مقدمـــــة:

  للمملكة العربية السعودية دور رائد في تأسيس المنظمات السياسية الإقليمية والعربية والإسلامية والدولية ودعمها . وقد كان هذا الدور واضحاً لمن يتمعن تطور السياسة الخارجية السعودية في عهد الملك عبد العزيز، ثم اهتمامها المستمر بالنهج نفسه حتى الوقت الحاضر. وعلى الرغم من هذه الحقيقة إلا أن سياسة المملكة القائمة على أصول إسلامية لا تهتم كثيراً بالدعاية لما تقوم به، إيماناً منها بأنه من واجباتها تجاه الأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي. وإزاء هذا الواقع ولتجلية هذا الدور، ووضع النقاط على الحروف، ستركز هذه الدراسة على بيان أسس السياسة الخارجية السعودية وأصولها ومبادئها التي أقام لبنتها الملك عبد العزيز، ثم دورها المؤسس والداعم لأربع من المنظمات السياسية المهمة في الوقت الحاضر، وهي مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الأمم المتحدة.

  وفي الحقيقة فقد اضطلعت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز – يرحمه الله – بمسؤوليات جسام تجاه أبنائها خاصة، وتجاه أبناء الأمة العربية والإسلامية، ثم تجاه المجتمع الإنساني. ومن الأمور الجوهرية في بناء الدولة السعودية وخدمة أبنائها ومصالحها الاهتمام بعلاقاتها الخارجية. لقد قامت المملكة العربية السعودية على إرث إسلامي مكين بناه الرسول ، e، ثم طبق مبادئه خلفاؤه الراشدون من بعده، ثم زعماء الأمة الإسلامية حتى العصر الحديث.

  ومن الأسس الجوهرية في بناء المملكة العربية السعودية هو وحدتها الوطنية التي بدأها الملك عبد العزيز باستعادة الرياض عام 1319هـ/ 1902م، ثم توحيد بلاد نجد، والمنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية، والحجاز والمنطقة الجنوبية والشمالية. وقد أثبتت الأيام أن توحيد البلاد السعودية جلب لها الاستقرار بعد الفرقة، والأمن بعد الخوف، وانبساط النعمة بعد الجوع والفاقة.

 

وعطفاً على هذه الخلفية، ولأهمية العمل الجماعي وفوائده فليس غريباً أن تهتم المملكة العربية السعودية وتشجع، بل وتكون من المؤسسين لأربع من المنظمات السياسية الإقليمية والعربية والإسلامية والدولية. فالتاريخ يشهد للمملكة دورها المؤسس والداعم لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1401هـ/1981م، ومن قبله منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1389هـ/ 1969م. كما أن المملكة من الدول العربية السبع التي أسست جامعة الدول العربية عام 1364هـ/1945م. والمملكة من الدول الإحدى والخمسين المؤسسة لهيئة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم عام 1364هـ/1945م.

  ولم تكتف المملكة العربية السعودية بدورها المؤسس لهذه المنظمات ، بل كانت ترى عليها واجباً أخوياً وعربياً وإسلامياً وإنسانياً في دعم مواثيق هذه المنظمات مادياً وأدبياً، وتطوير مؤسساتها وأنشطتها المتعددة. من أجل ذلك كانت المملكة تتحمل تبعات كبيرة لم تمن بها ولم تفاخر بها، بل كانت تعمل بصمت، وهو ما جعلها تكسب احترام العالم أجمع.

  وإيماناً بأهمية دور المملكة العربية السعودية الرائد في جميع المحافل الدولية والإقليمية حرص قادة هذه البلاد منذ عهد مؤسسها الملك عبد العزيز – يرحمه الله – حتى الوقت الحاضر على الإسهام بدور مؤثر في تأسيس أهم المنظمات العالمية والإقليمية ودعمها ، وهي بحسب تاريخ تأسيسها :

1– منظمة الأمم المتحدة.

2– جامعة الدول العربية.

3– منظمة المؤتمر الإسلامي.

4– مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

  وتمهيداً لدور المملكة في العمل السياسي سنستعرض في هذه الدراسة ملامح السياسة الخارجية السعودية ومرتكزاتها في عهد الملك عبد العزيز، وبداية التمثيل الدبلوماسي الخارجي في البلاد السعودية، ونشأة التمثيل الدبلوماسي وتطوره للمملكة العربية السعودية في الدول الخارجية. كما سنعرض لظروف تأسيس المنظمات السياسية الإقليمية والدولية من جهة، وإبراز دور المملكة العربية السعودية المؤثر في مجال التعاون الدولي من خلال جهودها في تأسيس هذه المنظمات ودعمها من جهة أخرى.

  وحيث إن هذه الدراسة مقدمة إلى مؤتمر المملكة في مائة عام، وتمشياً مع الضوابط التي تحكم أبحاث المؤتمر، خاصة ما يتعلق بحجم الأبحاث؛ ونظراً لاشتمال هذه الدراسة على دراسة أربع منظمات سياسية عربية ودولية بالإضافة إلى دراسة منطلقات السياسة الخارجية السعودية التي كانت العامل المؤثر في دور المملكة تجاه تلك المنظمات، فقد اقتصرت هذه الدراسة على إيراد الخطوط العريضة لهذا الدور، دون الدخول في التفصيلات الكثيرة التي تحتاجها تلك الموضوعات لو درست بشكل منفرد. ولأهمية المباحث التي شملتها الدراسة فقد اشتملت هوامش البحث وكذلك قائمة المصادر والمراجع على مجموعة مختارة من المصادر التي تناولت تلك الموضوعات بشكل مفصل، والتي يمكن الرجوع إليها في هذا الخصوص.

 

معالم السياسة الخارجية السعودية وتطورها :

  لم تكن الدولة السعودية حديثة العهد بالسياسة الخارجية، فقد كان للدولة السعودية الأولى والثانية اتصالات سياسية بالدول العربية والإسلامية القائمة في ذلك الوقت، كما كان لهاتين الدولتين اتصالات سياسية مع الدول الأوربية، وخاصة بريطانيا وفرنسا، اللتين حرصتا على قيام نوع من العلاقة والاتصال بينهما كل على حدة وبين الدولة السعودية، ضماناً لمصالحهما في الشرق. وكانت بريطانيا تسعى إلى ضمان استقرار نفوذها في الخليج العربي من خلال العمل مع الدولة السعودية الأولى ثم الثانية، لما لهما من نفوذ قوي في المناطق الشرقية من الجزيرة العربية، وخاصة بلاد الخليج في تلك الحقبة.

  وخلال السنوات الأولى من القرن الرابع عشر الهجري/ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، تشرب الملك عبد العزيز مبادئ السياسة عموماً، وملامح السياسة الدولية خصوصاً، وهو في سن الشباب عندما كان في الكويت مع والده الإمام عبد الرحمن، بعد سقوط الدولة السعودية الثانية. ففي ذلك الوقت كانت الكويت تعج بالمباحثات والتحاورات السياسية في مجلس الشيخ مبارك الصباح أمير الكويت بين ممثلي الدول العظمى في ذلك الوقت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والدولة العثمانية. وقد أظهر الملك عبد العزيز، منذ صغره، نباهة فائقة مما دعا الشيخ مبارك إلى أن يفسح له المجال في حضور تلك المجالس ، بل والمشاركة أحياناً في بعض المناقشات. ولا شك أن هذه المواهب والخبرات والتجارب التي عايشها الملك عبد العزيز كان لها أثر إيجابي عليه خلال حكمه الذي تجاوز الخمسين عاماً.([1])

  وبعد قيام الدولة السعودية الحديثة باستعادة الملك عبد العزيز الرياض في 5 شوال 1319هـ/ 14 يناير 1902م، وما أعقب ذلك من سعيه المتزن لاستعادة باقي بلاد شبه الجزيرة العربية التي كانت تحت سلطة كل من الدولة السعودية الأولى والثانية، كان رسم السياسة الخارجية السعودية مرتبطاً بالملك عبد العزيز مباشرة. وقد بدأت الدولة الوليدة تنفتح على العالم الخارجي، وتهتم بمفهوم السياسة والعلاقات الدولية، لكن بداية هذه العلاقات والاهتمام السياسي الخارجي ظل محدوداً، وكان يرتبط مباشرة بالوضع الذي كانت عليه الدولة، حيث اقتصر في البداية على إقامة صلات محدودة مع كل من بريطانيا والدولة العثمانية؛ نظراً لنفوذهما وتواجدهما في الساحة العربية والخليجية. ومن جهة أخرى كان الملك عبد العزيز، خلال تلك الحقبة وما بعدها على اتصال بالعالم الخارجي عن طريق ممثلي الدول الأجنبية الكبرى في الخليج.

  ومما يجدر التنبيه إليه هنا هو أن رسم السياسة الخارجية للدولة السعودية والموازنة بين المصالح المتضاربة للدول الكبرى كان يقوم به الملك عبد العزيز شخصياً، حيث لم يكن هناك وزارة للخارجية أو وزير للشؤون الخارجية، ولذلك كان الملك عبد العزيز يقوم بالاتصالات والمكاتبات مع تلك الدول، ويتلقى أجوبتها، ويقوم بالتفاوض معها، وكانت المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات والرسائل تمهر بخاتمه الشخصي.([2]) وبذلك يمكن القول: إن الملك عبد العزيز كان يشرف بنفسه على الشؤون الخارجية للدولة السعودية الفتية .

  ولا شك أن قيام الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز أحدث تغيراً في إستراتيجيات الدول الكبرى في نظرتها السياسية لهذه المنطقة، ولذلك نرى تلك الدول تتسابق في إرسال المبعوثين والمندوبين للالتقاء بالملك عبد العزيز ، وسبر غور السياسة السعوديــــة. ففي أبريـــل عام 1909م قام الكابـــتن شكسبير Captain William Henry Shakespeare، المعتمد السياسي البريطاني في الكويت، برحلة عبر الجزيرة العربية قابل خلالها الملك عبد العزيز.([3]) وفي عام 1912م قام الرحالة الدانمركي باركلي راونكيـــار Barclay Raunkiaer الذي كـــان يعمــــل لصـــالح ألمانيا بزيـــارة إلى الدولــــة السعوديـــة حيث قابل الملك عبد العزيز ووالده الإمام عبد الرحمن.([4]) وبعد أن استطاع الملك  عبد العزيز ضم الأحساء عام 1330هـ/1913م، واتصلت بلاده بدول الخليج وانفتاحه على العالم عن طريق البحر لأول مرة، ازداد اهتمام الدول الغربية بما يجري في الجزيرة العربية. وخلال تلك الحقبة قابل  الملك عبد العزيز عدداً من المبعوثين الأجانب. ففي عام 1917م قامت بعثـــة تألفت من جـــون فلبي H. St. John Philby والجنرال مارشــال General Marshall والكولونيـــل كنليف أويـــن Col. Cunliffe Owen والكولونيل هملتـــون Col. R. E. A. Hamilton الوكيـــل السياسي البريطاني في الكويت برحلة إلى الجزيرة العربية حيث قابل أعضاء البعثة الملك عبد العزيز في شهر نوفمبر من السنة نفسها.([5]) وفي مناسبات أخرى قابل الملك عبد العزيز مبعوثين آخرين من الدول الأوربية مثــــل برســــي كوكس Sir Percy Cox، وكذلـــك ستورس Ronald Storrs ورفيقــه هوغارث D. G. Hogarth.([6])

وهكذا نلحظ أن الملك عبد العزيز ارتبط بصلات قوية مع معظم الدول الأوربية دون أن يؤثر ذلك على مصلحة بلاده واستقلالها، أو أن ينحاز إلى طرف دون الآخر ، فكسب بذلك احترام العالم أجمع. يقول فلبي، الذي تربطه علاقة قوية بالملك عبد العزيز، عن موقف الملك خلال الحرب العالمية الأولى: "ولكن ابن سعود لا ينبغي أن يحسب من بين حلفائنا. فهو من الناحية الفعلية محايد، مهما كان طيباً معنا، ومن الناحية القانونية، وفي حكمته التي لا يسبر غورها، متجاهل لحالة الحرب المحيطة ببلاده من كل جانب... وبدون أن يخسر مثقال ذرة من صداقته الطويلة مع بريطانيا، فإن ابن سعود يقود سفينته بمهارة بين صخور محيط الدبلوماسية"([7]) .

  ومن ناحية أخرى فيدل على اهتمام الملك عبدالعزيز بعلاقات بلاده الخارجية والتوازن الدولي في الخليج والعلاقات مع كل من بريطانيا والدولة العثمانية، أنه كان لديه عددٌ من المساعدين الذين يتولون مهام تتعلق بالعلاقات مع الدول الخارجية ومنها الدول الأوربية، مثل الأمير أحمد بن عبد الله بن ثنيان، الذي عاش مدة في تركيا، وكذلك الدكتور عبدالله الدملوجي، الذي كان مستشاراً للملك عبد العزيز ، وقام بأعمال ابن ثنيان بعد ذلك. وفي أوائل عام 1342هـ/ 1923م انضم كل من حمزة غوث وحافظ وهبة مستشارين للملك عبد العزيز للشؤون الخارجية، وخاصة في المهمات الرسمية. ومن المستشارين في الشؤون الخارجية كل من يوسف ياسين، ورشاد فرعون، وفؤاد حمزة، وخير الدين الزركلي، ورشيد عالي الكيلاني، وخالد أبو الوليد القرقني، وبشير السعداوي.([8])

  وقبل العهد السعودي لم يكن هناك تمثيل سياسي أو دبلوماسي للدول الأجنبية، عدا بعض قنصليات الدول الكبرى في جدة. فحتى عام  1296هـ/ 1879م كان هناك ثلاث قنصليات لبريطانيا وفرنسا وهولندا، وكانت مهمتها الرئيسة رعاية شؤون الحجاج من رعايا تلك الدول. وكانت هذه القنصليات على قلتها تؤدي أعمالاً رسميـــة وتجارية بقدر محدود من العاملين. فقد كان القنصل البريطاني – على سبيل المثـــال – يقوم بأعماله في دار للقنصلية نصفها للأعمال الرسمية والنصف الآخر يهتم بالشؤون التجارية، وكانت القنصلية البريطانية تتكون من أربعة أشخاص، يديرون أعمالها.([9])

  ومن جهة أخرى كان الوضع الأمني في الحجاز قبل العهد السعودي هو الهاجس الدائم للعاملين في تلك القنصليات، أو ممثلي الدول التي لم تفتتح قنصليات في جدة. وقد حدثت حوادث عدة راح ضحيتها كثير من مسؤولي الدول الأجنبية ورعاياها. ففي عام 1274هـ/ 1858م حصل خلاف بين الوكالة البريطانية في جدة والسلطات المحلية المسؤولة هناك، بشأن إحدى البواخر، فحصلت من جراء ذلك فوضى، وقد تعرض منزلا القنصلين البريطاني والفرنسي إلى اعتداء، وقتل نائب القنصل البريطاني، وكذلك القنصل الفرنسي وزوجته، كما قتل نحو عشرين شخصاً، وأصيب أكثر منهم. وقد كان لهذا الحادث آثار عكسية، سياسية وأمنية استدعى التدخل العسكري.([10]) كما حصل حادث مشابه، وذلك عندما هاجم بعض البدو جماعة من القناصل خارج سور جدة عام 1312هـ/ 1895م. وقد قتل في هذا الحادث القنصل الروسي، ونائب القنصل الهندي. ولا شك أن اللائمة في حصول هذه الحوادث تقع على حكومة الأشراف ؛ لأن الدولة العثمانية لا تستطيع التدخل في مثل هذه الأمور.

  وبعد أن ضم الملك عبد العزيز الحجاز ظهر الاهتمام واضحاً بالسياسة الخارجية للدولة السعودية، خاصة بعد ضم مدينة جدة في 7 جمادى الآخرة عام 1344هـ/ 24 ديسمبر 1925م، التي تضم عدداً من قنصليات الدول الإسلامية والعالمية، التي كان من ضمن اهتماماتها رعاية الحجاج التابعين لها.

  وغني عن القول أن المملكة العربية السعودية كانت منذ تأسيسها وما زالت تتميز بصفتين أساسيتين هما: النظام السياسي المحافظ، والاتجاه الديني، وهما من السمات الأساسية المؤثرة والمحركة لأهداف السياسة الخارجية السعودية ومصالحها في الإطارين الإقليمي والدولي. لقد اتصفت سياسة المملكة منذ تأسيسها على السير على هدي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والالتزام بالشريعة الإسلامية في النهج السياسي، وفي علاقاتها الدبلوماسية، وفي تنفيذ العهود والمواثيق، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والعدل في الرعية ورعايا الدول الأجنبية العاملين في أراضيها أو الزائرين لها.([11]) ولا شك أن النجاح الذي حققته المملكة في سياستها الخارجية وفي علاقاتها الدولية ناتج عن تمسكها بالمبادئ الإسلامية في معاملاتها، واحتكامها إلى الشريعة الإسلامية في المجالات الدولية، العامة والخاصة، وهو بلا شك أسلم وآمن من القوانين الوضعية.([12])

  أما التشكيل الإداري المنوط به تنفيذ السياسة الخارجية السعودية فقد بدأ عام 1344هـ/ 1925م عندما أنشئت شعبة خاصة للشؤون الخارجية مقرها مكة المكرمة. وفي 21 صفر 1345هـ/ 1926م تأسست مديرية الشؤون الخارجية نتيجةً حتمية لازدياد رقعة الدولة وارتباطها بالدول الخارجية وتطور الوسائل العصرية.([13])

  وفي شهر رجب عام 1349م/ نوفمبر 1930م صدرت إرادة ملكية بتحويل شعبة الشؤون الخارجية إلى وزارة للخارجية، حيث عين الأمير فيصل بن عبد العزيز أول وزير خارجية للمملكة العربية السعودية.([14])

  أما التفاعل الدولي مع قيام الدولة السعودية والاعتراف بها فقد حصل بشكل واضح بعد استعادة الملك عبد العزيز الحجاز، حيث بعثت قنصليات الدول الأوربية وغيرها تقارير إلى حكوماتها مفيدة باستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد السعودية، وأوصت حكوماتها بالإسراع في الاعتراف بالحكم السعودي. ومن أهم الدول الأجنبية التي اعترفت بحكم الملك عبد العزيز في ذلك الوقت كل من حكومة الاتحاد السوفيتي، ثم الحكومة البريطانية، ثم الحكومة الهولندية، فالحكومة الفرنسية، والحكومة التركية. وفي عام 1345هـ/ 1927م اعترفت الحكومة السويسرية بالدولة السعودية، كما اعترفت بها إيران في عام 1348هـ/ 1929م، ثم تواصل اعتراف الدول تباعاً حتى بلغ عدد الدول التي اعترفت بالدولة السعودية حتى عام 1367هـ/ 1948م ستاً وعشرين دولة.([15])

  وللمعاملة بالمثل أقامت المملكة عدداً من السفارات والمفوضيات والقنصليات السعودية في الخارج. ففي وقت مبكر من قيام التمثيل الدبلوماسي السعودي افتتحت السفارات السعودية في كل من لندن وواشنطن والقاهرة، ومفوضيات في كل من تركيا وإندونيسيا والأردن وإيطاليا وأفغانستان، وقنصليات في كل من القدس ونيويورك والسويس والبصرة وبومباي. وبعد ذلك تتابع افتتاح السفارات والممثليات والقنصليات في الدول الخارجية.([16])

  ويمكن وصف تطور الدبلوماسية السعودية منذ إنشائها في عهد الملك عبد العزيز  – يرحمه الله – حتى الوقت الحاضر بأنها مرت بعدة مراحل. فعلى الرغم من تطور علاقات المملكة في عهد الملك عبد العزيز مع دول العالم فقد تميزت السياسة السعودية في ذلك الوقت بتجنب الدخول في إشكاليات أو تعقيدات في علاقاتها الخارجية، وذلك لكي تتفرغ الدولة لتثبيت الكيان الداخلي الذي كان حديث عهد بالتكوين والبناء . وقد أصبح للمملكة دور مؤثر ومعروف بالسياسة الهادئة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى. ثم تلا تلك المرحلة استقرار الدولة في بداية عهد الملك سعود، وانصرافها إلى البناء الداخلي وتجنب الدخول في مشكلات الدول الأخرى. وقد تميزت تلك الحقبة بمحاولة كثير من الدول العربية التحرر من هيمنة الدول الاستعمارية. وعلى الرغم من تأييد المملكة ومساعدتها لتلك الدول في سعيها للاستقلال، إلا أنها، بالإضافة إلى ذلك انتهجت سياسة دعم مطالب هذه الدول حيث قامت بدور مؤثر في هيئة الأمم المتحدة والمنظمات المناهضة للاستعمار. وفي عهد الملك فيصل اتسمت سياسة المملكة الخارجية بدورها النشط لإعادة توحيد الصف العربي أمام المخاطر التي واجهت البلاد العربية، والعمل على منع التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. ومنذ منتصف الستينيات من القرن العشرين الميلادي، أي في عهد الملك خالد، ونتيجة للعدوان الصهيوني على البلاد العربية واحتلال القدس الشريف، أخذت سياسة المملكة العربية السعودية منحى جديداً تمثل في القيام بمبادرات سياسية تبناها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حتى قبل أن يتولى الحكم. ومن هذه المبادرات مشروع السلام الذي اقترحه الملك فهد باسم المملكة ، وقدم إلى مؤتمر القمة العربي الثاني عشر الذي عقد في مدينة فاس بالمملكة المغربية في 7 شوال 1410هـ / 7 أغسطس 1981م . كما كان للمملكة دور رائد في المجال الاقتصادي داخلياً وخارجياً. وقد تبوأت المملكة نتيجة لذلك مكانة دولية مكنتها من أخذ زمام المبادرة للعمل على حل القضايا العربية والإسلامية العالقة، وبهذا أصبحت المملكة قوة سياسية مؤثرة في المجتمع الدولي.([17])

 

المملكة العربية السعودية ومنظمة الأمم المتحدة:

  لقد تبين من خلال استعراض ثوابت السياسة الخارجية السعودية ومقوماتها منذ قيام الدولة السعودية الحديثة في عهد الملك عبد العزيز، المركز القوي الذي تبوأته المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية. وبسبب ذلك حققت المملكة نجاحاً واضحاً في علاقاتها الدولية، مكّنها من أن تحظى باحترام جميع الدول . ومن غير شك فإن هذه الثوابت – بالإضافة إلى الاستقرار السياسي الذي نعمت به البلاد بعد استكمال وحدتها – كانت من أهم العوامل التي أكسبت الدولة السعودية مكانة عالمية. ولهذه المكانة سعت الدول الكبرى المشتركة في عصبة الأمم – وهي التجمع العالمي الوحيد قبل قيام هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية – مراراً إلى إقناع الملك عبد العزيز بالانضمام إلى هذه العصبة، في البداية بالمقعد نفسه المخصص للشريف حسين، ثم باسم ملك الحجاز بعد ضم الحجاز إلى الدولة السعودية. وكانت وجهة نظر الملك  بد العزيز في عدم الانضمام إلى عصبة الأمم أن انضمامه إليها يلزمه بقبول ميثاقها، وما فيه من مواد تتعلق بإحداث نظام الانتداب، الذي لا يقره الملك عبد العزيز أصلاً. ولم يغير الملك عبد العزيز موقفه الثابت هذا حتى استبدلت عصبة الأمم بهيئة الأمم المتحدة وتغير بناءاً على ذلك ميثاقها([18]).

  والواقع أن الدولة السعودية في عهد الملك عبد العزيز كانت حريصة على كل ما من شأنه دعم السلم العالمي، وحفظ الأمن، وتجنيب البلاد والعباد ويلات الحروب. ومما قامت به في هذا المجال أنها اشتركت في التوقيع على ميثاق تحريم الحرب (ميثاق كلوج – بريان) في 27 أغسطس 1928م في باريس، مع أنها ليست عضواً في عصبة الأمم المتحدة، التي كانت تتولى رعاية هذه الأنظمة قبل أن تؤسس هيئة الأمم . وقد صدر أمر ملكي بالانضمام إلى هذه المعاهدة جاء فيه: "نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها. بعد الاعتماد على الله، وبعد الاطلاع على دعوة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية الموجهة إلى حكومتنا بتاريخ أول أكتوبر سنة 1931 الموافق 18 جمادى الأولى سنة 1350هـ بشأن الانضمام إلى معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس في 27 أغسطس سنة 1928م، وبعد الاطلاع على المادة الثالثة من المعاهدة السالفة الذكر، قد أصدرنا إرادتنا الملكية بانضمام حكومتنا إلى هذه المعاهدة المعروفة باسم معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس في 27 أغسطس سنة 1928م، وبإعلان سريان مفعول تلك المعاهدة على العلاقات التي بيننا وبين الدول التي وقعت عليها أو انضمت إليها فيما بعد اعتباراً من تاريخه، وأذنا لحكومتنا باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ ذلك. حرر في قصرنا في هذا اليوم 30 رجب سنة 1350هـ الموافق 10 ديسمبر سنة 1931م" ([19]).

  ليس هذا فحسب، بل إن المملكة كانت حريصة على كيان المجتمعات ودرء المخاطر عنها والأخذ بأسباب الحيطة لما يسعى إليه ضعاف النفوس من الاتجار على حساب صحة الشعوب وسلامتها . ولتحقيق هذا الهدف اشتركت المملكة في مؤتمر عقدته عصبة الأمم في جنيف، حضره مندوبو 34 دولة، وذلك للنظر في تحديد المواد المخدرة وتنظيمها . وقد مثل المملكة سفيرها في لندن، حيث وقع على ما جاء في هذه الاتفاقية ؛ لأنها تتمشى مع سياسة المملكة في الحفاظ على بنية المجتمعات، وتتوافق مع النظام المعمول به في المملكة. وقد أقر الملك عبد العزيز هذه الاتفاقية، حيث جاء في قرار الموافقة عليها ما نصه: "وحيث إنه سبق لحكومتنا أن سنّت نظاماً سمته (نظام منع الاتجار بالمواد المخدرة) بتاريخ 27 جمادى الأولى سنة 1353هـ / 7 ديسمبر 1934م، فإن الاتفاقية التي وضعت في جنيف بتاريخ 13 يوليو سنة 1931م المشار إليها أعلاه نوافق عليها ؛ لأنها تحقق قسماً من الرغبة التي نرغبها لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في بلادنا، والتي تحظر حظراً باتّاً، أكثر من تلك الاتفاقية، منع تلك المواد والمتاجرة بها. حرر في قصرنا في الرياض يوم أول جمادى الأولى سنة 1355هـ/ 20 يوليو 1936م" . وفي المجال نفسه كانت حكومة الملك عبدالعزيز وانضمت إلى الاتفاقية الدولية للأفيون الموقعة في لاهاي في 23 يناير سنة 1912م ، وأبلغت ذلك إلى الأمانة العامة لعصبة الأمم.([20]) هذه المشاركة المؤثرة والإحساس القوي من جانب المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها جلالة الملك عبد العزيز، تؤكد الحرص على التعاون مع الدول الأخرى فيما يخدم شعوب العالم ودولها أجمع.

  وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فكّر الحلفاء الذين انتصروا في تلك الحرب على تطوير عصبة الأمم لتكون هيئة عالمية. وبرغبة أكيدة من الملك عبد العزيز في العمل مع الدول الكبرى، والسعي معها في دعم السلم العالمي، بعث إلى ابنه الأمير فيصل في 15 ربيع الأول 1364هـ/ أول مارس 1945م، تعليمات بهذا الخصوص. ونتيجة لذلك بعث الأمير فيصل إلى نائب وزير الخارجية الأمريكية مبدياً رغبة المملكة العربية السعودية في تضامنها وتعاونها مع الأمم المتحدة ضد دول المحور، وأنها قررت الاشتراك في تصريح الأمم المتحدة الصادر في أول يناير 1942م، وهو ما خولها لأن تعد نفسها منضمَّة إلى هذا التصريح.([21]) وقد بعث نائب وزير الخارجية الأمريكية مرحباً بقرار المملكة المشاركة في ذلك التصريح، مما جعل عدد أعضاء الأمم المتحدة الذين اشتركوا في تصريح الأمم المتحدة  يصل إلى خمسة وأربعين عضواً.([22]) وقد تلقت حكومة المملكة العربية السعودية دعوة حكومات الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وروسيا والصين لحضور مؤتمر الأمم المتحدة التمهيدي الذي عقد في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية في 13 جمادى الأولى سنة 1364هـ/ 25 أبريل 1945م للتشاور في إنشاء هيئة الأمم المتحدة. وقد قبلت الحكومة السعودية الدعوة، وبعث الملك عبد العزيز ابنه الأمير فيصل ليرأس وفد المملكة العربية السعودية للتوقيع على تصريح الأمم المتحدة. وقد ألقى الأمير فيصل كلمة أكد فيها ضرورة قيام هذه المنظمة، وأهمية المبادئ التي تنادي بها، مؤكداً على ثوابت السياسة السعودية القائمة على مبادئ الإسلام السامية التي تلتقي معها أهداف المنظمة. ومما قاله الأمير فيصل في هذا الصدد: "إن الحكومة العربية السعودية لتنضمُّ إلى الأمم المتحدة في تصريحها القائل بأن مبادئ السلم والعدالة والحق يجب أن تسود أنحاء العالم، وإن العلاقات الدولية يجب أن تقوم على هذه المبادئ... وأن من دواعي اغتباطي العظيم أن أقول: إن هذه المبادئ تطابق تعاليم الدين الإسلامي الذي يعتنقه 400 مليون مسلم في العالم، وهي التعاليم التي اتخذت الحكومة السعودية منها دستوراً تسير على هديه. ولا غرو فإن الإسلام قد أقام العلاقات البشرية على قواعد الحق والعدالة والسلم والإخاء"([23]) ولا شك أن الأمير فيصلاً في خطابه هذا يؤكد أن سياسة المملكة، في انضمامها إلى الأمم المتحدة، لا يمكن أن تتعارض مع ما ارتضته الدولة السعودية من كونها دولة قامت على أسس إسلامية واضحة.

  وقد تم في نهاية هذا المؤتمر التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة، حيث وقعه نيابة عن حكومة المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن عبد العزيز في مدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر شوال سنة 1366هـ/ 26 يونيو 1945م. وفي هذه المناسبة ألقى الأمير فيصل كلمة بيّن فيها تطلعاته بأن تخدم هذه المنظمة آمال شعوب الأمم الصغيرة وتطلعاتها ، وأن تعمل على تحقيق السلام العالمي المنشود. وقد دافع سموه في هذا المؤتمر عن حقوق العرب عامة، واحتفظ لحكومته بكامل حقها في التصرف على حسب الطريقة التي تراها مناسبة دون التقيد ببعض قرارات هذا المؤتمر التي صاغته الدول الكبرى لتحقيق أهدافها. وعلى الرغم من انضمام المملكة العربية السعودية إلى هيئة الأمم المتحدة إلا أن ذلك لم يغير شيئاً من ثوابتها الإسلامية التي قامت على أساسها. ومما يشهد للملك عبد العزيز بالفخر والاعتزاز أنه عندما طلبت هيئة الأمم المتحدة من الحكومات الأعضاء فيها موافاتها بنسخة من دساتيرها لتحتفظ بها وثائقاً رسمية، طلب الملك عبد العزيز أن تبعث حكومته إلى الهيئة العالمية ما يفيد بأن القرآن هو دستورها الوحيد، وأن أحكامه نافذة في كل أنحاء البلاد. وبذلك سمع العالم أجمع بهذه الدولة الإسلامية التي تطبق أحكام القرآن، وما زالت على هذا النهج بعد أكثر من خمسين عاماً على إنشاء الأمم المتحدة.([24]) ففي كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1408هـ/1987م، قال سمو الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية: "إن السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية، التي تدين بالدين الإسلامي، وتطبق الشريعة الإسلامية السمحة، تسير على أساس أن المبادئ التي ارتكزت عليها منظمة الأمم المتحدة والأهداف النبيلة التي من أجلها وضع ميثاقها، فيها تأكيد لما تقرره الشريعة الإسلامية من تنظيم للعلاقات بين الدول" ([25]).

  والمملكة بموقفها هذا لا تتوقع أن تحقق الأمم المتحدة – بميثاقها أو تطبيق اختصاصاتها – كل ما تتمناه شعوب العالم، وخاصة العالم الثالث، الذي لم يكن له رأي أو إرادة في إنشاء هذه الهيئة العالمية، لكن وجود هذه المنظمة هو وسيلة لتحقيق أهم أهدافها. وقد بين الأمير فيصل بن عبد العزيز عند إنشاء الأمم المتحدة بعض القضايا، حيث ركز على "أن هذا الميثاق (ميثاق الأمم المتحدة) لا يدل على الكمال، كما كانت تتوقع الأمم الصغيرة التي كانت تأمل أن يحقق المثل العليا، على أنه كان خطوة كبيرة إليها، وسنعمل كلنا للمحافظة عليه، وسيكون الأساس المتين الذي يبنى عليه صرح السلام العالمي"([26]) . وفي أواخر عام 1364هـ/ آخر سبتمبر 1945م، وقع الملك عبد العزيز مرسوماً ملكياً بإبرام ميثاق هيئة الأمم المتحدة والتصديق عليه، وبذلك أصبحت المملكة العربية السعودية من بين الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة.

  من خلال استقراء تاريخ الأمم المتحدة يتضح دور المملكة العربية السعودية المؤثر في أنشطتها. فالمملكة من الدول الإحدى والخمسين المؤسسة للمنظمة، حيث وقعت على ميثاق الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1364هـ/ 1945م. كما حضر الأمير فيصل ممثلاً لحكومة المملكة العربية السعودية اجتماع هيئة الأمم المتحدة الذي عقد في باريس في 17 من ذي القعدة 1367هـ/1946م، كما حضر عدة مؤتمرات تالية خصص بعضها لمناقشة قضية فلسطين. وكانت المملكة تحرص على حضور اجتماعات الأمم المتحدة التي تعقد في شهر سبتمبر من كل عام. وكان حضور الأمير فيصل بن عبد العزيز شخصياً له أبعاده السياسية لكونه رجل السياسة السعودية الذي تربى على يدي والده، كما كان في كل مداولات الأمم المتحدة مدافعاً عن قضايا العرب والمسلمين، حتى إن الصحف العالمية كانت تتحدث عن مواقفه الثابتة النابعة من ضمير يقظ.([27])

  ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن التزمت المملكة ببنود ميثاق الأمم المتحدة التزاماً كاملاً، لكونها تشكل وحدة من وحدات المجتمع الدولي تؤثر فيه وتتأثر به، وبما يحدث من تطورات وأحداث. وقد أكدت المملكة العربية السعودية هذا الموقف في أكثر من مناسبة. فبعد توليه الحكم في شهر شعبان 1402هـ ، قال الملك فهد بن عبد العزيز في كلمة له بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك : "نحن نعمل في المحيط الدولي الشامل داخل دائرة هيئة الأمم المتحدة وفروعها ومنظماتها، نلتزم بميثاقها وندعم جهودها ونحارب أي تصرف شاذ يسعى لإضعافها وتقليص قوة القانون الدولي، لتحل محله قوة السلاح ولغة الإرهاب، ولقد كانت تصرفاتنا وستبقى تعكس إحساسنا بالانتماء إلى المجموعة الدولية كأسرة واحدة مهما اختلفت مصالحها، وتصور إيماننا بمبادئ السلام المبني على الحق والعدل، ونعتقد أن الأمن الدولي والاستقرار السياسي مرتبطان بالعدالة الاقتصادية ومنبثقان منها".([28])

وفي دورتها الثانية والأربعين في 5 صفر 1408هـ/ 28 سبتمبر 1987م، تحدث الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية مؤكداً حرص المملكة على دعم الأمم المتحدة، ووكالاتها المتخصصة بوصفها الإطار الصالح للتعاون بين الأمم والشعوب والوسيلة المؤثرة لفض المنازعات ومعالجة الأزمات. وأكد على تطلع المملكة إلى مرحلة مشجعة من التعاون الدولي لحل المشكلات السياسية والاقتصادية، الذي بدوره يؤدي إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي المطلوب لمواجهة تحديات المستقبل.([29])

 

وفي عام 1415هـ/ 1995م ومناسبة مرور خمسين عاماً على إنشاء هيئة الأمم المتحدة قال صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز في حفل أقيم بهذه المناسبة في مقر هيئة الأمم المتحدة في نيويورك :" إن المملكة بصفتها أحد المؤسسين لهذه المنظمة الدولية تؤكد التزامها وحرصها المستمر على تنشيط دور الأمم المتحدة، وتعزيز قدرتها على صون السلم والأمن الدوليين، وبدعم التعاون في إطار الشرعية الدولية"([30]).

  ومن هذه المنطلقات فإن الموقف السعودي الرسمي في المحافل الدولية وفي تصريحات كبار المسؤولين السعوديين هو دعم الأمم المتحدة في جميع المجالات لتحقيق أهدافها في حفظ السلم والأمن الدوليين، ومساعدة الشعوب في تقرير مصيرها. وهكذا تتضح علاقة المملكة بالأمم المتحدة من خلال كونها دولة مؤسسة وعضواً أصيلاً في الأمم المتحدة ومعظم وكالاتها المتخصصة ([31]).

  وفي الجانب التطبيقي فإن المملكة تدعم العديد من وكالات الأمم المتحدة المتخصصة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والهيئة الاستشارية للإدارة البيئية للتنمية المستديمة، ومنظمة اليونيسيف، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمتي الهلال والصليب الأحمر الدوليين، ولجنة التنمية المستديمة، وبرنامج الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية الدولية، والاتحاد الدولي للبريد والنقل العالمي، ولجنة  إزالة الألغام، ومنظمة الطيران المدني، ومنظمة اليونسكو، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، واتحاد الاتصالات العالمية، وعمليات قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام والأمن الدوليين، وبرنامج تطوير النقل والطرق السريعة وإدارتها وصيانتها ([32]).

  وعرفاناً بهذا الدور البنّاء الذي قامت به المملكة العربية السعودية، وبصفة خاصة دورها الواضح في المساعدات الإنسانية للدول الفقيرة سواءً عبر الهبات أم القروض الميسرة، اكتسبت احترام دول العالم. وفي هذا المجال عبر السكرتير العام للأمم المتحدة باسم المنظمة عن تقديره للمملكة على جهودها في منظمة اليونيسيف المعنية برعاية الأطفال في العالم. وفي دعم برنامج الأمم المتحدة لرعاية المعاقين في غرب آسيا وشمال إفريقيا. ولهذا الدور الريادي والإنساني الذي تتمتع به المملكة فإن هناك العديد من المسؤولين السعوديين الذين يمثلون الأمين العام للأمم المتحدة في العديد من برامجها. واعترافاً بدورها المسؤول والبنّاء في دعم الاقتصاد العالمي ومساعدة الدول النامية تبوأت المملكة دوراً بارزاً لكونها عضواً في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي يوجّه وينظّم المساعدات الدولية، وللمملكة مقعد مستقل في مجلس المديرين التنفيذيين بالبنك.([33]) ومن الإنجازات التي حققتها المملكة بفضل السياسة الاقتصادية والاجتماعية المتزنة، وتقدير المجتمع الدولي لذلك الدور البناء، أحرزت المملكة انتصاراً دبلوماسياً كبيراً في الأمم المتحدة، وذلك بفوزها بأغلبية عالية من الأصوات بعضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة لمدة ثلاث سنوات، والذي يحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد مجلس الأمن. وقد جاء فوز المملكة بعد منافسة شديدة من قبل عدد من دول  غرب آسيا،حيث حصلت المملكة على 138 صوتاً، وهو أكبر عدد من الأصوات يجري عبر الاقتراع السري الذي قامت به الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 12 نوفمبر 1998م.([34])

  ومن خلال استقراء سياسة الدول الغربية وغيرها وأهداف هذه الدول من تقديم المساعدات والمنح يتضح أن تلك الدول لها أهداف خاصة وكثيرة من وراء تقديم هذه المساعدات، إما بهدف تمكين السلطة في الدولة المتلقية وتقوية نظامها، أو للقضاء على المعارضة الداخلية فيها، لكي تتمكن في النهاية من تنفيذ كل ما تطلبه الدولة المانحة أو معظمه. وفي أحيان أخرى يكون هدف المساعدة الحيلولة دون وقوع الدولة المتلقية تحت نفوذ جهة معادية للدولة المانحة. وبعض الدول المانحة ترى في تلك المساعدات تحقيق المصالح الذاتية للدولة المانحة وتكسبها التفوق وإرضاء الغرور الذاتي. وباختصار يمكن أن توصف أهداف معظم الدول المانحة بأنها أداة مهمة من أدوات السياسة الخارجية لتلك الدول. بيد أن المملكة العربية السعودية تختلف عن تلك الدول بأنها تقدم تلك المساعدات الاقتصادية والإنسانية من واقع تطبيقها للشريعة الإسلامية التي تحث على التكاتف والتعاون بين الأمم والأفراد؛ ولهذا فإن المملكة لا ترمي من وراء المساعدات التي تقدمها "إلى فرض النفوذ أو التسلط أو الاستقطاب، وخاصة ؛ لأنها غير متحزبة ولا منحازة، وبالتالي فإن كل مساعداتها الخارجية تمليها النظرة الإنسانية المنبعثة من الأخلاق الإسلامية".([35]) وليس ما يميز المملكة في تقديم مساعداتها هو صدق الأهداف ونبلها فقط، بل في حجم تلك المساعدات التي بلغت بها المملكة الصدارة في قائمة الدول المانحة للمساعدات الخارجية نسبة إلى دخلها، حيث بلغت 1.468% من إجمالي الناتج المحلي. ويكفي للدلالة على ذلك أن حجم تلك المساعدات التي تقدمها المملكة فاقت في كثير من السنوات حجم المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من الفارق الكبير في دخل الدولتين. ففي تقرير للصندوق الدولي للتنمية، بلغت المساعدات المالية التي قدمتها المملكة  العربية السعودية في المدة ما بين عامي 1393–1410هـ/ 1973–1989م أكثر من 24.483 بليون دولار.([36])

 

المملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية:

  عاشت الأمة العربية منذ بزوغ فجر الإسلام على يد الرسول الكريم– e – في عزة الإسلام ومنعة العروبة، لكن ذلك العز بدأ يتضاءل مع نشوء الحركة الاستعمارية الحديثة التي سعت في مطلع القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي إلى الهيمنة السياسية والاقتصادية على مقدرات الأمة العربية. ومن أجل ذلك بدأت الأصوات تنـــادي بضرورة تكاتـــف العرب وتوحيد صفوفهم وإزالة ما قد ينشأ بينهم من خلافات. كان الملك عبد العزيز الذي عاش تجربة الفرقـــة والبعد عن الوطن، ثم عاش حقبة الوحدة التي بــدأت تكتمل صورتها بتوحيد بلاد نجد والمناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية،كان أسبق الزعماء العرب إلى فكرة إنشاء رابطة تجمع العرب. ففي عام 1332هـ/1914م، وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى أوفد الملك عبد العزيز ثلاثة من رجاله يحملون كتباً إلى زعماء الجزيرة العربية القريبين منه، وهم الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز، والشيخ مبارك الصباح أمير الكويت، وابن رشيد أمير حائل، يدعوهم إلى أن يتحدوا في هذا الوقت بالذات الذي تواجه فيه الأمة الإسلامية تغيرات سياسية مهمة، كما اقترح عليهم عقد اجتماع للتباحث فيما يفيد العالم العربي ، ويؤدي إلى موقف موحد من الحرب التي ضربت أطنابها، لكنهم لم يعيروا نداءه الاهتمام الذي يستحقه. وفي مناسبة أخرى – في المدة نفسها – بعث الملك عبد العزيز رسالة إلى الدولة العثمانية يقترح عليها عقد مؤتمر لزعماء الدول العربية لتقرير وضع الدول العربية بالنسبة للدولة العثمانية.([37])

  وبالإضافة إلى ذلك سعى الملك عبد العزيز إلى عقد معاهدة أخوية مع العراق عام 1355هـ/ أبريل 1936م، ثم انضمت إليها المملكة اليمنية في جمادى الآخرة عام 1356هـ/ أغسطس 1937م، مع فتح الباب لأي دولة عربية ترغب الانضمام إلى هذه المعاهدة. وبهذا النداء كان الملك عبد العزيز أسبق الزعماء العرب إلى فكرة الوحدة العربية، التي تبلورت فيما بعد إلى فكرة إنشاء جامعة الدول العربية.([38])

  كانت أهداف الملك عبد العزيز من إنشاء أي تجمع عربي تختلف عن أهداف الزعماء الآخرين من الحكام العرب، حيث كان يهدف إلى إنشاء جامعة عربية تقوم على أسس إسلامية، وليس على مفهوم القومية العربية التي كانت شائعة في تلك الحقبة. كما أن الملك عبد العزيز يختلف عن الآخرين بأنه لم يكن يريد أية منفعة خاصة لنفسه أو لبلاده من وراء إنشاء الجامعة، بل كان يهدف إلى الحفاظ على كيان الأمة العربية وعقيدتها واستقلالها.([39])

  ومع مرور الوقت لم ييأس الملك عبد العزيز من تحقيق حلمه بإنشاء تجمع عربي، فظل يبذل جهوده ويطرح هذه الفكرة في أي لقاء يجمعه مع أي زعيم عربي. ويبدو أن النخوة العربية حركت بعض الزعماء العرب بعد أن طرح وزير خارجية بريطانيا المستر إيدن في 29 مارس 1941م على الزعماء العرب فكرة إقامة وحدة يختارون نوعها، لكن من الواضح أنها تنادي بوحدة قومية، وليس على أسس إسلامية. ومما قاله الوزير البريطاني في هذا المجال: "إن كثيرين من المفكرين العرب يأملون أن تحظى القومية العربية بوحدة أوسع مما بلغته إلى الآن، وجدير بنا أن نعمل على استجابة نداء أصدقائنا العرب؛ لأن توثيق الروابط الثقافية والسياسية أيضاً بين الدول العربية هو أمر طبيعي وحق واضح..." ([40]) .

  بدأت بعض الدول العربية تتنبه لأهمية الفكرة وأبعادها السياسية، فكان لإمارة شرقي الأردن جهودها، ولمصر جهودها عبر القنوات الدبلوماسية ومن خلال وسائل الإعلام، كما قامت حكومة العراق بدور في هذا السبيل. وعلى هذا تبلورت فكرة هذه الوحدة، التي سبق أن أطلقها الملك عبد العزيز قبل سنوات، لكن طريقة تنفيذها ما زالت تحتاج إلى عمل مكثف. ومن خلال المشاورات والمداولات بشأن عقد اجتماع تحضيري، كان للملك عبد العزيز موقف واضح من بعض أهداف تلك الاجتماعات، وكان يرفض ما يعتقد أنه لا يخدم الأمة العربية، أو ما يشم منه رائحة المصالح الشخصية. ولم تتعجل حكومة المملكة العربة السعودية في الاستجابة لهذه الدعوات؛ وذلك لأن الملك عبد العزيز، مع أنه من المؤيدين للوحدة العربية والعاملين لها، كان يشك في أهداف المساعي الجديدة لإنشاء هذا التجمع، خاصة أن بريطانيا هي التي نادت بها وهذا بحد ذاته سبب قوي يجعل الملك عبد العزيز يتريث حتى تتبين الأمور، وحتى يتأكد أن هذا التجمع سيقوم على أسس واضحة، خالية من الأهداف المشبوهة. وفي الوقت نفسه كان الزعماء العرب – وخاصة مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت – حريصين على حضور مندوب الملك عبد العزيز، وكانوا يرجونه الموافقة على حضور هذا الاجتماع التحضيري لعلمهم بمكانة المملكة واتزان موقفها وبعدها عن الأمور الشكلية أو الدعائية ([41]).

  وبهذا وانطلاقاً من حرص المملكة العربية السعودية على تأييد فكرة أي تجمع سياسي عربي، وتنمية التعاون بين الدول العربية، والحفاظ على استقلالها سعت إلى وضع فكرة الجامعة العربية موضع التنفيذ، لكن على أسس متينة، ومبادئ راسخة. وفي اجتماعات بروتوكول الإسكندرية الذي عقد في 20شوال 1363هـ/  5أكتوبر 1944م، كانت المملكة حريصة على لم الشمل والخروج برأي مشترك يحقق في الدرجة الأول وحدة العرب في المجال السياسي لتقف صفاً واحداً أمام أطماع الدول الاستعمارية. وقد وافقت المملكة على بروتوكول الإسكندرية، وأوضحت موقفها في رسالة من الملك عبدالعزيز إلى رئيس وزراء مصر، مصطفى النحاس، رئيس اللجنة التحضيرية، مؤرخة في 19 المحرم 1364هـ/ 4 يناير 1945م بيّن فيها رأي حكومة المملكة في أن أي اجتماع للعرب لا بد أن يكون على أسس قوية تبنى على المبادئ التالية: "يعقد بين الدول العربية حلف يرمي إلى تكاتفها وتعاونها، لسلامة كل منها، وسلامة مجموعتها، ويضمن حسن الجوار بينهم، وأن تكون الحرب محرمة بين الدول العربية، وكل خلاف يحل بالتوسط أو بالتحكيم، وإذا امتنع أحد الطرفين عن قبول التحكيم أو عن الإذعان لما حكم به، فللدول العربية نصيحته، فإن بغى واعتدى فلها بعد التشاور أن تقرر ما تراه لوقف الاعتداء".([42]) وقد أعطى الملك عبد العزيز تعليماته إلى الوفد السعودي لإبلاغ رئيس اللجنة التحضيرية  أنه مستعد للتوقيع على البروتوكول بشروط خاصة.([43]) وقد جاءت هذه الشروط للحفاظ على الهوية الإسلامية للدولة السعودية التي التزمت بها منذ قيامها، حيث لم يخف على الملك عبد العزيز اختلاف ثقافات الدول العربية، خاصة التي رزحت تحت الاستعمار ردحاً من الزمن. وتأكيداً للهوية الإسلامية للمملكة، وجهودها الدعوية قال الملك عبد العزيز :" أما توحيد الثقافة وتوحيد التشريع بين الدول العربية فالحكومة العربية السعودية تراه عملاً مشكوراً، غير أن ظروفها ووجود البلاد المقدسة فيها، يجعل لها وضعاً خاصاً، فهي ستمتنع عن تنفيذ أي مبدأ في التعليم أو التشريع يخالف قواعد الدين الإسلامي وأصوله"([44]) .

  وبعد ذلك بدأت الخطوات العملية لإنشاء الجامعة العربية، وقد كان لمصر دور المؤيد والمشجع لمبادرة الملك عبد العزيز، حيث قام عبد الرحمن عزام المنسق العام لمشروع الجامعة العربية بزيارة إلى الملك عبد العزيز لبيان أهداف الجامعة المقترحة ومسؤولياتها، حيث وجد كل تفهم من الملك عبد العزيز، كما اقتنع بمشروعية الشروط والتحفظات وأهميتها التي أبدتها المملكة، وكانت زيارته مثمرة.([45]) وفي حقبة لاحقة عقد اجتماع بين الملك عبد العزيز والملك فاروق في رضوى، وكان من نتيجته أن أزيلت بعض العوائق، واتضحت بعض الأمور وبعدها . وافق الملك عبد العزيز على العمل لدعم مشروع الجامعة العربية.([46]) وخلال زيارة الملك عبد العزيز لمصر في شهر ربيع الأول 1364هـ/ مارس 1945م، ومباحثاته مع الملك فاروق، ونتيجة للمشاورات والمداولات التي تمت بين قادة الأمة العربية في ذلك الوقت، انبثقت فكرة إنشاء جامعة الدول العربية. وسرعان ما تبلورت الفكرة إلى مشاورات مكثفة لتحقيق هذه الفكرة وجعلها واقعاً ماثلاً، بوضع هذا المشروع  قيد التنفيذ، ووضع ميثاق للجامعة تسير عليه الدول الموقعة على إنشاء الجامعة ضماناً لسيادتها واستقلالها.

  وفي 8 ربيع الآخر 1364هـ/ 22 مارس 1945م، وقع على إقرار ميثاق الجامعة العربية في قصر الزعفران بالقاهرة من جانب سبع من الدول العربية ، وهي: المملكة العربية السعودية، المملكة العراقية، المملكة المصرية، المملكة اليمنية، الجمهورية السورية، الجمهورية اللبنانية، وإمارة شرقي الأردن.([47]) وبعد إقرار ميثاق الجامعة، سارعت المملكة إلى التوقيع عليه بصيغته النهائية، ومن ثم التصديق عليه.

ومن هذا المنطلق فإنه يمكن القول إن فكرة إنشاء جامعة الدول العربية التي رأت النور بعد ثلاثين عاماً من طرحها لأول مرة من قبل الملك عبد العزيز، كان الفضل فيها – بعد الله – للملك عبد العزيز، لكن ذلك لا ينفي جهود أصحاب الغيرة من العرب، قادة وأدباء وشعراء ومفكرين.([48])

وعندما أصبحت الجامعة حقيقة ماثلة، سعت المملكة بكل ما تستطيع من إمكانيات إلى دعمها إدارياً، والوفاء بالتزاماتها المالية تجاهها، والعمل على تيسير أعمالها. وأصبح من سياسة المملكة العربية السعودية توثيق الصلة بالجامعة العربية، وتنسيق سياستها الخارجية بما يخدم ولا يتعارض مع اتجاهات الجامعة العربية في الأمور التي تكون من اختصاصها. وكانت المملكة تحرص، قبل أن تُقدِم على أي عمل له علاقة بالجامعة العربية، أو بإحدى الدول العربية، على إخطار الجامعة ومعرفة رأيها حياله.([49])

  ومن المواقف المشرفة التي قامت بها المملكة في إطار جامعة الدول العربية هو سعيها لتأييد استقلال كثير من الدول العربية والإفريقية، وعندما استقلت هذه الدول سارعت المملكة إلى إقامة علاقات دبلوماسية معها، كما افتتحت لها سفارات وقنصليات في تلك الدول من أجل التنسيق والتعاون المشترك. ومن خلال التعاون بين الجامعة العربية والمنظمات الأخرى، وخاصة منظمة الوحدة الإفريقية، بلغت علاقة المملكة بالدول الإفريقية، خاصة الدول الإسلامية منها، ذروتها بالزيارات التي قام بها الملك فيصل في سبيل دعم التضامن الإسلامي. وقد استمرت جهود المملكة في دعم الدول الإفريقية، من خلال المنظمات الدولية، حتى الوقت الحاضر.

  وفي مجال دعم الجامعة العربية، قامت المملكة العربية السعودية بدورها كاملاً بدءاً من عهد الملك عبد العزيز حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي أكد في أول عهده أهمية الجامعة العربية وضرورة دعمها، وأنها مظلة لا غنى لأي دولة عربية عنها. يقول في ذلك: "وأول مراحل تعاوننا هي دائرة جامعة الدول العربية، تحيط بالأمة العربية ونرسم حدود نشاطنا معها، ونحاول داخلها أن نتعاون مع أشقائنا العرب على جمع الكلمة، ورأب الصدع إذ نؤمن بأن وحدة الصف قوة رادعة، وفي تفككه ضعف وهوان. ونأمل مخلصين أن تزول الخلافات الهامشية بين الدول العربية"([50]).

  ودعماً لموقف الجامعة العربية، كانت المملكة تسارع إلى المشاركة في الاجتماعات الطارئة لحل بعض الخلافات بين بعض الدول العربية، وكانت دائماً تبذل ما تستطيع من جهد لتق