ما زال مستقراً ، في مكامن الوعي الدائم ، على الرغم من مرور ما يقرُب من الخمسين عاماً على انقضائه، ذلك الحدث الذي عاشه ابن الأربعة والعشرين عاماً، وهو في مجلس الهيبة، والوقار، والوداعة أيضاً، مجلس الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه اللــه.

كان ذلك في يوم الثلاثاء 28 رجب 1371هـ / 22 أبريل 1952م وأنا أقوم بالترجمة بين الملك عبدالعزيز ، ووفد رسمي كبير يرأسه وزير خارجية أسبانيا السنيور روبرتو خوزيه آرتاخو. لم أكن لأجرؤ على أن أتطلع يوماً لمثل هذه المهمة ، وأنا لم يمض على التحاقي بوزارة الخارجية إلا عام وأربعة أشهر . بل كان يخيفني أن يُعهد إليَّ بمهمة كتلك التي عهد بها إليَّ، والروايات عن ذلك البطل ، هيبته ، وجلاله ، وشموخ تاريخه ، وطغيان شخصيته على كل من حوله من أكابر الرجال قد ملأت مسامع الدنيا وتداولها الرواة في كل مكان.

كان يبدو أمامنا ، وهو جالس على مقعد متواضع ، في قصر المربع في الرياض ، شامخاً كالجبل ، تُحيط به هالة من إقرار التاريخ له بالشجاعة ، والحكمة ، والحزم ، وبعد النظـر ، والفضائل الشتى ، التي تصنع أعاظم الرجال . وكنت أنا على حـال لا توصف من الهلع والارتباك . وقد أدرك – رحمه الله – حداثة سـني ، وارتباكي ، بل جزعي من الموقف الذي أنا فيه ، فكان حديثه لي حديث الوالد يسعى لاقتلاع الخوف من نفسي المضطربة فكان له ما أراد.

كان ذلك الوفد الأسباني الكبير أول وفد يبعث به رئيس الدولة الأسبانية ليُقابل ملوك أكبر دولتين عربيتين ، مصر ، والمملكة العربية السعودية . وكان ذلك اللقاء أول درس ، في سياسة بلادي الخارجية ، أتلقاه ، بانبهار ، من رجل يتحدث التاريخ عنه أيضاً بانبهار من ملك قاد مسيرة التأسيس ، والبناء ، والمنهج السياسي لبلد ظـل في قلب الأحداث ملتزماً بالثوابت التي أرساها عبدالعزيز ، ليحملها من بعده بصدق الالتزام ملوك آل سعود .

قال الملك عبدالعزيز ، فيما قاله لضيفه الكبير ، والذاكرة ضنينة بكل ما اختزنته عن ذلك اللقاء بما معناه: "إننا أمة كرمها الله بالإسلام ، أقمنا عليه وجودنا ، وجعلناه أساساً للحكم والحياة . نريد أن نكثر من الأصدقاء ، ونتحاشى العداوة أو الخلاف مع الآخرين . نحـن ليس لنا مطمع في أرض ، أو مال ، أو جاه . فبلادنا – والحمد لله – واسعة شاسـعة ، والخير عندنا بفضل الله كثير ، وفوق هذا وذاك شرفنا الله بخدمة بيته الحرام ، وهو شرف لا يضاهيه شرف آخر . وعلاقتنا بإخواننا العرب والمسلمين هي أن نناصرهم ، إن كـانوا مظلومين ، ونعينهم بالرجوع إلى الحق، إن كـانوا مخطئين. نحترم حقوق الجار، ونلتزم بالعهود، ولا نتدخل في شؤون الآخرين ، كما أننا لا نقبل أن يتدخل أحد في شؤوننا" .

ومرت مدة صمت عابرة ، التفت بعدها – رحمه الله – إلى ضيفه الكبير قائلاً : "أرجو أن نتعاون معكم على مساعدة إخواننا في المغرب ، وتونس ، والجزائر على استقلالهم والخلاص من الحكم الفرنسي . وعليكم مسؤولية كبيرة في ذلك لقربكم منـهم ومن فرنسا . وما هو حاصل الآن هو ظلم وقهر لتلك الشعوب العربية المسلمة ، ولا يمكن لهذه الحال أن تدوم ..." .

لم يكن متعذراً عليَّ أن أستوعب – بانتباه ملك على مشاعري – ما قاله عبدالعزيز وهو يحدث ضيفه الكبير عن سياسة بلاده الداخلية والخارجية بأسلوب اعتمد البساطة والوضوح .  فكان طبعياً أن يستقر ذلك الدرس – كما ذكرت – في مكامن الوعي الدائم الذي لا ينسى . ولما كنت معنياً – أداءً للمهمات الموكلة إليَّ من خلال مناصبي الحكومية المختلفة – بالشرح والدفاع عن سياسة بلادي ، فقد ظللت أسترجع معاني الحكمة في ما قاله عبدالعزيز في ذلك اليوم لضيفه الكبير.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد أُحيطت بجوار عربي كثيف من الشرق والغرب، والشـمال والجنوب ، فإنها تظل في عين المسلمين من غير العرب الدولة الأم، أرض الحرمين الشريفين ، مهـبط الوحي ، موئل الإسـلام الأول . يرصـدون مواقفها ، ويتطلعون لتعاطفها مع قضاياهم ، ويريدون منها تفضيلاً لانتمائها الإسلامي على انتمائها العربي . وقد رتبت هذه الحقيقة مسؤوليات كبيرة على المملكة العربية السعودية في علاقاتها العربية الإسلامية . فهي في نظر العالم الإسلامي ليست الأردن ، أو مصر ، أو الجزائر . وما هو مطلوب منها غير ما هو بالضرورة مطلوب من الدول العربية الإسلامية الأخرى .

وقد ظل عنصر الإسلام في السياسة الخارجية السعودية أمراً حاسماً في تقرير مواقفها من القضايا الدولية . فهي لا تقبل ولا تلتزم بأي ميثاق يُجمع عليه العالم، إذا كان في ذلك الميثاق ما يتنافى مع حكم من أحكام الإسلام، كما هو الشأن في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي لم توقعه المملكة، وتحفظت على بعض أحكامه .

كما أن عدم تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الاتحاد السوفيتي قد ظل واحدة من الشواهد المُثيرة للجدل والإعجاب معاً ، ففي الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي عمـلاقاً يتقاسم مع الولايات المتحدة الأمريكية النفوذ العالمي ، وتبادل جميع دول العالم – بما فيها الدول العربية صغيرها وكبيرها – التمثيل الدبلوماسي مع موسكو فإن المملكة العربية السعودية قد ظلت رافضة إقامة علاقات دبلوماسية مع دولة أقامت نظام حكمها وحياتها على إنكار وجود الله ..!

وكثيراً ما كان يسأل الصحفيون الملك فيصل –رحمه الله –عن هذا الموقف الذي انفردت به الرياض دون غيرها من دول العالم، فيجيبهم فيصل بن عبدالعزيز: ليس في موقفنا ما يحمل معاني التقليل من وزن الاتحاد السوفيتي ونفوذه . فنحن نعلم أهمية هذه الدول وتأثيرها العالمي، إلا أننا لا يمكن أن نقيم علاقات دبلوماسية مع حكم لا يؤمن بوجـود الله ، وينـادي بالشيوعية مذهب حكم وحياة .  إن الشيوعية منهج حـياة لن يدوم .. ومآلها إلى السقوط والانهيار ؛ لأنها تنافي كل ما أودعه الله في الإنسان من حب الحياة وغريزة العمل والنجاح والتفوق، وتجعل منه آلة فاقدة للإرادة والطموح .

ولبى الملك فيصل نداء ربه قبل أن يرى صدق ما كان يرى . وصدق ما كان يقـول.

وانهار الاتحاد السوفيتي مثل قصر من الرمال، وسقطت الشيوعية، وتحولت إلى ذكرى بغيضة لواحدة من أسوأ عهود القهر والإكراه، واندثار الهويات الوطنية التي عاشها الإنسان في تاريخه المعاصر.

تعرضت أفغانستان ، في عام 1979م ، لاجتياح عسكري فريد في أساليب بطشه ، استهدف إقامة حكم شيوعي في البلاد ، ولم يدع واحدة من وسائل القهر إلا وعمد إليها قضاء على روح الإسلام، وتحويل ذلك الشعب المسلم لتابع جديد يدور في فلك الاتحاد السوفيتي . وهال الدولة المسلمة والشعب المسلم في المملكة العربية السعودية أن يُمتحن هذا الشعب المسلم ليُغتال في عقيدته ، وفي كيانه ، فانبرت للدفاع عنه بالمال والسلاح والعمل الدبلوماسي، متحدية بذلك الاتحاد السوفيتي ، وهو في ذروة نفوذه ، وسلطانه ، وقدرته على الإيذاء . وظلت تلك المساندة صامدة عنيدة خلال عشر سنوات من كفاح المجاهدين حتى أذن الله لهم بالنصر على نحو ما هو معلوم . وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد قاومت الغزو الروسي من خلال أجهزتها السرية العديدة القادرة ، دفاعاً عن مصالحها العالمية في المنطقة ، فإن المملكة العربية السعودية، وشعبها كانا – يقيناً – المساند المسلم الوحيد الذي غابت عن دعمه كل اعتبارات المصلحة السياسية المباشرة .

وعندما انفجرت أزمة البوسنة ، وتعرض المسلمون – على يد الصرب – لأبشع أنواع القتل والتنكيل واغتصـاب العرض والوطن ، استجابت المملكة العربية السعودية حكومة وشعباً لنداء الأخوة الإسلامية نهوضاً بمسؤوليتها ، واسـتنهاضاً لمشاعر الأمة الإسلامية في وقت كان العالم – بما فيه معظم الدول الإسلامية – غير مكترث بما أصاب هذا الشعب المسلم من الكوارث والمآسي .

وفي كلتا الحالتين يظل التساؤل حائراً ملحاً في أذهان الشرق والغرب عن دواعي هذه المساندة التي تكاد تنفرد بها المملكة العربية السعودية ..! فليس للمملكة مع البوسنة وأفغانستان حدودٌ جغرافية مشتركة تخاف من تداعيات الأحداث عليها . وليس للمملكة في هذين البلدين رعايا مدعوة لأن تُسارع لحمايتهم . وليس لها فيهما مصالح استثمارية تسعى لتأمين الدفاع عنها . وليس لها هناك أتباع ومراكز قوى تخشى عليها من الاندحار . ليس هناك من المصالح ما تخاف عليه من الضياع . وليس هناك من المغانم السياسية ما تسعى إليه . هناك التزامها بمُناصرة القضايا الإسلامية ، ما أمكنها ذلك ، غير عابئة بما قد توجبه تلك المُناصرة من تبعات .

وعندما دعا الملك فيصل – رحمه الله – في أعوام الستينيات إلى تضامن إسلامي هوجمت دعوته . وقيل عنها : إنها دعوة مشبوهة أوحت بها إليه الولايات المتحدة الأمريكية، لمواجهة المد القومي العربي الذي كان ينادي به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر . كان المـلك فيصل يهدف بهذه الدعوة إخراج القضية الفلسطينية من دائرتها الضيقة ، وإعطاءها بعـداً إسلامياً يُتيح لها المزيد من الدعم والتماسك والتأييد ، ويجعل منها قضية عربية وإسلامية في آن واحد ، ولا سيما أن القدس هي من القضية الفلسطينية رمزها وكرامتها ، والجامعة للقلوب حولها . والقدس أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين، هي مسؤولية إسلامية لا يمكن للعرب أن يقولوا : إنها وقف عليهم .

ومات الرئيس عبدالناصر . وقيل : إن الدعوة ستموت أيضاً بموت الرئيس ؛ لأن فيصلاً ـ في ظنهم ـ قد أطلقها للوقوف في وجه الرئيس !

وواصلت الدعوة مسيرتها ، وهي تحقق المزيد من التماسك والوزن الدولي . واستُشهد الملك فيصل، وقيل أيضاً : إن أمريكا أرادت بهذه المنظمة أن تجعل منها سلاحاً من أسلحتها في صراع حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي . وانهار الاتحاد السوفيتي ، وسقطت الشيوعية، ومنظمة مؤتمر العالم الإسلامي تقف شامخة الذرى شاهداً عـلى صدق العمل العربي الإٍسلامي للمملكة العربية السعودية. وظلت الدعوة أمانة في ضمائر من تعاقب على الحـكم من آل سـعود حتى أصبحت منظمة المـؤتمر الإسـلامي بأعضـائها الأربعـة والخمسـين البـيت الذي يلتقي فيه القادة المسلمون ، ويتداولون في شؤون أمتهم بالقدر الذي تسمح به العلاقات المترابطة ، والصعبة ، المتناقضة أحياناً، من عمل إسلامي جماعي .

وهل سيكون العالم الإسلامي أفضل حالاً من غير هذا التجمع الإسلامي الدولي الكبـير ؟

 

هاتان الحقيقتان تنهضان شواهد على صدق العمل العربي الإسلامي في سياسة الدولة السعودية .

على أن الأمر الذي قد يظل مجهولاً لدى المتابعين لهذه السياسة، هو أن المملكة العربية السعودية كانت – دائماً – الملاذ الأخير الذي يُحتكم إليه في كل خلاف ينشأ بين بلدين عربيين أو مسلمين ، حين يتصاعد ذلـك الخلاف، وتنذر أحداثه بالخطر . واحتكام الآخرين للمملكة ليس احتكاماً لحيادها ، في مواجهة الخلاف فحسب ، بل هو احتكام إلى حرصها الشديد عـلى احتواء الخلاف ، من خلال حرصها على ضم الشمل ، والتصدي لما قد يناله أو يؤذيه ، واحتكام لرزانة الرؤية لديها ، وقناعتها بإقصاء الخلاف عن أسباب الانفعال ، والاعتماد على تهدئة النفوس، والصراحة ، في نهاية الأمر ، بما يوجبه الحق – على الطرفين – من قول أو عمل . وكان أول خـلاف احتكم به إليها قبل خمسة وخمسين عاماً هو الخلاف بين باكستان وأفغانستان الذي كادت تطورات أحداثه أن تغرق البلدين في مضاعفات خطيرة . ومنذ ذلك التاريخ والمملكة العربية السعودية الأخ الثالث الذي يفزع إليه في الملمات التي توجب مثل ذلك الاحتكام .

لقد عرف العالم العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ما يقرب من الأربعين انقلاباً عسكرياً أو محاولة انقلاب . وهي جميعها عمليات سطو ، تحت جنح الظلام ، على أنظمة الحكم الشرعية القائمة في بلاد الانقلاب .. دفعت الشعوب العربـية ثمناً باهظاً من حريـتها واستقرارها ونمائها، وانتهت بالعديد منها إلى سوء المصير . وفي كل انقلاب يجعل المغامرون من قضية فلسطين، وخلاص الأمة العربـية من الاسـتعمار شعاراً كاذباً جسوراً للقيام بها ، وحكم الشعوب بخنقها، وتكميم أفواهها ، والعبث بمقدراتها ، وتشريد القادرين من أبنائها ليعيشوا مبعدين تحت كل سماء .

وفي مواجهة هذه الأحداث المتعاقبة التي أورثت العديد من البلاد العربية هواجس الخوف الدائم ، وضياع استقرارها ، كانت المملكة تتعامل مع تلك الأحداث على أنها أمور داخلية لا شأن لها بها ما دام أنها لا تشكل خطراً على مصالحها أو رعاياها . وفي هذا انسجام مع ما استقر في النهج السعودي من سياسية ثابتة قائمة على عدم التدخل في شؤون الآخرين . على أن التعامل مع تلك الأحداث المستجدة لم يكن دائماً بالسهل من الأمور . فالحكام الجدد الذين يقفزون على السلطة فوق ظهور دباباتهم كانوا خليطاً من المغامرين والطامعين ، والفاقدين للهدف الواضح، والقدرة على معالجة أيسر الأمور . وكانت هذه الحقيقة تجعل منهم طرفاً ذا نزعة عدوانية توجب التعامل معهم بالكثير من الحنكة وضبط النفس ، واحتواء المواقف المتطرفة ، ولا سيما أن العديد من البلاد التي حكموها يجمعها بالمملكة جوار مباشـر، أو غـير مباشر. وهنا – أيضاً – تبرز فضائل الثوابت السياسية في النهج السعودي تدفع بالـتي هي أحسن ، حريصة على أن تظل علاقة شعبها بشعوب دول الانقلاب في منأى عن كل ما قد ينالها بسوء ، فظلت المملكة في رؤية الشعوب العربية لها دولة العقل ، والإخاء ، والمساندة المستجيبة لكل دواعي التضامن إذا ما واجهت تلك الشعوب ظرفاً يوجب المبادرات الأخوية العاجلة .

شهدت أعوام الستينيات انفلاتاً إعلامياً لم تحكمه ضوابط من التعقل والالتزام . وتحولت وسائل الإعلام في معظم البلاد العربية إلى أداة تشيع الكذب ، وتصنع الأباطيل ، وتثير بالتضليل مشاعر الجماهير ، وتستعديها على حكوماتها لتُزعزع اسـتقرارها السياسي والاجتماعي، غير عابئة بما تخلفه هذه الإثارات من ضرر على علاقات الشعوب العربـية ببعضها . وكانت المملكة العربية السعودية – في تلك المرحلة – في خلاف مع القيادة المصرية بشأن اليمن ، ومع اليسار العربي الضالع مع الاتحـاد السوفيتي – هدفاً لحملات إعلامية شرسة نظمتها مراجع الحكم في القاهرة، واليسار العربي الموالي لها ، فقدت كل موازين التعقل والحياء أحياناً . وفضلاً عن الغلو المشين في الكذب والتضليل فإنها لم تتردد في النيل من أشخاص قادة المملكة بالتعريض المعيب! وفي مواجهة هذا الهيجان الأحمق اختارت المملكة سياسة إعلامية تعكس أصالة مشاعرها العربية ، وحرصها على لملمة الجراح ، والبعد عن أي مسلك قد يوجب الندم في يوم من الأيام .

 

وعندما تجاوزت الأمور حدود ما يمكن الصبر عليه حين أغارت الطائرات المصرية من اليمن على تجمع شعبي في سوق الخميس في الجنوب، وقتلت ما يزيد عن أربعين مواطناً ، اكتفى الملك فيصل بترديد بيت من الشعر لعمرو بن كلثوم في حشد جماهيري كبير في جدة حين قال :

                  ألا لا يجهلنْ أحد علينا      فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ليس من سياسة المملكة العربية السعودية أن تلج نفسها في أمور لا تقوى على مواجهة تبعاتها السياسية أو العسكرية . وليس من عادتها أن تُشارك في مواقف مبنية على الانفعال، واسترضاء الجماهير، والاستهانة بذكائهم ، في منأى عن التبصر الواعي بآثار هذه المواقف.

ولأن العالم العربي قد ظل – خلال الخمسين عاماً الماضية – نهباً لمشاكله الداخلية والإقليمية، فإن المملكة قد وجدت نفسها ملزمة في سياستها العربية باستلهام طريق واحد هو الحرص على العقلانية في تقرير مواقفها ، دفاعاً عن مصالح شعبها أولاً ، والأشقاء ثانياً ما وسعها الأمر ذلك .

وليس في هذا ضير يوجب الحرج ، فمصالح الشعوب أمانة في أعناق ولاة الأمور.

لقد ظلت المزايدة بالشعارات ، وقرع الطبول ، وإغراق المواطن العربي في ضجيج لا يهدأ من الأناشيد الحماسية، واستثارته بالأماني الكاذبة، سبيلاً لا يتبدل من أساليب العمل السياسي لدى العديد من أنظمة الحكم العربية . والمملكة – في وقار سياستها ، وهدوء شعبها ، وانغراس القيم العربية والإسلامية صدقاً فيه – تراقب الأمور على مدى أعوام طويلة ، تستدرك من الآثار ، ما يمكن استدراكه ، وتعرض بالقناعة والشجاعة عما قد يطلب إليها من مشاركة في أمور لا تثق فيها ، ولا تطمئن إليها ، غير عابئة بما قد توصف به مواقفها من سلبية أو خوف ..! أو تخاذل ..! أو الشجاعة هي أن تقول : (لا) حين يستوجب الموقف أن تقولها ، وقد دفعت المملكة في علاقاتها العربية ثمن تلك المواقف بحملات إعلامية تطاولت فيها عليها ، فصبرت ، وصابرت ، واثقة من سلامة مواقفها ، وعقلانيتها ، ومن أن الأحداث ستؤكد يوماً صدق ما كانت ترى . وصدق ما كانت تقول .

وكثيراً ما كان يروج خصوم بلادنا بأن المملكة العربية السعودية تستعين بأموالها لتجاوز الأزمات مع الـدول العربـية ، وتشتري صمتهم ، عجزاً عن المواجهة ، وانعداماً للثقة في النـفس ..! وهذا قول مردود على أصحابه . فإذا كانت المملكة العربية السعودية قد جعلت من التعاون والوفاق والتضامن والاحترام المتبادل حجر الزاوية في سياستها مع الدول العربية منذ عهد الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه –فإن ما قدمته من مساعدات كان – دائماً – دعماً اقتصادياً تبادر إليه مختارة من موقف القدرة عليه .. وهي التي لم تبخل يوماً عن مساندة أو عطاء . حتى في وقت تكون فيه علاقاتها متوترة مشدودة مع نظام حاكم، إذا ما تعرض بـلده لنازلة طبعية تبادر المملكة دون منة في العطاء للعون السخي منها ومن شعبها ، تعاطفاً مع شعب عربي أو إسلامي شقيق.

وإذا كان قدر المملكة قد أوجب عليها ، وهي الدولة المسلمة الأم ، والشقيقة العربية الكبرى ، أن تعمل على تجاوز الأحداث العابرة بالحكمة ، والمصابرة ، وضبط النفس، حفاظاً على تماسك الشعوب ، وإبقائها في معزل عن مؤثرات الصراعات السياسية المُفتعلة ، واحتواء الأزمات قبل استفحالها ، وهي التي ينظر إليها موئلاً يحتضن القيم والفضائل الإسلامية والعربية ، فإنها لا تتسامح في أمر قائم على عدوان متعمد يستهدف أمنها ، واستقرارها ، ومصالح شعبها ، وتقف دون ذلك بصلابة الواثق من حقه ، تدفع الشر بمحاولات التهدئة والتبصير بعاقبة الأمور ، حتى إذا ما تجاوزت الحال ما لا يمكن الصبر عليه نهضت بمسؤولية الراعي أمام رعيته ، وبادرت إلى ما شرعه الله من دفاع عن الوطن والمواطن .

ولعل في موقفها من التدخل المصري في اليمن وتهديده لاستقرارها ، ومن غزو العراق للكويت خير دليل على ذلك.

 وقد عنـيت بشكل خاص بتناول هذين الموضوعين بشيء من التفصيل ؛ لأنهما– في الـواقع–أكـثر الأحـداث السياسـية أهمية في تاريخ المملكة العربية السـعودية منذ توحيدها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله . ولأني عايشت الكثير من مكونات هذين الحدثين ، ووقفت على بعض خفاياها . فإنه يمكنني القول : إن شجاعة القيادة السعودية في مواجهة تبعات تلك الأحداث، ووضوح منهجها في التعامل مع تداعياتها السياسية في العالم العربي كان أمراً منسجماً مع ما عهد في سياسة المملكة العربية السعودية من استقرار في ثوابتها السياسية .

وقد أمكن لي من خلال المناصب التي كرمتني بها حكومة بلادي منذ خمسين عاماً أن أقف على أحداث عديدة ، تنهض شاهداً على صدق المواقف في سياسة المملكة العربية السعودية من العالم العربي ؛ ولأني لا أملك حق رفع الستار عن بعض تلك المواقف ، على ما فيها من إخلاص، وشجاعة ، وتجاوز لبعض المحاذير الدولية دفاعاً عن حق عربي ، فإن الاكتفاء بالحديث عنها دون تعزيزها بإيراد التفاصيل ربما لا ينسجم مع دعوة التاريخ للحديث عن الحقائق ، لا سيما عندما تكون تلك الحقائق سنداً متألقاً موثوقاً.

وإذا كان الملك عبدالعزيز – وهو يسعى لإرساء قواعد الحكم وتوحيد البلاد وتثبيت الأخذ بشريعة الله ، وإقرار الأمن ، والتعامل مع قضايا الحدود ، وتكوين المؤسسات الإدارية ، ومـا إلى ذلك من موجبات التأسـيس لدولة حديثة – قد وجد نفسه بالضـرورة مشـدوداً إلى أولـويات الحـكم في البلاد، فإنه لم يغفل عن مقتضيات العمل الخـارجي في عـلاقاته السـياسية مع الـبلاد العربية . إلا أن حجم تلك العلاقات كان متواضعاً ؛ نظراً لأن معظم البلاد العربية ، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، كان فاقد الإرادة في تقرير سياسته الخارجية . كانت دول المغرب العربي ، تونس والمغـرب والجزائر تحت الحكم الفرنسي ، كما كانت سوريا ولبنان تحت انتدابه . وإمارات الخليج العربي كانت مرتبطة بمعاهدات الحماية البريطانية . أما مصر والسودان والأردن والعراق فقد كانت مرابطة القوات الإنجليزية فيها شكلاً مـن الاحتـلال المستور ، وكان لبريطانيا (العظمى) القول الفصـل في الشؤون الخارجية، والداخلية أحياناً ، لتلك الــبلاد .

وعندما ولدت الجامعة العربية في عام 1945م كان عدد الدول العربية المنضمة إليها لا يزيد عن سبع دول هي : مصر ، والمملكة العربية السعودية ، واليمن ، وسوريا ، ولبنان ، والأردن ، والعراق.

وفي أعقاب هزيمة الجيوش العربية في حربها مع إسرائيل عام 1948م اجتاحت الشعوب العربية مشاعر الانكسار والاحباط ، وقامت الجيوش المنهزمة تبحث عما يُضمد جراح المذلة التي لحقت بها فانقضت على أنظمة الحكم في بلادها ، وبدأت الانقلابــات ومحاولات الانقلاب العسكرية وشبه العسكرية تتوالى في معظم الدول العربيــة .

ودخل العالم العربي في مرحلة جديدة من الصراع مع نفسه ، والصراع مع إسرائيل، في حروب متعاقبة ، واتفاقات سلام ثنائية ، فكان على المملكة ، التي وجدت نفسها في قلب العالم العربي المُضطرب ، أن تتعامل مع هذه الأحداث خلال الخمسـين عاماً الماضية أخذاً بالثوابت السياسية التي ارتكزت عليها علاقاتها الخارجية . ويمكن القول : إن المدة ما بين عام 1948 - 1998م كانت بالنسبة للمملكة العربية السعودية الحُقبة المليئة بالعمل السياسي العربي الذي لم تشهده أعوام تأسيس المملكة ، التي كُتب عليها أن تواجه وتخوض فيها مواقف وصراعات سياسية لم تُشارك في صُنعها أو الدعوة إليها .

هذه الحقيقة تساعدنا على فهم الغياب في ثراء العلاقات السياسية بين المملكة العربية السعودية والبلاد العربية الأخرى منذ عملية التأسيس حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، وقيام الجامعة العربية . وظلت علاقة المملكة بهذه البلاد علاقة شعب بشعوب شقيقة ، وعلاقة دولة عربية مسلمة تتعاطف مع أماني تلك الشعوب الفاقدة لإرادتها في تقرير ما تريد.

ولم يعمد لتسجيل تـاريخ هذه المدة ، في العلاقات بين المملكة العربية السعودية ، والدول العربية الأخرى إلا القليل ، ومن خلال قضايا الجوار ، والحدود التي رافقت مسيرة بناء المملكة العربية السعودية .

وهناك سبب آخر غير ما أوردناه لندرة المراجع القيمة في تاريخ علاقة المملكة العربية السعودية مع الدول العربية الأخرى وهو أن سياسة المملكة العربية السـعودية هي من الشـفافية والوضوح بحيث لا يجد المتابعون لها عناءً في فهمها وتحليلها . فهي لم تكن يوماً من الأيام صانعة لأحداث مثيرة ، ولا مصدراً لفكر سياسي يدعو للحيرة والتساؤل ، وليس في حياتها الداخلية من الصراعات الحزبية السياسية ما يجعل منها هدفاً لفضول المراقبين واهتماماتهم .. كما هو الحال في بعض البلاد العربية .

هاتان الحقيقتان جعلتا من وضع يدنا على المهم من المصادر التاريخية عن سياسة المملكة العربية السعودية أمراً بالغ الصعوبة .

وعليه فإني لا أجرؤ على تسمية هذه (الورقة) توثيقاً لعلاقات المملكة العربية السعودية بالدول العربية .. فالتوثيق إبحار ، وغوص في التفاصيل ، والتحليل في سعة من الزمن ، الأمر الذي لم يتوافر لنا ونحن نعكف على إعداد هذه "الورقة" إسهاماً في الاحتفاء بمناسبة وطنية عزيزة .

لقد أردت بهذه الورقة إيضاح الركائز التي قامت عليها سياسة المملكة العربية السعودية إزاء العالم العربي، والاكتفاء بتحديد معالمها دون الخوض في التفاصيل عن مكونات تلك العلاقة من مواقف وأحداث . وهي كثيرة وثرية ، يخرجنا الدخول في تفاصيلها عن حدود الالتزام بإعداد بحث قصير ، ليدخلنا في عمل تأليفي متعدد المداخل والوجوه لا ينتهي إلا باستكمال أهدافه من التوسع والشمول.

إنها – في اعتقادي – مجموعة من الخواطر المتناثرة . قد تصلح لأن تكون مدخلاً للمزيد من البحث والتحليل ، ولكنها ليست مؤلفاً، وليست وثيقة .

وإن كل ما أوردته في هذه (الورقة) يعبر عن رؤية شخصية للأمور استخلصتها من معايشتي الطويلة لسياسة بلادي الخارجية والداخلية ، وتظل – على أي حال – رؤية نسبية كما هو الشأن في قضايا الفكر والسياسة لا تحكمها ضوابط محددة . كما تحكم الأرقام معادلة جبرية.

قضية فلسطين :

لم تنشغل أمة بقضية قومية كما انشغلت الأمة العربية بقضية فلسطين . فمنذ نهاية الحرب العالمية الأولى ، واقترانها بوعد بريطانيا (وعد بلفور) لليهود بإقامة وطنٍ قومي لهم في فلسطين، وضلوع الانتداب البريطاني في فلسطين مع المنظمات الصهيونية لتحقيق (حلم دولة إسرائيل) ، والصراع العربي الإسرائيلي يعيش في ضمير الإنسان العربي هاجساً لا يهدأ من المرارة والغضب والإحساس بالظلم .

ومنذ أعوام الثلاثينيات بدأ الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ينذر بالخطر الذي يتهدد عروبة فلسطين نتيجة الهجرة اليهودية المنظمة إليها . وكان يعمل على التنبيه إليها، والتحذير من عواقبها في محادثاته مع العرب وغير العرب من الأمريكان والإنجليز المتعاطفين مع اليهود، والعاملين على توطينهم في فلسطين . وليس غريباً أن تظل هذه القضية أمراً موجعاً في نفس عبدالعزيز إلى أن لبى نداء ربه وهو الملك العربي المسلم الذي قضى حياته مناصراً لدين الله ، وساعياً لتعزيز مكانة الأمة العربية ، والدفاع عن مصالحها .

ولعل مواقفه – رحمه الله – من محادثاته مع كل من رئيس وزراء بريطانيا السير ونستون تشرشل، ورئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية السيد روزفلت دفاعاً عن حق العرب في فلسطين من الحقائق الموثقة ترجع إليها مصادر المؤرخين في كل مرة يرد فيها الحديث عن القضية الفلسطينية .

فقد حاول هذان الزعيمان الغربيان أن يؤثرا عليه بالمصير القاسي الذي لقيه اليهـود على يد الحكم النازي في ألمانيا، فكان رده عليهم قويًّا واثقاً صريحاً حين قال لهم: "إذا كنتم تدفعون بأن اليهود قد عانوا الاضطهاد والتشريد على يد الحكم النازي في ألمانيا ، فما عليكم إلا أن تسكنوهم في ألمانيا ، وأنتم المنتصرون ، وتعطوهم أحسن الأراضي فيها . أما فلسطين فلا حق لليهود فيها، وترتكبون خطأً تاريخياً فادحاً في تشجيعكم لاستيطانهم في فلسطين" .

خلاصة هذا الموقف تحدث فيه وعنه ، كل من كتب عن تاريخ القضية الفلسطينية من الشرق والغرب .

وظل عبدالعزيز – رحمه الله – يعاني في أعماقه بالحسرة والألم من عجز الأمة العربية عن الوقوف في وجه هذه الكارثة.

وكم بذلت من المحاولات البائسة للتأثير عليه، وتغيير موقفه العربي الإسلامي الصامد القوي من هذه القضية التي رأى فيها ، ظلماً لشعب عربيّ ، وسطواً على تاريخه ووطنه ، وإدخاله في صراع غير قادر عليه .

وربما كان رئيس الدولة العربية الوحيد الذي واجه قادة الحلفاء المنتصرين دفاعاً عن وطن عربي في طريقه للاغتصاب.

وكان الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ينادي بأن يتولى الفلسطينيون أنفسهم عبء الدفاع عن أرضهم ووطنهم في وجه الغزو اليهودي المتزايد على أن يساندوا بالمال والسلاح والدعم السياسي ، فذلك أدعى لفهم قضيتهم في المحافل الدولية بصفتهم مواطنين، يخوضون معركة الدفاع عن النفس والوطن في وجه هجرة استعمارية عناصرها يهود من أوربا وأمريكا لا ينتمون إلى فلسطين، إلا ما دعت إليه خرافات تلمودية قائمة على الجهل والتعصب ، وأن لا تشارك الجيوش العربية في الدفاع عن فلسطين فيظهر بذلك اليهود في مظهر الطرف الوحيد المعـتدى عليه من قبل جيوش عربية غازية ، ويستقطب بذلك عطف العالم عـليهم ، وهذا مع الأسف – ما تحقق.

وكان طبعياً أن يتوارث هذه الأمانة من جاء بعده من ملوك آل سعود ، وإذا كانت القضية الفلسطينية قد تحولت مع السنين إلى مكوِّن أساس من مكونات العمل السياسي، لأنظمة الحكم العربية ، وفقدت نقاء الجهاد الصافي المتجرد في سبيلها ، وأصبحت قضية تنعقد بشأنها المزايدات السياسية المخادعة، فإن المملكة العربية السعودية قد ظلت على عهدها في التعامل الواقعي الصادق مع هذه القضية ، لا تكابر في قدرتها على الدور المطلوب منها ، ولا تعد بأمر يتجاوز ما هي عليه من الأسباب ، تدافع عن الحق الفلسطيني ، وتناصر شعبه ، مناصرة الفعل لا مناصرة الكلام ، وتنصح بالرأي المخلص المتعقل إذا طُلب إليها ذلـك .

 والأوساط الصهيونية العالمية تعلم بأن المملكة العربية السعودية حكومةً وشعباً قد ظلت دائماً أشد البلاد العربية عداءً لإسرائيل وللحركة الصهيونية ، والمملكة في ذلك لا تمارس موقفاً في الخفاء، بل إنه تعامل في العلن، دفعت ثمنه من مواقف عدائية مناهضة لها في أوساط الكونجرس الأمريكي ، ومن حملات إعلامية شرسة تنظمها الأوساط الصهيونية تهديداً للمملكة وابتزازاً لها.

ولأن هذه القضية في ضمير المواطن السعودي، فقد ظلت اللجان الشعبية العاملة لمناصرة القضية الفلسطينية والفلسطينيين ، تجمع التبرعات لمجاهديهم ، وتؤازر نضال أبناء فلسطين بالدعم المستمر ، استجابةً لمشاعر عربية إسلامية عفوية صادقة ، لا تحكمها الاعتبارات السياسية المتغيرة، ولا تجعل منها تبعاً لذلك رهينة مضطربة المصير.

لقد وصف الملك فيصل القضية الفلسطينية بأنها القضية التي لا مثيل لها في التاريخ . وكانت رؤيته لهذه القضية المأساة أنها وجه كريه من وجوه الاستعمار والتسلط من أجل هدف أسقط من حسابه جميع القيم الإنسانية، وهو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين العربية المسلمة قهراً وعنوة ، استناداً إلى مزاعم توراتية، وخرافات تلمودية، أمدتها القوة الاستعمارية بأسباب النفوذ والوجود.

وكان ملحوظاً أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي قد ظلا شديدي الحماس لإصدار قرار تقسيم فلسطين، ومساندة الحركة الصهيونية وقيام إسرائيل ، وهما الدولتان اللتان تختلفان في سياستيهما على كل شئ ..!

وفي جلسة 19 سبتمبر 1947م ألقى وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الجنرال جورج مارشال كلمة أيد فيها مشروع قرار التقسيم . وما أن غادر الوزير الأمريكي المنصة حتى علاها فيصل بن عبدالعزيز وزير خارجية المملكة العربية السعودية ليقول : "ما كنا ننتظر من المستر مارشال أن يجنح إلى تأييد القرار المذكور قبل أن تبدي اللجنة السياسية التابعة للأمم المتحدة رأيها فيه ، فذلك لا يتفق مع روح العدالة المؤملة في أعضاء هذه الجمعية العالمية الكبرى" . وأضاف :"لا يمكن فهم السبب الذي تلوذ به الولايات المتحدة إزاء اعتداءات الصهيونية ، وأساليبها الإرهابية . فإذا كانت البواعث الإنسانية هي التي تدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذه السياسة فلماذا لا تفتح أبوابها للاجئين البؤساء وهي أغنى وأوسع رحاباً من فلسطين التي اكتظت بأولئك المعتدين الغرباء" .

وعندما ولدت منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1965م كانت المملكة أول المبادرين إلى دعمها . وظل هذا الدعم صادقاً ، على صعيد الدولة والشعب في المملكة العربية السعودية ، بعيداً عن المزايدة والشعارات ، واضحاً في مساره ، يشارك في تهيئة الفرص المواتية لفهم أفضل لشرعية كفاح المنظمة . ولا أشك في أن القيادة الفلسطينية تدرك من خلال تجاربها عبر سنين كفاحها المرير كم كان جادًّا، وصادقاً ، وطموحاً ما قدمته المملكة العربية السعودية من دعم لمنظمة التحرير الفلسطينية .

وأيقن العقلاء في العالم العربي ، بعد خمسة حروب دامية مع إسرائيل ، وخمسين عاماً من الصراع السياسي ، أن المعركة في ظل ما يعانيه العالم العربي من ارتباك سياسي، وتخلف اقتصادي وعسكري ، واندحار نفسي متواصل ، وما توافر لإسرائيل من دعم دولي ، ومناصرة أمريكية بلا حدود هي معركة غير متكافئة ، وأنه لا بد من وضع نهاية عادلة لهذا الصراع ، وأن السلام خيار لا جدال فيه ، وأن إسرائيل حقيقةً لا بد من قبولها والتعايش معها .

وأبرمت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ، واختلت حسابات العرب في تعاملهم مع إسرائيل ، فمصر الدولة العربية الأم ، التي خاضت أربعة حروب مع إسرائيل ، قد غيرت خطابها السياسي ، وتبادلت التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل بقرار واقعي جريء بادر إليه الرئيس الراحل أنور السادات ليدفع بعد عامين حياته ثمناً لذلك القرار.

وسعياً من المملكة وراء حل عادل لهذا الخلاف يضمن للعرب حقوقهم ، ويعترف بالحقائق السياسية الراهنة في المنطقة ، ولعل أبرزها وجود إسرائيل ، تقدم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في اجتماع فاس الثاني الذي عقد في سبتمبر من عام 1982م بمشروع آخذاً في حسبانه ما انتهت إليه مستجدات الخلاف ، مؤكداً على وجوب اعتراف إسرائيل بكل قرارات الشرعية ، إلا أن إسرائيل رفضت مشروع الملك فهد للسلام ووجدت فيه انحيازاً للعرب غير مقبول لديها .

ثم جاء غزو العراق للكويت ، واندحاره على يد التآلف الدولي الذي قادته أمـريكا، وأفرزت حرب الخليج الثانية . مؤتمر مدريد للسلام ، وولـدت اتفـاقات أوسلو، وشاهد العالم ياسر عرفات يصافح قادة إسرائيل في حديقة البيت الأبيض ، وتحقق السلام بين الأردن وإسرائيل، وبادرت معظم دول المغرب العربي ودولتان من دول مجلس التعاون لاتخاذ مبادرات دبلوماسية متقدمة مع إسرائيل، وتغير المنظور، واختلفت الصورة ، وطويت صفحة الخمسين عاماً من الصراع مع إسرائيل ، وكانت الدبلوماسية السعودية في موقف المراقب للأمور ، لا تزايد ولا تدّعي ولا تخرج عن إجماع عربي واضح المعالم، وباركت ما قبلته السلطة الفلسطينية من اتفاقات ، دون أن تتخلى عما يستوجبه الحق العربي من مواصلة الضغط على إسرائيل وأمريكا ؛ لاحترام ما تعهدت به إسرائيل إزاء الفلسطينيين ، وإزاء سوريا ولبنان من جلاء عن أراضيهم المختلفة .

قضية الجزائر:

احتلت فرنسا الجزائر العربية المسلمة عام 1830م ، وضمتها إلى أملاكها ، وجعلتها جزءاً من فرنسا، بعد أن صادرت أراضي الشعب الجزائري ، وأغلقت مدارسه ومساجده، وحرمت عليه تعلم لغته العربية ، وسامته شتى ألوان القهر والمهانة والاستعباد. واستقدمت خليطاً عجيباً من الفرنسيين والأوربيين لتجعل منهم سادة البلاد في وطن عربي مسلم . وعندما انتفض الشعب الجزائري انتفاضته الكبرى في مطلع شهر نوفمبر 1954م بادرت المملكة العربية السعودية ، بعد شهرين فقط من انطلاقة هذه الثورة ، لتجعل منها قضية دولية لا يمكن للعالم أن يغمض عينه عنها . وانطلقت المملكــة العربيــة السعودية ، من خلال وزير خارجيتها آنذاك الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – تستجمع القوى والأنصار في المحافل الدولية، فحوّلتها إلى قضية من قضايا مجلس الأمن،ثم انتقل بها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبنّتها واحتضنتها، وتحولت ثورة الجزائر في العالم من تمرد يقوم به العصاة على النظام ، كما طاب لفرنسا في ذلك الحين أن تقول ، إلى قضية شعب مسـتعمَر مقهور يطالب بحريته وكرامته،وظلت المملكة تساند كفاح هذا الشعب العربي المسلم البطل حتى أنجز انتصاراته الكبرى ، وتحرر بعد أن قدم ما يقرب من المليون شهيد .

وأورد هنا نص البرقية التي بعث بها رئيس مجلس الأمن إلى مندوب المملكة العربية السعودية يؤكد فيها تلقي طلب المملكة الرسمي لإثارة قضية الجزائر في الأمم المتحدة.

 

برقية رئيس مجلس الأمن :

سعادة الشيخ أسعد الفقيـه

                      مندوب المملكة العربية السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة

أتشرف بإخباركم بوصول كتابكم المؤرخ في 5 يناير 1955م وإفادتكم بأنه طبقاً لرغبتكم سيجري تقديم نص كتابكم مع مرفقاته إلى أعضاء مجلس الأمن باعتباره من وثائق المجلس التي سيشار إليها برقم س/1/3341 .

   وتفضلوا بقبول فائق الاحترام .

                     ليسلي مونرو

                 رئيس مجلس الأمن

المملكة ومصر والحرب في اليمن :

عندما انتهت ثورة يوليو 1952م إلى إقصاء الملك فاروق عن الحكم ، كانت علاقة المملكة العربية السعودية بمصر علاقة وثيقة ، متينة الأركان ، كانت مصر البلد العربي الأم بحجمها ، وكثافة سكانها ، وغِناها ، وثراء مؤسساتها التعليمية والحضارية ، وتوافر القدرات الإنسانية لديها . كما أن القرب الجغرافي عبر شاطئ البحر الأحمر قد أسهم في تعزيز الروابط بين البلدين .

وعـلى الرغم من أن تلك الثورة كانت حصيلة ظروف اجتماعية وسياسية داخلية ، فإن المملكة قد اختارت موقف التأمل التقليدي ، الذي عُرفت به سياستها ، على الرغم من أنها كانت في مقدمة الدول التي اعترفت بالنظام الجديد .

كان الأمير فيصل بن عبدالعزيز – وزير الخارجية في ذلك الحين – ذا قناعة راسخة بأن كل ما يحيط بالمملكة العربية السعودية من ظروف يدعوها لأن تجـعل من مصر قبل الثورة وبعدها الشريك العربي الأول . فجعل من هذا التوجه ركناً أساسياً في سياسة بلاده العربية ، وعمل على تعزيز الروابط بينهما ، والنأي بها عن كل مؤثرات الأحداث العارضة ، محترماً حق النظام السياسي الجديد في مصر، فيما يعمد إليه من سياسة داخلية أو خارجية ما دامت العلاقة بين البلدين في عافية وأمان .

وفي شهر سبتمبر 1962م انفجر حادث أدخل العلاقات السعودية المصرية في أصعب مرحلة شهدتها تلك العلاقات في تاريخها المعاصر . فقد قامـت مجموعة من الضباط اليمنيين بالانقلاب على حكومة الإمام البدر، وأعلنت إلغاء الإمامة ، وقيام جمهورية اليمن المستقلة .

وهنا يتعين عـلى من يتصـدى لتحليل موقف المملكة فيما تطور من أحداث أن يضع في حُسبانه بعض الحقائق التي غرقت آنذاك في متاهات التضليل الإعلامي والسياسي، فانعدمت الرؤية الصحيحة الواضحة ، وانطلقت الأحكام المتعجلة على موقف المملكة العربية السعودية من الانقلاب العسكري في اليمن .

منذ أن عرف العالم العربي محنة الانقلابات العسكرية ، والسطو تحت جنح الظلام على أنظمة الحكم الشرعية فيها ، والمملكة ترى في هذه الأحداث شأناً داخلياً لا تُعنى به إذا لم يهدد أمنها أو يمس مصالحها ، أو مصالح رعاياها . فقد ظل الامتناع عن التدخل في شؤون الآخرين واحداً من أركان سياستها الخارجية منذ تأسيسها حتى اليوم .

وكان في وسع المملكة العربية السعودية أن ترى في الانقلاب العسكري الذي حدث في صنعاء كما رأت في غيره من الانقلابات شأناً داخلياًّ لا علاقة لها به ، لو أن الظروف التي سبقت، وأعقبت ذلك الانقلاب جعلت منه حدثاً لا يستدعي من المملكة إلا نظرة حذرة ، ومتابعة لآثاره على الصعيدين السياسي والعسـكري داخـل اليـمن وخارجه . إلا أن مسارعة القاهرة ولمَّا تمض على قيام الانقلاب عدة ساعات إلى احتضانه والاعتراف به ، وإعلان مساندتها العسكرية له، قد أثار كثيراً من مشاعر الاستغراب ، والتساؤلات عن دواعي هذا الموقف المتعجل الذي لم تألفه أحداث دولية مماثلة !! وقبل أن تعرف القاهرة هوية مدبري الانقلاب ، وخلفيتهم السياسية ، واتجاهاتهم ، وما إلى ذلك من ضوابط التقويم السياسي الجاد لحدث مهم مثل الانقلاب في صنعاء .

حدث ذلك كله بعد أسبوع واحد من تولي الإمام البدر شؤون الحكم في البلاد ، أصدر خلاله ثلاثة عشر مرسوماً إصلاحياًّ ، تتلاءم مع أوضاع اليمن ، سعياً وراء النهوض بأحوال مملكته. وكان الإمام البدر في نظر القاهرة حتى يوم الانقلاب واحداً من رموز القيادات العربية الشابة المخلصة ، والدعاة للعمل القومي بلا حساب ، وموضع ثقة الرئيس جمال عبدالناصر، ومن المقربين إليه . ولا تنسى دمشق يوم أن وقف الثلاثة: الرئيس عبدالناصر ، والرئيس شكري القوتلي ، والإمام البدر في أعقاب إعلان الوحدة المصرية السورية في شرفة قصر الضيافة في دمشق يحملون للعالم العربي تباشير الحدث الكبير .

وخلال أربعة وعشرين ساعة من الانقلاب العسكري في اليمن ، تحوّل الإمام البدر  في نظر القاهرة من الداعية للعمل العربي الصادق ، إلى رمز للخيانة والتخلف، واضطهـاد الشعوب ، والقاهرة هي القاهرة ، والبدر هو البدر !

كان هاجس شديد البأس ، قوي ، يسـيطر على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وهو الثأر لنفسه من المملكة العربية السعودية التي كان يصر على تحميلها وزر الانفصـال، وتقويض الوحـدة السـورية المصرية عام 1961م ، ذلك الانفصال الذي أصاب كبرياء الرئيس عبدالناصر ، ونال من تألقه السياسي ، وطموحاته في زعامة العالم العربي . فمنذ يوم ذلك الانفصال ، والعداء المستحكم ضد الرياض يأخذ أبعاداً كادت أن تصل به إلى حدود غير العودة كما يقال .

كان الرئيس عبدالناصر ومن حولـه يجهلون أوضاع اليمن ؛ أرضه وشعبه وتكوينه القبلي وخلفيته التاريخية . كما كانوا يجهلون أيضاً أوضاع المملكة العربية السعودية ؛ تكوينها الاجتماعي، علاقة الأسرة المالكة بشعب المملكـة، النسـيج الديني والاجتماعي والأمني الذي صـنع تلك العلاقة ، وما صاحبها من انصهار تاريخي خلق منها صلة لم يعرفها بلد عربي آخر ، وكانت مراجع الحكم في القاهرة تعتقد بأن نداءات إذاعة صوت العرب من القاهرة قادرة على تقويض أركان الحكم في الرياض . وبنت سياستها على هذا المنظور. وظلت طوال سني أزمة اليمن تهدد ، وتتوعد القيادة السعودية بأن الثورة في صنعاء مفتاح للثورة القادمة في المملكة العربية السعودية.

وكان الاتحاد السوفيتي يُساند سياسة الرئيس عبدالناصر في اليمن في مواجهة المملكة العربية السعودية ؛ لأن الرياض في تصديها للمد الاشتراكي الشيوعي في المنطقة العربية، وإعلان موقفها الرافض لسياسة الاتحاد السوفيتي في المنطقة ، الذي ترى فيه خدمة للمصالح السوفيتية ، وليس عوناً للعرب في صراعهم مع إسرائيل قد أثار حفيظة الاتحاد السوفيتي على المملكة، وجعل منها هدفاً لمحاولات موسكو للنيل من استقرار بلادنا .

كانت هذه التقديرات – مع الأسف – قاصرة خاطئة ، أفرزت رؤى وقرارات سياسية خاطئة، دفعت مصر واليمن والسعودية ثمنها باهضاً من مالها ، وجندها ، وصفاء ذهنها ، وانشغال الأمة العربية بها .

وكان الملك فيصل العارف بأحوال اليمن يؤمل من الرئيس عبدالناصر أن يفهم بـأن الانقلاب العسكري فــي اليمـــن هــو انقــلاب علــى حـــدود بــلاده ، وفي بلــد لم تكــن علاقاتــــه بالضرورة – مع السعودية علاقات التفاهم والوئام ، وأن مخاوف الرياض هي مخاوف مشروعة ، هي مخاوف في طبيعة الأمور ، وأن يبادر الرئيس عبدالناصر إلى مواقف تهدئ من تلك المخاوف بالقول والعمل ، وألا يجعل من انقلاب اليمن حرباً سياسية بين بلدين شقيقين ، وأن يضع يده في يد الملك فيصل للبحث عن مخرج يوقف في المهد حرباً أهلية يمنية تنذر بوادرها بسوء المصير.

كان الرئيس عبدالناصر مدفوعاً باعتبارات تمليها عليه مشاعر الغضب ، والتقدير الخاطئ للأمور ، وقناعة تامة بقدرة وسائل إعلامه على التأثير في مجرى الأحداث في المملكة العربية السعودية ، وإجبار القيادة فيها على الاستجابة لمطالبه السياسية ، وأن الريح تسير بمركبه إلى حيث يشاء.

وكان الملك فيصل يرى في وجود سبعين ألف جندي مصري في اليمن ، وغارات الطائرات المصرية المتكررة على الخميس ونجران اعتداء على أمن بـلاده ، واستهانة بكل المواثيق، واستفزازاً لمشاعر شعب المملكة العربية السعودية ، وتدخلاً في شأن ذلك الشعب، وهدراً للطاقات العربية ، وإمعاناً في موقف يتنافى مع كل ما هـو معقول ومقبول . وكان يؤلم المـلك فيصلاً أن يرى بلاده تُدفع قهراً ، وبلا اختـيار ، لصـراع مع بلد كان دائماً من أكثر البلاد العربية التصاقاً بالتعاطف والسياسة، والمصالح مع المملكة العربية السعودية .

كان فيصـل يدعو لأن تُترك شـؤون اليمن لليمنيين ، لم يكن يريده يمناً سعودياً . ولا يمناً مصرياً . ولا يمناً روسيًّا . ولا يمناً صينيًّا ، بل يمناً يمانيًّا ، يمناً يبني ويسعد ، يمناً بلا دماء . وكان الرئيس عبدالناصر يرى أن على مصر واجباً قومياً يدعوها لأن تساند كل حركات التمرد على الأنظمة الشرعية التي لا يرضى عنها الرئيس ، الأمر الذي كان يرى فيه فيصل بن عبدالعزيز تدخُّلاً سافراً في شؤون الآخرين ، وإخلالاً بكل المواثيق الدولية ، وهدماً لما استقر من علاقات احترام السيادة والثقة بين دول الجامعة العربية . وكان فيصل أعرف الناس بأحوال اليمن وطبيعتها، وتكوينها الاجتماعي ، وصعوبة المراس لدى قبائل اليمن التي وصفها الملك عبدالعزيز يوماً كما جاء في كتاب "رياح التغيير في اليمن" لمعالي السيد أحمد الشامي ، بأن اليمن هي مقبرة الأتراك..!

وتدهورت الأوضاع في اليمن بالمزيد من التدخل العسكري المصري فيها ، وباشتداد مقاومة أنصار الإمام الذي كانت تسانده المملكة العربية السعودية بالدعم المالي ، وتحول دخول جيش مصر الشقيق في اليمن إلى كارثة عربية لا ينساها التاريخ ، وأدرك الرئيس عبدالناصر أن ما كان يقوله فيصل قد أكدته الأحداث ، وأن ما كان يقوله مستشاروه كان عبثاً استنكرته ، وأنكرته الأحداث ...!

وحلت كارثة الهزيمة في حرب يونيو عام 1967م ، ولم تعد اليمن بالنسبة للرئيس جمال عبدالناصر ، وخلافه مع الملك فيصل قضية القضايا ، وهاجسه الذي لا يهدأ، بعد أن ضاعت سيناء ، والجولان ، والضفة الغربية ،  والقدس !

وفي مؤتمر الخرطوم في أغسطس 1967م ، حيث وجد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر نفسه وجهاً لوجه أمام الملك الشهيد ، قال فيصل – وقد علا بمشاعره على كل مرارة الماضي ومعاناته وما تعرض له وما تعرضت بلاده ، وقلبه مملوء بالأسى لما انتهت إليه حرب حزيران – : إن مصيرنا واحد ونحن مطالبون أمام الله ثم أمام شعوبنا بأن نتكاتف وننسى كل شيء ، إن معركتنا مع العدو لا تنتهي بالهزيمة التي لحقت بنا، وإن المملكة العربية السعودية على استعداد للقيام بما يقضي به واجبها العربي في شتى الميادين ، وتقرر في ذلك الاجتماع دعم مصر وسوريا والأردن لإعادة تسليحها وتمكينها من مواجهة آثار الضربة العسكرية والسياسية التي ألحقتها إسرائيل بالعالم العربي ، وأسهمت المملكة بالنصيب الأكبر من ذلك الدعم الذي جاء في حجمه ودواعيه تعبيراً عن صدق العروبة لدى فيصل بن عبدالعزيز .

وانسحب جيش مصر من اليمن ، وأوقفت المملكة العربية السعودية مساعدتها لأنصار الإمام ، وتُرك شعب اليمن يُقرر ما يراه ، فتصالح أنصار الإمام وأنصار الجمهوريين ، واعترفت المملكة العربية السعودية بنظام الحكم الجديد ، واستقر الحال على ما هو عليه في اليمن الشقيق.

المملكة والأزمة اللبنانية :

بعد أن انفجرت الأزمة اللبنانية عام 1975م بين مسلحين فلسطينيين ومسلحين من حزب الكتائب قامت المملكة العربية السعودية بعمل واضح ومؤثر لاحتواء الأزمة اللبنانية انطلاقاً من أهداف سياستها الخارجية المتمثلة في تعزيز التضامن العربي وتقوية وحدة الصف . وكان العمل الأبرز للسياسة السعودية أنه وضع لنفسه هـدفاً ثابتاً ، وهو تحقيق الوفاق الوطني اللبناني على أساس تسوية الخلافات العربية ـ العربية سعياً لتحقيق تضامن عربي حقيقي وشامل من أجل بناء قاعدة تقوم عليها إستراتيجية التصدي لإسرائيل ، دون أن يخرج عن إطاره التوفيقي والإصلاحي مما جعله يلقى قبولاً وتجاوباً لدى معظم أطراف النزاع .

وكان من أُولى المساعي التي قامت بها المملكة العربية السعودية لمعالجة الأزمة اللبنانية بعد تفجرها عام 1975م أن قام الملك خالد بن عبدالعزيز – رحمه الله – بزيارة لسوريا في 25/11/1975م ، وكان من نتائجها الاتفاق على ضرورة تسوية الأزمة اللبنانية في أسرع وقت .

وقد تبلورت السياسة السعودية من خلال النهج الخاص والمُميز للأمير ثم الملك فهد ابن عبدالعزيز في أربع نقاط ، هي : التأكيد المستمر على وحدة لبنان ، وشرعيته الجغرافية ، وسلطته الوطنية ، ورفع الخطأ في الممارسة والعلاقة مابين العمل الفدائي والسلطة الشرعية ، والتحذير المبكر من أبعاد هذه الحرب ، والمساعدة الدائمة ما أمكن دبلوماسيًّا وماليًّا.

فلقد أدركت المملكة العربية السعودية ما تعج به الساحة اللبنانية من صراعات وأبعادها الخارجية لذلك سلكت أسلوباً جنبها التورط ، وحافظ على مصداقيتها بصفتها وسيطاً لا يمكن الاستغناء عنه. ويقول خادم الحرمين الشريفين : ((إن الصراع المرير الذي عصف بلبنان واستمر طيلة هذه  السنين هو في حقيقته وجوهره صراع سياسي ، ومن ثم فإن الحوار السياسي هو أفضل السبل لاحتواء الصراع، وعودة الوفاق والتآخي والتواصل بين أبناء الوطن الواحد)) .

وقد أيد الملك خالد – رحمه الله – كل جهد يجري لإعادة الأمن والسلام والعدالة لجميع الفئات والأخوة في لبنان . وأكد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز بأن المملكة تريد للبنان أن يستعيد هدوءه ، وبأن ذلك لن يكون ممكناً إلا عندما يقـرر مختـلف الأطـرف إيقاف التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية اللبنانية .

بهذا الفهم لمدخلات الأزمة اللبنانية والأسلوب الأمثل لحلها ، والرغبة الصادقة في ذلك المؤيدة بسياسة سعودية واضحة لحل الخلافات العربية وإبعاد شبح الصراعات عن المنطقة تحركت الدبلوماسية السعودية بمرونتها وهدوئها المتعارف عليه فعقدت قمة عربية سداسية في الرياض عام 1976م شارك فيها الملك خالد بن عبدالعزيز ، رحمه الله ، وأمـير الكـويت إلى جانب رؤساء كـل من لبنان وسوريا ومصر ومنظمة التحرير الفلسطينية . وقد أعلنت هذه القمة رفض تقسيم لبنان ، والمحافظة على وحدة أراضيه وسيادته الوطنية . وكانت الصيغة التي تُوصل إليها لحل الأزمة تتلخص في تكوين قوات ردع عربية مشتركة لتحل محل القوات السورية الموجودة في لبنان التي جاءت إلى لبنان بطلب رسمي من الحكومة اللبنانية للمساعدة على إقرار الأمن، وإنهاء الاقتتال بين الفئات المتناحرة ، لكن الجزء الأكبر من قوات الردع هذه ظل سورياً . وهكذا يمكن القول إن قمة الرياض السداسية أدت إلى حصول سوريا على اعتراف عربي بمركزها ومهمتها في لبنان .

وقام الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية بجهود مضنية لاحتواء الأزمة ، كما قام الأمير بندر بن سلطان بدور نشط لوقف إطلاق النار. وتابع خادم الحرمين الشريفين مهمة وزير الخارجية ومبعوثه، وساندهما بالاتصال الشخصي لتحقيق الخطوة الأولى الضرورية للحل بحيث أمكن التوصل إلى وقف إطلاق النار والاتفاق على مؤتمر وطني للحوار يضم القوى اللبنانية المتصارعة والمختلفة والمؤثرة على مسرح الأحداث .

وفي مؤتمر القمة العربي في الدار البيضاء 23 ـ 26 مايو 1989م المتعلق ببحث الأزمة اللبنانية وآخر تطوراتها تقرر تشكيل لجنة ثلاثية عربية عليا مكونة من خادم الحرمين الشريفين وجلالة الملك الحسن الثاني والرئيس الشاذلي بن جديد . ومُنحت جميع الصلاحيات لمعالجة الأزمة اللبنانية .

ومارست اللجنة الثلاثية مهامها إلا أنها في أول المحرم 1410هـ أعلنت عن وصولها إلى طريق مسدود . لكنها في 17 من الشهر نفسه أعلنت عن استئناف مهامها في محاولة أخرى لوضع حد للوضع الخطير الذي تعانيه لبنان، ولم تتمكن من إنجاز مهامها بسبب الخروقات المتكررة لوقف إطلاق النار .

ثم عقد اجتماع لوزراء خارجية اللجنة الثلاثية في جدة في 13 صفر 1410هـ/ سبتمبر 1989م وصدر بيان أوضح بأنه تقرر وقف إطلاق النار بشكل فوري في كل أنحاء لبنان ، وتشكيل لجنة أمنية لبنانية برئاسة الأخضر الإبراهيمي وزير خارجية الجزائر (السابق) ومندوب اللجنة الثلاثية . كما تقرر فك الحصار البحري ، وفتح مطـار بيروت، ووقف الحملات الإعلامية ، ودعوة الدول المعنـية للعمل على وقف تدفق السلاح للبنان . وتوجيه الدعوة لأعضاء مجلس النواب اللبناني للاجتماع لإعداد وثيقة الوفاق الوطني ومناقشتها في موعد يحدد لاحقاً .

وبعد تثبيت وقف إطلاق النار بدأ الحوار اللبناني في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية بحضور وزراء خارجية اللجنة الثلاثية ، ووفق على وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) في 23 ربيع أول 1410هـ / 22 أكتوبر 1989م في مدينة الطائف . واستمرت المملكة العربية السعودية في دعم استقرار لبنان ، وتعهد خادم الحرمين الشريفين بالإسهام في تعميره .

اتفاقية الطائف لم ترض عنها جميع الأطراف اللبنانية ، وهذا أمر مفهوم ؛ لأنها حملت رؤى عادلة جديدة نالت بعض المصالح التي اعتادت عليها تلك الأطـراف . وأياً كانت تحفظات تلك الأطراف، فإن ما يسجل لاتفاقية الطائف هو أنها أسكتت المدافع ، وأتاحت مداخل جادة لحوار جاد انتهى إلى إقرار السلام في هذا البلد العربي الجميل .

ولولا المملكة العربية السعودية لظلت حرب لبنان حرباً منسية ، ولاستمر القتل والدمار على ما هو عليه ، فلم تعد المشكلات الداخلية والإقليمية تُبقي للحكام العرب من صفاء الذهن ما يجعل من حرب لبنان واحدة من أولوياتهم .

المملكة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية :

كانت بريطانيا (العظمى) تهيمن خلال قرون عدة على مقدرات الخليج العربي بساحليه الشرقي والغربي . وكان اهتمام بريطانيا بالخليج يستمد مبررات وجوده من حرصها على تأمين الطريق وحمايته المؤدي لشبه القارة الهندية التي ظلت درة التاج البريطاني لعدة قرون .

وتطورت العلاقات الدولية، وتغيرت مفاهيمها، وازدادت حركات التحرر العالمية، وبدأ النفوذ البريطاني بالانحسار عن الخليج بانحسار الاستعمار ، وظهور العديد من الدول المستقلة . وكان الملك فيصل يوالي اتصالاته بإخوانه أمراء الخليج ، ويساندهم في مطالبهم باستقلال بلادهم على نحو أغضب المراجع البريطانية العليا . أعلنت بريطانيا عزمها على الجلاء عن دول الخليج خلال مدة أقصاها عام 1971م، وعاود الملك فيصل اتصالاته بإخوانه، داعياً إياهم إلى الوحدة والتماسك فيما بينهم . وعملت المملكة مخلصة على تسوية المشكلات الحدودية المعلقة بينها وبين دول الخليج العربية التي كانت إرثاً من مخلفات الوجود البريطاني هناك . ثم التفت الملك فيصل إلى مشكلة المشكلات في الخليج العربي وهي مطالبة إيران بدولة البحرين، وعدها جزءاً لا يتجزأ من إيران..!! وكان على فيصل أن يلقي بكل ثقله ليواجه هذه المطالبة المزمنة غير المعقولة التي جعلت منها الحكومات والعهود الإيرانية المتعاقبة مطلباً وطنياً لا سبيل للبحث فيه .

وعرف الملك فيصل بأناته وصبره وبُعد نظره ، كيف يتعامل مع محمد رضا بهلوي شاه إيران . وبعد أن تبادلا الزيارات الرسمية لبلديهما ، استطاع الملك فيصل إقناع شاه إيران بأن البحرين دولة عربية ، وأن إصرار إيران على المطالبة بالبحرين لن يساعد على قيام علاقات وثيقة بينها وبين دول الخليج والعالم العربي بوجه عام .

واعترفت إيران بدولة البحرين . وجاء هذا الاعتراف شاهداً آخر من شواهد حرص القيادة السعودية على خدمة قضايا أمتها العربية.

وإني لأتساءل ماذا ستكون عليه الحال من المخاطر والتعقيدات السياسية بين إيران ودول مجلس التعاون لو أن قضية البحرين قد ظلت معلقة دون حل إلى ما بعد اندلاع الثورة التي أطاحت بالحكم في إيران.

وبعد أن استكمل الخليج العربي استقلال قراره السياسي، استكملت حلقات رباط التعاون الداخلية، وساعدت العوامل الخارجية على ترجمة الصلات والعلاقات الخاصة بين دول الخليج العربية الست في شكل تنظيم تعاوني خاص، فقام مجلس التعاون لـدول الخليج العربية الذي كان وراء قيامه في 25 مايو 1981م عوامل عديدة داخلية وخارجية، وقد عبر عنها خادم الحرمين الشريفين حينما قال : (إننا نسمي الأشياء بأسمائها، وقد اتخذنا كدول خليجية عربية الخطوة التي عبرت عما نريد بالضبط، وهو تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بيننا لتوسيع وتعميق وتوثيق الروابط والصلات في كافة الميادين، بما في ذلك العمل على وضع نظم متماثلة في مختلف المجالات . وفي رأينا أن ما خطط له من شأنه أن يؤدي إلى وحدة الواقع القائمة دائماً بين دول المجلس العربية، وجعلها حقيقة لخير شعوبها وخير  الدول العربية جمعاء) .

 

وقال: (إن مجلس التعاون يمثل تنسيقاً أخوياً في إطار التوجهات الخيرة لجامعة الدول العربية التي نعمل بكل جهد لإنجاح دورها) . وقال : (بأن السعودية مرتبطة ارتباطاً متكاملاً بدول الخليج . نحن جزء من ست دول خليجية ، لا نستطيع أن نسمح لأحد في العالم أن يفرق بين هذه الدول الست ، وأنا واحد من ضمن هذه الدول الست) . وقال أيضاً: (بأن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثل إطاراً لوحدة الخليج في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية) .

وخلال ترؤس خادم الحرمين الشريفين لجلسة مجلس الوزراء السعودي في 1/9/1997م أوضح البعد الإقليمي للسياسة الخارجية للمملكة . فبدأ بقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981م الذي يمثل الاستجابة العملية لمطلب جوهري، وضرورة إقليمية، أملتها متطلبات العصر، فضلاً عن توافر عنصر التجانس، ومقومات التقارب بين دوله الست مثل وحدة الدين واللغة ووحدة التاريخ والتراث الفكري والثقافي ووحدة الآمال والتطلعات، وتشابه النظم السياسية والمرتكزات الاقتصادية وتطابق التقاليد والقيم الاجتماعية . وعدَّ خادم الحرمين الشريفين أن البعد العربي يشكل أهمية في بناء علاقات السعودية مع شقيقاتها العربية في ضوء ميثاق الجامعة العربية . مؤكداً حرص المملكة على اسـتمرار هـذا التعـاون لما فيه خيرها وخير شعوب الوطن العربي، وإقامة جسور التفاهم والتضامن والتعاون على أساس صحيح وسليم .

مما سبق تتضح العلاقة بين المملكة العربية السعودية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية بجميع أبعادها . وتتضح أيضاً الدوافع والعوامل التي أدت إلى قيام المجلس في العام 1981م . فنحن نلحظ من أقوال خادم الحرمين الشريفين أنه علاوة على العوامل الداخلية التي كانت قد هيأت الأرضية المناسبة والممكنة لقيام المجلس، فإن هناك عوامل خارجية لها أيضاً دور في قيامه . وكذلك نلحظ بأن الأمن ورد ضمن أهداف المجلس ، وأن التعاون العربي غاية من غاياته .

ويرى بعض المحللين السياسيين أن إنشاء المجلس في العام 1981م يؤكد على مسألتين مهمتين ، إلى جانب الاهتمامـات الأخـرى كالجانب الاقتصـادي والاجتماعي، وهي : مسألة الأمن الخارجي والاستقرار الداخلي . فمع غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان ، وقيام الثورة الإيرانية ورفعها لشعار تصدير الثورة آنذاك ، وقيام الحرب العراقية الإيرانية على قـرب حـدود دول المجـلس فإن عامل الأمن كان سبباً بين الأسباب الرئيسة لقيامه.

ومسألة اهتمام المملكة العربية السعودية بالأمن ليست جديدة، ولا خاصة بها  فـهي تعد أمن الجزيرة العربية كلها في مقام أمنها، ومن قبل أن يقوم مجلس التعاون قامت المملكة بدور لحفظ أمن جزيرة العرب فموقفها من ثورة ظفار ومن ثورة اليمن يوضـح ذلك ؛ لأن موقفها لم يكن لمجرد كون هذه الأحداث حصلت على حدودها ، ولكن موقفها مبني على ما حملته هذه الأحداث من ادعاءات وأفكار تهدد أمن الجزيرة برمتها. والمملكة منذ عام 1976م وهي تسعى وبالتعاون مع شقيقاتها الدول الخليجية الأخرى أعضاء المجلس إلى إقامة تجمع خليجي من أجل أمن الخليج ، ولم يتحقق ذلك إلا بعد خمس سنوات حينما أنشيء المجلس عام 1981م ، وبعد أن تضافرت الأسباب الإيجابية التي أدت إلى قيامه .

وقد أوضح الأمين العام السابق لمجلس التعاون عبدالله بشارة الاتجاه الإستراتيجي لمجلس التعاون عندما قال : إن المجلس يعمل على المحافظة على ميزان القوة في الخليج ، ويسعى إلى المحافظة على الوضع الراهن في المنطقة .

وللمحافظة على ميزان القوة في المنطقة، فإن المملكة بالعمل والتنسيق مع شقيقاتها أعضاء دول المجلس تمكنت من إنجاز ثلاثة أهداف متداخلة مع بعضها ، هي : محاصرة الحرب العراقية الإيرانية ، ومنع امتدادها خارج نطاقها ، والعمل على استبعاد التهديد الذي تشكله الدعوة الراديكالية للثورة الإيرانية . ومنع اتساع التهديد الشيوعي الروسي من أفغانستان وانتشاره ، والعمل على تعزيز الأمن والقدرات الدفاعية للدول الأعضاء في مجلس التعاون .

وقد عملت المملكة بصفتها عضواً في مجلس التعاون على التنسيق مع أعضائه ، والقيام بجهود دبلوماسية جبارة ، وطرق جميع المحافل الدولية لتحرير دولة الكويت ، وإبعاد خطر الغزو العراقي عن دول المجلس عموماً . كما أن التنسيق والتعاون مع بقية أعضاء دول المجلس هو ركن من أركان سياسة المملكة العربية السعودية في التعاون والتضامن العربي .

وبوجود المملكة العربية السعودية بصفتها عضواً في مجلس التعاون ، ودعمهـا لأهدافه ، وسعيها للتنسيق والتعاون مع أعضائه للدفع بمسيرته على جميع المستويات : السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وماتحقق نتيجة لذلك من إنجازات في إطاره، فإنها تخطو خطوة إيجابية نحو المستقبل تصب ليس في مصلحة دول المجلس مجتمعة فحسب، وإنما هي رافد من روافد التعاون والتضامن العربي، وتحقيق الأمن النفسي والاقتصادي، والاستقرار في جزء من الوطن العربي .

المملكة وتحرير الكويت :

ربما كان الحكم على اجتياح العراق للكويت في حينه ، عرضة لالتهاب المشاعر، وانقسام الرأي فيه بين مسـاند لهذا العدوان ، أو معارض له ، غاضبٍ عليه ولا سيما أن بعض وسائل الإعلام العربية قد اعتادت على صنع الأباطيل ، ومجافاة الحق في ما تقول ، واستثارة الغوغاء من السذج والحاقدين ، فضلاً عما كانت عليه مواقف بعض الكتاب العرب، وما ارتكزت عليـه من مشاعر التحامل على دول الخـليج العربي ، تحاملاً قائماً على الأحكام المسبقة ، والجهل بالأمور ، والحسد ، والاستكثار لما نحن فيه.

والآن : وقد هدأت المشاعر ، ومضى عـلى ذلك الغزو ما يقرب من ثمانية أعـوام ، وكتب عنه ما كتب ، وقيل فيه ما قيل ، وأمكن للفكر أن يتعامل مع هذه القضية في منأى عن الانفعال والتهديد ، والإرهاب ، وما دفعه شعب العراق الشقيق ثمناً باهظاً لهذه المغامرة المجنونة ، قد يتسنى أمـر الحديث فيه بالقدر الممكن لنا من الموضوعية والحياد.

خرج العراق من حربه ، ذات الثمانية أعوام ، مع إيران ، مدمر الاقتصاد ، منهوكاً، مثقلاً بالديون ، مثخناً بالجراح ، لم يبق معه بيت من بيـوت العراق إلا وغرق في الحداد على فقد عزيز.

هذه الحرب فوجئت بها دول مجلس التعاون، وفرضت تبعاتها السياسية والاقتصادية عليها، وساندت العراق فيها مساندة تحملت في سبيلها الكثير من الأذى من الحـكم في إيران .  استطاع العراق بفضل تلك المساندة أن يحرر جنوبه ، منطقة الفاو ، الذي احتلته إيران ، فأوقفت الحرب .  وخرج الرئيس صدام حسين من هذه الحرب بشعور المزهـو بانتصاره ، فلقـبه البعض بـ (فارس العرب) ، وأيقن الرئيس أنه سـيد الموقـف العربي بلا منازع ، وأنه كما قال : "لولا العراق لقيدت دول الخليج إلى طهران سبايا ..  !" ، ولحظ  من اجتمع به من كبار المسـؤولين العرب كيف كان معتدًّا بنفسه ، معتدًّا (بانتصاراته) ،  ينظر إلى الآخرين من علٍ ، في تصرفاته غطرسة ، واستهانة بالآخرين .

وأغلب الظن أن غزوه للكويت كان قد بدأ يستقر في أعماقه، وهو في هذه الذروة من شعوره بالفوقية ، والقدرة العسكرية ، وإلحاق الهزيمة بإيران ، بطردها من جنوب العراق.

كان الرئيس صدام حسين في حاجة ملحة ، عاجلة ، وكبيرة للمال ، من أجل إعمار ما دمرته حربه مع إيران ، وسداد ما عليه من ديون خارجية ، ثمناً للسلاح الذي اشتراه ، وتعويضاً لشعب العراق عما قاسـاه في تلك الحرب وعاناه .  ولم يكن تأمين المبالغ الطائلة ميسوراً ، أياً كان حجم المساعدات التي قد تأتيه من دول مجلس التعاون بطلب منه .  كان يعلم ذلك .  وأصبح الحل في اعتقاد