أيها الأخوة الكرام
يسرني في هذه المناسبة الغالية الهامة أن أشارك مع زملائي في التعبير عن فرحتنا
وسرورنا بالاحتفال بمرور مائة عامة على إقامة هذا الصرح الشامخ الذي وحد معظم
أجزاء الجزيرة العربية ، وجعلها أمة واحدة متحدة القلوب والعواطف والأماني بعد أن
كانت أشتاتا متفرقة .
لاشك أن
الاحتفال بهذا الحدث الكبير يعيد إلى أذهاننا ما قام به الأجداد من أعمال جبارة
ورائدة بقيادة المغفور له الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ، حتى تمكنوا من إنشاء
هذا الكيان الشامخ حصن العروبة والإسلام ، ولعلها مناسبة تقتضي منا الإشادة
بمساهمات من قاموا وساهموا في هذا المؤتمر الهام ، كما يسرني أن أشارك مع زملائي
الآخرين في هذا اللقاء الهام والمميز والذي يجمع ومن خلال فاعلياته أهل الفكر
والعلم للتباحث والاطلاع على ما يساهمون به من ثراء فكري وثقافي ومعالجة لقضايا
متعددة .
أيها السادة
تعتبر السياسة الخارجية حقلا من حقول المعرفة المتعددة والتي تهتم يشكل خاص بكل ما
يؤثر في عملية صنع القرار السياسي سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي .
وكما هو معروف
فإن العلماء والباحثين المهتمين بالسياسة وأنشطتها اعتادوا في الماضي على التحدث
أو التطرق للسياسة الخارجية وكأنها جزء من التاريخ الدبلوماسي، ومن هذه الزاوية
بدؤوا يركزون جل اهتمامهم في التطرق أو تناول قضايا تقليدية كالحرب والسلام ،
والمعاهدات والمنازعات الدولية وتسويتها بالطرق السلمية ، غير أن التطور الذي
عاشته مسيرة السياسة الخارجية عبر قرون من الزمن ، وتفرع وتشعب حقول المعرفة بدأت
تعير اهتماما لقضايا وأمور أكثر أهمية ، كالاهتمام بدراسة النظام السياسي ، وتطوره
،وطبيعته ،والأوضاع الاجتماعية ،والثقافية ، والدينية، إضافة إلى الاهتمام بمراكز
الثقل والتوجه ،والتأثير على الساحة الدولية وفق النظام الدولي المعاصر ، وبالنظر
إلى هذه التطورات نجد أننا أمام مهمة ليست بالسهلة عند دراسة السياسة الخارجية ،
إذ أن السياسة الخارجية تتميز عن السياسة الداخلية بأنها تعكس إرادات وسياسات
ومصالح مختلفة متناقضة ،إطارها الطبيعي هو المحيط الدولي، ولهذا نجدها تختلف عن
السياسة الداخلية ، والتي تتركز في مجملها على مفاهيم ومعايير السيادة الوطنية
ومصالحها . الأمر الذي يجعل من عملية التحكم في التشريع الداخلي والتنفيذ أمر تختص
به السلطة القائمة في الدولة دون غيرها ، ولهذا نجد أن السياسة الداخلية تتمتع
بصلاحية ومرونة أكبر مقارنة مع السياسة الخارجية ، حيث كون الأخيرة لا تتمتع بمطلق
الصلاحية في التوجيه والأهداف والإرادة نظرا لوجود مصالح ومواقف وسيادات لدول أخرى
لها تأثيرها ومكانتها في المحيط الدولي ، ومن هذا المنظور نلاحظ أن السياسة
الخارجية تعتمد في المقام الأول على أسلوب التأثير من خلال الاتصالات الدبلوماسية
، أو استخدام أسلوب التفاوض ، أو استعمال أساليب أخرى كالاقناع أو الاغراء أو
الترغيب أو الترهيب .
ولعل المهتم
أو الدارس للسياسة الخارجية يأخذ بعين الاعتبار المناهج الرئيسية والمتمثلة في عدة
مناهج ، كالمنهج التحليلي والذي يهتم في المقام الأول باستيعاب واستقراء التطورات
الدولية ، ذلك من خلال التعرف على أهداف وأغراض الدولة ، وتسلسل مصالحها ، والتوصل
إلى مفهوم واستطلاع للظواهر المتكررة في سياسات الدول الأخرى ، ولهذا فإن المصلحة
الوطنية يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند دراسة هذا المنهج ، خصوصا من قبل القادة السياسيين
، إضافة إلى الوضع الجغرافي والمكانة الدولية لهذه الدولة ومواردها الطبيعة ، هذا
النوع من المنهج لا يخضع بالضرورة إلى عقائد فلسفية أو أيديولوجية ، إذ أن المنهج
الأيدولوجي يعبر عن الانعكاسات والمعتقدات الدينية والفلسفية ، والتي قد لا تتفق
مع المنهج التحليلي في بعض الأمور ، ولا ننسى في هذا المجال دعاة المنهج المقارن ،
والذي يعتمد على مقارنة السياسة الخارجية لدولة معينة مع سياسة دولة أخرى بهدف
الوصول إلى أوجه التوافق والاختلاف بين هذه وتلك ، وقد درج بعض الباحثين المهتمين
في الأوساط العلمية والسياسية إلى تبني هذا المنهج لاكتشاف مواقع الخطأ والصواب
تحت قيادات سياسية متعاقبة ، ولكن ما يهمنا في المقام الأول – وبعد هذا المقدمة –
هو السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية معتمدين في ذلك على الأخذ من هذه
المناهج الثلاثة ، آخذين بعين الاعتبار أن الموقع الجغرافي والمكانة الدينية ،
والموارد الطبيعية ، والزعامة السياسية ، والمؤسسات المختلفة الصناعية والعسكرية
والاقتصادية ، والسكان ، عوامل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند دراسة السياسة
الخارجية لأي دول ما ، والمملكة تنفرد عن كثير من الدول بمرتكز العقيدة الدينية ،
والمتمثلة بأن الإسلام يعتبر الركيزة الأول للتشريعات القائمة فيها ، ويعتبر
القرآن هو دستور الدولة ، وقد حرصت حكومة المملكة العربية السعودية أن تكون
سياستها الخارجية منسجمة في جميع خطواتها مع هذا التوجه العام للدولة .
إن الفضل
الأول في نشأة الدول السعودية الثالثة الحديثة يعود – بعد الله –على الجهود
الجبارة والخطوات الرائدة التي قام بها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب
الله ثراه ، ولقد بدأت خطواته التوحيدية لهذا الصرح الكبير الشامخ كتعبير عن
تطلعات وأماني مجتمع الجزيرة العربية ، الذي مزقته الحروب والاختلافات والخلافات
القبلية والمطامع الشخصية ، هذا الإنجاز الكبير يعتبر امتدادا طبيعيا للدولة
السعودية الأولى والثانية ، فالخطوات التي اتخذها الملك القائد على صعيد المسرح
السياسي الداخلي أدت إلى إنشاء أكبر دولة عربية وكيان سياسي في شبه الجزيرة
العربية ، متعارضة مع أهداف وغايات وأطماع الدول الكبرى في المنطقة ، ولهذا فإن
الملك عبدالعزيز يكون أول من قام بتطبيق الوحدة العربية قولا وفعلا ، فتوحيد هذه
المناطق الشاسعة المترامية الأطراف المتناثرة يعد –بلاشك –عملا جبارا لا يستطيع
تحقيقه إلا شخصيه كعبدالعزيز .
ففي مجال العلاقات
السياسية الخارجيــــة كان دور الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – دورا بارزا
ومؤثرا ، فهو يحرص أن يعالج بنفسه شؤون الدولة الخارجية ، ويكلف بتنفيذها أشخاصا
مؤهلين وذوي خبرة ، كما أنه يحرص على متابعة الأحداث والتغيرات والتطورات الدولية
عن كثب ومدى تأثيرها على الأوضاع الإقليمية ، ولهذا فهو يعتبر مطلعا ومتابعا جديا
لكل ما يدور حوله من أحداث وتطورات ، وقد اعتمدت السياسة الخارجية في عهده على
درجة كبيرة على نفس القوى والأفكار والتي كان تحكم تطور السياسة الداخلية .
لقد برز منهج
الاعتدال والاتزان على أنه القاعدة الأساسية للسياسة الخارجية للمملكة ، وعدم
التدخل في شؤون الدول الأخرى والاحترام المتبادل بين الدول ودعم القضايا العربية
والإسلامية ، وقد انضمت المملكة في عهده كعضو مؤسس في هيئة الأمم المتحدة والجامعة
العربية ، وقد درجت المملكة في سياستها الخارجية على الاهتمام بالتعاون والتضامن
مع الدول العربية . وساعدتها من واقع التمسك بميثاق الجامعة العربية والاهتمام
بقضايا العالمين العربي والإسلامي ، والإسهام في حل مشاكل ودعم سبل التنمية ،
والحرص على توثيق الروابط الأخوية بين الشعوب الإسلامية ، وتطبيق ميثاق الأمم
المتحدة ، واحترام مبادىء القانون الدولي والأعراف الدولية ، وإنشاء علاقات
متوازنة مع العالم الخارجي وفق المصالح المشتركة .
وفي هذا
السياق فإن المملكة العربية السعودية ، تعتبر من أشد الدول دفاعا عن القضايا
الفلسطينية انطلاقاً من مبادئها الهادفة للاهتمام بقضايا العالم العربي والإسلامي،
والدفاع عن مصالحه ، والحرص على رفع الظلم عنه ، وتسخير كل الجهود والإمكانات
المتاحة للدفاع عن قضاياه ، ولهذا نجدها من أول الدول التي قدمت المساعدات والدعم
المالي والسياسي والعسكري لقناعتها بأن قضايا العرب مرتبطة بعضها ببعض ، وأن على
العرب والمسلمين اتخاذ المواقف للدفاع أو لمواجهة الأخطار التي تهدد مصالحهم .
إن التزام
المملكة العربية السعودية بقضية فلسطين هو التزام ديني وإنساني وخلقي، فالملك
عبدالعزيز يعتبر من أكثر الحكام العرب حماسا لهذه القضية ، وأجرأهم في الدفاع عنها
في المحافل الدولية ، وهذا بلاشك يعبر عن التزام مبدئي بعدالة هذه القضية ، ولقد
درجت سياسة المملكة العربية السعودية عبر هذه السنين على الالتزام بهذه العوامل.
فقد عبر خادم
الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز عن ذلك بقوله : " نحن نعتبر المعركة
معركتنا لأن القضية قضيتنا ، ومن الخطأ تجزئة القضية ، كما أنه من الخطأ تجزئة
المسؤولية ، ومن الأصوب توزيع وتحديد الأدوار حسب الإمكانيات والقدرات المتاحة
" .
لاشك أن اتفاق
العرب على مشروع الملك فهد للسلام في الشرق الأوسط ، بعد مداولات ومناقشات طويلة ،
والخروج بالمشروع العربي للسلام ، والتي عرفت بمبادرة الملك فهد الشهيرة ، واتفاق
الزعماء العرب على مضمونها ومكوناتها أظهر رغبة العرب في الحل السلمي العادل لقضية
الشرق الأوسط ، على الرغم من رفض إسرائيل لهذا المشروع .
كما تعتبر هذه
المبادرة العربية أساسا للحوار والنقاش الذي انطلقت منه المؤتمرات الأخرى الخاصة
بقضية الشرق الأوسط .
إن التطورات
التي عاشتها منطقة الشرق الأوسط استلزمت إعادة النظر في السبل والتوجهات الكفيلة
بحل النزاع العربي الإسرائيلي ، وإن إحلال السلام الدائم العادل في الشرق الأوسط
يجب أن يأخذ في الحسبان الاعتراف الكامل بالحقوق العربية العادلة ، وإعادة الأراضي
العربية المحتلة بما فيها القدس الشريف ، وإنه لا يمكن تحقيق سلام عادل وشامل
ودائم في المنطقة بدون معالجة هذه القضايا الحاسمة والملحة .
لقد دأبت
السياسة الخارجية السعودية على أن الاعتراف الكامل بالحقوق الشرعية للشعب
الفلسطيني في أرضه ، وإقامة دولته وعاصمتها القدس ، وإعادة الأرض العربية المحتلة
، شرط أساسي وحيوي لإحلال السلام في المنطقة ، ومن هذا المنظور قامت المملكة بجهود
جبارة على المستوى الإقليمي والدولي ، وألقت بكل ثقلها وراء تحقيق الحل العادل
والشامل هذا النزاع ، مستخدمة بذلك كل إمكانياتها ومواردها، وما رست ضغوطا شديدة على القوى المؤثرة في
الساحة الدولية للوصول إلى تلك الأهداف ، وساهمت بفاعلية في مؤتمر مدريد الخاص لحل
النزاع في الشرق الأوسط ، وشاركت بنشاط في المحادثات متعددة الأطراف ، في سبيل
الوصول إلى حل عادل ودائم لقضية الشرق الأوسط ، إيمانا منها بأن السلام والاستقرار
لا يمكن أن يتحققا في المنطقة بدون إيجاد الحلول المناسبة العادلة لهذا النزاع .
إن احتلال
القدس يعتبر تحد لمشاعر المسلمين ، ولهذا فإن التضامن الإسلامي والهادف إلى رفع شأن
المسلمين ، وتقوية أواصر التعاون بينهم هو من الركائز التي تعتمد عليها السياسة
الخارجية للمملكة العربية السعودية لإعادة الحقوق العربية المشروعة في فلسطين .
ولعل مخاطبة المغفور له الملك عبدالعزيز للرئيس الأمريكي حيث قال :
" إن عرب
فلسطين ومن ورائهم سائر العرب بل سائر العالم الإسلامي يطالبون بحقهم ويدافعون عن
بلادهم " .
تثبت التزام
المملكة للدفاع عن هذه القضية ، وتوضيح موقفها منها ، ولعل تكريس الملك فيصل طيب
الله ثراه جل اهتمامه بقضية فلسطين باعتبارها قضية عربية إسلامية عالمية ، وخلق
جبهة إسلامية موحدة هي الطريقة المثلى لحل جميع مشاكل العالم الإسلامي ، بما فيها
قضية القدس على الرغم من معارضة بعض الدول لهذا التوجيه .
وفي هذا
السياق فإن إدراك الملك فيصل وبعد نظره في السعي نحو تشكيل جبهة عربية وإسلامية
للوقوف في وجه الأطماع الإسرائيلية والتي تشكل خطرا جسيما على أمن واستقرار
المنطقة وسيادة دولها أدى إلى بروز التضامن الإسلامي من خلال إقامة منظمة المؤتمر
الإسلامي ، والتي تعد من المنظمات الدولية التي تجمع المسلمين من جميع الأفكار
" والتي سأتحدث عنها فيما بعد " .
إن الدعوة إلى
الأخوة العربية والتي نادى بها المغفور له الملك فيصل أصبحت من بعده الركيزة
الأساسية إلى جانب التضامن الإسلامي أساساً للسياسة الخارجية السعودية، والتي تسعى
إلى وحدة الصف والتعاون الحقيقي والفعال بين الشعوب العربية والإسلامية في مختلف
المجالات .
لقد قامت
السياسة الخارجية السعودية على منطلقات ثابتة ، وقد ارتكزت في المقام الأول على
تحديد الأطر التي من خلالها يمكن فهم واستقراء هذه المنطلقات ، فانتماء المملكة
العربية السعودية إلى العالم العربي والإسلامي لعب دورا أساسيا في صياغة أهداف
السياسة الخارجية السعودية ، وتحديد أولوياتها . ولعل تحديد أهداف ودينماكية
التحرك الدبلوماسي السياسي السعودي ستصبح أكثر وضوحا عندما نحدد العوامل المختلفة
والتي تؤثر فيها وتتأثر بها ، ولعل للأطر الثلاثة المتمثلة في الإطار الخليجي
والعربي والإسلامي تبين الأهداف التي تندرج عليها السياسة الخارجية السعودية ضمن
الإطار الدولي .
إن الإطار
الخليجي يعتبر مركز اهتمام استراتيجي خاص بالنسبة للمملكة ، لما يمثله هذا الإطار
من عمق استراتيجي . ولهذا نجد أن سياسة المملكة تعمل للحفاظ على هذا الإطار وتسعى
إلى تعزيزه وتقويته واستقراره ، ولعل إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي
أتى كنتيجة طبيعية لمتطلبات وتطلعات أبناء منطقة الخليج من أجل توحيد مواقفهم
والتنسيق فيما بين أعضائه فيما من شأنه رعاية المصالح المشتركة ، والدفاع عن حقوقه
ومكتسباته ، وأمنه واستقراره ، ولعل الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج زادت من أهمية وضرورة هذا المجلس ، فالعامل الأمني
يعتبر من عوالم الاستقرار السياسي والاقتصادي ، وإن سعي أعضاء المجلس نحو تعزيز
أواصر الثقة والحفاظ على المصالح المشتركة المتبادلة وإزالة المخاوف والتوترات ،
وتقريب وجهات النظر سوف يؤدي بلا شك إلى تقارب وانصهار إقليمي في منطقة الخليج ،
هذه المنطقة التي تملك إمكانيات اقتصادية كبيرة لها تأثيرها على الخريطة الدولية ،
ولا شك أن وجود المجلس ومسؤولياته ساهم في الحفاظ على تلك المصالح المشتركة
والدفاع عنها رغم التحديات التي شهدتها المنطقة ، وقد أثبت المجلس قدراته على
الوقوف أمام هذه المتغيرات والأخطار الجسيمة التي عصفت بالمنطقة ، وظهرت أهميته
خلال تلك الأحداث .
إن من أهداف
مجلس التعاون تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين أعضائه في جميع الميادين .
وتعميق وتوثيق الروابط والصلات الأخوية القائمة بين شعوبها ، وحل الخلافات بين
أعضائه في إطارها الخليجي بالطرق الأخوية ، والسعي نحو وضع أنظمة متماثلة في مختلف
الميادين ، ودفع عجلة التقدم التقني والعلمي والتنموي بين أعضائه .
يعتبر النزاع
العراقي الإيراني الذي هدد أمن واستقرار
منطقة الخليج – من العوامل التي تعتبر تحديا لهذا المجلس ، ولهذا قام المجلس بنشاط
دبلوماسي وسياسي على جميع الأصعدة بهدف وضع حد لهذا النزاع ، والذي يهدد أمن
وسلامة المنطقة ، وإقناع الأطراف المتنازعة بضرورة اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية
لحل هذا النزاع بالطرق السلمية .
لقد قام
المجلس بمتابعة تلك التطورات وأبعادها الدولية ، واتخذ بعض الإجراءات الوقائية
الدفاعية ، منها تشكيل قوة درع الجزيرة العربية لحماية دوله من أي اعتداء خارجي .
إن إنشاء
المجلس يعتبر في حد ذاته قرارا استراتيجيا هاما ساعد على مواجهة المشاكل الداخلية
والخارجية بصورة جماعية منظمة ، ولقد ساهمت المملكة مساهمة فعالة ومباشرة في
إنشائه وتطويره وتنمية مجالاته وأوجه أنشطته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
والعسكرية ، ومن خلال المجلس قامت المملكة أيضا بدور حيوي وفعال لحل الأزمة بين
العراق وإيران والتوصل إلى وقف أطلاق النار بينهما ، كما قامت بدور هام بشأن إيجاد
الحلول التوفيقية بين أعضائه بالطرق الودية والأخوية بعيدا عن المزايدات والتشنجات
.
أما فيما
يتعلق بالسياسة البترولية الخليجية فقد سعت المملكة على التنسيق وتوحيد المواقف
بين أعضائه فيما من شأنه أن يخدم مصلحة المجلس وأعضائه ، والخروج بمواقف متناسقة
حماية للمكتسبات والمصالح المشتركة بين أعضائه، وقد تجلى هذا التعاون الاقتصادي في
التنسيق في إزالة العوائق الجمركية بين أعضائه ، وتسهيل تبادل السلع والمنتجات ،
وإعطاء الفرصة للصناعات المحلية للحصول على أسواق وأفضلية لدى المجلس ، وقد عملت
المملكة مع شقيقاتها الخليجية على جعل النواحي الاقتصادية أحد المحاور الأساسية
للعمل المشترك في إطار مجلس التعاون ، وقد ترجمت دول الخليج هذا الاهتمام بالتوقيع
على اتفاقية اقتصادية عام 1981م والتي جاءت تعبرا عن أسس صلبة ، وقد تم هذا في
إطار توحيد التعريفة الجمركية بين الدول الأعضاء ، وتوفير انتقال الأفراد والسلع
ورأس المال ، وقد أتاحت هذه الاتفاقية لمواطني دول المجلس حرية ممارسة النشاطات
الاقتصادية في مجالات متعددة ، والسعي نحو إنشاء سوق خليجية مشتركة . كما حققت دول
المجلس قفزة كبيرة في مجال التطور الصناعي وخاصة صناعة التبروكيماويات.
أن الروابط
التاريخية والعلاقات والسمات المشتركة والعقيدة الإسلامية والمصير المشترك ووحدة
الهدف كانت من أهم العوامل التي أدت إلى إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج . فالعمل
المشترك يعد أمرا حيويا استراتيجيا من أجل الوصل إلى تحقيق الأهداف والمصالح
الوطنية للدول الأعضاء في المجلس .
أما في الإطار
العربي فقد قامت السياسة الخارجية للمملكة بأدوار استراتيجية هامة حيث ركزت جل
اهتمامها وسخرت جميع طاقاتها وإمكانياتها البشرية والاقتصادية في خدمة تلك القضايا
، والسعي نحو حلها من خلال الأواصر العربية والمنطلقات الإسلامية ووحدة الهدف
والمصير المشترك ، ولهذا نجد أن المملكة العربية السعودية لعبت خلال العقدين
الأخيرين دورا هاما وبارزا في صياغة العلاقات العربية ، وهذا الدور لم يأت من فراغ
بل حتمية الثقل السياسي والديني والاقتصادي ، ولقد أسهمت السياسة السعودية من خلال
معالجتها للقضايا العربية والدولية في تشكيل منهج جديد يصب في حقل العمل الدولي ،
يعتمد على سياسات لا تُستخدم فيها لغة التهديد والمهاترات ، وتنبع قوتها من ذاتية
المواقف وإلى تقريب وجهات النظر والحلول التوفيقية إلى خدمة الهدف الذي يسعى إليه
المجتمع العربي ، ولهذا نجدها قد قامت بتقديم كافة المساعدات والدعم للدول العربية
التي كانت تحت سيطرة الاستعمار ، وذلك من أجل التخلص من براثن هذا الاستعمار
وأطماعة بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة ، لقناعتها بأن من واجبها مساعدة إخوانها
العرب للنهوض من الواقع الاستعماري الذي لم يحرص على رفع قدرات وكفاءات الشعوب
العربية بقدر ما كان يحرص على مصالحة الشخصية ، وفرض سيطرته واستنزاف قدرات الشعوب
، ولهذا أتت تلك المساعدات والدعم ترجمة حقيقة لمشاعر الشعب السعودي نحو إخوانه
وأشقائه ، وقد تجلى هذا الموقف الأخوي بوضوح خلال حرب رمضان / أكتوبر 1973م بين
العرب وإسرائيل عندما قامت المملكة مساعدات اقتصادية ومالية كبيرة لإخوانها العرب
ودعما سياسيا في جميع المحافل الدولية .
كما قامت
بإرسال جيش يحارب بجانب أشقائه العرب في الدفاع عن أوطانهم وحقوقهم ، والأهم من
ذلك قيامها بالحظر النفطي ضد الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم الدول الغربية كون
هذه الدول اتخذت مواقف مؤيده لإسرائيل خلال الحرب معرضة بذلك مصالحها ومكاسبها
وعلاقتها المتينة مع العالم الغربي الصناعي للخطر، وهذا يظهر مجددا اهتمام المملكة
بعلاقات مع شقيقاتها العربية ، واعتبار مصالحهم جزء لا يتجزأ من مصالحها لذاتيـــة
، ولعل موقف المملكة من الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م قد أظهر فعالية الموقف
السعودي في سبيل مساعدة منظمة التحرير الفلسطينية للخروج من مأزقها ، وعدم إعطاء
الفرصة للجانب الإسرائيلي للقضاء عليها ، والضغط على الدول الغربية بما فيها
الولايات المتحدة لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية ، وفي هذا
السياق فإنني أرى أهمية الإشارة إلى دور المملكة والرائد والبناء في سبيل إيقاف
الحرب الأهلية في لبنان التي مزقته ودمرته ، وسعيها الحثيث مع جميع الأطراف
المتناحرة في سبيل الوصول إلى حل توافقي بين أطراف النزاع ووقف النزيف الدموي الذي
عانت منه لبنان حكومة وشعبا، لاشك أن ثمرة هذه الجهود المباركة لوقف هذا التناحر
وحل الخلاف بالطرق السلمية تمخض عنه مؤتمر الطائف الشهير ، الذي أظهر براعة وكفاءة
الدبلوماسية السعودية ، ومدى تأثيرها على الأطراف المختلفة للوصول إلى تفاهم
واتفاق يخدم لبنان وشعبه الشقيق الذي عانى الكثير من ويلات الحرب والتفكك والتمزق
، ولقد شهدت مدينة الطائف محادثات جادة لصياغة مشروع وفاق وطني جديد ، ومشروع وفاق
سياسي عادل يكفل لجميع الأطراف اللبنانية حقوقها في العيش بكرامة وحرية ، تم هذا
الاجتماع في إطار أجواء ديمقراطية حرية شجعت المشاركين في المؤتمر في الوصول إلى
قواسم مشتركة لتحقيق الوحدة الوطنية التي يسعى إلى تحقيقها جميع اللبنانيين .
ولا ننسى في
هذا المضمار ذكر مواقف المملكة في حل النزاع بين الفرقاء في الصومال بالطرق
السليمة الودية ، ومشاركتها بإرسال قوات الواجب تحت مظلة الأمم المتحدة للحفاظ على
الأمن والاستقرار ، وحل مشاكل الفرق المتناحرة في الصومال بالطرق الودية والسلمية
بما يضمن وحدة تضامن الشعب الصومالي .
ولا ننسى
الاجتماع الذي سعى إلى تحقيقه خادم الحرمين الشريفين بين كل من العاهل المغربي
الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري السابق الشاذلي بن جديد لحل الخلافات بين
المغرب والجزائر بالطرق الودية اعتمادا على الأواصر الأخوية ووحدة المصير والهدف
المشترك .
إن المتتبع
لمناهج السياسة الخارجية السعودية يلاحظ بوضوح ثبات تلك الأسس التي تقوم عليها تلك
السياسة كالعقلانية والرشاد في صناعة واتخاذ القرار السياسي ، والتي تتم من خلال
خبرة وحنكة صانع القرار الذي يعمل وفق وقاعد وأسس راسخة، ومبادىء قويمة ، وإطار
مرجعي نهائي متمثل في كتاب الله وسنة رسوله ، فالثبات والاتزان سمات اتصف بها
الموقف السعودي ، واحترام سيادة القانون الدولي والأعراف والمواثيق الدولية اكسبها
المصداقية والاحترام ، إضافة إلى الاقتناع بأن الطرق الودية السلمية ومحاولة
الإقناع والرجوع عن الخطأ هي السبيل الأفضل والأسلم لتحقيق التوافق وحل الخلاف ،
ولعل خير شاهد على ذلك ما قامت به المملكة من جهود كبيرة ومضنية في سبيل حل خلاف
بين كل من العراق والكويت بالطرق الأخوية السلمية الودية غير أن إصرار الحكومة
العراقية على اتخاذ مواقف عدائية إزاء الكويت وغزوها الغاشم لها متنكرة لذلك لكل
الأواصر الأخوية والدينية ومتحدية بذلك كل المواثيق والأعراف الدولية ، ومعتدية
على دولة عربية شقيقة ذات سيادة كاملة العضوية في الأمم المتحدة سبق وأن وقفت مع
العراق في جميع مشاكلة ومحنة ، وقدمت له كل المساعدات والدعم الممكن معرضة بذلك
مصالحها وأمنها للخطر ، مما اعتبر تهديدا مباشرا لأمن وسلامة جميع دول المنطقة
وتحديا سافرا لأواصر الأخوة العربية والإسلامية ، هذا الحدث لم تشهده المنطقة
العربية في تاريخها والذي أسفر عنه شق وحدة الصف العربي ، وتعريض أمن واستقرار
المنطقة لخطر جسيم لازالت تعاني من آثاره السلبية الأمة العربية وغيرها حتى الآن .
أمام هذه
التحديات الجسام المذهلة . قامت المملكة بخطوات جبارة وجريئة متمثلة في المقام
الأول في محالة إصلاح الخطأ الجسيم والرجوع عنه ، واقناع القيادة العراقية بفداحة
أخطائها ومساعدتها في إصلاح هذا الخطأ الفتاك ، غير أن هذه الجهود والمساعي
الحميدة لم يكللها النجاح نتيجة إصرار النظام العراقي على مواقفه العدوانية وتمسكه
باحتلال الكويت ، الأمر الذي يعتبر تهديدا مباشرا وخطيرا لأمن واستقرار وكرامة
المملكة العربية السعودية وبقية الدول الخليجية العربية – استوجب معه – في حقيقة
الأمر بحث السبل الأخرى الكفيلة بمقاومة هذا الاحتلال الغادر ، والدفاع عن أمن
واستقرار المنقطة ، وإعادة النظر في الوسائل التي بموجبها يمكن درء هذا الخطر
الجسيم والوقوف أمامه .
وأمام هذه
التحديات الجسام وإصرار النظام العراقي وتمسكه باحتلال الكويت وتهديده للدول
المجاورة ضاربا بعرض الحائط كل المبادرات والخطوات السلمية التي اتخذت لإصلاح ذلك
الخطر الجسيم ، سعت هذه الدول وهذا ما تقتضيه واجباتها الوطنية في اتخاذ السبل
الكفيلة للدفاع عن أمنها واستقلالها بكل الوسائل الممكنة والمتاحة ، ابتداء بدعوة
المجتمع الدولي لمقاومة هذا الاحتلال ، وقد استجابت الأسرة الدولية لهذا النداء
بأن وقفت ضد هذا الاحتلال الذي اعتبرته تحديا سافرا للأعراف والقوانين والشرعية
الدولية ، فكان أكبر تجمع دولي يتم لمقاومة الاحتلال الغاشم وتحرير الكويت .
لعل ما تشهده
الساحة العربية الآن من تمزق واختلاف وتباين في المواقف مبعثه في المقام الأول غزو
العراق للكويت وما تمخض عنه من تبعات .
إن هذه
المواقف العدائية من النظام العراقي لم تثن القيادة السياسة للمملكة عن مراعاة ما
يعانيه الشعب العراقي من ويلات وحروب تحمل وزرها ، ولم يكن مسؤولا عنها ، ولهذا
فإن المملكة العربية السعودية كانت من أول الدول التي باركت وأيدت قرار النفط
مقابل الغذاء الصادر عن مجلس الأمن لاعتقادها بأنه السبيل الأفضل والأصلح للحد من
معاناة الشعب العراقي الشقيق ، الذي سبق وأن عانى من محنة الحرب العراقية
الإيرانية ، وهو اليوم يعاني من جديد من حرب فرضت عليه من قيادته التي تسعى إلى
تهديد دول المنطقة ، وامتلاك الأسلحة ذات الدمار الشامل ، والتي تعتبر بكل حق
تهديد أو خطرا جسيما على كل شعوب المنطقة لما لهذا السلاح الفتاك من مخاطر وآثار
سلبية كبيرة على مجتمعات المنطقة وغيرها .
لاشك أن
مماطلة الحكومة العراقية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بعدوانه على الكويت
وإيجاد الحجج والبراهين الواهية زاد من معاناة الشعب العراقي الشقيق ، فلو أن النظام
العراقي التزم بكل صدق وأمانة بتنفيذ جمع هذه القرارات بدون استثناء أو انتقاء لما
كان هناك داعيا لاستمرار معاناة الشعب العراقي ، ولا مكن رفع الحظر عنه ليتمتع
باستخدام جميع موارده للمساهمة في رقية وتقدمه ، غير أن النظام العراقي فضل بقاءه
في السلطة أكثر من تمتع الشعب العراقي بحريته واستقراره واستخدام موارده وأخذ
مكانه الصحيح في الأسرة الدولية ، وخلال هذه التطورات المتعاقبة سعت المملكة وبكل
إخلاص في سبيل البحث عن السبل الكفيلة لرفع هذه المعاناة عن الشعب العربي العراقي
ابتداء بمبادرة رفع الحظر للأسباب الإنسانية ، وحصر ذلك الحظر على الأسلحة ذات
الدمار الشامل والقدرات العسكرية التي تهدد الدول المجاورة لها ، وعدم استفادته من
رفع الحظر لتهديد الدول المجاورة والتدخل في شؤونها .
إن ما تسعى
إليه المملكة في هذا المجال هو رفع المعاناة عن الشعب العراقي الشقيق وتحقيق الأمن
والاستقرار لدول المنطقة ، غير أن المدهش أن الحكومة العراقية رفضت هذه المبادرة
الإنسانية جملة وتفصيلا على الرغم من الترحيب الكبير الذي قوبلت به هذه المبادرة
الإنسانية في جميع الأوساط العربية والإسلامية والدولية .
لقد سعى النظام
العراقي إلى إنكار الاعتراف بالأسرى والمحتجزين من جنسيات مختلفة لديه خلال
احتلاله الكويت على الرغم من اعتراف هيئات دولية بوجودهم لديه. وقد سعت المملكة
بكل جد ومثابرة – ولأكثر من ثمان سنوات – في الاشتراك في اللجنة الثلاثية الأطراف
التي تعني بالبحث لمعرفة مصير الأسرى والمحتجزين والمفقودين وما يتعلق بها ، وقدمت
كل الأدلة والبراهين للجانب العراقي في سبيل التوصل إلى حل لهذه المعاناة
الإنسانية عن طريق المنظمات والهيئات الدولة ، إلا أن إصرار الجانب العراقي
وادعائه باستمرار البحث عنهم تدل على عدم مصداقيته وجديته في حل هذه القضية
الإنسانية والتي مضى عليه أكثر من ثمان سنوات .
لقد عانى
هؤلاء الأسرى وعائلاتهم الكثير من جراء رفض الجانب العراقي حل هذه المشكلة بالطرق
الودية عن طريق الهيئات الدولية ، وسعى إلى التهرب والمماطلة من جديد وعدم التزامه
باتخاذ مواقف إنسانية صريحة ، وأظهر مجدداً عدم رغبة الجانب العراقي في الوصول
بهذه القضية إلى حل ينهى معاناة هؤلاء الأسرى وأسرهم .
لاشك أن
التصريحات والمقابلات الصحفية التي جرت مع مسؤولين عراقيين أثبتت مؤخرا أن القيادة
في العراق لا زالت تصر على إتباع نفس المفهوم والمواقف التي كانت سائدة قبل غزو
الكويت ، معرضة بذلك أمن واستقرار المنقطة للخطر من جديد ونسفه لكل الجسور
والمحاولات الحسنة لإيجاد أقل حد من التضامن العربي .
أما الإطار
الإسلامي فإن المملكة العربية السعودية تكتسب أهمية خاصة بين شعوب وحكومات العالم
الإسلامية ، وذلك بحكم وجود الحرمين الشريفين ومكانتهما الروحية لديهم ، إضافة إلى
دور المملكة في حماية وصون المقدسات الإسلامية .
والمملكة من
الدول القلائل التي تطبق أحكام الشريعة الإسلامية قولا وفعلا ، والتي تعتبر
الركيزة الأساسية لجميع سلوكياتها السياسية ، فوجود الأماكن المقدسة بها أعطاها
ميزه قيادية سياسية وروحية لا تضاهيها أية دولة في العالم ، ومن هذا المنطلق فإن
المملكة تقود بدور رائد وفعال في الإطار الإسلامي والمحافظة على أمنه واستقراره
وتضامنه وتماسكه من خلال وسائل وسبل وقنوات عديدة ، أهمها : منظمة المؤتمر
الإسلامي، والتي تعد بحق وسيلة نبيلة لتحقيق أهداف وغايات شريفة تهدف إلى إيجاد
التلاحم والتقارب بين الدول الإسلامية من أجل الدفاع عن القضايا الإسلامية وحماية
مكتسباتها .
والمملكة
تعتبر من الدول التي تسعى دائما إلى دعم القضايا الإسلامية ومؤازرتها . ولهذا أتت
منظمة المؤتمر الإسلامي تعبيرا أخويا إسلاميا يعبر عن طموحات وتطلعات المجتمع
الإسلامي على الساحة الدولية والسعى إلى تقريب وجهات النظر بين أعضائه .
والمملكة من
جانبها تشارك كعضو فعال في هذه المنظمة وخصصت لها الإمكانيات الكبيرة لدعم توجهه
الإسلامي وقضاياه ، وقد أصبحت هذه المنظمة من أهم المنظمات العالمية . ولعل مرد
إنشاء رابطة إسلامية تعود في المقام الأول إلى ما سعى إلى تحقيقه الملك فيصل بن
عبدالعزيز – يرحمه الله – في منتصف الستينات من هذا القرن ، بعد أن أحس ولمس ضرورة
تعاون الدول الإسلامية لمواجهة التحديات العصرية السياسية والعقائدية ، وذلك من
خلال إقامة كيان إسلامي سياسي عالمي قادر على تحقيق القوة والمنعة للمسلمين
والإسلام ، ولتحقيق ضوابط وتعاون في المجالات التي تهم الدول الإسلامية وللتحرر من
قيود لتبعية السياسية والعقائدية ، وذلك من خلال إقامة كيان إسلامي سياسي عالمي
قادر على تحقيق القوة والمنعة للإسلام والمسلمين ، ولتحقيق ضوابط وتعاون في
المجالات التي تهم الدول الإسلامية ، وللتحرر من قيود التبعية السياسية
والاقتصادية والثقافية للدول المتقدمة .
لاشك أن
العوامل الدينية والاقتصادية والحضارية المشتركة بين الدول الإسلامية ، إضافة إلى
تعداد السكان المتنامي في العالم الإسلامي ، ووجود مصالح مشتركة تجمع بينها ،
ساعدت على إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي ، ولقد قام الملك فيصل رحمه الله بعمل
متواصل دؤوب لبلورة تلك الفكرة وإخراجها إلى حيز الوجود ، حيث تم في عام 1384هـ /
1964م عقد مؤتمر إسلامي مصغر في مدينة مكة المكرمة الهدف منه تحقيق التضامن
والتقارب بين الدول الإسلامية .
ولاشك أن
عملية إحراق المسجد الأقصى في عام 1968م قد أثار حفيظة العالم الإسلامي ، وطالبت
باتخاذ إجراءات لبحث تلك الأحداث الأليمة ، الأمر الذي دعا الملك فيصل إلى إجراء
اتصالات سريعة مع بقية الدول الإسلامية،
والذي تمخض عنه عقد أول مؤتمر قمة إسلامي بمدينة الرباط بالمغرب في 21
سبتمبر 1969م ، وقد تبنى ذلك المؤتمر فكرة إقامة منظمة إسلامية دائمة تحافظ على
الشخصية الإسلامية ، وميثاقا يحكم سلوكها وإدارة عامة تسير أعمالها ، وتلى ذلك
الاجتماع عقد اجتماع آخر في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية لوزراء خارجية
العالم الإسلامي لوضع الخطوط العريضة لما اتخذه في مؤتمر القمة السابق ، وخرج
بإعلان إنشاء إدارة عامة داعمة للمؤتمر الإسلامي يكون مقرها جدة ، وفي عام 1971م
عقد في مدينة جدة مؤتمر يمثل ميثاق التضامن الإسلامي ، يتضمن كافة المبادىء والأسس
التي تضم علاقات الدول الإسلامية وشؤونها المختلفة ، ويحقق لها البعد السياسي
والمتمثل بمبدأ عدم الانحياز والتعامل مع المعطيات الواقعية لتحقيق درجة معقولة من
التضامن الإسلامي ، وفق أفاق جديدة للتعامل الاقتصادي بين دول المؤتمر ،
والاستفادة من الانفراج الدولي والتعاون مع المعطيات السياسية المتغيرة بموقف
متقارب يحمي مصالح أعضاء المنظمة ، والتصدي للاجتياح الثقافي والغزو الفكري
بالأساليب الحديثة ، وإظهار محاسن الإسلام ومبادئه .
والمملكة من
هذا الجانب قدمت مساعدات اقتصادية ضخمة للدول
الإسلامية لمساعدتها على دعم خطط التنمية ورفع كفاءات وقدرات واقتصاديات
الدول الإسلامية في المجالات المختلفة ، كما قامت بجمع جميع الفرق المتناحرة في
أفغانستان في سبيل حقن الدماء الإسلامية والوصول إلى حلول سلمية لذلك النزاع والتي
تمخض عنها مؤتمر مكة الشهير بين الأطراف الأفغانية بمشاركة باكستان .
إن المملكة من
خلال علاقاتها المتعددة والمتشعبة في إطار المجتمع الدولي قامت بإنشاء علاقات
متنامية مع الدول الإفريقية والتي تعتبر من بين دول العالم الإسلامي النامي الأكثر
حاجة إلى الدعم والمساعدة ، وقد أخذت المملكة على عاتقها في هذا الشأن كعنوان
للصداقة ودعم لقضاياهم المصيرية .
ولاشك أن
النمو السريع في العلاقات بين المملكة والدول الإفريقية يرجع في أساسه إلى دور
الدبلوماسيـــة السعودية في تنفيذ الأهداف الفعلية للسياسة الخارجية ، المتمثلة في
دعم وإسناد الدول الصديقة ، الأمــر الذي زاد من الروابـــط بين المملكة والقارة
الإفريقية ، ولكون المملكة مصدر إشعاع فكري وديني ، أصبحت محط تقدير واحترام للدول
الأفريقية ، وبهذا رأت القيادة السعودية أن تعميق علاقاتها مع إفريقيا يجب أن يقوم
على أساس اقتصادي متبادل يزيد من قوة التضامن الإسلامية لمصلحة شعوبهـــا .
وبالرجوع إلى
المساعدات السعودية لإفريقيا ، نجد أن معظم هذه المساعدات ذهبت إلى الدول
الإسلامية لمساعدتها على التغلب على المصاعب الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن
قلة الموارد، فكثيرا من الدول الإفريقية أعضاء في المؤتمر الإسلامي ، كما تعززت
هذه العلاقات الثقافية السعودية مع أفريقيا عند نشأة رابطة العالم الإسلامي التي
تضم العلماء والفقهاء من العالم الإسلامي ، الأمر الذي ساعد على تعميق الثقافة
الإسلامية ، وتعزيز أواصر الروابط القوى بين الدول الأفريقية والمملكة العربية السعودية
.