المقدمــــة:

كانت زيارة الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية لمصر في شهر صفر 1365هـ/ يناير 1946م تتويجاً للعلاقات السعودية المصرية التي تربط بين الشعبين العربيين الشقيقين، فضلاً عما تتميز به هذه العلاقات من خصوصية تتفرد بها، وهي ما خص الله به المملكة العربية السعودية بشرف خدمة الحرمين الشريفين وما لهما من مكانة مقدسة في قلوب المصريين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

وتأتي أهمية هذه الزيارة من كونها الزيارة الرسمية الوحيدة التي قام بها الملك عبدالعزيز آل سعود خارج المملكة(1). فعلى الرغم من كثرة رحلاته وأسفاره داخل بلاده الشاسعة التي لا تنتهي طوال العام، إلا أنه لم يخرج من بلاده بعد توليه الحكم فيها إلا أربع مرات، زار خلالها في المرة الأولى البحرين والكويت والبصرة أثناء الحرب العالمية الأولى(2)، وفي المرة الثانية سافر إلى العراق حيث التقى بملكها فيصل في الثالث والعشرين من شهر رمضــان  1348هـ / الثالث والعشرين من شهر مارس 1930م(3)، أما في المرة الثالثة فقد جاء فيها إلى مصر في الثاني من ربيع الأول 1364هـ / الرابع عشر من فبراير 1945م ليقابل الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني، كما التقى الملك فاروق حينذاك، على حين كانت المرة الرابعة والأخيرة هي زيارة جلالته الرسمية لمصر في شهر صفر 1365هـ/ يناير 1946م، وكانت هذه الزيارة التاريخية خير تعبير من قبل هذا القائد العظيم عن تقديره لتراث العلاقات السعودية–  المصرية الزاخر بصور التعاون المخلص والمثمر بين البلدين الشقيقين مما مهد لتحقيق تلك الزيارة، التي كان لها صدى بعيد المدى على المستويات الثنائية والعربية والدولية على السواء، كما كان لها أثرها الكبير في دعم العلاقات السعودية –  المصرية.

وسوف نتناول هذه الزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر من خلال ثلاثة محاور، أولها : أن نستعرض بإيجاز تراث العلاقات السعودية –  المصرية في الحقبة الممتدة بين عامي 1319–  1355هـ/ 1902–  1936م لنتبين صور الاتفاق بين الدولتين والشعبين السعودي والمصري وتعاونهما المخلص والمثمر الذي مهد لتحقيق تلك الزيارة.  على حين سنستعرض في المحور الثاني الأحداث التي سبقت تلك الزيارة بشكل مباشر ، ومهدت لها أيضاً ، وخاصة المعاهدة التي عقدت بين الجانبين السعودي والمصري في عام 1355هـ/ 1936م التي أدت إلى تحسن العلاقات بشكل ملحوظ من جهة أولى، والجهود المشتركة بين الجانبين السعودي والمصري لإنشاء جامعة الدول العربية من جهة ثانية، والاجتماع التاريخي الذي عرف "باجتماع رضوى" بين الملك عبد العزيز والملك فاروق في اليوم العاشر من صفر 1364هـ/ 25 يناير 1945م بصفته نقطة مهمة في مسار العلاقات الودية بين البلدين الشقيقين من جهة ثالثة، ثم الزيارة الخاصة التي قام بها الملك عبد العزيز لمصر في اليوم الثاني من ربيع الأول 1364هـ / الرابع عشر من فبراير 1945م، حيث التقى الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا والملك فاروق من جهة رابعة. 

أما المحور الثالث من هذا البحث فقد خصصناه لدراسة حيثيات الزيارة الرسمية التاريخية التي قام بها الملك عبد العزيز لمصر في شهر صفر 1365هـ / يناير 1946م، والحفاوة البالغة التي قوبل بها الملك عبد العزيز على جميع الأصعدة الرسمية والشعبية المصرية، هذا فضلاً عن صدى هذه الزيارة الرسمية التاريخية على المستويات الثنائية والعربية والدولية وأثرها الكبير في دعم العلاقات السعودية –  المصرية.

ويشرفني أن أتقدم ببحثي هذا في مؤتمر "المملكة العربية السعودية في مائة عام" حيث أستعرض فيه بإيجاز تراث العلاقات السعودية–  المصرية منذ بداية المدة المعنى بها هذا المؤتمر الموقر، متتبعاً جذورها ونموها المطرد بحيث توجت تلك العلاقات بالزيارة الرسمية التاريخية، التي قام بها الملك عبد العزيز لمصر في صفر 1365هـ/ يناير 1946م، التي كان لها أكبر الأثر في دعم تلك العلاقات، التي يزداد توثقها يوماً بعد آخر، في تاريخنا العربي المعاصر.

 

المحور الأول: تراث العلاقات السعودية المصرية الذي مهد للزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر في الحقبة الممتدة بين عامي1319–  1355هـ/ 1902–  1936م :

فيما يتعلق بالمحور الأول الخاص بتراث العلاقات السعودية المصرية فإننا نلحظ أن تلك العلاقــــات قد شكلت أحد أهم التفاعـــلات العربية منـــذ نجاح الملك عبد العزيز آل سعــود في دخول مدينة الرياض، واسترداد ملك أجداده في نجد عام 1319هـ/ 1902م(4) وهي المناسبة التي نحتفل بمرور مائة عام عليها–  وحتى مبايعته "ملكاً على الحجاز وسلطاناً لنجد وتوابعها" في الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة 1344هـ/ العاشر من يناير سنـــة 1926م(5)، ثم عقد المعاهدة السعوديــة المصريـــة في عام 1355هـ / 1936م –  حيث تزامنت حركتــا الانبـعاث في كـل من الجزيرة العربية ومصر . وقد استهدفت الأولى بقيادة عبدالعـزيز آل سعود استعادة سلطة أجداده وأسلافه في نجد، على حين استهدفت الثانية التي قادها الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني تحقيق الاستقلال والحرية . وقد تشابهت الخطوط العامة لكلتا الحركتين السعودية والمصرية في آمالها وطموحاتها مما هيأ قدراً من التقارب والتعاطف المتبادل. 

وقد تمثل ذلك في عدم تأييد الجانب المصري لثورة الشريف حسين وتطلعاته التي عبر عنها بإعلان نفسه ملكاً على العرب في 29 أكتوبر 1916م، بل إن الجانب المصري والرأي العام في مصر آنذاك كان ساخطًا على إعلان الشريف حسين الثورة ضد الدولة العثمانية ؛ لأن المصلحة تقضي بالتضامن الإسلامي لمواجهة الاستعمار الغربي، كما جدت بعض الأحداث التي أدت إلى توتر العلاقات بين مصر والشريف حسين مما أدى إلى التزام الجانب المصري باتخاذ موقف الحياد إزاء العلاقات بين نجد والحجاز آنذاك، وانشغلت مصر بثورتها ضد الاستعمار البريطاني في عام 1919م وما ترتب عليها من أحداث، ولكنها كانت في مقدمة الدول التي احتجت على إعلان الحسين نفسه "خليفة للمسلمين" في 7 مارس سنة 1924م عقب إلغاء الخلافة العثمانية، واتخذت موقفاً متحفظاً إزاء ادعاءات الشريف حسين آنذاك.  هذا في الوقت الذي كان يحرص فيه الملك عبد العزيز على أواصر الإخاء والمودة في علاقاته مع ملك مصر فؤاد الأول مما جعله يرسل برقية من الرياض بطريق البحرين لتهنئة ملك مصر وشعبها بمناسبة افتتاح أول برلمان مصري في سنة 1342هـ/ 1924م. كما أرسل رسولاً خاصًا إلى ملك مصر في أوائل عام 1344هـ/ 1925م هو الدكتور عبد الهادي خليل حمله تحياته(6).

وعلى الرغم من أن العلاقات السعودية –  المصرية قد واجهتها بعض الصعوبات في الحقبة الممتدة بين عامي 1344–  1355هـ/ 1926–  1936م تمثلت على وجه التحديد في تطلع الملك فؤاد ليصبح " خليفة للمسلمين" ، وعقد مؤتمراً بالقاهرة لهذا الغرض في عام 1344هـ/ 1926م، إلا أن عقلاء مصر وزعماء المسلمين في الأقطار الأخرى، لم يكونوا مقتنعين بكفاءة الملك فؤاد وقدرته على تحمل أعباء الخلافة، فمصر كانت لا تزال محتلة بالقوات البريطانية، والملك فؤاد نفسه ارتقى عرشه بمساعدة الإنجليز، ولم يكن من السهل إقناع أعضاء المؤتمر بذلك . على حين كان الملك عبد العزيز أوسع أفقاً وأبعد نظراً حيث رفض أكثر من مرة ما كان يعرضه عليه بعض زعماء المسلمين عقب دخوله إلى الحجاز بتولّي منصب الخلافة ، واكتفي بمبايعته "ملكاً على الحجاز وسلطاناً لنجد وملحقاتها" في الخامس عشر من جمادى الآخرة 1345هـ/ 1926م.  وفي الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة 1351هـ/ 1932م أصدر الملك عبد العزيز آل سعود أمراً بتوحيد المملكة تحت اسم "المملكة العربية السعودية" (7).

وبعد أن انفض المؤتمر الإسلامي للخلافة الذي عقد في مصر في عام 1345هـ/ 1926م بعد أن أجل إلى أجل غير مسمى بعد إخفاقه في الوصول إلى الغاية التي عقد من أجلها.  فقد اتجه الملك عبد العزيز إلى عقد مؤتمر إسلامي في مكة المكرمة في وقت الحج من السنة نفسها ، وهو أفضل مناسبة لاجتماع المسلمين. 

وعلى الرغم من أن الملك فؤاد لم يكن يرغب في مشاركة مصر في هذا المؤتمر ظناَّ منه أنه كان سيعالج ما أخفق فيه مؤتمر القاهرة، مع أن الدعوة إليه كانت صريحة في هدفها، إلا أن مصر عدلت عن ذلك بعد سقوط وزارة أحمد زيور ، وقيام الحكومة الائتلافية برئاسة عدلي يكن، فأرسلت وفداً مصريًّا إلى المؤتمر في مكة المكرمة في شهر يونيو 1926م برئاسة الشيخ الأحمدي الظواهري. 

وقد افتتح المؤتمر في مكة المكرمة عقب مضي أسبوع عن الموعد السابق تحديده في 20 ذي القعدة عام 1344هـ/ أول يونيو 1926م ، وترأس الملك عبد العزيز جلسة الافتتاح.  وبلغت جلسات المؤتمر ثماني عشرة جلسة امتدت خلال ثلاثين يومـــاً ، وانتهت بإصدار قراراتها في 26 ذي الحجة عام 1344هـ/ 7 يوليو 1926م(8) التي لم ينفذ منها سوى ما أوكلت مهام تنفيذه إلى الحكومة السعودية من أجل الحفاظ على أمنها واستقرارها وسمعتها الطيبة في العالم الإسلامي(9).

وقد قدم الشيخ الأحمدي الظواهري عقب عودته من مكة المكرمة إلى مصر تقريرًا مطولاً إلى وزارة الخارجية المصرية جاء فيه : " نشكر جلالة ابن سعود على الدعوة لهذا الاجتماع والأخذ بالشورى التي هي أساس من أسس الإسلام ... وإننا نرحب بالاشتراك في تقرير ما يعود على الحجاز بالخير سواء عن طريق تحسين المواصلات أو الصحة أو نشر العلوم الدينية، وإذا قلت : العلوم الدينية فلا أعني مجرد الفقه والحديث، بل أشمل نحو الحساب والهندسة والجغرافيا وغيرها فإن تعلمها من فروض الكفايات " (10) .

وعلى أي حال فقد انتهي مؤتمر مكة إلى ما انتهي إليه مؤتمر القاهرة بشأن الخلافة ، وإن كانت قــد ظــهرت لمـــؤتمر مــــكة نتائج إيجابية تمثلت في اعتراف العالم الإسلامي بعبد العزيز آل سعود ملكاً على الحجاز، كما بدا في الخطب التي ألقاها رؤساء الوفود.  كما صحح المؤتمر صورة الدعوة السلفية في أذهان المسلمين، ولفت انتباههم إلى واجبهم إزاء تعمير الحجاز ، والعمل على النهوض بشعبه(11) .

وثمة صعوبة أخرى واجهت العلاقات السعودية–  المصرية إلى جانب الصعوبة الخاصة بتطلع الملك فؤاد لمنصب الخلافة دون جدوى، وتمثلت تلك الصعوبة في وقوع ما عرف بحادث المحمل في عام 1344هـ/ 1926م الذي اتخذه الملك فؤاد ذريعة تعوق مسار العلاقات.  غير أن المساعي الكثيرة التي بذلتها الوزارات المصرية المتعاقبة في عهد سعد باشا وثروت باشا والنحاس باشا وغيرهم لحسم هذا الخلاف من جهة، وحرص الملك عبد العزيز على استمرار العلاقات الودية بين البلدين حتى إنه كتب مرات عدة إلى الملك فؤاد بذلك في ظروف مختلفة من جهة أخرى، فقد شكل ذلك عاملاً فعالاً في عدم التأثير السلبي على مسار العلاقات(12).

وحدث أن تعرض الأمير سعود للإصابة برمد في عينيه، فأراد الملك عبد العزيز أن يدعو الدكتور سالم هنداوي من مصر لمعالجته.  ولما تعذر على الدكتور سالم هنداوي الحضور، وعلم بذلك الشيخ الظواهري شيخ الأزهر والمسيري بك مدير إدارة الحج بوزارة الداخلية المصرية وقنصل مصر في جدة، وردت دعوة من قبل الحكومة المصرية تتضمن دعوة الأمير سعود لزيارة مصـــر، ومباشرة علاجه فيها في سنة 1346هـ/ 1926م.  وتقبل الملك عبد العزيز الدعوة شاكراً، وسافر الأمير سعود إلى مصر وبرفقته حافظ وهبة وبعض الشخصيات، وقوبلوا بحفاوة بالغة من قبل الحكومة المصرية والشعب المصري، وكان في استقبال الأمير سعود ثروت باشا بصفته وزيراً للخارجية، والشيخ المراغي، وجمع غفير من أعيان البلاد.  وقد أوضح حافظ وهبة أنه نزل برفقة الأمير سعود في ضيافة الحكومة المصرية في منزل في حي المنيرة كان يسكنه القاضي يحيى التركي المعروف، وقد لقيا أثناء أقامتهما كل حفاوة وتكريم من رجال الحكومة الائتلافية القائمة في ذلك الوقت.  

وقد أحاطهما سعد زغلول باشا برعايته.  وقد أديا صلاة الجمعة في الأزهر الشريف، وكذلك في مسجدي الحسين والإمام الشافعي، كما زارا المتاحف والمعارض.  وكان لهذه الحفاوة التي قوبل بها الأمير سعود من قبل الحكومة المصرية والشعب المصري أثرها الإيجابي لدى الملك عبد العزيز.  ومما يؤكد ذلك الخطاب الذي أرسله الملك عبدالعزيز إلى حافظ وهبة بالقاهرة في العاشر من صفر 1345هـ/ 1926م وجاء فيه : " سرنا جداً ما لقيه ولدنا سعود من الحفاوة والإكرام من الحكومة المصرية، ومن الشعب المصري الكريم، وقد كان لهذه المظاهر الأبوية أحسن أثر في نفسي، وإني أتمنى كما تعلم أن تكون صلاتنا مع مصر على الدوام على أحسن وأتم ما يكون، وإني أحمد الله على هذه الفرصة التي سنحت لتوطيد الوداد بين البلدين، وأتمنى من الله أن يوفقنا على الدوام لكل ما هو وسيلة لتوطيد روابط الصداقة والولاء بين جميع المسلمين "(13).

وتجدر الإشارة إلى أن الصحافة السعودية والمصرية قد أشادت بالجهود التي بذلها الاقتصادي المصري محمد طلعت حرب باشا والسياسي المصري محمد علي علوبة باشا لدعم التقارب بين البلدين الشقيقين.  وتذكر المملكة العربية السعودية للأخير محاولاته للتوصل للوساطة بين السعودية واليمن قبيل عقد معاهدة الصداقة والإخاء الإسلامي بين الجانبين في عام 1349هـ/ 1934م.  إذ نادى محمد علي علوبة بأن تبدأ مصر بتصفية خلافاتها حتى تعود الأمور إلى مجاريها الطبعية بين البلدين(14).

ودعت صحيفة "أم القرى" التي تمثل التيار الرسمي وصحيفة " صوت الحجاز" التي تمثل التيار الشعبي بالمملكة العربية السعودية إلى أهمية تحسين العلاقات السعودية المصرية التي بدأت تشهد تحسناً ملحوظاً مع عام 1354هـ/ 1935م.  بتولى محمد توفيق نسيم رئاسة الحكومة المصرية، حيث اعترفت حكومة مصر بممثلي المملكة العربية السعودية الدبلوماسيين في القاهرة إذ كان زعماء مصر السياسيين لا يشاطرون الملك فؤاد موقفه إزاء العلاقات السعودية–  المصرية(15) النابع من تطلعاته الشخصية التي لا تلق تأييدًا شعبيًا ؛ نظرًا لأواصر العلاقات الوطيدة بين الشعبين الشقيقين.

وهكذا يتضح لنا من استعراضنا للمحور الأول لهذا البحث الذي تناولنا فيه تراث العلاقات السعودية المصرية في الحقبة الممتدة بين عامي 1319–  1355هـ/ 1902–  1936م صور الاتفاق بين الدولتين والشعبين السعودي والمصري وتعاونهما المخلص والمثمر الذي شكل خلفية ممهدة للزيارة الرسمية التي قام بها الملك عبد العزيز إلى مصر في شهر صفر 1365هـ/ يناير 1946م.  وسوف تدخل العلاقات السعودية–  المصرية في منعطف جديد في الحقبة التالية التي سبقت بشكل مباشر تلك الزيارة ومهدت لها، وهو ما سوف نتناوله في المحور الثـــاني لهذا البحث في الحقبة الممتدة بين عامي 1355– 1365هـ/ 1936–  1946م.

 

 

المحور الثاني: الأحداث التي سبقت الزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر ومهدت بشكل مباشر لها في الحقبة الممتدة بين عامي 1355–  1365هـ 1936–  1946م :

نتناول في هذا المحور المرحلة التالية الممتدة بين عامي 1355–  1365هـ/ 1936–  1946م التي سبقت الزيارة التاريخية للملك عبد العزيز آل سعود لمصر التي تمت في شهر صفر1365هـ/ يناير 1946م ، ومهدت لها بشكل مباشر.  وقد طويت صفحة المرحلة السابقة بعد أسبوع واحد من وفاة الملك فؤاد في الثامن والعشرين من أبريل 1936م/ 1355هـ حيث اتجهت الحكومة المصرية إلى إنهاء تلك المرحلة.

وبدء مرحلة جديدة اتسمت بالعلاقات الودية بعد أن حرصت الحكومات المصرية المتعاقبة على أن تولي أهمية خاصة للعلاقات السعودية–  المصرية على أساس حاجة الحجاج المصريين الدائمة لأداء فريضة الحج في مناخ ودي، كما أن أغلب الخلافات التي كان وراءها الملك فؤاد تدور بشأن مسألة الخلافة الإسلامية التي قد زالت بفعل الزمن، وبفعل استقرار الأوضاع في الحجاز تحت الحكم السعودي.  فقد تمكن علي ماهر باشا  رئيس الحكومة المصرية وفؤاد حمزة لكونه ممثلاً دبلوماسياًّ عن المملكة العربية السعودية بإجراء مفاوضات استغرقت ست جلسات(16) ، أسفرت عن عقد معاهدة ود وصداقة بين البلدين في   7 مايو 1936م(17).  وفي 8 مايو 1936م صُدِّق على المعاهدة من الطرفين ونشرت في البلدين في آن واحد ووقعها علي ماهر باشا رئيس الحكومة المصرية وفؤاد حمزة ممثلاً عن الحكومة السعودية.(18)

وسوف نستعرض فيما يأتي مواد هذه المعاهدة التي تعبر أصدق تعبير عن مدى تحسن العلاقات السعودية –  المصرية آنذاك . إذ نصت المعاهدة في مادتها الأولى على أن تعترف الحكومة المصرية بأن المملكة العربية السعودية دولة حرة ذات سيادة مستقلة استقلالاً تامًّا مطلقاً، كما نصت على أن يكون بين البلدين وبين رعاياهما سلام دائم ، وصداقة خالصة، وأن يحافظ الطرفان على حســن العلاقات بينهمــا، وأن تنشــأ بين الدولتين علاقــات التمثيل السياسي والقنصلي، وتسهيل أداء فريضة الحج ، وإقامة الشعائر الدينية الإسلامية للرعايا المسلمين، وأن يتمتعوا خلال إقامتهم في الحجاز بالأمن على أموالهم وأنفسهم، والتمتع بالمعاملة والحقوق الممنوحة أو المعترف بها لرعايا أوْلى الأمم بالتفضيل.  وفي المادة الخامسة وافق ملك المملكة العربية السعودية على تمكين الحكومة المصرية من التطوع لعمارة الحرمين الشريفين.

كذلك اهتمت المعاهدة بالتصفية الودية لجميع المشكلات بينهما، حيث نصت المادة السادسة على أن يقوما في أقرب فرصة ممكنة بمفاوضات ودية لحل المشكلات المعلقة بينهما، ولعقد اتفاقات جمركية، وبريدية، وملاحية، وغير ذلك من الشؤون التي تهم بلديهما.

وفي خطبة العرش في نوفمبر 1936م عبرت الحكومة المصرية على لسان مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية عن ارتياحها إلى تسوية المسائل المعلقة بين الحكومتين المصرية والسعودية "وسيترتب على هذه التسوية أرسال الكسوة الشريفة، وكذلك إحياء التقاليد التي كانت مرعية من قبل". وكان صدى هذا البيان التصفيق من أعضاء مجلس الشيوخ المصري(19).

وتجدر الإشارة إلى أن الشعبين المصري والسعودي قد استقبلا هذه التسوية بالفرح، وعدوها حلقة جديدة من سلسلة التعاون العربي حتى أن فرح الشعبين المصري والسعودي بعودة العلاقات الرسمية بين البلدين الشقيقين قد بدا واضحاً في مراسلات بعض أفراد الشعب السعودي، وكذلك لدى المصريين المقيمين بالمملكة العربية السعودية آنذاك، فقد توالت برقياتهم من مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض إلى القاهرة، مثل البرقية المشتركة التي أرسلها المصريون المقيمون بالسعودية مع إخوانهم السعوديين إلى مصطفي النحاس باشا رئيس الوزراء المصري بهذه المناسبة التي عبرت عن سرورهم بهذه الصفحة الجديدة من العلاقات، وبشكرهم لجهود الحكومتين المصرية والسعودية، وكذلك في البرقيات التي أرسلها النواب المصريون أمثال عبد الرحمن عزام وحمد الباسل وغيرهم، وكذلك طلعت حرب باشا رجل الأعمال المصري المعروف إلى الملك عبد العزيز(20).

كذلك عبرت صحيفة "أم القرى" عن فرح الشعب السعودي عندما أشارت إلى أنه " لا حاجة لنا إلى القول : إنهم يماثلون إخوانهم المصريين ويقابلونهم الشعور الفياض نفسه، والإحساس النبيل؛ ذلك لأن العلاقات الودية والشخصية بين أبناء الشعبين، وروابط الصداقة والتعامل، لم يتطرق إليها الوهن، في يوم من الأيام، ولم يعتورها ضعف ولا فتور بفضل الصلة الروحية التي تأصلت في نفوس الأمتين منذ القدم ، وجرت في شرايين أعضائها على مر الزمن، وأوضحت السرور لهذه الروابط الجديدة، التي تدعم أواصر الصداقة والإخوة الإسلامية والود والمنافع الاقتصادية والثقافية، وكل ما يتصل بعلاقات حسن الجوار ".(21)

وقد تلى عقد تلك المعاهدة استئناف مصر إرسال الكسوة الخاصة بالكعبة المشرفة وفقا لكتاب رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفي النحاس باشا في 18 نوفمبر 1936م والموجه إلى فؤاد حمزة وكيل الخارجية السعودية آنذاك.  كما وضعت أيضاً في الوقت نفسه القواعد اللازمة لعلاج مشكلات جنسية المصريين الذين كانوا مقيمين بالحجاز، وجنسية السعوديين الذين كانوا مقيمين في مصر.  وقد فتحت قنصلية سعودية في القاهرة وقنصلية مصرية في جدة، واختار الملك عبد العزيز الدكتور عبد الرحمن عزام بصفته أول وزيـــر مفوض للحكومة المصرية في المملكة العربية السعودية عام 1937م ، وكان الملك عبد العزيز يقدر عبد الرحمن عزام الذي كان بموقعه الجديد قريباً من جلالته.  وشهد عام 1939م عقد اتفاقية أخرى بين الحكومة المصرية والحكومة السعودية بشأن المشاريع المعمارية في البلاد المقدسة وبمقتضاها تقوم الحكومة المصرية بمباشرة عقد المقاولات والإشراف على إصلاح طريق جدة وعرفات وبعض الأماكن بطريق مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وكان نتيجة عملية لتحسن العلاقات(22).

وترتب على تحسن العلاقات السعودية–  المصرية آنذاك رفع درجة التمثيل السياسي بين البلدين في عام 1938م إلى درجة وزير مفوض، وأصبحت مصر هي المصدر الأول في تزويد المملكة العربية السعودية بكل الخبرات التي كانت تحتاج إليها لبناء دولتها الفتية، كما نقلت إليها كثيرًا من أنظمة الإدارة المصرية، وقصد السعوديون إلى مصر يوظفون فيها أموالهم، ويرسلون أبناءهم إلى مدارسها وجامعاتها، وازداد توثق العلاقات، وهو ما أكدته جريدة الحجاز السعودية، إذ وصفت مصر بأنها " حبيبة إلى السعوديين بما تقدمه لأبنائها من نتاج جيد ، وفوائد في العلوم والأعمال " أو " مصر العطوف "، كما وصفها آنذاك الأمير فيصل.

وقد قال خير الدين الزركلي: " صرفت ثمانية عشر عامًا منقطعًا لتمثيل الملك عبدالعزيز في مصر من 1353–1371هـ/ 1934–1952م ، وما كتب لي يومًا بشأن مصر ولا سمعته يتحدث في سر أو علن عن مصر إلا بالحرص والحض على حسن العلاقة ، وتوطيد المحبة والصداقة بين عبد العزيز وبين المصريين حكومة وشعبًا" (23).

وتجدر  الإشارة إلى أنه عندما تعرضت العلاقات السعودية –  الإيطالية للفتور، وما ترتب عليها من سفر الطيارين الإيطاليين إلى بلادهم، كانت مصر هي التي أمر الملك عبد العزيز بإيفاد الطيارين السعوديين السبعة إليها، ليلتحقوا بالمدرسة المصرية للطيران الحربي ثم بمطار أبي قير.(24)

ومن مظاهر حسن العلاقات بين المملكة العربية السعودية ومصر آنذاك تعاون الدولتين من أجل القضية الفلسطينية.  ففي سنة 1357هـ/ 1938م اشترك الأمير فيصل ابن عبد العزيز آل سعود في مؤتمر لندن لبحث قضية فلسطين ، وذلك بعد أن حضر إلى القاهرة أولاً واشترك في المؤتمر الذي عقده مندوبو الحكومات العربية هناك. 

وبعد أن ختم المؤتمر أعماله وأصدر قراراته وأبحرت الوفود إلى لندن ومعها بعثة الحكومة السعودية وعلى رأسها فيصل، واجتمع المندوبون العرب بالمندوبين الإنجليز بشأن مائدة مستديرة،(25) ولم تسفر الاجتماعات عن نتائج إيجابية ورجع المندوبون العرب إلى القاهرة، ثم لاحت بوارق أمل استئناف المفاوضات، فأرسل محمد محمود باشا رئيس  وزراء مصر آنذاك إلى الملك عبد العزيز يرجو السماح لنجله الأمير فيصل بأن يطيل أقامته في مصر آنذاك فقد يساعد ذلك على بلوغ الأمل المنشود.  وقد أجاب الملك عبد العزيز بالموافقة وأبرق إلى سفارته في القاهرة في 24 من صفر سنة 1358هـ / 15 من أبريل سنة 1939م "نظراً لما أبداه محمد محمود من الحاجة الماسة لبقائه–  أي الأمير فيصل–  في برقية لمعالجة القضية الفلسطينية ، وقد أجبناه بالموافقة فإننا بلغناه يبقى لتضافر جهود الأمير فيصل مع إخواننا المصريين وفقهم الله جميعا"(26). 

كذلك عُقد اتفــاق تجاري بين المملكة العربية السعودية ومصر في 31 مايو عام 1941م لإنماء العلاقات التجارية بينهما ببذل كل المستطاع من كلا الجانبين، وتضمن الاتفاق تصدير سلع كل طرف إلى الآخر التي بيَّنها الاتفاق.  وفي المكاتبات المتبادلة بين وزارة الخارجية المصرية ووزير المالية السعودي اتفق على أن تعامل كل دولة الطرف الآخر معاملة الدولة الأكثر امتيازاً بالنسبة للحاصلات والمصنوعات المنتجة أصلاً في المملكة العربية السعودية، التي تستورد لمصر لتستهلك فيها أو تصدر منها، أو تعبرها إلى بلاد أخرى، وتكون المعاملة بالمثل.(27)

ويوضح تقرير موجز للمفوضية المصرية بالمملكة العربية السعودية الجهد الذي يبذله وزير مصر المفوض في تقوية الروابط بين البلدين، حيث التقى خلال عام 1941م الملك عبدالعــزيز مرات عــدة ، ولقي منه " ترحيبًا طيبًا وإكرامًا خاصًا لفت أنظار رجال معيته وحكومته ".  وفي الأحاديث التي دارت بينهما بدا ما يكنه الملك عبد العزيز من حب للأمة المصرية، وقد عبر أكثر من مرة عن سروره العظيم لابتعاد شبح الحرب العالمية الثانية عن مصر.  كما توطدت العلاقة بين الوزير المفوض المصري والأمير فيصل الذي أظهر عناية خاصة بأمور مصر. 

وكان لهذه الاتصالات أثرها الكبير في تقوية علاقة الوزير المفوض المصري برجال الحكومة السعودية ، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية الذي يتمتع بثقة الملك عبد العزيز، ويحتفظ لمصر بصداقة طيبة ، وييسر أعمال المصريين.  ولم تقتصر هذه الصلات على الأوساط الرسمية بل امتدت إلى أعيان مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة وغيرها من المدن السعودية.  كما نُفذ بعض المشروعات التي قامت بها الحكومة المصرية كرصف الطريق الموصل بين جدة ومكة المكرمة فضلاً عن مشروع المياه والإنارة في المدينة المقدسة.(28)

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات السعودية–  المصرية قد دعمها تقارب وجهات النظر بين الدولتين إزاء بعض المشروعات السياسية العربية التي طرحت في سنة 1362هـ/ 1943م حيث طرح أمير شرق الأردن مشروع " سوريا الكبرى " ، وطرح ملك العراق من جهة أخرى مشروع " الهلال الخصيب " فيما عرف بالمشروعات الوحدوية الهاشمية. وقد تطابق الموقف السعودي والموقف المصري تجاه هذين المشروعين ، وأثر هذا الموقف تأثيراً مهماً في تعميق العلاقات بين البلدين وتنميتها إزاء اتخاذ مواقف مشابهة من القضايا العربية ، وخاصة فيما يتعلق بمشروع إنشاء جامعة الدول العربية.(29)

وتجدر الإشارة إلى أن توثق العلاقات بين المملكة العربية السعودية ومصر قد زاد في بداية عهد الملك فاروق على النحو الذي أوضحناه، وإن طاف بذهنه حلم الخلافة من جديد مدة قصيرة من الزمن.  وكان في صدر عهده يحاول أن يدعم شعبيته بصفته ملكاً مسلماً متديناً ، ولا سيما حينما كشر الإنجليز عن أنيابهم في وجهه، وأطلق لحيته آنذاك، ثم عاد عن ذلك الحلم سريعاً.  وعلى أي حال فإن الملك فاروق ومستشاريه سرعان ما غلب عليهم التفكير الواقعي وزال ذلك الحلم تماماً عن الأذهان، على نحو ما سيبدو من تصرفات الملك فاروق فيما بعد لدعم علاقاته مع الملك عبد العزيز(30).

بل إن الملك عبد العزيز قد أبدى اهتمامًا خاصًا بما يعرف بالمسألة المصرية، بحيث سعى جاهدًا لمساعدة مصر لحل مشكلاتها مع بريطانيا التي كانت تعده الصديق الوفي الذي بقي على صداقته.  وقد أبدى الملك عبد العزيز استياءه من حادث هجوم السفير البريطاني على قصر عابدين فيما عرف بحادث "4 فبراير 1942م" ، وعد هذا العمل حماقة كبرى من قبل بريطانيا ، فهو إهانة لمصر في شخص مليكها، وكان من مساعيه غير الظاهرة أن نقل السفير البريطاني من مصر عقب ذلك الحادث. 

كما أيد الملك عبد العزيز آمال مصر الوطنية بقوة عندما أوفد ولي عهده إلى بريطانيا ليحذر وزير خارجيتها من الأخطار التي ستحيق بالعلاقات العربية –  البريطانية كلما تلكأت الحكومة البريطانية في إنهاء معاهدتها مع مصر، ولم تستجب لطلبها العادل بإجلاء القوات العسكرية عن أراضيها.  كما أيد آمال مصر الوطنية في سلسلة من الاتصالات قام بها مع الحكومة الأمريكية لتبذل مساعيها لدى الحكومة البريطانية في سبيل الاستجابة للآمال الوطنية المصرية.

وعندما أوشكت الحرب العالمية الثانية على الانتهاء ، ودخل المجتمع الدولي في مرحلة تنفيذ تصريحاته العديدة التي أصدرها خلال زمن الحرب من ضرورة وضع نظام للأمن الدائم يقوم على تحريم استعمال القوة ونزع السلاح، وتأليف أسرة عالمية للشعوب الديمقراطية، والقضاء على السيطرة والاستعباد، بداية من تصريح الأطلنطي في 14 أغسطس 1941م، وتصريح واشنطن في عام 1942م، وموسكو في 30 أكتوبر 1943م، وتصريح طهران في أول ديسمبر 1943، حتى قرر مؤتمر يالتا في 11 فبراير 1945م اتخاذ الخطوات التنفيذية لاستخراج مشروع إنشاء منظمة عالمية جديدة(31) ، وذلك عن طريق دعوة "جمعية تأسيسية" للأمم المتحدة، من خلال مؤتمر دولي يعقد بالولايات المتحدة في 25 أبريل 1945م، تحضره الدول الموقعة على "تصريح الأمم المتحدة" في أول يناير 1942م، وتلك التي أعلنت الحرب على دول المحور قبل أول مارس 1945م، وتوجهت أنظار العرب إلى هذا المؤتمر، فقد اشتركت فيه كل من المملكة العربية السعودية ومصر آنذاك ، وكان ذلك تعبيرًا عن توحد موقفهما إزاء إنشاء المنظمة الدولية(32).

كذلك تطابق موقف المملكة العربية السعودية مع موقف مصر إزاء مشروع إنشاء جامعة الدول العربية بعد التشاور الذي تم بينهما بحضور يوسف ياسين سكرتير الملك عبد العزيز إلى مصر ومباحثاته مع رئيس الوزراء المصري مصطفي النحاس باشا في العاشر من أكتوبر 1943م حيث وضع الوفد السعودي مبادئ عدة في سبيل العمل العربي المشترك، ومن أولى هذه المبادئ توثيق الصلة بين المملكة العربية السعودية ومصر بصفة خاصة ، واتخاذ ذلك أساسًا للبحث في كل ما من شأنه أن يؤدي إلى خير الأمة العربية. 

ولهذا كان الاتجاه السعودي المصري يؤكد على إقامة تعاون وتضامن بين الدول العربية يقوم على مبدأ المساواة من أجل الصالح العام.  وفي أعقاب قيام الجامعة العربية فقد اتخذ مجلسها قرارات عدة في الثاني من ديسمبر 1945م لمساندة القضية الفلسطينية عن طريق العمل على منع المنتجات والمصنوعات اليهودية من الدخول في بلاد الجامعة حتى لا تكون الأسواق العربية مجالاً لتحقيق الأغراض الصهيونية السياسية، وقد تطابق الموقف المصري مع الموقف السعودي إزاء تلك القضية(33).

ومن خلال تطابق المواقف بين المملكة العربية السعودية ومصر على النحو الذي أشرنا إليه، فضلاً عن رغبة الملك فاروق بعد إقالة حكومة الوفد في اليوم الثامن من أكتوبر 1944م في أن يعزز من سلطاته عن طريق الاتجاه العربي الذي يلقى تأييد الشعب(34)، وأن يدعم العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية عن طريق قيامه بزيارة الملك عبد العزيز، وتوجيه الدعوة لجلالته لزيارة مصر عندما تسنح الظروف، وذلك أثناء زيارته للسعودية فيما عرف "بلقاء رضوى"(35) في اليوم العاشر من صفر 1364 هـ / 25 يناير 1945م.  حيث استقبله الملك عبد العزيز في مدينة كاملة من الخيام أقيمت في سهل منبسط بين شرم ينبع وجبل رضوى.  وكان من بين صحبه في الزيارة عبد الرحمن عزام ، واستغرقت الزيارة أكثر من أسبوع.  كما زار الملك عبد العزيز مصر زيارة خاطفة عند اجتماعه بالرئيس الأمريكي روزفلت ثم رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل سنة 1364هـ/ 1945م، وأعقب ذلك بزيارته الرسمية لمصر في صفر 1365هـ/ يناير 1946م التي استغرقت اثني عشر يومًا التي تتركز بشأنها هذه الدراسة(36).

وتعد زيارة الملك فاروق للمملكة العربية السعودية ولقاؤه مع الملك عبد العزيز فيما عرف "بلقاء رضوى" في اليوم العاشر من صفر 1364 هـ / 25 يناير 1945م من أهم العوامل الممهدة لزيارة الملك عبد العزيز لمصر في الزيارة الخاصة الأولى في عام 1364هـ/ 1945م، وفي الزيارة الرسمية التالية في صفر 1365هـ/ يناير 1946م.  وكانت زيارة الملك فاروق معبرة عن اتساع دائرة العلاقات بين البلدين، وانتقلت من مجرد دائرة العلاقات الثنائية وتنقية الأجواء بينهما، إلى مزيد من التحسن دخلت معها إلى دائرة أخرى أكثر شمولاً ، وهي الدائرة العربية.  ومن هنا كان تطور العلاقات بين البلدين يصب في الاتجاه الثنائي والعربي في آن واحد.  وعلى هذا الطريق كانت العلامة التالية البارزة التي مهدت بشكل كبير ومباشر للزيارة التاريخية للعاهل السعودي الكبير لمصر.

لقد استغرقت رحلة الملك فاروق إلى المملكة العربية السعودية نحو عشرة أيام، وأتت أهميتها في أنها تمت عقب تأييد الملك عبد العزيز لمؤتمر الوحدة العربية الذي دعت إليه مصر عقب البيان الذي ألقاه رئيس حكومتها أمام مجلس الشيوخ المصري في 31 مارس سنة 1943م حيث كانت حكومة الملك عبد العزيز في مقدمة الملبين لطلب الحكومة المصرية من الحكومات العربية إرسال ممثلين عنها لاستطلاع رأيهم بخصوص الوحدة العربية.  وقد حدثت هذه الزيارة في جو مفعم بالآمال وبالأماني الإسلامية الكبار بمناسبة احتمال انتهاء الحرب العالمية الثانية ، واقتراب موعد الصلح.

وقد عقبت مجلة "المصور" القاهرية على هذه الزيارة بأنها تعد أحد الأحداث المهمة للتفاهم العربي المأمول ، وأنه " إذا كانت الوحدة العربية قد تعرضت قبل الآن لكثير من الصعاب فإن هذا الاجتماع هو بشير خير باجتماع كلمة العرب " (37)، كما أشار فكري أباظة الكاتب والصحفي المصري في المجلة نفسها إلى أن هذه الزيارة وهذا الاجتماع التاريخي يعد "مفاجأة بارعة" ، وأنه " لا شك أن مفاجأة الملك فاروق بهذه الزيارة ستعتبر في عالم الدبلوماسية حدثًا سياسيًا تاريخيًا خطيرًا " (38)، بل إن طاهر الطناحي قد أشار في مقالة في الصفحة نفسها من مجلة المصور عن "العروبة والروابط بين البلدين" موجهًا حديثه إلى الملك فاروق بأنه كان على اتصال  مع الملك عبد العزيز من أجل توقيع بروتوكول الجامعة العربية حيث بعث إليه بخطاب بذلك، وأن الملك فاروق أراد أن يزيد في توثيق هذه الروابط متانة وقوة ، فرحل للأماكن المقدسة في الحجاز لمقابلة الملك عبد العزيز.

وقد رافق الملك فاروق في هذه الزيارة بعض المسئولين بالديوان الملكي ، وهم مراد محسن باشا ناظر الخاصة الملكية، والفريق محمد حيدر باشا ياور جلالة الملك، ومحمد عبد العزيز بدر بك الأمين الثاني لجلالة الملك، وأحمد علي يوسف مدير الإدارة العربية بالنيابة، وأمير البحر محمد سالم البدر باشا ياور الملك وقائد بحريته، والقائم مقام محمد محمد حلمي بك، وكريم ثابت . وكان الوحيد الذي يحمل الصفة الوزارية هو عبدالرحمن عزام الوزير المفوض بوزارة الخارجية المصرية(39).

وقد بدأت هذه الزيارة عندما تحرك اليخت الملكي "  فخر البحار " من ميناء السويس متجهاً صوب ميناء ينبع السعودي في تمام الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين الثامن من صفر 1364هـ / الثاني والعشــرين مـن يناير 1945م ، وكما ذكر بلاغ ديوان كبير الأمناء : " باسم الله مجراه ومرساه في جو صحو وشمس مشرقة مقلا حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق  فوصل في سلامة الله وجميل رعايته ميناء خليج ينبع في منتصف الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأربعاء ، وقد كان الاستقبال وديا منقطع النظير، وتعانق الملكان عناقاً أخوياً، في حين أن فخر البحار أطلق واحداً وعشرين طلقة كتحية أجيب عليها بمائة طلقة من الميناء السعودي " (40) .

وكان الاجتماع بين الملكين عبد العزيز وفاروق قد تم في ضاحية ينبع، إلا أن الملك فاروق قد أعرب في أن يسمى هذا الاجتماع التاريخي " اجتماع رضوى " بدلاً من "اجتماع شرق ينبع "، ورحب الملك عبد العزيز بذلك لما لجبال رضوى المشرفة على خليج ينبع من مقام عظيم في تاريخ البلاد.  وفي صبيحة يوم الأحد 14 صفر تلاقى العاهلان بسرادق إقامة الملك فاروق ، وكان يومًا تاريخيًا مشهوداً إذ خرج الناس والجنود إلى الميدان العام يتطلعون لمشاهدة العاهلين اللذين تبادلا الهدايا تخليدًا لذكرى هذا الاجتماع الفريد الذي قدم صفحة جديدة في تاريخ العلاقات السعودية –  المصرية.  إذ أهدى الملك عبد العزيز سيفاً عربياً وخنجراً مرصعاً بالجواهر والأحجار الكريمة لضيفه الملك فاروق، في حين أن الملك فاروق قدم إلى أخيه الملك عبدالعزيز أعلى قلادة مصرية.  وقد تباحث الملكان فيما يهم البلدين من شؤون، وما يهم الشعوب العربية فيما يتعلق بمشروع الجامعة العربية ، وانضمام الملك عبد العزيز إلى البروتوكول.(41)

وفي ختام الزيارة أصدر الديوان الملكي السعودي من المخيم الملكي في ضاحية ينبع بلاغين رسميين فيما يلي نصهما : " التاريخ سجل حدثاً من أروع أحداثه، وذكرى من أجمل ذكرياته، يوم الأربعاء المبارك العاشر من صفر 1364هـ، إذ تلاقى في الساعة الخامسة العربية صباحاً، الملكان الأخوان، جلالة الملك فاروق وجلالة الملك عبد العزيز على صعيد الأرض المقدسة ، وعلى مرأى من جبل رضوى الشامخ في ساحة ينبع...  وأنه ليحق للمسلمين جميعاً أن يغتبطوا بلقاء ملكين عظيمين من ملوكهم في الأرض المقدسة، كما أن العرب في المشرق والمغرب سيستقبلون بذلك عهداً من التعاون والاتحاد والعزة ".

أما بالنسبة للبلاغ الثاني الذي أصدره الديوان الملكي السعودي فقد جاء فيه ما يلي:

" تجلت الأخوة الإسلامية والرابطة العربية بأجلى مظاهرهما في الاجتماعات المتبادلة والأحاديث الودية المتعددة بين حضرة صاحبي الجلالة الملكين العظيمين: جلالة الملك عبد العزيز وجلالة الملك فاروق في المخيم الملكي، في سفوح رضوى، كما توثقت رابطة الأخوة بينهما مما سيكون لـــه أثره الطيـــب في تمتين عرى المحبة بين الشعبين الشقيقين"(42).

ولدى مغادرة الملك فاروق أراضي المملكة العربية السعودية وجه برقية إلى الملك عبد العزيز جاء فيها : " وإني لأرجو أن تكون هذه الزيارة فاتحة عهد جديد للأمم العربية، وعهد إخاء واستقلال وعز، وباكورة زيارات تتجدد وتتكرر على مرور الأيام يزداد بها الود، ويدعم بها التعاون المستمر لخير البلاد العربية المستقلة والبلاد المجاهدة لاستقلالها ".

وقد كان لهذه الزيارة أصداء عربية ودولية عدة فعلى الصعيد العربي أبرق شكري القوتلي للملكين بمناسبة اجتماعهما في رضوى بأن ذلك " حدث عظيم في تاريخ العلائق العربية الحديثة، وفي تعزيز روابط الإخاء والتعاون بين الأقطار العربية.. "، وقد عد هذا الاجتماع بداية عمل عربي لإنشاء الجامعة العربية(43).

كما أرسل رئيس بلدية غزة برقية إلى الملكين في مكة المكرمة قال فيها : إن " أنظار العرب متجهة إليكما، وفلسطين العربية تعلق كل آمالها على العاهلين العظيمين ". كما أبدت الدوائر اللبنانية اهتمامًا كبيرًا بزيارة الملك فاروق ، وما تجلى خلال اجتماعه بالملك عبد العزيز من روح الأخوة العربية ، وخاصة أن هذه أول مرة يزور فيها ملك مصر الأراضي المقدسة.  كذلك كتبت " جريــدة فلسطين " في القــدس فصلاً افتتاحيًا علقت فيه على اجتمـاع الملكين بقولها : " تمتاز هذه الزيارة الملكية بأن غايتها خير العرب أجمعين، وهي أسمى من كل غاية سياسية بين دولتين، تقتصر على مصالح دولية بعيدة عن وحدة الشعور " ، وعلقت الجريدة أهمية كبرى على هذه الزيارة لقرب نهاية الحرب، ونشاط الدعايات في الخارج ضد مصلحة العرب، وبنشاط اليهود في أمريكا لتحقيق أطماعهم في فلسطين، وغير ذلك من الأسباب التي تدعو إلى تآلف العرب واتحادهم في كتلة واحدة قوية، لمواجهة جميع التطورات الدولية المقبلة آنذاك.

أما على الصعيد الدولي فقد تركزت التعليقات على زيارة الملك فاروق للملك عبد العزيز لدى الدوائر البريطانية في لندن التي أبرزت اهتمامها الشديد واعتقادها أنها ستؤدي إلى نتائج بعيدة المدى، خاصة وأن الملك عبد العزيز لم يلتق بملك آخر من ملوك البلاد التي يتكلم أهلها اللغة العربية سوى الملك فيصل ملك العراق، وكان ذلك في الخليج في سنة 1930م.كما ركزت صحيفة " الأوبزرفر " البريطانية على أن هذا الاجتماع هو لبحث مسألة الوحدة العربية.  على أن أبرز النتائج التي ترتبت على اجتماع رضوى بين العاهلين السعودي والمصري هي الزيارة الرسمية التي قام بها الملك عبد العزيز آل سعود لمصر تلبية لدعوة الملك فاروق(44) التي يركز عليها بحثنا هذا.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس النواب المصري قد أبدى تقديره لزيارة الملك فاروق للملك عبد العزيز بناء على اقتراح أحد الأعضاء، وتوجهت هيئة مكتب المجلس لسراي عابدين لتقديم خالص الشكر والولاء للملك الذي يهيب بهم مضاعفة جهودهم والتعاون مع الحكومة ، نظرًا للظروف التي كانت تمر بها مصر آنذاك ، " وربما انتهت الحرب قريبًا فتتضاعف أهمية هذه الظروف وتصبح هذه الدورة من أهم الدورات النيابية " (45). كذلك أشاد العضو علي منصور في مناقشته لخطبة العرش بجهود الحكومة المصرية في انضمام الحكومة السعودية لبروتوكول الإسكندرية الخاص بإنشاء جامعة الدول العربية، كما أشاد باجتماع رضوى التاريخي ، وأثنى على الملك فاروق بإقدامه على زيارة الملك عبد العزيز. بل إن المجلس وجه شكره للملك عبد العزيز الذي هيأ الفرصة لهذا الاجتماع التاريخي عن طريق وزارة الخارجية، وكان الرد السعودي مشيدًا بفاروق لهذه الزيارة " التي كانت من أروع الأمور، وأسرها لجلالة الملك، ولعائلة آل سعود، وسائر شعب المملكة العربية السعودية، بل كانت من أجمل ما قوبل به بالسرور والارتياح في سائر بلاد العالم الإسلامي والعربي " (46).

زيارة الملك عبد العزيز لمصر في الثاني من ربيع الأول 1364هـ الموافق لمنتصف فبراير 1945م:

قام الملك عبد العزيز بزيارة مصر زيارة خاصة غير رسمية في اليوم الثاني من ربيع الأول 1364هـ الموافق لمنتصف فبراير 1945م أي قبل زيارته الرسمية بنحو عام ليلتقي الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضًا التقى ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، كما التقى الملك عبد العزيز الملك فاروق والرئيس شكري القوتلي يوم 16 فبراير 1945م . ويرجع ذلك إلى القرار الذي اتخذ في مؤتمر يالتا بعقد جمعية تأسيسية للأمم المتحدة في 25 أبريل 1945م تحضره الدول الموقعة على " تصريح الأمم المتحدة " في أول أبريل 1942م وتلك الدول التي أعلنت الحرب على دول المحور قبل أول يناير 1945م . 

وكان أنتوني إيدن وزير الخارجية البريطانية قد أكد لأحمد ماهر باشا رئيس الوزراء المصري في 18 فبراير من السنة نفسها هذه الأساسيات.  ولما كانت مصر راغبة في الاشتراك في المؤتمر تمهيدًا للانضمام للأمم المتحدة، فقد اتخذت حكومة أحمد ماهر الخطوات نحو استيفاء شرط الانضمام للهيئة الدولية، وهو إعلان الحرب على المحور، ومن ثم أعلن مجلس الوزراء الحرب، وهو إجراء شكلي محض إذ بدت علامات انتصار الحلفاء ، وخرجت إيطاليا من الحرب.

وقد رأى قادة الحلفاء الرئيس روزفلت وتشرشل ضرورة الالتقاء بالملك فاروق وبالملك عبد العزيز آل سعود وبالأمبراطور هيلاسلاسي وبشكري القوتلي ، وكانت هذه المقابلات تمهيدًا لتقريب هذه الدول من الحلفاء(47). وقد أرسل الرئيس روزفلت مدمرة أمريكية لنقل الملك عبد العزيز لمقابلته بالبحيرات المرة بمصر، حيث المدمرة كونيري، وتباحثا في شؤون دولية وعربية، كما أهداه روزفلت طائرة أمريكية.(48) وبعد أن التقى روزفلت الملك فاروق ورئيس الديوان الملكي فقد تمت مقابلته للملك عبدالعزيز في 2 ربيع الأول 1364هـ / 14 فبراير 1945م ، وقد كتب الكولونيل وليام أيدي الوزير الأمريكي المفوض بجدة آنذاك الذي قام بمهمة المترجم في هذا الاجتماع ثلاثة تقارير.  تناول في تقريره الأول الموضوعات التي بحثها الرئيس روزفلت مع الملك عبد العزيز بعيدًا عن دائرة العلاقات الثنائية أو قضايا فلسطين وسوريا ولبنان، وهجرة اليهود إلى فلسطين.  كما تناول وليام  أيدي في تقريره الثاني الجانب العام للقاء بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز. أما التقرير الثالث فقد تناول فيه وليام أيدي العلاقات الثنائية ، وقد أودع هذا التقرير خزائن البيت الأبيض(49) .

ويذكر محمد حسنين هيكل أنه لا توجد محاضر سعودية لهذا الاجتماع ، ومن ثم فلا بد من الاعتماد على المصادر الأمريكية ، وقد أكدت تلك المصادر الوثائقية التي نشرها هيكل أن موقف الملك عبد العزيز كان واضحاً في رفض هجرة اليهود إلى فلسطين، وأن العرب واليهود لا يمكن أن يتعاونوا لافي فلسطين ولا في أي بلد عربي، ولن يتخلى العرب عن أراضيهم.  ووعد الرئيس الأمريكي بأنه لن يساعد اليهود ضد العرب، ولن يقوم بأي تحرك معاد للشعب العربي، كما وعد بتأييد استقلال سوريا ولبنان.  وقد صرح الرئيس الأمريكى بعد هذا اللقاء أنه عرف من حديث الملك عبد العزيز وولده فيصل عن فلسطين في دقائق أكثر مما عرفه خلال سنوات طويلة(50) .

وقد جرى بعد ذلك لقاء بين الملك عبد العزيز والملك فاروق في الفيوم وفي فندقها الشهير " أوبرج دولاك " القائم على بحيرة قارون.. ومن المؤشرات على أهمية ذلك الاجتماع أن الفندق أحيط بقوة للحراسة ليل نهار، كما أبعد عنه العاملون فيه إلا المدير فقد أبقي للاستعانة به عند الضرورة، وفضلاً عن ذلك ذكرت الصحف أن الناس كانوا يروحون ويغدون من بعد دهشين لا يعلمون ما سيجرى على مقربة منهم في هذا المكان من مباحثات خطيرة في سبيل العروبة والإسلام. 

والتقى الملك عبد العزيز الملك فاروق والرئيس شكري القوتلي يوم 3 ربيع الأول 1364هـ /16 فبراير 1945م حيث قضوا بضع ساعات تناولوا خلالها بالحديث والبحث في الشؤون العربية المهمة، وأدى طول الاجتماع وأهمية الحديث والموضوعات إلى التأخير عن موعد مأدبة العشاء التي كان قد أقامها الرئيس شكري القوتلي للملكين بدار المفوضية السورية.

وفي اليوم التالي الموافق 17 فبراير 1945م التقى الملك عبد العزيز رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل وفي صحبته أنتوني إيدن وزير الخارجية وبعض المستشارين ، وقد رحب تشرشل بالملك عبد العزيز بصفته صديقاً لبريطانيا في وقت حاجتها، ودار بينهما حديث ودي ثم مكثا أكثر من ساعة يتباحثان في مسائل شتى أهمها ما يتعلق بالعرب ومستقبلهم.(51) وقد عبر تشرشل عن رغبة بريطانيا والولايات المتحدة أن ينضم الملك عبد العزيز إلى مشروع منظمة الأمم المتحدة لإقرار السلام الدائم، التي دعيت البلاد العربية المستقلة للاشتراك فيها.  كما أكد عبد العزيز لتشرشل عروبة فلسطين ، وأنه ليس لليهود الحق في تكوين دولة على جزء منها.(52)

وتجدر الإشارة إلى أن الرسائل تبودلت بعد ذلك بين الملك عبد العزيز وروزفلت بخصوص القضية الفلسطينية ، وأوضح الملك عبد العزيز في رسالته المؤرخة في العاشر من مارس 1945م ، أن تكوين دولة يهودية بفلسطين سيكون ضربة قاضية على كيان العرب، آملاَّ أن يكون الحلفاء على علم بالحق العربي ليمنع ذلك خطر اليهود على مستقبل العرب، وأكد روزفلت في رده في 15 أبريل 1945م بأنه لن يتخذ أي عمل "يتضح أنه عدائي للشعب العربي"(53).

كما تجدر الإشارة إلى أن الملك عبد العزيز لم يعد وجوده في أرض مصر آنذاك زيارة لها حتى أنه عبر عن ذلك بقوله : " فنحن العرب نرى الزيارة مكرمة من الزائر علينا، وديناً يقتضينا الوفاء، وسأفي هذا الدين – إن شاء الله – فليس أحب عندى من أن أرى الملك فاروق وشعبه العظيم "(54).

وكما كانت زيارة الملك عبد العزيز لمصر في المرة السابقة زيارة خاصة، فقد قام الملك فاروق بزيارة ميناء جدة السعودي عندما أراد أن يجتمع بالملوك والرؤساء العرب على ظهر اليخت الملكي بالبحر الأحمر ، وذلك عقب إثارة ترومان لقضية هجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين ، وشكلت لجنة لتقصي الحقائق عن الأوضاع في فلسطين ، وكان الوصي على عرش العراق قد طلب التأجيل، على حين قام الملك فاروق بزيارة جدة في 20 سبتمبر 1945م حيث استقبله هناك الأمير منصور وكيل نائب جلالة الملك عبد العزيز ونقل إليه اغتباط الملك بهذه الزيارة.(55) كذلك أشادت صحيفة " أم القرى " بهذه الزيارة وإن كانت لم تعقد اجتماعات بين الملكين أو مع الإمام يحيى ملك المملكة اليمنية المتوكلية آنذاك حيث لم تكن هذه الرحلة ذات طابع سياسي أو رسمي. 

وقد أعقبت تلك الزيارة زيارة قام بها الأمير فيصل إلى مصر في نوفمبر 1945م حيث التقى الملك فاروق الذي حمله تحياته للملك عبد العزيز(56) ، وكان من شأن انأأنسسسسسسأاااااانننننتتتأأأالبيسيثثقفغععأن هذه الزيارة زيادة دعم العلاقات السعودية–  المصرية مما مهد للزيارة التاريخية الرسمية التي سيقوم بها الملك عبد العزيز لمصر التي نركز عليها في بحثنا هذا.


 

المحور الثالث : حيثيات الزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر التي تمت في شهر صفر 1365هـ / لشهر يناير 1946م وصداها على المستويات الثنائية والعربية والدولية:

جاءت الزيارة الرسمية التاريخية التي قام بها الملك عبد العزيز آل سعود لمصر التي تمت في شهر صفر 1365هـ / يناير 1946م بعد أن تخلص العالم من الحرب العالمية الثانية، وكانت استجابة كريمة من الملك عبد العزيز لدعوة مصر لزيارتها ممثلة في ملكها فاروق الذي وجه تلك الدعوة لجلالته أثناء الزيارة التي قام بها للمملكة العربية السعودية في صفر 1364هـ/ يناير 1945م ، فكانت هذه الزيارة الكريمة ردًا على زيارة الملك فاروق للمملكة. 

وعدت الصحف المصرية أنه من المصادفات السعيدة أن يوم7 يناير 1946م الذي غادر فيه جلالة الملك عبد العزيز جدة قادمًا إلى مصر يوافق اليوم الذي أتم فيه الملك عشرين عامًا على مبايعته " ملكاً على الحجاز وسلطانًا لنجد وتوابعها" (57). في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة 1344هـ / العاشر من يناير 1926م(58). لقد سجلت الصحافة المصرية حيثيات الزيارة الرسمية التاريخية للملك عبد العزيز لمصر لكونها حدثاً عظيماً نجحت السراي الملكية والحكومة المصرية والهيئات الرسمية والشعبية في الإعداد له إعدادًا كبيرًا حتى إنها كانت موضع إعجاب وتقدير العاهل السعودي. 

وقالت الصحف عن استعداد مصر كلها لاستقبال الملك عبد العزيز بأنه لا يستطيع القلم مهما كان بليغاً أن يصف زينة مصر وابتهاجها واستعدادها لاستقبال ضيفها العظيم صقر الجزيرة، لقد كتب أبلغ الكتاب ، ووصفوا هذه الزينة ، فلم يستطيعوا أن يبلغوا في وصفهم شيئاً من عظمتها التي لم تشهد مصر مثلها في تاريخها على الرغم من استقبالها ملوكًا كثيرين. 

كما أوردت الصحافة المصرية أن الشعب المصري يحيّي عاهل الجزيرة والقطب العربي الكبير ، وأن مصر تسجل في تاريخها الحديث هذه الزيارة الكريمة بصفتها أسعد حدث من أحداثها المهمة ، وتعتز بضيفها العظيم.  وكتب عبد الرحمن عزام باشا في مجلة المصور أن مصر حين تستقبل الملك عبد العزيز إنما تستقبل رجًلا تمر الحقب ولا يرى الناس مثله. 

وأشار إلى أن هذه الزيارة ستترك بلا شك أثرًا خالدًا في العلاقات السعودية–  المصرية–العربية، وأنها تشكل مثالاً للعلاقات التي تقوى وتنمو بين مصر وملوك العرب وأمرائهم ورؤسائهم في سائر الأقطار.  وأشاد عزام بدور الملك فاروق في تنمية هذه العلاقات وتقويتها ، وفي توثيق الروابط بين دول الجامعة العربية.(59)

وكان اليخت الملكي " المحروسة " الذي أعد ليقل جلالة الملك عبد العزيز في زيارته إلى مصر وقــد وصل إلى جـدة في الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 5 يناير 1946م يتقدمه " الطراد فاروق " ، وتتبعه " الطوافة فوزية ". وفي الساعة الواحدة من ظهر يوم الاثنين 7 يناير 1946م ركب الضيف الكبير ومن في معيته اليخت الملكي الذي وصل إلى ميناء السويس في العاشرة وخمس وأربعين دقيقة من صباح يوم الخميس / 10 يناير 1946م.  وصعد الملك فاروق إلى ظهر اليخت الملكي " المحروسة " لمقابلة العاهل السعودي والترحيب بجلالته.

وامتطى الملكان (القطـــار الخـــاص) الذي جهـــز خصيصًا ليقل العاهلين إلى القاهرة. وفي "محطة مصر" بالقاهرة كان كبار رجال الدولة في استقبالهما.  وتحرك الموكب الملكي من محطة مصر إلى قصر الزعفران حيث نزل الضيف الكبير وحاشيته.  ولقي الملك عبدالعزيز خلال زيارته الرسمية التاريخية لمصر التي استغرقت اثني عشر يوماً حفاوة بالغة.

وتجدر الإشارة إلى أن مصر كلها قد استعدت للقاء الملك عبد العزيز في جميع المدن التي يمر بها الموكب طوال مدة الزيارة.  فعلى المستوى الحكومي طلبت وزارة الخارجية في أول ديسمبر 1945م –  أي قبل الزيارة بنحو شهر–  فتح اعتماد إضافي في ميزانيتها بمبلغ 20.000عشرين ألف جنيه لنفقات هذه الزيارة، ووافقت اللجنة الملكية بمجلس النواب، حيث تمت الموافقة النهائية من وفورات الميزانية، ولقد جاء في تقرير اللجنة، أن هذه الزيارة جاءت ردًا على زيارة ملك مصر، الذي استن سنة طيبة، وافتتح عهدًا جديدًا للأخوة بين الشعوب العربية بزيارته للسعودية. كذلك طلب الديوان الملكي المصري نفقات اليخت الملكي " المحروسة " الذي سيكون في ركاب الملك الضيف، واعتمد مجلس النواب لذلك عشرة آلاف جنيه(60).

أما في الإسكندرية فقد وافق القومسيون البلدي هناك على اعتماد مبلغ عشرة آلاف جنيه لمواجهة زيارة الضيف السعودي للمدينة(61). وقررت الحكومة المصرية إصدار طابع بريد تذكاري لتخليد ذكرى هذه الزيارة التاريخية، واعتمدت لذلك وزارة المالية المصرية مبلغ عشرة آلاف جنيه(62)، وصدرت التعليمات من رئيس الوزراء المصري لكل وزارة لاتخاذ التدابير اللازمـــة لتسهم كل منها بنصيبها في استقبال الملك عبد العزيز والحفاوة بـــه(63)، وأطلقت وزارة