شهد التاريخ
الحديث للعالم تجارب وتطورات سياسية كثيرة أثرت بشكل متباين على سير التاريخ ،
وتحول العالم في فترة قصيرة نسبياً ، من وجود دول قليلة قوية تستعمر شعوب أخرى أضعف
وتتحكم بمصيرها وثرواتها إلى دول تتساوى جميعاً في استقلالها الوطني وإن اختلفت في
عالية وقوة هذا الاستقلال .
وقد أثارت تلك
التطورات اهتمام المفكرين والمؤرخين واختلفت الآراء فيها ، ولكن أكثر ما شد انتباه
العالم بجميع شعوبه ومفكريه وقياداته ، هو تجارب التوحيد الوطني التي حدثت في
التاريخ الحديث . التي أثارت الاهتمام أكثر من أي تطورات سياسية أخرى ولم تختلف
حولها الآراء ، ذلك أن تجارب الوحدة الوطنية ، أي العمل على إعادة توحيد أجزاء
الوطن الواحد الذي خضع لعوامل التمزق والانحلال ، ظلت دائماً تمثل في نظر المجتمعات
البشرية في جميع أنحاء العالم أهداف نبيلة تقوم على مبادىء أساسية جبل الله سبحانه
وتعالى البشر عليها ، بل وجعلهم يدركون رسالتهم في تعمير الأرض من خلالها ، لذلك
فهي تُقابل بالتأييد والحماس ليس في المنطقة التي يتحقق فيها ذلك التوحيد فقط ،
ولكن من جميع الحضارات والشعوب القريبة والبعيدة .
كان هناك في
العصر الحديث مئات من تجارب التحولات السياسية والاقتصادية ولكن القليل منها أدى
إلى بناء وحدة وطنية من أجزاء مبعثرة لكيانات ضعيفة مثلما فعلت تجربة عبدالعزيز
رحمه الله . كانت تجارب التوحيد الوطني قليلة الحدوث لأنها صعبة التنفيذ كما أنها
عظيمة التأثير ، لأن الأهداف التي يحققها بناء كيان وطني موحد تصل إلى أعماق
الشخصية الوطنية فتصهرها وتمدها بالقوة والثقة .
إن القرن الذي
تحتفل بلادنا اليوم بمروره على تلك الومضة التاريخية التي أضاءت تاريخ العرب
الحديث هو في الحقيقة مائة سنة من الجهد العظيم الذي بدأه القائد المؤسس عبدالعزيز
لبناء الكيان الذي نعيش في ظله اليوم ، هذا الجهد جدير بالتفكير والتأمل ، فقد كان
شاقاً ، تم في واقع جغرافي وظروف سياسية صعبة قطع خلالها عبدالعزيز نصف المائة عام
التي نحتفل بها اليوم ، وهو يحارب ويعاني من قلة الموارد بهدف تحقيق هذا الإنجاز
التاريخي ، لم يتوقف خلالها بالرغم من أن الرغبة بالراحة والتمتع بحياة الاستقرار
كان يمكن أن تغري أي شخص آخر بالتوقف في منتصف الطريق، إلا أن قوة إيمان عبدالعزيز
وعظم شعوره بالمسؤولية الوطنية لم تسمح لمغريات الحياة بالتغلب عليه واستمر الجهاد
والمعاناة إلى أن توحدت هذه البلاد بكاملها .
أما النصف
الآخر من المائة عام فقد وضع بنفسه المرحلة التأسيسية الأولى لتلك الفترة عندما
أعطى بسرعة ملحوظة للوحدة الوطنية التي أقامها ملامح الدولة الحديثة ، وتحولت
المسيرة العظيمة بذلك من جهاد التوحيد إلى جهاد الاستقرار والأمن والتواصل، فهيأ
بذلك لمن بعده الإطار الذي يتم فيه التحديث والبناء وهو ما يتم حتى يومنا هذا .
إن حديثي هنا
يتعلق بجانب واحد من جوانب وتجارب بناء الشخصية الحديثة للدولة هو ميدان العلاقات
الاقتصادية الخارجية الذي سوف أتناوله بشمول واقتضاب في آن واحد ، فالشمول يعني أن
أضع أمامكم مجموعة من السياسات والأنشطة الاقتصادية الخارجية في إطارٍ واحد بدلاً
من معالجة كل جانب على حده حتى وإن كان يستحق ذلك ، والاقتضاب هو استعراض هذه
الجوانب باختصار لأن أغلب عناصرها معروفة لديكم ، ولكن المهم في الشمول والاقتضاب
هو توجيه اهتمامكم إلى التفكير بجميع هذه الأنشطة كمنظومة متكاملة تعكس في مجموعها
الأسس وأسلوب التفكير الذي غرسه عبدالعزيز من خلال تكوينه لهذه الدولة فظهر على
شكل سياسة عامة وممارسات تقوم على التعامل مع دول العالم بانفتاح وثقة بالنفس ،
والعمل على تحقيق المصالح الوطنية بثبات وتدرج وواقعية ، وهذا ما سأحاول إيضاح
تطبيقاته الفعلية من خلال استعراض بعضاً من جوانب هذه العلاقات .
يقصد
بالعلاقات الاقتصادية الخارجية جميع أوجه النشاط الاقتصادي التي تتم بين دولتين أو
أكثر ، ويشمل ذلك بشكلٍ رئيسي التجارة والاستثمار وما يتعلق بها من أنشطة أخرى ،
ورأس المال شأنه شأن أي سلعة ينتقل من دولة إلى أخرى لغرض تحقيق الربح أو لتحقيق
أهداف إنمائية مثلما تقوم دول بمساعدة دول أخرى على تنفيذ مشاريع أو برامج إنمائية
، كما أن العمالة أحد عناصر العلاقات الاقتصادية الخارجية لأنها تنتقل من دولة إلى
أخرى بحثاً عن فرص العمل أو فروقات الأجور، ومع أن الدول تعطي الأولوية لمواطنيها
في توفير فرص العمل ، إلا أن توفير فرص عمل واسعة في دولة ما لمواطنين من دولة
أخرى خلال مرحلة معينة تعني تعاون اقتصادي بينهما ، فهذا يعني من جهة الحصول على خدمات
تحتاجها الدولة المستضيفة ، ومن الجهة الأخرى يعني تخفيف أعباء اقتصادية بتوفير
تحويلات مالية تساهم في التنمية وسد متطلبات الدولة الموفرة للعمالة من السلع
والخدمات .
وإذا ما
ستعرضنا التاريخ الإنمائي لمجموعة الدولة البترولية ومنها المملكة العربية السعودية
، فسنجد أن أنماط السياسات الإنمائية الداخلية والعلاقات الاقتصادية الخارجية
تتميز عن بعضها بشكل واضح ، فالفلسفة السياسية وتطبيقاتها في دولة مثل المملكة
لعربية السعودية لها سمات خاصة فهي تنبع من مجتمع متماثل من حيث البنية والدين،
وهو مجتمع قائم منذ القدم على قاعدة حرمة المال الفردي وحرية العمل التجاري
والاستثماري ( أي قواعد الاقتصادي الحر ) ، لذلك فعندما زادت الموارد البترولية
وتوفرت الثروة المالية لدى الحكومة فإن الحكومة لم تندفع وراء الموجه التي كانت
سائدة بين بلدان العالم الثالث آيذاك ( كما حصل في حالات دول بترولية أخرى) وذلك
بأن تتولى الحكومة بنفسها وعن طريق أجهزتها التنفيذية إنشاء المشاريع واستيراد
احتياجاتها من الخارج ، وإقامة المشاريع الإنتاجية وتملكها وإدارتها ، وبالتالي
نقل كل السلبيات الإدارية والإنتاجية التي أدت للفشل في غيرها ، ولكنها سارت دون تردد
بتنمية مفاهيم الاقتصاد الحر عبر توسعة تعاملها مع المواطنين لتنفيذ ذلك عن طريقهم
وبواسطتهم ، ولم يتعد دور النشاط الحكومي الاقتصادي قطاع المرافق العامة والبترول
والبتروكيماويات وحالات محدودة جداً فرضتها ظروف غير عادية .
سأبدأ الحديث
عن المجالات الرئيسية للعلاقات الاقتصادية الخارجية بالحديث عن العلاقات البترولية
باعتبارها أهم هذه المجالات وأوسعها .
فقد تم اكتشاف
البــــترول في المملكة العربية السعودية بكميات تجارية في عام 1938م أي قبل ستين
سنة عندما أقدمت المملكة على التعاقد مع شركات بترول أمريكية للقيام بأعمال
التنقيب والإنتاج بالرغم من أن الشركات الأمريكية لم تكن آنذاك معروفة جيداً في
هذه المنطقة ، في حين كانت الشركات البترولية البريطانية معروفة تماماً في المنطقة
وتعمل بها منذ فترة طويلة ، ولكنها لم تكن بقوة الشركات الأمريكية مالياً وفنياً ،
وكان هذا القرار صحيحاً وواقعياً ، فقد قامت الشركات الأمريكية باستثمار أموال
طائلة ، واستخدمت خبرة فنية متقدمة على بناء صناعة بترولية حديثة وإقامة تجهيزات
أساسية واسعة ، ودربت الآلاف من المواطنين السعوديين بشكل فاق في سنوات قليلة ما
كانت الشركات البترولية البريطانية قد أقامته خلال سنوات طويلة من عملها في
المنطقة .
بعد ذلك
بسنوات ليست طويلة وعندما أدركت المملكة أن مصالحها الوطنية تقتضي زيـــادة
عوائدها وتطوير علاقتها مع شركات البترول قامت المملكة في عام 1960م أربع دول
بترولية أخرى بإنشاء منظمة الدول المصدرة للبترول ( أوبك ) ، ومع أن المملكة
والدول الأربع الأخرى كانت آنذاك تعمد كلياً على مواردها المالية من البترول ،
وكانت مجموعة قليلة من شركات البترول العالمية تسيطر سيطرة تامة على إنتاج ونقل
البترول في جميع أنحاء العالم فإن ذلك لم يثن الإرادة السياسية الوطنية من السير
في اتجاه تكوين المنظمة بالرغم مما كان ينطوي عليه هذا القرار من مخاطر سياسية
واقتصادية .
وهكذا رأينا
أن المملكة العربية السعودية الدولة الحديثة محدودة الخبرة والإمكانيات تبادر
للتعاون مع دولة بعيدة عنها ( فنزويلا ) لإنشاء منظمة تقفان معاً فيها مقابل شركات
عالمية أقوى من تلك الدول مجتمعة .
إن سمات
الثبات في السعي لتحقيق المصالح الوطنية بتدرج وواقعية تتضح تماماً عندما نلاحظ
المرحلة التالية التي دخلتها المملكة العربية السعودية مع شركات البترول العاملة
فيها آنذاك ، من زيادة العوائد إلى المشاركة ثم التملك الكامل عن طريق شراء حصص
هذه الشركات الأجنبية ، وهذه خطوات تمت كما نعرف بثبات وتتابع وأسلوب تفاوض مقبول
أدى إلى المحافظة على علاقات عمل جيده مع هذه الشركات وخصوصاً في مجال التعاون
الفني والتسويق ، وقد ساعد الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع شركات البترول العالمية
وأسواق الاستهلاك في العالم في المرحلة التي تلت التملك الكامل للصناعة البترولية
الوطنية على توفير الجدوى الاستثمارية للمبالغ الضخمة التي أنفقتها المملكة على
توسعة طاقة حقولها البترولية ومرافق تصديره ومن ثم على إيجاد أسواق مستقرة لكميات
كبيرة من إنتاجها البترولي ، ولو لم تكن المملكة في نظر الدول المستهلكة للبترول
شرقاً وغرباً دولة موثوق بها كمصدر رئيسي للبترول علاوة على تقدم صناعتها
البترولية فنياً لما كان بالإمكان الوصول إلى السعة الكبيرة لطاقة الإنتاج
والتصدير .
صفات الحكم
عند العرب معروفة منذ القدم وقد ظلت حتى يومنا هذا تقترن بالزعامة والقيادة ، في
مقدمتها كرم النفس وعزتها وسعة الصدر في التعامل مع الآخرين دولاً وأفراداً ، ومن
السهل على من يتعرف على الدولة الحديثة التي أسسها عبدالعزيز أن يدرك أنه قد غرس
هذه الصفة في الدولة الحديثة ، فأصبحت جزء من شخصيتها الوطنية الداخلية ، كما
أصبحت صفة من صفات سلوكها الخارجي .
لذلك فلم يكن
هناك تردد لدى الدولة منذ عقد السبعين في إدراك واستيعاب المتغيرات الدوليـــة
والإقليمية وما تفرضه من واجبات بادرت إليها من تلقاء نفسها ، فهي بجانب صفاتها
الأصليـــة تعرف تماماً ما تعني الحاجـــة إلى الطرق وميـــاه الشرب كما تدرك
واجباتهـــا نحو المجتمعات التي نتقاسم معها نفس الظروف الحياتية الصعبة ، ولم يكن
بإمكان مجتمع مثل المجتمع السعودي بما هو متأصل فيه من الصفات القيادية والثقـــة
بالنفس أن يتجاهل حاجة المجتمعات التي يعيش هو نفسه ظروفاً مشابهة لظروفها ، أو
حتى يقدرها بأقل من حقيقتها ، لذلك فقد برزت في تلك المرحلة بصفة تلقائية الرغبة
بالتحرك لمساعدة المجتمعات الأخرى على مواجهة الظروف المتغيرة ، وبادرت بالتوسع في
برامج التعاون الإنمائي فقدمت طوال العقود الثلاثة الماضية مساعدات إنمائية لأكثر
من سبعين دولة نامية في العالم بلغت في مستوياتها المرتفعة أكثر من خمسة بالمائة
من إجمالي الإنتاج الوطني ، ولكنها ظلت لفترة طويلة خلال العقود الثلاثة الماضية
في حدود ثلاثة بالمائة من الإنتاج الوطني الإجمالي ، وهو معدل يفوق بكثير ما قدمته
الدول الغربية الصناعية الغنية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
بعد سنوات
قليلة من بدء نمو الموارد البترولية وبدء برامج المساعدات الإنمائية الخارجية وجدت
الحكومة أن تقديم المساعدات الإنمائية الخارجية تحتاج إلى إطار مؤسسي يتولى دراسة
هذه المساعدات وإدارتها والإشراف على تنفيذها بالقدر الذي يضمن حسن اختيار الأهداف
الإنمائية ، وحسن الوصل إلى الهدف المطلوب ، ولم يكن ذلك ممكناً إلا بإيجاد جهاز
يختص بذلك فأنشيء الصندوق السعودي للتنمية في سنة 1975م كمؤسسة مالية لتكون هي
القناة الرئيسة التي تقدم من خلالها هذه المساعدات .
إن إنشاء الصندوق
السعودي للتنمية يعكس بوضوح توجهات القيادة السعودية وأسلوب تفكيرها ويترجم عمق
مفاهيم الانفتاح والتعاون الطوعيين ، والرغبة في المساعدة وإدراك تأثير النمو
الاقتصادي على الاستقرار الاجتماعي ، وهو أيضاً يهدف إلى تشجيع الأطراف الدولية
الأخرى -سواء كانت دول أو مؤسسات دولية -على
التوسع في تقديم العون الإنمائي للدول الأقل حظاً في النمو ، ومع أن هناك عوامل
متعددة وراء توجه الدول الصناعية الغربية لزيادة برامج المساعدات الخارجية إلا إن
سعي المملكة العربية السعودية ومطالبتها لهذه الدول وإقامتها صندوق مختص بالتعاون
الإنمائي الخارجي ودعوتها في الاجتماعات الدولية للتوسع في هذا النوع من التعاون
كان من أسباب الزيادات المتتالية التي أقدمت عليها الدول الصناعية الغنية ، فزادت
من مساعداتها الإنمائية من حوالي اثني عشر ألف مليون دولار في عقد السبعينات إلى
حوالي ثلاثة وثلاثون ألف مليوناً في الثمانينات ، إضافة إلى هذه الأهداف الكلية
فإن إنشاء الصندوق السعودي للتنمية كان مفيداً من أجل الفصل بين ميزانية هذه
المساعدات وبين ميزانية الدولة حتى تُكرس بكاملها للإنفاق الداخلي ، دون أن يحدث
أي تداخل بينهما خلال عمليات الصرف ، بالإضافة إلى ذلك فقد بذل جهاز الصندوق من
المواطنين السعوديين جهداً ممتازاً في دراسة طلبات المساعدات ، وفرز الأصلح منها ،
ثم التأكد من توجيه المساعدة للمشاريع المختارة ، إلى غير ذلك من أعمال التعاون
والمتابعة وكما هو محدد في نظام الصندوق فقد قدم الصندوق القروض الإنمائية طبقاً
لاعتبارات محددة وأولوية المساعدة للدول ذات الدخل المنخفض ، وأولوية المشاريع
المطلوبة للتنمية الوطنيـــة ، وفي نطاق هذه المفاهيم قدم الصندوق السعودي للتنمية
خلال الفترة من 1975 – 1997م ثلاثمائة وخمسة عشر قرضاً لتمويل أكثر من ثلاثمائة
مشروع إنمائي أقيمت في ثلاث وستين دولة نامية ، وزعت على جميع القطاعات الأساسية
للتنمية ، وفي مقدمتها قطاع المواصلات الذي خصص له حوالي ثلث المشاريع التي ساهم
فيها الصندوق ، ويلي ذلك قطاع التنمية الزراعية الذي حصل على أكثر من 20 % من
إجمالي قروض الصندوق وشمل ذلك مشاريع الري وحفر الآبار وإقامة السدود وإنتاج
المحاصيل الزراعية ، أما مشاريع الطاقة فقد كان نصيبها من قروض الصندوق أقل قليلاً
من عشرين بالمائة مما قدمه ، ثم يلي ذلك قطاع التعليم والتنمية الاجتماعية والصحية
الذي حصل على حوالي ستة عشر بالمائة من قروض الصندوق .
تلاحظون أن
توزيع القروض الإنمائية التي قدمها الصندوق السعودي للتنمية تعكس إلى حد بعيد
الفهم الحقيقي للتنمية كما رأيناها هنا في المملكة العربية السعودية التي كانت
تعاني من النقص الكبير في هذه القطاعات في الماضي ، ولما أعانها الله على مواجهتها
وحققت ما حققت فيها اتجهت مباشرة في تعاونها مع الدول النامية لما تعرف تعرف
تماماً حاجتهم إليها .
أود هنا أن
أذكر أن الصندوق السعودي للتنمية لم يكن في معظم ما قدمه يقوم بدراسة وتمويل
مشاريع إنمائية بمفرده فقط ، ولكنه كان في معظم القروض التي قدمها يشترك مع دول
أخرى ومؤسسات إنمائية دولية وإقليمية أخرى في الدراسة والتمويل والإشراف ، بل أن
الصندوق قام بعمل جيد من خلال تلقيه مباشرة لطلبات تمويل المشاريع من الدول
النامية في حشد وتشجيع دول كثيرة أخرى ومؤسسات إنمائية متعددة على الاشتراك معه في
التمويل ، ولو انفرد الصندوق بتمويل المشاريع التي يقرر الاستجابة لها لما أمكنه
في حدود موارده أن يساهم إلا في عدد أقل من المشاريع ، أما إذا ساهم واشترك وحث
غيره على المساهمة في تمويل هذه المشاريع فهو بذلك يدعو الدول والمؤسسات القادرة
على الاهتمام بالتنمية في الدول المحتاجة ، وهذا دور إيجابي سبق أن أشرت إليه في
هذه الكلمة عندما قلت أن المملكة قد ساهمت في حث الدول الصناعية الغنية على
الاهتمام بزيادة مساعداتها الإنمائية .
إن المساهمة
في توفير التمويل لمشاريع إنماء في الدول النامية لم تقتصر على المساهمات المباشرة
ولكنها كانت تتم أيضاً عن طريق المساهمة في إنشاء وتمويل عدد من الصناديق
والمؤسسات الإنمائية الدولية والإقليمية بلغ عددها عشر مؤسسات إنمائية ، ساهمت
المملكة في رأسمالها ومواردها لتقوم بدورها في تقديم القروض الإنمائية للدول
النامية ، وتوفر مساهمة المملكة في مثل هذه الصناديق والمؤسسات الإنمائية الفرصة لدفع
مسيرة التنمية العالمية والمشاركة الفعالة في رسم وتوجيه سياسة هذه المؤسسات .
كانت المملكة
العربية السعودية من ضمن الدول التي انضمت لكلٍ من البنك الدولي للإنشاء والتعمير
، وصندوق النقد الدولي ، التي أنشأها المجتمع الدولي المنتصر بعد الحرب العالمية
الثانية ، وقد ظلت مساهمة المملكة في هاتين المؤسستين الدوليتين الهامتين محدودة
جداً مثل بقية الدول النامية ، ولكن نمو الدور الاقتصادي العالمي السعودي في
التجارة الدولية كأكبر مصدر للبترول وما ترتب على ذلك من نمو دور المملكة كمستثمر
مالي عالمي جعل من الطبيعي أن تسعى المملكة للقيام بدورٍ أكبر فيهما حرصاً على
مصالحها وعلاقاتها مع دول العالم ، فسعت إلى زيادة حصتها في هاتين المؤسستين إلى
نسبة تؤهلها للحصول على مقعد دائم في مجلس إدارة كل من صندوق النقد الدولي والبنك
الدولي للإنشاء والتعمير ، وقد ساعد هذا التوجه إلى توفير أوضاع مكنت المملكة من
حماية مصالحها بما في ذلك حماية القروض التجارية التي قدمتها لهاتين المؤسستين ،
إضافة إلى أن المملكة أصبحت نتيجة قيامها بدور رئيسي في موقع يجعلها قادرة على
الدفاع عن مصالح الدول النامية بشكل عام والدول التي ترتبط معها بعلاقة خاصة ، وقد
قامت المملكة من خلال مندوبي في هاتين المؤسستين الذين وفقهم الله بالجدارة والجهد
بدعم وجهات نظر الدول النامية الدفاع عن مصالحهم تجاه الدول الصناعية الكبرى في
عدة مناسبات ، وقد تطرقت إلى هذا الجانب لأوجه الانتباه إلى أن دور المملكة
العربية السعودية في علاقاتها الاقتصادية الخارجية لم يكن يقتصر على تقديم العون
المادي للدول النامية وإنما تجاوز ذلك إلى مجالات الدعم الإنمائي والسياسي مثل ما
قامت به في هاتين المؤسستين العالميتين .
كما قام
الصندوق السعودي للتنمية في عدة مناسبات على دعم مقدرة عددٍ من الدول النامية على
الحصول على قروض إنمائية من البنك الدولي للإنشاء والتعمير عن طريق الاتصال والحث
.
اسمحوا لي أن
أتطرق إلى إطار آخر في العلاقات الاقتصادية السعودية الخارجية ، فالتعاون الإنمائي
وخصوصاً مع الدول العربية يدخل ضمن عدة عناصر يتكون منها نسيج العلاقات الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية القائمة بين مجموعة الدول العربية . وقد وجدت المملكة آنذاك
نتيجة تطور العلاقات الاقتصادية بين دول هذه المجموعة أن تخصيص جزء – مما يمكن
تخصيصه – للمساعدات الخارجية لإقامة مؤسسات تجارية مستقلـــة تستثمر فيها مبالغ
كمساهمة في رأسمالها مع ما تشارك به الدول الأخرى بعملتهــا المحلية يمكن أن
يحقــق أهدافـــاً أوسع من مجرد تخصيص مبلغ لإقامة مشروعٍ معين ، وقد نجح هذا
الأسلوب في إيجاد عدة شركات عربية بلغ عددها تسع عشرة شركة ساهمت فيها عدة دول
عربية تركزت معظمها في القطاعات الصناعية والزراعية ، كما بلغ عدد الشركات
الثنائية التي أقامتها المملكة مع دول منفردة أخرى تسع شركات ثنائيــة.
إن إقامة
شركات مشتركة كان من الوسائل التي ساهمت في توثيق العلاقات التجارية بين المملكة
والدول التي تعمل بها هذه الشركات عن طريق تشجيع المبادلات التجارية والاستثمارية
، كما أن هذه الشركات وفرت للمدراء السعوديين الشباب فرصة اكتساب الخبرة والمعرفة
بأوضاع التنمية في الدول العربية وبعض الدول الأخرى .
لم يكن
بالإمكان لدولة بهذا القدر من النشاط في علاقاتها الاقتصادية الخارجية إلا أن تبحث
دائماً عن كيفية إدامة هذه العلاقات وتنشيطها طالما أنها تشعر بأن العلاقات
الاقتصادية النشطة تحقق مصالحها المشتركة مع الغير ، وتجعل الاتصال بها والتعامل
معها من قبل الدوائر التجارية الخاصة والعامة في دول العالم أمراً سهلاً وميسراً
لذلك فقد نشأت الحاجة إلى إيجاد إطارات أوسع لهذه التعاملات على مختلف أنواعها مما
يؤدي إلى تنشيط التعامل ، وحل المشاكل التي قد تنشأ بين وقتٍ وآخر ، ومن هذا
المنطلق تم عقد عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والفنية مع عدة دول وفي الوقت الحاضر
ترتبط المملكة بأربعة وأربعين اتفاقية مع دول أوروبية ، وأثنى عشر اتفاقية مع دول
آسيوية ، وثماني اتفاقيات مع دول عربية ، وثلاث مع دول الاتحاد السوفيتي السابق ،
واتفاقية مع كندا وثلاث اتفاقيات مع الولايات المتحدة .
وإضافة إلى
الاتفاقيات الثنائية فهناك اتفاقيات جماعية تعمل على تحقيق أهداف جماعية ، قامت
المملكة بدورٍ نشط في ترتيبها وعقدها ، وهي عشر اتفاقيات خمس منها مع دول الجامعية
العربية ، وثلاث مع دول منظمة المؤتمر الإسلامي ، إضافة إلى اتفاقية دول مجلس
التعاون الخليجي .
لابد من
الإشارة إلى أن هناك إطارات عمل أخرى تدعم الاتفاقيات الاقتصادية والفنية من حيث
متابعة تنفيذها ، والالتزام بها ، بالإضافة إلى متابعة برامج التعاون الإنمائي
والشركات المشتركة ، والمقصود بذلك هي اللجان المشتركة التي قامت غالبيتها نتيجة
النص عليها في اتفاقيات التعاون الاقتصادي والفني ، وهي تبلغ حوالي ثلاثة وأربعين
لجنة مشتركة .
قد يتبادر إلى
ذهن بعضكم ، بعد أن استمع إلى هذا العدد الكبير من إطارات التعاون الاقتصادي
الخارجي ابتداءً من عضوية مؤسسات دولية إلى إقليمية إلى تجمعات دولية إلى علاقات
ثنائية ، إمكانية قيام صعوبات إدارية وتنسيقية بين هذا العدد من الإطارات ولكن
الحال غير ذلك ، فقد دلت التجربة الفعلية على أنها وإن كانت تضيف عبئاً إدارياً
على الجهات التي تتولى مسؤوليتها ، إلا أنها توفر للدولة إمكانيات تجعلها قادرة
على التعرف بشكل مستمر على ما يحدث في العالم من تطورات وما يتوجب عليها أن تقوم
به لحماية مصالحها ، وهي أيضاً تساعد على التكيف مع متغيرات العلاقات الاقتصادية
العالمية بما فيها من تعقيد وتداخل .
إن الدور
الاقتصادي النشط الذي تقوم به بلادنا في كل من الأمم المتحدة والجامعة العربية
ومجلس التعاون لدول الخليج العربية ، والمؤتمر الإسلامي ، وما يتبع ذلك من نشاط في
عدد من المؤسسات الإنمائية مثل البنك الإسلامي للتنمية ، والصندوق العربي للإنماء
وصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وبنك التسويات الدولي ،
والعدد الكبير من المؤسسات والبرامج والاجتماعات التابعة لكل منها إضافة إلى ما
سبق أن استعرضته في هذه الكلمة من مؤسسات وشركات ولجان مشتركة ما هو إلا الميدان
الواسع الذي يعكس بتفاصيله الكثيرة واهتماماته المتنوعة خطوط ودوائر العلاقات
الاقتصادية الخارجية السعودية ، وفي هذا الميدان الذي تبحث فيه بشكل مستمر ومتزايد
أحياناً قضايا تتعلق بشكل مباشر أو بعيد أحياناً بالمصالح الاقتصادية السعودية ،
فإن هذه المصالح تجد دائماً الاهتمام والمتابعة من قبل المواطنين سواء في القطاع
الحكومي أو الأهلي .
بعد ذلك
اسمحوا لي أن أتطرق باستعراضٍ قصير إلى جانب من جوانب العلاقات الاقتصادية
الخارجية ذكرته قبل قليل هو انتقال الأيدي العاملة من دولة إلى أخرى ومدى تأثيره
على الواقع الاقتصادي في المملكة ، فتواجد أيدي عاملة من دولة أخرى يعني توفير فرص
عمل إضافية للدولة التي يتبعون لها كما يعني تحويلات مالية للدولة المصدرة للأيدي
العاملة تساهم في تعزيز ميزان المدفوعات فيها ، وهي كذلك تعني بالنسبة للدولة
المتلقية للأيدي العاملة مساهمة في تنفيذ مشاريعها وخدماتها ، ولقد استضافت
المملكة العربية السعودية أيدي عاملة من عدة دول ، أغلبها من الدول النامية حيث
استمر عددهم في التصاعد خلال العقود الثلاثة الماضية ، وإذا ما لاحظنا تدفق
التحويلات المالية التي يحولها العمال الضيوف إلى بلدانهم فسنجد أنها تعكس عدة
عناصر فيها تتعلق بالمملكة العربية السعودية ، فحجم التحويلات يعكس عدد العاملين،
كما أن استمرار التحويلات بمعدلات منتظمة ومتزايده يعكس مدى حرية وفعالية الأنظمة
المالية التي لا تعرقل تدفق هذه التحويلات ، ومع أنه من الصعب إيراد أرقام دقيقة
لأن مثل هذه التحويلات تختلط أحياناً بتحويلات آخرى ، إلا إنه يمكن القول بأن معدل
هذه التحويلات المالية خلال عقد الثمانين الميلادي كان يتراوح بين أربعة إلى خمسة
آلاف مليون دولار سنوياً ، ثم ارتفع في العقد الحالي إلى ما معدله أكثر من عشرة
آلاف مليون دولار سنوياً وأكثر قليلاً .
إن هذه
الأرقام تعكس أيضاً بالإضافة إلى ما ذكرته من قبل مقدار ما ساهم به النشاط
الإنمائي في المملكة العربية السعودية في برامج التنمية في دول نامية كثيرة ،
وشارك في سد احتياجات تلك الدول من عملات صعبة تحتاجها لتغطية وارداتها ، وهي لذلك
تدخل في العلاقات الاقتصادية الخارجية التي كانت عاملاً إيجابياً في التنمية
الإقليمية والعالمية .
إن وسيلة
النجـــاح في حقل العلاقات الاقتصاديـــة العالمية هي تعدد حلقات الترابــــط مع
الدول والمجموعات الدولية ، والمحافظــــة على حيويــــة هذه الحلقــات وكفاءتها ،
والمملكة العربية السعودية وإن كانت دولة نامية حديثة فإن دليها حضور عالمي كفء من
خلال هـــذا العدد الكبير من الصلات والحلقات ، وكلما حافظنا على حيوية وإنتاجيـة
هذه الحلقات كلما أصبحنا أكثر قـــدرة على تحقيق أهدافنا في التنمية والاستقرار إن
شاء الله .