يقتضي السياق قبل الدخول في صلب موضــوع البحـث ، التطــرق أولاً إلــى
تحديــد مفهوم ( السياســة الخارجية ) ثم التنويه ، ثانيًا – وبإيجاز – عن أهم
ركائز السياسة الخارجية السعودية .
مفهوم السياسة
الخارجيـة :
يمكن تعريـف السياســة الخارجيــة : بأنهــا تنظيم نشــاط الدولــة فــي
علاقاتها مع غيرها مــن الدول([1]) . ويشمل ذلك قدرتها على صعيد تحقيق مصالحها وأمنها
في المحيط الخارجي على المدى القريب والبعيد . وترتبط السياسة الخارجية لدولـة ما
بعوامل عديدة ومتداخلة، تختلف باختلاف الدول والأزمان والملابسات، ودراسة هذه
العوامل أساسية، إذ إنها السبيل إلـى معرفــة :
أ
– الأهداف التي تنشدها الدولة من
سياستها الخارجية .
ب –
الوسائل التي تستعين بها الدولة على صيانة مصالحها ، وتحقيق تلك الأهداف([2]).
وأهم هذه العوامل المؤثرة في السياسة الخارجية :
1 –الوضع الجغرافي : ولـه أكبر الأثر في رسم خطوط السياسة الخارجية للدول ، وقد تكون المخترعات
الحديثة مثل الصواريخ عابرة القارات تركت أثراً ، في تقليل أهمية هذا الوضع ، إلا
أنها على الرغم من ذلك لم تستطع القضاء على كل آثاره ، فاتساع أراضي الولايات
المتحدة أو روسيا أو الصين من العوامل التي تعطي قوة لكل من هذه الدول ومن باب
أولى في عصر الصواريخ الموجهة ، خاصة إذا ما توافر العنصر البشري بنسب تتلاءم مع
الرقعة الجغرافية والموارد البشرية([3]) .
وفيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية ، فلا شك أن حجم مساحتها البالغ
الاتساع قد حدا بها لإيلاء قضية الأمن والدفاع عن حدودها أهمية قصوى ، مما أوجب
عليها أن تخصص بلايين الدولارات لتوفير مستلزمات السلامة والأمن الوطنيين([4])، وهذا العامل قاد المملكة إلـى إبرام العديد من
الاتفاقيات مع الدول المجاورة على صعيد تخطيط حدودها وتأمين سلامة هذه الحدود ،
إلى جانب ذلك فإن مثل هذا الاهتمام بقضايا الأمن والدفـــاع وضع على كاهـــل
السياسة الخارجية السعودية أعبـــاء ومسؤوليات كبيرة من أجل توظيف أيِّ تحرك تقوم
بـه الدبلوماسية السعودية ، لخدمة مصالحها الأمنية في هذا المجال([5]) .
2 – عدد السكان : مما لاشك فيه أن عدد سكان أي دولـة ونوعيتهم ومستواهم الحضاري وتطورهم
الاقتصادي يؤثر في سياستها الخارجية([6])، ولا تنحصر أهمية السكان في الدفاع عن
سلامة الدولة وأمنها الوطني فحسب ، وإنما في تطوير إمكانياتها المختلفة ، واستغلال
ثرواتها المتاحة ، فإذا كانت البلاد شاسعة ومترامية الأطراف كما هو الحال بالنسبة
للولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والمملكة العربية السعودية فإن توافر
العنصر البشري بنسب تتلاءم مــع حجم الرقعة الجغرافية والموارد الطبعية لهذه
البلدان يصبح على درجة كبيرة من الأهمية([7])، وإذا كانت ضخامة عدد سكان بلد ما مثل
الهند والصين ، تجعل لأي منهما مكانة في المجتمع الدولي ، لمجرد أن عدد سكانهما قد
تجاوز أو قارب المليار نسمة دون نظر إلى الاعتبارات الأخرى ، فإن التقدم التقني أو
الحضاري الذي تصل إليه دولة من الدول يعوض مابينها وبين دولة أكثر منها سكانًا ،
من فروق ، فسويسرا مثلاً على الرغم من أن
عدد سكانها لا يتجاوز بضعة ملايين ، لها مكانة في المجتمع الدولي بحكم تقدمها
العلمي والاقتصادي ، أعظم من دول مزدحمة بالسكان ولكنها متخلفة .
ويرتبط بموضوع عدد السكان ، موضوع الوحدة الوطنية أو موضوع التجانس بين
السكان ، فدولة يتألف سكانها من أقليات عدة متباينة تكون أضعف من دولة أقل سكاناً
ولكنها تتألف من شعب متجانس ومتطور حضارياً . ولموضوع الأقليات ، مظهر جديد في بعض
الدول الحديثة الاستقلال في إفريقيا مثلاً ، حيث لا يزال النظام القبلي يسودها
فيضعف من سياستها الخارجية([8]).
وفيما يتعلق بعدد سكان المملكة العربية السعودية فإنه وإن كان لا يتناسب مع
سعة رقعتها الجغرافية فإن إمكاناتهـــا وثرواتهـــا الأخرى وحكمة قيادتهـــا
الرشيدة ، قد مكنتها من تخطي سلبيات هذا الفارق ، ومن ثم إقامة علاقات وثيقة مع
الدول ذات القدرات التقنية المتطورة ؛ لغرض تعزيز إمكانـــات المملكة الدفاعيـــة
والأمنية على وجه الخصوص([9]).
3 – الموارد الطبيعية : لقد مكن وجود موارد طبيعية في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا كافية لاحتياجاتهما
، أن يكون لكل منهما في ميدان السياسة الخارجية قوة لا تتحقق مثلاً لليابـان التـي
لا تملك مـوارد طبيعية للطاقــة مثلهمــا ، ولذلك فهي تعتمد أكثر من غيرها على نفط
الشرق الأوسط ، وهناك موارد طبيعية غير النفط ذات أهمية كبرى مثل المواد الغذائية
، إلى جانب ذلك فإن توافر الموارد الطبيعية لدولة ما يمكنها من اتباع سياسة
الاكتفاء الذاتي ، وتتبّعها الدول لدعم موقفها في السياسة الدولية([10]).
ولذلك نجــد أن بلــداً كالمملكة العربية السعودية قد سعى من أجل تطوير
الدخــل وتنويع مصادره علـى الوجــه الـذي وفـر لـه تفـادي سلبيات الاعتماد علـى
مـورد واحـد كالنفط ([11]).
4 – القوة العسكرية : ليس للقوة العسكرية طابع الثبات الذي تتميز به العوامل الأخرى آنفة الذكر،
ولكن هذه القوة عرضة للتغيير المفاجىء، فأسلحة الحرب والأساليب الاستراتيجية على
هذا الصعيد تتغير وتتبدل بسرعة ، يضاف إلى ذلك أنه إلى جانب القوة العسكرية توجد
القوة المعنوية التي لا تقل شأناً عن القوة المادية وكل ذلك ذو أثر كبير على
السياسات الدولية([12]).
وفيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية فإن سياستها الحكيمة في التوفيق بين
قدراتها الاقتصادية وبين قدراتها المعنوية المتمثلة في احتضانها للحرمين الشريفين
، وبوصفها منبع العروبة والإسلام ، كان لـه الأثر الكبير في ترسيخ الدور القيادي
الذي تمارسه المملكة في المجالات العربية والإسلامية والدولية ، وتحقيق أهداف
سياستها العامة في مختلف الأصعدة الداخلية والخارجية([13]).
5 – النظام الداخلي للدولة : والمقصود بذلك طبيعة نظام الحكم السائد فيها ، إن كان ذا نظام حزبيِّ
ديمقراطي بالمفهوم الحديث أو غير ذلك ، وعقيدته السياسية أو الدينية ، واستقرار
الوضع الداخلي ، وأثر مختلف قوى المجتمع الداخلية في ذلك ، ومدى توافر القيادة
المستقرة القادرة على الحسم في أوقات الأزمات ، وفي تصريف الأمور ، وغير ذلك من
العناصر الداخليــة التي لهــا أثـر فــي المسلك الخارجـي للدولـة . فإذا اضطربـت
الأحــوال فــي دولــة ما استحال أن تكون لهـا سياســة خارجيــة ذات قــوة وذات
إيجابيــة ، وعكــس ذلـك صحيـح أيضاً ([14]) .
وفيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية فإن الإسلام يشكل الركيزة الأساسية
لنظام الحكم فيها ، إلى جانب قيادتها الحكيمة ، ودورها التاريخي في توحيد البلاد ،
ورســم سياستهــا الداخليــة والخارجيــة . وفــي مجـال العلاقــات الخارجية ،
تحرص السياســة السعوديــة ، على أن تكـون جميــع خطواتهــا منسجمــة مــع هــذا
التوجــه العــام للدولــة والمجتمــع([15]).
هذه أهم العوامل أوردناها لتوضيح كيف أن السياسة الخارجية لدولة ما هي
نتيجــة تفاعــل عوامــل متعــددة ، منها الدائمة ومنها المؤقتة أو العارضة ،
ومنها المعنوية أو المادية والأساسية أو الثانوية([16])، منها مالها كامل السيطرة عليها أو عكس
ذلك .
أهم مرتكزات السياسة الخارجية السعودية :
يستفاد مما تقدم أنه إذا كانت
الدولة الحديثة تملك القدرة على السيطرة على الأحداث داخل حدودها غير أنها لا تملك
القدرة بالنسق نفسه على السيطرة على كل الأحداث وراء حدودها ، ومن ثم فأي دولة ما
لا تستطيع التهرب من الشؤون الخارجية حولها ، ولا أن تشكلها تماماً بحسب إرادتها ،
ولذلك ليس في إمكانها إلا أن تسعى بشكل أو بآخـر نحو الإسهام في تصحيح مسار الأوضاع العالمية في
الوقت الذي تعمل على التكيف مع واقعها ، وفي هذا النطاق المحدود تسعى كل دولة
للاحتفاظ بأشــد ما تؤمــن بــه مــن قيــم ، كما تسعى لتوسيع دائرة المؤمنين بها
ما أمكن ذلك .
ومن ثم فإن سياسة أي دولة تأخذ في حسبانها اعتبارات عدة تكاد لا تختلف ولا
تتخلف ، فهي تضع في حسبانها الأول مصلحتها الذاتية بكل ما يمثله ذلك ، ويصدر عنه
من معطيات خاصة بها ، ثم تضع في حسبانها بعد ذلك المصالح المشتركة والمتبادلة أو
المضادة مع الدول الأخرى شقيقة أو صديقة أو معادية، ومهما كانت الحسابات السياسية
لأي دولة في علاقاتها الخارجية ، فإنها تسعى لأن تكون محصلة المردود النهائية من
ذلك إضافة إلى رصيدها وليس بالطرح منـه . وليست المملكة العربية السعودية
استثـــناء من هذه القاعـــدة ، ولكن إذا كانت مثل هذه المسألة تؤدي في بعض
الأحيان – وبالنسبة لبعض الدول – إلى وجود خلخلة بين استراتيجيتها وأهدافها
البعيدة وأهدافها القريبة التكتيكية ، فأن الأمر مختلف بالنسبة للمملكة العربية
السعودية ، وهو هنا في هذا الخصوص اختلاف جوهري ذلك أن استراتيجية المملكة عندما
تحكمها قيم الإسلام ومبادؤه وشريعته ، فأن الأهداف التكتيكية القريبة من سياسة
المملكة لا يمكن إلا أن تمثل مراحل إلى غايات تحكمها مثل عليا في البداية والنهاية
على السواء ، ولا يمكن أن تتباين البدايات فيها على المراحل التي تتلوها ، أو
تتميز فيهــا مرحلــة عـن أخــرى في جوهـــر المنطلـق وسيـادة المبـدأ، أو
مصداقيــة الوسيلة، وإنمـا غاية ما يكـون، هو التـدرج الـذي يتناسب فيه حجم
الإمكان مع القدرة على التحرك إلى شرف الهدف .
لقد دأبت المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها وإرساء قواعد الحكم فيها
على السير وفق هذا المنهج الواضح والمتميز في سياستها الداخلية والخارجية ، فعلى
صعيــد سياستها الخارجية آمنت المملكة العربية السعودية بالسياسة الجادة المعتدلة،
والدبلوماسية التي تتجنب الضجيح وطرح الشعارات الجوفاء، مع الحرص على الإعلان عن
خطواتها السياسية بشجاعـة واقتدار من خلال الثوابت التي ارتكزت عليها تلك السياسة،
مما أكسب المملكة هذه السمعة الدولية المرموقة بحكم مصداقية سياسة المملكة النابعة
من التجانس بين الاستراتيجية والتكتيك . ينطلق ذلك كله من إيمان المملكة بالسلام
العالمي والذي من شروطه بناؤه على العدل والإنصاف لئلا يكون السلام مرحلة انتقالية
بين حربين، ومن ثم فهي ترفض مبدأ اللجوء إلى القوة بصفتها أداة من أدوات تنفيذ
السياسة ، مع إيمانها في الوقت نفسه بحق الدفاع المشروع عن النفس من أجل الحفاظ
على المصالح العليا ، كما أنها تعتمد أسلوب الحوار والمفاوضات سبيلاً عملياً
لتحقيق الأهداف ، كما التزمت المملكة أيضاً بمبدأ الشرعية في معاملاتها وعلاقاتها
العربية والإسلامية مع قناعتها بانتهاج موقف المعارضة التامة لسياسة التكتلات
والأحلاف العسكرية ، فلم تكن يومًا للوجود الأجنبي مقراً ولا للاستعمار ممراً،
وذلك انسجاماً مع قناعتها في عدم الانحياز لأي معسكر من المعسكرات المتصارعة على
النفوذ في العالم.
ولقد انتهجت المملكة أيضاً سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية،
كما أنها في المقابل ترفض أي تدخل مـن أي طرف كان في شؤونها الداخلية ، كما ترفض
المملكة بكل صلابة التدخل الأجنبي بمختلف أشكاله في شؤون الدول ومصائرها([17]) .
هذه باختصار أهم الملامح الرئيسة
لسياسة المملكة الخارجية ، التي تتحرك طبقاً لأهداف مرسومة واضحة ، وتسير وفق نهج
معلوم وسليم ، وفي أطـر خمسة متوالية مترابطة يكمل بعضها بعضاً .
ولا شك أن أسمى أهداف السياسة الخارجية للمملكة التي تضع نفسها في خدمتها
دائما إنما هو رعاية المصالح العليا للمملكة العربية السعودية وحمايتها ، بما
يقتضيه ذلك من المحافظة على كيانه ونظام الحكم فيه ، وحماية عقيدته ، وصيانة أمنه
، وضمان تحقيق تطوره وتنميته في شتى المجالات([18]) .
ومن خلال تعاون إيجابي مع الدول الشقيقة والصديقة الراغبة والقادرة عليه ،
على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف . ومن ثم فإن أول إطار تتحرك فيه السياسة
الخارجية للمملكة العربية السعودية هو خدمة أهداف البلاد ومنجزاتها الداخلية ، وهي
منجزات لا يتسنى من الناحية الواقعية تحقيقها بالجهود الذاتية المنفردة . وإذا ما
انتقلنا إلى الإطار الثاني الذي تعمل فيه ولــه السياسة الخارجية للمملكة ، فإننا
نجد أن الجزيرة العربية تفرض نفسها موضوعاً لهذه السياسة بصفتها الإطار الثاني
الذي يرتبط عضوياً بالإطار الأول . فالموقـع الجغرافي المتجاور لدول الجزيرة
العربية ، ولا سيما المطلة منها على الخليج العربي ، ووحدة العقيدة الإسلامية
وتشابه أنظمة الحكم فيها والتماثل في البيئة ، والظروف والأوضاع الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية ، وانتماء شعوبها إلى الأمة العربية ، وتجانس درجة طموحات
نموها ، بصفتها مجتمعات نامية ، كل هذه العوامل وغيرها تجعل للجزيرة العربية
والخليج وشؤونها مكانتها الحيوية في السياسة الخارجية السعودية ، وفي أهداف هذه
السياسة ومسارها .
أما الإطار الثالث الذي تتحرك فيه سياسة المملكة الخارجية فهي في النطاق
العربي . وتنطلق المملكة في هذا المجال من مرتكز التضامن العربي لكونه الهدف
الأساس للعمل العربي المشترك ؛ ولأنه وسيلة أيضاً لبلوغ غاياته الكبرى .
إن السياسة الخارجية للمملكة تعمل في الإطار العربي ، على أن يسود الوئام
بين الأخوة العرب ، وتسعى لدعمه بكل ما في وسعها من إمكانات . كما أن المملكة
حريصة كل الحرص على بقاء جامعة الدول العربية ، قوية ومؤثرة ، وذلك انطلاقاً من
إيمانها بأنها الأداة الإيجابية لتحقيق التضامن العربي ، وتجسيد أهداف الأمة
العربية وتطلعاتها في شتى المجالات ، وبوصفها الإطار الوحيد لبلورة الإرادة
الجماعية للأمة العربية ، وتنسيق نشاطاتها وتوجيه طاقاتها لتحقيق المصالح العربية
المشتركة([19]) .
وبعد هذه التوطئة عن ركائز السياسة الخارجية السعودية
، ننتقل للحديث عن هذه السياسة في مجالها الإسلامي الأرحب :
لقد كان قيام المملكة العربية السعودية منذ أن أعلن الملك عبدالعزيز –رحمه
الله –توحيد أرجائها ، وأرسى قواعد الحكم فيها وفقاً لمبادىء الإسلام وشريعته
السمحاء ، حدثاً يمثل في حد ذاته أهم إنجاز تاريخي إسلامي عرفته شبه الجزيرة العربية
خاصة ، والعالم الإسلامي عامة، في السنوات الألف الأخيرة . وبذلك كانت المملكة
رائدة بحق في تجسيد تطلعات الشعوب الإسلامية نحو التضامن والوحدة بإقامة أول دولة
إسلامية في العصر الحديث تأخذ نفسها بالكتاب والسنة . ومنذ ذلك التاريخ حرص مؤسس
المملكة العربية السعودية الحديثة وأبناؤه من بعده على العمل من أجل جمع كلمة
المسلمين وتوحيد صفوفهم ومواصلة مهمة المملكة في خدمة الإسلام والمسلمين في مختلف
المنظمات الإقليميـة والعربية والدولية التي كانت المملكة عضواً مؤسسًا فيها ، وهي
منظمة الأمم المتحـدة ، وجامعـة الـدول العربية ، وحركة عدم الانحياز ، ومنظمة
المؤتمر الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي .
ففي عام 1351هـ دعا الملك عبدالعزيز –رحمه الله– إلى " أن يقتدي
المسلمون بأسلافهم عندما نشروا الإسلام في مختلف ربوع العالم ، وأشار إلى أن ذلك
لم يتحقق إلا باجتماع الكلمة على الدين والإخلاص في العلم والإخلاص في النية
" ([20]). كما عبر –رحمه الله –عن أهمية التضامن بين العرب
والمسلمين في عام 1361هـ بالعبارات الآتية
:" يجب على المسلمين عامة والعرب خاصة أن يتمسكوا بعرى الإسلام حتى لا تذهب
ريحهم ... وكل ماندعو إليه هو جمع كلمة المسلمين واتفاقهم وليقوموا بواجبهم أمام
ربهم وأمام بلادهم . والذي نشهد الله عليه ونحن أوسطكم في الإسلام وأوسطكم في
العروبة أننا لا ننام ليلة إلا وأمر جميع المسلمين يهمنا ، ويزعجنا كل أمر يدخل
عليهم منه ذل أو خذلان . ونرجو الله أن يوفق المسلمين ليتعاضدوا ويتعاونوا " ([21]) .
وبعد أن أرسى جلالته دعائم سياسة المملكة الخارجية تجاه العالم الإسلامي
على نهج ثابت منذ قيام المملكة حرص الذين خلفوه في الحكم من أبنائه على مواصلة
ممارسة المملكة لدورها الرائد في مجال دعوة التضامن الإسلامي وتطبيقها ومواصلة
التمسك بها.
ولقد عبر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز عن ذلك في خطابه
التاريخي الموجه للشعب في أوائل شعبان 1402هـ (1981م) ؛ إذ قال : " إن
المملكة واحدة من دول الإسلام هي منهم ولهم نشأت أساساً لحمل لواء الدعوة إلى الله
وشرفها بخدمة بيته وحرم نبيه ، فزاد بذلك حجم مسؤولياتها ، وتميزت سياستها ،
وتزايدت واجباتها . وهي إذ تمثل ذلك على الصعيد الدولي فإنها تمتثل بما أمر الله
به من الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتحتسب ما كان يفعله الرسول – e– عندمـا يواجه
الشدائـد، يستخـدم العقل استخدامه القوة . فالإسلام هو دين الرحمة والعقل والقوة .
وهو يأبى التخريب ويحارب الغوغاء محاربته للذل والضعف والاسترخاء " ([22]) .
لقد كان الملك فهــد بن عبدالعزيز معاصراً للتطورات السياسية الدولية ،
بحكم تمرسه الطويل ومعايشته المستمرة للأوضاع الداخلية والخارجيــة في المملكة
العربية السعودية . واستمراراً على نهج باني البلاد ومؤسسها حرص الملك فهد على أن
تواصل المملكة دعمها المستمر لهذه الثوابت وترسيخها وإعطاءها بعداً شمولياً . ومن
أجل وضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ حرصت المملكة في عهده على توثيق أواصر
الصداقة مع جميع الدول ، وفي مقدمتها الدول الإسلامية ، وكثفت جهودها لدعم وحدة
الصف، وإيجاد إطار حقيقي للتضامن والتشاور والتفاهم، بحكم مسؤولياتها الإسلامية
التاريخية .
إن المملكة العربية السعودية التي تشكل الجزء الأكبر من الجزيرة العربية
تمثل قدرةً وقدوة الينبوع والدفق الحضاري الرائد عربياً وإسلامياً وعالمياً .
وبقدر ما هي الجزيرة في مكان القلب من العالم ، فإن المملكة العربية السعودية في
مكان النبض من هذا القلب . فلذلك تحملت مسؤوليات ضخمة تنبع من رسالتها الرائدة في
التاريخ . وإذا كانت انتفضت في الماضي لإقرار الحق والمعرفة المضيئة فإن في مقدمة
توجهاتها وأهمها تطلعها نحو إقرار الأمن والأمان صفاء ويقيناً في العالم ، ولا
سيما العالم الإسلامي . أي إذا كانت عملت في الماضي على إنقاذ الإنسان من تحديات
الجهل والظلم والوثنية ، فأول واجباتها المعاصرة المحافظة على هذا الإنسان وعلى
دفعه الكبير إلى ضمان استمرار الحضور اللائق به لكونه خليفة الله في الأرض .
والمملكة التي تحركت كل مرة في تاريخها المجيد ، لتأكيد هذا الجوهر
الإنساني الواحد ، واصلت ولا تزال تواصل دورها لتأكيد هذا الجوهر ، وفي صياغة
أصوله الملائمة لعهد حضاري جديد منقذ من الفراغ المعاصر . وبالإضافة إلى أنها مركز
القلب من الاتصال بين الغرب وآسيا وإفريقيا ، وأنها أيضاً هي القلب الروحي في هذه
القارات، بل سرها بعض واقعها ، إذ تبقى الموئل والملاذ حين تقصر جميع البقاع
الأخرى . إنه جوهر مكة المكرمة وطاقة الظهران ، أي أن الطاقة الروحية والطاقة
المادية معاً ، فرضت على المملكة السير في منهج متوازن سياسياً واقتصادياً لمـا
فيــه مصلحتها ومصلحة أمتهــا، ولتحقيق أمنها واستقرارها . إن الإسلام هو جوهر
السياسة السعودية تؤمن هذه المملكة به عقيدة وشريعة، وتلتزم بسيادتها وأحكامها
ومبادئها داخلياً وخارجياً، أساساً للحكم، وطريقاً لتقدم الإنسان وازدهار المجتمع
، ونظاماً كاملاً يخطط ويستوعب الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للفرد والجماعة
والأمة ، في إطار التوازن الذي يتفرد بـه الإسلام ، ونتفرد به نحن أيضاً بصفتها
أمة وسطاً . ولذلك لم يكن الإسلام جوهر السياسة السعودية فحسب ، وإنما هو أيضاً
منهجها الذي تستلهم مبادئه في سياستها الخارجية ، ولا سيما على صعيد مساندة
القضايا التي تهم العالم الإسلامي ودعمها . وهو ما دأبت المملكة على السير بموجبه
منذ تأسيسها مما كفل لها المصداقية التي تميزت بها ([23]) .
ومن هذا المنطلق واصل قادة المملكة تحمل مسؤولياتهم الإسلامية ، لتحقيق حلم
طالما راود العرب والمسلمين منذ قرون، حلم قيام تضامن إسلامي بين دولهم لخيرهم
خاصة ولخير الإنسانية عامة ، وإدراكا من قادة المملكة أن النهوض بأعباء التضامن
الإسلامي ليست مسؤولية دولة واحدة ، وإنما هي مسؤولية الدول الإسلامية مجتمعة ، في
ظل مجتمع دولي يضم أشكالاً عديدة من الدول والجماعات والعقائد والمفاهيم الأمنية
والسياسية والفكرية والمذهبية الدينية المختلفة.
من هنا نشهد هذا أن الوضع قد فرض نفسه على التصرف والممارسة على صعيد سياسة
المملكة الخارجية في المجال الإسلامي ، نظراً إلى أن هذا الوضع يعكس التعددية
الإسلامية ، حيث إن مفهوم الكيان الإسلامي الواحد لم يتحقق بعد على نسق الوضع الذي
كان في عهود الخلافة الإسلامية ، ولا سيما الخلافة العثمانية .
ففي ظل التنظيم الدولي الجديد الذي نشأ ، ولا سيما بعد قيام منظمة الأمم
المتحدة، والتوقيع من جميع الدول على ميثاقها ، قام تنظيم المجتمع الدولي على أساس
احترام سيادة بعضها بعضاً ، وفقاً لمبدأ المساواة في السيادة ، وعدم التدخل في
شؤون كل منها الداخلية ، وأنه إذا ما تعارضـت الالتزامـات التـي يرتبـط بهـا
أعضـاء الأمـم المتحـدة وفقــاً لأحكـام هــذا الميثاق مــع أي التـزام دولـي
آخــر يرتبطـون بـه ، فالعبـرة بالتزاماتهـم المترتبــة علـى هــذا الميثاق([24]) .
ولذلك أصبح للعمل الإسلامي وجهه السياسي ، الذي يتأثر بحسب مصالح الدول
ومواقفها ، ومن ثم فإن النشاط السعودي في مجال الدعوة إلى الله في الخارج أصبح
مقيداً بالمواثيق والمعاهدات الدولية التي ترتكز على احترام سيادة الدول ، وعدم
التدخل في شؤونها الداخلية .
ولقد واجه قادة المملكة هذه الأوضاع من خلال التحرك لتكريس التضامن
الإسلامي في العمل الخارجي عبر مفاهيم واضحة وأطر وقنوات عديدة ، بقصد هيكلة العمل
الإسلامي المشترك في إطار التنظيم الدولي الراهن . ولكن قبل المضي في الحديث عن
هذه الهيكلة ، فإن السياق يقتضي منا وقفة للحديث عن منظور التضامن الإسلامي، هذا
الشعار الذي رفعت المملكة لواءه ، والتزمت وعرفت بـه على الصعيد العالمي الذي
تتجسد في إطاره جملة أهداف السياسة السعودية في المجال الإسلامي .
وخلاصة هذه الدعوة أن هناك كثيراً من المصالح المشتركة بين بلاد المسلمين ،
كما أن هناك كثيراً من التشابه في المشكلات التي يعانون منها ، وفي الأخطار التي
تهددهم وتقتحم عليهم ديارهم ، سواء أكانت أخطاراً خارجية سياسية أم اقتصادية ، أم
أخطاراً عقدية ، ومادام منطق العصر الحديث هو منطق الكتل الكبرى في العالم ، فلم
لا تسعى البلاد الإسلامية إلى أن تجتمع في كتلة ، وأن يكون اجتماعها تحت مظلة
الإسلام ، وأن تتعاون وتتضامن بينها في كل ما فيه خير لها جميعاً ، وفي كل ما
يساعدها على أن تحافظ على استقلالها وسيادتها ، وفي أن ترد عنها كل خطر يهددها،
وفي أن تتبادل الإفادة والمعونة في الخبرة الفنية وغيرها ، وفي أن تتعاون ثقافياً
واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً لتستطيع الانتقال من طور الدول النامية لتصبح في
عداد الدول المتقدمة ، وأن تتعاون أيضاً لتخليص مقدساتها من براثن الصهيونية ،
وأوطانها من آثار الاستعمار القديم والجديد ، وكذلك التعاون أيضاً من أجل مساندة
الشق الآخر من أمتنا الإسلامية ، وهي الأقليات المسلمة في كل مكان ، فحيال ذلك بدت
الحاجة ماسة إلى مايجب أن تفعله الدول المسلمة المستقلة ، لنصرة الإسلام والمسلمين
في كل بقاع الأرض ، وإذا كانت المملكة لاتستطيع أن تنهض وحدها بأعباء هذه
المسؤوليات في كل بقاع الأرض ، فإن الدول الإسلامية مجتمعة – وعدد سكانها يربو على
سدس سكان العالم كله – تستطيع أن تفعل الكثير من أجل خيرها وخير المسلمين جميعاً ،
ومن أجل دفع الضر عنها وعن المسلمين جميعاً .
ويستنتج من ذلك كله ، أن دعوة التضامن الإسلامي ، أو دعوة الوحدة الإسلامية
كما تسمى ، ليست إلا دعوة إيجابية خيرة ، غايتها تحقيق التعاون والتضامن بين بلاد
العرب والإسلام . وهي لا تهدف إلى مجـــال إذابة كيانات الدول العربية والإسلامية
في أي شكل من أشكال التجمعات التوسعية ، وإنما غايتها التعاون لجعل التجمعات
الإسلامية مجتمعـــات عصرية حديثة تحت مظلة الإسلام ، ومن ثم تنسيق التعاون
الثقــــافي والاجتمــاعي والاقتصادي والإعلامي والسياسي بين البلدان الإسلامية ،
ومنع كل احتكاك بين بلاد المسلمين ، وفض كل ما يمكن أن يطرأ من خلافات أو نزاعات
بالوسائل السلمية وفقاً لتعاليم الإسلام ، ومواجهة أخطار الغـــزو الفكري وغير
الفكــري عن بلاد المسلمين ، والدفاع عن حق المسلم فــي عقيدته وحريتــه فــي
البلاد غيــر الإسلاميــة ، والتعــــاون مــع المجتمــع الدولي بوجــه عـام
لتجنيـب البشرية ويلات الأسلحــة النوويــة والحــروب الظالمـة ؛ للإسهام في
إقامــة مجتمع إنساني أفضل لخير البشرية جميعاً ، هذه هي دعوة التضامن الإسلامي
التي حملت المملكة لواءهــا ولا تزال تحملها([25]).
لقد أثمرت اتصالات المملكة لبلورة هذه الدعوة الكريمة ، قناعـة إسلامية
مشتركة بأن التعاون المرتكز على روابط العقيدة الثابتة ، وعلى التاريخ والثقافة
يساير تمام المسايرة التعاون القائم في إطار التنظيم الدولي الحديث الذي تجسد في
قيام منظمة الأمم المتحدة . إن الأخذ بهذا المنظور كان نقطة الانطلاق لإقامة منظمة
عالمية للدول الإسلامية تكون على مستوى تطلعات المملكة على صعيد التضامن الإسلامي
فكراً وسياسة ومضموناً ، وتعد كذلك الترجمة العملية لإرادة الدول الإسلامية على
تنسيق جهودها، وتوحيد منطلقاتها، وإتخـــاذ مواقف موحدة، أو متماثلة في القضايا
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية وغيرها من القضايا ذات
الاهتمام المشترك بين الدول والشعوب الإسلامية ، وتضمن لها أوضاعاً داخلية ودولية
أفضل تهيىء لها دائماً فرص التنسيق والتكامل والتشاور بما يتيح لها رؤية مستقبلية
، ويمكنها من دعم استراتيجية شاملة للعمل الإسلامي وتطويرها في إطار الموارد
والإمكانات الماديــة المتوافــرة . وتمثل القــوة الروحيـة الهائلـة المتاحــة
لــه بالإسلام قــوة دفــع جبارة ، بـدأ العالم يعي شيئاً عـن حجمهــا، وقدرتهــا
على العطاء لخير العالم الإسلامي والبشرية جمعاء .
في ضوء ما تقدم واجـه قادة المملكة هذه الأوضاع من
خلال إنشاء القنوات الآتية :
1 – إيجاد
هيئة إسلامية شعبية عالمية غير حكومية تمثل فيها جميع الجماعات الإسلامية في أرجاء
المعمـورة . وقــد تحقــق ذلك بقيام رابطـة العالـم الإسلامـي، التــي انبثقت عن
المؤتمر الإسلامي العام الأول الذي عقد في مكـة المكرمة في ذي الحجة 1381هـ /1962م ([26]) .
2 – جمع شمل
حكومات الدول الإسلامية في منظمة دولية تجسد التضامن الإسلامي الذي رفعت – ولا
تـــزال ترفع – المملكة لــواءه . وقـد تحقق ذلك بـدءاً من المؤتمـــر الإسلامي
الــذي ضم العديد من ممثلي الشعوب
والجماعات الإسلامية في مختـلف أنحاء العالم ، الذي انعقد بمقديشو في عام 1384هـ
/1965م، أعلن فيه رئيس جمهورية الصومال تأييده لدعوة قادة المملكة من أجل بلورة مفهوم التضامن الإسلامي علــى أرض
الواقع([27]) .
ثم أيد المؤتمر الإسلامي الذي ضم عدداً من الزعماء المسلمين إلى جانب رؤساء
بعثات الحج ، الذي انعقد في مكة المكرمة في موسم حج عام 1384هـ هذا التوجه
الإسلامي، وحُدد فيه مضامين التضامن الإسلامي ومعاييره والأسلوب الأمثل لتحقيقه
على النحو الموضح أعلاه([28]).
وتبلور هذا المنظـــور في النــــداء الــــذي وجهه الملك فيصل – يرحمه
الله – في خطابه الذي افتتـح بـه مؤتمـر رابطـة العالـم الإسلامـي المنعقـد فـي
مكـة المكـرمة سنة 1385هـ/1966م، وأعلن فيه " الدعوة إلى عقد مؤتمر قمة
إسلامي يكون في مقدوره أن يبحث قضايا المسلمين ، ويقرر مصيرهم " ([29]).
وقــد واصـل الملـك فيصـل سعيـه لعقد هذا المؤتمر ، وتجلى ذلك بقيامه
بسلسلة من الزيارات ، ابتداء من شعبان 1385هـ/1966م لعدد من الأقطار العربية
والإسلامية داعياً وموضحاً مفهوم التضامن الإسلامي من ناحية ، ومطالباً بتحقيق هذا
التضامن على صعيد العمل من أجل تحرير القدس الشريف وفلسطين المحتله من براثن
الصهيونية من ناحيه أخرى([30]).
وقد جسدت البلاغات المشتركة الصادرة من تلك الزيارات الاستجابه العملية إلى
كل ذلك. وكان الشيء المؤكد فيها أن قادة المملكة استطاعوا منذ ذلك التاريخ أن
يسيروا بقضية فلسطين شوطاً بعيداً بصفتها قضية إسلامية ، وليس لأنها قضية عربية
فحسب ، وتحقق للقضية الفلسطينية من هذا التحرك ما لم يحققه أي جهد عربي آخر .
وقد ازداد الاقتنــاع بضرورة القيــام بعمـل يجعـل التضامـن الإسلامــي
حقيقــة واقعــة حينما أقدمـت عناصـر صهيونيــة فــي عام 1389هـ/1969م على إضرام
حريق في المسجد الأقصى([31]).
ولم يمض شهر واحد على هذا الحدث
حتى التأم شمل قادة الأمة الإسلامية في مؤتمر القمة الإسلامي الأول في الرباط في أوائل رجب 1389هـ/سبتمبر
1969م، وصدر عن المؤتمر أول بيان علني لقادة العالم الإسلامي ، تضمن الإعلان عن
أول بادرة من بوادر التضامن الإسلامي للعمل على إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي. حيث
تم في المؤتمر الأول لوزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد بجدة في المحرم
1390هـ/ فبراير 1970م إنشاء الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي. من جانب آخر
أسهمت المملكة في صياغة ميثاق المنظمة الذي ووفق عليه في المؤتمر الإسلامي الثالث
لوزراء الخارجية المنعقد بجدة في المحرم 1392هـ /فبراير 1972م ([32]).
وواصل بعد ذلك العمل الإسلامي
المشترك مسيرته لتجسيد شعار التضامن الإسلامي الذي رفعت المملكة وما تزال ترفع
لواءه. فصدرت عن مؤتمر القمة الإسلامي الثاني في لاهور في المحرم 1394هـ /فبراير
1974م قرارات سياسية واقتصادية مهمة . من ذلك القرار التاريخي المتعلق بإنشاء
صندوق التضامن الإسلامي لتمويل النشاطات الثقافية والروحية والاجتماعية للمنظمة ،
ونشر الدعوة الإسلامية ، ودعم صمود الشعب الفلسطيني في القدس الشريف ، وفي الأراضي
الفلسطينية المحتلة ([33]).
وتوالت بعد ذلك المؤتمرات الإسلامية التي صدرت عنها قرارات أخرى مهمة ،
ومنها قرارات إنشاء صندوق القدس([34])، وكذلك البنك الإسلامي للتنمية ، لتلبية احتياجات
الدول الإسلامية في مجال التعاون الاقتصادي والتجاري والصناعي، وتكوين مؤسسات
اقتصادية مختصة لتحقيق الغرض المذكور ، وإنشاء مراكز ثقافية وجامعات إسلامية ،
وعلى الصعيد الإعلامي أنشئت وكالة الأنباء الإسلامية ومنظمة إذاعات الدول
الإسلامية التي اتخذت من المملكة مقراً لهما ([35]).
أما على الصعيد الدولي فقد أسهمت المملكة بما لها من ثقل دولي ومكانة روحية
بالنشاطات الإسلامية في إطار المنظمة ، وقامت بعمل مهم في مجال الدفاع عن القضايا
الإسلامية الكبرى ، وفي طليعتها قضية
فلسطين وقضية أفغانستان والصومال والبوسنة والهرسك ، وكذلك الدفاع عن حقوق
الأقليات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم ، ومؤازرة حركات التحرير من أجل
الاستقلال في أفريقيا وغيرها ، إلى جانب القيام بجانب الدعوة ونشر الإسلام
والتعريف به.
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن موقف المملكة على صعيد سياستها الخارجية في
المجال الإسلامي بدأ بكل وضوح من خلال دورها المؤثر في الاجتماعات التي توالت في
إطار منـظمة المؤتمر الإسلامي على مستوى القمة الإسلامية التي تعقد بشكل دوري كل
ثلاث سنوات ، وعلى المستوى الوزاري في كل عام . ومما يستحق التنويه عنه في هذا
المجال انعقاد المؤتمر الثالث لقادة الأمة الإسلامية لأول مرة في تاريخهم في رحاب
مكة المكرمة ومدينة الطائف الذي انعقد في ربيع الأول 1401هـ /1981م ، واستطاعوا من
خلاله إرساء قواعد للعمل الإسلامي المشترك من أجل تحقيق الأهداف الكبرى للأمة
الإسلامية ، وذلك بإصـــدار بلاغ مكة
المكرمة التاريخي ، الذي تقدمت المملكة بمشــروع صياغته ، والذي جسد في الوقت نفسه
توجهات المملكة في مجال التضامن الإسلامي ([36]). كما توجت أعمال المؤتمر بالإعـلان عـن إنشـاء
المجمـع الفقهـي الإسلامي الـذي دعـا خادم الحرمين الشريفين إلـى إنشائـه ، ليكـون
مرجعـاً لهـم فـي توحيـد مواقفهـم الفكريـة والفقهيـة فـي مواجهـة تحديـات العصـر([37]). كما أعلن في هذه المناسبـــة عن إسهــام المملكة
بمبلغ ألف مليون دولار لدعم برامج التنمية في العالم الإسلامي ، إلى جانب ما أعلنه
أيضاً عن إسهام المملكة في زيادة رأس مال البنك الإسلامي للتنمية ، كما صادق مؤتمر
القمة الإسلامي الثالث في مكة المكرمة والطائف والمؤتمرات الإسلامية التالية على
عدد من القرارات والبرامج الآتية :
1– برنامج
العمل الإسلامي بخصوص قضية القدس وفلسطين والنزاع العربي الإسرائيلي([38]).
2– مواصلة
الجهود الإسلامية عبر الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، وبالتعاون مع
الأمانة العامة للأمم المتحدة لتمكين الشعب الأفغاني من ممارسة حقوقه في اختيار
نظام الحكم الذي يرتئيه ، بعد أن استعادت حكومة المجاهدين الأفغان مقعد أفغانستان
في منظمة المؤتمر الإسلامي في المؤتمر الإسلامي الثامن عشر لوزراء الخارجية في
الرياض عام 1409هـ (1989م) ، وذلك بعد اعتراف المملكة بحكومة المجاهدين ([39]).
3– إنشاء
محكمة عدل إسلامية ، حيث تم إقرار هذا النظام ، ولا يزال قيد التصديق، وقـد أسهمت
المملكة بعمل مؤثر في إعداد نظام المحكمة الأساس ، وكانت من أوائل الدول التي
صادقت عليه . وينتظر أن تسهم المحكمة بمهمة كبيرة في حل المنازعات التي قد تنشأ بين
الدول الأعضاء بالطرق السلمية([40]).
4– بالإضافة
إلى ذلك أسهمت المملكة بمهمة مؤثرة في صياغة وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام ، التي
مرت بمراحل عديدة من الدراسة والتوثيق ، ثم أقرها المؤتمر الإسلامي التاسع عشر
لوزراء الخارجية([41]) . وبذلك حققت المنظمة إنجازاً تاريخياً في مجال
إعداد وثيقة دولية لحقوق الإنسان تتمشى مع تعاليم الدين الإسلامي، إلى جانب إسهام
المملكة المؤثر في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي لاعتماد مدونة سلوك لمكافحة
الإرهاب الدولي وإعداد إطار عام لمشروع اتفاقية إسلامية لمكافحة الإرهاب الدولي ،
وذلك وفقًا لقرار مؤتمر القمة الإسلامي الثامن الذي انعقد بطهران في عام 1418هـ
/1997م ([42]).
5– الجدير
بالذكر أن منظمة المؤتمر الإسلامي قــد حققت بفضل إسهام المملكة في دعمها ، ودعم
القضايا الإسلامية التي تبحث في إطارها ، تطوراً كبيراً على صعيد تنسيق الجهود الإسلامية
الحكومية وغير الحكومية مادياً ومعنوياً ، للعمل من أجل تحرير القدس الشريف
وفلسطين والأراضي العربية المحتلة ، بدءاً من سيناء، ثم من الجولان والجنوب
اللبناني ، ولا سيما من خلال المؤتمرات الإسلامية والمؤسسات واللجان التي أنشئت
لخدمة قضية المسلمين الأولى، وفي مقدمتها لجنة القدس التي ترأسها الملك الحسن
الثاني، وصندوق القدس المنبثق عنها . كما اتسع نطاق عمل المنظمة لخدمة مختلف قضايا
المسلمين السياسية والاقتصادية والثقافية ، وأصبحت بتأثيرها في الساحتين الإسلامية
والدولية ذات شخصية متميزة تتمتع بتأييد المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الأخرى
، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة في ظل التعاون القائم بين المنظمتين من أجل
الإسهام بدور إيجابي ، وتكريس روابط التعاون والإخاء بين جميع الدول والشعوب .
ومن أجل وضع هذه الاستراتيجية العربية والإسلامية الشاملة موضع التنفيذ حرصت
المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين على تعزيز أواصر الأخوة مع جميع الدول
العربية والإسلامية ، وكثفت جهودها لدعم وحدة الصف العربي والإسلامي ، وفتح قنوات
للتشاور والتفاهم من أجل خدمة قضايا الإسلام المصيرية التي حرصت المملكة على
الوصول بها إلى الأهداف المنشودة ، وذلك على الوجـه الآتي :
أولاً: مساندة الدول العربية والشعوب الإسلامية
في نضالها من أجل الحصول على حق تقرير مصيرها واستقلالها ، إلى جانب دعم القضايا
الأخرى المماثلة التي تبنتها كل من جامعة الدول العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي
، والمدرجة بصفتها بنوداً ثابتة في جدول أعمال المؤتمرات العربية والإسلامية ، سواء كانت على مستوى
القمة أم على مستوى وزراء الخارجية ، وهــي:
1 – الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها
إسرائيل :
لقد كانت قضية فلسطين والقدس شغل المملكة الشاغل ، ابتداءً بجلالة الملك
عبدالعزيز الذي أولاها –رحمه الله –اهتمامه الشخصي وعنايته الفائقـــة ، إلى جانب
ما قامت به المملكة في مختلف عهود أبنائه من بعده ، ولا سيما في عهد خادم الحرمين
الشريفين. وقد جنــــدت المملكة في مختلف
هذه العهود علاقاتها مع مختلف الدول الكبرى وغيرها وإمكاناتهــــا المادية
والروحيــــة للوصول بهذه القضية إلى النتيجة المرجوة ، وهي حصول الشعب الفلسطيني
على حقوقه الوطنية في تقرير المصير ، وإقامـــــة دولته على ترابه الوطني. ولتحقيق
ذلك واصلت المملكة العربية السعودية دعم الجهود العربية والإسلامية للدفاع عن
فلسطين وتأييـــــد مطالب أهلها ومساندة كفاحهم العادل من أجل الحفاظ على هويتهم
الوطنية والعربية والإسلامية ، وإقامة كيانهم المستقل على أرض وطنهم . وقد شاركت
المملكة في المؤتمرات الدولية الخاصة بفلسطين التي عقدت في لندن وباريس في مرحلة
الثلاثينــــيات ، ومثل المملكة فيها الملك فيصل رحمه الله([43]).
كما شارك الجيش السعودي في معارك الجهاد ضد العدو الصهيوني عام 1948م في
فلسطين . وذلك انطلاقاً من الموقف الذي حدده الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في ذلك
الحين ، وهو ضرورة إبراز القضية الفلسطينية في المحافل الدولية ، بوصفها قضية جهاد
شعب من أجل الحفاظ على كيانه وهويته في مواجهة المحتل الصهيوني، على أن يكون دور
الدول العربية هو مساندة هذا الجهاد ، وذلك رغبة في كسب التأييد الدولي المؤثر
لصالح القضية ، وتجنباً لانسياق القضية في متاهة المصالح الإقليمية الضيقة([44]) .
ولقـد واصلت المملكـة جهـودها فـي العمل على جميع الأصعدة الإقليمية
والدولية والإسلامية ، وفي مختلف المجالات السياسية والمادية ، ووقفت بكل ثقلها
المعنوي والمادي من أجل تحرير القدس الشريف ، وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه
الوطنية ، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير ، وإقامة دولته وعاصمتها القدس ، وفق
قرارات الشرعية الدولية المتمثلة في قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و 338 ،
ومبدأ الأرض مقابل السلام . ودعمت المملكة ولا تزال تدعم الشعب الفلسطيني للحصول
على حقوقه المشروعة واستعادة أراضيه المحتلة ، وذلك جنباً إلى جنب مع ما بذلته من
جهود ، ومن وضع إمكاناتها الذاتية من أجل تحرير سيناء في حينه والجولان والجنوب
اللبناني .
ولقد جسد الحظر النفطي الذي فرضته المملكة على عدد من القوى الدولية
المؤثرة، الذي صاحب حرب أكتوبر لعام 1393هـ/ 1973م ([45])،وكذلك خطة الملك فهد للسلام في الشرق الأوسط التي
تبناها كل من مؤتمر القمة العربي الثاني عشر ومؤتمر القمة الإسلامي الرابع([46])، حرص القيادة السعودية لوضع جهودها وإمكاناتها
الذاتية من أجل قضايا العرب والمسلمين الرئيسة ، وفي مقدمتها فلسطين والقدس الشريف
. واستمرت المملكة بقيادة خـــادم الحرمين الشريفين في جهودها ودعمهــا المتواصل بما يعود بالخير على القضية
الفلسطينية عبر عملية السلام في الشرق الأوسط التي بدأت بمؤتمر مدريد للسلام ،
التي أسفرت مؤخراً عن توقيع اتفاق واشنطن مؤخراً بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ، الخاص بتوسيع نطاق الحكم الذاتي
الفلسطيني يأتي ذلك في مرحلة لاحقة مواصلة المفاوضات بشأن التوصل إلى الحل السلمي
الشامل والعادل . وقد أسفرت هذه الجهود عــن قيام السلطة الوطنية الفلسطينية فــي
أجزاء مــن الصفة الغربية وغــزة ولا تزال المفاوضات جارية بهدف الوصول إلــى قيام
الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف ، وتحرير الجولان السوري والجنوب
اللبناني([47]).
2 – تضامـن المملكـة مـع قضايا الشعوب العربية
والإسلامية الأخرى في قارة آسيا من أجـل نيل استقلالها([48]).
ولقد وقفت المملكة أيضاً إلى جانب نضال الشعوب العربية والإسلامية([49]) من أجل نيل استقلالها الوطني، في المرحلة التي انطلق
فيها هذا النضال عقـب انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وقيام منظمة الأمم المتحدة
التي كانت المملكة من الدول المؤسسة لها ، واستضافت في تلك المرحلة عدداً من قادة
حركات التحرير فيها ، وقدمت لهم الدعم المادي والمعنوي لتحقيق أمنياتهم ، واعتراف
المجتمع الدولي بهم ، وتذليل العقبات التي اعترضت انضمامهم لمنظمة الأمم المتحدة ،
ومساندتهم على صعيد القضايا التي تتعلق بوحدتهم الإقليمية ، والحفاظ على هويتهم
الإسلامية ومن هذه القضايا: