مقدمـــة:
يعد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل
سعود أحد الشخصيات البارزة التي أدت دوراً مهماً على مسرح الأحداث في المملكة
العربية السعودية والمنطقة العربية والعالم طوال أكثر من نصف قرن ، جعلت منه أحد
صناع التاريخ في هذا القرن.
ولما كانت إمارات الخليج العربي – البحرين وقطر وأبو
ظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة والفجيرة وأم القوين وعجمان، والتي تقع على الساحل
الغربي للخليج العربي، وتجاورها حدود المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان– تمثل جزءاً من شبه
الجزيرة العربية – ذات المكانة الإستراتيجية المهمة للعالم– فقد عدّ الملك فيصل
هذه الإمارات امتداداً للمملكة العربية السعودية، فأراد أن يراها وقد أصبحت دولاً
مستقلة، ترعى ثرواتها وتحافظ على ترابها الوطني، مثل المملكة العربية السعودية.
لذلك أعطاهم الملك فيصل من
الاهتمام والجهد ما لم يعطه أحداً، حتى أن ما بذله من جهود – لأجل حصول هذه
الإمارات العربية على الاستقلال– يعد حلقة من حلقات التاريخ السعودي والعربي
الحديث والمعاصر جديرة بالبحث والدراسة.
وتبدأ دراستنا بتمهيد عن نشأة
الملك فيصل ، وبداية توليه المسؤولية في الوقت الذي شهد تأسيس المملكة العربية
السعودية ، وبداية علاقاتها مع إمارات الخليج العربي في ظل الاستعمار البريطاني،
ثم نتناول جهود الملك فيصل في إقناع بريطانيا بإعلان الانسحاب من إمارات الخليج
العربي، ثم نوضح جهود الملك فيصل في إزالة الخلافات بين حكام إمارات الخليج العربي
لإعلان الاستقلال، كما نبرز موقفه خلال هذه الجهود ضد الأخطار التي تهدد استقلال
هذه الإمارات ، والتي تمثلت في المطامع الإيرانية ، والخلافات الداخلية، حتى نجح
في تخليص هذه الإمارات – وخصوصاً البحرين – من الادعاءات الإيرانية فيها، ثم كانت
جهوده الكبيرة لإنهاء الخلافات بين حكام الإمارات على الشكل الذي سيكون عليه
استقلالهم، وذلك من خلال المفاوضات التي انتهت بتأييد الملك فيصل لإعلان استقلال
البحرين ، ثم قطر ، ثم دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقد اختتمت هذه الدراسة التي
اتبعت فيها أصول منهج البحث التاريخي بخاتمة استخلصت فيها نتائج هذا البحث، والذي
استعنت في كتابته بمجموعة كبيرة من المصادر العربية والأجنبية ، ما بين وثائق وكتب
وأبحاث ودوريات.
وأسأل الله أن يكون هذا البحث عن
جهود الملك فيصل في استقلال إمارات الخليج العربي إضافة لأبحاث مؤتمر المملكة
العربية السعودية في مائة عام، والذي أشكر كل القائمين عليه تحت قيادة خادم
الحرمين الشريفين ، وولى عهده ، وسمو النائب الثاني، الذين ساروا على الدرب الذي
بدأه المغفور له جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود للحفاظ على وطنهم المملكة العربية
السعودية ومكانتها الكبيرة بين دول العالم.
والله ولى التوفيق ،،
تمهيـــد:
في الرياض ومع بداية استعادة المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود لمجد
آبائه وأجداده في شبه الجزيرة العربية وتأسيس المملكة العربية السعودية، ولد الملك
فيصل في صفر عام 1324هـ/ أبريل 1906م(1)، وكان ترتيبه الثالث لأبيه عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله
بن محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى وإمامها، والذي ينتهي نسبه إلى بني
حنيفة من بكر بن وائل(2)، وأمه طرفه بنت
الشيخ عبدالله بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن الإمام الشيخ محمد بن
عبدالوهاب(3)، ولقد سماه والده فيصلاً نسبة
إلى جده فيصل بن تركي مجدد الدولة السعودية الثانية وإمامها(4).
وكانت نشأة الملك فيصل دينية في المقام الأول ، لأنه عقب مولده بخمسة شهور
توفيت أمه وتولى جده لأمه الشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف رعايته ، فعلمه علوم
القرآن والحديث والتفسير، حتى قيل إنه حفظ القرآن في الثانية عشرة من عمره(5)، ثم أرسله والده إلى البادية في الصحراء ليتعلم من أهلها،
ويعيش معيشتهم الصعبة، فأتقن فيصل – وهو صبى – ركوب الخيل والفروسية ، وكيفية استخدام السلاح ، وفنون الحرب
(6)، ثم كان حرص الملك عبدالعزيز على أن يأخذ ابنه فيصلاً ليحضر
مجالسه مع كبار رجال دولته ومستشاريه ومساعديه، حيث كان فيصل يزداد صقلاً وثقة
وعلماً من هؤلاء الرجال ، حيث تعلم من مُجالسة والده ومنهم الكثير في بداية حياته،
وكانت هذه التربية في نواحيها المختلفة تمثل مدرسة الملك عبدالعزيز والتي تخرج
فيها فيصل ، وقال عنها: "لقد كان والدي عبدالعزيز هو مدرستي ومنارتي التي
أستهدي بها" (7)، فاتخذ فيصل من
والده المثل الأعلى له في كل أمور القيادة ، وتخرج في مدرسته ليصبح أحد الرجال
البارزين في تاريخ المملكة، ومستعداً لتولي المناصب الكبرى ، والمهام الصعبة في
الدولة السعودية.
ولم تكن نشأة الملك فيصل بعيدة عن الأحداث التي مرت ببلاده في مرحلة
تأسيسها، حيث شارك في العديد من تلك الأحداث، ولعل أبرزها، حين أرسله الملك
عبدالعزيز في أول زيارة لأحد أفراد أسرته ليكون ممثلاً عنه في زيارة بريطانيا
وأوربا أواخر 1337هـ/1919م ، واللقاء مع الملك جورج الخامس "George V" (8) ، وحين أسند إليه قيادة الحملة العسكرية التي قامت بضم عسير، حيث تمكن من
دخول عاصمتها أبها في صفر 1341هـ/أكتوبر 1922م(9)، وغيرها من الأحداث حتى كان مشاركاً في دخول الحجاز ومبايعة
والده عبدالعزيز آل سعود ملكاً عليها في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة 1344هـ
للثامن من يناير 1926م (10) ، والذي
أعقبه أمر الملك – بعد أن رأى نجاح فيصل في المهام التي قام بها – أن يصدر قراره
بتعيينه رئيساً لحكومة الحجاز في مكة ، ونائباً للملك في الحجاز في الثامن
والعشرين من جمادى الآخـــرة 1344هـ/الثالث عشر من يناير 1926م (11) ، فكان أول حاكم للحجاز من آل سعود في دولتهم المعاصرة .
ولقد كان ضمن جهاز الحكومة في مكة مديرية الشؤون الخارجية التي ظلت تحت
رئاسة فيصل، إلى أن أصدر الملك عبدالعزيز مرسوماً يقضي بتحويل هذه المديرية إلى
وزارة للخارجية في الثامـــن والعشرين من رجب 1349هـ/ التاسع عشر من يناير 1930م،
وتعيين فيصل أيضاً وزيراً للخارجية السعودية(12)، فكانت أول وزارة، وكان فيصل أول وزير للخارجية في الدولة
السعودية، وظلت في عهدته طوال حياته.
وخلال تلك الرحلة الطويلة – التي ترأس فيها فيصل الشؤون الخارجية
السعودية– استطاع أن يؤدي الدور الكبير مستعيناً بتوجيهات المغفور له جلالة الملك
عبدالعزيز في تأسيس العلاقات الخارجية السعودية مع العديد من دول العالم ، حتى وضع
الأسس التي سارت عليها الدبلوماسية السعودية ، والتي اتضحت في اتجاهاتها الثلاثة
العربية والإسلامية والدولية (13).
ولما كانت العلاقات العربية أحد الاتجاهات الأساسية للعلاقات الخارجية
السعودية فإن الدبلوماسية السعودية عملت على التقارب مع البلاد العربية ، وحملت
على كاهلها الوقوف بجانب كل القضايا العربية بصفة عامة، وحرصت على علاقات الجوار
بصفة خاصة ، وبرز منها علاقاتها مع إمارات الخليج العربي( البحرين وقطر وأبو ظبي
ودبي والشارقة ورأس الخيمة والفجيرة وأم القوين وعجمان )، ولعل ذلك يرجع لعوامل
عدة – إذا تركنا منها العامل الجغرافي – حيث تقع هذه الإمارات مع سلطنة عمان
والكويت على حدود المملكة العربية السعودية ، وأنهم جميعاً جزء من شبه الجزيرة
العربية ، فإننا نجد أهمها الترابط الأسري، حيث الارتباط الوثيق سواء أكان ذلك بين
القبائل التي تعيش في هذه المنطقة أم بين الأسر الحاكمة عليها (14).
وإذا كانت بريطانيا قد استطاعت فرض سيطرتها على منطقة الخليج العربي منذ
القرن الثالث عشر الهجري / مطلع القرن التاسع عشر الميلادي ، باتفاقيات عدّة بداية
من سلطنه عمان جنوباً حتى الكويت شمالاً مروراً بإمارات الخليج العربي الأخرى (15) ، فإنها عملت على استمرار هذه السيطرة ، وإبراز كيان هذه
المشيخات ، وتحويلها إلى إمارات في القرن الرابع عشر الهجري / مطلع القرن العشرين
الميلادي ، ولعله من الثابت أن الملك عبدالعزيز آل سعود قد ساعد في تلك الفترة
أيضاً على إبراز كيان هذه الإمارات ، خاصة من خلال المعاهدات التي عقدتها الدولة
السعودية مع بريطانيا ، وأهمها معاهدة جدة
(16)، التي وقعها فيصل نيابة عن والده مع الجانب البريطاني في عام
1345هـ/1927م، وأكدت الاعتراف بهــــذه الإمارات و على علاقات الـــود معها (17)، مما أكد بدوره لحكام هذه الإمارات عدم وجود أية مطالب
سعودية في أراضيها ، وأدى إلى احترامهم الملك عبدالعزيز والدولة السعودية.
ولقد حرصت المملكة العربية السعودية على العلاقات الودية مع إمارات الخليج
العربية خلال فترة الوجود البريطاني في الخليج العربي ، وعلى الرغم من أن ظهور
النفط في هذه المنطقة ما بين الحربين العالميتين ، قد أدى إلى إيجاد نوع من
التنازع على الأراضي الواقعة بينهما ، فإن المملكة العربية السعودية – ومن واقع
حرصها على جيرانها – قد خاطبت بريطانيا – صاحبة النفوذ – في مسألة تحديد الحدود
بين الجانبين ، وذلك منذ الرسالة التي بعثها فيصل بن عبدالعزيز آل سعود وزير
خارجية المملكة العربية السعودية إلى الوزير البريطاني(بولارد Bullard)عام 1356هـ/1937م (18)، وبسبب الوجود البريطاني ظلت هذه المسألة معلقة بين الجانبين
، تتأرجح بين المفاوضات السلمية التي شارك فيها فيصل والوصول إلى حافة النزاع
المسلح (19) ، حتى تم تسوية هذه المسائل فيما
بينهم بالطرق الودية ، وخاصة عقب نمو حركة الاستقلال التي سادت العالم بعد الحرب
العالمية الثانية ضد الدول الاستعمارية، ومع ذلك فلم تستطع هذه المسألة أن تمنع
العلاقات الودية والمواقف السعودية بجانب القضايا القومية التي واجهت إمارات
الخليج العربي مثل الادعاءات الإيرانية في البحرين .
وهكذا على الرغم من الوجود البريطاني في الخليج العربي فإن العلاقات
الطيبة ظلت سائدة بين المملكة العربية السعودية وإمارات الخليج العربي حتى بدأت
رياح الاستقلال تهب على هذه المنطقة المهمة من العالم.
الملك فيصل وجهوده في إعلان الانسحاب البريطاني من
إمارات الخليج العربي:
تولى الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود مقاليد الحكم في المملكة العربية
السعودية يوم الاثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة عام 1384هـ/الثاني من
نوفمبر عام 1964م (20) ، وقد قوبل ذلك
بارتياح شديد داخل وخارج المملكة العربية السعودية ، لما يتمتع به الملك فيصل من
شخصية قوية ومؤثرة وخبرة طويلة في معترك السياسة أكسبته ثقلاً هائلاً على الساحة
العالمية ، وأدت إلى بروز الدور السعودي جلياً على مسرح الأحداث السياسية العربية
والإسلامية والدولية.
وكان على الملك فيصل عقب توليه عرش المملكة العربية السعودية أن يوضح
اتجاهات سياسة بلاده الداخلية والخارجية، وهو ما تناوله في خطاب البيعة ، وتمسك من
خلاله بالمبادئ التي وضعها مؤسس المملكة المغفور له جلالة الملك عبدالعزيز آل
سعود، وقال عن سياسته العربية : إن من أهداف سياستنا الخارجية التعاون إلى أقصى
الحدود مع الدول العربية، والسعي إلى تحرير جميع أجزاء الوطن العربي التي لا تزال
تحت الاستعمار"(21).
فأوضح بهذه الكلمات أن بلاده تهدف من وراء سياستها العربية إلي التعاون مع
الدول العربية، والوقوف بجانب البلاد التي مازالت تحت الاستعمار حتى تستطيع الحصول
على استقلالها ، وهو مبدأ سارت عليه سياسة المملكة العربية السعودية.
وفي تلك الفترة التي كان الملك فيصل يتحدث فيها عن السعي لتحرير الوطن
العربي كانت إمارات الخليج العربي (البحرين وقطر وأبو ظبي ودبي والشارقة ورأس
الخيمة والفجيرة وأم القوين وعجمان) ضمن البلاد العربية التي لم تحصل على
استقلالها ، ولما كانت رياح الاستقلال قد هبت على الخليج العربي منذ حصلت الكويت
على استقلالها عام 1381هـ/1961م (22) ، وما تلاه
من موقف سعودي مشرّف للحفاظ على هذا الاستقلال أمام الادعاءات العراقية في تلك
الفترة (23) ، قد جعل إمارات الخليج العربي تزيد من تقديرها
للمملكة العربية السعودية في محاولة التصدي للأخطار التي تحيط بهم على أمل السير
على طريق الاستقلال .
وكانت المملكة العربية السعودية سباقة في الحفاظ على كيان هذه الإمارات ،
مثلما حدث مع البحرين عندما تعرضت للادعاءات الإيرانية عام 1377هـ/1957م ، فأصدرت
المملكة بياناً أكدت فيه أن البحرين بلد عربي مستقل تحت حكم آل خليفة ، ولهم حق
تقرير المصير بمعرفتهم (24) ، وعقدت
مباحثات مباشرة مع حكومة البحرين دون الاستعمار البريطاني لتحديد الحدود معها ،
باعتبار أنها دولة ليست تابعة لأحد ، مما دعم موقف البحرين ضد الادعاءات الإيرانية
فيها .
وحينما تولى الملك فيصل أراد التأكيد على استقلالية إمارات الخليج العربي
للضغط على بريطانيا لتوجيه نظرها نحو اهتمامه بمسألة استقلال هذه الإمارات ، في
الوقت الذي زادت تطلعات حكام تلك الإمارات للملك فيصل لما يتمتع به من مكانة كبيرة
، وما أبداه من مساعدة لهم واهتمام بكل شؤون الخليج العربي ، ولعل من مظاهر
الاستقلالية التي أضفاها الملك فيصل على إمارات الخليج تلك التي وضحت بداية من
مراسم الاستقبال، حيث كان يحرص على استقبال حكام هذه الإمارات كاستقبال رؤساء
الدول، ويعقد معهم الاجتماعات الرسمية ، وهو ما كانت تتحفظ عليه السلطات
البريطانية (25) .
وحرص الملك فيصل أيضاً على توطيد العلاقات مع هذه الإمارات دون الرجوع
للسلطات البريطانية ، وهو ما حدث مع إمارة قطر مثلاً حين قام باستقبال حاكمها
الشيخ أحمد بن على آل ثاني في الرياض ، وعقد معه مباحثات انتهت بتوقيع اتفاقية
لتحديد الحدود بينهما على أساس من الأخوة العربية والسيادة لكل من المملكة العربية
السعودية وقطر وهي اتفاقية عام 1385هـ/1965م (26).
وحينما وجد
تشابك الأمور مع بعض إمارات الخليج العربي حول مسائل الحدود بسبب تزايد النفوذ
البريطاني، ترك هذه المسائل جانباً لإيمانه بأنها مسألة داخلية سيتغلب عليها مع
حكام هذه الإمارات بعيداً عن التسلط البريطاني ، الذي كان يعوق كل تقارب بينهم
خوفاً على مصالحه.
وبدأ الملك فيصل يبذل جهوده للضغط على بريطانيا لحثها على ضرورة منح
الاستقلال لإمارات الخليج العربي، بعدما أعلنت الحكومة البريطانية في عام
1386هـ/1966م عن عزمها الانسحاب من عدن في جنوب شبه الجزيرة العربية خلال عام
1388هـ/1968م ، وقد بدأ ذلك واضحاً من خلال أحاديثه وتصريحاته التي كانت تتناول
قضايــــا المنطقــــة(27) ، ولقد كثف
الملك فيصل جهوده لإقناع بريطانيا أثناء
زيارته لها في محرم 1387هـ/مايو 1967م ، والتي كانت أول زيارة لمـلك سعودي
لبريطانيـــا(28) .
وخلال مباحثاته مع الحكومة البريطانية أكد لرئيس الوزراء (ويلسون Willson ) على ضرورة الانسحاب البريطاني ،
ومنح الاستقلال لإمارات الخليج العربي ، ووضع ترتيبات للأمن فيها لضمان سلام منطقة
الخليج العربي بعد الانسحاب البريطاني من عدن(29).
ولعل هناك بعض الظروف التي حدثت بالمنطقة قد ساعدت على استمرار الملك فيصل
في الضغط على بريطانيا ومن بينها: شعور العرب بالمرارة من الموقف البريطاني أثناء
الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة في صفر 1387هـ/ يونيو (حزيران)1967م ، وهو
الاستياء العربي العام الذي جعل من الوجود البريطاني على الأراضي العربية أمراً
غير مستحبٍ ولا يخدم المصالح البريطانية في المنطقة ، والذي ساعد على نمو الحركات
الوطنية المناهضة للاستعمار البريطاني ، مما عجّل بالانسحاب البريطاني من عدن قبل
موعده وإعلان قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في الثامن والعشرين من شعبان
1387هـ/الثلاثين من نوفمبر 1967م(30) ، فزادت خشية
بريطانيا ومعها الولايات المتحدة من امتداد هذه الحركات نحو الخليج العربي خوفاً
على مصالحهما بالمنطقة .
وكان الملك فيصل قد طلب من الولايات المتحدة أيضاً – حرصاً على مصالحها –
أن تساعد في الضغط على بريطانيا والتفاهم مع المملكة العربية السعودية في المسائل
الخاصة باستقلال إمارات الخليج العربي (31) .
وفي تلك الأثنــاء التي كان الملك فيصل يوالى ضغوطه على بريطانيا من أجل
استقلال إمارات الخليج العربي، اتضح للحكومة البريطانية مدى المتغيرات السياسية
والاستراتيجية التي أخذت تجتاح العالم ، واقتنعت بريطانيا بأنها وحدها لم تعد
تستطيع أن تتحمل مسألة الدفاع عن المصالح الغربية في المنطقة ، وأنها لابد أن
تحافظ على الحد الأدنى من مصالحها ، وما تبقى لها من علاقات ودية مع حكام المنطقة (32) .
وعلى الرغم من أهمية منطقة الخليج العربي للمصالح الغربية بصفة عامة
والبريطانية بصفة خاصة– والتي أكدت عليها كل الحكومات والتقارير المقدمة للخارجية
البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية(33)– إلا أن الحكومة البريطانية وجدت نفسها وأمام تلك الظروف والضغوط المحيطة
بها مضطرة لاتخاذ قرارها الذي أعلنه رئيس وزرائها ويلسون في السادس عشر من شوال
1387هـ/السادس عشر من يناير 1968 م بالانسحاب من منطقة الخليج العربي في عام
1391هـ/1971م (34)، والذي يقول عنه ويلسون :
"أنه يعدّ جزءاً من الإستراتيجية الشاملة لحلف الأطلنطي ، الذي حدد لبريطانيا
دوراً يتمثل في الدفاع عن وسط أوربا وحوض المتوسط"(35)، وهو القرار الذي أخبر به الملك فيصل قبيل إعلانه رسمياً ،
وذلك عن طريق مبعوث وزارة الخارجية البريطانية الذي زار الرياض في العاشر من يناير(36).
وهكذا كانت جهود الملك فيصل أحد العوامل المهمة أمام الحكومة البريطانية
لإعلان موعد الانسحاب واستقلال إمارات الخليج العربي، وهو القرار الذي رأت
بريطانيا من ورائه أنها تعمل على استعادة شيء من مركزها المعنوي في العالم العربي
بتخليها عن منهجها الاستعماري في هذه المنطقة(37).
ومن ثم جاء هذا القرار البريطاني مقدمة لاستقلال إمارات الخليج العربي عمل
الملك فيصل على الوصول إليها ، وحثّ إمارات الخليج العربي للبحث عن شؤونها خوفاً
من الأخطار التي تهددها خصوصاً من جانب إيران وضماناً لسلام منطقة الخليج العربي.
الملك فيصل ومفاوضات الاتحاد بين إمارات الخليج العربي لإعلان
الاستقلال :
صدر القرار البريطاني ومنطقة الخليج العربي تمر بفترة هدوء وترقب للأوضاع
المحيطة بها ، ومصاحباً لبداية فترة تقارب في العلاقات السعودية الإيرانية ، أكدت عليه
الزيارة التي قام بها الملك فيصل لإيران في الخامس عشر من شعبان 1385هـ/الثامن من
ديسمبر 1965م، والتي نقلت العلاقات بين الدولتين إلى مرحلة العلاقات المباشرة ،
وأعطتها مزيداً من التقارب لم تشهد له مثيلاً من قبل(38).
ولما كانت إيران تشكل خطراً من الأخطار التي تهدد إمارات الخليج العربي
لما لها من مطامع في البحرين والجزر العربية في مياه الخليج العربي ، فإن حكام هذه
الإمارات قد اتجهت أنظارهم إلى الملك فيصل لمساعدتهم .
ولقد كانت المملكة العربية السعودية مؤهلة لمواجهة الموقف، ومساعدة إمارات
الخليج العربي بحكم موقعها بالنسبة لهذه الإمارات، فهي الدولة الخليجية الكبرى ،
وصاحبة أطول سواحل على الخليج العربي في مواجهة إيران، وذات المكانة الكبيرة
بالنسبة للأمة العربية والإسلامية ومكانتها الاقتصادية الهائلة في العالم ، وكانت
شخصية الملك فيصل قد أخذت تبرز بصورة كبيرة على المستوى العربي والإسلامي والدولي،
خاصة بعد دعمه لدول المواجهة مع إسرائيل، وقيامه بالدعوة للتضامن الإسلامي بين
الدول الإسلامية ، وقيادة المملكة لدول النفط ، بالإضافة إلي ذلك نلاحظ أن
الولايات المتحدة وبريطانيا قد عملتا على تعزيز دور الملك فيصل من أجل الحفاظ على
استقرار هذه المنطقة ، ثم مبايعة الدول العربية له ، خصوصاً مصر التي انشغلت
باحتلال إسرائيل لأراضيها ، حيث أبلغت الملك فيصلاً بأنها تؤيده في أي خطوة يتخذها
للحفاظ على استقلال الخليج وعروبته (39) ، من هنا أصبح على الملك فيصل أن يبذل جهوده مع حكام إمارات
الخليج العربي للبحث عن طريق الاستقلال لهذه الإمارات .
وبدأت المفاوضات التمهيدية للبحث عن مستقبل الخليج العربي بين أهله ، وبدأ
الملك فيصل في استقبال حكام إمارات الخليج العربي ، ففي اليوم التالي للإعلان
البريطاني استقبل الملك فيصل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة حاكم البحرين في السابع
عشر من شوال 1387هـ/السابع عشر من يناير 1968م ، وفي الرياض دارت المباحثات بينهما
حول القرار البريطاني وكيفية مواجهة الموقف (40) ، في الوقت الذي كانت تجرى فيه مفاوضات أخرى بين الشيخ زايد
بن سلطان آل نهيان حاكم أبو ظبي الذي بادر بلقاء الشيخ راشد بن سعيد المكتوم حاكم
دبي العائد من زيارة الملك فيصل في الرياض أيضاً(41).
وفي دبي أصر الجانبان على ضرورة الوصول إلى بداية الطريق نحو المستقبل
للحفاظ على أرض الخليج لأهله كما أكد ذلك الملك فيصل للشيخ راشد ، فكان اتفاق
الحاكمين على إقامة اتحاد فيدرالي بين إمارة أبو ظبي وإمارة دبي ليكون نواة لاتحاد
يضم كل إمارات الخليج العربي الأخرى ، وأعلن هذا الاتفاق في التاسع عشر من ذي
القعدة 1387هـ/الثامن عشر من فبراير 1968م (42).
وعقب صدور اتفاق دبي وجه الشيخ زايد والشيخ راشد الدعوة لبقية حكام إمارات
الخليج العربي الأخرى البحرين وقطر والشارقة ورأس الخيمة والفجيرة وأم القوين
وعجمان ، واجتمع حكام الإمارات التسعة في دبي من السادس والعشرين إلي الثامن
والعشرين من ذي القعدة 1387هـ/الخامس والعشرين إلى السابع والعشرين من فبراير
1968م ، وأكد هذا الاجتماع على ضرورة إدراك الأخطار التي تحيط بالمنطقة وأهمية
الوصول إلى ما يضمن مستقبل بلادهم ، فكان توقيعهم على إعلان اتفاق دبي لقيام اتحاد
الإمارات العربية (43) .
ولما كان الملك فيصل قد اتفق في مباحثاته مع حكام إمارات الخليج العربي
على اتخاذ خطوات لضمان مستقبل إمارات الخليج العربي ، والوصول إلى الاستقــلال ،
فقد أعلن تأييد المملكة العربية السعودية لهذا الاتحاد ، وكذلك الحكومة البريطانية
التي كانت تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة للعمل على استقرار الأوضاع في منطقة
الخليج العربي(44)، بينما كان أول المعارضين له
حكومة الشاه في إيران، والتي رفضت مثل هذا الاتحاد لأنه يضم البحرين وهى لا تقبل
انضمامها لأي اتحاد عربي(45).
ونظراً لهذه الأطماع الإيرانية التي بدأت تظهر في إحدى إمارات الخليج
العربي ، كان على الملك فيصل والدبلوماسية السعودية أن تؤدي دورها لمواجهة الموقف
، خصوصاً وأنه عقب صدور إعلان دبي ظهرت الخلافات أيضاً بين حكام الإمارات العربية
التسع ، مما أدى إلي توافد بعض هؤلاء الحكام إلى الرياض من أجل قيام الملك فيصل
ببذل جهوده لنزع فتيل هذه الخلافات ، وقد وضح ذلك أثناء المباحثات التي أجراها معه
كل من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبو ظبي والذي كان حريصاً على إتمام
الاتحاد ، والسير به إلى الطريق الصحيح الذي يضمن استقلال أراضى إمارات الخليج
العربي ، وكذلك الشيخ أحمد بن على آل ثاني حاكم قطر ، وذلك في الفترة من الأول إلى
الثالث من محرم 1388هـ/ الثلاثين من مارس إلى الأول من أبريل 1968م ، حيث اتفق
الملك فيصل معهما على ضرورة تسوية الخلافات التي ظهرت بين الحكام من أجل اتحاد
إمارات الخليج العربي(46).
ولما كانت إيران قد أعلنت معارضاتها لمثل هذا الاتحاد ، فإن الملك فيصلاً
رأى وقبل التحرك نحو الإمارات ضرورة التنسيق مع دولة الكويت بصفتها دولة خليجية
شقيقة مستقلة ، تربط الأسرة الحاكمة بها صلات قوية مع حكام إمارات الخليج العربي ،
ولذلك قام الملك فيصل بزيارة الكويت في العاشر من محرم 1388هـ/الثامن من أبريل
1968م، واتفق مع الشيخ صباح السالم الصباح أمير دولة الكويت على دعم الإمارات
العربية، وضرورة تسوية الخلافات التي تعوق الاتحاد ، ومواجهة الأخطار التي تهددهم(47) ، وأوضح أمير الكويت للملك فيصل أن بلاده لا تستطيع مجابهة
الموقف الإيراني ، ولكنها ستربط كل تحركاتها في الخليج العربي بالسياسة السعودية ،
للعمل على إتمام قيام اتحاد بين إمارات الخليج العربي (48) ، فكان التنسيق بين البلدين المملكة العربية السعودية
والكويت بداية الجهود التي قادها الملك فيصل لتصفية الخلافات بين إمارات الخليج ،
والسير بها نحو طريق الاستقلال .
ولمّا اتضح أن ما يهدد إمارات الخليج العربي هو الخلافات التي بدأت تظهر
بينها عقب اتفاق دبي ، ومعارضة إيران لهذا الاتحاد الذي يضم البحرين ، فقد بدأ
الملك فيصل بالتحرك على الناحيتين : الإماراتية لمحاولة إنهاء الخلافات عن طريق
توجيهاته للوساطة السعودية الكويتية بين الإمارات العربية ، ولعله قد توصل مع
الشيخ زايد إلى ضرورة استمرار المفاوضات بين حكام الإمارات ، لأنه عقب عودة الشيخ
زايد إلى أبو ظبي وجه الدعوة لحكام الإمارات للاجتماع مرة أخرى في الثاني والعشرين
من صفر 1388هـ/الخامس والعشرين من مايو 1968م ، وسبق الاجتماع بيومين تصريح للملك
فيصل جدد فيه تأييده للاتحاد وتأييد الولايات المتحدة أيضاً ، حيث قال : " لن
يسبب انسحاب بريطانيا أي فراغ في المنطقة مادامت الفيدرالية قائمة( يقصد اتحاد
الإمارات العربية التسع) ، وتتمتع بدعم الولايات المتحدة الأمريكية ودعم جيرانها ،
وفيما يعنينا نحن نؤيدها بدون تحفظ " (49) ، والملك فيصل في هذا التصريح يعطى دفعة لحكام الإمارات
العربية بإعلان تأييده ليحثهم على الاتفاق ، ويبعد عنهم شبح الأخطار المحيطة خاصة
من إيران بإعلان دعم الولايات المتحدة للاتحاد .
وفي خلال اجتماع حكام الإمارات التسع في أبو ظبي لبحث الخلافات التي تعوق
تنفيذ اتفاقية الاتحاد ، ظهر التنافس بين أبو ظبي وقطر ، حيث أعد وفد أبو ظبي مشروع جدول الأعمال يتضمن دراسة الخطوات
اللازمة لإعداد الميثاق الكامل للاتحاد حسب نص الاتفاقية (50)، أما قطر فبدت وكأنها تأخذ بزمام المبادرة في المفاوضات حيث
تقدمت بمذكرة تدعو لاتخاذ الخطوات
التأسيسية مباشرة ، وانتخاب رئيس للاتحاد ، واختيار العاصمة الاتحادية وتشكيل مجلس
وزراء اتحادي (51) ، ولكن عند بحث هذه المقترحات لم تجد التأييد من كل الحكام
الذين وجدوا فيها أن قطر تريد القيام بدور قيادي في الاتحاد ، ولعل ذلك نابع من
شعور قطر بأنها مؤهلة للقيام بالدور القيادي بوصفها الإمارة غير المتنازع عليها ،
حيث لا توجد مسألة تسوية حدود في أراضيها كما هو الحال بالنسبة للبريمي بين
السعودية وأبو ظبي ، ولا ادعاءات إيرانية عليها كما هو الحال بالنسبة للبحرين ،
ولا مشكلة جاليات إيرانية كما هو الحال بالنسبة لدبي(52).
وانتهى اجتماع أبو ظبي ببيان أعلن فيه أن هناك خلافاً حول الطرق الكفيلة
بتنفيذ اتفاق دبي(53)، مما يعنى استمرار الخلافات ، ومعها أحس الجميع
بالأزمة وقام الملك فيصل بالتوسط بينهم مرة أخرى وإرسال مبعوثيه إليهم ، وعاد
الاجتماع للانعقاد في أبو ظــــــبي بدعوة أخرى من الشيخ زايد في العاشر والحادي عشر
من ربيع الآخر 1388هـ/ السادس والسابع من يوليو 1968م(54)، والذي استمرت معه بعض الخلافات أيضاً ، مما دعا الشيخ زايد
إلى تأجيل الاجتماع لفترة حتى يتم تقريب وجهات النظر ، للتوصل إلى اتفاق حول تنفيذ
إعلان دبي مع استمرار جهود الملك فيصل بالوساطة السعودية الكويتية بين حكام
الإمارات.
ومن الناحية الأخرى بدأ الملك فيصل يعمل على احتواء موقف إيران نحو إمارات
الخليج العربي، والتي جددت معارضتها بشدة لأي اتحاد يضم البحرين(55)، وقد سار لذلك باتجاهين : الأول توضيح موقف الدول الكبرى مرة
أخرى ، حين صرح: " بأن الولايات المتحدة كدولة كبرى يمكن أن تملأ الفراغ
البريطاني ، وأنها تساند قيام اتحاد للإمارات العربية " (56)، وفي ذلك إشارة ثانية إلى إيران باهتمام الولايات المتحدة ،
وتأييدها لسياسته نحو الإمارات العربية الخليجية.
أما الاتجاه الثاني فقد كان الملك
فيصل يدرك مدى الأطماع الإيرانية في الخليج ، وأنها لا تهدف إلى السيطرة على
البحرين فحسب ، بل تمتد إلى الشاطئ العربي للخليج، فرأى أن أفضل الطرق لمواجهة تلك
الأطماع الإيرانية هو العمل على جذب إيران نحوه ، مستغلاً العلاقات السعودية
الإيرانية الطيبة في تلك الفترة ، والتي أدرك خلالها أهمية التقارب العربي
الإيراني ، ولتحقيق هذا الغرض كان الملك فيصل قد أعلن في صفر 1388هـ/مايو 1968م
تصريحاً قال فيه : " أنه على الدول العربية حفظ الاستقرار السياسي في الخليج
، وأن لإيران مصالح في الخليج كما للعرب مصالحهم أيضاً ، وسيحافظ العرب على مصالحهم كما ستحافظ إيران
على مصالحها " (57) .
ولقد أكد الملك فيصل من خلال هذا التصريح على ثلاث نقاط مهمة: الأولى
مسؤولية الدول العربية تجاه استقرار منطقة الخليج العربي (ولعل هذا ما أكدته
الأحداث التي مازالت دول المنطقة تعيشها إلي الآن)، والثانية: أنه وضع مصالح العرب
بجانب مصالح إيران في الخليج العرب، (مما يعد اعترافاً بواقع وهو الدور الإيراني
في الخليج العربي)، أما الثالثة: فنلاحظ أن الملك فيصلاً قد استخدم في تصريحه هذا
لفظ "الخليج" فقط بدون أن يذكر الصفة التالية له، سواء العربي أو
الفارسي (وهو هنا يستخدم خبرته السياسية، فنجده من خلال هذا يخاطب عواطف
الإيرانيين تجنباً لحدوث أي توتر من التسمــــية، لأن ذلك كان يسبب للإيرانيين
والشاه نوعاً من الانزعاج والتوتر مع جيرانهم )، وكان محل خلاف طويل بين الجانبين
العربي والفارسي ، وكان دائماً مثار احتجاج إيراني مستمر(58).
ولقد وجد تصريح الملك فيصل ترحيباً في الأوساط الإيرانية ؛ لأنه كان
بمثابة اعتراف بمصالح إيران في الخليج العربي ، مما أدى إلى مزيد من التقارب في
العلاقات السعودية الإيرانية ، خصوصاً بعدما أدركت المملكة العربية السعودية
وإيران أن الصراع على الزعامة في الخليج العربي بينهما قد يؤدى إلى تدهور الأنظمة
المعتدلة المماثلة لهما، ووقوعها تحت تأثير النفوذ الشيوعي ، فكان لا بد من
التعاون بين الدولتين لصالح مستقبل إمارات الخليج العربي .
ومن أجل هذا الغرض استمر الملك فيصل بالعمل على إزالة أي عقبات تعوق
التعاون بين المملكة العربية السعودية وإيران في تلك الفترة الحرجة التي تمر بها
إمارات الخليج العربي ، ولما كانت هناك بعض المسائل بين الدولتين مثل مسألة تحديد
الحدود البحرية بينهما في مياه الخليج العربي ، وملكية بعض الجزر أيضاً خصوصاً
جزيرتي "عربية" و "
فارسي" ، والتي سبق للمقيم البريطاني في الخليج العربي عام 1356هـ/ 1936م أن
طالب حكومته البريطانية ، بتحديد السيادة عليها حين وجد أن هذه الجزر مباحة لأي
طرف في الخليج العربي (59) ، فإن الملك
فيصل وجد الفرصة سانحة لتسوية هذه المسائل عن طريق مفاوضات عدة جرت بين الجانبين
السعودي والإيراني في شعبان 1388هـ/أكتوبر– نوفمبر 1968م ، توجت بزيارة شاه إيران
للمملكة العربية السعودية حيث تم الاتفاق
على تسوية الحدود البحرية في مياه الخليج العربي ، وفيما يتعلق بالجزر اتفق
الجانبان على أن تأخذ المملكة العربية السعودية جزيرة " عربية " وتأخذ
إيران جزيرة " فارسي" (60) ، وهى
الجزيرة التي ضحى بها الملك فيصل في سبيل الاستقرار في الخليج العربي ، لأن الوضع الجغرافي للجزيرتين أقرب لسواحل المملكة العربية
السعودية من ساحل إيران ، كما أشارت إلى ذلك إحدى الوثائق البريطانية(61).
ولكن الملك فيصلاً رأى من وراء ذلك المحافظة على استقرار الأمور لإمارات
الخليج العربي بصفة عامة وإمارة البحرين بصفة خاصة ، لأنه استطاع خلال هذه
المباحثات مع الشاه أن يقنعه بالتخلي نهائياً عن مطامعه في البحرين ، مقابل
استمرار التعاون بينهما من أجل مصلحة الخليج العربي والدفاع عن شؤونه(62).
وقد أكد شاه إيران على صدق اتفاقه مع الملك فيصل حين قال: "نحن على
استعداد من أجل تحقيق الاستقرار بالمنطقة ، أن نجعل المطالب الإيرانية بالبحرين
تموت دون ضجيج"(63)، وأكد ذلك أيضاً في
تصريحه الذي أطلقه من الهند حين قال: "إننا حين يتعين علينا أن نتفاهم مع
الملك فيصل على اعتبار أن البحرين إمارة عربية ، فإنه يجب علينا إقناع شعبنا بأن
هناك ظروفاً دولية أملت هذا التغيير"(64).
ولعل هذا التصريح يعد اعترافاً من شاه إيران بعروبة البحرين ، وهو ما سعى
إليه الملك فيصل ، وأوصله إليه خلال مباحثاته معه ، التي أكدت على ترك السلطة في
إمارات الخليج العربي في أيدي أصحابها ذوي
الأنظمة المشابهة لهم خوفاً من ظهور عناصر أخرى (65) .
وهكذا نجح الملك فيصل بالدبلوماسية الهادئة في إقناع الشاه بالتخلي عن
أطماعه في البحرين، ليزيح من أمام إمارات الخليج العربي أحد الأخطار المهمة التي
كانت تهدد إقامة أي اتحاد بين هذه الإمارات ، وأصبح الطريق أمام حكام هذه الإمارات
مفتوحاً لاستمرار المفاوضات بينهم للقضاء على الخلافات التي ظهرت لإتمام اتفاق دبي ، والسير على طريق الوحدة
وصولاً إلى الاستقلال .
وفي الوقت الذي كان فيه الملك فيصل يخلص إمارات الخليج العربي من التهديد
الخارجي الذي يعوق اتحادها ، كان حكام الإمارات العربية في اتصالات مستمرة مع جهود
الوساطة السعودية الكويتية بتوجيهات الملك فيصل لحل الخلافات فيما بينهم وحرصاً
على بلادهم ومستقبلهم ، حيث إنهم في أثناء المفاوضات السعودية الإيرانية وأثناء
زيارة الشاه للملك فيصل ، كانوا في اجتماعات مستمرة بين الدوحة والشارقة ركزت على
النواحي الجانبية من الاتحاد ، كدراسة الأحوال الاقتصادية ، ومسألة تكوين قوة
دفاعية للاتحاد ، حتى توصلوا إلى عقد
الاجتماع الثالث بينهم على مستوى حكام الإمارات بعد اجتماعي دبي وأبو ظبي ، وعقد
هذه المرة في الدوحة بإمارة قطر من الثالث والعشرين إلى السابع والعشرين من ربيع
الأول 1389هـ/العاشر إلى الرابع عشر من مايو 1969م ، وفي هذه المرة ناقش المجلس
الأعلى الاتحادي مقترحات عديدة من بينها اختيار رئيس للاتحاد ونائب ينتخبان من بين
أعضائه ، ويستبدل بالمجلس الاتحادي المؤقت مجلس وزاري ، وتشكيل لجنـــة لوضع مشروع
الدستور المؤقت للاتحاد(66)، ومع هذا فقد
استمرت نقاط الخلاف ، وانحصرت هذه المرة في اختيار عاصمة مؤقتة للاتحاد وطريقة
تشكيل المجلس الاستشاري للاتحاد ، ومرة أخرى استمرت الخلافات في وجهات النظر بين حكام
الإمارات التسعة لأن غالبية الوفود لم ترحب باختيار عاصمة إحدى الإمارات لتكون
عاصمة للاتحاد(67).
واعتبر المراقبون أن هذه الدورة قد انتهت بالفشل أيضاً ، وشعر الحكام بسوء
تأثير ذلك على دور الوساطـــة الســــعودية الكويتية المتحمستين للاتحاد، لذلك
سارع ممثلو كل من البحرين وقطــر وأبو ظبي بالتردد على الرياض والكويت،وشرح
أسبــاب الخــلاف(68)، مما يعنى حرص حكام
إمارات الخليج العربي على استمرار جهود الملك فيصل، والتأكيد على أهمية دوره في
إنهاء الخلافات بينهم.
وقد أوضحت زيارات حكام ووفود إمارات الخليج العربي للرياض في تلك الفترة – والتي كان آخرها
زيارة حاكم رأس الخيمة (69)– مكانة الملك فيصل البارزة بين الشيوخ الذين أبدوا تجاوباً مع
سياسة المملكة العربية السعودية ، باعتبار أنها الضمان لخروج الاتحاد وتقدمه ،
ليكون أحد عوامل الاستقرار في المنطقة(70) ، وقد أثمرت جهود الملك فيصل هذه المرة حيث تم الاتفاق بين حكام الإمارات
على عقد الاجتماع الرابع في أبو ظبي شعبان 1389هـ/ أكتوبر 1969م (71) ، في جو كانت تحيطه ظروف ضرورية لنبذ الخلافات ، منها اقتراب
موعد انسحاب القوات البريطانية من الخليج العربي ، والضغط السعودي والبريطاني لإتمام
الاتحاد ، وحملة الصحافة الإيرانية على الاتحاد ، بالإضافة إلى ضغط الرأي العام
المحلى والعربي ، ولهذا أعرب الشيخ زايد في بداية اجتماعات الحكام في أبو ظبي عن
أمله هذه المرة في تخطي الصعوبات ، وأن يحقق هذا المؤتمر نجاحاً أكبر من سابقيه ،
وبالفعل تم الاتفاق على قرارات عدة أهمها انتخاب الشيخ زايد رئيساً للاتحاد لمدة
سنتين ، واختيار أبو ظبي لتكون عاصمة مؤقتة للاتحاد إلى أن تبنى عاصمة جديده له،
والعمل على تشكيل أول وزارة اتحادية ، وإسناد رئاستها إلى الشيخ خليفة ابن حمد آل
ثاني ولى عهد قطر (72) .
وفي آخر أيام الاجتماع وبعد اقتراب المؤتمر من نجاحه قبيل التوقيع على
البيان الختامي، فوجئ الجميع بخروج حاكم قطر وحاكم رأس الخيمة من الاجتماع،
احتجاجاً على دخول المعتمد البريطاني قاعة الاجتماع لحث الحكام على الاتفاق (73) .
وقد أدى رفض الحاكمين ومعهما حاكم دبي على توقيع البيان الختامي إلى تعطيل
إعلان الاتحاد رسمياً (74) ، ورغم هذه
النهاية فقد أصدر الشيخ زايد بياناً أعلن فيه استئناف اجتماع الحكام بعد أسبوعين ،
ولكنه لم يعقد في الموعد المحدد نظراً لهذه الخلافات ، ولم يقدر لمجلس الحكام
التسعة أن ينعقد بعد ذلك ، وكل ما تحقق هو اجتماع لنواب الحكام لدراسة ميزانية
الاتحاد في ربيع الآخر 1390هـ/ يونيو 1970م ، في الوقت الذي بدأت فيه بوادر اتجاه
البحرين وقطر إلى إعلان استقلالهما دولاً قائمة بذاتها (75) .
ومع ذلك فقد استمرت جهود الملك فيصل من أجل الاتحاد بين إمارات الخليج العربي
التسع حتى تحصل على استقلالها، وتصبح دولة واحدة تستطيع حفظ الاستقرار والسلام في
منطقة الخليج العربي، وهو نفس الموقف الذي كانت تؤيده الحكومة البريطانية ، والذي
أعلنه مبعوث وزير الخارجية البريطاني لإمارات الخليج العربي حيث أكد أن سياســــة
حكومتـه تدعم اتحاد الإمارات العربية التسع لتأمين الاستقرار في المنطقة(76)، ولما كان قد بدأ عام 1391هـ/1971م وهو العام المحدد
للانسحاب ، فإن الملك فيصلاً رأى ضرورة القيام بمحاولة أخيرة لإزالة الخلافات أمام
الاتحاد التساعي، وعلى الرغم من اتخاذ البحرين وقطر إلى بعض الإجراءات والتنظيمات
نحو الاستقلال، إلا أن الملك فيصلاً أرسل صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن
عبدالعزيز آل سعود مستشاره الخاص إلى أمير دولة الكويت الشيخ صباح السالم الصباح
للبحث في اتخاذ خطوات مشتركة نحو الإمارات ، واتفق على قيام الأمير نواف ومعه
الشيخ صباح الأحمد الجابر وزير خارجيــة دولة الكويت بزيارة كل الإمارات العربية ،
وطرح الحلول الوسط لمواضيع الخلاف الثلاثة الرئيسية والمتمثلة في العاصمة
الاتحادية الدائمة ، والتمثيل الاستشاري والتصويت في المجلس الأعلى للحكام ،
بالإضافة إلى موضوع الإسهام في الميزانية السنوية للاتحاد (77) ، وقام الوفد السعودي الكويتي بزيارة كل الإمارات العربية
الواحدة تلو الأخرى في ذي القعدة 1391هـ/يناير 1971م ، ومعه رسائل من الملك فيصل
وأمير الكويت لحكام الإمارات العربية ، توضح الخطر الذي يحيط بالمنطقة ، واستعداد كل
من البلدين المملكة العربية السعودية والكويت للتعاون معهم من أجل تذليل الصعاب ،
وعرض الوفد الحلول المقترحة للمشكلات الأساسية ، وبعض المقترحات الأخرى (78) .
واستكمالاً لهذه المحاولة أرسل الملك فيصل وفداً آخر للوساطة السعودية
الكويتية في صفر 1391هـ/أبريل 1971م برئاسة وكيلا وزارة الخارجية في البلدين ،
وقام الوفد بجولة ثانية في كل إمارات الخليج العربي لمعرفة ردود هذه الإمارات على
المقترحات السعودية الكويتية ، وقد تمثلت هذه الردود في موافقة الشارقة وأم القوين
والفجيرة على كل المقترحـــات، وأيدتهــا أبو ظبي ودبي ورأس الخيمة وعجمــــان مع
بعض التحفظات(79)، أما رد البحرين وقطر فقد كان
متصلباً نحو موقفهما من العاصمة الاتحادية الدائمة والتمثيل الاستشاري في الدستور
المؤقت(80).
ومن الملاحظ على هذه الردود التي
جاءت على مقترحات الوساطة وبجهود الملك فيصل أنها أبرزت الموقف بوضوح، حيث نجد من
خلالها أن موافقة إمارات أبو ظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة والفجيرة وأم القوين
وعجمان على المقترحات يعنى تجاوبها مع آمال إقامة اتحاد لإمارات الخليج العربي،
أما موقف البحرين وقطر فقد عبر عن بداية سيرهما نحو إعلان الاستقلال المنفرد لكل منهما،
ولقد جاءت هذه النتيجة مع اقتراب موعد الانسحاب البريطاني دون التوصل إلي إتمام
الاتحاد، بسبب هذا التباين في مواقف إمارات الخليج العربي ، ولذلك بدأت جهود الملك فيصل تنطلق من الاتحاد
التساعي إلى دعم استقلال البحرين ، ثم استقلال قطر ، ثم استقلال إمارات الخليج
العربي الأخرى التي تجاوبت مع إقامة اتحاد يجمع إماراتها العربية في دولة واحدة .
الملك
فيصل وإعلان استقلال البحرين:
تعد البحرين جزءاً مكملاً لشبه الجزيرة العربية ، فهي تقترب من الساحل
السعودي بحوالي عشرين كيلو متراً ، بينما
تبعد عن الساحل الإيراني بحوالي 250 كيلو متراً ، وحدود البحرين الدولية تعتبر
مائية في مياه الخليج العربي وتقترب من قطر جنوباً ويربطها جسر الملك فهد بالمملكة
العربية السعودية غرباً(81)، وهى تتكون
من عدة جزر في مياه الخليج العربي وتبلغ مساحتها مجتمعة حوالي 532 كيلو متراً
مربعاً (82) ، وتعتبر جزيرة المنامة أكبر جزر
البحرين من حيث المساحة والأهمية (83) .
ولما كانت البحرين تقع في منتصف المسافة تقريباً بين الشمال والجنوب فقد
أضفى ذلك على موقعها أهمية خاصة للمواصلات في الخليج العربي، زاد منها الاكتشافات
البترولية التي ظهرت فيها ، والتي جعلت الحكومة البريطانية– ومنذ أن ارتبطت مع
البحرين في المعاهدة العامة التي عقدتها بريطانيا مع أمراء ومشايخ الخليج العربي
عام 1235هـ/ 1820م– تقف ضد أية قوة تحاول الاستيلاء على البحرين (84) .
وتعد أسرة آل خليفة هي الأسرة
الحاكمة في البحرين منذ عام 1197هـ/ 1783م، وهم أحد فروع قبائل العتوب الذين كان
أول وجود لهم في البحرين عام 1113هـ/1701م(85)، وكان الشيخ أحمد بن خليفة أول حكام البحرين من آل خليفة(86)، وكانت العلاقات طيبة بين الأسرتين : آل سعود وآل خليفة ،
عملت الروابط الأسرية بينهما على توثيقها خلال تاريخ البلدين .
وقد أرسى الملك عبدالعزيز آل سعود قواعد العلاقات السعودية البحرينية على
أسس من الأخوة وحسن الجوار ، مما انعكس على تسوية مسائل الحدود بينهما ، وكان
للمملكة العربية السعودية مواقف عديدة بجانب البحرين خصوصاً ضد أطماع إيران فيها،
مما جعل البحرين تترك أثرها الواضح والكبير على العلاقات السعودية الإيرانية في كل
مراحلها (87) ، حتى استطاع الملك فيصل بن
عبدالعزيز آل سعود أن يقنع شاه إيران بالتخلي نهائياً عن الادعاءات الإيرانية في
البحرين– كما رأينا – بعدما يقرب من مائة وخمسين عاماً من التمسك بالدعاوى
الإيرانية فيها ، ولعل جهود الملك فيصل لم تتوقف نحو البحرين بإعلان شاه إيران
الذي كان عاملاً مشجعاً للشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة للتطلع نحو استقلال بلاده ،
بل استمرت هذه الجهود من خلال المحاولات المستمرة لقيام اتحاد بين الإمارات
العربية .
ولما كانت البحرين تدرك أهمية دور
الملك فيصل وأن المملكة العربية السعودية تفضل إقامة الاتحاد بين الإمارات العربية
التسع (88) ، فإن البحرين استمرت تشارك في
المفاوضات مع حكام الإمارات العربية الأخرى ، واستمرت على تقديرها للوساطة
السعودية والكويتية ، حتى بعدما بدأت تظهر بوادر نهاية مشروع الاتحاد التساعي في
عام 1390هـ/1970م ، وعلى الرغم مما أعلنته حكومة البحرين من تنظيمات ساعدت عليها
المفاوضات مع بريطانيا حول الاستقلال ، فإن الملك فيصلاً حرص على مشاركة المملكة
العربية السعودية ومعها دولة الكويت في المفاوضات التي جرت بين بريطانيا وإيران
حول البحرين ، والتي استمرت ثلاثة أشهر في جنيف ولندن (89) .
وأدى ممثلو المملكة العربية السعودية– بتوجيهات من الملك فيصل– دوراً
كبيراً في الوساطة الدبلوماسية بين هذه الأطراف خصوصاً مع بريطانيا وإيران ، حتى
تم التوصل إلى اقتراح يقضى بتشكيل لجنة من الأمم المتحدة لتقصى الحقائق ، واستطلاع
الرأي في البحرين حول مستقبلها (90) ، وقد أرسل
السكرتير العام للأمم المتحدة لجنة تقصي الحقائق برئاسة (جو شاردي Gueccardi) بناء على هذا الاقتراح في محرم 1390هـ/ مارس 1970م(91).
وقامت هذه اللجنة باستطلاع رأى شعب البحرين حول مستقبله ، والذي جاءت
نتيجته تؤكد على أن أغلبية شعب البحرين تؤيد الاستقلال ، وهو ما صدر به قرار مجلس
الأمن رقم 278 في الخامس من ربيع الأول 1390هـ/الحادي عشر من مايو 1970م (92) .
وعلى الرغم من صدور هذا القرار فإن البحرين لم تعلن تخليها عن فكرة الاتحاد مع الإمارات العربية الأخرى ، بل
ظلت مستمرة في المفاوضات مع الأطراف المعنية ، إلى أن كانت الوساطة التي قام بها
الملك فيصل عن طريق إرسال الأمير نواف بن عبدالعزيز والشيخ صباح الأحمد في ذي
القعدة 1390هـ/يناير 1971م إلى حكام الإمارات ، وما إن انتهت هذه الوساطة واستمرت
بعدها عوامل الخلاف ، حتى رأت البحرين أن من الأفضل لها وقد اكتملت عوامل
الاستقلال العديدة ، خصوصاً ما يتعلق بتخلي إيران عن مطامعها فيها ، والذي توصلت
إليه بفضل الله أولاً ثم بجهود الملك فيصل ، الذي تباحث مع شاه إيران مرة أخرى
لتأييد إعلان استقلال البحرين وقطر وإمارات الخليج العربي الأخرى وذلك خلال زيارته
إلى طهران في ربيع الأول 1391هـ/مايو 1971م (93) ، وظهور نتيجة استطلاع الرأي من الأمم المتحدة والتي أثبتت
اتجاه شعب البحرين نحو الاستقلال.
وبعد مفاوضات مع الحكومة البريطانية حول تحديد موعد الانسحاب وإلغاء
الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين البريطاني والبحريني ، أعلن الشيخ عيسى بن سلمان
آل خليفة استقلال البحرين في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة 1391هـ/الرابع عشر
من أغسطس 1971م (94)،وفي اليوم التالي
صدر مرسوم يحدد اسم الدولة " دولة البحرين " ولقب الشيخ عيسى "
أمير دولة البحرين " (95)، وفي ذلك
اليوم أعلنت المملكة العربية السعودية اعترافها رسمياً بدولة البحرين (96)، وهكذا حصلت البحرين على الاستقلال وانضمت للجامعة العربية
وللأمم المتحدة ، وأصبحت عضواً في المجتمع الدولي.
ولما كان الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وشعب البحرين يدركون مدى الجهود
التي بذلها الملك فيصل ، فقد قام بزيارته وقدم له شكره وشعب البحرين لمواقفه حتى
حصلت البحرين على الاستقلال (97) ، مما يؤكد
أنه إذا كانت البحرين تدين لأحد باستقلالها فهي تدين لله أولاً ثم للملك فيصل بن
عبدالعزيز آل سعود.
الملك فيصل وإعلان استقلال قطر:
تعتبر شبه جزيرة قطر جزءاً من شبه الجزيرة العربية ، وتقع في منتصف الساحل
الغربي للخليج العربي ما بين الشمال والجنوب، وتبلغ مساحتها حوالي اثني عشر ألف
كيلو متراً مربـــعاً (98)، وتحيط مياه
الخليج العربي بقطر من الشمال والشرق والغرب، أما الجنـــوب فالمملكة العربية
السعوديـــــة الدولة الوحيدة المجاورة لها وبطول أربعين كيلو مــــتراً(99).
وتعتبر أسرة آل ثاني التي تنتمي إلى قبيلة " تميم" هي الأسرة
الحاكمة في قطر، ومنذ عقدت بريطانيا مع الشيخ محمد بن ثاني اتفاقية عام 1284هـ/1868م
التي عملت على بداية فصل قطر عن البحرين (100) .
وكانت قطر آخر إمارة في الخليج العربي تخضع للنفوذ البريطاني ، وذلك بموجب
معاهدة بينهما في عام 1335هـ/ 1916م (101)، ولعل هذا يرجع لوقوع قطر تحت السيادة العثمانية منذ عام 1290هـ/ 1873 م،
حتى خلصتها بريطانيا بموجب معاهدة 1331هـ/1913م الموقعة بين الدولتين العثمانية
والبريطانية، واشترط العثمانيون فيها على استمرار تولية الحكم في قطر لأسرة آل
ثاني(102).
ولقد كانت العلاقات السعودية القطرية وطيدة، حيث أرسى قواعدها الملك
عبدالعزيز آل سعود خلال استقباله للشيخ قاسم بن محمد آل ثاني في الرياض ، ومساعدته
له أثناء الفتنة التي نشبت ضده في قطر عام 1322هـ/ 1905م ، وأصبح الشيخ قاسم من
أتبــــاع الدعوة السلفيـــة، وعمل على إقامة علاقات طيبة مع ابن سعود(103)، مما جعل التأثير السعودي بارزاً في قطر ، وهو ما يتضح في
الكثير من مواقف البلدين بجانب بعضهما ، مثل موقف الشيخ على بن عبدالله آل ثاني
بجانب المطالب السعودية ضد رغبة بريطانيا
في مؤتمر الدمام ، والخاص بتسوية الحدود بين المملكة العربية السعودية مع سلطنة
عمان وإمارة أبو ظبي عام 1371هـ/1952م (104).
وحافظ الملك فيصل على العلاقات السعودية الودية مع قطر ، وأراد أن يؤكد
السيادة القطريـــة على أراضيها منذ تولّيه مقاليد الحكم في المملكة العربية
السعودية ، وذلك حينما قام بعقد معاهدة تسوية الحدود بين البلدين في عام
1385هـ/1965م وكانت ضــد رغبــــة بريطانيــــا (105) ، واستمرت بعدها العلاقات الودية بين الملك فيصل وقطر.
وحينما أعلنت بريطانيا قرارها بالانسحاب من الخليج العربي، شاركت قطر في
مفاوضات اتحاد الإمارات العربية التساعي، وأدت دوراً بارزاً فيه، ووقفت مؤيدة
للوساطة التي يقوم بها الملك فيصل ، والدور الذي يؤديه من أجل إتمام الاتحاد
لمصلحة إمارات الخليج العربي ، وحتى عندما أصدرت حكومة قطر النظام الأساسي للحكم
في عام 1390هـ/1970م(106)، استمرت قطر على
موقفها الداعم لقيام هذا الاتحاد وأكدت على عدم نزوعها إلى تركه من خلال الدستور
الذي أصدرته، وكان ينص على أن الاتحاد هو هدف يقترن بالاستقلال، وأكدت على ذلك
أيضاً عندما شكلت مجلساً وزارياً فلم تعين وزراء للخارجية أو الدفاع ، باعتبار أن
هذه الشؤون من اختصاص الحكومة الاتحادية(107) وظلت قطر متمسكة بالاتحاد
التساعي تأكيداً على رغبة الملك فيصل ، حتى كانت الوساطة السعودية الكويتية برئاسة
الأمير نواف بن عبدالعزيز آل سعود والشيخ صباح الأحمد الجابر ، والتي وضح بعدها
تعثر المفاوضات نهائياً بين حكام الإمارات العربية بشأن هذا الاتحاد.
وبدأت قطر تتطلع إلي الطريق الذي سلكته البحرين نحو الاستقلال ، عندما
تأكد لديها أن انضمامها إلى الاتحاد لن يحقق لها المركز القيادي الذي كانت تتوق
إليه (108) ، ولما كانت قطر ليست مطمعاً
لإيران ومتمسكة بالاتحاد كرغبة السعودية ، فإن الملك فيصلاً حث إيران أثناء زيارته
إلي طهران في ربيع الأول 1391هـ/مايو 1971م على الوقوف بجانب استقلال قطر ، كما
اتفق على الوقوف بجانب استقلال البحرين وبقية إمارات الخليج العربي الأخرى ، ولقد
أشاد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني ولي عهد قطر بهذه الجهود التي يبذلها الملك فيصل
واهتمامه بقضايا الخليج العربي وجهوده نحو العمل على استقلال المنطقة (109) .
وبالفعل بدأت قطر تتخذ الإجراءات نحو إعلان استقلالها ، وأجرت الاتصالات
مع السلطات البريطانية لإنهاء المعاهدات بينهما ، ولتحديد موعد الانسحاب ، وإعلان
الاستقلال .
ومن الدوحة وفي الحادي عشر من رجب 1391هـ/الأول من سبتمبر 1971م ، أعلن الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني ولي العهد
استقلال قطر (110) ، ثم صدر قرار تغيير اسم الدولة
إلى "دولة قطر"، ولقب الشيخ من حاكم إلى "أمير" قطر.
وانضمت قطر إلى جامعة الدول العربية و الأمم المتحدة ، واعترفت بها
المملكة العربية السعودية مباشرة ، وتعبيراً عن موقف وجهود الملك فيصل نحو استقلال
قطر قام الشيخ أحمد بن على آل ثاني بزيارة المملكة العربية السعودية ، وقدم شكر
بلاده للملك فيصل(111)، وظلت العلاقات
السعودية القطرية قائمة على مبادئ المودة والأخوة وتؤدي دورها بين دول المنطقة.
عقب استقلال البحرين وقطر أصبحت الإمارات العربية في الخليج العربي سبع إمــــارات ، وهى أبو ظبي ودبي ورأس الخيمــــة والشارقة والفجيرة وعجمان وأم القوين (112) ، وتقع هذه الإمارات في الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية على ساحل الخليج العربي الذي يحدها وخليج عمان من الشمال والشرق ، أما الغرب والجنوب فالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان (113) ، وتبلغ مساحة هذه ا