مقــدمة :

 كان استرداد الرياض في الخامس من شوال 1319هـ/1902م الانطلاقة الأولى والقاعدة الأساسية لتوحيد المملكة العربية السعودية من خلال استرداد معظم الأراضي السعوديــــة التي فقدتها الدولة السعوديــــة الأولى والثانيــــة على يد الملــــك عبد العزيز يرحمه الله الذي أعاد لآل سعود حكمهم ومكانتهم، ولم يكن هذا الإنجاز بالأمر اليسير، حيث لم يتوقع أحد في ذلك الوقت أن يستطيع عبد العزيز تحقيق هذا الإنجاز، خاصة أنه استطاع استرداد الرياض من خلال خطة رسمها هو نفسه مع قلة من الرجال، قيل: إنه لم يتجاوز عددهم ستين رجلاً . وعندما استقرت الأحوال في هذه المدينة بدأت الانطلاقة المباركة لتوحيد مملكته، واستعادة أمجاد آبائه وأجداده، ولتستقر في نهاية المطاف سفينة التوحيد باسترداد معظم ما اغتصب من أراضي الآباء والأجداد، وتصبح مملكة موحدة في عام 1351هـ / 1932م تحت لواء الشريعة الإسلامية.

وعلى الرغم من أن الحقبة الممتدة من عام 1319هـ /1902م (وهي السنة التي استعاد عبدالعزيز فيها الرياض) حتى مدة ضم باقي مناطق المملكة ومن ثم التأسيس والتوحيد سنة 1351هـ / 1932م كانت مدة صعبة ومملوءة بالمفاجآت والمتزامنة مع انشغال القائد بشؤونه الداخلية، إلا أن تلك الأحداث لم تثنه عن زيارة منطقة الخليج، والاتصال المستمر بها، وعلى وجه الخصوص البحرين وقطر والكويت، وهذا دليل على قوة العلاقات والتلاحم بين عبد العزيز وحكام تلك الدول، وعلى الرغم مما تخلل ذلك من خلافات متعددة ، وخاصة الحدودية منها بسبب إستراتيجية الدول الاستعمارية لإيجاد الفرقة وغرس الكراهية بين شعوب تلك البلاد وحكامها. ولكن على الرغم من كـــل ذلك فـــإن سلـوك الملك عبدالعزيز تجاه جـــميع القضايـــا يؤكد أنه يعي – وبشكل دقيق – ما يحاك من مؤامرات ضد المنطقة وتحديات على مختلف المستويات والأشكال جعلته يقف بصلابة في وجهها، ويتعامل معها بحكمة وبعد نظر.

 

لقد شكلت منطقة الخليج العربي والدول المطلة عليها أهم محور لسياسة المملكة الإقليمية الخارجية، ويعود ذلك لأسباب عديدة ، من أهمها : الارتباط الأسري والقبلي والتاريخي ، والجوار الجغرافي المميز الذي تتمتع به دول الخليج العربية، الذي يكاد يكون فريداً بين شعوب العالم، وكذلك التماثل إلى حد التطابق  للأنظمة السياسية والاقتصادية وغيرها لتلك الدول.

لقد زاد من اهتمام المملكة بهذه المنطقة أنها كانت منذ أمد طويل محط اهتمام القوى الكبرى، لأهميتها الإستراتيجية بجميع جوانبها؛ لذا فليس بالمستغرب أن تمثل منطقة الخليج عمقاً إستراتيجياً للمملكة (1). وحيث إن مؤسس هذا الكيان الملك عبد العزيز قد رسم سياسة خارجية حكيمة لهذا البلد، فقد سار على نهجها خلفه من بعده لتكتسب احتراماً إقليمياً ودولياً، ولتتبلور مع متغيرات الزمن، وبشكل متأنٍّ وصحيح، ولعل من أهمها علاقة المملكة المتميزة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي هي موضوع هذه الورقة.

 لقد كانت وما زالت علاقات المملكة العربية السعودية بدول الخليج العربي، وخاصة تلك الدول الأعضاء في مجلس التعاون متميزة، واستثنائية إذا ما قورنت ببقية الدول الأخرى الواقعة في المحيط الإقليمي أو الدولي. لذا فقد تطورت تلك العلاقات على الرغم مما واجهها من عقبات وتفاوت في وجهات النظر ماضياً وحاضراً بشأن العديد من المسائل والقضايا المختلفة سواء كانت الحدودية أم الأمنية. 

  لقد شهدت تلك العلاقات ثباتاً وسط العديد من المتغيرات والأزمات التي مرت بالمنطقة عبر العقود الماضية، واستمرت تقف بوجه جميع المحاولات المتكررة التي تسعى لزعزعة تلك العلاقات، بقصد إيجاد جوٍّ من الفوضى وعدم الاستقرار بين تلك الدول. وعلى الرغم من إيماننا بأن علاقات المملكة بدول المجلس تعد مثالية ورمزاً للتعاون، فإنه يصعب تقصي إيجابيات تلك العلاقات خلال قرن مضى من الزمن، وذلك بمناسبة الاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية.

 

لذا فإننا سنقوم ومن خلال هذه الورقة وبشكل موجز إلقاء نظرة على بعض جوانب تطور تلك العلاقـات ( ستشتمل على خمس حقب تمثل حقبة الملك عبد العزيز، الملك سعود، الملك فيصل، الملك خالد، الملك فهد أو الحقبة الراهنة) من خلال تحليل أهم المحاور التي ترتكز عليها علاقات المملكة مع دول الخليج التي تهدف إلى العمل على التنسيق وتحقيق التكامل والترابط في جميع الميادين أملاً في الوصول إلى وحدتها ، وتحقيق طموحاتها وسط متغيرات دولية متلاحقة وخطيرة (بدأت تتطور تلك المتغيرات منذ الحرب العالمية الثانية ، وأخذت مسارات وأنماط مختلفة) حتى أصبحت اليوم تشكل أكبر تحدي تواجهه الكيانات الصغيرة ، وتنبئ باحتمال خطر لم يسبق له مثيل خلال الربع الأول من القرن المقبل مما يحتم على دول هذه المنطقة التكاتف والتعجيل بوحدتها، وهذا الأمر قد توقعه بالفعل مؤسس هذا الكيان العظيم المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود منذ أكثر من نصف قرن من الزمن عندما كرر وشدد في مناسبات عديدة على ضرورة التكاتف ، والعمل الجاد من أجل بناء بيت خليجي متماسك الأركان.

 

 

العلاقات السعودية– الخليجية في عهد الملك عبد العزيز: 1319–1373هـ /1902–1953م :

عندما واجهت الدولة السعودية الثانية في العقد الأخير من القرن التاسع عشر مأزقاً في استعادة نجد، الذي تلاه تدهور في معظم أنحاء الجزيرة العربية، كان لا بد للإمام عبد الرحمن وابنه عبد العزيز التوجه إلى بعض المناطق المجاورة الآمنة خارج دائرة الصراع في الجزيرة العربية، وكانت البحرين وقطر والكويت أهم ثلاث مناطق اتجهت إليها الأنظار إلى أن استقر الاختيار على الكويت لتكون المقر المؤقت لعبد العزيز الذي لم يهدأ له بال، حيث كان منشغلاً طوال وقته يخطط لطريقة العودة إلى أرض الآباء والأجداد واستردادها من المغتصبين.

  لقد كانت قطر أول محطة يمر بها الإمام عبد الرحمن وابنه عبد العزيز في طريقهما إلى البحرين التي أضافتهما عام 1309هـ / 1891م، في أول رحلة خارج نجد، حيث كان لها وقع لا ينسى جعل المملكة تقف وباستمرار مواقف نبيلة تجاه البحرين حتى يومنا هذا(2). وقد كانت الكويت، التي وصلها في منتصف عام 1310هـ /1892م آخر المحطات الثلاث التي استقر فيها عبد العزيز لعقد من الزمن، وكانت بمثابة المدرسة الأولى التي أكسبته العلم والمعرفة والحياة الحضرية، حيث تعرف على أصول السياسة والاتصال وفن الزعامة مما هيأه ذلك للانطلاق بفكره وعقله وفنه لتحرير ما اغتصب من أرض آبائه وأجداده واستردادها، وقد كتب له ما أراد واسترد الرياض في الخامس من شوال 1319هـ / 1902م، وكان ذلك الإنجاز البداية الحقيقية لاستعادة معظم ما تبقى من ملك آبائه وأجداده، واسترداد آل سعود مكانتهم وحكمهم السليب ، وكان ذلك بمثابة مغامرة كبرى استحقت أن يطلق عليها أسطورة من أساطير التاريخ، أهلت الملك عبد العزيز بأن أصبح معجزة في تاريخ الأبطال، وأحد أهم عظماء التاريخ الحديث ، وذلك عندما استطاع بعد ذلك من توحيد هذا الكيان وتأسيس المملكة العربية السعودية الحديثة عام 1351هـ /1932م(3).

 

وتأكيداً للرغبة المخلصة بضرورة بناء البيت الخليجي وحتمية ذلك فقد قام عبدالعزيز على الرغم من انشغاله المصيري داخلياً، وعلى الرغم من المحاولات من بعض القوى الاستعمارية لعرقلة ذلك، بزيارة الدول الخليجية فقد قام بزيارة الكويت عام 1910م، وعام 1915م، وعام 1936م، والبحرين عام 1930م، وعام 1939م  وأوفد العديد من وزرائه للقيام بزيارة تلك الدول، حيث قام على سبيل المثال الأمير سعود بزيارة البحرين عام 1937م، وقد بادله حكام الخليج الزيارة في مناسبات عديدة، وكانت تلك الزيارات تهدف إلى التشاور وتقريب وجهات النظر تجاه العديد من القضايا التي تهم مصالح تلك البلدان، بما في ذلك العمل على تأكيد استقلالية اتخاذ القرارات التي تخدم الجميع دون تدخل أو تأثير القوى الإقليمية والدولية قدر المستطاع . ومنذ ذلك الوقت لم ينقطع الاتصال بين المملكة وبقية دول الخليج، ولم تتأثر علاقتهما حتى يومنا هذا، على الرغم مما شابها من خلافات حدودية كان للمملكة عمل رئيس وبارز في تذليلها حفاظاً على أواصر الأخوة والعلاقة بينها (4).

وقد وصفت العلاقات بين المملكة ودول الخليج العربي من كلا الجانبين منذ تأسيس المملكة حتى وقتنا الراهن وفي مناسبات عديدة بأنها مثالية ومتميزة . فمثلاً قبل قرابة أربعة وستين عاماً، وصفت علاقة المملكة بالكويت بأنها علاقة محبة وألفة وأخوة صادقة بعيداً عن ما يحدث من خلافات، حيث إن ذلك أمر طبعي، يحدث لجميع دول العالم فيما بينها، سواء كانت حدودية أم اقتصادية أم سياسية أم عسكرية أم غيرها. لقد وصف هذه العلاقات مع الملك عبد العزيز والمملكة العربية السعودية الشيخ أحمد الجابر الصباح أمير الكويت في عام 1354هـ /1935م حينما قال: "إن علاقاتنا على أحسن ما يرام من الاتفاق والوئام، وعدا ذلك فقد يظن البعض أن علاقتي الشخصية مع الملك عبدالعزيز إن هي إلا صداقة بحكم الجوار، وما تجمعنا به الألفة والدين ولكن لا، فإننا لسنا بأصدقاء فحسب، بل قل إننا شقيقان بحق، يفتدي أحدنا أخاه بنفسه، وقد تشاركنا في السراء والضراء... ، وحاربنا جنباً إلى جنب مراراً عدة... وكنا ولا نزال خير مثال للصداقة الأخوية، من حيث المحبة والألفة والصداقة التي لا تؤثر فيها حادثات الدهر، فكيف بالصغائر التي يقوم بها ذوو الأغراض الذين يحاولون الصيد في الماء العكر"(5).

وتجسيداً لهذا الاهتمام بتطوير العلاقات السعودية – الخليجية فإن رعايا دول الخليج القادمين إلى المملكة للعمل، وخاصة من البحرين والكويت وقطر يعاملون معاملة المواطن السعودي بالنسبة للمزايا الوظيفية دون تفرقة وذلك بأمر من الملك عبدالعزيز مما ساعد على تدفق هجرات كبيرة، وخاصة من البحرين للعمل في شرق المملكة، وخاصة بعد كساد تجارة اللؤلؤ في هذه الدولة الخليجية، وقد قدر عدد العمال البحرينيين في أوائل عهد النفط في المملكة وخاصة في أواخر الأربعينيات أكثر من ثلاثين ألف عامل، وهذا رقم كبير إذا ما قورنت نسبته بحجم سكان البحرين آنذاك (6).

لقد استمر العمل على تطوير العلاقات بين المملكة ودول الخليج بروح من التفاهم لخدمة المصالح المشتركة، ولم تكن بعض الخلافات التي كانت تحدث من حين لآخر عائقاً أمام  طموح الملك عبدالعزيز لتعزيز علاقات المملكة بالأشقاء من عرب الخليج، فمثلا على الرغم مما حدث من خلافات حدودية بين المملكة وبعض دول الخليج أججتها قوى خارجية ذات مصالح نفعية، فإن حنكة الملك عبد العزيز ونظرته العميقة والمتأنية لمستقبل المنطقة واستقرارها قد بنت وأسست وبشكل صحيح جسور من الأخوة والأصالة، ربطت دول الخليج العربية بالمملكة العربية السعودية منذ تأسيس المملكة ، تُرجمت إلى واقع ملموس تبناه خير خلف لخير سلف (7).

       لقــد ترجم الملك عبد العزيز – وذلك حتى قبـــل اكتمال التأسيس النهـــــائي للمملكة – أقواله إلى أفعال ملموسة ومخلصة لتطوير علاقاته بالدول المحيطة بمملكته، وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربية، وذلك من خلال توقيع العديد من الاتفاقيات، وكان القصد من ذلك إدخال الطمأنينة ، وبناء الاستقرار ، وإرساء دعائم الأمن في المنطقة، وإيجاد علاقات متينة، ترعى المصالح المشتركة، وقد نجح الملك في تحقيق هذا الهدف على الرغم من المحاولات العديدة من قبل قوى خارجية للحيلولة دون تحقيق ذلك.  لذا فقد وُقع أكثر من 70 معاهدة واتفاقية في عهد الملك عبدالعزيز، وذلك في المدة ما بين عام 1922 – 1951م شملت معاهدات واتفاقيات حدودية وأمنية واقتصادية وصداقة. وزاد عدد تلك الاتفاقيات والمعاهدات ليصل قرابة 135 معاهدة واتفاقية في أواخر عام 1973م(8).

لقد كان نصيب دول الخليج ومشيخاتها بما في ذلك إيران والعراق من الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة في عهد الملك عبدالعزيز قرابة 22 اتفاقية ومعاهدة، منها ما يخص مسائل حدودية وأمنية واقتصادية وصداقة. فمثلاً في عهد الشيخ أحمد الجابر الصباح أمير الكويت ( كان من المقربين من الملك عبدالعزيز ، وكان في معظم الأحيان على اتفاق ووئام معه، تعززه العلاقات بين المملكة والكويت بشكل كبير جداً ) وُقعت اتفاقيات عديدة، كان من أهمها اتفاقية العقير؛ لتحديد الحدود بين نجد والكويت، وإقامة منطقة محايدة بين البلدين في الثاني من ديسمبر 1922م، وقد تم ذلك الإنجاز على الرغم من عدم تحمس بريطانيا لإيجاد تسوية نهائية للحدود بين نجد والكويت آنذاك. ولا شك أن التطورات التي حدثت في السنة الأولى من سنة 1920م ، وخاصة احتكاك قبائل نجد والعراق والغزوات المتبادلة بينها أجبرت البريطانيين على تغيير سياستها، ويعود ذلك لحرصهم الشديد آنذاك على المحافظة على حكومة العراق الحديثة النشأة، التي إن لم يصن أمنها آنذاك فقد تكون سبباً في فقدان بريطانيا مصالحها في المنطقة، ولكن ما تم بين نجد والكويت في التوقيع على اتفاقية تحديد الحدود ما كان ليتم لولا الاتصال والمشاورات التي تمت بين عبدالعزيز آل سعود وأحمد الجابر الصباح، حيث كان ذلك نابعاً من حرصهما الشديد على عدم إعطاء الفرصة للمتربصين لإيجاد أزمة بين البلدين، وفي الوقت نفسه كانت هناك رغبة صادقة بين الطرفين لتعزيز علاقاتهما(9).

و على الرغم من استمرار الخلافات الحدودية التي زرعتها بريطانيا في المنطقة فقد حرص الملك عبدالعزيز على ألا تكون تلك الخلافات عائقاً في استمرار التواصل ، وبناء العلاقات الودية بين المملكة وجيرانها، لذا فقد أكد في كل المناسبات  على الروابط التاريخية المميزة، التي لا تستند إلى الجوار الجغرافي فقط، وإنما تتعدى ذلك لتشمل وبشكل متأصل ومتجذر العلاقات الأسرية والقبلية والسياسية والاقتصادية، التي تعود إلى عصري الدولة السعودية الأولى والثانية، اللتين  امتدتا من 1744 – 1818م ومن 1840 – 1891م.

   لقد كان الملك عبد العزيز شديد الحرص على سيادة دول الخليج ومشيخاتها، وقد ترجم ذلك بوقوفه بوجه أطماع بعض الدول المجاورة وخاصة العراق وإيران. فمثلاً عندما بدأت بعض الصحف والإذاعات في كل من بغداد والقاهرة في شهر مارس من عام 1939م، تروج لبعض الادعاءات بشأن موافقة الملك عبد العزيز على ضم الكويت للعراق، كان رده النفي القاطع، والتأكيد على أن المملكة لم توافق ولن توافق مطلقاً بالمساس بالكويت وسيادتها، وأن هذا ينطبق على بقية دول الخليج الأخرى، وقد قال: بشأن ما أشيع عن ضم الكويت للعراق ما نصه: " كذبوا ما نشرته الجرائد عن موافقتنا على إلحاق الكويت بالعراق، فأنا ما وافقت على هذا، ولن نوافق عليه، لأن الكويت لأهله" (10).

  ومن أهم الاتفاقيات التي وقعت في عهد الملك عبد العزيز مع دول الخليج ومشيخاتها، إضافة إلى ما ذكرناه سالفاً، والتي تهدف إلى تعزيز العلاقات هو ما تم مع الكويت في 20 أبريل 1942م، من أجل تنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين، وكان من أهمها عدد من الاتفاقيات التي شملت جوانب الصداقة وحسن الجوار والأمور التجارية، إضافة إلى  ما يُعنى بالأمور الأمنية مثل تسليم المجرمين.

ويلحظ من خلال قراءة تلك الاتفاقيات المعقودة بين البلدين، أنها تؤكد على التعاون الوثيق والصداقة الثابتة والمحترمة والمحافظة على العلاقات بينهما بشكل عام ، ومنع كل ما يعكر ذلك من خلال بذل جميع الجهود المتاحة، وأن تتخذ جميع السبل والوسائل تجاه أي أعمال غير مشروعة تضر بالبلدين، وأن تكون روح الصداقة والمودة هي الركيزة الأساسية لحل أي خلافات قد تقع بين البلدين . ولاشك أن بنود الاتفاقات والمعاهدات المعقودة بين الدولتين تعد استثنائية، إذا ما قورنت باتفاقيات مماثلة مع بلدان أخرى، وهذا دليل على قوة العلاقات بين المملكة ودول الخليج العربية التي أرساها المؤسس عبدالعزيز، وسار على نهجه من خَلَفَه من بعده حتى يومنا هذا، وهذا ما أثبتته الأحداث التي مرت بالمنطقة على مدى مائة عام مضت (11).

 

عهد الملك سعود:  مرحلة التعزيز : 1953–1964م

  يعد عهد الملك سعود حقبة مهمة لتعزيز العلاقات مع دول الخليج العربي، حيث عمل الملك سعود بجد وإخلاص لتطوير علاقة المملكة مع تلك الدول، لذا فقد سارت العلاقات السعودية الخليجية على وجه العموم والسعودية – الكويتية على وجه الخصوص محققة تطورات إيجابية مهمة نحو الأفضل، أكدتها المواقف السعودية العلنية نحو صيانة واستقرار وإمارات الخليج العربي، وكانت الكويت التي واجهت العديد من المحن والمشاكل منذ استقلالها في أوائل الستينيات خير مثال للمواقف السعودية تجاه دول الخليج، وكأن هذه الدول جزء من الجسد السعودي، فمثلاً عندما أعلنت الكويت استقلالها عام 1961م، كانت وقفة المملكة معها في تحقيق هذا المطلب المشروع قوية وحازمة عبر جميع القنوات المتاحة بما في ذلك تسخير جميع إمكاناتها الدبلوماسية لتسهيل قبول الكويت عضواً في المنظمة الدولية، ولم يضاهِ هذا الموقف أي دولة في المحيط الإقليمي والدولي.

ولم يقف هذا الأمر فقط عند استقلال الكويت بل امتد ذلك ليشمل صيانة هذا الاستقلال من خلال وقوف المملكة وبقوة في وجه بعض الدول الإقليمية التي كانت تستهدف سيادة الكويت، كالمحاولات العراقية المتكررة لاحتلال الكويت، أو أجزاء منه، عبر الحكومات المتعاقبة على العراق، وكان آخرها الاحتلال العراقي في الثاني من أغسطس 1990م ، وهذا ما سنفرد له جزءاً خاصًا لاحقاً.

       إن مواقف المملكة العربية السعوديـــة في المحافل الإقليمية والدولية – دائماً وما زالت – قوية وحاسمة، تجاه ما يضر بالمصالح الخليجية وشعوبها، ممثلاً في موقف المملكة الأقوى عربياً ودولياً عندما أعلن الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم عزمه على ضم الكويت للعراق في 26 يناير 1961م بعد إعلان الكويت استقلالها، وكان رد المملكة فورياً وحازماً على تهديدات قاسم، عندما أعلن الملك سعود آنذاك بأن المملكة لا تخفي وقوفها ومساندتها القوية غير القابلة للنقاش والمساومة في "السراء والضراء... وأنها على أتم الاستعداد لمواجهة كل خطر يتعرض له الكويت". وبالفعل قادت المملكة في ذلك الوقت حملة قوية على الصعيدين الدولي والإقليمي، ومن خلال المنظمات الدولية ضد التحرك العراقي، بل إن المملكة أرسلت قوات للكويت للدفاع عنها ، ولم يهدأ لها بال حتى استطاعت إفشال المخططات العراقية لضم الكويت. كما أن جميع المحاولات العراقية اللاحقة ، ومنها ما حدث في عام 1963م، وعام 1972م و1973 م و 1974م، وقفت لها المملكة بكل حزم وقوة، ولا نبالغ القول: إنه لولا وقوف المملكة العربية السعودية بكل إمكاناتها مع الكويت في كل مرة تواجه الأطماع الإقليمية، وعلى وجه الخصوص العراقية منها، لربما وقعت تحت سيطرة العراق، أو على الأقل اقتطع جزء من سيادتها، سواء كان ذلك في أوائل الستينيات أو بدايات التسعينيات (12).

كما بذل الملك سعود جهداً كبيراً لإيجاد الطمأنينة والاستقرار في منطقة الخليج العربي بفضل السياسة الخارجية الحكيمة، التي قامت ثوابتها منذ تأسيس المملكة على أساس من الإيمان المطلق لخدمة الأمن والسلم الدوليين، ونبذ العنف ، وحل الخلافات والصراعات بين الدول بطرق حضارية وسلمية ، ومساندة جميع الشعوب لتحقيق مصيرها بنفسها.

 

عهد الملك فيصل : مرحلة التطوير والتحديث 1964– 1975م

 لقد سارت السياسة السعودية تجاه دول الخليج في عهد الملك فيصل بالنهج الثابت نفسه، وحدث تطوير وتحديث لها بشكل كبير، حيث كان الملك فيصل شديد الحرص على تنمية العلاقات مع دول الخليج العربي، وهذه العلاقات تميزت بشكل استثنائي لا مثيل له في الدائرة الإقليمية، حيث إن الاعتبارات التاريخية التي تربط شعوب المنطقة بعضها ببعض كانت أحد أهم الركائز الأساسية التي دعمت هذا التنامي الكبير في العلاقات مع دول الخليج العربية. لقد كان للملك فيصل  أثر رائد وأساس في استقلال البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة. حيث كان حرصه الشديد على قيام تلك الإمارات، ونيل استقلالها، وتحسين العلاقات مع عمان من أهم توجهاته السياسية الخارجية السعودية في المدة ما بين عامي 1964 – 1975م (13).

 لقد سارت ثوابت السياسة الخارجية السعودية خلال عهد الملك فيصل على النهج نفسه والذي وضع أساسه مؤسس المملكة العربية السعودية وموحدها الملك عبدالعزيز، ولكن المتغيرات الدولية المتلاحقة والمتعاقبة دائماً تفرض إعادة التقويم في التطوير والتحديث لسياسات الدول، وكما طرأ تحديث لهذه السياسة في عهد الملك سعود فقد فرضت الظروف والأحداث تطوير تلك الثوابت وتحديثها في عهد الملك فيصل دون المساس بالجوهر الذي وضعه باني هذه الأمة ومؤسس كيانها. ولقد أكد على ذلك الملك فيصل عندما تسلم السلطة في عام 1384هـ حينما قال: " ولسنا أيضاً في حاجة لتكرار الأساس التقليدي الذي تسير عليه سياستنا الخارجية، فنحن منذ أن أسس هذه الدولة بانيها وواضع أساس نهضتها المغفور له الملك عبدالعزيز قد أثبتنا في هذا المجال الدولي إيماننا بالسلام العالمي ، ورغبتنا في دعمه وتقويته ونشره في ربوع العالم، وكنا ولا نزال، نفعل ذلك بوحي من تعاليم ديننا وتقاليدنا العربية الأصيلة، ونحن نؤيد الآن في سبيل ذلك نزع السلاح ، وتجنيب البشرية مخاطر الأسلحة الفتاكة ، وندعو إلى حرية تقرير المصير لكل الشعوب ، وحل المنازعات الدولية بالمسائل المرتكزة على الحق والعدل ... ومن أهداف سياستنا الخارجية المعروفة التعاون إلى أقصى الحدود مع الدول العربية الشقيقة ... والسعي إلى تحرير جميع أجزاء الوطن العربي التي لا تزال تحت الاستعمار ، والسير مع الدول الإسلامية في كل ما يحقق للمسلمين عزتهم ورفعة شأنهم" (14).

لقد أكد الملك فيصل أن تصفية جميع الخلافات مع دول الجوار يعد من أولويات السياسة الخارجية السعودية، ولو كان ذلك سيتسبب في تقديم بعض التضحيات، وكانت مسألة الحدود مع دول الخليج العربي من أهم الأمور التي ركز عليها الملك فيصل، وحث على إنهائها بطرق سلمية، وأخوية، حتى لا تكون سبباً يجر المنطقة إلى ويلات الصراعات، وحتى تكون جداراً منيعاً ضد تدخل القوى الأجنبية ، وزرع الفتن بين شعوب المنطقة الواحدة، وهو ما تم مع دول الخليج العربي حيث قاد الملك فيصل دول المنطقة إلى البدء بتصفية الخلافات ، ووضع حدٍ للمشاكل الحدودية التي تعد من أخطر المعضلات في تاريخ الأمم التي قامت معظم الحروب بسببها(15).

لقد كان الجلاء البريطاني من منطقة الخليج نهاية عام 1971م عاملاً مهمًا هيأ الفرصة لاتصال وتشاور مستمر بين جميع دول الخليج العربي، بما فيها حديثة الاستقلال في ذلك الوقت، وبرز الملك فيصل زعيماً ذا أهمية كبيرة، ليس فقط على المستوى الإقليمي، وإنما على المستوى الدولي، بما في ذلك العربي والإسلامي، وأولى اتصالاته بأمراء الخليج وشيوخها كل اهتمام وحرص، وقد أثارت مساندته القوية والمخلصة الداعية لاستقلال مشيخات الخليج حفيظة بريطانيا. كما وقف بكل قوة بوجه إيران على جميع المستويات، لمنعها من ضم البحرين لها، بل إن سياسته وبعد نظره تجاه إيران وتعامله مع الشاه ساعد بشكل كبير على إقناع طهران بالعدول والتخلي عن مطالبها بالبحرين، وقبول مسألة الاستفتاء الذي كان حتماً يتجه نحو المطالبة القوية باستقلال البحرين وإعلانها دولة مستقلة(16). وتميزت علاقات الرياض بالمنامة منذ قيام المملكة العربية السعودية بالاستقرار والتفاهم في معظم الأمور، وكانت البحرين من أوائل الدول الخليجية التي توصلت مع المملكة إلى حل سريع لمشكلة المياه الإقليمية، وذلك منذ عام 1958م.

وعندما تعثرت الوساطات لحل مشكلة البريمي التي اختلقتها بريطانيا، كانت مبادرة الملك فيصل عام 1974م الحل النهائي للمشكلة، وذلك عندما اتفقت المملكة العربية السعودية مع دولة الإمارات على تسوية مشكلة الحدود، والمناطق المتنازع عليها بشكل نهائي في 19/8 من العام نفسه، بل إن الملك فيصلاً أكد في ذلك الوقت أن المملكة لن تقف عند تصفية الخلافات الحدودية، التي عُولج الكثير منها، بل إنها مستعدة لزيادة التنسيق والتعاون الاقتصادي والفني والثقافي مع جميع دول الخليج بما في ذلك الدول التي استقلت في عام 1971م، وذلك من خلال التنسيق فيما بينها ضمن الاتفاقيات الثنائية والجماعية.

وكذلك أكد على أن أهمية التنسيق في السياسات الخارجية وكذلك الأمنية والبترولية تعد من أولويات تطلعاته لخدمة النظام السياسي الخليجي . لذا نجد أن السياسة الخارجية السعودية تجاه الدائرة الخليجية في تلك الحقبة ركزت على أربعة محاور مهمة، وجدت أنه من الضرورة بمكان العمل الجاد على تحقيقها ، هي:

1– تصفية الخلافات بشأن معظم المشكلات الناتجة عن الحدود.

2– التنسيق والتعاون الاقتصادي بين المملكة ودول الخليج بغية إسعاد شعوبها ورفاهيتها.

3– تنسيق سياستها الخارجية وخاصة في مجال النفط.

4– العمل على إيجاد صيغة مقبولة لاتفاقيات أمنية تخدم استقرار الأنظمة السياسية لدول الخليج ، ومن ثم ضمان استقرار شعوب المنطقة ورفاهيتها(17).

وكما ترجم حل العديد من قضايا الحدود في عهد الملك فيصل إلى واقع ملموس في وضع الحلول الدائمة أو المؤقتة لها، فإن الموضوعات الأخرى سواء الاقتصادية أم الأمنية أم السياسية سارت باتجاه إيجابي، وترجم العديد منها إلى واقع ملموس، لذا فقد عملت المملكة العربية السعودية آنذاك جاهدة لتغطية أوجه النقص في عملية التنمية في بعض دول الخليج، وعلى وجه الخصوص سلطنة عمان والبحرين، في الوقت نفسه الذي بدأ واضحاً أن تلك الدول والمملكة العربية السعودية بدأت في منتصف السبعينيات تتجه بشكل جدي لعقد اتفاقيات ثنائية وجماعية بينهما، وذلك إدراكاً منها أن الطريق الصحيح يتمثل بخلق جو تعاوني لحفظ الأمن والاستقرار الذي يعد ركيزة أساسية لتطوير التنمية والاستقرار، ومحاربة التيارات التي تهدف إلى زرع الفتن ، وإيجاد عدم الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك الوقوف في وجه انتشار إيدلوجيات هدامة تسعى جاهدة لتقويض استمرارية بناء المجتمع الخليجي.

وبشكل عام فإن العلاقات بين المملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي أخذت تتطور عبر السنين من حسن إلى أحسن، إذا ما استثنينا بعض الفتور من وقت لآخر مع بعض تلك الدول، وهذا أمر طبعي جداً يحدث بين جميع دول العالم التي تتمتع بصداقات مثالية وتحالفية، وحتى إذا ما قورنت علاقات المملكة وبقية دول مجلس التعاون بدول إقليمية ودولية فإننا نجد العلاقة بينهما بمثابة العلاقات المثالية والحميمة، ورمز للتعاون ؛ لإدراك تلك المجموعة بأهمية المصير المشترك.

وحيث إن العلاقات بين المملكة وتلك الدول مرت بمراحل عدة من التطور والتعاون منذ تأسيس المملكة، فإن المراحل الثلاث ، وهي مرحلة الملك عبد العزيز وسعود وفيصل شكلت إطاراً مهماً لدفع العلاقات إلى تطويرها بشكل أفضل، وعلى أسس تتواكب مع المتغيرات الإقليمية والدولية، سواء تلك المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية الأمنية أم السياسية، وحيث إن تلك الأعمدة الثلاثة (الاقتصادية، السياسية، الأمنية) ذات أهمية قصوى في الترابط والتكامل لإيجاد منطقة آمنة مستقرة، تقودها علاقة تعاون وتفاهم، وسط الأسرة الخليجية الواحدة، التي تهدف إلى الوصول إلى وحدة تكاملية مستمدة من العبر والدروس التي مرت بها المنطقة، ويمر بها العالم أجمع على جميع المستويات، فإن مسألة التعاون والتنسيق بين المملكة وبقية دول مجلس التعاون قائمة على روح من التفاهم والمصارحة بغية الوصول إلى الهدف المنشود.

 

عهد الملك خالد : التنسيق والتعاون الأمني والعمل على تأكيد وحدة المصير المشترك 1975– 1982م

عندما ازدادت أهمية المنطقة في الميزان العالمي، وخاصة لدى الدول العظمى بعد الحظر النفطي في نهاية الربع الأول من السبعينيات، وبناء على الرغبة المستمرة في تنمية العلاقات بين المملكة ودول الخليج العربي والرقي بها إلى أفضل المستويات، وإدراكاً من حكومة المملكة العربية السعودية بقيادة الملك خالد لهذه الأهمية، ازداد التواصل والتعاون إلى مستويات أفضل مما كانت عليه، وقد ساعد على ذلك وبشكل أساس ثوابت السياسة الخارجية السعودية التي واكبت المتغيرات المتلاحقة في المنطقة دون المساس بجوهرها الذي رسمه الملك عبدالعزيز، ولكن بتطويرها دائماً إلى الأفضل.

لقد كانت مسألة الخلافات الحدودية هي أولويات الدبلوماسية السعودية في تلك الحقبة ، وذلك استكمالاً لما بدأه وأكد عليه الملك عبدالعزيز، ومن ثم سعود، وبعد ذلك فيصل، وقد أكد هذا الاتجاه الأمير فهد بن عبد العزيز ( الملك فهد ) عندما قال : "إن إحدى أولويات السياسة السعودية في الجزيرة العربية هي إيجاد حل سريع لكل الصراعات والمشاكل الحدودية وتصفيتها، بما فيها رسم الحدود النهائية ما بين سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة، وتحديد الحدود ما بين السعودية والكويت، وحل النزاع ما بين قطر والبحرين بشأن جزيرة حوار " (18). وقد تُرجم هذا التأكيد لاحقاً إلى أمر واقع وملموس، وحلت معظم المشكلات الحدودية بين المملكة ودول الخليج الخمس.

لذا – ودعماً لتلك السياسة – قد قام الملك خالد في شهر مارس من عام 1976م وذلك بعد مضي سنة على توليه زمام السلطة بجولة في دول الخليج العربي؛ لوضع أساس قوي وثابت لسياسة المملكة الخارجية تجاه تلك الدول، وكانت جولة ناجحة ومثلت منطلقاً تاريخياً نحو تعاون غير محدود يهدف إلى تأكيد وحدة الآمال والمصير المشترك . لقد أسفرت مباحثات الملك خالد مع زعماء دول الخليج خلال جولته عن تفاهم كامل على وجوب السعي لجعل المنطقة واحة أمن واستقرار، والعمل على إبعادها عن الصراعات الدولية، وكذلك العمل بإخلاص لبناء علاقات مميزة بين المملكة، وبقية دول الخليج، تكون مبنية على أقصى درجات الاحترام المتبادل ، والتنسيق المنظم والتضامن المؤثر (19).

لقد شهدت تلك الحقبة تعاوناً ملحوظاً، حيث وقع العديد من الاتفاقيات الثقافية والأمنية والاقتصادية، كان أولها اتفاقية وكالة الأنباء الخليجية في شهر يناير من عام 1976م، تلا ذلك محاولات جادة وخاصة من قبل المملكة للاتصال بكل من العراق وإيران وبقية دول الخليج من أجل إيجاد صيغة أمنية تحفظ استقرار المنطقة، وكان هدف المملكة تأمين استقرار الدول الصغيرة من أي اعتداءات أو أطماع من قبل بعض الدول الإقليمية، وخاصة إيران والعراق، ولكن جميع المحاولات للاتفاق على صيغة أمنية مقبولة للجميع باءت بالفشل، بسبب التعنت الإيراني العراقي، وإصرار كل منهما على حث بقية الدول الخليجية على القبول بالأفكار المطروحة من قبل طهران التي قوبلت بالرفض من بغداد التي كانت تلح على القبول بالصيغة العراقية (20).

 

التنسيق والتشاور وفكرة التعاون الأمني:

عندما شعرت المملكة العربية السعودية أنه لن يتحقق أي تقدم بالنسبة لموضوع الأمن الإقليمي طالما هناك صدام بين العراق وإيران بشأن الترتيبات الأمنية، عملت بالتنسيق مع الكويت ، وتشاورت مع بقية دول الخليج العربية التي تكون مجلس التعاون الخليجي اليوم للبدء جدياً بترتيب البيت الخليجي للوصول إلى صيغة تضمن على الأقل الحد الأدنى لنوع من الاستقرار والطمأنينة، ومن هنا بدأ ولأول مرة نوع من التعاون والتنسيق المكثف بين الدول الست، وتعددت أشكال الأطروحات المقترحة من قبل تلك الدول سواء كانت اقتصادية أم أمنية أم سياسية أم غيرها.

وفي إطار الحرص الشديد من قبل المملكة لضمان أمن منطقة الخليج العربي ودوله واستقراره فقد قام الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية بجولة على دول الخليج في أكتوبر من عام 1976م، حاملاً معه اقتراحات بشأن التعاون الأمني، وذلك عبر توقيع اتفاقيات ثنائية أو جماعية، يكون من أولوياتها تبادل المعلومات. وقد تقبلت معظم الدول الخليجية تلك الفكرة، حيث كانت الإمارات العربية المتحدة أولى تلك الدول التي وافقت على التوقيع على مثل ذلك التعاون مع المملكة العربية السعودية، بعد ذلك وقعت بقية الدول الخليجية باستثناء الكويت على اتفاقيات مماثلة بشأن التعاون الأمني الداخلي بين تلك الدول (21).

لقد كان قبول دول الخليج فكرة التعاون الأمني نابعاً من إحساسها بالأخطار المحيطة بها، لذا فقد كان هذا القبول حافزاً قوياً للمملكة للعمل بشكل أكبر وأكثر جدية أهلها لقيادة دول الخليج لزيادة التعاون والتنسيق فيما بينها، ليس فقط في المجالات الأمنية، وإنما في جميع المجالات التي تهم مصالح تلك الدول .  وفي الربع الأول من عام 1978م ازداد الاتصال بين دول الخليج العربي الست، وكانت هناك مشاورات مكثفة بين جميع الوزراء، بما في ذلك الاقتصاد والنفط والدفاع والداخلية بشأن إيجاد صيغة توفيقية ترضي جميع الأطراف لإنشاء تجمع بينهم يخدم تطلعاتهم ومصالحهم، ولكن كان من أهم العقبات التي واجهت تلك الدول موقف العراق وإيران، حيث إنه كان من المؤكد أن كلتا الدولتين ستعترض على أي شكل من أشكال التعاون الجماعي بين تلك الدول سواء كان ذلك من خلال التنسيق فيما بينها أم إنشاء مجلس يجمع دولها، ولكن ذلك لم يثن المملكة عن حث بقية دول الخليج الخمس على مواصلة التشاور وتبادل الآراء في الوقت الذي بدأت فيه المنطقة تتجه نحو تدهور ومخاطر كان من أهم أسبابها معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل المتزامن مع الاضطرابات الخطيرة التي كانت تواجهه إيران على المستوى الداخلي والإقليمي بسب خروج الشاه من إيران نهاية عام 1978م ، وقيام الثورة الإيرانية فيما بعد (22).

ولقد برهن كثير من المؤشرات على أنه بات واضحاً في نهاية 1978م أن المنطقة مقبلة على اضطرابات سياسية وأمنية، مما حدا بالدول الخليجية الست التحرك على أعلى المستويات للتشاور بشأن حماية المصالح العليا لتلك البلاد، ففي شهر ديسمبر من العام نفسه قام وفد عالي المستوى من دولة الكويت برئاسة الشيخ سعد العبد الله الصباح بجولة زار خلالها جميع الدول الخليجية الخمس، وصدر في النهاية بيان مشترك من قبل الدول الست يدعو إلى التحرك السريع لتعاون أكبر بين تلك الدول ؛ نظراً لما تمر به المنطقة من تطورات حساسة تواجه بلدانها. كما كان هناك بيان سعودي – كويتي صدر في السادس من ديسمبر دعا إلى أهمية استعجال زيادة التعاون بين البلدين في جميع المجالات ، والسعي من أجل إبعاد المنطقة عن الصراعات الدولية، وهذا ما تفرضه العلاقات التاريخية المميزة بين البلدين (23).

لقد آتت تحركات دول الخليج العربية الست ثمارها، في وقت كانت ظروف المنطقة في غاية الحرج، مدفوعة بشعور جماعي من قبل تلك الحكومات بأن دولها قد تواجه خطر المتغيرات المتلاحقة في منطقة حساسة وإستراتيجية تهم مصالح العالم الاقتصادية وعلى وجه الخصوص العالم الصناعي . وقد تداعت الأحداث بشكل متسارع عام 1979م، في منطقة الخليج والجزيرة العربية ، وكان من أبرزها قيام الثورة الإيرانية والتدخل السوفيتي في أفغانستان.

 

الثورة الإيرانية والحرب العراقية – الإيرانية والهاجس الأمني :

 إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدور السعودي :

كانت رؤية المملكة العربية السعودية بشأن استعجال التعاون الأمني خطوة في الطريق الصحيح، وذلك استناداً إلى جملة من المعلومات بشأن الأخطار التي تزايدت بشكل ملحوظ بعد الثورة الإيرانية على وجه الخصوص، وما تبع ذلك من بعض الاضطرابات الداخلية في معظم دول الخليج الست، وقد كانت سنة 1979م بداية لتوقيع العديد من الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين المملكة وبعض دول الخليج في الوقت نفسه الذي وقع فيه بعض اتفاقيات مماثلة بين بعض دول الخليج بشكل ثنائي. ثم تبع ذلك أمر لا يقل أهمية، تمثل باجتماع وزراء دفاع دول الخليج باستثناء عمان في خميس مشيط في نهاية شهر يونيو 1979م، وذلك لبحث مسألة المشكلات الدفاعية التي تواجهها جيوش تلك الدول، وقد كان ذلك أثناء مناورة كانت تقيمها المملكة في الجزء الجنوبي من البلاد في 27 يونيو 1979م، ونتج عن ذلك الاجتماع الاتفاق على حتمية التشاور المتواصل بشأن تلك المسألة، وإيلائها أهمية قصوى في سبيل إيجاد حلول وصيغ مرضية لجميع الأطراف من أجل التعاون الجاد لحماية المنطقة من الأخطار المحتملة (24).

وفي أثناء تلك الحقبة بدأ واضحاً أن العراق أراد استثمار ما يحدث في المنطقة من اضطرابات –وعلى وجه الخصوص مسألة السلام العربي الإسرائيلي، والتدهور الداخلي في إيران – لاختراق الدول الخليجية على جميع المستويات سواء كانت الأمنية والعسكرية أم الاقتصادية، ففي شهر سبتمبر 1979م مثلاً عرض العراق على كل من البحرين والكويت إرسال قوات عسكرية لتكون بحسب إدعاء العراق في ذلك الوقت مستعدة ضد أي اضطرابات داخلية أو هجوم خارجي، ولكن كانت الدول الخليجية حذرة جدًّا آنذاك من التخطيطات العراقية، والأهداف من وراء تلك العروض، وكانت الشكوك قوية بخصوص مقاصد بغداد، لذا فلم يكن هناك حماس لقبول مثل هذا العرض، وكان البديل هو تكثيف التشاور بين المملكة وبقية دول الخليج بشأن الترتيبات التي يجب اتخاذها لتلافي استغلاق العراق أو إيران ما يجري في الخليج، ومن ثم اختراق تلك الدول لتحقيق أهداف بغداد المعروفة وأطماعها منذ عقود من الزمن.

 لقد شهد شهرا سبتمبر وأكتوبر 1979م – المتزامنان مع حقبة عصيبة من التوتر والأزمــات المتلاحقة في المنطقة وبعد تشاور بين وزراء خارجية دول الخليج العربي الست – الاتفاق على عقد اجتماعات طارئة وعاجلة لمناقشة مسألة الأمن بالنسبة لدولهم ، وخاصة بعد ما بدأت تتزايد الأصوات في إيران على تصدير الثورة عبر الخليج، وقد عُقد اجتماع بين الوزراء في مدينة الطائف كثفت فيه المشاورات وحدثت اختلافات في وجهات النظر بين بعض تلك الدول بشأن السُبل المثلى للترتيبات الأمنية التي يجب اتخاذها لمواجهة الموقف المتأزم في المنطقة، وقد نجحت الدبلوماسية السعودية خلال الاجتماع في تضييق الهوة بقدر المستطاع لتلافي أي سلبيات قد تظهر للآخرين أن تلك الدول على خلاف، ومن ثم قد يكون ذلك سبيلاً لاستغلال تلك الخلافات، وخاصة أن العراق في ذلك الوقت كان يتطلع لقيادة الدول الست، وفرض أفكار بغداد وآرائها بخصوص المسائل الأمنية على تلك الدول، وذلك في ظل انشغال إيران بأوضاعها الداخلية (25).

ومع مطلع سنة 1980م بدأت الأمور تزداد سوءاً في المنطقة بسبب التهديدات المتبادلة بين العراق وإيران، وباتت القرائن والأدلة واضحة بأن البلدين (العراق وإيران) يتجهان نحو أزمة خطيرة، ومع هذا التطور بدأ القلق يزداد لدى دول الخليج الست بشكل لم يسبق له مثيل، وأصبح الهاجس الأمني الركيزة الأساس للمشاورات المتواصلة بين قادة تلك الدول، وحيث إن العراق قد نجح في إيجاد أزمة بين الدول العربية ومصر بسبب توقيع اتفاقية كامب ديفيد،  فإن تفكير صانعي القرار في بغداد اتجه نحو طريقة إضعاف إيران التي تمتد حدودها على طول الخليج العربي شرقاً حتى يتسنى لها فرض سيطرتها على المنطقة، وإجبار دولها على الرضوخ للضغوط، ومجاراة السياسة العراقية.

ومن هذا المنطلق ألغت العراق اتفاق الجزائر الموقع بينها وبين إيران سنة  1975م، بشأن تقسيم شط العرب، واندلعت الحرب مع إيران في 22 سبتمبر 1980م مما أدى إلى ازدياد القلق لدى دول الخليج الست بخصوص احتمال انتشار الحرب إلى دولهم، وأصبحت الأمور في غاية الحرج والتعقيد ، وخاصة مسألة تصدير الثورة ، ومسألة الحرب خاصة وأن دولة الكويت تعرضت لبعض الاضطرابات الداخلية التي تأثرت بما يحدث في إيران ، وامتدت إليها بعض نيران الحرب ، وخاصة في الأشهر الأولى من اندلاعها(26).

ومع استمرار تأزم الأوضاع وسط تعقيدات مختلفة بالنسبة لمسألة الأمن، كان صانعو القرار على أعلى المستويات في المملكة يدرسون وبشكل مكثف السبل الكفيلة لضمان عدم جر الدول الخليجية الست إلى مأزق أمني يتسبب في وجود اضطرابات وأزمات. من هنا قام الأمير نايف بزيارة للكويت وإجراء اتصال ببقية دول الخليج العربية بشأن موضوع الأمن ، وذلك في نهاية شهر نوفمبر من عام 1980م، وخرجت المملكة في هذه المدة بمشروع يهدف إلى تحقيق الأمن الجماعي، وشرحت بكفاءة واقتدار التحديات والأخطار المحيطة بدول الخليج العربي من جميع الجوانب، وقد تضمن المشروع تفاصيل وافية بينت أهمية التعاون والتنسيق الضروريين لتحقيق الأمن والاستقرار، وكانت من أهم المبادئ الجوهرية لهذا المشروع ما يأتي:

1 – أن الأمن الجماعي العربي لا يمكن تحقيقه إلا إذا كانت كل دولة عربية تتمتع بالأمن والاستقرار الداخلي.

2 – أن الأمن الجماعي العربي يمكن تحقيقه إذا استعانت أي دولة عربية يتعرض   أمنها للخطر بالدول العربية ، وذلك بمساعدتها على مواجهة التخريب الداخلي المستورد.

3 – دعم التعاون بين قوات الشرطة في مختلف البلاد العربية.

4 – أن المملكة العربية السعودية مستعدة للتعاون والمساعدة بأي طريقة مع الدول العربية الأخرى للتصدي لجميع أنواع الجرائم من أجل إقرار الأمن الجماعي وصيانة أمن كل دولة واستقرارها.

5 – رفض دخول المجرمين والمخربين الدوليين إلى دول الخليج العربية الذين يطلبون اللجوء لتلك الدول (27).

وكما هو متوقع احتجت إيران والعراق على المشروع السعودي بقوة مما جعل الكويت تتحفظ علية، لشعورها بأن ذلك قد يسبب حرجاً لها مع كل من العراق وإيران، وقد يكون سبباً لجر الكويت إلى حرب، أو إرسال عملاء للتخريب، وخلق اضطرابات في الكويت. وعلى الرغم من أنه كانت هناك مشاريع ومقترحات مختلفة سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو عسكرية من كل من الكويت وعمان والإمارات العربية إلى أن المشروع السعودي كان العامل المحرك للتفكير جدياً بإنشاء مجلس يجمع الدول الست تنطلق في إطاره ومن خلاله لحماية أمنها واستقرارها وسط متغيرات وأزمات كانت تعج بمنطقة الخليج. لذا فإن الثورة الإيرانية وما سببته من اضطرابات في المنطقة، والحرب العراقية–الإيرانية والخوف من انتشارها إلى بقية دول الخليج كانا السببين الرئيسين والجوهريين لإنشاء مجلس التعاون الخليجي الذي اتفق عليه في 4–5 فبراير عام 1981م خلال اجتماع وزراء خارجية الدول الست في مدينة الرياض (28).

واستمرت اللقاءات المكثفة بين وزراء الخارجية لتلك الدول وبشكل متواصل لوضع اللمسات الأخيرة لإعلان قيام المجلس بشكل نهائي ورسمي ، وتمت اجتماعات عدة كان من أهمها ما تم في الرياض في 4 فبراير وفي مسقط من 9 – 10 مارس 1981م، وقد سارت الأمور كما هو مخطط لها لينتهي الأمر في عقد أول قمة لتلك الدول في 20 مايو 1981م أعلن فيها رسمياً قيام المجلس(28).

لاشك أن العامل الأمني الذي أكدت عليه المملكة العربية السعودية على أنه الركيزة الأساس لنجاح أي تعاون بين دول المجلس عامل مهم للغاية ، وكان الأساس في إنشاء المجلس، ولكن لا يمكن فصله كذلك عن العوامل الأخرى ؛ لذا كان هناك قناعة من جميع الدول الخليجية بأن المشروع الكويتي الذي ركز على التعاون الاقتصادي لا يمكن إغفاله بل إن تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها هو غاية قيام هذا المجلس وهدفه، وأن تعميق الروابط والصلات وأوجه التعاون وتوثيقها، التي هي قائمة أصلاً بين شعوب تلك الدول في مختلف المجالات ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين، أساس لبناء الطريق الصحيح وصولاً إلى الهدف المنشود وهو وحدة تلك الدول (30).

 

عهد الملك فهد: توطيد التعاون الأمني والدفاعي وتعزيز مسألة الأمن وصيانة الاستقرار1982م :

لم يتوقف دور المملكة عند إنشاء مجلس التعاون الخليجي، بل استمرت في دعم المجلس على جميع المستويات، بغية تطويره وتوثيق تماسكه لتحقيق الهدف المنشود، وعملت داخل إطاره وخارجه لتعزيز مسألة الأمن والاستقرار. لقد كانت دائماً تذلل الصعاب ، وتشارك مشاركة مؤثرة في إطار المجلس وخارجه، وتدعم دوله على المستوى الداخلي والدولي. فعلى سبيل المثال لا الحصر عندما تعثر التوقيع على الاتفاقية الأمنية الجماعية بسبب رفض الكويت لأسبابها الخاصة وبدأت الجهات التي تتمنى تفكك هذا التجمع وتتحدث عن قرب انهيار المجلس عملت المملكة بكل إخلاص وبشكل ثنائي مع دول المجلس وفي إطاره لتلافي حدوث أي تصدع، وطرحت مشاريع عديدة بهذا الصدد للتوصل في النهاية إلى حلَّ يرضي جميع أعضاء تلك المنظومة دون استثناء، وهذا ينطبق على المجالات الأخرى التي اتضحت فيها البصمات السعودية بشكل كبير لتذلل الصعاب قدر المستطاع سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية أم عسكرية وغيرها.

كما أنه عندما تعثر التوقيع على الاتفاقية الأمنية الجماعية في إطار المجلس في نوفمبر 1981م، كثفت المملكة جهودها بشكل متواصل دون ملل أو كلل للوصول إلى الصيغة المطلوبة التي ترضي جميع الأطراف مما جعل الدول الست تتوصل وتقر ما يسمّى الإستراتيجية الأمنية لدول المجلس، وذلك في القمة الثامنة التي عقدت في 26 ديسمبر 1987م. في الوقت نفسه دأبت المملكة على العمل داخل المجلس وبشكل ثنائي على حث الدول الأعضاء لتوحيد أنظمة جيوشها؛ لتسهيل تعامل بعضها مع بعض، وكان ثمرة ذلك أن اتفق على إنشاء قوة خليجية عام 1983م ليتم إقرارها في قمة مجلس التعاون التي عقدت في الكويت 1984م ، واتفق على إنشاء قوة خليجية تحمل اسم " درع الجزيرة " وعلى الرغم من أنها لم تحقق تطلعات حكومات دول المجلس وشعوبها إلا أنها كانت بمثابة نواة يمكن تحديثها وتطويرها مستقبلاً لتصبح قوة يعتمد عليها في حماية دولها (31).

وفي إطار مجلس التعاون وكذلك خارجه قادت المملكة بالتنسيق والتعاون مع الأعضاء طوال سنوات الحرب العراقية الإيرانية الثمانية 1980 – 1988م حملة دبلوماسية وأمنية للتصدي لأي انتشار للحرب العراقية الإيرانية للدول الخليجية الأعضاء في المجلس ، ومارست جميع الحقوق المشروعة داخل المنظمات الدولية ، واستمرت بالاتصال مع جميع الأصدقاء على الساحة الإقليمية والدولية لحشد التأييد في سبيل صيانة أمن المنطقة واستقرارها. ولاشك أن أهمية المملكة بالنسبة للعالم الصناعي حيث القوى العظمى وكذلك بقية دول العالم سواء تلك التي لديها عمالة كبيرة التي تسهم برفع دخول بلادها، أو تلك التي تتلقى مساعدات، وخاصة الدول الإقليمية قد سهلت مهمة المملكة في حشد مواقف دولية، وقفت إلى جانب الدول الخليجية في صيانة أمنها الإقليمي وحمايته، ودفعت وبشكل كبير المنظومة الدولية لإصدار قرارات تطالب بوضع حدٍ للحرب العراقية الإيرانية التي لم تكن أضرارها وأخطارها تخص الدولتين المتحاربتين، بل تضررت منها جميع الدول الخليجية وبشكل متفاوت، وكانت المملكة أكبر المتضررين منها على المستوى الاقتصادي والمادي حيث تلتها الكويت ثم الإمارات العربية. وقد بلغت المساعدات التي قدمتها المملكة للعراق خلال حربه مع إيران ما يقرب من 26 مليار دولار، تلتها الكويت قرابــــة 12 مليار دولار، ومن ثم الإمارات قرابــــة 5 ملـــيارات، وقدمت بقيــــة دول الخليج الأخرى قرابة مليارين ليصـــبح مجموع ما قدمته الدول الست مجتمعة ما يقارب 45 مليار دولار، أو ما يعادل 170 مليار ريال سعودي(32).

 

لا شك أن المملكة سعت مخلصة، وما زالت لحماية أمن المنطقة واستقرار دولها وخاصة الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وعدت تلك الدول جزءاً من الجسد السعودي، وليس هناك تعبير أصدق من تعبير أحد أعضاء عائلة الصباح الحاكمة في الكويت مشعل الأحمد الصباح في عام 1986م عندما وصف المملكة بقيادتها الحكيمة بأنها هي الأساس لصيانة جميع الدول الخليجية وحمايتها من المخاطر وعدم الاستقرار، وأن كل ما قامت به المملكة لتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية إقليمياًّ وداخليًّا ليس لمجرد حماية المملكة بل قُصد به صيانة أمن جميع دول الخليج واستقرارها. وقد قال في هذا الصدد:"إنني أشبه المملكة بقيادة أسرتها الحاكمة بالشجرة الكبيرة الوارفة المتعددة الأغصان، ونحن شعوب المنطقة نستظل بفيئها، ونحن المستفيدون من هذا الظل ... بعض الناس يهمهم الحديث عن مطامع سعودية في الكويت، أو بعض دول الخليج ... هذا كلام يجب إخراس أصحابه، فهو بعيد كل البعد عن الصحة والحقيقة كاملة ... عشنا المحبة الصادقة مع رجالات المملكة، وعلى رأسهم الملك المفدى (الملك فهد) ... بل إن بعض القواعد العسكرية في المملكة ليس لمجرد حمايتها فقط بل هي موضوعة تحت أمر من يحتاجها من دول الخليج" (33).

 

المملكة في مواجهة الاحتلال العراقي للكويت:

عندما احتلت العراق الكويت في الثاني من شهر أغسطس عام 1990م  واجهت دول المجلس تحديًّا خطيراً على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحيث إن المملكة شعرت بهذه الكارثة، فقد عملت بكل جهد وإخلاص بقصد صيانة أمن جميع دول مجلس التعاون الخليجي واستقرارها ، ومن ثم ضمان أمن المنطقة كلها واستقرارها .

لقد استنفذت المملكة جميع الجهود الدبلوماسية المتاحة من أجل إيجاد حل لتدهور العلاقات الكويتية العراقية، بسبب اتهام الثانية للأولى بزيادة إنتاج النفط، والتعدي على نفط العراق، عبر استنزاف نفط حقل الرميلة الواقع على الحدود العراقية – الكويتية، وقد أدركت المملكة آنذاك أن العراق كان يبحث عن ذرائع وحجج لنية مبيتة تجاه الكويت، وخاصة عندما فشل المؤتمر الذي رتبته المملكة في جدة، الذي ضم الشيخ سعد العبد الله الصباح ولي عهد الكويت ، وعزت إبراهيم من الجانب العراقي. وعندما فاجأت بغداد العالم باحتلال كامل لدولة الكويت، كان التحرك السعودي سريعاً وحاسماً على جميع المستويات، واستعملت فيها الرياض جميع الوسائل المتاحة بما في ذلك الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية وغيرها لتحرير الكويت وإعادة الطمأنينة لبقية دول مجلس التعاون الخليجي . وهذا تعبير صادق للاستياء العميق الذي شعرت به المملكة من جراء هذا الاحتلال ورفضها القاطع لكل ما نتج عن هذا الغزو، وقد جاء هذا التأكيد على لسان خادم الحرمين الشريفين حينما قال:" إن المملكة العربية السعودية إذ تعرب عن عميق استيائها للعدوان الذي تعرضت له دولة الكويت الجارة الشقيقة فإنها تعلن عن رفضها القاطع لكل ما أعقب هذا الاعتداء من إجراءات وإعلانات ... وتؤكد المملكة العربية السعودية مطالبتها بعودة الأوضاع في دولة الكويت الشقيقة إلى ما كانت عليه قبل الاجتياح العراقي وعودة الأسرة الحاكمة بقيادة صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير دولة الكويت وحكومته" (34).

لذا وبناء على ما سلف ذكره بشأن الموقف الحاسم والصريح الذي أعلنته وتبنته المملكة إزاء الاحتـــلال العراقي فإن سياســة المملكة تجاه تلك المشكلة بنيت على الثوابت والأســـس الأربع الآتية التي صرح بها الملك فهد في الثالث والعشرين من أكتوبر 1990م (35):

أولاً: إدانة الاعتداء العراقي الغاشم على دولة الكويت، ورفض كل ما ترتب على هذا الاعتداء من إجراءات تتنافى مع جميع الأعراف الدولية، والتعاليم الإسلامية والقيم الإنسانية، والأخلاقية العربية.

ثانياً: الالتزام التام بقرار مؤتمر القمة العربية غير العادية المنعقدة في القاهرة بتاريخ التاسع عشر من شهر المحرم لعام 1411هـ / العاشر من شهر أغسطس لعام 1990م، الذي جاء تأكيداً لقرار مجلس جامعة الدول العربية الصادر في 2/8/1990م، وبيان منظمة المؤتمر الإسلامي الصادر في 4/8/1990م مع تأكيد الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي أرقام (660 و661 و662) ، وما أعقب ذلك من قرارات، بخصوص قضية الخليج، بوصف القرارات تعبيراً عن الشرعية الدولية.

 ثالثاً: تأكيد المطالبة بالانسحاب الفوري للقوات العراقية الغازية، من جميع الأراضي الكويتية، دون قيد أو شرط، وعودة السلطة الشرعية المتمثلة في حكومة الكويت بقيادة صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الصباح إلى سدة الحكم، ومن ثم عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثاني من شهر أغسطس لعام 1990م.

رابعاً: انسحاب جميع الحشود العراقية المرابطة على حدود المملكة العربية السعودية، مع ضمان عدم تكرار اعتداء حاكم العراق على أي دولة عربية خليجية أخرى.

وقد أكدت المملكة تأكيداً قاطعاً أنها لا تقبل بأي حال من الأحوال الإخلال أو المساومة في أي جزء من تلك الثوابت، وأن كل ما سبق إعلان هذه الثوابت من أقاويل وتحاليل وتكهنات واجتهادات في التأويل بوساطة بعض المحللين وبعض وسائل الإعلام بشأن موقف المملكة من أزمة الخليج، وخاصة تلك المغرضة منها التي تشك بمواقف المملكة في بداية الأزمة، لا يلتفت إليه ؛ لأنه لا صحة له على الإطلاق.

وانطلاقاً من تلك الثوابت وما سبقها من مواقف ثابتة تجاه التحرشات العراقية ومن ثم غزو الكويت فقد استعملت المملكة العديد من الوسائل المتاحة التي كان لها الدور الرئيس لتحرير الكويت وكان من أهمها ما يأتي:

 

الدور الدبلوماسي:

منذ الأيام الأولى من الاحتلال العراقي للكويت بدأت الدبلوماسية السعودية تكثيف جهودها وبشكل منقطع النظير لحشد المواقف الدولية والعربية والإسلامية ضد الاحتلال. لقد كان أثر المملكة بارزاً بل قياديًّا في إطار المنظمات الدولية، فقد شاركت المملكة بشكل كبير في إطار الجامعة العربية من خلال اجتماعات مجلس الجامعة في جميع دوراته بما في ذلك غير العادية ، وكان لها أثر مهم في إصدار الجامعة قراراتها بإدانة الغزو، ومطالبة العراق الانسحاب من الكويت.

 كما برز دور المملكة في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي ، وكانت الدبلوماسية السعودية وراء معظم الدول الإسلامية ممثلة بوزراء الخارجية في مؤتمرهم التاسع عشر الذي عقد في القاهرة بعد ثلاثة أيام من الغزو في الخامس من أغسطس لعام 1990م وذلك بإدانة العراق والمطالبة بالانسحاب الفوري.

 وكان دور المملكة بارزاً ومؤثراً بل حاسماً في إطار منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها ذات العلاقة، وخاصة مجلس الأمن، حيث مارست المملكة أقصى ما لديها من إمكانات دبلوماسية داخل أروقة المنظومة لإقناع أعضائها بعدالة القضية، وأهمية صيانة الشرعية الدولية، وإعادة الحق لأصحابه وعلى رأس ذلك تحرير كامل أرض الكويت، وكان من ثمرات تلك الجهود المتواصلة إصدار مجلس الأمن عدداً من القرارات الحاسمة ذات الصلة بالأزمة التي كانت وراء إجماع المجتمع الدولي على ضرورة انسحاب العراق من الكويت دون شرط أو قيد، وأن خلاف ذلك سيدفع المجتمع الدولي ممثلاً بمجلس الأمن لاستعمال جميع الصلاحيات المتاحة بما في ذلك الوسائل العسكرية لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت والامتثال للشرعية الدولية ، وهذا ما حدث(36).

ولقد كان لكلمة المملكة التاريخية في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ألقاها سمو الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية في 3/10/1990م وذلك بعد شهر من الاحتلال صداها وأثرها الواضح على معظم أعضاء المنظومة الدولية في تأكيدهم وإصرارهم على وجوب تنفيذ العراق للقرارات الدولية بأسرع وقت ممكن ، وتمسكهم بالحل العسكري إذا تعثر تنفيذ القرارات الأممية. وقد أكدت المملكة هذا المبدأ أمام العالم وأمام التاريخ عندما كرر الأمير سعود الفيصل أمام الجمعية العمومية لتكون شاهداً على ذلك في تجمع أعضائها السنوي حينما قال:"ومن هذا المنبر بالذات نعلن الرفض القاطع لاستيلاء دولة على أراضي دولة أخرى بقوة السلاح، ونعلن الإصرار على انسحاب القوات العراقية فوراً من أراضي الكويت دون قيد أو شرط وعودة حكومتها الشرعية" (37).

وكما كان دور المملكة المؤثر داخل العديد من المنظمات الدولية الاقتصادية منها، والسياسية لردع العدوان العراقي، فإن دورها كذلك كان حاسماً داخل مجلس التعاون الخليجي، حيث كانت دبلوماسيتها ذات أهمية قصوى لتماسك دول المجلس واتفاقها التام والموحد تجاه العراق، وضرورة الامتثال للقرارات الدولية ، والانسحاب من الكويت، أو مواجهة إخراجها بقوة السلاح. وكان أثر المملكة حاسماً وكبيراً على الرغم من كل المحاولات من بعض الدول والمنظمات غير الحكومية لإقناع دول المجلس  بخطورة وقوفها ضد العراق وإلى جانب الكويت، ونجحت كذلك الدبلوماسية السعودية في إقناع دول المجلس دون استثناء في الموافقة على قدوم قوات دولية متعددة الجنسيات من جميع أنحاء العالم ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لدعم دول المجلس في مواجهة القوات العراقية ، وذلك طبقاً لقرار مؤتمر القمة العربي الطارئ الذي عقد في القاهرة في 10 أغسطس 1990م.

وعلى الرغم من الحشود الدولية المكونة من ثلاث وعشرين دولة التي وصلت إلى منطقة الخليج التي قوامها ما يقارب 750 ألف عسكري، إلا أن الدبلوماسية السعودية واصلت نشاطها دون انقطاع داخل المنظمات الدولية وعبر الاتصال المباشر بغالب دول العالم في مسعى لإيجاد مخرج للأزمة ولكن بشرط انسحاب العراق الكامل من الكويت حيث أعطى العراق مهلة حتى الخامس عشر من يناير 1991م للامتثال لقرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة (38).

ونتيجة لتواصل جهود المملكة الدبلوماسية فقد انعقد العديد من المؤتمرات العالمية سواء داخل المملكة أو خارجها بقصد دعم الجهود السعودية في تحرير الكويت سلماً أو حرباً، فعلى سبيل المثال لا الحصر انعقد المؤتمر الإسلامي العالمي في مكة المكرمة في العاشر من سبتمبر 1990م الذي حضره أكثر من 200 عالم ومفكر من أكثر من 86 دولة عربية وإسلامية، أدانوا الغزو وطالبوا العراق بالانسحاب الفوري من الكويت، بل إن المؤتمرين طالبوا بمحاكمة صدام حسين إسلاميًّا من خلال محكمة إسلامية يتم تشكيلها (39).

ولا شك أن هذا العمل السعودي كان ذا أهمية قصوى في تعبئة الرأي العام العالمي والعربي والإسلامي ضد الاحتلال ، وقبول مسألة قدوم القوات الدولية المتحالفة لتحرير الكويت.

كما أن الدبلوماسية السعودية استنفرت جميع سفاراتها بشأن العالم لخدمة تلك القضية، وحشد الرأي العام العالمي، وعملت تلك السفارات ليل نهار لتبيان حقيقة ما جرى وما يجري في المنطقة، من جراء الاحتلال العراقي، فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت جهود الأمير بندر بن سلطان سفير المملكة في واشنطن بارزة في تكوين رأي عام عالمي، كان سنداً مهمًّا للدبلوماسية السعودية ، وذلك عبر الكثير من قنوات الإعلام المتاحة والاتصال بالعديد من المنظمات ذات التأثير العالمي، ويصعب هنا سرد كل ما قام به سموه لخدمة تلك القضية، كما أن سفير المملكة في لندن الدكتور غازي القصيبي كان له أثر بارز سواء كان ذلك على المستوى الدبلوماسي أم على المستويات الأخرى ، وذلك من خلال تقديمه العديد من القصائد بهذا الخصوص ، أو من خلال كتاباته السياسية ذات الصدى العالمي لإظهار الحقيقة ودعم الكويت وشعبه.

 وكانت حصيلة التحركات الدبلوماسية السعودية إيجابية للغاية، وذلك عندما تكون موقف دولي ثابت في مدة زمنية قصيرة، لم تتجاوز ستين يوماً على الرغم من ضخامة المشكلة، فقد صرح الأمير سعود الفيصل بكل ثقة في الثاني من أكتوبر عام 1990م أن الموقف الدولي صلب ، وأن الكويت ستحرر عندما قال:" الموقف الدولي ثابت لمواجهة العدوان والغزو العراقي للكويت وثابت في تنفيذ قرارات مجلس الأمن والداعية إلى الانسحاب غير المشروط، وعودة الشرعية إلى الكويت ، وضمان الوصول إلى حل يؤدي إلى الاستقرار، ويزيل مسببات التوتر التي تسبب بها العراق في سياساته العدوانية التوسعية "(40).

وفي الوقت نفسه أكد هذا الموقف الدولي الثابت سمو الأمير بندر بن سلطان سفير المملكة في واشنطن عندما قال : " نحن سعيدون بالمظاهرة الدولية تأييداً للحق والعدل وبالذات في مباحثاتنا مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن فمن هذه الناحية نحن مرتاحون للموقف الدولي" (41).

 

الــدور العســكري والاقتصادي والشعبي:

بعد أن استنفدت جميع الوسائل الدبلوماسية لإيجاد حل سلمي ، وذلك بسبب رفض العراق جميع المحاولات والمبادرات الرامية لوضع حل سياسي للأزمة يقوم على أساس الانسحاب الكامل من الكويت، وبعد أن بات من الواضح أن الكويت لن تتحرر إلا باستعمال الوسائل العسكرية، بادرت المملكة ومن منطلق إيمانها التام بأن أي اعتداء على الكويت هو اعتداء على السعودية، بتوفير جميع ما يلزم لإنجاح الوسيلة العسكرية بما في ذلك المساهمة الأساسية والمهمة للقوات السعودية في الميدان لتحقيق النجاح اللازم لإتمام عملية التحرير.

فمنذ بداية الأزمة كان واضحاً تماماً أن الإدارة الأمريكية وقيادتها العسكرية   تعول بشكل أساس على أثر المملكة، بل إنها في أكثر من مناسبة أكدت أنه دون التسهيلات السعودية وإرادتها السياسية فإن مسألة تحرير الكويت ستكون مهمة شبه مستحيلة. لقد أوضح نورمان شوارسكوف قائد القوات الأمريكية من الوهلة الأولى في أول اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي بخصوص الأزمة، أنه لا يمكن تحقيق أي نجاح دون تعاون المملكة العربية السعودية وموافقتها وخاصة في مسألة استيعاب الأعداد الكبيرة للقوات العسكرية الأمريكية والمتحالفة معها ضد الغزو. وهذا يتطابق مع رأي معظم دول العالم وخاصة الأوروبية منها (42).

إن استيعاب المملكة على أراضيها لقوات بلغ عددها 780373 عسكري من 37 دولة، لم يسبق أن حدث في التاريخ المعاصر، وهو أمر بالغ التعقيد والصعوبة، خاصة أن المملكة تعهدت بتقديم احتياجات هذا العدد الضخم من إطعام وإسناد وإسكان وأمن وتسخير البنية الأساسية من الموانئ والمطارات والقواعد العسكر