى،
لم يكونوا مقتنعين بكفاءة الملك فؤاد وقدرته على تحمل أعباء الخلافة، فمصر كانت لا
تزال محتلة بالقوات البريطانية، والملك فؤاد نفسه ارتقى عرشه بمساعدة الإنجليز،
ولم يكن من السهل إقناع أعضاء المؤتمر بذلك . على حين كان الملك عبد العزيز أوسع
أفقاً وأبعد نظراً حيث رفض أكثر من مرة ما كان يعرضه عليه بعض زعماء المسلمين عقب
دخوله إلى الحجاز بتولّي منصب الخلافة ، واكتفي بمبايعته "ملكاً على الحجاز
وسلطاناً لنجد وملحقاتها" في الخامس عشر من جمادى الآخرة 1345هـ/ 1926م. وفي الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة
1351هـ/ 1932م أصدر الملك عبد العزيز آل سعود أمراً بتوحيد المملكة تحت اسم
"المملكة العربية السعودية" (7).
وبعد أن انفض المؤتمر الإسلامي للخلافة
الذي عقد في مصر في عام 1345هـ/ 1926م بعد أن أجل إلى أجل غير مسمى بعد إخفاقه في
الوصول إلى الغاية التي عقد من أجلها. فقد
اتجه الملك عبد العزيز إلى عقد مؤتمر إسلامي في مكة المكرمة في وقت الحج من السنة
نفسها ، وهو أفضل مناسبة لاجتماع المسلمين.
وعلى الرغم من أن الملك فؤاد لم يكن
يرغب في مشاركة مصر في هذا المؤتمر ظناَّ منه أنه كان سيعالج ما أخفق فيه مؤتمر
القاهرة، مع أن الدعوة إليه كانت صريحة في هدفها، إلا أن مصر عدلت عن ذلك بعد سقوط
وزارة أحمد زيور ، وقيام الحكومة الائتلافية برئاسة عدلي يكن، فأرسلت وفداً
مصريًّا إلى المؤتمر في مكة المكرمة في شهر يونيو 1926م برئاسة الشيخ الأحمدي
الظواهري.
وقد افتتح المؤتمر في مكة المكرمة عقب
مضي أسبوع عن الموعد السابق تحديده في 20 ذي القعدة عام 1344هـ/ أول يونيو 1926م ،
وترأس الملك عبد العزيز جلسة الافتتاح.
وبلغت جلسات المؤتمر ثماني عشرة جلسة امتدت خلال ثلاثين يومـــاً ، وانتهت
بإصدار قراراتها في 26 ذي الحجة عام 1344هـ/ 7 يوليو 1926م(8)
التي لم ينفذ منها سوى ما أوكلت مهام تنفيذه إلى الحكومة السعودية من أجل الحفاظ
على أمنها واستقرارها وسمعتها الطيبة في العالم الإسلامي(9).
وقد قدم الشيخ الأحمدي الظواهري عقب
عودته من مكة المكرمة إلى مصر تقريرًا مطولاً إلى وزارة الخارجية المصرية جاء فيه
: " نشكر جلالة ابن سعود على الدعوة لهذا الاجتماع والأخذ بالشورى التي هي
أساس من أسس الإسلام ... وإننا نرحب بالاشتراك في تقرير ما يعود على الحجاز بالخير
سواء عن طريق تحسين المواصلات أو الصحة أو نشر العلوم الدينية، وإذا قلت : العلوم
الدينية فلا أعني مجرد الفقه والحديث، بل أشمل نحو الحساب والهندسة والجغرافيا
وغيرها فإن تعلمها من فروض الكفايات " (10) .
وعلى أي حال فقد انتهي مؤتمر مكة إلى ما
انتهي إليه مؤتمر القاهرة بشأن الخلافة ، وإن كانت قــد ظــهرت لمـــؤتمر مــــكة
نتائج إيجابية تمثلت في اعتراف العالم الإسلامي بعبد العزيز آل سعود ملكاً على
الحجاز، كما بدا في الخطب التي ألقاها رؤساء الوفود. كما صحح المؤتمر صورة الدعوة السلفية في أذهان
المسلمين، ولفت انتباههم إلى واجبهم إزاء تعمير الحجاز ، والعمل على النهوض بشعبه(11) .
وثمة صعوبة أخرى واجهت العلاقات
السعودية– المصرية إلى جانب الصعوبة
الخاصة بتطلع الملك فؤاد لمنصب الخلافة دون جدوى، وتمثلت تلك الصعوبة في وقوع ما عرف
بحادث المحمل في عام 1344هـ/ 1926م الذي اتخذه الملك فؤاد ذريعة تعوق مسار
العلاقات. غير أن المساعي الكثيرة التي
بذلتها الوزارات المصرية المتعاقبة في عهد سعد باشا وثروت باشا والنحاس باشا
وغيرهم لحسم هذا الخلاف من جهة، وحرص الملك عبد العزيز على استمرار العلاقات
الودية بين البلدين حتى إنه كتب مرات عدة إلى الملك فؤاد بذلك في ظروف مختلفة من
جهة أخرى، فقد شكل ذلك عاملاً فعالاً في عدم التأثير السلبي على مسار العلاقات(12).
وحدث أن تعرض الأمير سعود للإصابة برمد
في عينيه، فأراد الملك عبد العزيز أن يدعو الدكتور سالم هنداوي من مصر
لمعالجته. ولما تعذر على الدكتور سالم
هنداوي الحضور، وعلم بذلك الشيخ الظواهري شيخ الأزهر والمسيري بك مدير إدارة الحج
بوزارة الداخلية المصرية وقنصل مصر في جدة، وردت دعوة من قبل الحكومة المصرية
تتضمن دعوة الأمير سعود لزيارة مصـــر، ومباشرة علاجه فيها في سنة 1346هـ/
1926م. وتقبل الملك عبد العزيز الدعوة
شاكراً، وسافر الأمير سعود إلى مصر وبرفقته حافظ وهبة وبعض الشخصيات، وقوبلوا
بحفاوة بالغة من قبل الحكومة المصرية والشعب المصري، وكان في استقبال الأمير سعود ثروت
باشا بصفته وزيراً للخارجية، والشيخ المراغي، وجمع غفير من أعيان البلاد. وقد أوضح حافظ وهبة أنه نزل برفقة الأمير سعود
في ضيافة الحكومة المصرية في منزل في حي المنيرة كان يسكنه القاضي يحيى التركي
المعروف، وقد لقيا أثناء أقامتهما كل حفاوة وتكريم من رجال الحكومة الائتلافية
القائمة في ذلك الوقت.
وقد أحاطهما سعد زغلول باشا
برعايته. وقد أديا صلاة الجمعة في الأزهر
الشريف، وكذلك في مسجدي الحسين والإمام الشافعي، كما زارا المتاحف والمعارض. وكان لهذه الحفاوة التي قوبل بها الأمير سعود
من قبل الحكومة المصرية والشعب المصري أثرها الإيجابي لدى الملك عبد العزيز. ومما يؤكد ذلك الخطاب الذي أرسله الملك
عبدالعزيز إلى حافظ وهبة بالقاهرة في العاشر من صفر 1345هـ/ 1926م وجاء فيه :
" سرنا جداً ما لقيه ولدنا سعود من الحفاوة والإكرام من الحكومة المصرية، ومن
الشعب المصري الكريم، وقد كان لهذه المظاهر الأبوية أحسن أثر في نفسي، وإني أتمنى – كما تعلم – أن تكون
صلاتنا مع مصر على الدوام على أحسن وأتم ما يكون، وإني أحمد الله على هذه الفرصة
التي سنحت لتوطيد الوداد بين البلدين، وأتمنى من الله أن يوفقنا على الدوام لكل ما
هو وسيلة لتوطيد روابط الصداقة والولاء بين جميع المسلمين "(13).
وتجدر الإشارة إلى أن الصحافة السعودية
والمصرية قد أشادت بالجهود التي بذلها الاقتصادي المصري محمد طلعت حرب باشا
والسياسي المصري محمد علي علوبة باشا لدعم التقارب بين البلدين الشقيقين. وتذكر المملكة العربية السعودية للأخير
محاولاته للتوصل للوساطة بين السعودية واليمن قبيل عقد معاهدة الصداقة والإخاء
الإسلامي بين الجانبين في عام 1349هـ/ 1934م.
إذ نادى محمد علي علوبة بأن تبدأ مصر بتصفية خلافاتها حتى تعود الأمور إلى
مجاريها الطبعية بين البلدين(14).
ودعت صحيفة "أم القرى" التي
تمثل التيار الرسمي وصحيفة " صوت الحجاز" التي تمثل التيار الشعبي
بالمملكة العربية السعودية إلى أهمية تحسين العلاقات السعودية المصرية التي بدأت
تشهد تحسناً ملحوظاً مع عام 1354هـ/ 1935م.
بتولى محمد توفيق نسيم رئاسة الحكومة المصرية، حيث اعترفت حكومة مصر بممثلي
المملكة العربية السعودية الدبلوماسيين في القاهرة إذ كان زعماء مصر السياسيين لا
يشاطرون الملك فؤاد موقفه إزاء العلاقات السعودية– المصرية(15) النابع من
تطلعاته الشخصية التي لا تلق تأييدًا شعبيًا ؛ نظرًا لأواصر العلاقات الوطيدة بين
الشعبين الشقيقين.
وهكذا
يتضح لنا من استعراضنا للمحور الأول لهذا البحث الذي تناولنا فيه تراث العلاقات
السعودية المصرية في الحقبة الممتدة بين عامي 1319– 1355هـ/ 1902–
1936م صور الاتفاق بين الدولتين والشعبين السعودي والمصري وتعاونهما المخلص
والمثمر الذي شكل خلفية ممهدة للزيارة الرسمية التي قام بها الملك عبد العزيز إلى
مصر في شهر صفر 1365هـ/ يناير 1946م. وسوف
تدخل العلاقات السعودية– المصرية في منعطف
جديد في الحقبة التالية التي سبقت بشكل مباشر تلك الزيارة ومهدت لها، وهو ما سوف
نتناوله في المحور الثـــاني لهذا البحث في الحقبة الممتدة بين عامي 1355– 1365هـ/
1936– 1946م.
المحور الثاني: الأحداث التي سبقت الزيارة الرسمية التاريخية
للملك عبد العزيز لمصر ومهدت بشكل مباشر لها في الحقبة الممتدة بين عامي
1355– 1365هـ 1936– 1946م :
نتناول في هذا المحور المرحلة التالية
الممتدة بين عامي 1355– 1365هـ/
1936– 1946م التي سبقت الزيارة التاريخية
للملك عبد العزيز آل سعود لمصر التي تمت في شهر صفر1365هـ/ يناير 1946م ، ومهدت
لها بشكل مباشر. وقد طويت صفحة المرحلة
السابقة بعد أسبوع واحد من وفاة الملك فؤاد في الثامن والعشرين من أبريل 1936م/
1355هـ حيث اتجهت الحكومة المصرية إلى إنهاء تلك المرحلة.
وبدء مرحلة جديدة اتسمت بالعلاقات
الودية بعد أن حرصت الحكومات المصرية المتعاقبة على أن تولي أهمية خاصة للعلاقات
السعودية– المصرية على أساس حاجة الحجاج
المصريين الدائمة لأداء فريضة الحج في مناخ ودي، كما أن أغلب الخلافات التي كان
وراءها الملك فؤاد تدور بشأن مسألة الخلافة الإسلامية التي قد زالت بفعل الزمن،
وبفعل استقرار الأوضاع في الحجاز تحت الحكم السعودي. فقد تمكن علي ماهر باشا رئيس الحكومة المصرية وفؤاد حمزة لكونه ممثلاً
دبلوماسياًّ عن المملكة العربية السعودية بإجراء مفاوضات استغرقت ست جلسات(16) ، أسفرت عن
عقد معاهدة ود وصداقة بين البلدين في 7
مايو 1936م(17). وفي 8 مايو 1936م
صُدِّق على المعاهدة من الطرفين ونشرت في البلدين في آن واحد ووقعها علي ماهر باشا
رئيس الحكومة المصرية وفؤاد حمزة ممثلاً عن الحكومة السعودية.(18)
وسوف نستعرض فيما يأتي مواد هذه
المعاهدة التي تعبر أصدق تعبير عن مدى تحسن العلاقات السعودية – المصرية آنذاك . إذ نصت المعاهدة في مادتها
الأولى على أن تعترف الحكومة المصرية بأن المملكة العربية السعودية دولة حرة ذات
سيادة مستقلة استقلالاً تامًّا مطلقاً، كما نصت على أن يكون بين البلدين وبين
رعاياهما سلام دائم ، وصداقة خالصة، وأن يحافظ الطرفان على حســن العلاقات
بينهمــا، وأن تنشــأ بين الدولتين علاقــات التمثيل السياسي والقنصلي، وتسهيل
أداء فريضة الحج ، وإقامة الشعائر الدينية الإسلامية للرعايا المسلمين، وأن
يتمتعوا خلال إقامتهم في الحجاز بالأمن على أموالهم وأنفسهم، والتمتع بالمعاملة
والحقوق الممنوحة أو المعترف بها لرعايا أوْلى الأمم بالتفضيل. وفي المادة الخامسة وافق ملك المملكة العربية
السعودية على تمكين الحكومة المصرية من التطوع لعمارة الحرمين الشريفين.
كذلك اهتمت المعاهدة بالتصفية الودية
لجميع المشكلات بينهما، حيث نصت المادة السادسة على أن يقوما في أقرب فرصة ممكنة
بمفاوضات ودية لحل المشكلات المعلقة بينهما، ولعقد اتفاقات جمركية، وبريدية،
وملاحية، وغير ذلك من الشؤون التي تهم بلديهما.
وفي خطبة العرش في نوفمبر 1936م عبرت
الحكومة المصرية على لسان مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية عن ارتياحها إلى
تسوية المسائل المعلقة بين الحكومتين المصرية والسعودية "وسيترتب على هذه
التسوية أرسال الكسوة الشريفة، وكذلك إحياء التقاليد التي كانت مرعية من قبل".
وكان صدى هذا البيان التصفيق من أعضاء مجلس الشيوخ المصري(19).
وتجدر الإشارة إلى أن الشعبين المصري
والسعودي قد استقبلا هذه التسوية بالفرح، وعدوها حلقة جديدة من سلسلة التعاون
العربي حتى أن فرح الشعبين المصري والسعودي بعودة العلاقات الرسمية بين البلدين
الشقيقين قد بدا واضحاً في مراسلات بعض أفراد الشعب السعودي، وكذلك لدى المصريين
المقيمين بالمملكة العربية السعودية آنذاك، فقد توالت برقياتهم من مكة المكرمة
والمدينة المنورة والرياض إلى القاهرة، مثل البرقية المشتركة التي أرسلها المصريون
المقيمون بالسعودية مع إخوانهم السعوديين إلى مصطفي النحاس باشا رئيس الوزراء
المصري بهذه المناسبة التي عبرت عن سرورهم بهذه الصفحة الجديدة من العلاقات،
وبشكرهم لجهود الحكومتين المصرية والسعودية، وكذلك في البرقيات التي أرسلها النواب
المصريون أمثال عبد الرحمن عزام وحمد الباسل وغيرهم، وكذلك طلعت حرب باشا رجل
الأعمال المصري المعروف إلى الملك عبد العزيز(20).
كذلك عبرت صحيفة "أم القرى"
عن فرح الشعب السعودي عندما أشارت إلى أنه " لا حاجة لنا إلى القول : إنهم
يماثلون إخوانهم المصريين ويقابلونهم الشعور الفياض نفسه، والإحساس النبيل؛ ذلك
لأن العلاقات الودية والشخصية بين أبناء الشعبين، وروابط الصداقة والتعامل، لم
يتطرق إليها الوهن، في يوم من الأيام، ولم يعتورها ضعف ولا فتور بفضل الصلة
الروحية التي تأصلت في نفوس الأمتين منذ القدم ، وجرت في شرايين أعضائها على مر
الزمن، وأوضحت السرور لهذه الروابط الجديدة، التي تدعم أواصر الصداقة والإخوة
الإسلامية والود والمنافع الاقتصادية والثقافية، وكل ما يتصل بعلاقات حسن الجوار
".(21)
وقد تلى عقد تلك المعاهدة استئناف مصر
إرسال الكسوة الخاصة بالكعبة المشرفة وفقا لكتاب رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفي
النحاس باشا في 18 نوفمبر 1936م والموجه إلى فؤاد حمزة وكيل الخارجية السعودية
آنذاك. كما وضعت أيضاً في الوقت نفسه
القواعد اللازمة لعلاج مشكلات جنسية المصريين الذين كانوا مقيمين بالحجاز، وجنسية
السعوديين الذين كانوا مقيمين في مصر. وقد
فتحت قنصلية سعودية في القاهرة وقنصلية مصرية في جدة، واختار الملك عبد العزيز
الدكتور عبد الرحمن عزام بصفته أول وزيـــر مفوض للحكومة المصرية في المملكة
العربية السعودية عام 1937م ، وكان الملك عبد العزيز يقدر عبد الرحمن عزام الذي
كان بموقعه الجديد قريباً من جلالته. وشهد
عام 1939م عقد اتفاقية أخرى بين الحكومة المصرية والحكومة السعودية بشأن المشاريع
المعمارية في البلاد المقدسة وبمقتضاها تقوم الحكومة المصرية بمباشرة عقد
المقاولات والإشراف على إصلاح طريق جدة وعرفات وبعض الأماكن بطريق مكة المكرمة
والمدينة المنورة ، وكان نتيجة عملية لتحسن العلاقات(22).
وترتب على تحسن العلاقات
السعودية– المصرية آنذاك رفع درجة التمثيل
السياسي بين البلدين في عام 1938م إلى درجة وزير مفوض، وأصبحت مصر هي المصدر الأول
في تزويد المملكة العربية السعودية بكل الخبرات التي كانت تحتاج إليها لبناء
دولتها الفتية، كما نقلت إليها كثيرًا من أنظمة الإدارة المصرية، وقصد السعوديون
إلى مصر يوظفون فيها أموالهم، ويرسلون أبناءهم إلى مدارسها وجامعاتها، وازداد توثق
العلاقات، وهو ما أكدته جريدة الحجاز السعودية، إذ وصفت مصر بأنها " حبيبة
إلى السعوديين بما تقدمه لأبنائها من نتاج جيد ، وفوائد في العلوم والأعمال "
أو " مصر العطوف "، كما وصفها آنذاك الأمير فيصل.
وقد قال خير الدين الزركلي: "
صرفت ثمانية عشر عامًا منقطعًا لتمثيل الملك عبدالعزيز في مصر من 1353–1371هـ/
1934–1952م ، وما كتب لي يومًا بشأن مصر ولا سمعته يتحدث في سر أو علن عن مصر إلا
بالحرص والحض على حسن العلاقة ، وتوطيد المحبة والصداقة بين عبد العزيز وبين
المصريين حكومة وشعبًا"
(23).
وتجدر
الإشارة إلى أنه عندما تعرضت العلاقات السعودية – الإيطالية للفتور، وما ترتب عليها من سفر
الطيارين الإيطاليين إلى بلادهم، كانت مصر هي التي أمر الملك عبد العزيز بإيفاد
الطيارين السعوديين السبعة إليها، ليلتحقوا بالمدرسة المصرية للطيران الحربي ثم
بمطار أبي قير.(24)
ومن مظاهر حسن العلاقات بين المملكة
العربية السعودية ومصر آنذاك تعاون الدولتين من أجل القضية الفلسطينية. ففي سنة 1357هـ/ 1938م اشترك الأمير فيصل ابن
عبد العزيز آل سعود في مؤتمر لندن لبحث قضية فلسطين ، وذلك بعد أن حضر إلى القاهرة
أولاً واشترك في المؤتمر الذي عقده مندوبو الحكومات العربية هناك.
وبعد أن ختم المؤتمر أعماله وأصدر
قراراته وأبحرت الوفود إلى لندن ومعها بعثة الحكومة السعودية وعلى رأسها فيصل،
واجتمع المندوبون العرب بالمندوبين الإنجليز بشأن مائدة مستديرة،(25)
ولم تسفر الاجتماعات عن نتائج إيجابية ورجع المندوبون العرب إلى القاهرة، ثم لاحت
بوارق أمل استئناف المفاوضات، فأرسل محمد محمود باشا رئيس وزراء مصر آنذاك إلى الملك عبد العزيز يرجو
السماح لنجله الأمير فيصل بأن يطيل أقامته في مصر آنذاك فقد يساعد ذلك على بلوغ
الأمل المنشود. وقد أجاب الملك عبد العزيز
بالموافقة وأبرق إلى سفارته في القاهرة في 24 من صفر سنة 1358هـ / 15 من أبريل سنة
1939م "نظراً لما أبداه محمد محمود من الحاجة الماسة لبقائه– أي الأمير فيصل– في برقية لمعالجة القضية الفلسطينية ، وقد
أجبناه بالموافقة فإننا بلغناه يبقى لتضافر جهود الأمير فيصل مع إخواننا المصريين
وفقهم الله جميعا"(26).
كذلك عُقد اتفــاق تجاري بين المملكة
العربية السعودية ومصر في 31 مايو عام 1941م لإنماء العلاقات التجارية بينهما ببذل
كل المستطاع من كلا الجانبين، وتضمن الاتفاق تصدير سلع كل طرف إلى الآخر التي
بيَّنها الاتفاق. وفي المكاتبات المتبادلة
بين وزارة الخارجية المصرية ووزير المالية السعودي اتفق على أن تعامل كل دولة
الطرف الآخر معاملة الدولة الأكثر امتيازاً بالنسبة للحاصلات والمصنوعات المنتجة
أصلاً في المملكة العربية السعودية، التي تستورد لمصر لتستهلك فيها أو تصدر منها،
أو تعبرها إلى بلاد أخرى، وتكون المعاملة بالمثل.(27)
ويوضح تقرير موجز للمفوضية المصرية
بالمملكة العربية السعودية الجهد الذي يبذله وزير مصر المفوض في تقوية الروابط بين
البلدين، حيث التقى خلال عام 1941م الملك عبدالعــزيز مرات عــدة ، ولقي منه
" ترحيبًا طيبًا وإكرامًا خاصًا لفت أنظار رجال معيته وحكومته ". وفي الأحاديث التي دارت بينهما بدا ما يكنه
الملك عبد العزيز من حب للأمة المصرية، وقد عبر أكثر من مرة عن سروره العظيم لابتعاد
شبح الحرب العالمية الثانية عن مصر. كما
توطدت العلاقة بين الوزير المفوض المصري والأمير فيصل الذي أظهر عناية خاصة بأمور
مصر.
وكان لهذه الاتصالات أثرها الكبير في
تقوية علاقة الوزير المفوض المصري برجال الحكومة السعودية ، وفي مقدمتهم الشيخ عبد
الله السليمان وزير المالية الذي يتمتع بثقة الملك عبد العزيز، ويحتفظ لمصر بصداقة
طيبة ، وييسر أعمال المصريين. ولم تقتصر
هذه الصلات على الأوساط الرسمية بل امتدت إلى أعيان مكة المكرمة والمدينة المنورة
وجدة وغيرها من المدن السعودية. كما نُفذ
بعض المشروعات التي قامت بها الحكومة المصرية كرصف الطريق الموصل بين جدة ومكة
المكرمة فضلاً عن مشروع المياه والإنارة في المدينة المقدسة.(28)
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات
السعودية– المصرية قد دعمها تقارب وجهات
النظر بين الدولتين إزاء بعض المشروعات السياسية العربية التي طرحت في سنة 1362هـ/
1943م حيث طرح أمير شرق الأردن مشروع " سوريا الكبرى " ، وطرح ملك
العراق من جهة أخرى مشروع " الهلال الخصيب " فيما عرف بالمشروعات
الوحدوية الهاشمية. وقد تطابق الموقف السعودي والموقف المصري تجاه هذين المشروعين
، وأثر هذا الموقف تأثيراً مهماً في تعميق العلاقات بين البلدين وتنميتها إزاء
اتخاذ مواقف مشابهة من القضايا العربية ، وخاصة فيما يتعلق بمشروع إنشاء جامعة
الدول العربية.(29)
وتجدر الإشارة إلى أن توثق العلاقات
بين المملكة العربية السعودية ومصر قد زاد في بداية عهد الملك فاروق على النحو الذي
أوضحناه، وإن طاف بذهنه حلم الخلافة من جديد مدة قصيرة من الزمن. وكان في صدر عهده يحاول أن يدعم شعبيته بصفته
ملكاً مسلماً متديناً ، ولا سيما حينما كشر الإنجليز عن أنيابهم في وجهه، وأطلق
لحيته آنذاك، ثم عاد عن ذلك الحلم سريعاً.
وعلى أي حال فإن الملك فاروق ومستشاريه سرعان ما غلب عليهم التفكير الواقعي
وزال ذلك الحلم تماماً عن الأذهان، على نحو ما سيبدو من تصرفات الملك فاروق فيما
بعد لدعم علاقاته مع الملك عبد العزيز(30).
بل إن الملك عبد العزيز قد أبدى
اهتمامًا خاصًا بما يعرف بالمسألة المصرية، بحيث سعى جاهدًا لمساعدة مصر لحل
مشكلاتها مع بريطانيا التي كانت تعده الصديق الوفي الذي بقي على صداقته. وقد أبدى الملك عبد العزيز استياءه من حادث
هجوم السفير البريطاني على قصر عابدين فيما عرف بحادث "4 فبراير 1942م"
، وعد هذا العمل حماقة كبرى من قبل بريطانيا ، فهو إهانة لمصر في شخص مليكها، وكان
من مساعيه غير الظاهرة أن نقل السفير البريطاني من مصر عقب ذلك الحادث.
كما أيد الملك عبد العزيز آمال مصر
الوطنية بقوة عندما أوفد ولي عهده إلى بريطانيا ليحذر وزير خارجيتها من الأخطار
التي ستحيق بالعلاقات العربية –
البريطانية كلما تلكأت الحكومة البريطانية في إنهاء معاهدتها مع مصر، ولم
تستجب لطلبها العادل بإجلاء القوات العسكرية عن أراضيها. كما أيد آمال مصر الوطنية في سلسلة من
الاتصالات قام بها مع الحكومة الأمريكية لتبذل مساعيها لدى الحكومة البريطانية في
سبيل الاستجابة للآمال الوطنية المصرية.
وعندما أوشكت الحرب العالمية الثانية
على الانتهاء ، ودخل المجتمع الدولي في مرحلة تنفيذ تصريحاته العديدة التي أصدرها
خلال زمن الحرب من ضرورة وضع نظام للأمن الدائم يقوم على تحريم استعمال القوة ونزع
السلاح، وتأليف أسرة عالمية للشعوب الديمقراطية، والقضاء على السيطرة والاستعباد،
بداية من تصريح الأطلنطي في 14 أغسطس 1941م، وتصريح واشنطن في عام 1942م، وموسكو
في 30 أكتوبر 1943م، وتصريح طهران في أول ديسمبر 1943، حتى قرر مؤتمر يالتا في 11
فبراير 1945م اتخاذ الخطوات التنفيذية لاستخراج مشروع إنشاء منظمة عالمية جديدة(31) ،
وذلك عن طريق دعوة "جمعية تأسيسية" للأمم المتحدة، من خلال مؤتمر دولي
يعقد بالولايات المتحدة في 25 أبريل 1945م، تحضره الدول الموقعة على "تصريح
الأمم المتحدة" في أول يناير 1942م، وتلك التي أعلنت الحرب على دول المحور
قبل أول مارس 1945م، وتوجهت أنظار العرب إلى هذا المؤتمر، فقد اشتركت فيه كل من
المملكة العربية السعودية ومصر آنذاك ، وكان ذلك تعبيرًا عن توحد موقفهما إزاء
إنشاء المنظمة الدولية(32).
كذلك تطابق موقف المملكة العربية
السعودية مع موقف مصر إزاء مشروع إنشاء جامعة الدول العربية بعد التشاور الذي تم
بينهما بحضور يوسف ياسين سكرتير الملك عبد العزيز إلى مصر ومباحثاته مع رئيس
الوزراء المصري مصطفي النحاس باشا في العاشر من أكتوبر 1943م حيث وضع الوفد
السعودي مبادئ عدة في سبيل العمل العربي المشترك، ومن أولى هذه المبادئ توثيق
الصلة بين المملكة العربية السعودية ومصر بصفة خاصة ، واتخاذ ذلك أساسًا للبحث في
كل ما من شأنه أن يؤدي إلى خير الأمة العربية.
ولهذا كان الاتجاه السعودي المصري يؤكد
على إقامة تعاون وتضامن بين الدول العربية يقوم على مبدأ المساواة من أجل الصالح
العام. وفي أعقاب قيام الجامعة العربية
فقد اتخذ مجلسها قرارات عدة في الثاني من ديسمبر 1945م لمساندة القضية الفلسطينية
عن طريق العمل على منع المنتجات والمصنوعات اليهودية من الدخول في بلاد الجامعة
حتى لا تكون الأسواق العربية مجالاً لتحقيق الأغراض الصهيونية السياسية، وقد تطابق
الموقف المصري مع الموقف السعودي إزاء تلك القضية(33).
ومن خلال تطابق المواقف بين المملكة
العربية السعودية ومصر على النحو الذي أشرنا إليه، فضلاً عن رغبة الملك فاروق بعد
إقالة حكومة الوفد في اليوم الثامن من أكتوبر 1944م في أن يعزز من سلطاته عن طريق
الاتجاه العربي الذي يلقى تأييد الشعب(34)،
وأن يدعم العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية عن طريق قيامه بزيارة الملك
عبد العزيز، وتوجيه الدعوة لجلالته لزيارة مصر عندما تسنح الظروف، وذلك أثناء
زيارته للسعودية فيما عرف "بلقاء رضوى"(35)
في اليوم العاشر من صفر 1364 هـ / 25 يناير 1945م. حيث استقبله الملك عبد العزيز في مدينة كاملة
من الخيام أقيمت في سهل منبسط بين شرم ينبع وجبل رضوى. وكان من بين صحبه في الزيارة عبد الرحمن عزام ،
واستغرقت الزيارة أكثر من أسبوع. كما زار
الملك عبد العزيز مصر زيارة خاطفة عند اجتماعه بالرئيس الأمريكي روزفلت ثم رئيس وزراء
بريطانيا ونستون تشرشل سنة 1364هـ/
1945م، وأعقب ذلك بزيارته الرسمية لمصر في صفر 1365هـ/ يناير 1946م
التي استغرقت اثني عشر يومًا التي تتركز بشأنها هذه الدراسة(36).
وتعد زيارة الملك فاروق للمملكة
العربية السعودية ولقاؤه مع الملك عبد العزيز فيما عرف "بلقاء رضوى" في
اليوم العاشر من صفر 1364 هـ / 25 يناير 1945م من أهم العوامل الممهدة لزيارة
الملك عبد العزيز لمصر في الزيارة الخاصة الأولى في عام 1364هـ/ 1945م، وفي
الزيارة الرسمية التالية في صفر 1365هـ/ يناير 1946م. وكانت زيارة الملك فاروق معبرة عن اتساع دائرة
العلاقات بين البلدين، وانتقلت من مجرد دائرة العلاقات الثنائية وتنقية الأجواء
بينهما، إلى مزيد من التحسن دخلت معها إلى دائرة أخرى أكثر شمولاً ، وهي الدائرة
العربية. ومن هنا كان تطور العلاقات بين
البلدين يصب في الاتجاه الثنائي والعربي في آن واحد. وعلى هذا الطريق كانت العلامة التالية البارزة
التي مهدت بشكل كبير ومباشر للزيارة التاريخية للعاهل السعودي الكبير لمصر.
لقد استغرقت رحلة الملك فاروق إلى
المملكة العربية السعودية نحو عشرة أيام، وأتت أهميتها في أنها تمت عقب تأييد
الملك عبد العزيز لمؤتمر الوحدة العربية الذي دعت إليه مصر عقب البيان الذي ألقاه
رئيس حكومتها أمام مجلس الشيوخ المصري في 31 مارس سنة 1943م حيث كانت حكومة الملك
عبد العزيز في مقدمة الملبين لطلب الحكومة المصرية من الحكومات العربية إرسال
ممثلين عنها لاستطلاع رأيهم بخصوص الوحدة العربية. وقد حدثت هذه الزيارة في جو مفعم بالآمال
وبالأماني الإسلامية الكبار بمناسبة احتمال انتهاء الحرب العالمية الثانية ،
واقتراب موعد الصلح.
وقد عقبت مجلة "المصور"
القاهرية على هذه الزيارة بأنها تعد أحد الأحداث المهمة للتفاهم العربي المأمول ،
وأنه " إذا كانت الوحدة العربية قد تعرضت قبل الآن لكثير من الصعاب فإن هذا
الاجتماع هو بشير خير باجتماع كلمة العرب " (37)،
كما أشار فكري أباظة الكاتب والصحفي المصري في المجلة نفسها إلى أن هذه الزيارة
وهذا الاجتماع التاريخي يعد "مفاجأة بارعة" ، وأنه " لا شك أن
مفاجأة الملك فاروق بهذه الزيارة ستعتبر في عالم الدبلوماسية حدثًا سياسيًا
تاريخيًا خطيرًا "
(38)،
بل إن طاهر الطناحي قد أشار في مقالة في الصفحة نفسها من مجلة المصور عن
"العروبة والروابط بين البلدين" موجهًا حديثه إلى الملك فاروق بأنه كان
على اتصال مع الملك عبد العزيز من أجل
توقيع بروتوكول الجامعة العربية حيث بعث إليه بخطاب بذلك، وأن الملك فاروق أراد أن
يزيد في توثيق هذه الروابط متانة وقوة ، فرحل للأماكن المقدسة في الحجاز لمقابلة
الملك عبد العزيز.
وقد رافق الملك فاروق في هذه الزيارة
بعض المسئولين بالديوان الملكي ، وهم مراد محسن باشا ناظر الخاصة الملكية، والفريق
محمد حيدر باشا ياور جلالة الملك، ومحمد عبد العزيز بدر بك الأمين الثاني لجلالة
الملك، وأحمد علي يوسف مدير الإدارة العربية بالنيابة، وأمير البحر محمد سالم
البدر باشا ياور الملك وقائد بحريته، والقائم مقام محمد محمد حلمي بك، وكريم ثابت
. وكان الوحيد الذي يحمل الصفة الوزارية هو عبدالرحمن عزام الوزير المفوض بوزارة
الخارجية المصرية(39).
وقد بدأت هذه الزيارة عندما تحرك اليخت
الملكي " فخر البحار " من ميناء
السويس متجهاً صوب ميناء ينبع السعودي في تمام الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين
الثامن من صفر 1364هـ / الثاني والعشــرين مـن يناير 1945م ، وكما ذكر بلاغ ديوان
كبير الأمناء : " باسم الله مجراه ومرساه في جو صحو وشمس مشرقة مقلا حضرة
صاحب الجلالة الملك فاروق… فوصل في سلامة الله وجميل رعايته ميناء خليج
ينبع في منتصف الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأربعاء ، وقد كان الاستقبال وديا
منقطع النظير، وتعانق الملكان عناقاً أخوياً، في حين أن فخر البحار أطلق واحداً
وعشرين طلقة كتحية أجيب عليها بمائة طلقة من الميناء السعودي " (40) .
وكان الاجتماع بين الملكين عبد العزيز
وفاروق قد تم في ضاحية ينبع، إلا أن الملك فاروق قد أعرب في أن يسمى هذا الاجتماع
التاريخي " اجتماع رضوى " بدلاً من "اجتماع شرق ينبع "، ورحب
الملك عبد العزيز بذلك لما لجبال رضوى المشرفة على خليج ينبع من مقام عظيم في
تاريخ البلاد. وفي صبيحة يوم الأحد 14 صفر
تلاقى العاهلان بسرادق إقامة الملك فاروق ، وكان يومًا تاريخيًا مشهوداً إذ خرج
الناس والجنود إلى الميدان العام يتطلعون لمشاهدة العاهلين اللذين تبادلا الهدايا
تخليدًا لذكرى هذا الاجتماع الفريد الذي قدم صفحة جديدة في تاريخ العلاقات
السعودية – المصرية. إذ أهدى الملك عبد العزيز سيفاً عربياً وخنجراً
مرصعاً بالجواهر والأحجار الكريمة لضيفه الملك فاروق، في حين أن الملك فاروق قدم
إلى أخيه الملك عبدالعزيز أعلى قلادة مصرية.
وقد تباحث الملكان فيما يهم البلدين من شؤون، وما يهم الشعوب العربية فيما
يتعلق بمشروع الجامعة العربية ، وانضمام الملك عبد العزيز إلى البروتوكول.(41)
وفي ختام الزيارة أصدر الديوان الملكي
السعودي من المخيم الملكي في ضاحية ينبع بلاغين رسميين فيما يلي نصهما : "
التاريخ سجل حدثاً من أروع أحداثه، وذكرى من أجمل ذكرياته، يوم الأربعاء المبارك العاشر
من صفر 1364هـ، إذ تلاقى في الساعة الخامسة العربية صباحاً، الملكان الأخوان،
جلالة الملك فاروق وجلالة الملك عبد العزيز على صعيد الأرض المقدسة ، وعلى مرأى من
جبل رضوى الشامخ في ساحة ينبع... وأنه
ليحق للمسلمين جميعاً أن يغتبطوا بلقاء ملكين عظيمين من ملوكهم في الأرض المقدسة،
كما أن العرب في المشرق والمغرب سيستقبلون بذلك عهداً من التعاون والاتحاد والعزة
".
أما بالنسبة للبلاغ الثاني الذي أصدره
الديوان الملكي السعودي فقد جاء فيه ما يلي:
" تجلت الأخوة الإسلامية والرابطة
العربية بأجلى مظاهرهما في الاجتماعات المتبادلة والأحاديث الودية المتعددة بين
حضرة صاحبي الجلالة الملكين العظيمين: جلالة الملك عبد العزيز وجلالة الملك فاروق
في المخيم الملكي، في سفوح رضوى، كما توثقت رابطة الأخوة بينهما مما سيكون لـــه
أثره الطيـــب في تمتين عرى المحبة بين الشعبين الشقيقين"(42).
ولدى مغادرة الملك فاروق أراضي المملكة
العربية السعودية وجه برقية إلى الملك عبد العزيز جاء فيها : " وإني لأرجو أن
تكون هذه الزيارة فاتحة عهد جديد للأمم العربية، وعهد إخاء واستقلال وعز، وباكورة
زيارات تتجدد وتتكرر على مرور الأيام يزداد بها الود، ويدعم بها التعاون المستمر
لخير البلاد العربية المستقلة والبلاد المجاهدة لاستقلالها ".
وقد كان لهذه الزيارة أصداء عربية
ودولية عدة فعلى الصعيد العربي أبرق شكري القوتلي للملكين بمناسبة اجتماعهما في
رضوى بأن ذلك " حدث عظيم في تاريخ العلائق العربية الحديثة، وفي تعزيز روابط
الإخاء والتعاون بين الأقطار العربية.. "، وقد عد هذا الاجتماع بداية عمل
عربي لإنشاء الجامعة العربية(43).
كما أرسل رئيس بلدية غزة برقية إلى
الملكين في مكة المكرمة قال فيها : إن " أنظار العرب متجهة إليكما، وفلسطين
العربية تعلق كل آمالها على العاهلين العظيمين ". كما أبدت الدوائر اللبنانية
اهتمامًا كبيرًا بزيارة الملك فاروق ، وما تجلى خلال اجتماعه بالملك عبد العزيز من
روح الأخوة العربية ، وخاصة أن هذه أول مرة يزور فيها ملك مصر الأراضي
المقدسة. كذلك كتبت " جريــدة فلسطين
" في القــدس فصلاً افتتاحيًا علقت فيه على اجتمـاع الملكين بقولها : "
تمتاز هذه الزيارة الملكية بأن غايتها خير العرب أجمعين، وهي أسمى من كل غاية
سياسية بين دولتين، تقتصر على مصالح دولية بعيدة عن وحدة الشعور " ، وعلقت
الجريدة أهمية كبرى على هذه الزيارة لقرب نهاية الحرب، ونشاط الدعايات في الخارج
ضد مصلحة العرب، وبنشاط اليهود في أمريكا لتحقيق أطماعهم في فلسطين، وغير ذلك من
الأسباب التي تدعو إلى تآلف العرب واتحادهم في كتلة واحدة قوية، لمواجهة جميع
التطورات الدولية المقبلة آنذاك.
أما على الصعيد الدولي فقد تركزت
التعليقات على زيارة الملك فاروق للملك عبد العزيز لدى الدوائر البريطانية في لندن
التي أبرزت اهتمامها الشديد واعتقادها أنها ستؤدي إلى نتائج بعيدة المدى، خاصة وأن
الملك عبد العزيز لم يلتق بملك آخر من ملوك البلاد التي يتكلم أهلها اللغة العربية
سوى الملك فيصل ملك العراق، وكان ذلك في الخليج في سنة 1930م.كما ركزت صحيفة
" الأوبزرفر " البريطانية على أن هذا الاجتماع هو لبحث مسألة الوحدة
العربية. على أن أبرز النتائج التي ترتبت
على اجتماع رضوى بين العاهلين السعودي والمصري هي الزيارة الرسمية التي قام بها الملك
عبد العزيز آل سعود لمصر تلبية لدعوة الملك فاروق(44)
التي يركز عليها بحثنا هذا.
وتجدر الإشارة إلى أن مجلس النواب
المصري قد أبدى تقديره لزيارة الملك فاروق للملك عبد العزيز بناء على اقتراح أحد
الأعضاء، وتوجهت هيئة مكتب المجلس لسراي عابدين لتقديم خالص الشكر والولاء للملك
الذي يهيب بهم مضاعفة جهودهم والتعاون مع الحكومة ، نظرًا للظروف التي كانت تمر
بها مصر آنذاك ، " وربما انتهت الحرب قريبًا فتتضاعف أهمية هذه الظروف وتصبح
هذه الدورة من أهم الدورات النيابية " (45).
كذلك أشاد العضو علي منصور في مناقشته لخطبة العرش بجهود الحكومة المصرية في
انضمام الحكومة السعودية لبروتوكول الإسكندرية الخاص بإنشاء جامعة الدول العربية،
كما أشاد باجتماع رضوى التاريخي ، وأثنى على الملك فاروق بإقدامه على زيارة الملك
عبد العزيز. بل إن المجلس وجه شكره للملك عبد العزيز الذي هيأ الفرصة لهذا
الاجتماع التاريخي عن طريق وزارة الخارجية، وكان الرد السعودي مشيدًا بفاروق لهذه
الزيارة " التي كانت من أروع الأمور، وأسرها لجلالة الملك، ولعائلة آل سعود،
وسائر شعب المملكة العربية السعودية، بل كانت من أجمل ما قوبل به بالسرور
والارتياح في سائر بلاد العالم الإسلامي والعربي " (46).
زيارة
الملك عبد العزيز لمصر في الثاني من ربيع الأول 1364هـ الموافق لمنتصف فبراير
1945م:
قام الملك عبد العزيز بزيارة مصر زيارة
خاصة غير رسمية في اليوم الثاني من ربيع الأول 1364هـ الموافق لمنتصف فبراير 1945م
أي قبل زيارته الرسمية بنحو عام ليلتقي الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية،
وأيضًا التقى ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، كما التقى الملك عبد العزيز الملك
فاروق والرئيس شكري القوتلي يوم 16 فبراير 1945م . ويرجع ذلك إلى القرار الذي اتخذ
في مؤتمر يالتا بعقد جمعية تأسيسية للأمم المتحدة في 25 أبريل 1945م تحضره الدول
الموقعة على " تصريح الأمم المتحدة " في أول أبريل 1942م وتلك الدول
التي أعلنت الحرب على دول المحور قبل أول يناير 1945م .
وكان أنتوني إيدن وزير الخارجية
البريطانية قد أكد لأحمد ماهر باشا رئيس الوزراء المصري في 18 فبراير من السنة
نفسها هذه الأساسيات. ولما كانت مصر راغبة
في الاشتراك في المؤتمر تمهيدًا للانضمام للأمم المتحدة، فقد اتخذت حكومة أحمد
ماهر الخطوات نحو استيفاء شرط الانضمام للهيئة الدولية، وهو إعلان الحرب على
المحور، ومن ثم أعلن مجلس الوزراء الحرب، وهو إجراء شكلي محض إذ بدت علامات انتصار
الحلفاء ، وخرجت إيطاليا من الحرب.
وقد رأى قادة الحلفاء الرئيس روزفلت
وتشرشل ضرورة الالتقاء بالملك فاروق وبالملك عبد العزيز آل سعود وبالأمبراطور
هيلاسلاسي وبشكري القوتلي ، وكانت هذه المقابلات تمهيدًا لتقريب هذه الدول من
الحلفاء(47).
وقد أرسل الرئيس روزفلت مدمرة أمريكية لنقل الملك عبد العزيز لمقابلته بالبحيرات
المرة بمصر، حيث المدمرة كونيري، وتباحثا في شؤون دولية وعربية، كما أهداه روزفلت
طائرة أمريكية.(48) وبعد أن التقى روزفلت الملك فاروق
ورئيس الديوان الملكي فقد تمت مقابلته للملك عبدالعزيز في 2 ربيع الأول 1364هـ /
14 فبراير 1945م ، وقد كتب الكولونيل وليام أيدي الوزير الأمريكي المفوض بجدة
آنذاك الذي قام بمهمة المترجم في هذا الاجتماع ثلاثة تقارير. تناول في تقريره الأول الموضوعات التي بحثها
الرئيس روزفلت مع الملك عبد العزيز بعيدًا عن دائرة العلاقات الثنائية أو قضايا فلسطين
وسوريا ولبنان، وهجرة اليهود إلى فلسطين.
كما تناول وليام أيدي في تقريره
الثاني الجانب العام للقاء بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز. أما التقرير
الثالث فقد تناول فيه وليام أيدي العلاقات الثنائية ، وقد أودع هذا التقرير خزائن
البيت الأبيض(49) .
ويذكر محمد حسنين هيكل أنه لا توجد
محاضر سعودية لهذا الاجتماع ، ومن ثم فلا بد من الاعتماد على المصادر الأمريكية ،
وقد أكدت تلك المصادر الوثائقية التي نشرها هيكل أن موقف الملك عبد العزيز كان
واضحاً في رفض هجرة اليهود إلى فلسطين، وأن العرب واليهود لا يمكن أن يتعاونوا
لافي فلسطين ولا في أي بلد عربي، ولن يتخلى العرب عن أراضيهم. ووعد الرئيس الأمريكي بأنه لن يساعد اليهود ضد
العرب، ولن يقوم بأي تحرك معاد للشعب العربي، كما وعد بتأييد استقلال سوريا
ولبنان. وقد صرح الرئيس الأمريكى بعد هذا
اللقاء أنه عرف من حديث الملك عبد العزيز وولده فيصل عن فلسطين في دقائق أكثر مما
عرفه خلال سنوات طويلة(50) .
وقد جرى بعد ذلك لقاء بين الملك عبد
العزيز والملك فاروق في الفيوم وفي فندقها الشهير " أوبرج دولاك "
القائم على بحيرة قارون.. ومن المؤشرات على أهمية ذلك الاجتماع أن الفندق أحيط
بقوة للحراسة ليل نهار، كما أبعد عنه العاملون فيه إلا المدير فقد أبقي للاستعانة
به عند الضرورة، وفضلاً عن ذلك ذكرت الصحف أن الناس كانوا يروحون ويغدون من بعد
دهشين لا يعلمون ما سيجرى على مقربة منهم في هذا المكان من مباحثات خطيرة في سبيل
العروبة والإسلام.
والتقى الملك عبد العزيز الملك فاروق
والرئيس شكري القوتلي يوم 3 ربيع الأول 1364هـ /16 فبراير 1945م حيث قضوا بضع
ساعات تناولوا خلالها بالحديث والبحث في الشؤون العربية المهمة، وأدى طول الاجتماع
وأهمية الحديث والموضوعات إلى التأخير عن موعد مأدبة العشاء التي كان قد أقامها
الرئيس شكري القوتلي للملكين بدار المفوضية السورية.
وفي اليوم التالي الموافق 17 فبراير
1945م التقى الملك عبد العزيز رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل وفي صحبته أنتوني
إيدن وزير الخارجية وبعض المستشارين ، وقد رحب تشرشل بالملك عبد العزيز بصفته
صديقاً لبريطانيا في وقت حاجتها، ودار بينهما حديث ودي ثم مكثا أكثر من ساعة
يتباحثان في مسائل شتى أهمها ما يتعلق بالعرب ومستقبلهم.(51)
وقد عبر تشرشل عن رغبة بريطانيا والولايات المتحدة أن ينضم الملك عبد العزيز إلى
مشروع منظمة الأمم المتحدة لإقرار السلام الدائم، التي دعيت البلاد العربية
المستقلة للاشتراك فيها. كما أكد عبد
العزيز لتشرشل عروبة فلسطين ، وأنه ليس لليهود الحق في تكوين دولة على جزء منها.(52)
وتجدر الإشارة إلى أن الرسائل تبودلت
بعد ذلك بين الملك عبد العزيز وروزفلت بخصوص القضية الفلسطينية ، وأوضح الملك عبد
العزيز في رسالته المؤرخة في العاشر من مارس 1945م ، أن تكوين دولة يهودية بفلسطين
سيكون ضربة قاضية على كيان العرب، آملاَّ أن يكون الحلفاء على علم بالحق العربي
ليمنع ذلك خطر اليهود على مستقبل العرب، وأكد روزفلت في رده في 15 أبريل 1945م
بأنه لن يتخذ أي عمل "يتضح أنه عدائي للشعب العربي"(53).
كما تجدر الإشارة إلى أن الملك عبد
العزيز لم يعد وجوده في أرض مصر آنذاك زيارة لها حتى أنه عبر عن ذلك بقوله :
" فنحن العرب نرى الزيارة مكرمة من الزائر علينا، وديناً يقتضينا الوفاء،
وسأفي هذا الدين – إن شاء الله – فليس أحب عندى من أن أرى الملك فاروق وشعبه
العظيم "(54).
وكما كانت زيارة الملك عبد العزيز لمصر
في المرة السابقة زيارة خاصة، فقد قام الملك فاروق بزيارة ميناء جدة السعودي عندما
أراد أن يجتمع بالملوك والرؤساء العرب على ظهر اليخت الملكي بالبحر الأحمر ، وذلك
عقب إثارة ترومان لقضية هجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين ، وشكلت لجنة لتقصي
الحقائق عن الأوضاع في فلسطين ، وكان الوصي على عرش العراق قد طلب التأجيل، على
حين قام الملك فاروق بزيارة جدة في 20 سبتمبر 1945م حيث استقبله هناك الأمير منصور
وكيل نائب جلالة الملك عبد العزيز ونقل إليه اغتباط الملك بهذه الزيارة.(55)
كذلك أشادت صحيفة " أم القرى " بهذه الزيارة وإن كانت لم تعقد اجتماعات
بين الملكين أو مع الإمام يحيى ملك المملكة اليمنية المتوكلية آنذاك حيث لم تكن
هذه الرحلة ذات طابع سياسي أو رسمي.
وقد أعقبت تلك الزيارة زيارة قام بها
الأمير فيصل إلى مصر في نوفمبر 1945م حيث التقى الملك فاروق الذي حمله تحياته
للملك عبد العزيز(56) ، وكان من شأن انأأنسسسسسسأاااااانننننتتتأأأالبيسيثثقفغععأن هذه
الزيارة زيادة دعم العلاقات السعودية–
المصرية مما مهد للزيارة التاريخية الرسمية التي سيقوم بها الملك عبد
العزيز لمصر التي نركز عليها في بحثنا هذا.
المحور الثالث : حيثيات الزيارة الرسمية التاريخية
للملك عبد العزيز لمصر التي تمت في شهر صفر 1365هـ / لشهر يناير 1946م وصداها على
المستويات الثنائية والعربية والدولية:
جاءت الزيارة الرسمية التاريخية التي
قام بها الملك عبد العزيز آل سعود لمصر التي تمت في شهر صفر 1365هـ / يناير 1946م
بعد أن تخلص العالم من الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابة كريمة من الملك عبد
العزيز لدعوة مصر لزيارتها ممثلة في ملكها فاروق الذي وجه تلك الدعوة لجلالته
أثناء الزيارة التي قام بها للمملكة العربية السعودية في صفر 1364هـ/ يناير 1945م
، فكانت هذه الزيارة الكريمة ردًا على زيارة الملك فاروق للمملكة.
وعدت الصحف المصرية أنه من المصادفات
السعيدة أن يوم7 يناير 1946م الذي غادر فيه جلالة الملك عبد العزيز جدة قادمًا إلى
مصر يوافق اليوم الذي أتم فيه الملك عشرين عامًا على مبايعته " ملكاً على
الحجاز وسلطانًا لنجد وتوابعها" (57). في الخامس والعشرين من جمادى
الآخرة 1344هـ / العاشر من يناير 1926م(58). لقد سجلت الصحافة المصرية
حيثيات الزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر لكونها حدثاً عظيماً نجحت
السراي الملكية والحكومة المصرية والهيئات الرسمية والشعبية في الإعداد له إعدادًا
كبيرًا حتى إنها كانت موضع إعجاب وتقدير العاهل السعودي.
وقالت الصحف عن استعداد مصر كلها
لاستقبال الملك عبد العزيز بأنه لا يستطيع القلم مهما كان بليغاً أن يصف زينة مصر
وابتهاجها واستعدادها لاستقبال ضيفها العظيم صقر الجزيرة، لقد كتب أبلغ الكتاب ،
ووصفوا هذه الزينة ، فلم يستطيعوا أن يبلغوا في وصفهم شيئاً من عظمتها التي لم
تشهد مصر مثلها في تاريخها على الرغم من استقبالها ملوكًا كثيرين.
كما أوردت الصحافة المصرية أن الشعب
المصري يحيّي عاهل الجزيرة والقطب العربي الكبير ، وأن مصر تسجل في تاريخها الحديث
هذه الزيارة الكريمة بصفتها أسعد حدث من أحداثها المهمة ، وتعتز بضيفها
العظيم. وكتب عبد الرحمن عزام باشا في
مجلة المصور أن مصر حين تستقبل الملك عبد العزيز إنما تستقبل رجًلا تمر الحقب ولا
يرى الناس مثله.
وأشار إلى أن هذه الزيارة ستترك بلا شك
أثرًا خالدًا في العلاقات السعودية–
المصرية–العربية، وأنها تشكل مثالاً للعلاقات التي تقوى وتنمو بين مصر
وملوك العرب وأمرائهم ورؤسائهم في سائر الأقطار.
وأشاد عزام بدور الملك فاروق في تنمية هذه العلاقات وتقويتها ، وفي توثيق
الروابط بين دول الجامعة العربية.(59)
وكان اليخت الملكي " المحروسة
" الذي أعد ليقل جلالة الملك عبد العزيز في زيارته إلى مصر وقــد وصل إلى
جـدة في الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 5 يناير 1946م يتقدمه " الطراد
فاروق " ، وتتبعه " الطوافة فوزية ". وفي الساعة الواحدة من ظهر
يوم الاثنين 7 يناير 1946م ركب الضيف الكبير ومن في معيته اليخت الملكي الذي وصل
إلى ميناء السويس في العاشرة وخمس وأربعين دقيقة من صباح يوم الخميس / 10 يناير
1946م. وصعد الملك فاروق إلى ظهر اليخت
الملكي " المحروسة " لمقابلة العاهل السعودي والترحيب بجلالته.
وامتطى الملكان (القطـــار الخـــاص)
الذي جهـــز خصيصًا ليقل العاهلين إلى القاهرة. وفي "محطة مصر" بالقاهرة
كان كبار رجال الدولة في استقبالهما.
وتحرك الموكب الملكي من محطة مصر إلى قصر الزعفران حيث نزل الضيف الكبير
وحاشيته. ولقي الملك عبدالعزيز خلال
زيارته الرسمية التاريخية لمصر التي استغرقت اثني عشر يوماً حفاوة بالغة.
وتجدر الإشارة إلى أن مصر كلها قد
استعدت للقاء الملك عبد العزيز في جميع المدن التي يمر بها الموكب طوال مدة
الزيارة. فعلى المستوى الحكومي طلبت وزارة
الخارجية في أول ديسمبر 1945م – أي قبل
الزيارة بنحو شهر– فتح اعتماد إضافي في
ميزانيتها بمبلغ 20.000عشرين ألف جنيه لنفقات هذه الزيارة، ووافقت اللجنة الملكية
بمجلس النواب، حيث تمت الموافقة النهائية من وفورات الميزانية، ولقد جاء في تقرير
اللجنة، أن هذه الزيارة جاءت ردًا على زيارة ملك مصر، الذي استن سنة طيبة، وافتتح
عهدًا جديدًا للأخوة بين الشعوب العربية بزيارته للسعودية. كذلك طلب الديوان
الملكي المصري نفقات اليخت الملكي " المحروسة " الذي سيكون في ركاب
الملك الضيف، واعتمد مجلس النواب لذلك عشرة آلاف جنيه(60).
أما في الإسكندرية فقد وافق القومسيون
البلدي هناك على اعتماد مبلغ عشرة آلاف جنيه لمواجهة زيارة الضيف السعودي للمدينة(61).
وقررت الحكومة المصرية إصدار طابع بريد تذكاري لتخليد ذكرى هذه الزيارة التاريخية،
واعتمدت لذلك وزارة المالية المصرية مبلغ عشرة آلاف جنيه(62)،
وصدرت التعليمات من رئيس الوزراء المصري لكل وزارة لاتخاذ التدابير اللازمـــة
لتسهم كل منها بنصيبها في استقبال الملك عبد العزيز والحفاوة بـــه(63)،
وأطلقت وزارة الأشغال المصرية اسم الملك عبد العزيز على شارع النيل بقسم مصر
القديمة بمدينة القاهرة.(64)
وقد كونت لجان للاحتفال بالضيف السعودي
الكبير، وروعي أقامة أقواس النصر في طريق جلالة الملك عبد العزيز على الطراز
العربي، وقد تكلف كل قوس من أقواس النصر قرابة ألف جنيه. وقررت لجنة الاحتفالات العامة بمدينة القاهرة
إقامة أربعة أقواس نصر كبيرة، أحدها في مدخل شارع إبراهيم، واثنان بميدان إبراهيم
باشا، والرابع في مدخل ميدان عابدين، كما قررت فتح جميع مطاعم الشعب مدة ثلاثة
أيام لإطعام عشرة آلاف مواطن(65).
وقد جهز قصر الزعفران لاستقبال الملك
عبد العزيز ، وزينت محطات السكك الحديدية، وجهزت الطرق التي سار فيها الموكب الملكي،
وأضيئت المباني الحكومية، واتخذت إجراءات الأمن اللازمة، وتقرر اشتراك جنود الجيش
مع الشرطة في المحافظة على النظام، وأعدت الأماكن التي سيزورها الملك عبد العزيز،
طبقاً لبرنامج الزيارة الذي نشر بالتفصيل بالصحف اليومية. وتألفت بعثة الشرف برئاسة الأمير محمد عبد
المنعم، على حين رافق الملك فاروق ضيفه الملك عبد العزيز طوال زيارته لمصر.(66)
وعلى الرغم من أن قانون النياشين كان ينص على ألا تهدى لمن لم يبلغ عمره أقل من 21
سنة،غير أن الملك فاروق زيادة في تكريم أنجال الملك عبد العزيز رأى أن يهدى جميع
الأمراء السعوديين المرافقين للملك عبد العزيز الوشاح الأكبر من نيشان النيل.
ولم يكن الاهتمام بهذه الزيارة قاصرًا
على شعب مصر وحده، ولكن أبدى الشعب السعودي أيضًا اهتمامًا بالغًا بأنباء الزيارة
، وتمثل ذلك في متابعة "الإذاعات اللاسلكية" حتى لقد بيع جهاز المذياع
بخمسين جنيها ذهبيًا. وتخليدًا لهذه
الزيارة التاريخية بادر أفراد الشعب السعودي لتخليد ذكرى زيارة الملك عبد العزيز
لمصر بالاكتتاب في إنشاء مستشفى لتخليد هذه الذكرى يسمى باسمه.(67)
وبتتبعنا لبرنامج الزيارة منذ وصول
الملك عبدالعزيز على متن اليخت الملكي المصري " المحروسة " إلى ميناء
السويس في العاشرة وخمس وأربعين دقيقة من صباح يوم الخميس الموافق العاشر من يناير
1946م حيث كان في استقبال جلالته الملك فاروق وبعثه الشرف المرافقة ورجال الحكومة
المصرية وممثلي الهيئات الرسمية والشعبية، والجماهير الشعبية التي احتشدت لاستقبال
الضيف الكبير ومرافقيه، وأدت شدة الزحام إلى تعديل المرور في مختلف الشوارع. وشمل برنامج الزيارة بوجه عام القصر الملكي في
عابدين، ومقر الحكومة والبرلمان المصري، والجامع الأزهر، والجامعة العربية، وأسلحة
الجيش، والمؤسسات العلمية والصناعية، والمستشفيات، وجامعة فؤاد الأول (القاهرة
حاليًا) ، والمعالم الأثرية ، والقناطر الخيرية ، والمتحف الزراعي ، وإصلاحية
الأحداث، كما زار المحلة الكبرى ، وهي إحدى قلاع الصناعة المصرية وأنشاص ومدينة
الإسكندرية التي أستعرض بها الجيش المصري، وغيرها من الأماكن المهمة.(68)
وإذا كان يوم الخميس الموافق العاشر من
يناير 1946م هو يوم وصول الملك عبد العزيز
إلى مصر بدءاً بميناء السويس، واتجه موكبه الميمون إلى القاهرة يرافقه الملك فاروق
وبعثة الشرف وكبار المسؤولين على المستويين الرسمي والشعبي حيث وصل الموكب الملكي
إلى قصر الزعفران، فإن اليوم الثاني من البرنامج الموافق يوم الجمعة الحادي عشر من
يناير 1946م قام فيه الملك عبد العزيز يرافقه الملك فاروق بأداء صلاة الجمعة في
الجامع الأزهر، وألقى خطبة الجمعة فضيلة الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الجامع الأزهر
، وكان موضــــوعها قـــول الله عـــــز وجل { يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
(الحجرات آيه: 13) وفي مساء اليوم نفسه حضر الملك عبد العزيز الحفل الرسمي الذي
أقامته وزارة الخارجية المصرية على شرف جلالته، وقد شهدها مائتا مدعو من كبار
الشخصيات(69) .
أما في اليوم الثالث في برنامج الزيارة
التاريخية الموافق السبت الثاني عشر من يناير 1946م فقد قام الملك عبد العزيز
بزيارة جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) حيث رحب بجلالته محمود فهمي
النقراشي باشا وزير المعارف بالنيابة، وكذلك الدكتور مصطفى مشرفة مدير الجامعة
بالنيابة، مشيدًا بدور الملك عبد العزيز في الحفاظ على العروبة والإسلام، وأن
الجامعة ترد بعض ما عليها عندما تعلم ناشئة المملكة العربية السعودية (70) . وحضر الملك
عبد العزيــز الحفل الذي أقامتـه الجامعة على شرف جلالته في قاعة الاحتفالات
الكبرى بها، وكانت حافلة بكبار المدعوين من جميع الهيئات الرسمية والشعبية، كما
كانت مدرجاتها غاصة بجموع الطلاب الذين بلغ عددهم ثلاثة آلاف طالب، وجلس على
المنصة الوسطى أعضاء مجلس الجامعة .
وقد أشارت الصحف إلى أن هذا اليوم يعد
يوماً خالدًا في تاريخ الجامعة، التي قدمت للملك عبد العزيز جميع دواوين الشعر
التي نشرت في مصر، وجميع الكتب التي نشرت منها عن التاريخ والآداب والفلسفة
الإسلامية مجلدة تجليدًا فاخرًا. وفي هذا
الحفل الجامعي الذي أقيم على شرف جلالة الملك عبد العزيز فقد ألقى محمود فهمي
النقراشي كلمة وزير المعارف المصري بالنيابة عنه لوجوده في السودان آنذاك قال فيها
: إن هذا الاحتفال في الجامعة لدليل على أن العرب في نهضتهم الحاضرة، ودعوتهم إلى
التآخي والتضافر والعمل لسعادتهم ومجدهم إنما يقيمون نهضتهم على أسس ثابتة من
التعليم والتهذيب، وعلى قواعد راسخة من العلوم والأخلاق.
كما أوضح أن هذه الزيارة الكريمة
للعاهل السعودي الكبير إنما جاءت في أوانها متجاوبة مع الأصداء في جميع الأنحاء
بجامعة الدول العربية الناشئة الفتية التي تعلقت بها آمال العرب جميعًا. كذلك أقيم مهرجان عربي تضمن عروضاً رياضية
وغيرها، كما قدم بعض السودانيين رقصات شعبية أعقبها إلقاء خطب ترحيبية، وإنشاد
قصائد شعرية في هذه المناسبة الكريمة.(71)
وتجدر الإشارة إلى أنه عند زيارة الملك
عبد العزيز للجامعة كان الطلبة يشاركون الجماهير المرحبة بالملك الضيف سواء في
الطريق إلى الجامعة حيث اصطف الطلبة مع جماهير الأهالي على جانبي الطريق هاتفين
ومصفقين، ورحب الطلبة بالضيف الكبير في قاعة الاحتفالات بالجامعة ، وفي أستاذها
حيث قدم طلبة المدارس والجامعة العروض الرياضية، وكذلك طلبة الشرطة الملكية
والحربية الملكية، بل قد سافر إلى القاهرة بضع مئات من جامعة فاروق بالإسكندرية
للاشتراك مع زملائهم في تحية جلالة الملك عبد العزيز واستقباله، وانضم إليهم كثير
من طلبة طنطا وغيرها ، فزاد مجموعهم عن الألف، وقد عادوا إلى بلادهم بعد أن شاركوا
في الاحتفال بمقدم الملك عبد العزيز(72). وقد أهدت
أسرة الضاد بكلية اللغة العربية الملك الضيف تحية شعرية تتضمن آيات الترحيب والحب
والولاء بمقدم جلالته(73) .
على حين اشتمل اليوم الرابع للزيارة
الموافق الأحد الثالث عشر من يناير 1946م زيارة الملك عبد العزيز لمشاهدة عروض
الخيل وسباقاتها في ميدان السباق. وفي
اليوم الخامس للزيارة الموافق الاثنين الرابع عشر من يناير 1946م شهد الملك عبد
العزيز عرضًا عسكريًا للجيش الملكي أقيمت ساحة خاصة له ، ويعد آنذاك أعظم عرض من
نوعه أقيم في مصر الحديثة ؛ إذ بلغ عدد القوات التي اشتركت في هذا العرض ستة
وثلاثين ألف جندي مزودين بأحدث أنواع الأسلحة.
وقد ظلوا يمرون أمام المقصورة الملكية لمدة ثلاث ساعات. وقد بلغ عدد مصوري الصحف وشركات الأنباء
والسينما الذين حضروا العرض مائة مصور، وهو أكبر عدد من المصورين اجتمع في احتفال
رسمي في مصر حتى ذلك الحين.
كذلك لم يتخلف عن المشاركة في
استقبالات الملك عبد العزيز النزلاء الأجانب في مصر على اختلاف جنسياتهم، وبينهم
ضباط الحلفاء وجنودهم(74). واحتفلت بجلالته السفارة البريطانية،
حيث أقام "اللورد كيلرن" السفير البريطاني مأدبة غداء في اليوم نفسه
للضيف السعودي الكبير(75)، كذلك قام الملك عبد العزيز في اليوم
نفسه بزيارة منطقة أهرامات الجيزة.
أما اليوم السادس لتلك الزيارة
التاريخية للملك عبد العزيز لمصر الموافق الخامس عشر من يناير 1946م فقد قام الملك
عبد العزيز بزيارة منطقة القناطر الخيرية، ثم زار الملك عبد العزيز بعد ذلك
البرلمان المصري حيث رحب بجلالته الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس مجلس الشيوخ
الذي ألقى كلمة أشاد فيها بدور الملك عبد العزيز في دعم جامعة الدول العربية(76) ،
وقال : " إن زيارتكم المباركة لبلادنا لفاتحة خير تستبشر بها الأمم العربية
جميعًا، كما أن هذه الزيارة زادت روابط المودة والمحبة بين مصر والمملكة العربية
السعودية توثقاً ومتانة "(77).
كما قام الملك عبد العزيز بزيارة مقر
الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة في اليوم السابع الموافق السادس عشر
من يناير 1946م حيث ألقى عبد الرحمن عزام باشا أمين الجامعة كلمة قال فيها :
" إن للملكين الملك عبد العزيز والملك فاروق الفضل الكبير في إقامة الجامعة
العربية "
(78).
وقد أطلق اسم الملك عبد العزيز آل سعود
على الشارع الذي يقع فيه قصر المانسترلي–
مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية السابق. ثم صدر في مساء اليوم نفسه تصريح ملكي مشترك
للملكين عبد العزيز وفاروق أذاعته رئاسة مجلس الوزراء المصري ، وألقاه محمود فهمي
النقراشي باشا رئيس الوزراء جاء فيه : " إن من دواعي سرورنا العظيم أن يكون
اجتماعنا في هذا المكان التاريخي في الدار الجديدة لجامعة الدول العربية، تلك الجامعة
التي كان من حظنا وحظ إخواننا ملوك العرب وأمرائهم ورؤسائهم أن يضعوا أساسها وأن
يرعوها، فيقيموها على دعائم من التعاون والتكافل لخير العرب وخير البشر كافة،
ويستجيبوا بذلك لرغبات الشعوب العربية وأملها. نحن نرغب في أن تضرب جامعتنا دائمًا
للناس جميعًا المثل في تعاون صادق بين جماعة من الدول، متضافرة على سلامتها
المشتركة ومتكافلة في صيانة حريتها واستقلالها.
ونحن واثقون أن جامعتنا، وهي تؤدي هذه الرسالة بين العرب، لا تريد علوًا
واستكبارًا على أمة أخرى، بل نرى أن من أسمى مقاصدنا ومقاصدها التعاون مع أمم
الأرض كلها على البر والحق والعدل والسلم الدائم.
ونحن كذلك نثق بأن جامعتنا التي تربأ بنفسها عن كل تفكير في العدوان على
غيرها تحرص كل الحرص على أن تدافع عن الحق والعدل والحرية.
ولم يكن المجهود العظيم الذي يبذله
ملوك العرب وأمراؤهم ورؤساؤهم وحكوماتهم وشعوبهم لنصرة عرب فلسطين إلا تحقيقاً
لمبادىء الحق والعدل. ونحن نشارك المسلمين
والعرب جميعًا في إيمانهم بأن فلسطين بلاد عربية ، وأن من حق أهلها، وحق المسلمين
والعرب معهم، أن تبقى عربية كما كانت دائمًا.
وإنَّا لنقدر كل التقدير ما يرمي إليه ميثاق الجامعة العربية من أن يكون
لكل قطر عربي حقه الواضح في تقرير مصيره والتمتع بحريته الكاملة. ويسعدنا أن تسير الأقطار العربية بخطى ثابتة
نحو الوحدة ، وتضع من النظم ما يزيد في التقارب بينها وإحكام صلاتها، ويؤدي إلى
تبادل المنافع والخيرات لتسعد جميع طبقات الأمة العربية بعيش أرغد، وتنعم بالثمرات
الكثيرة التي وهبها الله – سبحانه – أرضهم وبلادهم. ونحن واثقون كل الثقة أن الشعوب العربية التي
تتمثل آمالها في جامعة الدول العربية لا تريد إلا السلم والحق والإخاء العام،
وأنها ستهتدي بسيرة أسلافها لتحقق المثل العليا التي يوجهها إليها تاريخ العرب
ونهضتهم العظيمة ودعوتهم للمساواة العامة بين الشعوب والطوائف والأفراد، فتتعاون
جامعتنا مع المؤسسات الدولية التي تقيمها الأمم المتحدة لتحقيق حرية البشر والعدل
والإخاء، فتكفل للحضارة الإنسانية سيرًا موفقًا في ظلال سلم دائم "(79).
ويعد هذا التصريح الملكي المشترك
للملكين عبد العزيز وفاروق الذي أذاعته رئاسة مجلس الوزراء المصري ، وألقاه محمود
فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء بمثابة تعبير واضح عن أهداف جامعة الدول العربية
، وأسلوبها في العمل ، وحرصها على عروبة فلسطين ، وحرصها على التعاون مع المؤسسات
الدولية التي تقيمها الأمم المتحدة من أجل رقي الحضارة الإنسانية ، وتحقيق السلام
الدائم والشامل.
أما اليوم الثامن من الزيارة التاريخية
التي قام بها الملك عبد العزيز لمصر الموافق ليوم الخميس السابع عشر من يناير
1946م فقد زار فيه الملك عبد العزيز مصانع شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة
الكبرى حيث طاف بأقسام المصنع المختلفة، وأقامت إدارة الشركة مأدبة غداء على شرف
الملك عبد العزيز ومرافقيه من كبار الشخصيات.
ثم قابل الملك عبد العزيز بعد ذلك عقب عودة جلالته من المحلة الكبرى إلى
القاهرة عددًا من الوفود ، أعقبها مقابلة وفد من الجالية اللبنانية جاءوا للترحيب
بالعاهل السعودي الذي أعرب لهم عما يكنه من العطف على لبنان واستقلاله ، وأسدى
النصح إلى أهله بالاتحاد والتضامن ، وعدم الالتفات إلى عناصر التفرقة، كما تناول
حديث الملك عبدالعزيز مع وفد الجالية اللبنانية فلسطين العربية حيث أبدى اهتمامه
بقضيتها.
وفي اليوم التاسع من الزيارة التاريخية
للملك عبد العزيز لمصر الموافق يوم الجمعة الثامن عشر من يناير 1946م قام الملك
عبد العزيز بزيارة المزارع الملكية في أنشاص حيث شاهد الحدائق الملكية ومحطات الري
، وأقيمت للملك مهرجانات عدة للترحيب بجلالته.
أما في اليوم العاشر من الزيارة
التاريخية للملك عبد العزيز لمصر الموافق السبت التاسع عشر من يناير 1946م فقد قام
الملك عبد العزيز بزيارة مدينة الإسكندرية التي استقبلته استقبالاً حماسياً رائعاً
على المستويين الرسمي والشعبي ، ونزل في قصر رأس التين ، وقام بزيارة منطقة
الميناء وأقسامه المختلفة ، واجتمع مع الملك فاروق في قصر المنتزة، ومكث
بالإسكندرية في اليوم الحادي عشر للزيارة الموافق الأحد العشرين من يناير 1946م ،
وغادرها في صباح اليوم الثاني عشر للزيارة الموافق الاثنين الحادي والعشرين من
يناير 1946م بعد أن تمت بعض المقابلات المرحبة بالضيف الكبير. واختتمت الزيارة بمأدبة غداء أقامها الملك
فاروق في قصر عابدين في اليوم نفسه على شرف الملك عبد العزيز.
وقد التقى الملك عبد العزيز بعد ظهر
اليوم نفسه بقصر الزعفران نقيب الصحفيين فكري أباظة ، وأعضاء مجلس النقابة ، ولفيف
من كبار الصحفيين المصريين. والحقيقة أن
الصحافة المصرية على اختلاف نزعاتها الحزبية قد رحبت بالملك عبد العزيز ،
وبالزيارة الملكية التاريخية في صفحاتها الأولى، وتتبعت أخبار الزيارة وبرنامجها،
والتصريحات الملكية وكلمات الترحيب، سواء بالكلمة أو بالصورة، إلى جانب المقالات
العديدة عن العاهل السعودي والمملكة العربية السعودية.(80)
وتجدر الإشارة إلى أن الطلبة السعوديين
الموجودين بمصر آنذاك قد شاركوا في استقبال ملكهم خير استقبال، وقد اجتمع جلالة
الملك عبد العزيز بالطلاب السعوديين الذين حضروا بين يدي جلالته وزودهم بنصائحه
القيمة(81) .
وفي اليوم الأخير للزيارة التاريخية
للملك عبد العزيز لمصر الموافق الثلاثاء الثاني والعشرين من يناير 1946م غادر
الملك عبد العزيز الأراضي المصرية قبل المغرب من ميناء السويس بعد أن أمضى في
ضيافة مصر ملكًا وحكومة وشعبًا اثني عشر يومًا.
وعقب إبحار اليخت الملكي "المحروسة" بجلالة الملك عبد العزيز فقد
وجه جلالته رسالة إلى الملك فاروق جاء فيها : " لقد تجلت مصر الكريمة
المضيافة عظيمة بمليكها وقادتها وشعبها، عزيزة بنهضتها، قوية بجيشها وما جيش مصر
إلا جيش العرب، فقد قمتم يا جلالة الأخ بالفضل فكانت أيام رضوى ثم أيام القاهرة
والإسكندرية. وما كنتم ونحن نقلب الرأي في
شؤون العرب جميعًا لتنسوا البلاد العربية السعودية وصلاتها بأختها العزيزة مصر،
وما كنا لننسى مصر الكريمة وصلاتها بشقيقتها العربية السعودية ، فكان من حظ البلدين
توثيق الروابط بينهما، وتوحيد جهودهما في سياستهما وإقامة التعاون بينهما على أثبت
الدعائم. وإنه لمن سعد الطالع لنا جميعًا
أن الشعور العربي المشترك بيننا، هو شعور عام اشتركنا فيه مع إخواننا وإخوانكم
ملوك العرب وأمرائهم ورؤسائهم، كما اشترك معنا في شعورنا كل مسلم وكل عربي. وما جامعة الدول العربية التي أسست دعائمها في
عاصمة ملككم بفضل الله ثم بفضل جهود جلالتكم وجهود إخواننا ملوك العرب ورؤسائهم
وأمرائهم إلا أثرٌ لهذه الروح التي تربط بيننا وتؤلف بين قلوبنا جميعًا.
كلانا – والحمد لله – موقن بأن القوة
في وحدة الكلمة، وأن الأخ درع لأخيه، فإن تآخينا من شأنه أن يوثق عرى التآخي بين
شعبينا. وما شك أحدنا في أن مصلحة البلدين
تقضى بوحدة اتجاههما السياسي ووحدة السبيل الذي يسلكانه في منهاجهما الدولي، ذلك
مبدؤنا ومبدأ شعبنا يتوارثه الأبناء ، ويبقى – إن شاء الله – على وجه الدهر بهذه
الروح " (82) .
ومن خلال استعراضنا لحيثيات هذه
الزيارة الرسمية التاريخية التي قام بها الملك عبدالعزيز لمصر خلال الاثني عشر
يومًا التي شكلت عيدًا متصلاً للمصريين نتبين كيف اشترك الشعب المصري بكامل طوائفه
في استقبال ضيف مصر، والترحيب به إلى جانب الملك فاروق والحكومة المصرية والهيئات
الرسمية والأزهر الشريف والجامعة المصرية والأحزاب السياسية على اختلاف
توجهاتها. بل لقد شارك العمال والفلاحون
والموظفون والأعيان والنواب والشيوخ، بل وكذلك النساء من شرفات منازلهن في المدن
والقرويات اللاتي كن يزغردن على سطوح دورهن أثناء زيارة العاهل السعودي لأنشاص
والمناطق الريفية(83)
. كما رحب بجلالته
مشايخ العرب من عمد وأعيان قبائل الجوازي، والفوايد، والرماح، والفرجان، كما
احتفلت به عشائر الحويطات وعرب الطحاوية(84) .
كذلك رحبت بالملك عبد العزيز كل القيادات
المصرية والزعامات المعروفة، فقد التقى جلالته مصطفى النحاس باشا ، وفؤاد سراج
الدين باشا ، ومكرم عبيد باشا ، وإسماعيل صدقي باشا ، وعلي ماهر باشا ، وحسين سري
باشا ، وآخرون من مختلف الاتجاهات السياسية في مصر آنذاك. كما كان الملك عبد العزيز موضع ترحيب كتاب مصر
ومفكريها، على اختلاف نزعاتهم مثل عباس محمود العقاد، وفكري أباظة، وحافظ محمود،
وعبد الرحمن عزام، وكريم ثابت، ومحمد صبري أبو علم، وعبدالرحمن نصر، وإبراهيم عبد
القادر المازني، وأحمد حسن الزيات، ومحمد توفيق دياب، وكذلك الشعراء مثل علي محمود
طه، ومحمد الأسمر، ومحمد توفيق خاكي، ورشيد كرم، ومطران خليل مطران، وأحمد
الغزاوي، وفؤاد شاكر، وحسين قطاني، ومحمود حسن إسماعيل(85) .
وإذا كانت الصحافة المصرية قد رحبت على
اختلاف نزعاتها الحزبية بزيارة الملك عبد العزيز التاريخية لمصر على نحو ما سبق أن
أشرنا إليه إلا أننا نقتبس بعض ما أوردته في مجال ترحيبها بالضيف الكريم، ففي مقال
للأهرام تحت عنوان "على الطائر الميمون يا خير قادم" تتحدث عن لقاء
الملك عبد العزيـــز بالملك فاروق فتقول: " شيخ الملوك الحكم المجرب المحتفظ
بهمة الفتيان، يلتقى اليوم بفتى الملوك الهمام، المزدان بحكمة الشيوخ" (86) .
كذلك ترحب جريدة "الكتلة"
لسان حال الكتلة الوفدية، في صفحتها الأولى بالملك عبد العزيز وتتحدث عنه في
مملكته بين شعبه وقومه مرحبة به فتقول : " عرفت فيه مصر الإخلاص للعروبة
وأهلها، والسعي بالخير لفلسطين وعربها، والغضبة المصرية لكل ما يراد بالعرب من سوء
أو مكروه "
(87) .
كذلك تحدثت "روز اليوسف" عن
مباهج القاهــرة بمناسبــة زيــارة الملك عبد العـزيــز لمصر بقولها : "
ومهما تمادت القاهرة في كرمها، فلن تستطيع أن تعبر عن عواطفها لضيفها العزيز
" (88) . على حين استبشرت صحيفة "السياسة"
لسان حزب الأحرار الدستوريين بلقاء الملك عبد العزيز مع شقيقه الملك فاروق بأنه
" لقاء تشرئب إليه الأرواح، منذ صلاح الدين إلى يوم تعود للإمبراطورية
العربية أمجادها القديمة مضاعفة مجددة "(89) . كما تعددت
مقالات جريدة "المصري" لصبري أبو علم وعبد الرحمن نصر وغيرهم. بل إن يوسف ياسين، السكرتير الخاص للملك عبد
العزيز كتب بجريدة المصري عن جهود الملك عبد العزيز المثمرة في مملكته، وتتبعت
الصحيفة زيارة الضيف الكبير بالخبر والتعليق(90) . كذلك أشادت جريدة "المقطم" بموقف
الملك الضيف إزاء القضايا العربية المختلفة ودعمه لجامعة الدول العربية(91) .
وبوجه عام كانت زيارة الملك عبد العزيز
لمصر زيارة رسمية تاريخية موفقة على المستويين الرسمي والشعبي إلى أبعد الحدود ؛
نظرًا للاستقبالات الرائعة التي لقيها جلالته في كل مكان بأرض الكنانة سواء في
القاهرة أو الإسكندرية أو في عواصم المديريات التي مر عليها ركبه الملكي، وكذلك
بدت بوضوح إسهامات مؤسسات الدولة ووزاراتها في هذه الحفاوة البالغة فضلاً عن حفاوة
الملك فاروق التي امتدت إلى الأمراء والبعثة المرافقة للضيف الكبير فمنحهم
النياشين والأوسمة والأنواط تعبيرًا مخلصًا عن تلك الحفاوة(92) . ومما يؤكد
حرص الملك فاروق وسعادته بترحيب الشعب المصري بالملك عبد العزيز الذي لم يسبق له
مثيل تقديمه الشكر للشعب المصري لحفاوته بالعاهل السعودي(93) .
وقد وجه الملك عبد العزيز شكره لمصر في
الرسالة التي وجهها للشعب السعودي لما لقيه من حفاوة وتكريم على أرض الكنانة من
الملك فاروق والحكومة المصرية والشعب المصري قاطبة، إذ قال جلالته : إن في "
كل شبر مشيت فيه من أرض الكنانة من الحفاوة والإكرام، ما لا يحيط به الوصف، ولا
يفي بحقه وافر الشكر، فقد كانت قلوبهم تتكلم قبل ألسنتهم بما تكنه لي ولبلادكم من
حب " (94) .
بل وفي كل مناسبة كان الملك عبد العزيز
يشيد بما لقيه في مصر من حفاوة وتكريم .
كذلك أشار الملك عبد العزيز – عقب مقابلته لوفد رابطة الحجاج
الجامعيين– إلى أن ما قابله في مصر أمر
فوق الطاقة(95)
، وأنه " لا يستطيع أحد أن يصل إلى ما في السماء، غير أن
إخواننا المصريين الأعزاء عملوا لإكرامي كل شيء ممكن فوق الأرض " (96) . وقد ذكر الملك عبد العزيز وهو في طريق عودته
للسويس أنه لم يكن في كل ما رآه، وسمعه ولمسه، من قريب أو بعيد " شيء ما من
التكلف " (97) .
لقد أبدى الملك عبد العزيز تقديره
للحفاوة الشعبية العظيمة التي لقيها من قبل الشعب المصري كله بأنه يخيل إليه كما
يقول " أن سبعة عشر مليونًا خرجوًا لتحيتي" ، وهو تعداد الشعب المصري
آنذاك " (98) . كما عبر الملك عبد العزيز عن الحفاوة البالغة
التي لقيها أثناء زيارته لمصر من مليكها وحكومتها وشعبها بقوله : " ليس
البيان بمسعف في وصف ما لاقيته، ولكن اعتزازي أني كنت أشعر بأن جيش مصر العربي هو
جيشكم، وجيشكم هو جيش مصر، وحضارة مصر هي حضارتكم، وحضارتكم هي حضارة مصــر،
والجيشـان والحضارتان جند للعرب" (99) .
كان ذلك عرضًا تحليليًا لحيثيات
الزيارة الرسمية التاريخية التي قام بها الملك عبد العزيز لمصر في شهر صفر 1365 هـ
/ يناير 1946م ، وكانت تشكل الزيارة الرسمية الفريدة التي قام بها جلالته خارج
بلاده، وكان هو أول ملك من ملوك العرب يزور مصر في تاريخها المعاصر. ولهذا فمن الطبعي أن يكون لهذه الزيارة
التاريخية أصداء بعيدة المدى على المستويات الثنائية والعربية والدولية آنذاك.
أصداء الزيارة الملكية في
العالم العربي :
لقد كان لزيارة الملك عبد العزيز لمصر
في شهر صفر 1365 هـ / يناير 1946م صداها الواضح في أرجاء العالم العربي آنذاك حتى
إن بعض الكتاب العرب وصفوها بأنها كانت " مظاهرة كبرى سترن رنينها في الدنيا بأسرها،
وتحدث أثرها في الحاضر والمستقبل، ولعل هذين العاهلين الملك عبد العزيز والملك
فاروق قد عرفا أن الشرق العربي تحوم حوله أغراض وأهواء فاستهلا المعركة بهذه
الطليعة. ويفسر هذا ذلك الاهتمام الكبير
الذي أولته الزيارة والمباحثات مباشرة لقضية الوحدة وردود الفعل العربية
". وشهدت القاهرة وفودًا عربية جاءت
لمقابلة العاهل السعودي والترحيب بجلالته، فضلاً عن البرقيات والرسائل العربية
التي وردت إلى القاهرة ، وتناولت القضايا العربية المختلفة.
ففي بداية الزيارة التاريخية قررت
اللجنة العليا لفلسطين إرسال وفد للقاهرة برئاسة السيد جمال الدين الحسيني لإبلاغ
الجامعة العربية برفض اللجنة طلب الحكومة البريطانية بالسماح بهجرة اليهود لفلسطين
، وليكون أيضًا في شرف الملك عبد العزيز والسعى لديه والملك فاروق للتدخل للإفراج
عن بقية الزعماء المبعدين، وإعادتهم إلى وطنهم(100) .
كما وصل إلى القاهرة وفد يمثل اللجنة
التنفيذية الأرثوذكسية بفلسطين وشرق الأردن للترحيب بالعاهـل السعودي، وأثناء
مقابلتهم للملك عبد العزيز في اليوم التاسـع عشر من يناير 1946م ألقى عيسى البندك
في حضرة جلالته كلمة جاء فيها أنه " إذا كانت المسيحية دينًا لنا، فلغتنا هي
لغة القرآن الكريم، ونحن عرب قبل المسيح، لحمًا ودمًا وإيمانًا ". وأشاد بعطف
الملك عبد العزيز على القضية الفلسطينية، وقال الخوري نيقولا عندما قدم الوفد
هديته للعاهل السعودي " إننا نضع مقدسات المسلمين والمسيحيين في فلسطين تحت
ظلال سيوفكم أمانة ووديعة "
(101) .
بل إن سدنة المسجد الأقصى وعلماء الدين
الإسلامي في القدس قد رفعوا تهنئتهم للملك عبد العزيز في القاهرة بسلامة الوصول ،
وطلبوا من جلالته والملك فاروق أن يشملا
المبعدين الفلسطينيين برعايتهما، والعمل على عودتهم لبلادهم(102) . كما تلقى صاحب جريدة فلسطين الذي كان موجودًا
بالقاهرة آنذاك برقية من رئيس المؤتمر الأرثوذكسي العربي الثالث والمجلس المحلي
بالقدس، ليرفع ولاء المؤتمر إلى العاهلين السعودي والمصري، آملاً تدخلهما لحفظ
حقوق العرب في فلسطين(103) .
وقد أفاضت الصحف السورية في وصف
الزيارة التاريخية للملك عبد العزيز لمصر وقالت: " إن هذه الزيارة تعد نجاحًا
يزين الجامعة العربية، وأن آمال العرب تلتقي آنذاك في القاهرة ". وحضر من دمشق وفد تكون من معروف الأرناؤوطي
ووجيه الحفار ووديع الصيداوي، لحضور حفلات استقبال الملك عبد العزيز(104) . وخصصت صحف دمشق صفحاتها الأولى لتهنئة الملك
عبدالعزيز بذكرى جلوسه على عرش المملكة العربية السعودية، وتحدثت عن زيارته لمصر
معربة عن آمال العرب الواسعة في التقاء العاهلين السعودي والمصري في القاهرة (105) .
وعدت هذه الصحف وفي مقدمتها
"الفجر"، و"الإنشاء"، و"الكفاح"،
و"بردى"، و"الأخبار" و"فتى العرب" وغيرها، هذه
الزيارة تمكينًا للجامعة العربية، آملة أن تسفر عن توطيد العلاقات بين البلدين
والخير لكل من سوريا ولبنان(106) . كذلك تتبع الشعب السوري الزيارة الملكية ، ووجه
الشباب الوطني بدمشق شكره للملك فاروق على حفاوته بالعاهل السعودي وشعبه وحكومته(107) .
كما أن لبنان اهتمت اهتمامًا بالغًا
بهذه الزيارة للعاهل السعودي لمصر فخصصت الصحف اللبنانية مقالات عديدة نوهت فيها
بأثر تلك الزيارة التاريخية ومغزاها، ونشرت تفاصيل برنامج الزيارة وصور عديدة
للعاهلين السعودي والمصري، متمنية نجاح تضافر البلاد العربية، ومفوهة بعطف الملكين
على لبنان واستقلالها(108) .
كذلك عبرت برقيات عديدة وجهتها جماعة
الشباب ببيروت وغيرها إلى القاهرة عن أملها في أن يكون في اجتماع القاهرة للعاهلين
السعودي والمصري الخير للقضية العربية والعمل على عودة الفلسطينيين الأحرار إلى
بلادهم. كما توالت البرقيات بهذا المعنى
من العلماء والأطباء والمحامين والتجار في منطقة طرابلس، معربة عن أملها في جلاء
الجيوش الأجنبية عن سوريا ولبنان وحصولهما على الاستقلال(109) . بل إن الرسائل قد تبودلت بين الملك عبد العزيز
ورئيس جمهورية لبنان، الذي أكد شكره لحسن حفاوته في لقائه للجالية اللبنانية في
القاهرة، وعلى رأسها الوزير المفوض اللبناني، الذي عبر له العاهل السعودي عن
تأييده التام لاستقلال لبنان(110) .
ومن ناحية أخرى فقد حضر إلى القاهرة
وفد من أعضاء جبهة الدفاع عن المغرب العربي، حيث شرحوا للملك عبد العزيز أثناء
مقابلتهم لجلالته في اليوم الحادي والعشرين من يناير 1946م الأوضاع في تونس
والجزائر ومراكش وكفاحهم لنيل الاستقلال، وقد أكد لهم العاهل السعودي بأنه لن يألو
جهدًا في العمل على ضمان حرية هذه البلاد واستقلالها(111) .
أصداء الزيارة الملكية على
الصعيد الدولي :
أما بالنسبة لصدى الزيارة الرسمية
التاريخية التي قام بها الملك عبد العزيز في صفر 1365هـ/ يناير 1946م على المستوى
الدولي فمن الواضح أن هذه الزيارة كانت لها أصداء دولية بعيدة المدى، إذ نشرت
الصحف الأوربية مقالات وتعليقات عديدة بخصوص هذه الزيارة عبرت فيها عن أهميتها
البالغة في دعم جامعة الدول العربية، وفي إيجاد الحلول المتعلقة بالمسألة
الفلسطينية، كما أشارت بعض الصحف الدولية إلى أن المباحثات بين العاهلين السعودي
والمصري استهدفت تحرير البلاد العربية في منطقة الشرق الأوسط والحصول على
استقلالها التام(112) .
وقد أشارت جريـــدة "أفريكــان
وورلد البريطانيــة African World" إلى أن زيــــارة الملك عبد العزيز لمصر آنذاك قد أخرجت
البلاد المصرية من الجو القاتم الذي أعقب مقتل أمين عثمان بحيث سادها بتلك الزيارة
نور الشمس وإشراقها حيث تطلع المصريون لاستقبال الملك عبد العزيز الذي وصف بأنه
"أعظم عربي في الوقت الحاضر" ، وتناولت الصحيفة سيرة العاهل السعودي
الذي يمتاز بالاعتدال والعطف على القضية العربية، الذي ستكون ملحوظاته موضع اهتمام
ملك مصر آنذاك. وقد نفت الصحيفة بناء على
رأى الدوائر العلمية التي استطلعــــتها أن الملكين سيؤلفان جبهـــة متحدة
تضمهـــما فقـــط ؛ لأن كليهما يؤمن بفكرة تضامن الشعوب العربية جميعًا، والقضاء
على الخلافات العربية حتى لا يفسح المجال أمام أصحـــاب الأغراض والمآرب في خارج
العالم العربي(113) .
كذلك أشارت جريدة "تلغراف
البريطانية Telegraph" في تعليقها على هذه الزيارة التاريخية للملك عبد العزيز
لمصر أنه قد ضاعف من أهميتها تطور الأحداث في فلسطين آنذاك ، وتكوين لجنة التحقيق
الإنجليزية الأمريكية في وقت تأسست فيه جامعة الدول العربية ، ونما فيه الشعور
القومي العربي الجديد. وأكدت الصحيفة أن
على بريطانيا أن تدخل هذه الأمور في حسابها في تنسيق سياستها مع الأحوال السائدة
آنذاك في الشرق الأوسط، إذ استطاعت هذه القوة الجديدة أن تفرض مقاطعة جزئية
للبضائع التي تصنع في فلسطين، وأنه قد يتبع ذلك تدابير أخرى أشد. كما أشارت صحيفة "تلغراف" كذلك إلى
ظهور الشعور القومي العربي في الآونة الأخيرة آنذاك، وحلوله محل الشعور الوطني،
وهو الشعور الذي تدل الدلائل على ارتفاعه.
ولذلك رأت الصحيفة أن زيارة الملك عبد العزيز لمصر آنذاك قد جاءت في وقت
ملائم، حيث يتشدد المصريون في طلب تعديل المعاهدة الإنجليزية المصرية التي عقدت في
عام 1936م ليتم جلاء القوات البريطانية عن مصر، وتوقعت الصحيفة أن هذه الزيارة كان
من شأنها أن تخفف من حدة بعض المصاعب المباشرة التي تواجهها الحكومة المصرية في
ذلك الحين(114) .
أما جريدة "التيمس البريطانية Times"
فقد أوضحت أن المحادثات التي كانت بين الملك عبد العزيز والملك فاروق عندما التقيا
في ينبع في العام السابق للزيارة أدت إلى خروج الجامعة العربية من مرحلة
البروتوكول إلى أن تصبح منظمة سياسية، فضلاً عن نجاحهما في وضع أساس التفاهم بين
المملكة العربية السعودية ومصر، ومن ثم فقد رأت الصحيفة أن اجتماع العاهلين
بالقاهرة أثناء الزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر والمشاورات التي
وقعت بينهما لن تقل في نتائجها وأهميتها عن الاجتماع السابق. كما أشارت الصحيفة إلى تأكيد الملك عبد العزيز
على أهمية وضع سياسة للجامعة العربية على أساس التعاون الجدي مع الدول غير
العربية، لتحقيق السلــم في جميع أنحــاء الشــرق الأوســط، وأنــه كما رأت
الصحيفة " لولا نفوذ الملك عبد العزيز لكان من السهل أن تسود وجهة نظر أقل
حكمة وحنكة سياسية، وذلك تحت ضغط القلق الذي تمر به الآن الحركات القومية في
البلاد العربية، وأن هذه الزيارة ومحادثات الملكين، وهي لم تدون في جدول
اجتماعهما، سوف تؤدي إلى أساس جديد للعلاقات بين السعودية ومصر؛ كما يحتمل أن
تعالج مسألة إيجاد علاقات جديدة بين العرب واليهود في فلسطين " (115) .
كذلك كانت زيارة الملك عبد العزيز
الرسمية التاريخية لمصر موضع اهتمام الصحف
الفرنسية، فقد نشرت صحيفة "فرانس ســـوار France
Soire" مقـــالاً
مسهبًا عن الملك عبد العزيز أوضحت فيه أن زيارته لمصر أحيطت بكل مظاهر الأبهة
والجلال. وتوقعت الصحيفة أن هذه الزيارة
وهي زيارة صداقة ستكون مقدمة لاستئناف تقاليد ما قبل الحرب، فلا يبعد أن يمر أصحاب
التيجان، واحدًا بعد الآخر بوادي النيل(116) .
كما أثنت صحيفة "ليمونـــد Le Monde"
الفرنســــية على سياسة الملك عبد العزيز ونوهت بأهمية العمل الذي يقوم به في
منطـــقة الشرق الأوسط(117) .
على حين أكدت صحيفة "لو مانيتيه L’Humanité" أن لقاء العاهلين العربيين
المشتركين في الجامعة العربية، يرمي إلى تلافي الانقسام. كما أشارت إلى تصريحات عبدالرحمن عزام أمين عام
جامعة الدول العربية التي نفي فيها وجود أي شقاق بين دول العرب، وأن سياسة الجامعة
قائمة على أساس التعاون الصريح المخلص بين الدول العربية(118) .
على حين عدت صحيفة "لابورص"
أن مصر في عيد إذ تستقبل في ديارها ملكاً عربياً يتمتع في الشرق بنفوذ عظيم، وأن
هذه الزيارة مظهرٌ للتضامن السياسي العربي، والقرابة الدينية، وذلك في الوقت الذي
يتقرر فيه مصير العالم الجديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية(119) .
وأيضًا خصصت الصحف اليونانية مساحة
كبيرة في صفحاتها لوصف زيارة الملك عبد العزيز لمصر والمباحثات التي ستجرى بين
العاهلين السعودي والمصري، وقالت "جريدة أكروبوليس" أن المباحثات بين
الجانبين ترمي إلى تحرير البلاد العربية في الشرق الأدنى، والحصول على
استقلالها. كذلك نوهت "صحيفة
النيتريا" بما يربط البلاد العربية من صلات ستزداد توثقًا بهذه الزيارة، كما
أشارت إليه الرواية التي مثلت بقصر عابدين التي تضمنت موضوعًا دارت حوادثه
بفلسطين، وهو ما يفهم منه أن العاهلين سيتناولان في مباحثاتهما المشكلة
الفلسطينية.
على حين أضافت "صحيفة
كاثيريني" بأن المملكة العربية السعودية ومصر تعدان من أقوى البلاد العربية
المشتركة في جامعة الدول العربية، وهو ما يؤدي إلى أهمية اجتماعهما ونتائجه في
منطقة الشرق الأوسط(120) .
وقد اهتمت الصحافة التركية بزيارة
الملك عبد العزيز لمصر ونشرت "صحيفة جمهوريت" التركية فصلاً عن أهمية
هذه الزيارة ، وأن وجود العاهل السعودي في القاهرة، مركز الجامعة العربية، من شأنه
أن يعزز الوحدة العربية ويرفع من شأنها(122) .
كذلك كانت الزيارة الرسمية التاريخية
للملك عبد العزيز لمصر موضع اهتمام الدوائر الدبلوماسية بواشنطن وخاصة فيما يتعلق
ببحوث اللجنة الإنجليزية الأمريكية للتحقيق في مشكلة فلسطين. وتوقع مراسل " وكالة رويتر الأمريكية
" في القدس آنذاك بأن العاهلين السعودي والمصري قد يبحثان في القاهرة مسألة
مقاطعة العرب للبضائع الصهيونية(123) .
وهكذا كان لزيارة الملك عبد العزيز الرسمية التاريخية لمصر في
صفر 1365 هـ / يناير 1946م أصداء بعيدة المدى على المستويات الثنائية والعربية
والدولية تناولتها الصحافة المحلية في المملكة العربية السعودية ومصر وعلى
الساحتين العربية والعالمية على النحو الذي أوضحناه فيما سبق.
أثر زيارة الملك عبد العزيز الرسمية التاريخية لمصر في صفر 1365 هـ /
يناير 1946م في دعم العلاقات السعودية –
المصرية :
إن الحقيقة البارزة التي حققتها هذه
الزيارة الرسمية التاريخية التي قام بها الملك عبدالعزيز لمصر في صفر 1365هـ /
يناير 1946م أنها وثقت العلاقة بين ملكي البلدين العربيين الشقيقين الملك عبد
العزيز والملك فاروق، كما دعمت العلاقة بين الحكومتين السعودية والمصرية، ثم عمقت
الروابط الأبدية بين الشعبين السعودي والمصري وربطتهما برباط متين، ووحدت جهودهما
في سياستهما، ودعمت التعاون بينهما على أثبت الدعائم. وقد عبر الجانبان عن ذلك بكل إخلاص وصدق، إذ
صرح الملك عبدالعزيز أكثر من مرة عن اهتمامه بربط بلاده بمصر برباط متين، كما أكد
الملك فاروق أن تآخيه مع الملك عبدالعزيز " من شأنه أن يوثق عرى التآخي بين
شعبينا، وما شك أحدنا في أن مصلحة البلدين تقضي بوحدة اتجاههما السياسي، ووحدة
السبيل الذي يسلكانه في منهاجهما الدولي(124) ... وأن هذه العلاقات قد وثقها الله وأيدها التعاون
في سبيل تحقيق وحدة العروبة(125) ، فهذه الأخوة
والمحبة والمودة بين البلدين والشعبين، كما قال الملك عبد العزيز، لن تنفصم على مر
الأيام بعون الله "
(126) .
والحقيقة أن المملكة العربية السعودية
ومصر قوتان رئيستان لهما تأثيرهما الواضح في منطقة الشرق الأوسط، لكونهما دولتين
عربيتين إسلاميتين كبيرتين، يتوقف عليهما مستقبل هذه المنطقة الحيوية من العالم،
الذي تدعمه صداقتهما وتعاونهما في مختلف المجالات. وبرز تعاونهما الواضح في
المجالات الثنائية والعربية والدولية من خلال التشاور والتفاهم الذي تمثله تلك
الزيارة التاريخية التي شكلت منعطفاً مهماًّ في علاقاتهما الثنائية لصالح شعبيهما
وأمتهما العربية والإسلامية وفي إسهاماتهما الدولية.
لقد ساعدت زيارة الملك عبد العزيز لمصر
على دعم العلاقات وتوثيقها بين البلدين في مختلف المجالات(127) ، خاصة أنها
قد كانت بعد استقرار العلاقات بين البلدين ، وبعد عقد معاهدة الصداقة بينهما في
عام 1355 هـ / 1936م، وتبادل الزيارات بين العاهلين الملك عبد العزيز والملك فاروق
في المناسبات التي أشرنا إليها قبل الزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز
لمصر في صفر 1365 هـ / يناير 1946م، التي وضعت أساس العلاقات الجديدة كل الجدة
والوطيدة بين المملـــكة العربية السعودية ومصر، بحيث أصبح التعاون بين الدولتين
في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعمرانية والثقافية والتعليميـــة بفضل
هذا التقارب عميقًا ووثيقًا. فبعوث الطلاب تفد من السعودية إلى مصر للتعليم، وبعوث
المدرسين المصريين تفد إلى السعودية لتسهم في النهضة التعليمية(128) .
وبلغت العلاقة بين الملك عبد العزيز
والملك فاروق عقب هذه الزيارة درجة كبيرة من التقدم، فقد أخبر الملك عبد العزيز
الملك فاروق بما دار بينه وبين الملك عبد الله ملك الأردن، لنسيان الماضي وبــداية
صفحـة جديـدة مـن العلاقات، ويتعهد الملك فاروق بعد زيارة ملك الأردن لمصر في
الثاني والعشرين من يونيو 1948م، بإبلاغ الملك عبدالعزيز بما يراه منه في هذا
الشأن، و" لكم أن تثقوا بأنه لن يكون مني، إلا ما يرضيكم ويرضي ما بيننا من
مودة وإخاء "
(129) .
كذلك اهتمت مصر بالمشروعات الإصلاحية
في مختلف المجالات بالمملكة العربية السعودية، ويؤكد ذلك التقرير السري الذي أرسله
وزير مصر المفوض بالمملكة العربية السعودية إلى الحكومة المصرية بشأن إمكان
الإكثار من مصادر المياه بالمملكة – بعد أن قدم وصفًا لأرجائها ومصادرها– وذلك عن طريق استعمال الوسائل التقنية الحديثة
، والاستفادة من ذلك في الزراعة حتى يخف القحط ، وتكثر الغلات، وأن الحكومة
السعودية تحتاج لمن تستعين بهم في مزارع الخرج، وستبين التجارب أن المصريين يمكنهم
تحقيق المطلوب ، وأنهم أجدر بالثقة. وطالب
التقرير بزيادة المهندسين الزراعيين بالمملكة حيث إن عددهم قليل. وقال الوزير المصري المفوض أنه رأى "
بستانيًا مصريًا في الخرج وأنه أنفع من المهندسين الأجانب وأكثر إنتاجًا ". وينتهي التقرير بأن على مصر إمداد السعودية
بالخبراء المصريين كلما احتاجت إليهم ، و" ألا تضيع الفرص بالإجراءات الطويلة
البطيئة، ويجب كذلك ترغيب المصريين في العمل في الجزيرة العربية، بالمرتبات
والمكافآت والمزايا التي تهوِّن عليهم الاغتراب، وتحبب إليهم العمل هناك " (130) .
ومن ناحية أخرى فمن نتائج زيارة الملك
عبد العزيز التاريخية لمصر أن آمال مصر الوطنية أصبحت موضع اهتمام الملك عبد
العزيز بشكل واضح كل الوضوح، وبدت جهوده الشخصية وجهود ولي عهده في هذا السبيل،
ففي الاجتماع الذي عقد في أنشاص يومي 28 و29 مايو 1946م الذي حضره الأمير سعود ولى
العهد، أيد الحاضرون (السعودية ولبنان وسوريا والعراق واليمن وشرق الأردن ومصر)
مطالب مصر القومية إلى جانب القضايا الأخرى(131) ، كذلك أيدت
المملكة العربية السعودية المطالب المصرية في الجلاء في يونيو 1946م في مؤتمر
بلودان في سوريا ، كما أيدت هذه المطالب في اجتماعات الجامعة العربية(132) .
بل إن الملك عبد العزيز طلب من ولي
عهده الأمير سعود أن يتصل في عام 1947م بالخارجية البريطانية لتخفيف حدة التوتر
وإيجاد حل يمكن أن يكون مقبولاً بين مصر وبريطانيا؛ لأن مسألة السودان كانت العقبة
الوحيدة في طريق الاتفاق بين الجانبين(133) .
كما أيد الملك عبد العزيز موقف مصر في
رفضها لمشروع القيادة المشتركة للشرق الأوسط عام 1951م(134) . وفي السنة نفسها أرسل جلالته ولي عهده إلى
لندن، ليحذر وزير الخارجية البريطانية من الأخطار التي ستحيق بالعلاقات مع بريطانيا
كلما تلكأت الحكومة البريطانية في إنهاء معاهدتها مع مصر، وتحقيق جلاء قواتها عن
أراضيها. وأوضح الأمير سعود ولي العهد ما
تبذله السعودية مع مصر في سبيل الوصول إلى اتفاق، مؤكدًا أن تأييد المملكة العربية
السعودية للمطالب المصرية لا يمكن التخلف عنه؛ لأنه يدعم موقف الدول العربية(135) ، وأن "
موقفنا بشأن موضوع الدفاع المشترك، فسبق أن أبلغنا الدول الأربع أن قضية الخلافات
بين مصر وبريطانيا هي العقبة في الموضوع، ونرجو حل هذه القضية، ولا يزال موقفنا
منها كما كان "
(136) .
كذلك أرسل الملك عبد العزيز رسالة إلى
سفيره بلندن حافظ وهبة، ليبلغ وزير الخارجية بأن الأمل كبير عليه، وعلى أصدقائه
الأمريكان، في حل مشكلات الشرق الأوسط(137) ، وبالأخص
مسألة مصر ؛ " لأنه يجب ألا نغالط أنفسنا بأنه مادام هذا الشعب وهذا الاختلاف
في مركز مثل مصر، تعلمون أهميته في الشرق الأوسط، فإن الاستقرار لا يمكن أن يكون،
وأن الشعوب اليوم غيرها بالأمس في كل من البلدين، وأن العدو السوفيتي يغذي شعور
العداء ضد الغربيين، فالحكمة الرشيدة هي ألا يكونوا عونًا للعدو، حتى لا يفلت
الزمام، وتضيع الفرصة، ونحن نعتقد أنه إذا استعملت بريطانيا حكمتها وأناتها المعهودتين
مع مصر، فلن يستعصي الأمر عليها ، وستحمد هي نفسها هذه السياسة الرشيدة " (138) .
بل إن الملك عبد العزيز توسط بين
الحكومتين المصرية والبريطانية في أوائل عام 1951م عندما تأزم الموقف بينهما، وقدم
مقترحات محددة لحل الأزمة حفاظًا على الحقوق المصرية التي تعاطف معها تمثلت في
النقاط الآتية :
أولاً : تعد المعاهدة المعقودة بين مصر وبريطانيا في عام
1936م ملغاة.
ثانيًا : تجلو القوات البريطانية عن مصر إلى أماكن خارج
حددوها في مدة لا تزيد عن سنة.
ثالثًا : يحل الجيش المصري محل القوات البريطانية في منطقة
القناة.
رابعًا : يسلح الجيش المصري بالمعدات الحربية، ويساعد في
التدريب عليها، حتى يصبح قادرًا على الدفاع عن نفسه.
خامسًا : تعقد
معاهدة صداقة جديدة بين مصر وبريطانيا، لتنسيق العلاقات الودية بين الفريقين.
سادسًا :ينظم
أمر الدفاع باتفاق، يبني على التعاون الصادق بين الفريقين، يوضح فيه شكل ذلك
التعاون في حالتي السلم والحرب.
سابعًا : أما السودان فيترك الخيار لأهله، يستفتون فيه
استفتاءً حرًا خالصًا من كل شائبة(139) .
ومن الملحوظ أن مقترحات الوساطة التي
تقدم بها الملك عبد العزيز للتوسط بين الحكومتين المصرية والبريطانية هو اتفاق يقترب
في خطوطه العامة مع الاتفاق المصري البريطاني الذي عقد في أكتوبر 1954م بالنسبة
للقضية المصرية(140) ، وكذلك في الاتفاق الخاص بالسودان
وحق تقرير مصيره(141) ، مما يظهر المقدرة السياسية وبعد
النظر السياسي لدى الملك عبد العزيز، كما يظهر حرصه على تحقيق المصالح المصرية.
وقد زاد توثق العلاقات مع مصر عقب قيام
ثورة 23 يوليو 1952م ، وظل قلب الملك عبد العزيز يكن لمصر كل الخير، حتى إن جلالته
وولي عهده رحبا في مدينة الطائف يوم 25 ذى الحجة 1372 هـ / أغسطس 1953م بالرئيس
محمد نجيب بصفته رئيساً للجمهورية المصرية في موسم الحج(142)
قبيل وفاة العاهل العظيم بأيام قلائل، حيث قال جلالته وهو يعانق نجيب ورفاقه :
" إنني سعيد بهذه الزيارة، وإنني على أتم استعداد لتأييد مصر في كفاحها بكل
ما أملك ، وإننا نرجو للعروبة على يديك خيرًا كثيرًا " (143) . وقال الرئيس محمد نجيب ردًا على الحفاوة التي
قوبل بها قبيل مغادرته للمملكة العربية السعودية : " إنني أشعر بالفخر يغزو
نفسي ورفاقي على الحفاوة التي قوبلنا بها بوطننا الثاني السعودية ملكًا وحكومة
وشعبًا. وسيبقى أثر هذه الزيارة في نفوسنا
". وقد دعا الرئيس محمد نجيب الأمير
سعود لزيارة مصر تأكيدًا للروابط الحميمة بين البلدين الشقيقين.
وقد انتقل الملك عبد العزيز إلى جوار
ربه في الثاني من شهر ربيع الأول 1373هـ / نوفمبر 1953م، وكانت وصية هذا الرجل
العظيم قبل وفاته "المحافظة على الصداقة مع مصر"(144)،
وقد حافظ أبناء الملك عبد العزيز الأبرار على وصيته الكريمة. ويحضرني في ختام هذا
البحث مقولة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز الذي تكن له قلوب
المصريين –رئيسًا
وحكومة وشعبًا– أعمق الحب والتقدير بأن
مصر "ملء القلب والعين"، وكنت أنا شخصيًا واحدًا من الحشود الغفيرة التي
كانت ترحب بجلالته وبرفقته الرئيس محمد حسني مبارك أثناء زيارته الكريمة لمصر
ولمدينة الإسكندرية، في يومي 25، 26 رجب 1415هـ/ 28، 29 ديسمبر 1994م(145)،
التي احتشد سكانها على بكرة أبيهم على جانبي الطريق الذي عبره موكبه الكريم، كما
اكتظت بهم شرفات المنازل، يحيونه بقلوبهم ويهتفون باسمه معبرين عما تكنه صدورهم
لجلالته ولبلده العظيم من حــب صادق وتقدير مخلص، مما أعاد إلى ذاكرتي الحفاوة
نفسها التي قوبل بها الملك عبد العزيز – يرحمه الله – أثناء زيارته التاريخية لمصر
التي تناولتها بالدراسة في بحثي هـــذا .
(1)
(2) أمين الريحاني : تاريخ نجد الحديث وملحقاتها،
بيروت 1954م، ص238.
(3) خير الدين الزركلي : شبه الجزيرة العربية في عهد الملك
عبد العزيز، دار العلم للملايين، بيروت، ج 1، ص 514 – 515.
(4) جمال الدين الشيال (دكتور) : الحركات الإصلاحية
ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي، معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة 1957م،
ج 1، ص 56.
Sheean, V. : Faisal,
The King and his Kingdom, University Press of
(5) عبد الله العلي الزامل : أصدق البنود في تاريخ
عبد العزيز آل سعود، المؤسسة التجارية للطباعة والنشر، بيروت 1392 هـ / 1972م، ط
1، ص 199 –
203.
(6) حافظ وهبة : خمسون عامًا في جزيرة العرب، مطبعة مصطفي البابي الحلبي وأولاده بمصر
1380 هـ / 1960م، ص 196.
Rihani, A. :
(7) الأطلس التاريخي للدولة السعودية، أصدرته دارة
الملك عبد العزيز بالرياض عام 1392هـ/ 1972م تحت رقم (11)، وضع مادته التاريخية
وخطط رسومه وأشكاله وخرائطه الدكتور إبراهيم جمعة، بتكليف من معالي الشيخ حسن بن
عبد الله آل الشيخ، ص 183.
(8) خالد هميل سعيد قطان : العلاقات بين عبد العزيز
بن سعود والأشراف وضم الحجاز، رسالة ماجستير قدمت لكلية الآداب بجامعة عين شمس عام
1986م ولم تنشر بعد، ص 220.
(9) مديحة أحمد درويش (دكتورة) : تاريخ الدولة
السعودية حتى الربع الأخير من القرن العشرين، جدة 1403 هـ / 1983م، ص 151.
(10) فخر الدين الأحمدي الظواهري (دكتور) : السياسة
والأزهر، من مذكرات شيخ الإسلام الظواهري، ص 243.
(11) مديحة أحمد درويش (دكتورة) : تاريخ الدولة
السعودية حتى الربع الأخير من القرن العشرين، ص 152.
(12) حافظ وهبة : خمسون عامًا في جزيرة العرب، ص 146.
(13) حافظ وهبة : خمسون عامًا في جزيرة العرب، ص
258. وقد أورد نص الرسالة الموجهة إليه من
الملك عبد العزيز بصدد استشفاء سمو الأمير سعود بمصر، المؤرخة في العاشر من صفر
1345 هـ / 1926م.
(14) أنيس صايغ (دكتور) : الفكرة العربية في مصر،
مطبعة هيكل الغريب، بيروت 1959م، ص160.
(15) أحمد طربين (دكتور) : الوحدة العربية بين سنـتي
1916 – 1945م ، معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة 1957م ، ص37.
(16) سيد أحمد محمد يونس (دكتور) : المملكة العربية
السعودية وسياستها الخارجية، 1924 – 1953،
رسالة دكتوراه قدمت لكلية الآداب بجامعة عين شمس عام 1975م ولم تنشر بعد، ص 278.
(17) صحيفة الأهرام القاهرية، العدد 18463، في 8 مايو
1936م .
(18) الوقائع المصرية، العدد 60، الصادر في 11 مايو 1936م ، ص 2 – 3، خير الدين الزركلي: المرجع السابق، ج 2،
ص668– 669.
(19) مضابط مجلس الشيوخ المصري، محضر الجلسة
الافتتاحية للدور الثاني للبرلمان في 21 نوفمبر 1936م .
(20) مديحة أحمد درويش (دكتورة) : العلاقات السعودية
– المصرية 1924 – 1936م رسالة دكتوراه بكلية الآداب – جامعة القاهرة 1978م ، ص 279.
(21) سيد أحمد محمد يونس (دكتور) : المرجع السابق ، ص
280.
(22) وثائق عابدين، وزارة الخارجية، محفظة رقم 122
السعودية، (ملف 1939) تقرير المفوضية المصرية بجدة في 14 أبريل، ص1.
(23) سيد أحمد محمد يونس : المرجع السابق، ص 282، خير
الدين الزركلي : المرجع السابق، 2/ 661.
(24) وثائق عابدين، وزارة الخارجية، محفظة رقم 122
السعودية، (ملف 1939) تقرير المفوضية المصرية بجدة في 14 أبريل 1939م ، ص 1 – 2.
(25) Watt, D.C. : "The Foreign Policy of Ibn Saud 1936 – 1939", Journal of Central Asian
Society, April 1963, p. 153.
(26) خير الدين الزركلي :المرجع السابق، 2/ 798 – 799.
(27) وثائق عابدين، وزارة الخارجية، محفظة رقم 122 ملف
سنة (1941م) مرسوم بإصدار الاتفاق التجارى المؤقت بين المملكة العربية السعودية
وحكومة مصر، الرسائل المتبادلة بين وزير المالية للملكة ووزير الخارجية المصرية
بالنيابة.
(28) وثائق عابدين، وزارة الخارجية المصرية، محفظة رقم
122 السعودية ملف سنة 1941م، مذكرة بموجز تقرير للمفوضية المصرية في جدة بشأن
الطريق الموصل بين جدة ومكة المكرمة ومشروع المياه والإنارة هناك، بتاريخ 25
فبراير 1941م .
(29) نبيه بيومي عبد الله : تطور فكرة القومية العربية
في مصر، القاهرة 1975م، ص 123.
(30) خير الدين الزركلي : المرجع السابق، 2/ 668
– 669.
(31) مفيد شهاب (دكتور) : المنظمات الدولية، ط 3، القاهرة 1974م ، ص 199
– 200.
(32) محمد حسين هيكل (دكتور) : مذكرات في السياسة
المصرية، ط 1، القاهرة 1977م ، 3/ 25.
(33) مضابط مجلس النواب المصري، ملحق الجلسة الحادية
عشرة في الرابع عشر من يناير 1946م ص 654.
(34) محمد حسين هيكل (دكتور) : مذكرات في السياسة
المصرية، ج 2، ص 271.
(35) Philby, H. St.J.B. : Saudi Arabia, Ernest Benn Ltd
(36) خير الدين الزركلي : المرجع السابق، 2/ 668
– 669.
(37) مجلة المصور القاهرية، العدد 1061، الصادر في
فبراير 1945م ، ص 3.
(38) مجلة المصور القاهرية، العدد 1060 الصادر في
يناير 1945م ، ص 3.
(39) جريدة الأهرام القاهرية في 25 يناير 1945م .
(40) خير الدين الزركلي : المرجع السابق، 3/ 1151
– 1152، جريدة الأهرام القاهرية في 25
يناير 1945م .
(41) إبراهيم المسلم : العلاقات السعودية – المصرية، عراقة الماضي – إشراقة المستقبل، مكتبة مدبولي بالقاهرة، دون
تاريخ، ص27، جريدة الأهرام القاهرية في أول فبراير 1945م .
(42) عصام رفعت : "الملك عبد العزيز آل سعود على
ضفاف النيل، دراسة في العلاقات المصرية –
السعوديــــة في إطار المناخ العربي والدولي"، ندوة العلاقات المصرية
– السعودية في النصـــــف الأول من القرن
العشرين، شعبان 1407 هـ / أبريل 1987م ، المجلد الأول، ص 175.
(43) جريدة الأهرام القاهرية في 31 يناير 1945م .
(44) جريدة الأهرام القاهرية في أول فبراير 1945م .
(45) مضابط مجلس النواب المصري، الجلسة الثالثة 29
– 30 يناير 1945م ، ص 32.
(46) مضابط مجلس النواب المصري، الجلسة الرابعة 5، 6،
7، 12 فبراير، ص 48، ص 108.
(47) عبد الرحمن الرافعي : في أعقاب الثورة المصرية،
3/164.
(48) أحمد عبد الغفور عطار : صقر الجزيرة العربية، ط
3، بيروت 1972م ،3/669، 672.
Watt, D.C.
: Op. Cit, p. 159.
(49) محمد حسنين هيكل : ملفات السويس، الطبعة الأولى
القاهرة 1986م ، ص 470، خير الدين الزركلي : المرجع السابق، 3/ 1182 – 1184.
(50) محمد حسنين هيكل : المرجع السابق، الوثيقة
الملحقة رقم 9، ص 624 – 625.
(51) Philby, J.B., Op. Cit., p. 338.
إبراهيم
المسلم : المرجع السابق، ص 28.
(52) عبد الله حسين : الملك عبد العزيز آل سعود
والمملكة العربية السعودية، القاهرة 1946م ، ص 159.
(53) حافظ وهبــــة : خمسون عامًا في جزيـــــرة
العرب، ط 1، القاهرة 1960م ، ص 160 – 166.
(54) عبد العزيز شرف (دكتور) ومحمد إبراهيم شعبان :
عبد العزيز آل سعود وعبقرية الشخصية الإسلامية، الطبعة الأولى، القاهرة 1983م ، ص
396.
(55) جريدة الأهرام القاهرية في 21 و 24 سبتمبر 1945م
.
(56) جريدة الأهرام القاهرية في 7 أكتوبر، و 6 نوفمبر 1945م .
(57) موضي بنت منصور بن عبد العزيز آل سعود : الملك
عبد العزيز ومؤتمر الكويت (1342 هـ / 1923 –
1924م) مؤسسة تهامة بجدة، 1982م، ص 164.
(58) عبد الله العلي المنصور الزامل : أصدق البنود في
تاريخ عبد العزيز آل سعود، ط 1، المؤسسة التجارية للطباعة والنشر، بيروت 1392 هـ /
1972م، ص 199 –
203.
(59) مجلة المصور القاهرية، العدد 1109، ص 5.
(60) مضابط مجلس النواب المصري، الجلسة السادسة، 17،
18 ديسمبر 1945م ، ص 218.
(61) جريدة الأهرام القاهرية في 3 يناير 1946م .
(62) صحيفة السياسة المصرية في 4 يناير 1946م .
(63) جريدة الأهرام القاهرية في 28 ديسمبر 1945م .
(64) الوقائع المصرية، العدد الثاني، 3 يناير 1946م .
(65) جريدة الأهرام القاهرية، في 7 يناير 1946م .
(66) عاصم محروس عبد المطلب (دكتور) : "زيارة
الملك عبد العزيز بن سعود لمصر في ضوء العلاقات المصرية السعودية"، بحث قدم
لندوة العلاقات المصرية– السعودية في النصف الأول من القرن العشرين، شعبان 1407 هـ
/ أبريل 1987م، المجلد الأول، ص 214.
(67) عصام رفعت : المرجع السابق، ص 179.
(68) عاصم محروس عبد اللطيف (دكتور) : المرجع السابق،
ص 219.
(69) عصام رفعت : المرجع السابق، ص 180.
(70) جريدة الأهرام القاهرية في 13 يناير 1946م . كذلك جريدتي المقطم والسياسة في التاريخ نفسه.
(71) عصام رفعت : المرجع السابق، ص 181.
(72) جريدة الأهرام القاهرية في 14 يناير 1946م .
(73) جريدة المصري القاهرية في 17 يناير 1946م .
(74) جريدة الأهرام القاهرية في 17 يناير 1946م .
(75) جريدة المقطم القاهرية في 15 يناير 1946م .
(76) جريدة الأهرام القاهرية في 16 يناير 1946م .
(77) جريدة المقطم القاهرية في 16 يناير 1946م .
(78) جريدة الأهرام القاهرية في 17 يناير 1946م .
(79) جريدة الأهرام القاهرية، وجريدة المقطم القاهرية
في 17 يناير 1946م .
(80) اشتركت في ذلك الترحيب كل من الأهرام، المصري،
السياسة، الكتلة، الاتحاد، المقطم، السياسة الأسبوعية، المصور، روز اليوسف، 10
يناير – 22 يناير 1946م .
(81) جريدة الأهرام القاهرية في 23 يناير 1946م .
(82) عصام رفعت : المرجع السابق، ص 185.
(83) جريدة الأهرام القاهرية في 22 يناير 1946م .
(84) جريدة المقطم القاهرية في 17 يناير 1946م .
(85) جريدة الأهرام، والمصري، والمقطم، وكذلك مجلة
المصور في المدة من 10 – 22 يناير 1946م.
(86) جريدة الأهرام القاهرية في 10 يناير 1946م.
(87) جريدة الكتلة، لسان حال الكتلة الوفدية، في 10
يناير 1946م.
(88) مجلة روز اليوسف في عددها رقم 918 الصادر في 17 يناير
1946م.
(89) صحيفة السياسة في 10 يناير 1946م.
(90) صحيفة المصري القاهرية في المدة من 8 – 22 يناير 1946م.
(91) جريدة المقطم القاهرية في 10 يناير 1946م.
(92) الوقائع المصرية العدد رقم 9 الصادر في 23 يناير
1946م.
(93) جرائد الأهرام، والمصري، والمقطم، والسياسة
الصادرة في 23 يناير 1946م.
(94) جريدة الأهرام القاهرية في 27 يناير 1946م.
(95)
جريدة البلاغ القاهرية الصادرة في 20 يناير
1946م.
(96)
جريدة المصري القاهرية الصادرة في 19 يناير 1946م.
(97) جريدة المصري
القاهرية الصادرة في 23 يناير 1946م.
(98)
عبد الله حسين: المرجع السابق، ص
185.
(101) جريدة
الأهرام القاهرية في 16 – 18 – 20 يناير 1946م، وجريدة المصري القاهرية في 20
يناير 1946م، ومجلة المصور في 25 يناير 1946م.
(107)
جريدة الكتلة القاهرية
في 12 يناير 1946م، وجريدة المصري القاهرية في 23 يناير 1946م.
(115)
جريدة الأهرام والمصري في 13 يناير
1946م.
(121)
جريدة الأهرام القاهرية في 14 يناير 1946م
.
(126)
جريدة المقطم القاهرية في 23 يناير 1946م.
(129)
وثائق عابدين محفظة 122 تقريـــر عن
السعوديـــة لوزير مصر المفوض في 29 أغسطس 1948م، ص 5.
(136)
سيد أحمد محمد يونس : المرجع السابق، ص 284.
Watt, D.C.
: Op. Cit., p. 160.
أشار
"وات" في مقاله عن "السياسة الخارجية لعبد العزيز آل سعود"
بقوله :" يبدو أنه كان الزعيم المتميز بين الزعماء السياسيين العرب في عصره
في تفهمه لتوازن القوى في الشرق الأوسط " .
"He seems to have
been unique among Arab political leaders in his
understanding of the balance of powera in the
(141)
مجلة المصور القاهرية في 28 أغسطس 1953م .