مقدمــة :

تحتل الدبلوماسية مكانة متميزة في العلاقات الدولية المعاصرة: فبواسطتها تتم إقامة هذه العلاقات وتنميتها؛ وعن طريقها تتم معالجة المسائل ذات الطبيعة الدولية كافة ؛ ومن خلالها يتم التوفيق بين مصالح الدول المتعارضة ووجهات نظرها المتباينة، فضلاً عن ذلك، فللدبلوماسية دور كبير في تسوية المنازعات الدولية وإشاعة جو من العلاقات الودية بين الدول المختلفة. وتستطيع كل دولة –عن طريقها – تدعيم مكانتها الدولية وتعزيز نفوذها في مواجهة الدول الأخرى([1]).

لقد ترتب على التقدم الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات، تحول المجتمع الدولي – على الرغم من ترامي أطرافه وتباعد أرجائه – إلى قرية صغيرة تتشابك مصالحها وتحرص دولها على تبادل المنافع والمعارف فيما بينها. وأدركت الدول أن تطوير علاقاتها المتبادلة ورعاية مصالحها يتطلب إيجاد نوع من التمثيل الدبلوماسي الدائم لدى الدول الأخرى، فأسست البعثات الدبلوماسية لتعبر عن إرادتها لدى هذه الدول([2]).

لم يقلل تطور التمثيل الدبلوماسي الدائم من أهمية الدور الذي تقوم به البعثات الخاصة في مجال العلاقات الدولية. فازدياد المشكلات والتعقيدات الدولية كشف عن عجز واضح في قيام البعثات الدبلوماسية الدائمة بمهامها المختلفة، الأمر الذي فتح الباب واسعًا أمام البعثات الخاصة لتعود إلى احتلال ما كان لها من دور بارز في المسائل الدولية التي تتطلب درجة عالية من التخصص ، وتستدعي قدرة فائقة على اتخاذ القرارات السياسية الهامة، وهذا قد لا يتوافر للبعثات الدائمة([3]).

وعلى الرغم من الحداثة النسبية لنشأة المملكة العربية السعودية، فإنها لم تتخلف عن مواكبة التطـور الهـائل الذي لحـق بالـعـلاقات الدولية الدبلوماسية. فما كاد الملك عبدالعزيز –يرحمه الله – يفرغ من ترسيخ أركان دولته ويئد ماكان يحيط بها من فتن ودسائس حتى عمد إلى تدعيم مكانة المملكة على صعيد العلاقات الدولية. فكان أن تبادل إرسال الوفود مع الدول الأخرى، وأبرم المعاهدات، وأسهم في تأسيس العديد من المنظمات الدولية، واهتم بتبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول الأخرى([4]).

ولقد كان الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – حريصاً دائماً على مراعاة مبادىء الشريعة الإسلامية الغراء في كل مايقيمه من علاقات دولية مع الدول الأخرى. ولا عجب في ذلك، فدولة تأسست وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وشرفها الله بأن جعلها تحتضن بين جنباتها الأماكن الإسلامية المقدسة التي تهفو إليها أفئدة المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، لجدير بأن تؤسس علاقاتها الدبلوماسية على أساس ما جاءت به هذه الشريعة من مبادىء وأحكام قائمة على الصدق والعدل والمساواة والمجادلة بالتي هي أحسن.

ولقد بقي أبناؤه قـادة الممـلكة العـربية السـعودية، أوفـياء لأحــكام الشــريعة الغراء التي أرسـى عـلى أسـاسـها الملك عبدالعزيز العلاقات الدبلوماسية لهذه الدولة الفتية. ولذلك لم يكن غريباً أن تشـارك المملكة في مؤتمر فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961م، ثم تنضم بعد ذلك إلى الاتفاقيـة الصادرة عنه (أي اتفاقية فيينا للعــلاقات الدبلوماسية) ([5]) . ويعــود ذلك إلـى حقيقة أن هــذه الاتفاقـية تقــوم على مبادىء لا تتعارض في جـوهرها عن المبادىء الواردة في الشريعة الإسلامية([6]).

وعلى ذلك فإن دراسة متأنية للعلاقات الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية تتطلب ضرورة العرض للموضوعات الثلاثة الآتية:

تطور العلاقات الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية .

الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، كأساس لدبلوماسية المملكة العربية السعودية.

العلاقات الدبلوماسية السعودية، وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.

 

تطور العلاقات الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية :

لا تزال معالـم التجـربة الإنسانية التى أرسى دعائمها ووطد أركانها الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – حية في نفوس أبناء شعبه، وما تزال بصماتها واضحة على جوانب الحياة السعودية المعاصرة كافة، ومنها بالتأكيد العلاقات الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية. وسوف يستمر تأثير هذه التجربة الرائدة على مستقبل تلك العلاقات، نظرًا لسمو المبادىء التي أرسى على أساسها الملك عبدالعزيز دعائم سياسته الخارجية. وعليه سيكون من الطبعي دراسة العلاقات الدبلوماسية السعودية في عهد المغفور له الملك عبدالعزيز، قبل أن نعرض لواقع هذه العلاقات، بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى عام 1373هـ/1953م.

 

العلاقات الدبلوماسية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود :

بدأت المسيرة المباركة التي قادها الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – لتأسيس المملكة العربية السعودية في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ/15 يناير 1902م، عندما تمكن هو ورجاله المخلصون من استعادة حاضرة ملك آبائه وأجداده –الرياض–من عجلان عامل ابن رشيد، حيث خرج أهل الرياض فرحين مستبشرين بعودة آل سعود الذين حكموا المنطقة ، وعرفوا بعدلهم وسمو مبادئهم القائمة على الإسلام ونشر مبادئه الصحيحة([7]).

وما أن استتب له الأمر بعد عودة الرياض، حتى شرع الأمير الشاب في الانطلاق في سائر الأرجاء، لاستعادة ملك آبائه وأجداده. وإذا كان المجال لا يسمح لنا بتتبع المعارك التي قادها في تفاصيلها ووقائعها المختلفة، فحسبنا القول بأن الجهود في سبيل تكوين المملكة قد شغلت الأمير الشاب عن إعطاء الاهتمام الكافي للشؤون الخارجية للدولة المنشودة. ولكن ما إن بدت معالم هذه الدولة في التبلور والظهور –خاصة بعد دخول حائل عام 1340هـ/1921م، حتى أخذ –يرحمه الله –يعطي اهتمامًا أكثر للعلاقات الخارجية للدولة الوليدة ([8]). بيد أن اهتمامه بهذه العلاقات قد اختلف في المراحل الأولى لتكوين الدولة السعودية، عن تلك التي واكبت تدعيم بنيان دولته وتوطيد أركانها.

 

المراحل الأولى قبل توحيد الدولة :

اتجه الملك عبدالعزيز، خلال هذه المدة نحو توظيف علاقاته الدبلوماسية لخدمة الهدف الأساسي الذى كان يسعى لتحقيقه، أي إعادة تكوين الدولة السعودية. فكان أن شرع في التفاوض مع الدول الأجنبية ، وأبرم معها الاتفاقيات التي تضمن للدولة الوليدة البقاء والاستمرار، وتدعم من ناحية أخرى مكانتها على الصعيد الإقليمي والدولي. وتعد " معاهدة دارين " التي أبرمها الملك عبدالعزيز مع بريطانيا العظمى في 18 صفر 1334هـ/26 ديسمبر 1915م، من أوليات الاتفاقيات في هذا المجال. وقد انتهت هذه المعاهدة بإبرام معاهدة جدة لعام 1345هـ/1927م، التي اعترفت فيها بريطانيا بالاستقلال المطلق لممالك صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها([9]).

ثم تلى معاهدة دارين، إبرام العديد من المعاهدات مع الدول والممالك المجاورة، بغرض تعيين الحدود وتنظيم العلاقات ومنع عشائر كل دولة من الاعتداء على الدولة الأخرى، مثل اتفاقيـــتي المحمرة وبحرة مع العراق في 7 رمضان 1340هـ/ 5 مايو 1922هـ و 14 ربيع الآخر 1344هـ/ الأول من نوفمبر 1925م على التوالي([10])، واتفاقية حدا مع الأردن في 15 ربيع الآخر 1344هـ/ الثاني من نوفمبر 1925م([11]).

كان التفاوض والتوقيع على هذه المعاهدات– في الغالب – بوساطة الملك عبدالعزيز. وقد أبدى جلالته، وهو يمارس هذا النوع من الدبلوماسية، قدرًا كبيرًا من الذكاء وبعد النظر والإحاطة بالظروف والمستجدات الحادثة على صعيد العلاقات الدولية كافة.

إضافة لذلك، كان الملك عبدالعزيز يتولى الإشراف على الشؤون الخارجية لبلاده كافة. وكان يعاونه في الاضطلاع بالمهام السابقة مجموعة من المستشارين اختارهم من خيرة الرجال الذين تحقق لهم قدر كبير من الخبرة والمعرفة في التعامل مع العالم الخارجي، بفعل مخالطتهم له، فاعتمد عليهم رسلاً وسفراء إلى الدول الأجنبية، كما كانوا أعوانًا له في استقبال مبعوثي الدول الأجنبية ووفودها إلى مملكته الناشئة([12]).

إذا كانت المرحلة السابقة قد تميزت باضطلاع الملك عبدالعزيز، مباشرة بالشؤون الخارجية للدولة الوليدة، فإن ثمة تطورًا مهماً قد طرأ على ممارسة هذه الشؤون، نتيجة لتوطيد أركان الدولة السعودية وإنشاء وزارة متخصصة في الشؤون الخارجية، أي وزارة الخارجية.

 

المراحل التالية لتوحيد الدولة:

يؤرخ لهذه المرحلة بدخول الملك عبدالعزيز –رحمه الله– مدينة جدة عام 1344/ 1925م. ففي أعقاب ذلك، تحقق لجلالته ما كان يرجوه من توحيد أرجاء المملكة وتوطيد أركانها ودعائمها، على أساس احترام مبادىء الشريعة الإسلامية الغراء. ومن ثم فقد عمد إلى تأسيس مديرية للشؤون الخارجية، مقرها مكة المكرمة، وأنشأ لها مكتبًا في جدة. وبقي الوضع على هذا النحو، إلى أن صدر الأمر الملكي السامي في شهر رجب عام 1349هـ/ 1930م، بتحويل مديرية الشؤون الخارجية إلى وزارة الخارجية، وتعيين صاحب السمو الملكي فيصل بن عبدالعزيز – يرحمه الله – نائب جلالة الملك في الحجاز آنذاك وزيرًا للخارجية([13])، ويعود هذا الاختيار إلى ما عرف عن سموه من رجاحة العقل وبعد النظر واطلاعه التام على مجريات الحياة الدولية، فضلاً عن اتسام شخصيته بصفات كريمة وأخلاق نبيلة وثقافة عالية([14]). كما اشتمل الأمر الملكي على الهيكل التنظيمي لوزارة الخارجية، وإن كان تشكيلها النهائي استغرق بعض الوقت بسبب الرغبة في التريث قبل التوسع في إحداث تشكيلات غير مبنية على الحاجة والتجربة([15]). ولقد بقي مقر وزارة الخارجية في مكة المكرمة حتى 1366هـ، حيث نقلت إلى جدة مع إنشاء فرع لها في مكة([16]).

يمثل إنشاء وزارة الخارجية تطوراً هائلاً في تاريخ العلاقات الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية، حيث صارت ممارسة هذه العلاقات تتم عبر أجهزة متخصصة ورجال محترفين للعمل الدبلوماسي وفقًا للتوجيهات المباشرة من المغفور له الملك عبدالعزيز. ويعود ذلك إلى اتساع علاقات المملكة مع الدول الأخرى وازدياد أهميتها([17]).

لقد ترك إنشاء وزارة الخارجية آثاراً بالغة على ممارسة العمل الدبلوماسي للمملكة العربية السعودية، فازداد تنوع الوسائل التي تلوذ بها هذه الدبلوماسية لتحقيق أهدافها الخارجية. كما طرأ تطور مهم على الأهداف التي كان الملك عبدالعزيز يتوخى تحقيقها في المراحل الأولى من تكوين دولته. وهو ما يتضح من الدراسة التالية.

التوسع في إبرام المعاهدات الدولية وتطور أهدافها:

بعدما تكونت المملكة وتوطدت أركانها..، اتجه الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بمعاهداته الدولية صوب تدعيم علاقات الصداقة وحسن الجوار وزيادة التعاون والتنسيق مع مختلف دول العالم: دول عربية كالعراق واليمن وسوريا ولبنان والأردن ومصر؛ ودول إسلامية كتركيا وإيران وأفغانستان وباكستان؛ ودول أجنبية كألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية([18]).

 

التوسع في تبادل الزيارات الرسمية مع الدول الأجنبية:

اعتمد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – أسلوب تبادل الزيارات الرسمية مع الدول الأجنبية التي اعترفت بالدولة الفتية، من أجل تثبيت العلاقات وتدعيم روابط التعاون والتنسيق مع تلك الدول. وقد ترأس هذه الزيارات – في بعض الأحيان – ولي عهـــده الأمين صاحب السمو الملكي الأمـــير سعــود ، رحمه الله([19]) ، وفي أحيان أخرى نجله الثاني صاحب السمو الملكي الأمير فيصل، طيب الله ثراه([20]). بل إن المغفور له جلالة الملك عبدالعزيز قد اعتمد أسلوب السفر بنفسه إلى بعض البلدان، كلما قدر أهمية ذلك لصــــالح الأمتين العربية والإسلامية، تمامًا كما هو الحال بالنسبة لزيارته لمصر عام 1364هـ/1945م، حيث اجتمع بالرئيس الأمريكى روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل ، وتباحث معهما في الأوضاع العربية وخاصة ماتعلق منها بالقضية الفلسطينية، فضلاً عن اجتماعه بالملك فاروق ورئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي والتباحث معهما في الشؤون العربية([21]). أما زيارته الثانية لمصر، التي أجريت عام 1365هـ/ 1946م، فقد اجتمع خلالها مع الملك فاروق ملك المملكة المصرية آنـــذاك([22]).

في ذات الوقت كانت المملكة العربية السعودية مقصدًا للكثير من وفود الدول العربية والأجنبية، التي كان يرأسها في بعض الأحيان قادة هذه الدول، كزيارة الملك فاروق للمملكة عام 1364هـ/ 1945م، وزيارة الملك عبدالله بن الحسين ملك شرق الأردن للمملكة عام 1367هـ/ 1948م([23]).

المشاركة بفعالية في المؤتمرات الدولية:

تهيأ للمملكة العربية السعودية – بفضل قيادتها الحكيمة وما لها من مكانة متميزة على الصعيدين الإقليمي والدولي – المشاركة في العديد من المؤتمرات الدولية، وكان لصوتها بالغ الأثر في التعبير عن الآمال والطموحات العربية داخل هذه المؤتمرات.

ومن هذه المؤتمرات، نستطيع الإشارة إلى مؤتمر لندن المنعقد في ذي القعدة عام 1357هـ/ يناير 1938م، للبحث عن حل للقضية الفلسطينية([24])، ومؤتمر الإسكندرية في ربيع الآخر 1365هـ/ مارس 1945م لتأسيس جامعة الدول العربية([25])، ومؤتمر سان فرانسيسكو في جمادى الأولى/ أبريل 1945م لإنشاء الأمم المتحدة([26]).

 

تبادل التمثيل الدبلوماسي الدائم مع العالم الخارجي :

إذا كان الملك عبدالعزيز قد مارس التمثيل الدبلوماسي المؤقت منذ المراحل الأولى لتكوين المملكة، فإن اهتمامه بالتمثيل الدبلوماسي الدائم قد تأخر لحين توحيد البلاد وتأسيس وزارة الخارجية عام 1349هـ/1930م. فقبل هذا التاريخ، كان التمثيل الدبلوماسي للدول الأجنبية بشبه الجزيرة العربية مقتصرًا على بضع قنصليات في الحجاز لمراعاة شؤون الحج([27]). وكان عدد الأشخاص الذين يتولون القيام بأعباء هذا التمثيل محدودًا للغاية، ولم يكن لأي منهم صفة التمثيل الدبلوماسي المتعارف عليها دوليًا.

قامت المملكة بتأسيس أول مفوضية لها بالخارج في لندن عام 1349هـ/1930م. ثم تتابع افتتاح ممثلياتها (سفارات – مفوضيات – قنصليات) بالخارج، إلى أن بلغ عددها عام 1370هـ/ 1951م، خمسة عشر ممثلية([28]).

وفي المقابل توسعت الدول الأجنبية في افتتاح ممثليات لها بالمملكة العربية السعودية نتيجة اعترافها بهذه الدولة الفتية. وبلغ عدد هذه الممثليات بالمملكة عام 1370هـ/ 1951م إحدى وعشرين ممثلية، اتخذت جميعها من جدة مقرًا لها، بسبب وجود وزارة الخارجية بها([29]).

 

ويرجـع السـبب في توســع الملك عبدالعـزيز في تبادل التمثيــل الدبلوماســي مع الـدول الأجنبية، إلى ازدياد اعتراف هذه الدول بالمملكة، فضلاً عن توثق العلاقات بين المملكـة وتلك الدول بالحـد الذي لم يعد التمثيل الدبلوماسي المؤقت يكفي للوفاء بتبعاتها، وإنما رؤي إنشاء ممثليات دائمة تقوم بالسهر على هذه العلاقات والعمل على تطويرها وتنميتها.

لقد تضافرت جهود البعثات الدبلوماسية السعودية مع جهود غيرها من الوسائل الدبلوماسية في تدعيم مكانة المملكة على صعيد العلاقات الدولية، فباتت المملكة تحتل بفضل هذه الجهود مكانة متميزة على المستوى العربي والإسلامي والدولي. ويعود ذلك إلى ما تميزت به دبلوماسية المغفور له الملك عبدالعزيز من خصائص وصفات أساسية.

 

أهم خصائص دبلوماسية الملك عبدالعزيز وصفاتها :

أقام الملك عبدالعزيز – رحمه الله – دبلوماسيته على أساس واضح من الصراحة والعلانية. فأهداف الدولة يُعلن عنها بصورة مباشرة. وتتحاشى المملكة أن تحاط أعمالها بالغموض، بل تقوم بالتعبير عنها بعبارات دقيقة تتفق وتقاليدها العربية والإسلامية([30]).

كما تميزت دبلوماسية جلالته بالتروي والاعتدال في تحديد المواقف واتخاذ القرارات. فكانت تتجنب التطرف والمبالغة في تقدير الأمور، بحيث لا تعطيها أكثر مما تستحق. وتحقق ذلك للملك عبدالعزيز، بفضل تنشئته الإسلامية، وما حباه به الله من كريم الصفات وطيب الخصال، ولا سيما صفة التواضع([31]).

كذلك فقد اتسمت سياسته بالطابع الهادئ المتزن، والبعيد عن المهاترات الإعلامية وردود الفعل الغوغائية. فالدبلوماسية السعودية تعتمد أسلوب الحوار والإقناع وتجنب أسلوب الإثارة والتراشق بالشتائم والسباب. ولا ينبغي أن يفسر ذلك بالضعف أو الوهن. فعندما تتجاوز الأمور حدها، سرعان ما تتشدد الدبلوماسية السعودية في مواقفها العادلة، لوضع حد لمثل هذه الممارسات وإعادة الأمور إلى نصابها([32]).

وتميزت دبلوماسية الملك عبدالعزيز – رحمه الله – باتباع النهج التوفيقي بين الآراء والمواقف المختلفة، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالشؤون العربية والإسلامية. فلم تكن دبلوماسيته تهتم فقط بإزالة أسباب الفرقة والخلاف بين هذه الدول، وإنما تجتهد في لم الشمل والتقريب فيما بينها على أساس العمل بكتاب الله وسنة رسوله الكريم([33]).

وأخيرًا فقد تميزت دبلوماسية الملك عبدالعزيز بأنها دبلوماسية إسلامية، تقوم على احترام أحكام الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية والأعراف الدبلوماسية، في علاقاتها بالدول الأخرى. وهذا ما يميزها عن الدبلوماسية التى لا تحترم التزاماتها الدولية، وإنما تقوم تصرفاتها على أهواء وأراء من بيده مقاليد الحكم. ولقد أكسبها ذلك احترامًا وتقديرًا على المستوى العربي والإسلامي والدولي.

 

العلاقات الدبلوماسية بعد رحيل الملك عبدالعزيز يرحمه الله:

في الثاني عشر من ربيع الأول عام 1373هـ/ 9 نوفمبر 1953م، انتقل الملك عبدالعزيز إلى جوار ربه، بعدما سجل صفحة ستظل مشرقة بيضاء في عمر الزمان، نظير ما قدمه لأبناء شعبه وأمتيه العربية والإسلامية من جلائل الأعمال وعظيم الأفعال. فلقد أسس مملكة مترامية الأطراف متباعدة الأرجاء يسودها الأمن والأمان، وتقوم على تطبيق شرع الله.

وفي يوم وفاته بويع ولي عهده الأمير سعود ملكًا على البلاد، فقام بمواصلة المسيرة وتابع تطوير أجهزة الدولة الدبلوماسية، فوسع من أنشطتها وطور من وسائلها وأساليبها المختلفة. غير أن مدة حكمه قد شهدت الكثير من المشكلات والأزمات الدولية كإنشاء حلف بغداد عام 1955م، واشتداد حدة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، إضافة إلى التوترات والانقسامات داخل العالم العربي([34]).

وفي 27 جمادى الآخرة 1384هـ/ الأول من نوفمبر 1964م بويع الأمير فيصل ابن عبدالعزيز ملكًا على البلاد([35]).

أدار الملك فيصل – رحمه الله – الشؤون الخارجية للمملكة على ضوء خبرته الطويلة وتجربته مع المشكلات والأزمات الدولية. فلقد عهد إليه والده، الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – منذ أن كان شابًا صغيرًا، لقاء العديد من قادة العالم وتمثيل المملكة في الكثير من الاجتماعــات والمؤتمرات الدوليـــة. وعندما أنشئت وزارة الخارجية عام 1349هـ/ 1930م، عُيِّن وزيرًا للخارجية، إضافة إلى مهامه وأعبائه المختلفة. وظل يتقلد هذا المنصب، حتى تاريخ استشهاده عام 1395هـ/ 1975م، مدافعًا عن المبادىء التي تلقاها عن والده الملك عبدالعزيز، وخاصة مكافحة الشيوعية والصهيونية والاستعمار، ومحاولة جمع شمل المسلمين والدفاع عن قضاياهم([36]).

وفي عهد خليفته الملك خالد بن عبدالعزيز – رحمه الله – حافظت الدبلوماسية السعودية على تقاليدها، وحرصت على تعزيز مكانة المملكة في مجال العلاقات الدولية. وخلال هذه المدة عُيِّن صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير دولة للشؤون الخارجية، ليكون خير خلف لخير سلف. ثم عُين سموه وزيرًا للخارجية، بموجب الأمر السامي رقم أ/55 في 17/3/1395هـ/ 29 مارس 1975م، في التشكيل الوزاري الجديد في 8 شوال 1395هـ/ 13 أكتوبر 1975م([37]).

وفي الحادي والعشرين من شهر شعبان عام 1402هـ/ 13 يونيو 1982م بويع ولي العهد الأمير فهد بن عبدالعزيز ملكًا على المملكة العربية السعودية، عقب وفاة أخيه الملك خالد رحمه الله. وقام باختيار أخيه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله – وليًا للعهد، فكان خير عون له في النهوض بأعباء الحكم الداخلية والخارجية. وينال خادم الحرمين الشريفين الإعجاب والاحترام، بفضل خصاله القيادية الفذة والإنجازات العظيمة التي حققها لشعبه ومشاركته في العمل السياسي منذ بواكير شبابه. فلقد رافق أخاه الملك فيصل – رحمه الله – إلى الاجتماع التأسيسي للأمم المتحدة بسان فرانسيسكو عام 1364هـ/ 1945م. وتقلد العديد من المناصب والمسؤوليات السياسية المهمة، فكان في عهد أخيه الملك خالد – رحمه الله – وليًا للعهد ونائبًا أول لرئيس مجلس الوزراء وعنصرًا رئيسًا في صنع القرار السياسي بالمملكة([38]). وكان له دور بارز في خدمة القضايا العربية والإسلامية، كما كانت له مكانة متميزة في المحيط الدولي. وفي عهده طرحت المبادرات والمشروعات السياسية لحل المنازعات الدولية، كمشروع الملك فهد (مشروع فاس) لحل النزاع العربي الإسرائيلي([39]).

ومن ذلك يتضح أن علاقات المملكة الدبلوماسية قد شهدت تطورًا مهماً في مختلف المجالات وسائر الاتجاهات، حيث سار بها أبناء مؤسسها الملك عبدالعزيز من نجاح إلى نجاح مسترشدين في ذلك بالمبادىء التي أقام على أساسها هذه العلاقات.

فعلى صعيد تبادل الزيارات، تمثل المملكة مقصدًا للوفود الأجنبية التي تفد إليها، بهدف التباحث وتبادل وجهات النظر مع القائمين على أمر العلاقات الخارجية السعودية. وفي المقابل لا تكف الوفود السعودية عن زيارة البلدان العربية والإسلامية والأجنبية للتباحث مع قادتها بشأن ما يهم العلاقات الثنائية والدولية، وخاصة ما يتعلق منها بالشؤون العربية والإسلامية.

من ناحية أخرى تحرص المملكة على أن يكون لها حضور دائم ومؤثر في المؤتمرات الدولية الإقليمية منها والعالمية. وكثيرًا ما يترأس وفودها لدى هذه المؤتمرات قادة المملكة، وذلك للتعبير عن وجهات نظر المملكة، والتعرف على مواقف قادة الدول الأخرى المشاركة في هذه المؤتمرات وآرائهم . ومن المؤتمرات التي حرصت المملكة على المشاركة فيها مؤتمرات القمة العربية بدءًا من المؤتمر الأول في القاهرة عام 1964م. ومؤتمرات حركة عدم الانحياز بدءًا من المؤتمر الأول في بلغراد (يوغسلافيا) عام 1961م. وتشــــارك المملكة في المؤتمرات الخاصــــة بالحوار بين الشمال والجنوب، للتعبير عن قضايــــا العالم الثالث والدفاع عنها. وبلغ من اهتمام المملكة بهذه المؤتمرات أن مثلها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في المؤتمر الذي عقد بالمكسيك عام 1980م([40]).

وتولي المملكة اهتمامًا خاصًا بمؤتمرات القمة الإسلامية، حيث تحرص على حضورها والمشاركة فيها على أعلى مستوى. فلقد مثلها في المؤتمر الأخير، والذي عقد بطهران في شعبان 1418هـ/ ديسمبر 1997م، ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ممثلاً لأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز. وتتخذ المملكة من هذه المؤتمرات منبرًا تدافع  من خلاله عن قضايا أمتيها العربية والإسلامية، وترد عن الإسلام الحنيف زيف التهم الباطلة التي يحاول أعداؤه إلصاقها به ظلمًا وعدوانًا.

وتطور دور المملكة في مجال عقد المؤتمرات الدولية، فلم تعد تكتفي بمجرد المشاركة في المؤتمرات التي تدعو إلى عقدها دول أخرى، وإنما صارت تبادر بالدعوة لعقد مثل هذه المؤتمرات بهدف مناقشة الموضوعات التي تهم أمتينا العربية والإسلامية.

ففي أعقاب انتخاب بنيامين نتنياهو رئيسًا لوزراء إسرائيل عام 1996م ومحاولته تخريب عملية السلام بين العرب وإسرائيل، شارك صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله ابن عبدالعزيز، ممثلاً لأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد، شقيقيه الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس السوري حافظ الأسد الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية بالقاهرة في صفر 1417هـ/ يونيو 1996م. وفي نهاية الاجتماع، قرر المجتمعون الالتزام بمواصلة العملية السلمية مع إسرائيل على أساس قواعد الشرعية الدولية التي عُبر عنها في قرارات مجلس الأمن أرقام 242، 338 ، 425([41]).

وتحرص المملكة على تدعيم علاقاتها بأشقائها العرب، وحل ما قد يعترض هذه العلاقات من مشكلات وخلافات بالطرق الودية التي تتفق وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف. وتقدم المفاوضات التي تجريها المملكة مع جيرانها العرب بهدف ترسيم الحدود بينها خير دليل على ذلك.

كما تستهدف سياسة المملكة إشاعة جو من الوفاق والوئام بين جميع الدول العربية والإسلامية، واجتثاث أسباب الشقاق والخلاف فيما بينها. فعلى أثر توتر العلاقات بين جمهورية مصر العربية ودولة قطر، نتيجة رفض مصر حضور المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي عقد بحضور إسرائيل بالدوحة في نوفمبر 1997م، بادر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد وولي عهده الأمين الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، برعاية لقاء مصالحة بين الرئيس المصري وأمير قطر بالرياض في 4 ديسمبر 1997م. وقد أثمر هذا اللقاء عن عودة العلاقات بين مصر وقطر إلى سابق عهدها من المحبة والإخاء، تعضيدًا للتعاون والتضامن العربي، وتحقيقًا لمصالح الأمة العربية([42]).

ومن ناحية أخرى تستهدف سياسة المملكة الخارجية دعم القضايا الإنسانية وخدمة السلام العالمي لكونها دولة إسلامية تنشد السلام وتهتم بالإنسان. ولإدراك هذه الغايات عمدت الدبلوماسية السعودية إلى تقديم المساعدات الاقتصادية للعديد من دول العالم النامي، لمساعدتها على حل مشكلاتها وتأمين استقرارها وتطورها. كما كانت المملكة السباقة دائمًا في تقديم المساعدات الإنسانية إلى الدول التي تصاب بالكوارث الطبعية كالفيضانات والزلازل([43]). ومن أهم المؤسسات السعودية المسؤولة عن الإقراض والتمويل لمشاريع التنمية في بلدان العالم الثالث، يمكن الإشارة إلى الصندوق السعودي للتنمية، الذي بدأ نشاطه في 14 رجب 1394هـ.

وتحتل المملكة المركز الأول بين الدول التي تقدم مساعدات إلى البلدان النامية، من حيث نسبة ما قدمته من عون إنمائي إلى إجمالي الناتج القومي الوطني. كما تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية، من حيث مجموع ما تقدمه من دعم مادي. فخلال المدة من عام 1973م وحتى عام 1990م بلغ مجموع ما قدمته المملكة من مساعدات إنمائية ميسرة عبر القنوات الثنائية والإقليمية والدولية نحو 64 مليار دولار أمريكي تمثل ما نسبته 4.45% من متوسط إجمالي ناتجها القومي. وقد استفادت من هذا العون سبعون دولة نامية في مختلف قارات العالم([44]).

من ناحية أخرى أسهمت المملكة في تأسيس العديد من المنظمات الدولية مثل منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) عام 1960م، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك) عام 1968م، ومنظمة المؤتمر الإسلامي عام 1969م، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981م. وتتخذ بعض هذه المنظمات من المملكة مقرًا لها: مدينة جدة بالنسبة لمنظمة المؤتمر الإسلامي؛ مدينة الرياض بالنسبة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وإدراكًا لأهمية الدور الذي تؤديه البعثات الدبلوماسية والقنصلية في توثيق عرى الأخوة والصداقة ، وتدعيم العلاقات الاقتصادية والثقافية والتجارية، واصلت المملكة العربية السعودية التوسع في تبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي بوجهيه الإيجابي والسلبي مع مختلف دول العالم، حتى صار للمملكة بعثات دبلوماسية تغطي مختلف دول العالم. وبالمقابل أصبحت مدينة الرياض مقرًا للبعثات الدبلوماسية من مختلف بلدان العالم. ويبلغ عدد البعثات الدبلوماسية للمملكة بالخارج 73 بعثة دبلوماسية([45])، على حين ارتفع عدد البعثات الدبلوماسية الأجنبية المعتمدة لدى المملكة(91) بعثة([46]) . وتطمح المملكة إلى مواصلة التوسع في تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول الأخرى بوجهيه الإيجابي والسلبي، ليشمل علاقاتها مع جميع دول العالم.

وبعد انتقال البعثات الدبلوماسية إلى الرياض في بداية عام 1405هـ/ 1984م سمحت المملكة العربية السعودية لمن يرغب من البعثات الأجنبية المعتمدة فتح قنصليات لها بمدينة جدة، على أساس المعاملة بالمثل وفي حدود تلك المعاملة، فكان أن تأسست نتيجة لذلك 58 قنصلية في مدينة جدة([47])، إضافة إلى القنصليات الفخرية وجميعها تخضع لأحكام اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963م، التي انضمت إليها المملكة بالمرسوم الملكي رقم م/44 وتاريخ 8/9/1408هـ. وفي مقابل ذلك للمملكة 13 قنصلية عامة في الخارج([48])، إضافة إلى ماتشتمل عليه كل بعثة دبلوماسية سعودية بالخارج من قسم قنصلي، إعمالاً لنص المادة 3/2 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تجيز للبعثة الدبلوماسية افتتاح قسم قنصلي بها.

على الرغم من التطور الهائل الذي نال الدبلوماسية السعودية، فقد ظلت هذه الدبلوماسية تلتزم دائمًا بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء في جميع أوجه نشاطها. ويعود ذلك إلى تمسك جميع قادة المملكة بهذه القاعدة الأساسية، التي على أساسها قامت وتشيدت المملكة العربية السعودية.

 

الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية أساساً لدبلوماسية المملكة العربية السعودية:

يرتبط تاريخ المملكة العربية السعودية ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا بدعوة الإصلاح التي نادى بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله. فلقد كانت هذه الدعوة القاعدة التي انطلق من خلالها الملك عبدالعزيز لتأسيس المملكة العربية السعودية. وعندما تحقق له ما كان يصبو إليه، جعل من الشريعة الإسلامية الأساس الذي تستند إليه المملكة في تسيير مظاهر الحياة فيها كافة .

ولم يكن الملك عبدالعزيز يترك فرصة إلا واستغلها للتعبير عن صدق هذا التوجه والتمسك به. فما كاد يستتب له الأمر في أرجاء المملكة، إلا وأعلن أنه يجاهد لتطبيق شريعة الله، كما جاءت في كتابه الكريم وسنة رسوله e ، وتراث السلف الصالح من علماء المسلمين([49]).

وعقب رحيل الملك عبدالعزيز إلى الرفيق الأعلى عام 1373هـ/ 1953م، ظل أبناؤه أوفياء في الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع مناحي الحياة الداخلية والخارجية للمملكة العربية السعودية. فلا تكاد تمر مناسبة من المناسبات إلا وانتهزوها لإعادة التأكيد على هذا الالتزام.

وفي عهـــد خــــادم الحرمـــين الشريفـــين الملك فهد بن عبدالعزيز ، صـــدر " النظام الأساسي للحكم" في المملـــكة بموجب الأمر الملـــكي رقم أ/90 في 27/8/1412هـ، المستمد من الشريعة الإسلامية الغراء، فالمادة الأولى من هذا النظام تقرر أن " المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله، e ..." . أما المادة السابعة من النظام فتنص على أن " يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة ". هذا بالإضافة إلى ما أكدته باقي نصوص النظام من صدق الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية أساساً لنظام الحكم في المملكة.

ومن كل ذلك يتضح أن الإسلام يشكل الأساس القوي الذي تمارس على أساسه المملكة مختلف أنشطتها الداخلية والخارجية، ومن ضمنها – بطبيعة الحال – الأنشطة الدبلوماسية. فليس للدبلوماسية السعودية الخروج على أحكام هذه الشريعة، وإنما يتعين الالتزام بها وعدم الخروج عليها.

تجد الدبلوماسية أساسها في الآيات القرآنية التي تقرر بوضوح وحدة الأصل الإنساني: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }([50]) ، ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَو