المقدمــة:

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله النبي الكريم محمد e .

أما بعد فإن الأمن في الإسلام أمن متكامل شامل للفرد والمجتمع والدولة، فهو أمن اجتماعي واقتصادي وديني يحمي عقيدة الفرد المسلم من أية مؤثرات تجنح به إلى الابتعاد عن الطريق المستقيم .

وهذه النظرة الشمولية للأمن هي التي سار عليها أئمة آل سعود في حكمهم، ابتداء من عهد الإمام محمد بن سعود رحمه الله – مؤسس الدولة السعودية الأولى عام 1157هـ /1744م ، ومروراً بعهد الإمام تركي بن عبد الله رحمه الله – مؤسس الدولة السعوديـــة في دورهــا الثاني عام 1240هـ /1824م ، ثم عهد الملك عبد العزيز – رحمه الله – مؤسس الدولة السعودية في دورها الثالث عام 1319هـ/1902م ، وسار أبناؤه على المنهج نفسه.

والواقع أن هذا الاستقرار الأمني لم يكن وليد يوم وليلة، ولم يُبن إلا بجهد جهيد، وإلا فكيف يستتب الأمن في مجتمع سادت فيه الفوضى والتناحر، واتخذ من أعمال الغزو والنهب أسلوباً لممارسة حياته، ويتفاخر فيه القوي بأكل الضعيف ونهبه وقطع الطريق وسلب المارة والقوافل والحجيج وغير ذلك مما يخالف شريعة الإسلام ؟

وكيف تغيّر هذا المجتمع الفوضوي إلى مجتمع آمن مستقر يُضرب به المثل بين شعوب الدنيا كلها في الأمن والأمان ؟!

من المؤكد أن ذلك لم يحدث بين يوم وليلة، ولا لمجرد أمر أو قرار يصدره صاحب الشأن، وإنما نتيجة لعدة عوامل متوالية، ورقابة متتابعة، وصرامة في التنفيذ، وسيف عدل مناصر للحق لا يرفع إلا لإحقاق حق وفق شرع الله، لا يخشى في الله لومة لائم، حتى ساد العدل، واستقر الحق، واستتب الأمن والأمان، وتحول المجتمع الفوضوي إلى مجتمع يضرب به المثل في أمنه وسلوكياته القويمة.

 

إن تحويل المجتمع الذي سادته الفوضى إلى مجتمع آمن يضرب به المثل هو عمل سيظل التاريخ يردده، ويحفظه للملك عبد العزيز. فما أساليبه ودعائمه التي انتهجها لتوطيد ذلك الأمن؟.

لقد كان من أهم تلك الدعائم والأسس التي وطدها لإيجاد الأمن ثم سار عليها أبناؤه من بعده ما يأتي:

 

الدعامة الأولى: تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية

قام  أئمة آل سعود منذ بداية الدولة السعودية الأولى 1157هـ/1744م بتطبيق الشريعة الإسلامية قولاً وعملاً، فكان من أبرز مزايا هذا التطبيق استتباب الأمن الذي شهد به خصومهم.

ومنذ اللحظة الأولى من عهد الملك عبدالعزيز جعل تطبيق الشريعة مرادفاً لأعمال توحيد البلاد التي قام بها، فطُبِّقت في كل منطقة جديدة تنضوي تحت لوائه أولاً بأول، فقام بوضع الترتيبات الإدارية لها من حيث تعيين الأمير أو الحاكم والقضاة والوعاظ وغيرهم من موظفين يشرفون على تطبيق أوامر الشرع ونواهيه، وغير ذلك من كل الأعمال الإدارية القليلة التي كانت تحتاجها إمارة نجد ذلك الوقت.

ولا ريب أنه قابلته صعاب متنوعة خلال مسيرة هذا التطبيق، فكانت عزيمته أقوى من كل الصعاب التي واجهته، ولعل من أبرز هذه الصعاب ما كان يتمثل في أن شطراً كبيراً من رعيته قبائل بادية، لها عادات وتقاليد موروثة، دأبت على الترحال إلى مواقع العشب والنجعة، ولم تألف النظام، بل تأنف من الخضوع للترتيبات الإدارية التي تقتضيها أسس قيام الدول في العصر الحديث، فضلاً عن الالتزام بمقتضيات تطبيق الشريعة؛ إذ كانوا يعدون أعمال الغزو والنهب من مظاهر الفروسية المتوارثة لديهم من مئات السنين ، فهداه تفكيره إلى توطينهم، وهو عمل غير مسبوق تاريخياً في حياة البادية. وسوف أتحدث عنه فيما بعد لكونه أحد الدعامات لاستقرار الأمن في البلاد.

 

وكان الصدق في توجهات الملك عبد العزيز وحزمه ومضاء عزيمته في تطبيق الشريعة دون تهاون قد ساعده في كبح جماح كل نافر، وألان له كل صعب، والتف حوله مؤازرون ساعدوه على مضاء عزيمته، فأعطى صلاحيات لحكام المناطق والمدن والبلدان وأيضاً لرؤساء القبائل بمتابعة تطبيق الشريعة في مناطقهم والعمل على استتباب الأمن فيها، وكانت تعليماته إليهم صارمة في أهمية خضوع الجميع لسلطان الشريعة، لا فرق في ذلك بين كبير الشأن وصغيره، وتوعد من يتساهل منهم في تطبيقها بعقاب صارم، حتى أصبح لسلطان الشريعة هيبة في النفوس، وارتجفت منها قلوب الذين تعودوا من قبل على الفساد والإفساد، لاسيما حينما شاهدوها تطبق دون هوادة على كل من دفعته نفسه الشريرة إلى ارتكاب جرم يستحق عليه العقوبة شرعاً، شاع ذلك وذاع في العالم عن إمارة نجد ذاك الوقت ، وكان صداه واسعاً في العالم الإسلامي، وتمنت بعض الشعوب الإسلامية أن يتم مثله في بلادهم.

وحين غادر عبد العزيز "سلطان نجد وملحقاتها" آنذاك الرياض يوم 13ربيع الآخر 1343هـ (11/11/1924م) قاصداً الحجاز قال كلمة ، جاء فيها: " إني مسافر إلى مهبط الوحي لبسط أحكام الشريعة وإقامتها وتأييدها " ([1]).

وعقب دخوله مكة المكرمة ألقى خطاباً ، جاء فيه: " إن مصدر التشريع والأحكام لا يكون إلا من كتاب الله، وما جاء عن رسوله e، وما أقره علماء الإسلام"([2])، وبدأت الترتيبات الإدارية تأخذ طريقها إلى تنظيم دولة حديثة، تجمع تطبيق الشريعة الإسلامية والأخذ بالأساليب العصرية الحديثة التي تلائمها في أعمال الإدارة والتنظيم، وكان من أبرز مجالات التفوق هو استقرار الأمن والأمان في البقاع المقدسة، وفي الطرق والمسالك والدروب المؤدية إليها كافة ، وشهد بذلك الوافدون إلى الأماكن المقدسة من الشرق والغرب، وشهادة هؤلاء مبثوثة في الكتب لا مجال لذكرهــا؛ لأن الواقع الممتد لهذا الأمن حتى وقتنا الحاضر يؤيدها ، ويزيدها تأكيداً.

وخلال المسيرة الحافلة بانتصارات عبد العزيز وبسبب إصراره على تطبيق الشريعة الإسلامية فإنه قد تعرض لموجات متوالية من الهجوم والدعايات المضللة، تارة من خصومه ، وأخرى من أعداء الإسلام، لكن ذلك كله لم يفل من عزيمته، أو يثبط من همته في العمل بكتاب الله وسنة رسوله، ويتضح هذا مما كان يردّ به أحياناً على المغرضين ودعاة السوء؛ ففي الخطاب الذي ألقاه في وفود الحجيج موسم 1350هـ، جاء قوله: " لقد كثرت أقاويل الناس، ولا يخفاكم ما كان عليه حال الحجاز من سفك الدماء وعمل المعاصي وعدم الأمن، فلما ولانا الله عَمِلْنا ما نستطيع، ونحن عباد الله، مُستعبدون لله، ليس لنا طريقة وليس لنا مذهب غير الدين الحنيف، وهذا كتاب الله بين أيدينا، وهذا شرع الإسلام نتبعه ، ومن غضب علينا لاستمساكنا بديننا فليغضب علينا إلى ما يشاء"([3]).

كما جاء في خطاب ألقاه حين استقبل كبار الدولة وأعيانها عقب انتهاء ذلك الموسم في 18 من المحرم 1351هـ: " إني أرى بعض الناس ينقمون على ابن سعود، والحقيقة ما نقموا علينا إلا لاتباعنا كتاب الله وسنة رسوله، ومنهم من عاب علينا التمسك بالدين وعدم الأخذ بالأعمال (العصرية)، فأنا والله لا أغير شيئاً مما أنزل الله على نبيه e، ولا أتبع إلا ما جاء به ، وليغضب علينا من شاء وأراد، وأما الأمور العصرية التي تعنينا وتفيدنا ويبيحها دين الإسلام فنحن نأخذها ، ونعمل بها، ونسعى في تعميمها، أما المنافي منها للإسلام فإننا ننبذه، ونسعى جهدنا في مقاومته" ([4]).

ولازالت تتوالى حالات الهجوم هذه، وتتنوع أساليبها؛ لأن المملكة العربية السعودية مستهدفة لكونها حريصة على تطبيق الشريعة، وترفع راية الإسلام في كل مجال، وتعمل على نشر مبادئه في كثير من أنحاء المعمورة، كما أنها ترعى شؤون الأقليات المسلمة في دول العالم، وولاة الأمر فيها حريصون على بذل أقصى الجهد لتحقيق هذه الأهداف النبيلة والتصدي لهذه الهجمات.

 

 

الدعامة الثانية: الحكـــم بالـعــــدل

العدل مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، به تستقيم الأمور الدينية والدنيوية، وقد أمرنا الله به في قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ }([5])، فلا تستقيم أحوال الدول ويعمها الأمن والرخاء إلا به .

وقد أقام الملك عبدالعزيز موازين العدالة في ربوع دولته الناشئة تنفيذاً لقوله تعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }([6])، والحكم بين الناس يكون في الحدود والحقوق([7]) والمنازعات أو المخالفات التي تقع في المجتمع كافة والتي يكون من سلطة القضاء النظر فيها، فاهتم بتعيين قضاة في المناطق والبلدان والبوادي، ورتب بجوارهم سلطة تنفيذية، تتولى إحضار المتنازعين أو الخصمين إلى مجلس القضاء، ثم تتابع تنفيذ الحكم، مما أكسب القضاء هيبة أثرت في مكافحة الجريمة والحد منها ، وأخافت المفسدين في الأرض، كما أثرت في إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم.

وقد كان القضاء في نجد يتسم بالسهولة في أسلوب التقاضي وفي إصدار الأحكام وفقاً للشريعة الإسلامية، ويقبل الطرفان المتنازعان تلك الأحكام في أغلب الأحيان عن رضا وقناعة، فلما استكملت أعمال التوحيد بضم الحجاز وعسير دخل القضاء في مراحل متتابعة بغرض تنظيمه.

وأدت تلك التنظيمات المتتابعة إلى إنشاء رئاسة للقضاة تشرف على الأجهزة القضائية كالتفتيش القضائي، والمحاكم بأنواعها، وكتابة العدل، وهيئة التدقيقات الشرعية .

وفي سبيل إرساء قواعد العدالة التي تحقق على إثرها الأمن والاستقرار أنشئ "ديوان المظالم"، وهو من الولايات الشرعية التي عرفت في صدر الإسلام([8])، ويختص بالنظر في التظلمات المرفوعة من المواطنين ضد الأجهزة الإدارية الحكومية، وبمعنى أوضح حماية المواطن من أي ظلم يقع عليه عمداً أو خطأ، مما يؤكد ويرسي مبدأ العدالة في المجتمع.

 

الدعامة الثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كانت هذه الدعامة من أبرز المبادئ ظهوراً حين قيام الدولة السعودية الأولى عندما تم لقاء العالم المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالإمام محمد بن سعود عام 1157هـ، ثم استمر هذا معمولاً به في عهد كلٍ من الدولة السعودية الثانية والثالثة، غير أنه في عهد الملك عبد العزيز لقي من الإحكام والدعم والعناية والترتيب بشكل واضح ما جعل مردوده الخيِّر يؤتي ثماراً طيبة لإصلاح المجتمع.

فيما سبق كان الذين يزاولون أعمال (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في الغالب متطوعين ، دفعتهم غيرتهم الدينية إلى ممارسة هذا العمل احتساباً لوجه الله رغبة في المثوبة، وهناك فرق بين المحتسب المتطوع ومن يكلف من قبل الحاكم بممارسة هذا العمل، أوضحها الفقهاء([9]) ، من بينها أن المتطوع لا يملك من السلطة ما يؤهله لتنفيذ العقوبة على المخالف، على حين أن المكلف قد أعطيت له تلك الصلاحية بتفويض من الحاكم.

وقد قام الملك عبد العزيز في بدء تكوين دولته بتكليف هؤلاء المتطوعين بالعمل رسمياً لدعم سلطتهم وتقوية نفوذهم في مجال الاحتساب، ورتب في المناطق والبلدان رجالاً يقومون بذلك، وجعل لهم سلطة وصلاحية واسعة للمراقبة في كثير من الأعمال والأماكن العامة، وعهد إلى أمراء المناطق بدعمهم في التطبيق العملي للأساليب التعزيرية للمخالفين، فاحتلوا بذلك هيبة ومكانة في النفوس، وصاروا ذوي قوة ومهابة، جعلت المتهاونين أو المخالفين ينزعون عمّا هم فيه، ومَنْ تسوّل له نفسه ارتكاب السوء يحجم عن ذلك.

كما نهض العلماء وذوو الغيرة الدينية في القيام بهذه المهمة، بالإضافة إلى أعمال التوعية والوعظ والإرشاد، فكان العمل متكاملاً؛ أمرٌ بمعروف متمثلاً في التوعية والوعظ والإرشاد، ونهيٌ عن منكرٍ للحيلولة بينه وبين الوقوع، فإن وقع فجزاؤه العقوبة الملائمة، ولو تأملنا أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعين فاحصة لوجدناها من أنجع الأساليب الوقائية لارتكاب الجرائم والمخالفات بصفة عامة، وحماية الأخلاق والفضائل في المجتمع، ولذا كان أثرها واضحاً في استتباب الأمن واستقراره في منطقة نجد قبل ضم الحجاز.

ويبدو أن أول محاولة لإنشاء إدارة للهيئة في الرياض تخضع لها بلدان نجد كانت عام 1336هـ/1917م حين عُيّن الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ معاوناً لابن عمه الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ([10])، وعقب ضم الحجاز أمر الملك عبد العزيز بتأسيس أول هيئـــة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة المكرمة عام 1344هـ/1925م خاصة بمنطقة الحجاز، ثم تتابع تشكيل هيئات فرعية في مدن الحجاز، ونظراً لأهمية عملها وحساسيته فقد ارتبطت رئاستها في الحجاز خلال مدة معينة بالأمن العام في الحجاز، وذلك من عام 1349هـ/1930م حتى عام 1356هـ/1937م ، وظلت هناك هيئتان طوال عهد الملك عبد العزيز رحمه الله : إحداهما بالحجاز، والأخرى بنجد، ولم تدمجا في رئاسة واحدة إلا عام 1396هـ باسم: الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([11]).

وقد أولى أولو الأمر في المملكة العربية السعودية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جلُّ اهتمامهم ورعايتهم، ووفروا لهذا الجهاز كل الإمكانات والوسائل المادية والمعنوية الكفيلة بمساعدته على أداء الأعمال المنوطة به، وجعلوا رئاسته مستقلة استقلالاً تاماً، وارتبطت مباشرة في تعاملها الإداري بأكبر سلطة في البلاد، وهي رئاسة مجلس الوزراء.

وكما أثبت التطبيق العملي لأحكام الشريعة من إعطاء نتائج إيجابية في القضاء على الجريمة بشتى أنواعها فإن دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان مؤثراً وفعالاً في محاربة أنواع الفساد والرذيلة والانحلال كافة وفي إشاعة الأمن والاطمئنان والاستقرار في المجتمع السعودي.

 

                                                                                                                

الدعامة الرابعة: مجالــــس الشـــــورى

ليس المراد بمجالس الشورى تلك الهيئات التي تشكل بصفة معينة في بعض الدول، ولا تلك التي شُكلت في المملكة عقب ضم الحجاز، فتلك مرحلة لاحقة اقتضت هذا التشكيل في حينه، وإنما المراد تلك المجالس العامة اليومية التي كان يجلس فيها الملك عبد العزيز، وتمتلئ بمن يحضرها من أبنائه وإخوته وبني عمومته ومستشاريه وكبار العلماء، كما يدخلها كل قادم عليه من الحضر أو البادية وكل صاحب مأرب أو مطلب أو شكاية من أقاصي البلاد أو أدناها.

كانت هذه المجالس أوسع نطاقاً مما يطلق عليه اسم "مجلس الشورى"؛ لأنها كانت تضم أهل الحل والعقد من الأمراء والعلماء والمستشارين، ويدخلها من يشاء من الرعية لعرض شكايته أو المشاركة في إبداء الرأي لما يطرح من موضوعات ، فقد جمعت أعمال ومهام مجلس الشورى وسياسة الباب المفتوح الذي يدخله كل قادم دون إذن.

ولا ريب أن هذه السياسة لعقد تلك المجالس قد مكنت الملك عبد العزيز من معايشة رعيته معايشة حقيقية، واطّلع على كل أخبارها، وعالج كثيراً من معاناة أفرادها، لذا قضى على كل التراكمات التي كانت ستحدث فيما لو كان هناك حاجز بينه وبين رعيته، بل كثيراً ما كان البعض يعترض طريقه ؛ ليسرد شكايته، ويخاطبه باسمه مجرداً من أية ألقاب، والملك يسمع حتى ينتهي الرجل الشاكي من كلامه، ثم يأمر أحد مرافقيه بتتبع الشكوى، أو يطلب من الرجل الحضور إليه في قصره.

تلك المواقف بكل ما بثته من أحاسيس ومشاعر عاطفية وحنوّ ورعاية بالغة المدى انتشى لها فؤاد الضعيف وقلب المظلوم، وذهب على إثرها الرّوع والخوف والوجل – كانت من أكبر العوامل للاستحواذ على قلوب رعيته والتفافهم حوله بإخلاص نادر المثال ، هذا كله إبان جهوده في أعمال توحيد كيان هذا الوطن.

ثم نراه على إثر دخوله جدة يوم 7جمادى الآخرة 1344هـ يوجه بلاغاً إلى شعبه، يوضح فيه بعض منهجه الذي يسير عليه في الحكم، جاء فيه: " إن لكم علينا حقوقاً، ولنا عليكم حقوق، فمن حقوقكم علينا النصح لكم في الباطن والظاهر، واحترام دمائكم وأعراضكم وأموالكم إلا بحق الشريعة، وحقنا عليكم المناصحة، والمسلم مرآة أخيه، فمن رأى منكم منكراً في أمر دينه ودنياه فليناصحنا فيه، فإن كان في الدين فالمرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله e، وإن كان في أمر الدنيا فالعدل مبذول إن شاء الله للجميع على السواء.

إن هذه البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون، لذا أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذّر الجميع من نزغات الشياطين والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار، فإني لا أراعي في هذا الباب صغيراً ولا كبيراً"([12]).

كما كان حريصاً على معرفة أحوال الرعية، ويهتم بشكاوى المواطنين التي تصله يومياً بالبرق أو البريد، فيحيلها إلى الجهة المختصة، ثم يتابعها ليعرف النتيجة، ويحاسب الموظف الذي يتهاون بشأنها، وقد أمر بوضع ملصق في الأماكن العامة وعلى أبواب المساجد عام 1372هـ، أحدها كان على باب المسجد النبوي بالمدينة المنورة، جاء فيه: "على كل فرد من رعيتنا يحسّ أن ظلماً وقع عليه أن يتقدم إلينا بالشكوى، وعلى كل من يتقدم بالشكوى أن يبعث بها بطريق البرق أو البريد المجاني على نفقتنا، وعلى كل موظف بالبريد أو البرق أن يتقبل الشكاوى من رعيتنا، ولو كانت موجهة ضد أولادي أو أحفادي أو أهل بيتي.

لا أريد في حياتي أن أسمع عن مظلوم، ولا أريد أن يحمِّلني الله وزْر ظلم أحدٍ، أو عدم نجدة مظلومٍ، أو عدم استخلاص حق مهضوم"([13]).

وبإتمام مرحلة التوحيد وبداية مرحلة الاستقرار بدأت التنظيمات الإدارية تشق طريقها لإنشاء أجهزة تنفيذية للدولة الحديثة، وكان من بين ما صدر في هذا الشأن التعليمات الأساسية في 21صفر 1345هـ([14])، ونص فيها (مادة 28) على إنشاء مجلس شورى تحت رئاسة النائب العام في الحجاز، وبدأت أولى جلساته يوم 17/1/1346هـ، وقام بوضع العديد من النظم التي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة مما كانت البلاد بحاجة إليها في ذلك الوقت، ويبدي المشورة في بعض المواضيع، وأنجز كثيراً من الأعمال التنظيمية الخاص معظمها بمنطقة الحجاز، واستمر في عمله إلى أن تم تأسيس مجلس الوزراء عام 1373هـ، فعهد إليه بمهام مجلس الشورى.

والتزم أبناء الملك عبد العزيز بالسير على منهج أبيهم في المجالس المفتوحة لكل قادم أيًّا كان، فأبواب الأمراء والوزراء وأمراء المناطق والبلدان تسير على هذا المنهج في استقبال المواطنين وتقبل شكاويهم والحرص على تحقيق رغباتهم مادامت ملائمة، وقد توج خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز هذه الأعمال المتواصلة بإصداره في 27/8/1412هـ (1/3/1992م) ثلاثة مراسم ملكية، بإصدار :

§       النظام الأساسي للحكم.

§       نظام مجلس الوزراء.

§       نظام مجلس الشورى.

§       نظام المناطق.

وهي أنظمة تعد نقلة متميزة على طريق البناء والحضارة، جاءت وليدة تجارب عديدة بنّاءة في المجالات الإدارية والسياسية، وتهدف إلى المزيد من التلاحم والولاء بين القيادة والرعية، فالكل على قلب رجل واحد ومطالب بالعطاء ؛ كي تستمر نعمة الأمن والاستقرار التي أرسى قواعدها عبد العزيز رحمه الله.

 

الدعامة الخامسة: الإصــلاح الاجتماعـي

عندما بدأ الملك عبد العزيز في تأسيس حكمه والنهوض بدولته كان شطر كبير من البناء الاجتماعي لهذه الدولة يتكون من البادية الذين تحكمهم عادات وتقاليد وأعراف توارثوها من قديم الزمن، أهمها كثرة الرحيل والتنقل إلى مواطن العشب والمرعى وموارد المياه دون الاعتراف بحدود أو موانع تحد من تنقلاتهم للوصول إلى البقاع الخصبة، كما ألفَ معظمهم الغزو والسلب والإغارة على ما يملكه غيرهم، وعدوا ذلك من مظاهر الفروسية، هذا بالإضافة إلى هيمنة القويّ منهم على الضعيف.

ثم إن البادية كانت بعيدة عن مواطن نشر العلم التي تزخر بها الحاضرة، ولم تهتم البادية بالتحصيل العلمي، ومن ثم تفشى فيها الجهل، وبخاصة الجهل بأمور الدين.

وبالرغم مما كانت تبذله الدول في مختلف العصور منذ منتصف العصر العباسي من جهود واستعدادات عسكرية لحماية قوافل الحجاج وبالرغم أيضاً مما كانت تبذله من مقررات أو أعطيات ومنح للقبائل التي تمر تلك القوافل في أرضها – فإن تلك القوافل لم تكن تسلم من تلك الغارات، وكم من ترويع وتخويف وقع على القوافل التجارية وعلى عابري الطرق والمسالك والدروب، ولاقوا فيه حتفهم.

وجدت قوافل الحجيج والتجار من يسجل الإغارات والاعتداءات عليها في سجله التاريخي؛ ليستدل به على انعدام الأمن والأمان في بلاد العرب، على الرغم مما كانت تبذله الدول من استعدادات لمواجهة هذه الفوضى، لكنها أثبتت عجزها عن ذلك، أما ما كان يحدث بين قبائل البادية نفسها من تناحر وسفك دماء تملأ الأودية فلم تجد من يسجلها، وهي أبشع بكثير مما كان يحدث للقوافل.

وقد استطاع الملك عبدالعزيز إصلاح البادية وتحويلها من مجتمع فوضوي متناحر إلى مجتمع مؤمن متآخ مستقر،كما قام بإنجاز المراحل الآتية في تحقيق توطين البادية :

1– أقام الهِجَر، وهي عبارة عن مدن صغيرة، وشجعهم على الاستيطان فيها، فقضى بذلك على معظم الترحال والتنقل وما كان يستتبعه من آثار سيئة، فهو مشروع فريد من نوعه، وجاء مبكراً في المنطقة العربية بأسرها.

2– شجعهم على العمل في الزراعة والتجارة، فساعدهم بذلك على الاستقرار وما استتبعه من أمن.

3– بعث إليهم العلماء والدعاة والأئمة يفقهونهم في الدين، ويبثون في قلوبهم كمال الخضوع والطاعة لله، وضرورة اتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، فتحولوا إلى عابدين لله، وحلّ الإخاء بينهم محلّ العداوة ، فأصبحوا إخوانا في الله ، وكانوا نعم المرابطون والمجاهدون في سبيل الله.

4– أمدهم بكل ما يحتاجونه من معدات وآلات تساعدهم على الزراعة، وسهل عليهم سبيل اقتنائها، وساعدهم في إقامة مساكن لهم، وهيأ لهم الخدمات الضرورية كافة، وأمدهم بالغلال كلما نقص إنتاج زراعتهم عن الوفاء باحتياجاتهم، فكان ذلك من أكبر الدوافع على اطمئنانهم واستقرارهم.

5– حوّل بذلك الولاء المطلق لله ولرسوله ثم لوليّ الأمر على حسب ما تقضي به الشريعة ، ثم لمن يوليه عليهم وليّ الأمر رئيساً، وفهموا من ذلك مسؤولية المواطنة وأهمية الحفاظ على الوطن، وحوّل نزعتهم القتالية إلى خدمة الوطن عندما كانت الظروف تستدعي ذلك.

6– بعث إلى بعض القبائل التي استمرت في موطنها ولم تستوطن الهجر أيضاً القضاة والعلماء للتعليم والوعظ والإرشاد وتنفيذ أحكام الشريعة، وأحكم رابطة القبيلة بشيخها، وعد أفرادها جميعاً جنداً له، ورؤساءها مسؤولين عن رعاية الأفراد، وخصّ هؤلاء الرؤساء بمنح موسمية أو شهرية ثابتة وتموينات أيضاً ثابتة بما يكفي حاجة أفراد القبيلة عند نزول قحط للمرعى، مع توزيع جزء من الزكاة على فقراء القبيلة، كما جعل القبيلة كلها متضامنة في المسؤولية عن وقوع أي جريمة في أرضها أو في جوارها، فإن وقعت جريمة أياً كانت في دائرة مسؤوليتها كان عليها تسليم المجرم الذي اقترف تلك الجريمة، وإلا عوقبت جميعها تعزيراً بمقتضى الشــرع.

 هذا بعض ما عمد إليه عبد العزيز لإصلاح البادية، وهي شطر كبير من مجتمعه، وكان حازماً وصارماً في تطبيق العقوبات التي يقتضيها الشرع على كل مخالف، ولهذا نجح فيما عزّ على غيره تحقيق أيّ نجاح فيه، وقضى على الفوضى التي كانت تسود البادية، وحولها إلى أمن واستقرار، شهد به الخصوم والأصدقاء معاً([15]).

 

الدعامة السادسة: الأجهـــــزة الأمنيــــة

الأمن بمفهومه الشامل هو أمن الأرض ومن عليها ، وهذا في مفهوم العصر الحديث يشمل أمن الدولة خارجياً وداخلياً، فخارجياً بما يضمن أمن وسلامة حدودها الدولية، وعدم المساس بهيمنتها وسيادتها على أرضها، والتصدي للتهديدات الخارجية أياً كانت. وأما داخلياً فيتمثل بشكل أساس في توطيد الاستقرار السياسي، وتوفير الأمن والاستقرار داخل المجتمع.

وتتعاون في سبيل تحقيق الأمن الشامل للدولة جميع الأجهزة والوزارات، وإن كانت كل وزارة لها دور أساس في مجالات معينة بذاتها، ثم تتعاون مع غيرها في مجالات أخرى ، هي بالنسبة لغيرها مهام أساسية، فالكل روافد تصب في وادٍ واحدٍ لخدمة المجتمع والحفاظ على كيان الدولة بصفة عامة، ويصعب في هذا البحث المختصر عمل حصر لإسهامات كل الوزارات والأجهزة التي تبذل جهوداً وافرة لدعم الأمن واستقراره كوزارة الدفاع والطيران والحرس الوطني ، بالإضافة إلى أن معظم الوزارات والأجهزة لم تستوف تشكيلاتها وهياكلها التنظيمية إلا بعد عهد جلالة المغفور له الملك عبد العزيز، فتخرج بذلك عن نطاق البحث.

هذا التعاون والتنسيق هو من سمات المجتمع السعودي ، ومن مآثر تطبيق الشريعة الإسلامية التي تأمر بالتعاون والتآزر والتآخي بين أبناء المجتمع لما فيه صلاحهم وصلاح مجتمعهم الإسلامي، فبرزت هذه الخاصية في التنظيمات الإدارية التي وضعت بما يتوافق مع مبادئ الشريعة التي أحاطت المملكة بسياج واق ضد الظواهر التي تؤدي إلى الإخلال بالأمن أو إلى الانحلال والانحراف والرذيلة.

في البداية كانت وسائل الحفاظ على الأمن وأساليبه غير معقدة كشأن التعاملات داخل مجتمع نجد ذلك الوقت، لكنها استمدت قوتها وفعالياتها المؤثرة من تطبيق الشريعة، ثم من عزيمة وصلابة اليد المنفذة وهيبة سيف العدالة الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم ، فقد أعطى الملك عبد العزيز صلاحيات واسعة لأمراء المناطق والبلدان ورؤساء القبائل، وجعلهم مسؤولين مسؤولية كاملة عما يحدث في مناطق نفوذهم، والضرب بشدة على كل من يحاول الإخلال بالأمن أيًّا كان، وذلك وفق مقتضى الشريعة، وأمدهم برجال أقوياء ممن تمرسوا على القتال في ميادين الحروب، فكانت وطأتهم أشد على المخالفين والمجرمين، كما كانوا متمرسين على أساليب المطاردة للمجرم أينما ذهب، كذلك أمدهم بـ "المريّة" قصاصيّ الأثر ؛ لتتبعه حتى مهربه، كما سلك معهم سبل الوعد والوعيد ، وأرسل الحملات التأديبية في بعض الأحيان لإعادة العصاة إلى الحق([16])، واشتهرت هناك عبارة تداولتها الألسنة في حينه، تدل على مدى صرامـــة عبد العزيز وحزمه في الضرب على أيدي المجرمين والعصاة، هي: "أين السبيــــل، وأين المفـــر؟! مادام ابن سعود عنده في السما برقية، وعلى الأرض مرية"، يقصــدون بذلك شبكة المواصلات من البرقيات اللاسلكية، والمرية قصاصو الأثر نسبةً إلى بني مــرة([17]).

كما جعل لكل قبيلة سجلاً في ديوانه، وسهل لرؤسائها سبيل الاتصال به وبأمراء المناطق والمقاطعات، وجعل لرؤسائها مقررات شهرية، تصرف بمعرفتهم على أفراد القبيلة، وتتبع شخصيا أخبار الجرائم، وحث أمراء المناطق على رفع نتائج الحوادث إليه أولاً بأول لإصدار أمره بشأنها([18]).

وغداة دخول السلطان عبد العزيز مكة المكرمة يوم 8 جمادى الأولى 1343هـ (5/12/1924م) أمر بعض قواته التي كانت تعد قوات حربية بحفظ النظام والأمن والمحافظة على أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، وأعلن العفو العام، وبذل الأمان للجميع بمكة المكرمة([19])، ثم ما فتئ أن انضم إلى وحدة الشرطة هذه بعض أهل الحجاز، وأطلق عليها "مديرية الشرطة" ، وضعت لها لائحة في 29/1/1344هـ لتنظيم عملها، وصدر أمر ملكي بتاريخ 10/10/1344هـ ، وآخر في 5/11/1344هـ بإدخال بعض التعديلات على مهام وأعمال هذه الشرطة([20])، وعقب انتهاء الحرب بتسليم جدة يوم 6جمادى الآخرة 1344هـ (22/12/1925م) جمع عبد العزيز رؤساء القبائل والعشائر وأمراء النواحي بالحجاز بعد أن بايعوه، فأمّنهم على أنفسهم، وطمأنهم على رواتبهم وعوائدهم الثابتة، ثم اشترط عليهم أن يكونوا قادرين على حفظ الأمن في مناطق نفوذهم، وناشدهم الذّمة أن يتنحى الضعيف منهم عن مركزه؛ ليُعيِّن بدلاً منه أحد رجاله، فأظهر الجميع استعدادهم لحفظ الأمن وقدرتهم على السيطرة على رجال وأفراد قبائلهم، فجعلهم مسؤولين عن كل ما يحدث في مناطق نفوذهم ومتضامنين في ذلك مع جميع أفراد القبيلة، وعند انصرافهم كان كل واحد منهم يتقدم، ويصافح الملك عبد العزيز، ويعطيه العهد بذلك، ويختم كلامه بقوله: "ولعنة الله على الخائن"([21])، وبذلك توزعت مسؤولية الأمن بين رجال الشرطة في مدن الحجاز وبين رؤساء القبائل والعشائر في مناطق نفوذهم.

ثم بدأت الترتيبات الإدارية تشق طريقها لإدارة شؤون المنطقة الغربية بما لا يخالف أصلاً من أصول الشريعة([22])؛ فقد كان من ذكاء الملك عبد العزيز وسعة تدبيره وحكمته أن جعل تطوير الأساليب الإدارية والأمنية تتماشى مع ظروف كل منطقة على حدة خلال التوسع التدريجي لمراحل توحيد أجزاء المملكة، حتى تلاقت بصورة طبيعية في شكلها النهائي عند التوحيد دون أن تحدث فجوة أو هزة تؤثر على المسيرة.

وكان من أهم تلك الترتيـــبات صــــدور التعليمات الأساسية في 16صفر 1345هـ (25/8/1926م) ([23]) التي نص فيها على أن جميع الأحكام تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح ، وتحولت مديرية الشرطة إلى "إدارة الأمن العام"، وارتبطت مباشرة بنائب الملك في الحجاز الأمير (الملك) فيصل بن عبد العزيز، وبدأ التخصص في تأهيل رجال للشرطة والأمن العام وللحراسات بمختلف أنواعها كخفر السواحل وغيرها من الأجهزة التي كانت نواة لإنشاء وزارة الداخلية، كما أنشئت وكالة للدفاع بمقتضى الأمر الملكي رقم 25/3/26 في 5/5/1353هـ، وذلك لتأهيـــل المحاربين للدفـــاع عن الوطـــن، وكانت نواة لإنشاء وزارة الدفـــاع والطـــيران.

      

 وزارة الداخليـــة:

أنشئت وزارة الداخلية عام 1350هـ/1931م، وتولاها نائب الملك في الحجاز([24])، وعهد إليها ببعض المهام والأعمال التي كانت من اختصاص النيابة العامة في الحجاز، ونتيجة لتعدد مصادر التوجيه واتخاذ القرار وتضارب في الأوامر والتوجيهات توقف نشاطها في 9/3/1353هـ([25]) لإصلاح هذا الخلل، ثم أعيد تشكيلها في 26/8/1370هـ (2/6/1951م)([26])، وارتبطت بها كثير من الدوائر والأعمال التي كانت من اختصاص النيابة العامة كإمارات المناطق والملحقات، ومكة المكرمة ، وجدة، والدوائر الحكومية كالمعارف العامة (التي تحولت فيما بعد إلى وزارة المعارف)، والبريد والبرق، والأمن العام، وإحصاء النفوس (الجوازات والأحوال المدنية)، ورئاسة القضاء وما يتبعها من أجهزة قضائية، وشؤون البلديات، ورؤساء الطوائف، وهيئة تمييز قضايا المطوفين، وهيئة عين زبيدة، وإدارة الأوقاف العامة، وخفر السواحل، والمحكمة التجارية، والغرفة التجارية ، وغيرها([27]).

وإسناد هذه الأجهزة الحكومية المتنوعة إلى وزارة الداخلية في هذا الوقت المبكر يعطينا مؤشراً على مدى الاهتمام بها وبما يمكن أن تؤديه من فعاليات في مسيرة تلك الأجهزة والانطلاق بها نحو العمل مع الضبط والدقة في الأداء.

ومن جانب آخر فإن اتساع إشرافها ودقة إدارتها لتلك الأجهزة المتنوعة قد أكسبها خبرة ودراية بأعمال تلك الأجهزة، وذلك قبل أن تتحول تلك الأجهزة نفسها إلى وزارات في المرحلة التالية لذلك ، فأصبحت وزارة الداخلية بما لديها من خبرة ودراية تجيد التعامل والتنسيق مع الوزارات الأخرى لما يخدم الأمن الشامل الذي يشمل الأمن الاجتماعي الأسري والغذائي والصحي والفكري، وذلك بجانب الأمن على الأرواح والأموال والأعراض وغيرها مما يطلق عليه حديثاً "التكامل الأمني"، وهو الأمن الذي عرفه الإسلام قديماً والذي يشمل الأرض ومن يعيش عليها، وفي هذا دلالة على مدى الدقة والإحكام والشمولية في عمل وزارة الداخلية منذ وقت مبكر بما في ذلك الأجهزة التابعة لها كافة أو التي اقتضت الظروف استحداثها فيما بعد لمواكبة التطور والنمو المتزايد في أرجاء المملكة كافة وتزايد علاقاتها وارتباطاتها بغيرها من الدول، وكذلك لمواجهة الأعداد المتزايدة الوافدة إلى هذه البلاد ؛ إما للحج والعمرة، أو للعمالة، أو التجارة وغيرها، وذلك بعد أن أحس الجميع بتوافر الأمن والاستقرار في البلاد.

وخلال إنشاء باقي أجهزة الدولة واستكمال تكوينها أواخر عهد الملك عبد العزيز – رحمه الله – حظيت وزارة الداخلية بدعم أكبر يتناسب مع تزايد حجم مسؤولياتها الرقابية والتنفيذية ، فأعيد تشكيل الديوان العام للوزارة عام 1373هـ وتحديد إداراتها وأجهزتها الرئيسية مع تحديد وظائف كل جهاز أو إدارة على الوجه الذي يضمن حسن التنسيق بينها لخدمة الأعمال والمهام المنوطة بها على أكمل وجه وعلى درجة عالية من الكفاءة.

     الـــبرق والهاتــف:

وفي بداية الاستقرار عقب انتهاء مرحلة التوحيد لأجزاء الوطن رأى الملك عبدالعزيز في استعمال البرق (التلغراف) والهاتف (اللاسلكي) ما يفيد المملكة من حيث سرعة إرسال الأوامر والتعليمات وتلقيها، وربط المناطق النائية بالسلطة المركزية للدولة، والاطلاع على ما يدور في المناطق والبلدان من وقائع وأحداث، وسرعة البت في الموضوعات المرفوعة إليه من أمراء وحكام المناطق والمقاطعات، وسرعة تداول المعلومات وانتقالها من مكان إلى آخر في أقصر وقت، وغير ذلك من فوائد كبيرة، فقرر الاستفادة من شبكة الاتصال هذه وتعميمها في مناطق المملكة، فأصبحت تلك المناطق مرتبطة بمركز السلطة العليا للدولة، تزوده بأخبارها أولاً بأول، وتتلقى التعليمات والتوجيهات التي تتصرف على ضوئها فيما يواجهها من معضلات، وبالرغم من أن شبكة الاتصالات هذه كانت وقتها في طورها البدائي إلا أن المملكة استفادت منها فائدة كبيرة ؛ من حيث ربط المناطق بعضها ببعض وسرعة نقل المعلومات والتوجيهات والأوامر مع سرعة البت في كثير من الموضوعات التي كانت ستأخذ وقتاً طويلاً فيما لو كان عليه الوضع فيما سبق من نقل تلك التوجيهات بالوسائل العادية السابقة الإبل أو الخيل.

كذلك يسرت شبكة الاتصالات للملك عبد العزيز أمر الاطلاع على ما يدور في المناطق والتدخل في الوقت الملائم لعلاج أي موضوع قبل تفاقمه ، ولعلنا نلحظ ذلك واضحاً في كيفية إدارته لبعض المواقف التي حدثت في المناطق الحدودية شمال المملكة وجنوبها عامي 1348هـ و 1351هـ، بل في كيفية إدارته للمفاوضات مع الإمام يحيى عن طريق تبادل البرقيات بما يمكن أن يسمى في مفهوم العلوم الحديثة "علم إدارة الأزمات"، وعموماً فإن شبكة الاتصالات هذه قد كان لها فعالياتها في سد منافذ الإجرام والفوضى وملاحقة المجرمين أينما كانوا، ومن ثم كان لها الأثر الطيب في استتباب الأمن واستقرار الأوضاع.

وسار أبناء عبد العزيز على نهج أبيهم في الالتزام بتوطيد تلك الدعائم والتشييد عليها رأسياً ؛ كي يرتفع البناء شامخاً، والتوسع أفقياً لمسايرة النمو الذي يقتضيه العصر، وشهدت وزارة الداخلية خلال ذلك مراحل متتابعة من النمو المطرد في أجهزتها، وفي تطوير أساليب الأداء، واستحداث وسائل الرقابة والمتابعة للشؤون الأمنية كافة، وكانت أبرز تلك المراحل نماء وتطوراً تلك التي شهدتها على يدي سمو الأمير ( خادم الحرمين الشريفين، الملك ) فهد بن عبد العزيز حين تولاها في 3/6/1382هـ (31/10/1962)([28])، ثم عُيِّن سمو الأمير نايف بن عبد العزيز في 29/3/1390هـ نائباً لوزير الداخلية([29])، وفي 13/3/1395هـ عُيِّن الأمير (خادم الحرمين الشريفين، الملك) فهد بن عبد العزيز وليًّا للعهد ونائباً أول لرئيس مجلس الوزراء([30]) بالإضافة إلى وزارة الداخلية، ثم تفرغ في 8/10/1395هـ لولاية العهد نظراً لتزايد مسؤولياته، وفي الوقت نفسه عُيِّن سمو الأمير نايف بن عبد العزيز وزيراً للداخلية في 8/10/1395هـ، ثم عُيِّن سمو الأمير أحمد بن عبد العزيز نائباً لوزير الداخلية في 13/12/1395هـ([31]).

فبدأ التدريب والدراسات العلمية والأكاديمية لرجال الأمن والشرطة بصفة عامة، ودراسة الأصول العلمية لإدارة عمليات الشرطة للوقاية من الجريمة، والأخذ بالأساليب العلمية للكشف عنها حين وقوعها، واستحداث أساليب متنوعة لمكافحة أنواع الجرائم المنظمة والعشوائية وغيرها، مع دقة مراقبة الأفكار والعادات التي يحملها الوافدون إلى هذه البلاد، مما له آثار سيئة على المجتمع فيما لو تركت دون رقابة.

فكان الأداء الجيد لرجال الأمن نتيجة للنمو المطرد في المسؤوليات، والتحديث في أساليب العمل وصولاً إلى أداء أمثل للسهر على راحة المواطنين والمقيمين والوافدين لمختلف الأغراض، وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار، ولا ريب أن هذا كله لم يتم إلا بفضل الله تأكيداً لما مَنّ الله به على هذه البلاد من نعمة الأمن والأمان وامتداداً لها، فلله الحمد أولاً وأخيراً.

 


 

الهـوامـش

 



([1]) الزركلي، خير الدين، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز، 1/335 . أمين سعيد، تاريخ الدولة السعودية، 2/166. أمين الريحاني، تاريخ نجد وملحقاته، ص359 . والرحلات الملكية،  دارة الملك عبدالعزيز، ص6.

([2]) جريدة أم القرى، عدد 2 بتاريخ 29/5/1343هـ.

([3]) أم القرى، العدد الصادر بتاريخ 7 ذي الحجة 1350هـ.

([4]) أم القرى، العدد الصادر بتاريخ 21 محرم 1351هـ.

([5]) سورة النحل/90.

([6]) سورة النساء/58.

([7]) ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص45.

([8]) الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص77.

([9]) انظر: الماوردي، المصدر السابق، ص 240241.

([10]) آل الشيخ، عبد الرحمن بن عبد اللطيف، مشاهير علماء نجد، ص13.