مقدمــــة:

العلاقات الدولية للمملكة العربية السعودية والمحاور الدبلوماسية لها موضوع حظي باهتمامات المحللين السياسيين والمؤرخين وواضعي الإستراتيجيات السياسية والاقتصادية، سواء على مستوى النظام الإقليمي أو على الساحة الدولية . وقد استطاع الملك عبد العزيز آل سعود، غفر الله له، وهو الباني والمؤسس لهذا الكيان الكبير، وسار من بعده على نهجه ونظام حكمه أبناؤه البررة أن يقودوا بنجاح متميز سياسة المملكة الخارجية في عالم تعقدت فيه العلاقات الدولية، وتميزت بالصراعات والمنازعات والمتناقضات، وتشابكت الأحداث الأقليمية والدولية على جميع المسارات السياسية والاقتصادية، وقد سخرت المملكة قدراتها الاقتصادية ومكانتها الدينية وموقعها الإستراتيجي وحكمة قيادتها لأداء عمل متميز خلال مراحل سياستها الخارجية .

  والعلاقات الدولية للمملكة العربية السعودية تشمل جوانب العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والثقافية والتقنية، ويصعب دراسة جميع هذه الجوانب المتداخلة في بحث واحد ، وقد حاولنا النفاذ إلى بعض هذه الجوانب، وإلقاء بعض الأضواء على اتجاهاتها، ولكن التركيز في هذه الدراسة كان على الجانب السياسي والديني والنفطي والجغرافيا السياسية – الحدود – .

  وللسياسة الخارجية السعودية خصائص متميزة بحكم مركز المملكة الديني في العالم الإسلامي، وبحكم ثقلها الاقتصادي الإقليمي، وباحتياطاتها النفطية الهائلة، ولذلك نجد أن أحد أهم محاور السياسة الخارجية السعودية محور السياسة النفطية، الذي يمثل حجر الزاوية في العلاقات السعودية مع الدول الغربية والعالم الصناعي ، حيث اتسمت السياسة النفطية السعودية بالاعتدال في سياسة التسعير والإنتاج ، واعتماد سياسة توفيقية في منظمة الأوبك تحقق مصالح الدول المنتجة والمستهلكة على الأجل الطويل .

  ونظراً لثقل المملكة الاقتصادي نجد أن محور المساعدات الاقتصادية يمثل أيضاً أحد دوائر الدبلوماسية السعودية الناجحة في حل الأزمات العربية – السعودية وقضايا الشعوب الإسلامية، حيث لم تقتصر المساعدات الاقتصادية التي تقدمها المملكة في شكل منح أو هبات أو قروض ميسرة طويلة الأجل على الدول العربية والإسلامية، بل شملت أيضاً الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا، ولذلك نجد أن المساعدات السعودية احتلت مكانة الصدارة في قائمة الدول، بحسب تقارير المنظمات الدولية، ولم يقتصر تقديم المساعدات إلى الحكومات وشعوب هذه الدول، بل تخطتها إلى المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية، عبر وكالات الأمم المتحدة، وصناديقها المتفرعة عنها، وصناديق التنمية الإقليمية، والبنك الإسلامي للتنمية، ومن ضمن محاور الدبلوماسية السعودية الدائرة العربية، وهي تشمل دول الجوار في الجزيرة العربية، لتنتقل إلى محيط العالم العربي والدائرة الإسلامية ، وهي تمثل أحد أهم محاور الدبلوماسية السعودية أي التضامن الإسلامي، وقد قدمت المملكة الدعم سياسياً واقتصادياً في المحافل الدولية لقضايا المسلمين في أفغانستان والبوسنة والشيشان وكشمير، وقضايا التحرير في أفريقيا وآسيا ، وهناك دائرة مهمة هي الدائرة الغربية، وتشمل التعاون التسليحي والتقني والفني مع الدول الأوربية والولايات المتحدة واليابان . والمملكة تشترك وهي عضو مؤثر، وتحتل مكانة متميزة في المنظمات الإقليمية كالجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والمنظمات الدولية، كالأمم المتحدة، ووكالاتها المتخصصة، ومؤتمر عدم الانحياز، ومنظمة الأوبك، ومنظمة المؤتمر الإسلامي .

  وحين حاول الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – إعادة بناء الدولة السعودية الحديثة جابه جلالته مجموعة من المتغيرات الإقليمية والدولية، استطاع توظيفها لبناء هذا الكيان الذي تنعم به الأسرة السعودية اليوم ، فقد شهدت الجزيرة العربية وجود كيانات سياسية غلب على معظمها التناحر والاقتتال، والاستعانة بالقوى الأجنبية لتثبيت سلطتها أو توسيع رقعة نفوذها، ولكن الملك عبد العزيز بما حباه الله من فطنة وجرأة وشجاعة وبما حباه به من التوفيق استطاع جمع هذه الكيانات، لتنضم في عقد الدولة السعودية الثالثة، كما استطاع بأسلوبه الفذ إبعاد القوى الأجنبية، وإنهاء تدخلاتهم في شؤون وسط الجزيرة، وتمكن من استرداد القصيم والأحساء وضم إليه عسير والحجاز، وهكذا تمكن جلالته من توحيد وسط الجزيرة وشرقها وشمالها وغربها في كيان سياسي كبير، كما تمكن من الاستفادة من المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية في الحربين الكونيتين، وتنظيم علاقات المملكة بدول الجوار، وتقوية أواصر العلاقات السعودية بالدول العربية والإسلامية، كما استفاد من تنظيم علاقات بلاده مع الدول الأوربية والولايات المتحدة في مجالات النفط والتقنية والتسليح، والانتقال بمملكته من إمارة صحراوية إلى دولة عصرية متقدمة، وأصبح لها ثقلها السياسي والاقتصادي في الساحتين الإقليمية والدولية، ولم تكن المملكة في يوم من الأيام مسرحاً عسكرياً للقوى المتصارعة، كما حدث في عدة دول شرق أوسطية، وحظيت سياسية المملكة بصفة الاستمرارية في ثوابت دوائر الدبلوماسية السعودية، وعملت القيادة السعودية على توظيف ثقلها السياسي والديني والاقتصادي لخدمة قضية العرب والمسلمين الأولى، وهي القضية الفلسطينية، وهكذا استطاعت القيادة السعودية أن تقوم بعمل متميزٍ خلال مراحل سياستها الخارجية .

  ويمكن القول تجاوزاً: إن مراحل الدبلوماسية السعودية قد مرت بالمراحل الآتية :

1– المرحلة الأولى :  مرحلة التوحيد والتأسيس 1902–1932م .

2– المرحلة الثانية  : مرحلة البناء السياسي 1923–1945م .

3– المرحلة الثالثة : مرحلة التحديات الإقليمية 1946–1973م، والحرب الباردة بين العواصم العربية، والنزاعات والصراعات الإقليمية كالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، ونكسة يونيو 1967م، وحرب اليمن وحرب رمضان 1973م، وانطلاق دعوة التضامن الإسلامي.

4– المرحلة الرابعة : مرحلة النهضة الاقتصادية والتوازنات الإقليمية وتمتد من 1973–1992م، وهي مرحلة اتسمت بالانطلاقة الاقتصادية، وظهور المملكة بصفتها قوة اقتصادية على المستوى الدولي، وتنفيذ خطط التنمية الاقتصادية الطموحة، وظهور مجلس التعاون الخليجي وتحديات الحرب العراقية الإيرانية، والحرب الأهلية في لبنان، والثورة الإيرانية، واكتساح السوفييت لأفغانستان، ومدى تأثير هذه الأحداث على التوازنات الإقليمية، التي بلغت ذروتها في الاكتساح العراقي للكويت 1990م، والتي أدت إلى تعقيدات عسكرية ودبلوماسية، أدت إلى ظهور قوات التحالف الدولي في الجزيرة العربية، وقيام عاصفة الصحراء التي شهدتها رمال الجزيرة، حيث ظهر أكبر تجمع عسكري دولي تشهده الجزيرة طوال تاريخها، وكيف قابل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد هذا التحدي السياسي – العسكري بنجاح حتى وصل بالمملكة إلى بر الأمان، متجاوزة بذلك المصاعب الاقتصادية والسياسية التي أفرزتها حرب الخليج الثانية .

 

منهج البحـــث :

  يقتضي المنهج العلمي والأمانة التاريخية الموضوعية البحث عن الحقائق التاريخية من خلال كم هائل من المعلومات المتناثرة في مختلف المصادر في مظانها الأصلية من عربية وأجنبية ، كذلك على الباحث أن يقوم بإجراء مسح كامل لما كتب عن السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية في إطار علم العلاقات الدولية والدبلوماسية والتاريخ السياسي المعاصر . فالعلاقات الدولية للمملكة العربية السعودية تتداخل فيها هذه العلوم، كما تتداخل في تحديد ملامحها القيادة التاريخية التي تطغى على مجرى الأحداث الخارجية، وإبراز البصمات الشخصية لتلك القيادات، كما أن منهج البحث التاريخي يقتضي الالتزام بالضوابط والمعايير في السند والمتن، واستقصاء المصادر الحية من الرجال الذين عايشوا الملك الباني، وإلا أصبحت الكتابة تعتمد على السرد التاريخي والأسلوب الإنشائي المتشنج، ولن ترتقي إلى المستوى العلمي بحسب ما هو مطلوب في هذا المؤتمر العلمي للحديث عن العلاقات الدولية وفق المنهج العلمي .

  وإشكالية البحث المقترح – العلاقات الدولية للمملكة 1902–1992م هو وجود ذلك العدد الهائل من المصادر الأولية والثانوية في المكتبات العربية والأجنبية، كذلك يواجه الباحث تشعب الموضوعات ؛ نظراً لتشابك العلاقات السعودية الدولية مع عدد من الدول العربية والإسلامية، وفي قارة إفريقيا وقارة أوروبا والأمريكتين .

  كما أن هناك إشكالية ثالثة تواجه الباحث، وهي أن الوثائق القومية في معظم دول العالم لها قوانينها الخاصة، المتصلة بالأمن القومي والأحداث السياسية الجارية خاصة في مجال السياسة الخارجية .

  كما أن المنهج العلمي ينبغي أن يبتعد عن السطحية والانفعالات والانبهارات الشخصية حتى تكون الكتابة وفق قواعد النقد التاريخي الرصين، وعدم التأثر بالأهواء، والتحيز والانتماء للمدارس المختلفة في التفسير التاريخي .

  وبما أن الأحداث السياسية كانت وما زالت العمود الفقري في هذا التاريخ أعتقد المؤرخون صواباً أم خطأً أنهم مؤهلون في العلوم السياسية للحكم على الساسة والزعماء، وبما أن هذا العصر هو عصر المعلومات، وعصر الطفرة التاريخية، فقد أصبح من المستحيل على المؤرخ متابعة ما تقذف به المطابع من الكتب والدوريات بالإضافة إلى ثورة تكنولوجيا المعلومات، وشبكة المعلومات المتوافرة في أجهزة الكمبيوتر، وعن طريق الإنترنت، وقد كان الحصول على هذه المعلومات التاريخية والسياسية تستغرق السنين، والقيام بالرحلات الشاقة لتجميعها أصبح بإمكان الباحث بمجرد لمسة لجهاز في غرفة صغيرة الحصول على كم هائل من المعلومات، تحتاج إلى فريق عمل من المؤرخين والمحللين السياسيين لدراستها، ولكن هذا العدد الهائل من المعلومات التاريخية في حاجة إلى تطوير الطرق التحليلية والدراسة والمقارنة لدراسة الأحداث السياسية والإيديولوجيات؛ كالقومية والرأسمالية والاستعمار والشيوعية والديمقراطية، وتوازن القوى والحرب الباردة، والنظام العالمي الجديد، والشرعية الدولية، وهي كلها اصطلاحات تعد حديثة قياساً إلى الدراسة وفق أسلوب السرد التاريخي الذي عاش عليه المؤرخون ردحاً من الزمن ، ويرى بعض المؤرخين أن تأثير هذه التيارات قد يزيد من الأعباء الملقاة على مؤرخي عصر الطفرة في ثورة المعلومات، بالإضافة إلى هذا العدد الهائل من المعلومات التاريخية من المطبوعات الحديثة كالكتب والدوريات العربية والأجنبية التي عالجت عدداً من الموضوعات السياسية والاقتصادية والتسليحية والنفطية نجد هناك عدداً هائلاً من المصادر الأولية التي تشتمل على الوثائق الموجودة في مكتبات الوثائق العامة في لندن والقاهرة وإستانبول وواشنطن، وسجلات وثائق وزارات الخارجية السعودية والأمريكية والأوربية ، وهذه السجلات تعكس تاريخ سياسات المملكة وعلاقاتها الثنائية والإقليمية والدولية المتعلقة بمواقف المملكة في سياساتها العربية والإسلامية ومع الدول الصديقة، كما نجد أن المنظمات الإقليمية والدولية تحتوي على مجموعة من الوثائق لمعرفة سياسة المملكة تجاه القضايا الإقليمية والدولية .

  وهكذا فإن على المؤرخ و المحلل السياسي يقع عبء أكاديمي ومنهجي كبير لرصد صدى هذا الإنتاج الفكري، وتحليلات المفكرين والمحللين السياسيين؛ عرباً وأجانب في الكتابات التي ملأت أعمدة الصحافة العربية والغربية والعالمية، وشغلت المؤرخين والمحللين السياسيين لمدة طويلة امتدت بين عامي 1950–1990م لتفسير الدوائر في الدبلوماسية السعودية وكيفية استمرار هذه الظاهرة التي اتسمت بالاستمرارية، ولذلك يقع على عاتق المؤرخ والمحلل السياسي مهمات جسيمة للمقارنة والموازنة والتحليل والدراسة لمختلف المصادر من مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية والفكرية التي اجتاحت عواصم النشر في العالم العربي، وفي العواصم الغربية حيث كانت هذه الحقبة حقبة التحديات، وانتشار حمى الحملات الإعلامية بين العواصم العربية، مما أدى إلى حدوث ردود فعل لدى المفكرين والمحللين السياسيين، وكانت دعوة التضامن الإسلامي تقف وجهاً لوجه أمام هذا الكم القومي الذي اجتاح العالم العربي، والمؤرخ حينما يواجه هذه التناقضات والأطروحات الفكرية المتناقضة  فإن عليه تقع مسؤولية إعمال الفكر بالموازنة والمقارنة لكل المعلومات السياسية، التي أصبحت تمثل حقبة تاريخية عفا عليها الزمن، ولكنها تمثل جزءاً من تاريخ أمة ، كما يواجه المؤرخ اليوم أحداثاً أخرى أحدثت انقساماً فكرياً لدى المثقف والمؤرخ بعد اتفاقية كامب ديفيد وعملية السلام بعد حرب الخليج، ومن قبلها الحرب العراقية الإيرانية، والاكتساح العراقي للكويت 1990م ؛ لذا فإن على المؤرخ أن يظهر قدراً من اليقظة والحس التاريخي لهذه التحليلات التي ظهرت في كبريات الصحف الغربية، واتباع الأسلوب النقدي المنهجي الرصين في التعامل مع المعلومات والحقائق التاريخية والمذاهب السياسية – الدينية العلمانية في التفسير التاريخي، ومهمة المؤرخ غربلة المعلومات ، وكشف اتجاه هؤلاء الكتاب وتوجهاتهم الفكرية .

 

علاقات المملكة العربية السعودية بدول الجوار :

  كان أهم ما واجه الملك الباني هو ترسيم حدود المملكة العربية السعودية مع دول الجوار في الجزيرة العربية، ومع الدول التي تقع تحت انتداب الدول العظمى في الهلال الخصيب إضافة إلى بعض التطورات الداخلية المهمة، منها حركة الأخوان، والتطور الدستوري ، وقد عالج هذه الموضوعات عدد من المصادر الأساسية في الوثائق البريطانية([1]) .

  لقد كانـــت قضية ترسيم الحدود من أصعــــب القضايا التي واجهت الملك الباني والمؤسس لهذا الكيان الكبير، واستنفذت جهداً كبيراً في حل تعقيداتها المتشابكة لبناء الدولة السعودية الحديثة، فالهجرة والرعي والزكاة التي كانت تدفع من قبل القبائل لدول الجوار كلها قضايا متشابكة ومتداخلة، وتعني الولاء السياسي، وتثبيت المواطنة من هذه القبائل لدول الجوار  فالغزو والغزو المضاد Caunter Raids، وإن شئنا سمينـــاه الهجرة والهجرة المضادة في أوقات المواسم، أثارت نزاعات دبلوماسية بين دول الجوار .

  وتبعاً لذلك كانت قضية ترسيم الحدود البرية وترسيخ مفهوم السيادة غير مقبولة لدى القبائل، ولذلك كان لزاماً إيجاد قاعدة من التعاون بين هذه الدول، مع تأكيد الالتزام بحقوق السيادة مما أدى إلى إثارة النزاعات القومية والقبلية على طول الحدود مع دول الجوار.

  وقد احتجت المملكة العربية السعودية لدى بريطانيا العظمى بسبب اجتياز القبائل الأردنية الحدود السعودية، ومنح حق اللجوء السياسي للقبائل السعودية لأراضي تحت السيطرة البريطانية، وهكذا تكررت الاحتجاجات بشأن الانتهاكات الحدودية بين المملكة العربية السعودية والعراق والأردن والكويت، وقبلت الأطراف الوساطة البريطانية في حل المشكلات الحدودية، ووضعت بعض القواعد لتنظيم انتقال القبائل عبر الحدود المشتركة، وكانت النوايا الحسنة من قبل دول الجوار هي وراء تخطي التجاوزات الحدودية من قبل القبائل، ويمكن الرجوع إلى مزيد من التفاصيل بشأن موضوع الحدود السعودية – العراقية – والسعودية الأردنية – والسعودية – الكويتية  في الوثائق البريطانية([2]) .

  وتُوصل إلى ترسيم الحدود الأردنية – السعودية بموجب اتفاقية جدة عام 1925م، واتفاقية بحرة نظمت انتقال القبائل عبر الحدود السعودية – العراقية – الأردنية ووقعت اتفاقية ثالثة عام 1927م واتفاقية ملحقة عام 1933م أنهت مشكلات الحدود السعودية الأردنية انظر :

F.O. 371–16865 1933 انظر نص الاتفاقية في F.O.371 May, 1933 PP.285–92 ([3])

وأيضاً في كتاب خمسون عاما في جزيرة العرب  حافظ وهبة .

  وقد أثارت الحدود السعودية – العراقية مصاعب دبلوماسية وعسكرية للملك عبدالعزيز؛ نظراً لعدم استيعاب القبائل أنظمة الدولة الحديثة، وترسيخات الحدود بين الدول، ونظراً لأن المناطق الحدودية الطبعية يمكن أن تنكمش وتتوسع بحسب قوة الأمراء، ولم يكن الملك عبد العزيز موافقاً على شروط اتفاقية المحمرة، وكانت أهم حادثة لتجاوز الحدود في مارس 1922م وطلب السير بيرسي كوكس من الملك عبدالعزيز إيقاف الهجمات على العراق ، وأبلغ الملك المندوب السامي البريطاني بأنه سيعاقب المخالفين، ويتخذ الإجراءات اللازمة لردع المجرمين، ولإعادة النظام والأمن على الحدود بين الدولتين ، ورتبت بريطانيا مؤتمر العقير 1922م حيث وقعت الاتفاقية المعروفة باتفاقية العقير، انظر نص الاتفاقية في كتاب صدر عن الخارجية السعودية بعنوان " مجموعة المعاهدات بين المملكة العربية السعودية والدول الصديقة 1922–1944م مكة"([4]).

وقد واجه الملك عبد العزيز في قضية الحدود مع العراق مشكلات دبلوماسية وسياسية وعسكرية امتدت ما بين 27–1930م على الحدود العراقية – السعودية.

  وقد نصح المندوب السامي البريطاني حاكم الكويت بحل المسائل الحدودية بالطرق السلمية، وفي الوقت نفسه عملت بريطانيا على المحافظة على مصالحها في الإمارة .

  وتشير الوثائق البريطانية إلى وجهة نظر المسؤولين البريطانيين عن شؤون الجزيرة. والعلاقات السعودية – الكويتية لم تتغير حتى عام 1931م حيث كانت بريطانيا تسعى إلى المحافظة على الوضع القائم للكويت، بصفتها تحت الحماية البريطانية، محافظة بذلك على استقلالها بعيداً عن العراق وعن المملكة العربية السعودية . وفي عام 1942م وقعت سلسلة من الاتفاقيات السعودية الكويتية، وفي عام 1964م وقعت اتفاقية تقسيم المنطقة المحايدة([5]) .

  وهكذا نرى أن الملك عبدالعزيز وجد نفسه في مواجهة مع بريطانيا من جهة، ومع الأخوان الذين لم يعرفوا مفهوم الحدود الدولية ومفهوم السيادة، ولكن الملك عبدالعزيز بحكمته وأسلوب حكمه وإرادته السياسية وبعد بصيرته استطاع التغلب على مشكلات الحدود بالطرق السلمية مع جيرانه، واستطاع ترسيخ دعائم الأمن على الحدود السعودية مع دول الجوار .

  وكان لدبلوماسية الملك عبدالعزيز الأساس في استتباب الأمن والنظام على الحدود المشتركة مع العراق والكويت والأردن، ووقعت سلسلة من الاتفاقيات بين عام 1931–1938م مع العراق تتعلق بأمور الجمارك وإدارة المنطقة المحايدة وهجرة القبائل والرعي وتحديد هوية القبائل .

  ومن أهم مشكلات الحدود بين الملك عبدالعزيز ودول الجوار التي أدت إلى صدام مسلح بين الدولتين الجارتين الحدود السعودية – اليمنية ، وفيما يلي استعراض بشأن طبيعة الخلاف الحدودي السعودي – اليمني .

العلاقات السعودية – اليمنية :

  بعد تدهور العلاقات بين الأدارسة والإمام يحيى في اليمن قرر الإدريسي طلب مساعدة الملك عبدالعزيز، فأرسل وفداً لمقابلته، واتفاقية مكة 1345هـ/1926م، ودخلت الإمارة تحت حماية الملك عبدالعزيز، واستكملت خطوات الضم الفعلي عام 1930م وآلت جميع شـــؤون الإمارة الداخلية والخارجية إلى الملك عبدالعزيز ، وفي المدة ما بين 1930–1933م ساءت العلاقة بين الإدريسي والملك عبدالعزيز، وأعلن الثورة، واعتقل النائب السعودي في الإمارة ثم لجأ إلى اليمن ، ورفض إمام اليمن تسليم الإدريسي إلى الإمام عبدالعزيز، وتوسط الإمام يحيى في النزاع بين الملك عبدالعزيز والإدريسي في اليمن حيث طلب الإدريسي استعادة الإمارة وحقوقهم كاملة، كما كانت قبل الحماية المباشرة عام  1930م / 1349هـ ، ورفض الملك هذا الطلب، وأعلن من جانبه ضم عسير إلى أملاكه وأصبح وضعها وضع الحجاز ونجد وحائل، وعد إمام اليمن وجود القوات السعودية في منطقة الجنوب انتهاكاً مباشراً لحدود دولته([6]).

  واستعان إمام اليمن بإيطاليا لتزويد جيشه بالعتاد استعداداً لخوض معركة فاصلة مع الملك عبدالعزيز ، إلا أن الدول العربية وبريطانيا وإيطاليا حاولت التدخل لتهدئة الوضع، وابتدأت دبلوماسية  مكوكية للوفود بين العاهلين، وانتهت بعقد اتفاقية صداقة وحسن جوار في 15/1/1932م ، ونشرت الاتفاقية في 15/12/1932م بجريدة أم القرى([7]) .

  وفي 8 أكتوبر 1932م أرسل الملك عبدالعزيز خطاباً مطولاً إلى الإمام يحيى مبدياً رغبته في المحافظة على السلم والصداقة مع الجيران عامة واليمن خاصة، وقد أبدى جلالته في خطابه أهمية الوصول إلى اتفاق بشأن الآتي :

1– تثبيت الحدود بشكل واضح بيّـن .

2– الاتفاق على التعاون والتعاضد في حالة العدوان سواء من الداخل أم الخارج .

3– تحديد صلات أمراء الحدود .

وفي جواب على خطاب الملك عبدالعزيز أكد الإمام على أهمية ترسيم الحدود، وهكذا بدأت جولة جديدة من المفاوضات، وفي أثناء ذلك جاءت ثورة الإدريسي، ثم دخل الطرفـــان في مفاوضـــات ومراسلات مطولة، وحدثت حشود عسكرية عام 1933م، وعقد مؤتمر أبها 16/2/1934م ، وقد حدث استقطاب دولي في النزاع السعودي – اليمني بين بريطانيا وإيطاليا، ونوقشت أوضاع جنوب غرب الجزيرة في مؤتمر روما 1927م، وأدى من ثم إلى تفاهم مشترك بينهما، يضمن تهدئة الأوضاع، وتجنب الصراع بين العاهلين، وإيجاد حل سلمي، وضمان مصالح الدولتين البحرية والاقتصادية والتجارية، كما أن حكمة العاهل السعودي واليمني وعلاقة حسن الجوار الإسلامية كانت هي العامل الحاسم لحل مشكلة الحدود .

  ووقعت أول اتفاقية في 15/12/1331هـ تنص على الصداقة وحسن الجوار وتسليم المجرمين، واحترام رعايا الدولتين طبق أحكام الشريعة ، والثانية اتفاقية الطائف في 6/2/1353هـ/ 19 مايو 1934م، ونصت على إنهاء حالة الحرب، واعتراف الدولتين باستقلال كل منهما، ويسقط كل منهما أي حق يدعيه في قسم أو أقسام من بلاد الآخر خارج الحدود القطعية المبنية في صلب هذه المعاهدة، وأن يتنازل الإمام عن الأراضي التي كانت بين الأدارسة وآل عايض أو في نجران وبلاد يام، والمادة الرابعة وضعت خطوط الحدود ، وعدتها حدًّا فاصلاً قطعيًّا بين البلاد التي تخضع لكل منهما .

  وأن يمتنع الطرفان من اللجوء إلى القوة لحل المشكلات بينهما، كما يتعهد البلدان الوقوف على الحياد في حالة حصول اعتداء خارجي على أحدهما، وعدم استعمال أراضيهما لإيواء الخارجين على أي من الدولتين ، وفي المادة 22 نصت الاتفاقية على أن مدتها عشرون سنة ، ويمكن تجديدها أو تعديلها([8]) .

  ويقول د.عيد مسعود الجهني : إن اتفاقية الطائف لسنة 1934م كانت أهم اتفاقية توقع بين المملكة العربية السعودية واليمن؛ لأن هذه الاتفاقية حسمت كل القضايا الحدودية التي كانت معلقة بين البلدين([9]).

 

وشهدت العلاقات السعودية اليمنية ازدهاراً ونمواً كبيراً، حيث كانت تحل الخلافات بشكل ودي، إلى أن وقع انقلاب اليمن عام 1962م . وفي عام 1970م تم الاتفاق بين الدولتين على أن توقف المملكة السعودية المساعدات التي تقدمها للملكيين، وفي 21 يوليو 1970م اعترفت المملكة العربية السعودية بالنظام الجمهوري، وتحسنت العلاقات بين البلدين، ودعمت المملكة السعودية مشاريع التنمية والتحديث في جميع المجالات في اليمن .

 

المملكة العربية السعودية والعالم الإسلامي :

  كان أول خطاب مباشر بين الملك عبدالعزيز والعالم الإسلامي ذلك الخطاب الذي وجهه إلى ملوك المسلمين والجمعيات والهيئات الإسلامية في 10 ربيع الأول 1343هـ من مكة المكرمة، يدعوهم فيه إلى مناقشة أوضاع الحجاز، بعد أن أعلن عدد من الدول الأجنبية وقوفها على الحياد في النزاع السعودي – الهاشمي:

  وبعد خروج الملك علي من الحجاز بايع أهل الحجاز السلطان عبدالعزيز ملكاً على الحجاز.

  وأصدر السلطان عبدالعزيز عقب البيعة بياناً إلى معتمدي الحكومات الأجنبية في جدة، وأصبح اللقب الجديد للملك عبدالعزيز ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها . وعقد المؤتمر الذي دعا إليه الملك عبدالعزيز مع التحفظ على المؤتمرين عدم بحث قضايا السياسة الدولية، وما بين الشعوب من خلافات، وعدم إثارة موضوع الحجاز بعد ما بت فيه([10]) .

  ثم توالت الاعترافات بالملك عبدالعزيز من الدول الإسلامية ، ووقعت معاهدة صداقة مع إيران 1348هـ/1929،  ومع تركيا 1348هـ/1929م ومع أفغانستان 1931م، وتأخر اعتراف مصر إلى عام 1936م أي بعد عشر سنوات، بسبب موقف الملك فؤاد، ومع العراق 1349هـ/1931م، ووقع حلف سعودي – عراقي 1355هـ/1936م، وانضمت اليمن إلى الحلف 1356هـ ، وتوالت الاعترافات والاتفاقيات مع بقية الدول العربية([11]) والإسلامية ، وفي اعتقادنا أن العلاقات بين المملكة العربية السعودية وبقية الدول الإسلامية هي علاقات معقدة ومركبة، وتعتمد هذه العلاقات على النواحي الدينية من جانب، وعلى الحسابات الإستراتيجية من جانب آخر  .

  والإسلام في السياسة الخارجية السعودية هو ليس انعكاس للإيديولوجية، ولا هو خدمة هامشية فقط، ومرة أخرى نجد أن هذه العلاقات هي في الأصل علاقات بين الواقع السياسي بداخل المملكة والتطورات التي تحدث في العالم مما يجعل القضايا الإسلامية ذات بعد مهم في السياسة الخارجية السعودية .

  وابتدأت مسيرة التضامن الإسلامي، وأصبحت تمثل حجر الزاوية في السياسة السعودية الخارجية، ووجه الملك سعود دعوة لعقد ميثاق المؤتمر الإسلامي مع الرئيس المصري جمال عبدالناصر والرئيس الباكستاني إسكندر مرزا، وأصدر المجتمعون قراراً بإنشاء المجلس الأعلى للمؤتمر الإسلامي برئاسة العاهل السعودي ، وقد أعيد تأكيد مبدأ التضامن الإسلامي في حج عام 1962م حين اتخذ قرار بإنشاء رابطة العالم الإسلامي، ليكون مقرها مكة المكرمة، وأهدافها تنسيق التضامن بين الشعوب الإسلامية وقادتها، والعمل على حل المشكلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتحرير المجتمعات الإسلامية من الاستعمار، وتحريم التجارب النووية، ومحاربة الشيوعية في العالم الإسلامي، والدفاع عن حقوق الأقليات الإسلامية تحت الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والصين، ومحاربة مؤامرات أعداء الإسلام لإبعاد المسلمين عن عقيدتهم، وتفتيت وحدتهم، وقد أدان المؤتمر الشيوعية بصفتها إيديولوجية، والدول الشيوعية وسياساتها تجاه الدول الإسلامية،  وقد اتخذ المؤتمر قراراً بمساندة مسلمي الاتحاد السوفييتي، ومحاربة التمييز العنصري، وحل النزاعات بالطرق السلمية بين الدول الإسلامية، ودعم القضية الفلسطينية من جميع جوانبها السياسية والدينية([12]).

ولا بد من الإشادة هنا بحكمة الملك فيصل بن عبدالعزيز وصلابة مواقفه السياسية أمام التيارات التي اجتاحت المنطقة العربية كالمد اليساري والقومي والبعثي والناصري، وكانت المملكة العربية السعودية صخرة صلبة تحطمت عليها أحلام القوميين والراديكاليين، واستطاع –رحمه الله– أن يقف أمام موجة الغليان والديماجوجية في الشارع السياسي العربي، وذلك بمواجهة هذه التيارات المستوردة بدعوة التضامن الإسلامي ، وهي دعوة لم تكن شعاراً للمزايدة، وإنما كانت صادرة عن الواثق من موقف سياسي يدعم مركزه في العالم الإسلامي وجود الحرمين الشريفين في بلاده .

  وفي عام 1965م دعت الصومال إلى تبني مؤتمر القمة الإسلامي، ووجهت المملكة العربية السعودية الدعوة إلى تبني هذه القمة، وقام الملك فيصل بسلسلة زيارات إلى كل من غانا وإيران والأردن ومالي والمغرب ونيجيريا وباكستان وتركيا والصومال للحصول على دعم دعوته للقمة الإسلامية والتضامن الإسلامي، وعقد مؤتمر للدبلوماسيين السعوديين في جدة عام 1966م لتنسيق نشاطاتهم في الدول الإفريقية والعربية لدعم دعوة القمة الإسلامي، وأصبحت دعوة التضامن الإسلامي ، والقمة الإسلامية مثار جدل في العواصم العربية والإسلامية ، وقد أيدت الدعوة إلى عقد القمة عدد من العواصم الإسلامية، واعترضت عليه بعض العواصم وقد رأت هذه العواصم أن الدعوة تهدف إلى إنشاء حلف إسلامي ضد الدول العربية الاشتراكية ، وأنه حلف تدعمه الدوائر الغربية .

  وهكذا نجد أن الخطاب الإعلامي العربي يعكس هذه الحقائق حين انتشر المد الاشتراكي في العالم العربي ، ونقرأ أمثلة من ذلك :

" إن الوحدة لم يكن أعداؤها الاستعمار فقط، ولكن قوى الرجعية في العالم العربي التي تحالفت مع الاستعمار ضد القومية والقوى المعادية للقومية ... " .

  " إن السعودية – تستهدف التشاور لإنشاء حلف إسلامي مقدس، يتصدى للثورات التقدمية ولمكافحة الشيوعية بالعالم العربي وإيجاد صيغة إسلامية لقيام الحلف... " .

  " إن موقف الجمهورية العربية المتحدة من التحركات الجديدة هو معارضة كل التحركات المشبوهة، ومعارضة استخدام الدين من أجل تحقيق أهداف الاستعمار والرجعية ... إننا نعارض الحلف الإسلامي ومؤتمر القمة الإسلامية كما عارضنا حلف بغداد ..." ([13]).

  وقد كان رد الملك فيصل على هذه الاعتراضات بقوله : " لقد قيل لنا: إننا نسعى إلى أحلاف، وإن هذه الأحلاف موجهة من جهات استعمارية، وإنني أمامكم أيها الأخوان أدعو من يقول ذلك ويشاركنا في هذه الدعوة " .

  ونقول : إن مـن يوصفون بالاستعمار والقوى الرجعية هي ذات القوى التي تحالفت كأقوى ما يكون التحالف أثناء العدوان على قناة السويس عام 1956م. وانهزم التحالف البريطاني الفرنسي – الإسرائيلي في العدوان على مصر بدعم القيادة السعودية ومساعداتها وكذلك دول الخليج، والولايات المتحدة ، وفازت الإرادة العربية بتحقيق انتصار حاسم، وأن تبني القاهرة لخطاب النظام الاشتراكي هو الذي شق وحدة الصف العربي في رأينا، وليس قوى الرجعية . وقد نشرت مجلة بينا الناطقة باسم الحزب الشيوعي في إيطاليا مقالا نقلته عنها الصحف اللبنانية في يناير 1968م عن الحل الاشتراكي للقضية الفلسطينية حذرت فيه الاشتراكيين العرب من القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل !!! .

  وتابعت الصحيفة إذا حول العالم العربي إلى مجتمع ثوري ... التقت إسرائيل مع العرب على الاشتراكية([14]) .

  والملك فيصل – رحمه الله – هو الذي قاد دعوة التضامن الإسلامي وهو أحد الأقطاب العرب في السياسة الخارجية، فكل من حاول أن يراهن على سياسة الملك فيصل في محاربة الأحلاف والاستعمار سواء كان شرقياً أم غربياً انتهى بالخسران ، ولعل قراءة متأنية في قرارات مؤتمرات القمة الإسلامية منذ بدايتها في الرباط عام 1969م ولاهور 1974م ومؤتمر مكة – الطائف 1981م والدار البيضاء 1984م إلى مؤتمر الكويت 1987م جميع قرارات هذه المؤتمرات كانت تؤكد على ثوابت في السياسة الإسلامية السعودية ،  وقد أشاد مؤتمر مكة – الطائف الذي انعقد بجوار بيت الله الحرام في مكة، والذي حضره رؤساء الدول الإسلامية وملوكها وأمراؤها كلهم ما عدا إيران وليبيا .

  ويمكن إيجاز قرارات المؤتمر فيما يأتي:

1– الالتزام بتحرير القدس لتكون عاصمة الدولة الفلسطينية .

2– قضية فلسطين جوهر مشكلة الشرق الأوسط وقضية الأمة الإسلامية الأولى .

3– المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، ومضاعفة الجهد لتظل دولة إسلامية، والحث على توفير المساعدة للاجئين الأفغان .

4– تنسيق الجهود والتضامن بين الدول الإسلامية الأعضاء، وأهمية التعايش السلمي بينهم، على أساس العدل والمساواة، والعمل على دعم هذا التضامن .

5– العمل على إنهاء النزاع العراقي الإيراني، ومناشدة البلدين الإسلاميين بتقبل الوساطة الإسلامية ، وتسهيل مهمة لجنة المساعي الحميدة، وإنشاء قوة إسلامية من أجل تطبيق وقف إطلاق النار ، وغيرها من القرارات التاريخية المهمة([15]).

ويجد الباحث المحايد فيها توجهاً إسلامياً، يصون مصالح العرب والمسلمين، ويدعو المسلمين إلى توحيد صفوفهم أمام ما يهدد العالم الإسلامي من أخطار، وتنظيم التعاون بين الدول الإسلامية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وإلى تحرير الشعوب الإسلامية، وتصفية الاستعمار من بلادهم، وجاء في خطاب الملك فيصل في مؤتمر مكة 17–4–65 ما يأتي : إن سياستنا الإسلامية هي أن نسعى بكل ما أوتينا من قوة لتوحيد صفوف المسلمين، وزيادة التقارب بينهم، وإزالة كل ما يشوب علاقاتهم، وأما سياستنا العربية فإنها سياسة أخوة ومحبة وتعاون في نطاق ميثاق الجامعة العربية، وإننا مع إخواننا العرب في كل ما يهمهم، ولنا أن نسأل المهاجمين لدعوة التضامن ومؤتمرات القمة الإسلامية لماذا الركض لحضور مؤتمرات الوحدة الإفريقية ومؤتمرات تضامن الشعوب الآسيوية – الإفريقية وأمريكا اللاتينية، ومؤتمرات عدم الانحياز ومؤتمر أنصار السلام، ثم التشكيك في نوايا الزعماء المسلمين وهم الذين أعلنوها مدوية في القرارات التي أعلنت لخدمة قضية العرب والمسلمين الأولى قضية فلسطين والدعوة لإلغاء الاستعمار بكل أشكاله وصوره من ديار العرب والمسلمين، استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة وعملاً بمبدأ تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها والدعوة إلى تصفية الاستعمار نهائيا وإلغاء التجارب النووية وسياسة التمييز العنصري .

  فالفيصل يعرف قيمة المركز الديني الذي شرف الله به هذه المملكة، فهي قبلة المسلمين، كما أن الفيصل دعم دعوة التضامن الإسلامي ليس لأنها نظرية سياسية، وإنما التزام سياسي اقتصادي ومالي لدعم قضايا التحرير للدول والشعوب الإسلامية في المحافل الدولية، وتخطت مواقف المملكة العربية السعودية نطاقها الإقليمي إلى الدائرة العالمية ، وطاف الفيصل – غفر الله له – البلاد الإسلامية لترسيخ مبدأ التضامن الإسلامي ، ورصد الاعتمادات المالية لإنشاء المؤسسات الإسلامية الدولية كرابطة العالم الإسلامي التي أنشئت عام 1962م، ومنظمة المؤتمر الإسلامي حيث اتخذ مؤتمر القمة في الرباط عام 1969م قراراً بإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي وفي عام 1970م أقر مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي انعقد بجدة قراراً بإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، ومقر المنظمة بجدة ، وإنشاء وكالة أنباء إسلامية، ومقرها أيضاً جدة، وانعقد المؤتمر الثالث في جدة عام 1982م، وفيه كان ميلاد المنظمة ، كذلك أنشئ عدد من الوكالات المتخصصة، والتي تفرعت عن الأمانة، منها محكمة العدل الدولية الإسلامية ، وصندوق التضامن الإسلامي ، وصندوق القدس،  ومنظمة العواصم الإسلامية ، ومركز الأبحاث للتاريخ والفنون الإسلامية ومقره في إستانبول، والمؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا ومقره المغرب ، ومنظمة الإذاعات الإسلامية ،  ومجمع الفقه الإسلامي، واللجنة الدولية للحفاظ على التراث، والبنك الإسلامي للتنمية أنشئ في عام 1394/1395هـ ومقره جدة،  ويسهم البنك في تنمية التجارة الدولية بين الدول الأعضاء، كما يقوم بتنفيذ المشاريع الاقتصادية المشتركة بين الدول الإسلامية ، كما يسهم في مساعدة المراكز الإسلامية، ومؤسسات التعليم في الدول الأعضاء، وفي البلدان التي فيها أقليات إسلامية، كما يقوم البنك بتقديم المساعدات والهبات والمنح والقروض لتنمية شعوب المجتمعات الإسلامية، وظهرت نتائج الدعوة للتضامن الإسلامي بأن أصبحت المجموعة الإسلامية في المحافل الدولية كالأمم المتحدة ومجموعة الدول الأفرو آسيوية ودول عدم الانحياز مجموعة سياسية ضاغطة، لها صوت مدوٍ في صياغة القرارات الدولية، وتثميناً لجهود الفيصل فقد استعمل جلالته رحمه الله– سلاح النفط لخدمة قضية العرب والمسلمين الأولى قضية فلسطين، مما أدى إلى أن أصبحت الدائرة الإسلامية في السياسة الخارجية أحد محاور الدبلوماسية السعودية ،  ولقد قادت المملكة العربية السعودية الدعوة إلى محاربة الشيوعية والإلحاد ، وقد ظهر ذلك جلياً حين دعت المملكة العربية السعودية إلى عقد مؤتمر إسلام آباد عام 1980م لإدانة الاكتساح السوفييتي لأفغانستان .

  والمتتبع لعلاقة الإسلام بالشيوعية منذ اندلاع الثورة البولشفية في روسيا، وكيف وقف الإلحاد في وجه الإسلام والمسلمين ومحاربتهم بلا هوادة، حين لم يغتفر قادة الحزب الشيوعي موقف مسلمي روسيا الوقوف على الحياد بين الجيشين القيصري والجيش الأحمر، وارتفعت حدة الانتقام حتى بلغت ذروتها عام 1925م .

  ولم يتم التعايش بين الإسلام بصفته ديناً والشيوعية بصفتها إيديولوجية طيلة المدة من 1917–1990م إلى حين انهيار الشيوعية ، وقامت روسيا لتكون رد فعل وقائي بعد الثورة الإسلامية في إيران ولتكون حرباً وقائية خشية انتشار المد الإسلامي إلى جمهوريات آسيا الوسطى بارتكاب أكبر انتهاك لحقوق حسن الجوار مع أفغانستان حين قامت روسيا باكتساح هذا البلد المسلم الآمن فأفغانستان تحتل عمقاً بارزاً في الخارطة السياسية، حيث تلتقي حدودها مع روسيا والصين وباكستان مما يمثل عمقاً إسلاميا جغرافياً وعسكريًّا سياسيًّا داخلاً في أراضي الجمهوريات الإسلامية، ولأول مرة يجد السوفييت أنه وقع في ورطة مع جيرانه من الدول الإسلامية، كباكستان وتركيا وإيران ومع بقية الدول الإسلامية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، على الرغم من أن أفغانستان كانت تمثل نموذج الحياد في سياستها الخارجية، ولم تدخل في يوم من الأيام في حلف معادٍ للسوفييت، ولكن السوفييت من خلال الحزب الشيوعي الأفغاني استطاعوا التغلغل في أفغانستان، وكانت حرباً وقائية، وارتكب السوفييت أكبر الجرائم، واتبعوا سياسة الأرض المحروقة، وحصلت أكبر هجرة للاجئين في العالم([16]) .

  وكان رد الفعل الدولي أكثر مما توقع السوفييت، وشعر السوفييت أنه وقع في ورطة دولية وإقليمية، فقد دعت المملكة إلى عقد مؤتمر إسلامي في إسلام آباد،  أدان الاكتساح السوفييتي، وطالب بانسحابه من أفغانستان، وقامت المملكة العربية السعودية بتقديم الدعم المادي والسياسي للمجاهدين الأفغان، حتى أرغم السوفييت على الانسحاب من أفغانستان، ولم يتعايش الإسلام والشيوعية في هذا البلد المسلم، أو في أواسط آسيا في الجمهوريات الإسلامية، وكانت كلمة الإسلام، في الاتحاد السوفييتي سابقاً تعني الرابطة الدينية والكرامة الوطنية والانتماء إلى مجتمع العصبية الدينية والحضارية طيلة سبعين عاماً 1917–1990م .

  ولم تفلح الحملات الإرهابية والحصار الفكري والحملة العلمية للتبشير بالشيوعية حتى بين المثقفين المسلمين، من تغيير معتقداتهم الدينية حتى اعترف رئيس أكاديمية الدراسات الشرقية في موسكو سابقاً يوجيني بريماكوف ووزير الخارجية الروسي حالياً في تحليل النظرة السياسية للقيادة السوفيتية للإسلام حيث أشار في مقالة له نشرت في الصحافة السوفيتية في 20 فبراير 1980م أي إبان الغزو السوفييتي لأفغانستان، وهو الخبير في الشؤون العربية والإسلامية بقوله : إنه ليس سراً على أحد بوجود اختلافات أساسية بين الماركسية – اللينية والإسلام، وإن هذه الاختلافات وعدم الالتقاء قائم بين الإسلام والشيوعية ، وأشار إلى أسباب ظهور النزعة الإسلامية الحديثة ، ولا شك أن اكتساح أفغانستان قد كرس وجسد الكراهية بين الإسلام والشيوعية، وأزال جميع الشكوك في حسن النوايا السوفيتية تجاه التعامل مع الإسلام أو مع البلاد الإسلامية أو الدول ذات السيادة([17])، وهذا ما استوعبه في مرحلة مبكرة منذ الستينيات جلالة المغفور له الملك فيصل .

 

على حين أن بعض القوميين العرب يرون  في دعوة الملك فيصل للتضامن الإسلامي أنها جـــاءت رد فعل قلق بشأن دعوة القومية والاشتراكية، ويدللون على ذلك بأن بعض الدول الإسلامية كإيران ترددت في قبول الزعامة السعودية لدعوة التضامن الإسلامي في عهد الشاه، وأن تكون المملكة العربية السعودية زعيمة الحركات الإسلامية المعتدلة أو المحافظة بعد قيام الثورة الإسلامية، إلا أنه لا يشك مراقب محايد في أن الدعوة السعودية لقيت تجاوباً رسميًّا وشعبياً، ودليل نجاحها عقد مؤتمرات القمة المتكررة، والمنظمات الإسلامية التي ظهرت نتيجة دعوة التضامن، واستضافة المملكة لتلك الجهود الإسلامية النشطة في المجال الإقليمي والدولي، ويمكن تثمين العمل السعودي في مرحلة الستينيات، حتى منتصف الثمانينيات في نجاح دعوة التضامن الإسلامي في صد المد الاشتراكي وتطويق النفوذ السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا.

  عملت المملكة العربية السعودية على تقديم المساعدات والقروض حتى بلغت 88.870.000 مليون دولار، في شكل مساعدات وقروض غير مستردة، كما شاركت المملكة مع عدد من صناديق التنمية العربية في إنشاء مجموعة من الشركات 964 مليون دولار ،  كما أسهمت بمبلغ 985 مليون دولار ليكون حصة في موارد مؤسسات إنمائية عربية مشتركة، وهي تكون عادة من أكبر المسهمين، وهناك سبع مؤسسات إنمائية أخرى لخدمة التنمية في الدول العربية والإسلامية، وقد بلغ مجموع إسهام المملكة في هذه المؤسسات 4322 مليون دولار ،  وقد احتلت المملكة المركز الثاني في العالم الإسلامي من حيث الحجم المطلق للمساعدات ، أما من حيث نسبة ما تقدمه المملكة إلى إجمالي الناتج القومي  فإنها احتلت المركز الأول بين دول العالم، وهي نسبة تبلغ سبعة أضعاف متوسطها لدى الدول الصناعية لعام 1988م، وقد أشاد تقرير صادر عن البنك الدولي للإنشاء والتعمير أن نسبة مساعدات المملكة تعد من أعلى النسب في العالم([18]).

 

ويمكن أن نعرض لنموذج من الدبلوماسية السعودية في التعامل مع إحدى الدول الإسلامية وهي إيران :

  منذ عام 1968م اتسمت سياسة المملكة العربية السعودية مع إيران بالتسامح، وعدم مقابلة الاستفزازات الإيرانية، والحملات التي كان يشنها الشاه ضد السعودية بالمثل، ولكنها كانت أشد مراساً في تعاملها مع طهران في عدم تقديم تنازلات لصالح ميزان القوى الإقليمية في الخليج العربي، وحاولت المملكة تنسيق المواقف مع دول الجوار فيما يتعلق بأمن الخليج، واتسمت علاقات  طهران – الرياض في إطار الصلات التقليدية مع الدول الإسلامية، وأدى ذلك إلى تدارس أوضاع أمن الخليج من قبل الدول الإقليمية المطلة عليه، ومن قبل الدول العظمى، وبعد سقوط نظام الشاه عام 1979م، شهدت المنطقة أحداثاً متلاحقة، فقد استطاعت إيران بعد انسحاب القوات البريطانية من الخليج أن تظهر تفوقها العسكري، وقامت بتقوية الجيش الإيراني وتسليحه؛ ليقوم بتوازن الصراع بين القوتين، والقيام بمهمة شرطي المنطقة، فشاه إيران لم يرغب في التدخل الأمريكي في منطقة الخليج وفي الوقت نفسه كان يرغب في ظهور القوة الدفاعية الأمريكية في المحيط الهندي والخليج، لموازنة القوة السوفيتية، وأدى ذلك إلى ظهور نظرية أمن الخليج بين القوى المتنافسة الإقليمية، وبين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ، فقد كانت إيران في كفة والدول العربية الخليجية في كفة أخرى، مما أدى إلى ظهور سياسة سباق التسليح، كما أن ازدياد نشاط البحرية الأمريكية والسوفيتية في المحيط الهندي والخليج أصبح مصدر قلق لقادة المنطقة، مما أدى إلى إثارة التساؤل عن السيادة ، أمن الخليج ، حماية آبار النفط،  فإيران كانت تطرح نظرية أمن، يضم دول الحلف المركزي والدول العربية الخليجية، على حين كانت المملكـــة العربيــة السعوديـــة تطرح نظام أمن الخليج من منظـــور التضامن الإسلامي، أما العراق فقـــد طرحه من وجهة نظر قوميـــة، ولكن الأطراف الثلاثــة كانت متفقة على أبعاد القوى المتصارعة الدولية، كما رفضت التصورات الثلاثة لمشروع الأمن القومي المقترح بسبب المبدأ الأساس لتصورات المملكة العربية السعودية عدم الدخول في أحلاف عسكرية لمجموعة من الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، وما تحمله من سلبيـــات([19]).

  وكانت واشنطن هي المستفيد من سياسة استبعاد القوتين من مياه الخليج، طالما أن هذه الدول الإقليمية هي دول صديقة، وكانت ترى عدم التدخل المباشر في شؤون دول المنطقة، مادام أن هذه السياسة تهدف إلى إبعاد النفوذ السوفييتي والمد الشيوعي؛ لأن الإستراتيجية الغربية في المنطقة ترتكز على المحاور الآتية :

1– ضمان استمرار تدفق النفط الذي يمثل شريان العجلة العسكرية والمدنية للدول الغربية واليابان .

2– إبعاد النفوذ السوفييتي، وهذا ما حدث ما بين 1950–1990م ، وإيقاف المد الشيوعي .

3– مادام أن الولايات المتحدة لها علاقات ثنائية قوية مع إيران وتركيا وباكستان ودول الخليج بعد أن فشلت سياسة الأحلاف العسكرية المعلنة مثل حلف بغداد أو الناتو وسعد أباد الرباعي .

4– ما دام أن المنطقة تمثل مجالاً واسعاً بصفتها سوقاً استهلاكية للمنتجات الصناعية، ومنطقة للاستثمارات، وإبرام الصفقات التسليحية، وهي تحقق ما أشار إليه وزير الدفاع الأمريكي أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس حيث قال : إن ما نراهن عليه في الخليج هو الرخاء الاقتصادي،  فلو حرمت الدول الصناعية من حرية الوصول إلى مصادر الطاقة في الخليج، فستكون النتيجة على الأرجح هي الانهيار لحلفائنا، وللاقتصاد العالمي، وهذا ما أكدته أحداث حرب الخليج الثانية عام 1990م([20]) .

وقد أعلنت إيران في 25 يونيو 1978م أنها كانت تهدف إلى تنسيق لمواجهة الخطر المشترك الشيوعية، ولكن هدف إيران الحقيقي كان إظهار تفوقها العسكري، بصفتها قوة لها تطلعاتها، فالثقل العسكري الإيراني كان واضحاً، والأثر الذي كانت تريد إيران لنفسها أن تؤديه لم يتحقق، نتيجة عدم قبول دول المنطقة للسياسة الإيرانية وأطماعها في الخليج، كما أن النظرة السعودية لسياسة أمن الخليج هي اتباع السياسة التقليدية، دون الدخول في تعقيدات تنظيمية وأحلاف عسكرية، حيث رفضت المملكة السعودية من قبل حلف بغداد والحلف المركزي، وقبل سقوط الشاه كانت إيران أحد الأعمدة الرئيسة للمعسكر الغربي بتأثيرها السياسي والاقتصادي والعسكري الذي كان واضحاً في المنطقة ، فقد ساعدت إيران أفغانستان ومصر والهند، كما أن إسرائيل وجنوب إفريقيا وألمانيا الغربية كانت تعتمد اعتماداً رئيساً على النفط الإيراني.

  ثم توالت الأحداث بسرعة متلاحقة في إيران، وسار شاه إيران في جنون العظمة والتسليح وازدادت المعارضة، وبدأ الشاه يحصد المتاعب من الداخل والخارج، واشتدت حملة الصحافة الغربية على الشاه ونظامه، وفقدت إيران أثرها في المنطقة من وجهة النظر الغربية([21]) .

  وارتكب نظام الشاه سلسلة من الأخطاء في سياسته الداخلية والخارجية، من ذلك حمل لواء زيادة أسعار النفط في الأوبك، وسياسة التسليح، مما أثار مخاوف جيرانه، ومحاولة إيران القيام بمهمة شرطي المنطقة على حساب سيادة دول المنطقة، والأمن الإقليمي، والاصطدام بالمعارضة الدينية، وهكذا يبدو من سياق الأحداث السياسية الداخليــة والخارجية عوامل متداخلة وعدة، حيث بلغت هذه الأحداث ذروتها في 1978–1979م بقيادة الزعامة الدينية، إلى أن أدت إلى انهيار نظام حليف للمعسكر الغربي، مما أوجد فراغاً سياسياً، توالت على أثره سلسلة من الأحداث والمتغيرات الإقليمية والدولية، وهي اكتساح السوفييت لأفغانستان، واندلاع الحرب العراقيــــة الإيرانيــة، وظهور تكتل سياسي إقليمي تمثل في قيام مجلس التعاون الخليجي – فبراير 1981م ، إلا أن انهيار نظام الشاه وانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية قد أدى إلى مضاعفات سياسية خصوصاً بعد ظهور توجهات القيادة الجديدة في طهران وإعلانها عن رغبتها في تصدير الثورة ومبادئها، والتزمت المملكة العربية السعودية الجانب الإيجابي في إعلانها تهنئة قادة الثورة بالنظام الجديد، وعملت على تقوية علاقات الجوار مع الدول العربية الخليجية، وزيادة تحصيناتها الدفاعية، وتعزيز الموقف السعودي وسط النظام الإقليمي المستجد، وقد تزامن سقوط نظام الشاه مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد واكتساح أفغانستان .

  إلا أن العلاقات السعودية الإيرانية بدأت تأخذ منحى جديداً بعد ظهور اتجاه جديد في السياسة الإيرانية، لتضييق شقة الخلاف بين طهران والدول العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، وتعديل خط سياستها الخارجية، وقد رحبت المملكة العربية السعودية بهذا الاتجاه الجديد، وعملت على دعمه، ويعد انعقاد مؤتمر القمة الثامن في طهران 9/12/1997م دليلاً محتملاً سيؤدي إلى تعديل في سياسة إيران الجديدة على أن تعمل إيران على اتباع سياسة متوازنة تعتمد الواقعية والعقلانية في تعاملها مع المتغيرات الإقليمية والدولية لتخرج من عزلتها التي أفرزتها أحداث الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية، والإقلاع عن تصدير الثورة، ووقف دعم الجماعات المتطرفة من المحيط إلى الخليج، وقد أشار صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي ورئيس الحرس الوطني ورئيس وفد المملكة إلى مؤتمر القمة الإسلامي الثامن في خطابه إلى المؤتمر إلى هذه النقطة، بأسلوب الدبلوماسية السعودية المتميز في ترجيح العقلانية والمنطق في التعامل السعودي مع الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي حيث قال سموه : " إن من أهم واجباتنا في هذا اللقاء التاريخي استعراض أوضاعنا الراهنة، ومشاكلنا القائمة بأمانة وصراحة، منطلقين من واقعنا المتغير إلى مستقبلنا المليء بالتحديات، لذلك علينا أن ندرك بأن طريقة تعاملنا مع هذه التحديات وتلك الفرص لها تأثير مباشر على مصير أمتنا... .

  إن التحدي الأهم الذي يواجه أمتنا الإسلامية يتمثل في عجزها عن محاذاة ومضاهاة الشعوب المتقدمة صناعياً وتقنياً في شرق الأرض وغربها، هذا العجز مرده في الأساس حالة الانقسام والتبعثر التي تعاني منها أمتنا حين تتنازعها مائة راية ويمزقها مائة شعار وتتجاذبها مائة سياسة  فهذا الوضع الانقسامي يتعارض مع أكثر خصائص هذا العصر بداهة، وأشدها تميزاً، وهي استحالة تحقيق الكيانات الصغيرة أي وزن أو مكانة في مجتمعنا الدولي المعاصر، الذي أصبحت وحداته الفاعلة تمثل حصيلة اندماج واتحاد الكيانات الأخطر شأناً. إن الوحدة الإسلامية إذا ما تحققت كفيلة بأن تصنع من الشعوب والدول الإسلامية كتلة قوية فاعلة ومؤثرة على الساحة الدولية، بما تمتلكه من موارد وطاقات، يومها ستضاء شعلة الحضارة الإسلامية مجدداً لتواصل عطاءاتها وإسهاماتها للمجتمع الإنساني وفق معايير من الحق والعدل، وإن آفاق التعاون بين المسلمين لا تعرف حدوداً في مجال السياسة والدفاع والاقتصاد والإعلام، إلا أن علينا إزالة العقبات، الحذر من العقبات التي قد تعترض طريقنا نحو آفاق مستقبل مشرق . ويمكن أن نلخص هذه العقبات بإيجاز شديد في تلك النظرات الضيقة التي ينبذها الإسلام ، وينفر منها سواء جاءت النظرة الضيقة من منطلق عرفي أو إقليمي أو مذهبي ... لم نأت لهذا البلد المسلم العزيز الجار بمفهوم سياسي مغلق، بل جئنا بقلوب مفتوحة للحوار والإصغاء إلى كل ما فيه خير الإسلام والمسلمين "([22])  .

 

المملكة والمنظمات الإقليمية والدوليـة :

  الحديث عن علاقة المملكة السعودية بالمنظمات الإقليمية والدولية حديث متشعب، ويحمل في طياته أبعاداً سياسية اقتصادية ونفطية، عربية وإسلامية ودولية ، وقد حرصت المملكة منذ عهد - المغفور له - الملك عبدالعزيز أن يكون لها حضور متميز يحتل موقع الريادة في بعض الأحيان، ويحمل الالتزام المادي والمعنوي والسياسي لنجاح هذه المنظمات الإقليمية والدولية .

  وقد أشرف - المغفور له - الملك عبدالعزيز على تنفيذ السياسة الخارجية إشرافاً مباشراً، يعاونه في ذلك مجموعة من المستشارين المقربين من جلالة الملك عبدالعزيز حتى عام 1931م حين أنشئت مديرية الشؤون الخارجية، وأنيطت بسمو الأمير فيصل نجل سيد الجزيرة، إلى أن أنشئت وزارة الخارجية برئاسة سموه، حيث احتفظ برسم السياسة السعودية، إلى أن انتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً عام 1975م، ثم انتقلت بعد ذلك إلى نجله صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل حتى الوقت الحاضر .

  وقد ظهرت بوادر اهتمام الملك السعودي بالمنظمات الإقليمية والدولية في مرحلة مبكرة، حين وقعت المملكة على الاتفاقية البريدية عام 1929م، وعلى ميثاق تحريم الحرب  ميثاق كلوج– بريان 1– ديسمبر 1931م حيث صدر الأمر الملكي الكريم بذلك بعد دعوة حكومة الولايات المتحدة المملكة للاشتراك في هذه المعاهدة، وهي معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس 27 أغسطس 1928م، وشاركت المملكة في نطاق عصبة الأمم في مؤتمر تحريم تجارة المواد المخدرة، ووقعت على الاتفاقية عام 1936م؛ لأنها تتفق وأحكام الشريعة الإسلامية كما جاء في وثيقة توقيع الاتفاقية ثم الاتفاقية الدولية للأفيون في لاهاي 1943م .

  وقد وقعت المملكة العربية السعودية سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، منها معاهدة محاربة الإرهاب الدولي على الطائرات –اتفاقية طوكيو 1963م، واتفاقية لاهاي، واتفاقية مونتريال، وكلها تتعلق بالطيران، واتفاقيات بحرية، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، ومجموعة من الاتفاقيات مع الوكالات الدولية المتفرعة عن الأمم المتحدة .

  وازداد النشاط الدبلوماسي السعودي في توقيع سلسلة من اتفاقيات الصداقة مع الدول العربية والإسلامية والأوربية منذ المؤتمر الإسلامي الأول بمكة عام 1926م، مع بريطانيا وإيطاليا وألمانيا وتركيا وفرنسا ومصر والعراق واليمن والأردن وسوريا والكويت ، وكانت بوادر ميلاد أول تنظيم إقليمي ظهر في الشرق الأوسط هو ميلاد الجامعة العربية في اجتماع اللجنة التحضيرية في الإسكندرية حيث صدر بروتوكول الإسكندرية في 5 أكتوبر 1944م ، ووقعت المملكة على ميثاق الجامعة العربية في 22 مارس 1945م، وكان الهدف من إنشاء الجامعة هو التعاون والتنسيق بين الدول العربية المشتركة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وميثاق الدفاع المشترك ، ومهمة الجامعة تقرير وسائل التعاون مع الهيئات الدولية التي قد تنشأ في المستقبل لكفالة الأمن والسلام الدوليين .

  وقامت المملكة السعودية بتوقيع سلسلة من الاتفاقيات مع عصبة الأمم في مجالات عدة كالصحة والاتصالات والطرق الجوية ونظام الحجر الصحي؛ لأهمية ذلك للحاج، واتفاقية نزاع السلاح 1932م ، وعلى الرغم من أن الملك عبدالعزيز رفض دخول عصبة الأمم؛ لأنها كانت تعتمد سياسة الانتداب، إلا أن المغفور له أكد على حق عضوية المملكة في عدد من منظماتها الدولية، وذلك للاستفادة من المنظمة في حفظ السلام والأمن الدوليين، ومن خلال هذه المنظمات وقعت هذه الاتفاقيات لتوثيق صلات الصداقة، وحل النزاعات بالطرق السلمية، ولتأمين الحصول على المساعدات الفنية لبلاده .