تعددت
الدوائر السياسية التي عنيت بالعلاقات بين بريطانيا والملك عبد العزيز بحيث شملت
حكومة الهند ووزارة المستعمرات ، وأخيراً
وزارة الخارجية البريطانية التي انفردت بتلك العلاقات منذ أن عقد الملك عبد العزيز
مع الحكومة البريطانية معاهدة جدة في الثاني عشر من ذي القعدة عام 1345هـ/ 20 مايو
1927م .
وإذا كانت أصـول العلاقات السعودية البريطانيـــة ترجع إلى
عهد الدولتين السعودية الأولى والثانية فقد اتخذت تلك العلاقات وضعاً جديداً على
عهد الدولة السعودية الثالثة وذلك منذ أن استرد الملك عبد العزيز الرياض في الخامس
من شوال 1319هـ/ 15يناير 1902م حتى وفاته في الثاني من ربيع الأول عام 1373هـ/
نوفمبر 1953م .
وقد بدأ الملك عبد العزيز علاقاته الدولية منذ استرداد إمارته
بمحاولة إقامة علاقة بينه وبين الإنجليز ؛ إذ أدرك أثناء إقامته بالكويت في
السنوات الأخيرة من القرن الماضي وأوائل القرن الحالي أهمية الدور الذي تلعبه
بريطانيا في منطقة الخليج ، وكان من سعة الإدراك بحيث لم يتجاهل ذلك الدور في
علاقته بالحكومة البريطانية ؛ إذ أتيح له أن يطلع في خلال تلك السنوات على الأوضاع
الدولية مما أكسبه معرفة ودراية لم تسبق
لأسلافه الذين عاشوا طوال حياتهم في نجد ، كما أتيح له في الوقت نفسه أن يلمس عن
قرب مدى قوة بريطانيا وتفوقها على كل من الدولة العثمانية والدول الأوربية الأخرى
المنافسة لها " روسيا وألمانيا وفرنسا "، ويمكن القول بصفة عامة : إن
مدرسة الكويت السياسية على عهد الشيخ مبارك بن الصباح 1314–1334هـ/1896/1915م قد
أطلعته على حقائق السياسة الدولية ، ودربته على كيفية مواجهة المشكلات الدولية ،
ولقنته كثيراً من فنون السياسة والحكم(1).
وقد بدأت اتصالات الدولة السعودية الثالثة بالإنجليز بعد أشهر
عدة من استرداد الرياض فعلى أثر تأهب الإمام عبد الرحمن الفيصل لمغادرة الكويت في
عام 1320هـ/ مايــو 1902م للانضمام إلى ابنه عبدالعزيز في الرياض أرسل كتاباً إلى
الكولونيل كمبل (Kemball ) المقيم البريطاني في بوشهر طالباً إقامة علاقات
مع السعوديين بعد أن نجحوا في استرداد إمارتهم ، واقترح عقد اتفاقية شبيهة بتلك
الاتفاقيات المبرمة مع حكام الخليج ، وذكر أن أوسنيكو (Ozinico) القنصل الروسي في بوشهر الذي زاره في
الكويت عرض عليه المساعدة إذا ما طلب ذلك كتابة غير أنه رفض العرض الروسي بنصيحة
الشيخ مبارك حاكم الكويت. وعلى الرغم من أن كمبل أوضح لحكومته بأن السعوديين قد
حققوا انتصارات في نجد إلا أنه توقع أن يشن آل رشيد هجوماً مضاداً ، ولذا نصح
رؤساءه في حكومة الهند بالتأني في الرد على الرسالة(2).
ولما كان الأمير عبدالعزيز بن سعود يشعر بحاجته إلى تأييد
الحكومة البريطانية له فقد حاول أن ينتهج سياسة المناورة التي خبرها من الشيخ
مبارك حيث كتب رسالة صريحة إلى كمبل أكد فيها أنه من قبيل تفضيــل السعوديين
للصداقــة البريطانيــة فقد رفضوا عروضاً قدمت إليهم في الكويت من أحد المسؤولين
الروس. غير أن المقيم البريطاني قابل هذه الدعوة بفتور بل عمد إلى عدم الرد على
هذه الرسالة ، وأقرته حكومة الهند على ذلك ، وصدرت إليه التعليمات بعدم إظهار أي
تشجيع للسعوديين؛ لأن السياسة البريطانية كانت تميل إلى الابتعــاد التام عن
شــؤون نجد الداخليــة ، وخاصة أن الأمور لم تكن قد استقرت بها بعد(3).
وفي عام 1321هـ/نوفمبر 1903م أجرى بريدوكس (Prideaux) الوكيل
السياسي في البحريـــن مفاوضــات مع وكـــلاء ابن سعود ومبعوثيـــه أسفرت عن
اقتنـــاع كيرزون (Curzon) نائب الملك في الهند بأهمية إقامة علاقات رسمية مباشرة مع الأمير
ابن سعود ، ولكن في هذا الوقت بالذات وبسبب عدم استقرار الأوضاع في أواسط الجزيرة
العربية لم تحظ تلك الاقتراحات بالتأييد في لندن. وعقب عودة كيرزون مباشرة من
جولته في الخليج العربي التي قام بها في عام 1320 هـ/نوفمبر1903 م أعاد طرح هذا
الموضوع من جديد غير أن وزارة شؤون الهند حذرت كيرزون في برقية خاصة بعث بها إليه
من إقامة أية اتصالات مباشرة مع الرياض دون تعليمات حكومة لندن .
وإزاء ذلك الموقف كانت الحكومة البريطانية في الهند مضطرة – ولو مؤقتاً – إلى
التخلي عن خطتها لكنها لم تلبث أن أرسلت في
عام 1322هـ/ مارس 1904م خطاباً إلى
لندن لفتت نظرها فيه إلى أن ضعف النفوذ العثماني في الجزيرة العربية واهتمام الدول
الأجنبية الزائد بهذه المنطقة سيجبران الحكومة البريطانية بطريقة أو بأخرى على
إقامة علاقات مباشرة مع ابن سعود(4).
وفي خلال الصراع الذي دار بين آل سعود وآل رشيد في القصيم في
المحرم من عام 1322هـ/ 23 مارس 1904م حاول
ابن سعود إزاء تأهب الباب العالي إرسال قوات عسكرية لمساندة ابن رشيد أن ينال في
المقابل مساعدة الإنجليز له ومن أجل ذلك بعث برسالة في ربيع الأول 1322هـ/ 2 مايو
1904م عن طريق الشيخ مبارك إلى الميجر
برسي كوكس (Cox) الذي وصل إلى المقيمية البريطانية في
الخليج أعرب فيها عن احتجاجه الشديد لتدخل العثمانيين في شؤون نجد مؤكداً أنه إذا
لم يجد تأييدا من الحكومة البريطانية فإنه سيضطر إلى قبول مساعدة الروس الذين
كانوا قد عرضوا عليه مساعدتهم من قبل(5).
وقد أثارت رسالة ابن سعود هذه جدلاً كبيراً في الدوائر
البريطانية المعنية ، ونعني بها حكومتي لندن والهند ، إذ كانت حكومة الهند
البريطانية ترى أنه لا ينبغي أن تظل السياسة البريطانية على لا مبالاتها إذ كان من
رأي اللورد كيرزون ضرورة تأييد ابن سعود حتى لا يتحول الموقف لصالح العثمانيين في
نجد مؤكداً أن الدولة السعودية أصبحت في ظل قيادة ابن سعود دولة إقليمية غير
متعصبة ، وأن ابتلاع العثمانيين لنجد عن طريق حلفائهم آل رشيد أمر أسوأ بكثير من
التسليم بقيام تلك الدولة الجديدة (6) .
وبينما كان اللورد كيرزون يتأهب لإرسال مبعوث من قبله إلى
الرياض ليتعرف على حقيقة الأوضاع هناك تلقى تعليمات مشددة من حكومة لندن بعدم
اتخاذ أية خطوة للدخول في علاقات مع ابن سعود أو إرسال مبعوثين رسميين إليه ، إذ
كانت الفكرة الملحة في ذهن الساسة الإنجليز من أمثال جون برودريك (Broderick ) وزير
الدولة لشؤون الهند والسير نيقولا أوكونور (O'connor ) السفير البريطاني في الآستانة أن
الأمير ابن سعود لن يكون عوناً للحكومة البريطانية أكثر من أنه سيتفرغ للامتداد
بنفوذه إلى سواحل الخليج ومنازعة النفوذ البريطاني هناك. وكانت الدوائر المعنية في
حكومة لندن على اعتقاد بأن تاريخ العلاقات البريطانية السعودية يؤكد أن إعادة بناء
الدولة السعودية في وسط الجزيرة العربية سوف يؤدي حتماً إلى زيادة الضغوط على
الإمارات والمشيخات العربية المطلة على الخليج الواقعة تحت النفوذ الإنجليزي.
وإزاء تضارب وجهات النظر توصلت حكومة الهند إلى حل وسط حيث أرسلت
تعليماتها إلى الكابتن نوكس (Knox ) الوكيل البريطاني في الكويت بأن يتغاضى عن حركة مرور الأسلحة
لصالح ابن سعود وفي حالة احتجاج الدولة العثمانية فعليه في هذه الحالة أن يطلب
منها عدم التدخل في الصراعات الدائرة في نجد بين الأمير ابن سعود والأمير ابن رشيد (7)
. وكان من الواضح أن حكومة الهند اتخذت ذلك الموقف خوفاً من انتصار ابن رشيد وما
يترتب على ذلك من إتاحة الفرصة للدولة العثمانية للسيطرة على نجد وأواسط الجزيرة
العربية ، ومن ثم تهديد المصالح البريطانية في الخليج(8)
.
وباستيلاء ابن سعود على القصيم كان على الديبلوماسية
البريطانية أن تأخذ بعين الحسبان كل هذه التطورات لا سيما وأن ابن سعود بعد
انتصاره في القصيم أخذ يبدي اهتماماً متزايداً تجاه الأحساء وساحل عمان بهدف إيجاد
منفذ له على ساحل الخليج ، وكان ذلك مناقضاً للمصالح البريطانية(9) . ومن
ثم ظلت حكومة الهند ترقب بعين الحذر
تحركات ابن سعود في سواحل الخليج ، فعلى أثر توقف المنازعات مؤقتاً بينه وبين ابن
رشيد في عام 1323 هـ/1905 م زحف بقواته على شبه جزيرة قطر ، وكان ذلك استجابة
لدعوة تلقاها من الشيخ قاسم بن ثاني الذي كان يعاني من اضطرابات داخلية أشعلها ضده
أخوه الشيخ أحمد بن ثاني .
كما كانت المنازعات ناشبة في الوقت نفسه بين قبائل آل مرة
والعجمان ، ووجد ابن سعود في تلك الظروف فرصة سانحة لقمع الفوضى في قطر التي كانت
تتبع آنذاك الدولة العثمانية غير أن الشيخ أحمد بن ثاني بادر بتكوين تحالف مع
الشيخ زايد بن خليفة حاكم أبوظبي مما اضطر ابن سعود إلى التراجع مؤكداً أنه لم يأت
إلى قطر إلا لكي يوفق بين قبائل البدو الذين كانوا يتنازعون مع شيوخ قطر ، وكان
ذلك تصرفاً ذكياً من ابن سعود لكي يظهر أمام الإنجليز بمظهر المحب للأمن والنظام ،
وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت الشكوك تراود الإنجليز وخاصة حين وجّه مكاتبات إلى
رؤساء الساحل المهادن يبلغهم فيها بنجاحه في التوفيق بين قبائل البادية ، وعن عزمه
لزيارة مشيخاتهم في الربيع القادم .
كان من الطبعي أن تحدث تلك المكاتبات قلقاً شديداً لدى
الدوائر البريطانية إضافة إلى ما أثارته من توتر لدى الشيوخ الهناويين ، وبصفة
خاصة لدى الشيخ زايد بن خليفة الذي أعرب للسيد فيصل بن تركي سلطان مسقط عن مخاوفه
من تلك الزيارة التي يعتزم ابن سعود القيام بها إلى شيوخ الساحل في الوقت الذي
بادر فيه برسي كوكس بإرسال تعليماته إلى الكابتن نوكس الوكيل البريطاني في الكويت
للاتصال بالشيخ مبارك حاكم الكويت لكي يؤكد له أن الزيارة التي يعتزم ابن سعود
القيام بها إلى إمارات تربطها بالحكومة البريطانية اتفاقيات ومعاهدات خاصة أمر لا
يروق للحكومة البريطانية، ولا تنظر إليه بعين الارتياح .
كما طلب كوكس من الوكيل البريطاني في الكويت أن يستعلم من
الشيخ مبارك عما إذا كان ابن سعود لا يزال حريصاً على التمسك بتعهدات أسلافه ،
وكان يعني بذلك التصريح الذي أدلى به الإمام عبدالله بن فيصل في عام 1283هـ/1866م
إلى الكولونيل لويس بلي (Pelly) المقيم البريطاني في الخليج آنذاك الذي كان ينص على تعهد السعوديين
بعدم التدخل في شؤون الإمارات التي لها علاقات تعاهدية خاصة مع الحكومة البريطانية
، وأنهم لن يهاجموا أراضي القبائل العربية المتحالفة مع الحكومة البريطانية ولا
سيما مملكة مسقط بخلاف تلقي الزكاة التي كانت تدفع لهم منذ عهد الدولة السعودية
الأولى (10) .
وقد أجاب ابن سعود على تلك الاستفسارات مؤكداً حسن نواياه
تجاه الحكومة البريطانية والتزامه التام بتعهدات أسلافه(11)،
وطلب من الشيخ مبارك إبلاغ المقيم البريطاني في الخليج بأنه لا ينوي القيام بأية
أعمال تعدها الحكومة البريطانية غير ودية ، وأكثر من ذلك فقد أعلن إلغاءه لتلك
الزيارة التي كان يزمع القيام بها لرؤساء الساحل العماني ؛ ومن الواضح أن اتجاهات
ابن سعود السياسية في تلك الآونة كانت حريصة على عدم تحدي النفوذ البريطاني في
الخليج في الوقت الذي كان فيه في حاجة ماسة إلى توطيد مركزه في نجد ضد الدولة
العثمانية وحلفائها من آل رشيد(12).
وعلى الرغم من النوايا الطيبة التي أفصح بها ابن سعود إزاء
العلاقات بينه وبين الإنجليز إلا أن الدوائر البريطانية سواء في حكومة الهند أو في
حكومة لندن لم تبادل ابن سعود تلك النوايا الحسنة ، وذلك باستثناء برسي كوكس الذي
بدأ يقدر حقيقة وضع ابن سعود ، ومن ثم تولى على عاتقه رسم سياسة جديدة لعرضها على
حكومة الهند التي ضمَّنها في رسالة بعث بها إليها في 28 ذو القعدة 1335 هـ/ 16
سبتمبر 1916م أبرز فيها الفوائد التي تنجم
عن عقد اتفاقية مع الأمير عبد العزيز بن سعود وهي على النحو الآتي:
أولاً: إنَّ تجاهل الحكومة البريطانية مبادرات ابن سعود
من أجل إنشاء صداقة معها قد تؤدي إلى نظرته العدائية لها.
ثانياً : إن التفاهم معه سيزيل قلق سلطان مسقط والشيوخ
الهناويين من حكام الساحل العماني خاصة أبو ظبي ودبي ، ويزيد ثقتهم بالحكومة
البريطانية . وذكر كوكس بصدد ذلك أنه لو استطاع تبليغ أولئك الرؤساء بأن حكومة
الهند على اتفاق وتفاهم مع ابن سعود لا نتهى الأمر وزال القلق غير أنه لا يستطيع
إبلاغهم بذلك مالم تفصح الحكومة البريطانية صراحة عن صداقتها له ، وأن استمرار
الوضع على ماهو عليه سيجعل أولئك الشيوخ في حالة من التوجس والقلق.
ثالثاً : إن تأييد الحكومة البريطانية لابن سعود ضد منافسيه من آل رشيد وإتاحة
منفذ له على سواحل الخليج سيساعدها على قمع عمليات القرصنة في السواحل الشمالية ،
وهي السواحل التي استفحلت فيها أخطار القرصنة وتجارة الرقيق نتيجة النفوذ العثماني
الواهن .
ورغب كوكس في أن يبرز لرؤسائه النتائج المنطقية للسياسة
المترددة التي تتبعها الحكومة البريطانية إزاء ابن سعود فأخبرهم بأنهم لن يتمكنوا
في الواقع من حماية الزعماء في جزء كبير
من سواحل الجزيرة العربية في الوقت الذي لا يبالون فيه بالأحداث التي تجري في
الداخل ولا يمكن لمثل هذه السياسة أن تصيب نجاحاً إلا إذا شل زعماء الداخل بعضهم
بعضاً بانقساماتهم ومنازعاتهم كما كان يحدث ذلك في الماضي ، أما إذا وجدوا قائداً
فلا بد للإنجليز في هذه الحالة من إنشاء علاقات معه ، وقد ظهر هذا القائد الآن(13)
!!.
وليس من شك في أن برسي كوكس – الذي أخذ يرتبط فيما بعد
بصداقة حميمة مع ابن سعود –كان أول
ديبلوماسي بريطاني يتنبأ بأن ابن سعود سيسيطر على سياسة جزيرة العرب كما كان أول
من نبَّه رؤساءه في حكومة الهند إلى أهمية كسب صداقة ابن سعود التي أصبحت كلمته هي
القانون في الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية .
مضى وقت طويل والدوائر البريطانية في كل من حكومتي الهند
ولندن تدرس اقتراحات برسي كوكس ، وفي خلال تلك الحقبة لم تنقطع اتصالات ابن سعود
بالإنجليز وقد حدث ذلك في مناسبات عدة :
كانت المناسبة الأولى على أثر نجاحه في ضم القصيم في 18 صفر
1324 هـ/14 أبريل 1906م ، ومقتل ابن رشيد في روضة مهنا حيث أصبح يشعر بأنه غدا
القوة المتنفذة في أواسط نجد ، وأنه أصبح في حاجة ماسة للحصول على منفذ على البحر.
ومن ثم بدأ في جس نبض حكومة الهند ومعرفة موقفها من استرداده لإقليم الأحساء من
الدولة العثمانية. وبصدد ذلك أرسل مبعوثا من قبله " مسعود بن سويلم "إلى
البحرين لكي يؤكد للكابتن بريدوكس الوكيل البريطاني هناك بأن سيده يجد نفسه الآن
قوياً لدرجة تمكنه من طرد العثمانيين من الأحساء ، وجاء في رسالته المبلغة إليه أن
موارد نجد المادية قد استنفدت نتيجة حروبه المتواصلة ضد آل رشيد وحلفائهم
العثمانيين ؛ وأنه بناء على ذلك يفكر في استرداد الأحساء والقطيف اللتين يستطيع
بهما الحصول على دخل مناسب والاستعانة بمواردهما في إخضاع القبائل الخارجة عن
طاعته وزيادة حصيلة تجارته(14) . ولم تكن مطالب ابن سعود وتطلعاته قد
جاءت من فراغ إذ كان يؤمن بحقه التاريخي ، ويرى أن العثمانيين سيطروا على تلك
الأقاليم – التي كانت خاضعة لأسلافه في عهد الدولتين السعودية الأولى والثانية–
بغير حق(15) .
غير أن اختلاف الرؤى السياسية بين حكومتي لندن والهند عرقل
الوصول إلى أي اتفاق مع ابن سعود فعلى حين بدأت حكومة الهند البريطانية تتفهم بعض
الشيء أوضاع ابن سعود وتتجه إلى مساندته أبدت حكومة لندن اعتراضها على تلك السياسة
، وكان ذلك بناء على نصيحة السير نيقولا أوكونور السفير البريطاني في الآستانة
الذي أكد أن سيطرة العثمانيين على الأحساء أمر أخف وطأة من سيطرة ابن سعود ؛ إذ
إنه لن يكون عونا للحكومة البريطانية بقدر ما سوف يعمل على الامتداد بنفوذه إلى
إمارات الخليج الخاضعة للحماية البريطانية(16).
واستجابة لتلك النصائح استمرت حكومة لندن في موقفها الذي كان
يقضي بعدم مساندة ابن سعود ؛ إذ إن ذلك سيؤثر على العلاقات بينها وبين الدولة العثمانية
، ومن ثم أصدرت الخارجية البريطانية تعليماتها إلى حكومة الهند بأن المصالح
البريطانية لا ينبغي أن تتعدى مناطق نفوذها في سواحل الخليج العربى.
وعلى الرغم من الموقف المعارض الذي اتخذته حكومة لندن إلا أن
ابن سعود لم يكف عن الاتصال بحكومة الهند التي كانت أكثر تفهماً لمطالبه حيث حاول
عن طريق الشيخ مبارك في رجب 1324هـ/أغسطس
1906م إقناع الكابتن نوكس الوكيل
البريطاني في الكويت بمزايا استرداده الأحساء من الدولة العثمانية ، وأنه يتعهد
إذا ماتحقق له ذلك بعدم المداخلة في الإمارات المرتبطة بعلاقات تعاهدية خاصة مع الحكومة
البريطانية .
وفي شهر رمضان من ذلك العام نفسه تلقى الكابتن بريدوكس الوكيل البريطاني في البحرين خطاباً من الشيخ
قاسم بن ثاني يذكر فيه أن ابن سعود عاود الاتصال به ؛ لأنه يخشى من ألا يكون الشيخ
مبارك قد عرض قضيته على المسؤولين الإنجليز بالحماسة الكافية ، وأنه متلهف
لاسترداد الأحساء ، ولكنه يريد الاطمئنان على موقف الحكومة البريطانية (17).
وبصدد تلك الاتصالات تشير بعض المصادر إلى
أن ابن سعود قدم في ذلك العام اقتراحاً يقضي بالتفاهم سراً مع الحكومة البريطانية
التي تقدم له الحماية إذا ما نجح في طرد العثمانيين من الأحساء ، وذلك في مقابل
ارتباطه بمعاهدة معها على غرار المعاهدات التي عقدتها مع رؤساء الساحل العماني
وموافقته على تعيين ممثل لها في ممتلكاته أما إذا فشل في استرداد الأحساء فإنه لن
يخون الاتفاق السري بينه وبين الحكومة البريطانية(18) .
وعلى الرغم من أن هناك مصادر أشارت إلى أن اقتراح ابن سعود قدر له أن ينفذ بعد ذلك
بعدة سنوات ، وعلى وجه التحديد في عام 1329هـ/ 1911م حيث وقعت في ذلك التاريخ
اتفاقية بين الطرفين وافقت فيها الحكومة البريطانية على عدم معارضة ابن سعود في ضم
الأحساء ، وأن تمنع عنه أي عدوان يأتي إليه من جهة البحر مقابل تنازله عن حقوقه
التاريخية في مسقط والساحل العماني إلا أننا لم نجد ما يؤيد توقيع تلك الاتفاقية ،
وعلى العكس من ذلك فقد ظل موقف الدوائر البريطانية معارضاً لإقامة علاقات مباشرة
مع ابن سعود أو إتاحة الفرصة له للسيطرة على الأحساء خشية تهديد نفوذها في إمارات
الساحل العماني(19) .
وبصدد ذلك صرح جون مورلي (Morley ) ، وكان متولياً وزارة الدولة لشؤون
الهند في أنه لا ينبغي أن تقوم أية علاقة رسمية مع ابن سعود مخافة أن يؤدي ذلك إلى
زيادة في تعقيد الموقف الدولي ، وخاصة في الوقت الذي كانت تجري فيه مفاوضات بين
الدولة العثمانية والحكومة البريطانية بخصوص توزيع مناطق النفوذ في الخليج والجنوب
العربي وبين بريطانيا وألمانيا بشأن امتداد خط سكة حديد بغداد إضافة إلى المشكلات
القائمة بين بريطانيا وروسيا بشأن توزيع مناطق النفوذ في فارس وأفغانستان وأواسط
آسيا. ومن ثم كتب جون مورلي إلى حكومة الهند بأن تقصر اهتمامها على سواحل الخليج
دون التطلع إلى ما يحدث من صراعات داخل نجد وأواسط الجزيرة العربية مؤكداً أنه من
غير المنطقي أن تتجه حكومة الهند إلى مساندة ابن سعود في الوقت الذي تعترف فيه
حكومة لندن بخضوع الأحساء للدولة
العثمانية(20) .
كما أبدت حكومة لندن اعتراضها على صيغة الرد التي أعدتها
حكومة الهند على رسائل ابن سعود ، وكان يتضمن
أنه مع رغبة الحكومة البريطانية في توثيق العلاقات الودية مع ابن سعود
طالما هو يحترم مصالحها ومعاهداتها مع أمراء الساحل المهادن إلا أنها لاتستطيع أن
تقدم له وعداً رسمياً بالحماية؛ لأن ذلك قد يحرض الدولة العثمانية على مناوءته .
وأنه إذا كان لا بد للمقيم البريطاني في الخليج أن يعطي جواباً فله أن يبلغ وسطاء
ابن سعود – الشيخ مبارك والشيخ قاسم – أن عروض ابن سعود تنطوي على اعتبارات ترى
حكومة جلالة الملك استحالة قبولها في الوقت الحاضر ، وإذن فليس له أن يتوقع
استجابة لها(21).
أعقب تلك الاتصالات سنوات عدة لم يفكر ابن سعود في خلالها
معاودة الاتصال بالإنجليز حيث قضى تلك الحقبة في جهود دائبة لإقرار نفوذه في داخل
نجد ، وإضعاف قوة خصومه ومعارضيه ، وبناء قوة عسكرية محاربة بعد أن أصاب قواته وهن
شديد لطول القتال المتواصل بينه وبين آل رشيد من ناحية وبينه وبين القبائل
المناوئة له من ناحية أخرى.
وفي جمادى الأولى من عام 1331هـ/13 أبريل 1913م أقبل الأمير ابن
سعود على خطوة مهمة معتمداً على جهوده الذاتية في استرداد مقاطعة الأحساء دون أن
يلجأ إلى طلب الحماية أو المساعدة من الحكومة البريطانية ، كما حاول ذلك في
الماضي. ومن الواضح أن إقدام ابن سعود على تلك الخطوة كان مدفوعاً إليها بدوافع
متعددة فبالإضافة إلى حاجته الملحة إلى منفذ بحري لربط نجد بالعالم الخارجي فإن
الأحساء صارت ملجأً للخارجين عليه.
ومن المؤكد أن ابن سعود في استرداده للأحساء كان متتبعاً
للتطورات الدولية التي لم تكن في صالح الدولـــــة العثمانية التي خرجت منهكة في
حربها مع إيطاليــــا 1329هـ/ 1911م التي أفقدتها ليبيا وبعض جزر البحر الأبيض
المتوسط ، كما كانت تواجه ثورات عديدة في البلقان من قبل اليونان والصرب والبلغار
وخاصة بعد تصاعد حركة الجامعة السلافية ، ومن ثم كانت الدولة العثمانية مضطرة إلى
إنقاص حامياتها العسكرية في الأحساء بحيث لم تعد تتعدى سوى بضع مئات من الجنود .
وليس من شك أيضاً في أن تعنت الاتحاديين من جماعة تركيا
الفتاة الذين وصلوا إلى حكم الدولة بعد عزلهم للسلطان عبد الحميد الثاني في عام
1327هـ/1909م قد أثارت ضد هم المشاعر العربية نتيجة سياستهم الطورانية المعادية
للعرب وغيرهم من العناصر الأخرى . والأهم من ذلك أن أنباء المباحثات العثمانية
الإنجليزية التي كانت تجري في لندن بين عامي 1329–1332هـ/1911/1913م بخصوص توزيع
مناطق النفوذ في الخليج العربي قد وصلت إلى أسماع ابن سعود فخشي أن يتقرر شيئاً
بالنسبة للأحساء يقطع عليه سبيل المستقبل ، ولذلك قرر أن يسبق سير المباحثات
ليسترد الأحساء ، ويتيح لإمارته منفذاً على البحر(22) .
بادر ابن سعود في 5 جمادى الأولى من عام 1331هـ/13 أبريل
1913م بشن غارة مفاجئة على الحامية العثمانية في الأحساء حيث سارع أفرادها بالفرار
إلى العقير ثم اتجهوا بعد ذلك إلى البحرين حيث سمح لهم الإنجليز باللجوء إليه.
ويذكر برسي كوكس المقيم البريطاني في الخليج أن ابن سعود أرسل إليه خطاباً شكا فيه
من سماح السلطات البريطانية للعثمانيين باستعمال البحرين قاعدة لهم مؤكداً في
الوقت نفسه أنه راغب أشد الرغبة في أن يرتبط بالحكومة البريطانية بعلاقات ودية ،
ويرجو أن يحاط علماً بما سيكون عليه موقفها ليكون على بينة من أمره ، ولتدبير
السبل لحماية مصالحه.(23)
وحين اطمأنت الحكومة البريطانية إلى صلابة موقف ابن سعود أخذت
تغير من موقفها إزاءه ، وتعمل على كسبه إلى جانبها غير أنها ظلت لا تستطيع أن تقدم
له مساندة صريحة ، وذلك باستثناء وقوف السلطات البريطانية في الخليج ضد حملة
عسكرية أرسلتها الدولة العثمانية لمحاولة استرداد الأحساء ، ولم يكن وقوف السلطات
البريطانية ضد هذه الحملة من أجل حماية ابن سعود ، وإنما من أجل المحافظة على أمن
الخليج؛ إذ كان موقف الحكومة البريطانية الرسمي لا يزال قائماً على عدم الاعتراف
بسيطرة ابن سعود على الأحساء في الوقت الذي اعترفت فيه في الاتفاقية الإنجليزية
العثمانية الموقعة في 1331هـ/29يوليو1913م بسنجق نجد العثماني الذي يشكل إقليم
الأحساء جزءا منه. ولعل مما يثير الانتباه أكثر مما يبعث على الدهشة أن الاتفاقية
العثمانية الإنجليزية على الرغم من أنه وقع عليها بعد بضعة أسابيع من استرداد
الأحساء إلا أنها لم تراع المركز الجديد الذي وصل إليه ابن سعود(24)!
وقد علل ابن سعود فتحه للأحساء في حديث صحفي أدلى به إلى
جريدة الدستور البصرية في عام 1331هـ/ أكتوبر 1913م بأن الدولة العثمانية "
غصبت آبائي هذا اللواء بدون مشروع حق ، وليتها احتلت ما يداني الحسا من البلاد
كعمان وغيرها التي تركتها هملاً ، ومكنت الدول الأجنبية من أن تقذف فيها نار الفتن
ثم جاءتني مضابط فيها توقيع كثير من العلماء والوجوه قائلين : إن لم تسعفنا نضطر
إلى ما لا تحمد عقباه، وفي تلك المطاوي سمعت أن الدولة العثمانية تنازلت عن حقوقها
في خليج فارس وسواحله فاستندت على ما لدي من الحقوق الشرعية في هذا القطر بمنزلة
أساس ، وبادرت بتلبية طلب الأهالي ليكونوا في حرز حريز من تملك أرباب الفساد فيهم
، وإبعاد الأجانب عن ديارهم ".(25)
ليس من شك في أن ابن سعود بعد الاستيلاء على الأحساء أصبح في
مركز دقيق وفي ملتقى التيارات السياسية المختلفة فبريطانيا أصبحت جارة له من جهة
الشرق والشمال الشرقي ، والدولة العثمانية تتودد إليه في الظاهر ، وإن كانت لا
تزال تشجع خصومه من آل رشيد ، وتمدهم بالمال والسلاح كما كانت تنظر بعين الارتياح
إلى المناوشات التي كان يقوم بها ضده الشريف حسين من جهة الغرب .
ولعل أهم النتائج التي ترتبت على استرداد ابن سعود للأحساء
أنه استطاع أن يوجد منفذاً لإمارته على البحر مما ساعده على الاتصال مباشرة
بالإنجليز بل يمكن القول : إن الإنجليز بعد استيلائه على الأحساء هم الذين أخذوا
يوجهون اهتمامهم إليه ، ومع أن الحكومة البريطانية ظلت تستشعر حرجاً في إيجاد اتصالات رسمية بينها وبين ابن سعود
نتيجة عقدها الاتفاقية الإنجليزية العثمانية إلا أن المصالح البريطانية فرضت عليها
تحقيق ذلك الاتصال ، وذلك لضمان موقفه تجاه مناطق نفوذها في إمارات الساحل العماني
والمحافظة على الهدنة البحرية ، وقمع تجارة الرقيق(26)
.
وعلى الرغم من أن ابن سعود أصبح يشكل قوة عازلة بين الإمارات
الواقعة في ذلك الساحل والنفوذ العثماني في الشمال إلا أن الحكومة البريطانية ظلت
مع ذلك في حالة قلق متزايدة من احتمال توسعه في تلك الإمارات ، ومن ثم كانت
المصلحة البريطانية تقتضي اجتذابه لصداقتها(27)، وإن كانت قد
حرصت على أن تكون اتصالاتها به سرية عن طريق وكلائها في الكويت والبحرين.(28)
وهكذا أصبحت بريطانيا هي التي تسعى إليه وإن كان احتمال عقد اتفاقية معه قد طرح
جانباً ؛ لأن الحكومة البريطانية كانت لا تزال على الرغم من اقتراب نذر الحرب
العالمية الأولى تفضل تهدئة العلاقات بينها وبين الدولة العثمانية تخوفاً من
مركزها الديني.
ولعل استمرار تحفظ الحكومة البريطانية من إيجاد علاقات مباشرة بينها وبين ابن سعود
كان دافعاً له لتحسين علاقته بالباب العالي وخاصة حين وجد استجابة من الدولة
العثمانية لكي تعترف به والياً على نجد ومتصرفاً على الأحساء(29).
وتشير العديد من المصادر إلى أن هناك اتفاقية عقدت بين ابن
سعود ومبعوثي الدولة العثمانية في 1332هـ/ مايو 1914م كانت تنص على ما يأتي :
أولاً : تعترف الدولة العثمانية بالأمير ابن سعود والياً
على نجد ومتصرفاً على الأحساء ، وينتقل المنصب وراثياً إلى أبنائه من بعده.
ثانياً : تلتزم الدولة العثمانية بأن تقدم إليه مساعدات من
المال والسلاح.
ثالثاً: يتعهد ابن سعود بألا يمنح امتيازات للأجانب في
المناطق التي آلت إليه.
رابعاً: أن يقف ابن سعود بجانب الدولة العثمانية في حالة
نشوب حرب بينها وبين أعدائها.
واستناداً على تلك الاتفاقية صدر فرمان من السلطان العثماني
محمد رشاد في 1332هـ/15 مايو 1914م يقضى بتثبيته والياً على نجد ومتصرفا على
الأحساء ومنحه الوسام المجيدي من الدرجة الأولى مع رتبة الباشوية.
ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن هذه الاتفاقية لا تزال تثير
جدلاً بين الباحثين ، ويرجع ذلك إلى عدم العثور على النصوص الأصلية لها ، ولا
تتعدى معلوماتنا عنها أكثر من تلك النصوص التي وردت في ملحق رسالة بعث بها حقي
باشا ناظر الخارجية العثمانية إلى السير إدوارد جري (Grey) وزير الخارجية البريطانية. كما أشار
شفيق كمالي باشا والي البصرة في مذكراته عن جزيرة العرب التي نشرت تباعاً في جريدة
الأهرام في عام 1343هـ/1924م أن هناك
اتفاقية وقعت بين ابن سعود والباب العالي، وأكد أن لديه المستندات الخاصة بتلك
الاتفاقية غير أنه للأسف انقطعت تلك المذكرات قبل أن يدلي بما لديه من مستندات(30).
وبينما أكدت الحكومة البريطانية على وجود اتفاقية سعودية
عثمانية ذكرت أن القوات البريطانية عثرت عليها في سجلات البصرة أثناء الحرب
العالمية الأولى إلا أن الحكومة السعودية أكدت من ناحيتها أنها لم تعثر على تلك
الاتفاقية في سجلاتها والمغزى من ذلك أن الحكومة البريطانية حين تصاعدت مشكلات
الحدود بين المملكة العربية السعودية وإمارات الخليج العربية منذ حقبة الثلاثينيات
كانت تريد أن تحمل الحكومة السعودية تبعة ما نصت عليه الاتفاقيتين الإنجليزية
العثمانية في عامي 1331–1332هـ/1913–1914م، وذلك بسبب أن الملك عبد العزيز بن سعود
بتوقيعه تلك الاتفاقية مع الباب العالي أصبح ملزماً بهاتين الاتفاقيتين اللتين تم
فيهما تعيين حدود نجد.
ومهما يكن من أمر فإن الاتفاقية السعودية العثمانية
1333هـ/1914م – دون الدخول في تلك المجادلات– لم يكن لها فاعلية إذ لم تلبث الظروف
الدولية أن دفعت كلاً من الدولة العثمانية والأمير ابن سعود على تغيير مواقفهما.
فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب دول
الوسط (المانيا وإمبراطورية النمسا والمجر) أخذت الدوائر البريطانية تبحث عن
الزعيم الذي يستطيع قيادة العرب ضد الدولة العثمانية ، وقد اختلفت دوائر الهند
ولندن فيما بينها عمن تنصبه على تلك الزعامة ، فبينما كانت الدوائر البريطانية في
الهند تركز على ابن سعود لكونه صاحب نفوذ واسع في نجد والأحساء كانت الدوائر
البريطانية في القاهرة ولندن تركز على الشريف حسين لمركزه الديني وانتمائه إلى
السلالة النبوية الشريفة ، وذلك لمناهضة
دعوى الجهاد الديني المقدس التي بدأت الدولة العثمانية في إطلاقها ضد الإنجليز
وحلفائهم(31).
ولقد كان ابن سعود من الذكاء بحيث أدرك أن حكومة الهند لا
تتطلب منه القيام بأكثر من نشاط محلي يستهدف إضعاف قوة العثمانيين بضرب حلفائهم من
آل رشيد ، وعدم تمكينهم من تهديد الجناح الأيسر للقوات البريطانية في زحفها على
البصرة(32)،
ولعل إدراك ابن سعود لتلك الحقيقة هو الذي دفعه لرفض العروض البريطانية التي قدمت
له بإعلان الحرب على الدولة العثمانية ، والقيام بهجوم على الشام والعراق، وكان
موقفه في الحرب أقرب ما يكون إلى الحياد ،
فإلى جانب رفضه مشاركة الإنجليز في محاربة العثمانيين رفض أن يحارب الشريف حسين
كما أراد منه العثمانيون(33).
ولم يلبث أن أدرك الإنجليز أن مصلحتهم تتفق إلى حد كبير مع
مصلحة ابن سعود، ومن ثم كانت بعثة الكابتن شكسبير (Shakspear) الوكيل البريطاني في الكويت إلى
الرياض. وعلى الرغم من أن شكسبير وجد رفضاً صريحاً من ابن سعود في إعلان
وقوفه في الحرب إلى جانب الإنجليز إلا أنه
استطاع خلال إقامته بالرياض أن يتفهم مشكلات ابن سعود ، ويبدو ذلك من رسالة بعث
بها إلى برسي كوكس في 1333هـ/16يناير1915م أشار فيها إلى القلــــق المتزايد الذي
أخذ ينتاب ابن سعود الذي أكد له حرصه على صداقة الإنجليز ، ولكنه ألمح في الوقت
نفسه إلى عواطفه الدينية تجاه دولة الخلافة الإسلامية. وحسماً لذلك فإنه يطالب
بعقد معاهدة بينه وبين الإنجليز ؛ لأن موقفه غير المحدد قد يسبب له حرجاً إذ قد
يضطر في هذه الحالة إلى اتخاذ موقف قد يكون في صالح العثمانيين (34).
وقد استمرت المباحثات بين ابن سعود وشكسبير بضعة أسابيع ،
وقبل أن تؤتي ثمرتها قتل شكسبير في معركة جراب 1333هـ/يناير 1915م التي دارت بين ابن سعود وابن رشيد التي لم تنته
بنصر حاسم لأي من الطرفين المتصارعين ، وكما يؤكد الجنرال جلوب (Glubb) أن هذه
المعركة لو انتهت بنتيجة إيجابية لكان من الممكن لابن سعود وشكسبير أن يلعبا دوراً
في الحرب العالمية الأولى لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبه كل من لورانس والأمير
فيصل بن الحسين(35).
كان وضع ابن سعود غير المستقر الذي ترتب على معركة جراب ومقتل
شكسبير سبباً في عدم عقد معاهدة بين ابن سعود والإنجليز ، ومع ذلك فقد ظلت فكرة
عقد معاهدة بين الطرفين تراود برسي كوكس – الذي أصبح مع نشوب الحرب العالمية
الأولى ضابطاً سياسياً في حملة العراق – وذلك لتقديره أهمية مركز ابن سعود ، ومن
ثم استؤنفت اتصالات غير مباشرة فيما بينهما أسهم في تعزيزها عبد اللطيف بن منديل
ممثل ابن سعود في البصرة. وعلى أثر موافقة حكومة الهند البريطانية على طلب برسي
كوكس بأن الضرورات العسكرية تقتضي عقد معاهدة مع ابن سعود أبحر كوكس من البصرة إلى
العقير وعلى إحدى الجزر الصغيرة القريبة من ذلك الميناء ، وهي جزيرة دارين تمت
المقابلة بينه وبين ابن سعود في 1334 هـ/ نوفمبر 1915م ، وكانت هذه أول مرة يلتقي فيها ابن سعود برسي
كوكس ، وإن كانا قد دخلا قبل ذلك في مفاوضات ومراسلات كثيرة ، وفيما يبدو أن كلاً
منهما قد أعجب بشخصية الآخر . وقد أكد ابن سعود لبرسي كوكس أن الولاة الذين يعينهم
في الأحساء لديهم تعليمات مشددة برعاية المصالح البريطانية (36) .
وفيما يقال : إن برسي كوكس انتهز فرصة اجتماعه مع الأمير ابن سعود ليعرض عليه منصب
الخلافة ولكن ابن سعود كان من الذكاء وبعد النظر بحيث خشي أن يجره قبول ذلك المنصب
إلى عداء من قبل الأمراء العرب.(37)
وفي السابع عشر من المحرم 1334 هـ/ 26 نوفمبر 1915م وبعد
محادثات قصيرة وُقع على معاهدة دارين التي نصت على ما يأتي :
أولاً: تعترف الحكومة البريطانية بأن نجد والأحساء والقطيف والجبيل وملحقاتها
وثغورها على سواحل الخليج كلها تابعة لابن سعود ولآبائه من قبل ، وأنه حاكم مستقل
عليها ورئيس مطلق على جميع القبائل الموجودة بها. وتعترف لأولاده وأعقابه وارثين
من بعده على أن يكون خليفته منتخبا من قبله ، وألا يكون مخاصماً لإنجلترا بوجه من
الوجوه أي أنه يجب ألا يكون ضد المبادىء التي تمثلت في هذه المعاهدة .
ثانياً: إذا تجاوزت إحدى الدول على أراضي ابن سعود أو أعقابه من بعده دون إعلام
الحكومة البريطانية ودون أن تمنح الوقت المناسب للمخابرة مع ابن سعود لأجل تسوية
الخلاف فالحكومة البريطانية تعاون ابن سعود ضد هذه الحكومة وفي مثل هذه الظروف
يمكن للحكومة البريطانية بمساعدة ابن سعود أن تتخذ تدابير مشددة لأجل المحافظة
عليه وحماية منافعه.
ثالثاً: يتعهد ابن سعود أن يمتنع عن كل مخابرة أو اتفاق أو معاهدة مع حكومة أو
دولة أجنبية ، وعلاوة على ذلك فإنه يتعهد بإعلام الحكومة البريطانية عن كل تعرض أو
تجاوز يقع من قبل حكومة أخرى على الأراضي التي ذكرت آنفا .
رابعاً: يتعهد ابن سعود بصورة قطعية أن لايتخلى ولا يبيع ولا يرهن ولا بصورة من
الصور يقبل بترك قطعة أو التخلي عن الأراضي التي ذكرت آنفا ، ولا يمنح امتيازاً في
تلك الأراضي لدولة أجنبية أو لتبعية دولة أجنبية دون رضا الحكومة البريطانية ، وأن
يتبع نصائحها التي لا تضر بمصلحته.
خامساً: يتعهد ابن سعود بأن يبقي الطرق المؤدية إلى الأماكن المقدسة مفتوحة ،
وأن يحافظ على الحجاج أثناء ذهابهم لتأدية فريضة الحج ورجوعهم منها.
سادساً: يتعهد ابن سعود بأن يمتنع عن كل تجاوز وتداخل في أراضي الكويت والبحرين
وأراضي مشايخ قطر وعمان وسواحلها وكل المشايخ الموجودين تحت حماية بريطانيا الذين
لهم معاهدات معها.(38)
وقد ظلت معاهدة دارين سارية المفعول ، وإن أدخلت عليها بعض
التعديلات حتى استبدلت بمعاهدة جدة 1345هـ/1927م.
وترى بعض المصادر أنه قد تجلى في معاهدة دارين قصر نظر
مستشاري الأمير ابن سعود بما كان يجري في العالم الخارجي والاستفادة من الفرص.
ويرجع السبب في تلك الانتقادات إلى ماتضمنته المعاهدة من قيود جعلتها على غرار
المعاهدات التي عقدتها بريطانيا مع إمارات الخليج الأخرى ، على حين ترى مصادر أخرى
أنه لم يكن لابن سعود خيار في عقد تلك المعاهدة. والحقيقة أن معاهدة دارين كانت
ذات فوائد بالنسبة لكل من بريطانيا والأمير ابن سعود.
فبالنسبة
لبريطانيا :
أولاً : استطاعت الحكومة البريطانية بموجب تلك المعاهدة
أن تؤمن طرق مواصلاتها للعراق عبر الخليج.
ثانياً: كان بوسع الحكومة البريطانية – نتيجة عقدها تلك المعاهدة– الوقوف ضد
الاتجاه الموالي للعثمانيين من خلفاء الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت ، كما ضمنت
لها في الوقت نفسه عدم عداء ابن سعود للشريف حسين الذي كان مقرراً له أن يعلن
الثورة العربية ضد العثمانيين.
ثالثاً : استطاعت الحكومة البريطانية بموجب إبرام تلك المعاهدة أن تؤمن مركز
الشيوخ الخاضعين لحمايتها في الخليج ، وذلك بإلزام ابن سعود – طبقاً للمادة
السادسة من تلك المعاهدة – بعدم مهاجمة الكويت والبحرين وقطر ومسقط ومشيخات الساحل
المهادن.
أما
الفوائد التي تمكن ابن سعود أن يستحوذ عليها بموجب عقده لتلك المعاهدة فيمكن
إبرازها على النحو الآتي:
أولاً : استطاع ابن سعود تأمين ممتلكاته في الأحساء ، إذ
كان بوسع بريطانيا أن تحتل تلك الممتلكات باعتبارها لا تزال من الوجهة القانونية
من ممتلكات الدولة العثمانية المعادية لها. وفي تقديرنا أن ذلك السبب هو الذي كان
يدفع ابن سعود لعقد تلك المعاهدة ؛ إذ كان من سعة الإدراك بحيث قدر أن الإنجليز
بسبب ظروف الحرب كانوا قادرين على إنزال قواتهم لاحتلال الأحساء باعتبارها تابعة
للدولة العثمانية ، ومن ثم كان حريصاً على عقد تلك المعاهدة التي اعترفت له
بريطانيا فيها بامتلاكه للأحساء وحمايته من أي اعتداء يقع على ممتلكاته من قبل أية
دولة أخرى.
ثانياً : على الرغم من القيود التي وردت في تلك المعاهدة التي كانت لا تعطي لابن
سعود مكانة أكثر من مكانة حكام الخليج الخاضعين للحماية البريطانية إلا أنه استطاع
في كثير من الأحيان أن يتحلل من معظم تلك القيود ، ونشير بصدد ذلك إلى اتصاله
بالسيد محمد الإدريسي ، وتوقيع اتفاقية حماية معه ضد اليمن، كما فاوض في الوقت
نفسه الإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن بشأن مشكلات الحدود اليمنية السعودية ،
وتراسل مع الشيخ أحمد الجابر الصباح حاكم الكويت في كثير من القضايا المتعلقة
بالطرفين.
ثالثاً: استطاع ابن سعود أن يبقى على موقفه المحايد في الحرب العالمية الأولى ؛
إذ لم يكن في معاهدة دارين نص يلزمه باتخاذ موقف معين تجاه بريطانيا وحلفائها(39).
كما كان في الوقت نفسه حريصاً على عدم الإساءة إلى دولة الخلافة غير أنه على أثر
دخول الدولة العثمانية الحرب بادر بمراسلة كل من الشريف حسين وابن رشيد وابن
الصبــــاح مقترحاً عقد اجتمــــاع للمذاكرة علنا من أجل إنقاذ العرب من
أهـــــوال الحرب ، والتحالف مع دولة من الدول لصيانة حقوقهم وتعزيز مصالحهم (40).
رابعاً: كان للمعاهدة أثر واضح في إحباط مشروع يهودي كان يقضي بإنشاء دولة
يهودية في البحرين والأحســــاء. ويرتبط هذا المشـــــروع بالدكتور م.ل. روتشتين (Rotshtine) وهو
طبيب يهودى من رعايا روسيا القيصرية وعضو مجمع الحاخامــــات اليهودي الذي عرض
مشروعـــــه هذا على السير فرنسيس بارتي (
Berttie ) سفير بريطانيا في باريس في عام 1336 هـ/ 12سبتمبر 1917م. وكان
هذا المشروع يقضي بأن تقوم دول الوفاق الثلاثي ( إنجلترا، فرنسا ، روسيا) بإعداد
جيش من اليهود وتنظيمه يوضع تحت قيادته ، ويكون الغرض من إعداده المشاركة في الحرب
عن طريق غزو مقاطعة الأحساء ، وإنشاء دولة يهودية تضم إليها المقاطعات الشمالية من
الخليج على أن تستثنى الكويت من حدود الدولة المقترحة(41).
وقد بادر السير فرنسيس بارتي بإرسال المشروع المقدم إليه إلى وزارة
الخارجية البريطانية التي كان يدير شؤونها في ذلك الوقت أرثر بالفور (Balfour ). ولما
كانت الحكومة البريطانية قد عقدت إتفاقية دارين مع ابن سعود ، واعترفت له فيها
بملكيته للأحساء إضافة إلى أن السياسة البريطانية كانت تخطط في ذلك الوقت بالذات
مع الصهيونية العالمية لإنشاء دولة عبرية في فلسطين فقد رفض بالفور المشروع المقدم
إليه وبادر بإرسال تعليماته إلى السفير البريطاني في باريس التي كانت تقضي
بالاعتذار للدكتور روتشتين بأن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تضع مشروعه في
موضع التنفيذ.
ومن دراستنا لمشروع روتشتين يبدو واضحاً أنه تجاهل الوضع الذي
أصبح عليه الأمير ابن سعود بعد استرداده الأحساء وعقده معاهدة دارين. كما يبدو
أيضاً أن مقدم المشروع خفيت عليه حقيقة الأوضاع السياسية في الخليج حيث أشير في
المشروع إلى مقاطعة الأحساء باعتبارها مقاطعة عثمانية . والحقيقة أن الحكومة
البريطانية لم تكن على استعداد للنظر في هذا المشروع الذي قد يترتب على تنفيذه
المساس بوضع ابن سعود فضلاً عن عودة القوى الأوربية التي سبق أن نازعتها النفوذ
وهي روسيا وفرنسا إلى منطقة الخليج بعد أن كانت قد نجحت في التخلص من منافستها.
أخذت العلاقات تتوثق بين الحكومة البريطانية والأمير ابن سعود
على أثر عقد معاهدة دارين ، ففي العام الآتي من عقد تلك المعاهدة اجتمع ابن سعود
مرة أخرى مع برسي كوكس ، وقد أعيد اختيار ميناء العقير ليكون مكاناً للاجتماع. وفي
اللقاء الذي تم بينهما في 15صفر 1336هـ/11نوفمبر 1916م أوضح ابن سعود لبرسي كوكس
أنه حتى الآن لم يستطع أن ينزل الضربة القاضية بابن رشيد بسبب حملاته التأديبية
المستمرة ضد القبائل الخارجة عليه من آل مرة والعجمان ، وأكد أنه لا يستطيع الحرب
في جبهتين في آن واحد وطلب معرفة موقف الحكومة البريطانية إزاء ما أعلنه الشريف
حسين في أنه أصبح ملكاً على العرب. وقد أعطى كوكس تأكيدات صريحة لابن سعود بأن
استقلاله لن يمس ، ودعاه ليأخذ مكانه في الاجتماع الذي تقرر عقده في الكويت في27
صفر 1336هـ/ 23 نوفمبر 1916م. وقد استجاب ابن سعود لتلك الدعوة حيث عبر في
الاجتماع الذي حضره عدد من رؤساء الخليج ورؤساء العشائر العربية في جنوب العراق عن
بغضه للاتحاديين متهماً إياهم بما أصاب الإسلام من ضعف(42).
وعقب انتهاء مؤتمر الكويت وصل ابن سعود إلى البصرة بدعوة من
برسي كوكس. وفي البصرة نزل ضيفاً على القائد العام لقوات جيش العراق ، وكانت هذه
أول مرة يسافر فيها ابن سعود خارج الجزيرة العربية. ويذكر جون فيلبي(Philby) أن ابن
سعود أبدى دهشته عند رؤيته لذلك العدد الوافر من المعدات الحربية كما أثّر في نفسه
أن تكون جرترد بل (Gertrude Bell) واحدة من أكبر مضيفيه.(43) وفي الاجتماع
الذي عقد في البصرة بين ابن سعود وبرسي كوكس اتفق على أن يتسلم ابن سعود مساعدة
مالية قدرها خمسة آلاف جنيه شهرياً إلى جانب تزويده بقدر من السلاح والذخيرة . كما
حرص برسي كوكس على استغلال زيارة ابن سعود
للبصرة ليعقد اجتماعاً بينه وبين الشيخ فهد الهذال شيخ قبيلة عنزة بغرض أن يتوسط
ابن سعود لديه لتأمين المواصلات البريطانية إلى العراق . وفيما يبدو أن وساطة ابن
سعود كانت على قدر كبير من الأهمية بحيث قررت حكومة الهند – بناءاً على اقتراح
برسي كوكس – زيادة المساعدة المالية التي تصرفها لابن سعود من 60ألف جنيهٍ إلى
مائة ألف جنيهٍ سنوياً ، ومن المحتمل أن تكون تلك المساعدات المادية والعينية قد
منحت لابن سعود عن طريق اتفاقية جديدة أو على الأرجح بإدخال تعديلات على اتفاقية
دارين . وقد استمرت الزيادة في المساعدات البريطانية تقدم لابن سعود حتى دخول
الجنرال اللنبي (Allenby ) دمشق حيث أعيدت إلى ما كانت عليه سابقاً ، بل
إنها لم تلبث أن ألغيت في أعقاب الحرب العالمية الأولى وعلى وجه التحديد في رجب
1342هـ/ فبراير1924م نتيجة الوضع الاقتصادي المتأزم في بريطانيا إلى جانب ضغوط
الرأي العام البريطاني ، والأهم من ذلك أن بريطانيا لم تعد في حاجة إلى معاونة ابن
سعود.
والحقيقة أن بريطانيا أفادت فائدة كبيرة من توثق العلاقات
بينها وبين ابن سعود في خلال سنوات الحرب العالمية الأولى حيث استطاعت أن تجد
حلولاً للمشكلات المتعلقة بتهريب المؤن والأسلحة التي كانت تقوم بها قبائل البادية
إلى القوات العثمانية المحاصرة في بادية الشام والعراق ، كما استطاع ابن سعود في
الوقت نفسه أن يتخلص من بعض مشكلاته القبلية ، إذ كانت قبائل العجمان تتخذ من
الكويت ملجأً لها مستغلة في ذلك الخلافات القائمة بين نجد والكويت ، ومن ثم اضطرت
الحكومة البريطانية – على غير عادتها – للتدخل في المشكلات القبلية حيث عقد
الكابتن لوخ (Loch) الوكيل البريطاني في الكويت في 21 جمادى الأولى 1337هـ/ 4 مارس
1919م تسوية بين الشيخ سالم حاكم الكويت
1336–1340هـ/ 1917–1921م وابن سعود اتفق
بموجبها على إبعاد العجمان عن الكويت(44). وفي مؤتمر
العقير الذي عقد في الخامس من ربيع الآخر 1341هـ/ 28 نوفمبر 1922م تدخلت الحكومة البريطانية لتخطيط الحدود بين
الكويت ونجد وبين نجد والعراق ، وبذلك استطاع ابن سعود أن يحقق لنفسه كياناً
إقليمياً ودولياً. ولما كانت الحكومة البريطانية تخشى في حالة فقدان ابن سعود
سيطرته على القبائل المتمردة عليه خلال حركة الإخوان النجديين أن تتعرض تلك الحدود
للانهيار فقد بادرت بانتزاع وعد من ابن سعود بإزالة الحصار الاقتصادي الذي كان
يفرضه على الكويت مقابل موقف الكويت المحايد إزاء حركة الإخوان وعدم إيوائها
لزعمائهم.
وعلى الرغم من علاقات الود والصداقة التي ربطت بين ابن سعود
والحكومة البريطانية فإن الوضع لم يسلم من حدوث بعض الخلافات بين الطرفين. ولعل
انتهاء خدمة برسي كوكس الذي أصبح مندوباً سامياً على العراق ورحيله عن المنطقة في
عام 1341هـ/1923م كان له أثر في تحول علاقة ابن سعود بالإنجليز يضاف إلى ذلك توقف
الدعم المالي البريطاني له(45). وليس من شك في أن ابن سعود انتهز
فرصة قطع ذلك الدعم في عام 1342هـ/ فبراير 1924م لكي يتحرر من القيود التي كانت
تفرضها عليه معاهدة دارين ، وخاصة من حيث علاقته بالإمارات المجاورة له على سواحل
الخليج ، بل إنه صرح بأحقيته من حيث المبدأ باستعادة أية أراضٍ كانت تابعة لأجداده
وآبائه ، وأنه بموجب معاهدة دارين كان عليه ألا يتدخل في شؤون الإمارات المرتبطة
بعلاقات تعاهدية خاصة مع الحكومة البريطانية غير أنه إزاء قطع الحكومة البريطانية
مساعداتها المالية عنه وما ترتب على ذلك من مساس بوضعه الاقتصادي في وقت كان أحوج
ما يكون فيه إلى موارد مالية دفعه إلى التحول في سياسته إزاءها. وتؤكد تقارير
المقيمية البريطانية في الخليج أن توقف الدعم المالي البريطاني كانت له نتائج
خطيرة فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية ؛ إذ أخذ تجار الأحساء يعانون من زيادة عبء
الضرائب ، كما بدأت كثير من القبائل في التخلي عن ولائها لابن سعود حيث لم يعد في
مقدوره استمرار دفع الأموال إليها غير أنه من ناحية أخرى أصبح أكثر حرية في
تصرفاته حتى لو أدت به تلك التصرفات إلى التخلي عن التزاماته إزاء بريطانيا التي
نصت عليها معاهدة دارين. والحقيقة أن ابن سعود كان يدرك جيداً أن الحكومة
البريطانية لن تستطيع أن تمضي في تقديم دعمها المالي له إلى أجل غير مسمى. ولعله
وجد في توقف ذلك الدعم فرصة سانحة لكي يتخلص من القيود التي وردت في معاهدة دارين
، ويبدو ذلك واضحاً في مراسلاته الخاصة مع السير برسي كوكس الذي ظل على علاقة
صداقة وثيقة به على الرغم من انتهاء عمله الرسمي . وقد أكد برسي كوكس في تعليق له
على محاضـــرة ألقاها إكليز (Eccles ) في جمعية آسيا الوسطى بأن الملك عبد العزيز كان
محقاً من حيث المبدأ باستعادة أية أراض كانت تتبع آباءه وأجداده ، وأنه سوف يمتد
بنفوذه حتماً إلى الأقسام الداخلية من عمان(46).
وليس من شك أيضاً في أن عوامل التوتر بين ابن سعود والإنجليز
وضحت بصورة جلية حين استطاع أن يحقق لنفسه مكانة كبيرة في نجد ، ويصير سلطاناً
عليها بعد قضائه على آل رشيد في حائل
في عام 1340هـ/1922م ، ومن ثم أخذ يبدي
تذمره من تصرفات الوكلاء الإنجليز في الخليج ، ويبدو ذلك واضحاً في رسالة بعث بها
في 11 جمادى الأخرى 1342هـ / فبراير 1924م
إلى وزير المستعمرات البريطانية يشكو فيها مما يحاوله الموظفون البريطانيون في
الخليج من إقامة العراقيل وخلق المشكلات ، وذكر في هذه الرسالة ارتباطه بعهود
وثيقة مع الحكومة البريطانية ، وأنه لا يزال يحافظ على المعاهدة التي عقدها معها
بواسطة السير برسي كوكس ، وأن مواقفه في أثناء الحرب غير مجهولة، ولكنه يأسف مما
يحاوله بعض الموظفين الإنجليز من إقامة العراقيل وخلق المشكلات العديدة ، وأكد أن
معاملاتهم معه قد تغيرت تغيراً كبيراً من يوم رحيل السير برسي كوكس ، وأنه كان
كثيراً ما يلفت نظر رئاسة الخليج إلى كل حادثة تحدث في حينها ، وتؤثر في نفوس عرب
الخليج بصفة عامة ورؤسائهم بصفة خاصة. وواضح من هذه الرسالة أن ابن سعود لم يكن
يتحدث عن مشكلاته الخاصة ، وإنما كان يتحدث باســم رؤســـاء الخليج وعربهم بصفـــة
عامة . وقد طالب ابن سعود وزارة المستعمرات – التي كانت تتولى شؤون نجد في ذلك الوقت– أن ترسل مندوباً من قبلها
ليس له أدنى اتصال بسياسة الخليج ليتفاوض معه ولكي يوقف الحكومة البريطانية على ما
يقع من خلل في سياسة القائمين بشؤون الخليج ، أو يقوم هو بإرسال مندوب من قبله من
أجل أن تظل العلاقات ودية بينه وبين الحكومة البريطانية.(47)
وعلى الرغم من حرص ابن سعود على تحقيق التوازن في علاقته
بالحكومة البريطانية وبالإمارات المجاورة له في الخليج إلا أن عوامل التوتر لم
تلبث أن ظهرت واضحة في سلطنة مسقط وعمان حين استجاب لحماية البوعلي المنتمين
للتعاليم السلفية في إقليم جعلان الذين حاولوا الاستقلال بميناء صور في عام 1346هـ/ 1928م غير أن السلطات البريطانية بادرت
بمساعدة سلطان مسقط لقمع هذه الحركة . كما تزايدت عوامل التوتر بين ابن سعود
والإنجليز حين احتجت السلطات البريطانية في الخليج على الرسائل التي كان يبعث بها
ابن جلوى أمير الأحساء إلى القبائل الداخلية في عمان المنتمية للتعاليم السلفية
لكي يبادروا بدفع الزكاة.
وإلى جانب سلطنة مسقط وعمان شهدت إمارة البحرين مجموعة من
الأزمات السياسية بين ابن سعود والحكومة البريطانية ، إذ كان من نتيجة سيطرة
بريطانيا على البحرين وفرض الضرائب على جميع فئات السكان بدعوى الإصلاح ، ومن
ضمنها القبائل التي كانت معفاة منها سبب لحدوث توترات داخلية وخاصة من قبيلة
الدواسر الذين اعتزموا الهجرة الجماعية وما تعنيه تلك الهجرة من نقص في عائدات
البحرين من تجارة اللؤلؤ ، وقد اتهمت السلطات البريطانية ابن سعود بتواطئه مع
الدواسر ، وأنه هو المحرك الخفي وراء اضطراب الأوضاع في البحرين ، وأنه يتعمد
استغلال تلك الإضطرابات للسيطرة على
البحرين ضماناً للأمن فيها . ولم يلبث أن تفاقم الوضع في البحرين حين حمل
الكولونيل نوكس (Knox) المقيم البريطاني في الخليج
في شوال 1343هـ/ مايو 1923م وكيل ابن سعود التجاري – عبدالله القصيبي– مسؤولية الاضطرابات التي وقعت في سوق المنامة
بين الإيرانيين والنجديين. والحقيقة أن السلطات البريطانية في الخليج لم يكن
يروقها أن يقوم ابن سعود بتعيين وكيل تجاري له في البحرين، وذلك على الرغم من
زيادة حجم الجالية النجدية هناك ، ومن ثم انتهز المقيم البريطاني في الخليج فرصة
وقوع تلك الاضطرابات لاتخاذ إجراءات عدة بدعوى الحفاظ على الأمن والاستقرار ومن
بينها اعتقال القصيبي وترحيله إلى الكويت وتسليمه إلى وكيل ابن سعود هناك مع توجيه
احتجاج لابن سعود ؛ لأن القصيبي كان سبباً في وقوع تلك الاضطرابات والمذابح في
البحرين وطالب المقيم البريطاني في الخليج ابن سعود بضرورة الرجوع إلى السلطات البريطانية
قبل تعيينه لأي وكيل جديد ، وأن تقتصر مهام من يعينه على الأمور التجارية دون
التدخل في أمور البحرين(48). وبالإضافة إلى طرد السلطات
البريطانية للوكيل السعودي من البحرين أقدمت على التخلص من بعض القبائل السنية
المقيمة في البحرين ، ومن بينها قبيلة الدواسر بدعوى أنها تجد تأييداً من ابن سعود
، واتهمتها بإثارة تلك الاضطرابات التي أعطت لها بعداً طائفياً ، وأن ابن سعود
بتأييده لتلك القبائل قد تجاوز عن نص المادة السادسة من معاهدة دارين.
وفي رسالة من ابن سعود إلى الكولونيل نوكس في 5 شوال 1341هـ
أعرب فيها عن احتجاجه على حدوث الفتنة في البحرين مؤكداً أن رئيس بلدية المنامة
الفارسي المدعو محمد شريف هو المدبر لها ، وأن شرطة البحرين ومعظمها من الفرس وقفت
ضد النجديين ، كما أن الميجر دلي ( Daly ) الوكيل البريطاني في البحرين لم يتخذ أية إجراءات
لقمع تلك الفتنة. وفي رسالة أخرى بتاريخ 10 شوال 1341هـ ورداً على الإجراءات التي
اتخذتها السلطات البريطانية أبدى ابن سعود احتجاجه الشديد على طرد القصيبي ، وعلى
تشييع السلطات البريطانية له بعبارات الاحتقار
والمهانة " التي لا أظن أن تغيب عنكم مقدار مساسها بشرفنا " ،
وأبدى ابن سعود في الوقت نفسه تعجبه من استنكار السلطات البريطانية في البحرين على
القصيبي وظيفته الرسمية ؛ إذ إن آل القصيبي يشغلون تلك الوظيفة منذ سنوات عديدة
دون اعتراض من تلك السلطات. وفي عبارة لاذعة لفت ابن سعود نظر الكولونيل نوكس
بقوله : إنه " إذا افترضنا أنه قد حصل من القصيبي في نظركم ما يخل في القيام
بأداء وظيفته أفلا كان من اللازم أن تخبرونا قبل أن تتخذوا هذه الإجراءات
الصارمة!" . وطالب ابن سعود المقيم البريطاني في رسالته هذه بإعادة القصيبي
أو طــــرد محمد شريف رئيس بلدية البحرين في المقابـــل. كما استمر في مناصرتــــه
لقبيــــلة الدواسر حتى إنه أفسح لها مكاناً في الدمـــام وظل مسانداً لها حتى
عودتها إلى البحرين(49).
وليس من شك في أن السلطات البريطانية في الخليج كانت تحسب
حساباً كبيراً لابن سعود في أية إجراءات تتخذها في البحرين ، فحين أقدمت على تجريد
الشيخ عيسى من سلطاته ونقل تلك السلطات إلى ابنه الشيخ حمد عقب أحداث مايو 1923م
طلب الكولونيل نوكس من ابن سعود أن يوافق على تلك الإجراءات مذكراً له بخطورة حدوث
تدخل فارسي قد يؤدي إلى ضياع نفوذ السنة في البحرين(50) .
وفيما يبدو أن علاقة ابن سعود بالبحرين كانت تثير حساسية خاصة
لدى السلطات البريطانية في الخليج ، وذلك فيما تكشف عنه حادثة وقعت في عام 1349
هـ/ 1930م حين قرر الملك عبد العزيز على
أثر انتهاء الاجتماع الذي عقد بينه وبين الملك فيصل ملك العراق وعودته إلى بلاده
زيارة الشيخ عيسى بن علـي وخاصة أن الأحوال الجوية السيئة كانت تضطر باخرة ابن
سعود للجوء إلى أقرب ميناء. وفي الطريق إلى المنامة طلب ابن سعود إرسال برقيتين
إحداهما إلى الشيخ عيسى والثانية إلى الوكيل البريطاني في البحرين لإحاطتهما علماً
بما عزم عليه. وقبل أن ترسو سفينة ابن سعود في المنامة وصلت برقية جوابية من
الوكيل البريطاني تفيد بأن الشيخ عيسى مريضٌ وليس موجوداً في العاصمة ، ومن ثم
فإنه لا يستطيع مقابلة ابن سعود. غير أنه لم يلبث أن اتضح زيف هذه البرقية حين
توافد أبناء الشيخ عيسى بقواربهم إلى باخرة ابن سعود وطلبوا منه النزول إلى الساحل
؛ لأن أباهم ينتظره في الميناء!. وقد ترك تصرف الوكيل البريطاني أثراً سيئاً في
نفس ابن سعود ، وإن كان قد استطاع أن يدرك بسهولة الأسباب التي حملت الوكيل
البريطاني لتحاشي زيارته ؛ إذ كانت هناك حركة وطنية مستعرة في البحرين وكانت تلك
الحركة تسبب الكثير من المتاعب للإنجليز ، ومن ثم حاول الوكيل البريطاني تفادي
مجيء ابن سعود لخوفه من أن زيارته في مثل تلك الظروف ستؤدي إلى إثارة حماس
الوطنيين وإلى مزيد من المظاهرات الوطنية(51).
ومن الطريف أن ابن سعود لم ينس ذلك الموقف الذي قوبل به من
قبل السلطات البريطانية في الخليج وسنحت له فرصة الرد عليه حين اعتذر عن عدم
الموافقة لأيرل أوف أتلون وزوجته أليس بزيارته في الرياض في رحلة كانا يعتزمان
القيام بها لعبور الجزيرة العربية من جدة إلى العقير حيث تعلل بأن الأوضاع في
الصحراء ليست مستقرة، وأضاف في اعتذاره – كما يقول المانع – عبارة " أن
البادي أظلم "!. ولما أدركت الحكومة البريطانية مغزى ذلك الاعتذار ؛ إذ لم
يسبق للملك عبد العزيز أن تعامل معها بمثل ذلك الأسلوب فقد أصدرت تعليماتها إلى كل
المسؤولين التابعين لها في الخليج والعراق بتقديم اعتذار عما بدر من الوكيل
البريطاني في البحرين. وعلى أثر تقديم ذلك الاعتذار الجماعي عادت العلاقات بين
الملك عبدالعزيز والإنجليز إلى طبيعتها ، وأصدر أوامره بالسماح لأيرل أوف أتلون
وزوجته بدخول البلاد.(52)
وفي عام 1358هـ/1939م كانت زيارة الملك عبد العزيز الثانية
للبحرين وفي خلال تلك الزيارة حرص على الالتقاء بالمستشار البريطاني لحكومة
البحرين المستر شارلس بلجراف Belgrave)) ، وذلك من أجل
تخفيف الأحكام التي صدرت بالسجن والأشغال الشاقة المؤبدة على بعض الزعماء الوطنيين
الذين طالبوا في الحركة الإصلاحية التي قاموا بها في عام 1357هـ/1938م بالتخلص من
الهيمنة البريطانية وتأسيس مجلس تشريعي ، وإزاحة الرقابة على المؤسسات والتجمعات
العمالية والطلابية كافة . وقد استطاع الملك عبد العزيز تخفيف الأحكام الصادرة
والسماح لزعماء الحركة بالخروج من البحرين إلى أية جهة أخرى يرغبون في الإقامة بها(53).
وقد يكون من المفيد أن نشير في هذا المقام إلى أن الملك عبد
العزيز كان على إدراك واع بأن الحركة الإصلاحية التي قامت في البحرين سوف تصاب
بالفشل الذريع ، وقد يكون لها ردود فعل مضادة من قبل الإنجليز ، كما قد تعطى
الفرصة لإيران للتدخل في شؤون البحرين ، ومن ثم قدم النصح لزعماء الحركة بعدم
التطرف في مطالبهم والانصياع لحاكمهم.
ومهما يكن هناك من عوامل التوتر في العلاقات بين الملك عبد العزيز والحكومة البريطانية في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى فليس من شك في أن امتيازات النفط كانت العامل الرئيس في تدهور تلك العلاقات التي ظهرت في الأفق على أثر منح ابن سعود امتـــياز النفــــط في الأحساء إلى الشركة الشرقيـــة والعامـــة (Eastern and General Syndiacte ) التي كان يمثلها الميجر فرانك هولمز (Holmes