تمهيـــد:

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة عـلى سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فيُعد اصطلاح( الأمن الداخلي ) من المصطلحات الحديثة ، ويقتصر استعماله في عدد محدود من الدول والمجتمعات بدلاً من مصطلح( الشرطة ) في معناه الأعم الذي يسود استعماله في أكثر دول العالم ومجتمعاته قديمها وحديثها ، كما أن مصطلح(الشرطة) هو المرادف العربي لمصطلح( بوليس ) المعروف لدى الدول غير الناطقة باللغة العربية .

وكما يطلق هذا المصطلح على(الجهاز) الذي يؤدي وظائف الأمن المختلفة فيقال(هيئة الشرطة) أو(قوة الشرطة) فإنـه يمكن أن يطلق أيضاً على الوظائف التي يؤديها هذا الجهاز ، فيقال(الشرطة الإدارية) و(الشرطة القضائية) .

وقد حسم المؤتمر العربي الثاني لقادة الشرطة والأمن(1) هذا الأمر باستعمال مصطلح(جهاز الشرطة) وليس(جهاز الأمن)(2)  للدلالة على الأجهزة والقطاعات التي تؤدي في مجموعها وظائف الأمن المختلفة التي حددها في الوظائف الآتية :

1) الوظيفة الإدارية(الشرطة الإدارية) : وتشمل كل أعمال منع الجريمة وحفظ النظام كحراسة المنشآت والأشخاص والدوريات وأمن الموانئ والسواحل والحدود والدفاع المدني والجوازات ، كما تشمل الأعمال الاجتماعية مثل رعاية المسجونين والمفرج عنهم ورعاية الأحداث.

2) الوظيفة القضائية( الشرطة القضائية ) : وتشمل ضبط الجرائم والتحقيق فيها، وفحص الأدلة الجنائية، وملاحقة المتهمين، والمحكوم عليهم، وتنفيذ الأحكام والمباحث الجنائية والعامة بكل فروعها النوعية.

3) الوظيفة المعاونة( الشرطة المعاونة ) : وتشمل كل أعمال الشرطة الأخرى التي تخدم بطريقة غير مباشرة أهداف الشرطة الإدارية والقضائية ، ويدخل ضمن ذلك التخطيط، والرقابة، والإمداد، وشؤون الخدمة، والميزانية، والحسابات، والتعليم ، والتدريب ، والمحاكمات(3).

وتُعد المملكة العربية السعودية من الدول التي تستعمل مصطلح( قوات الأمن الداخلي)(4) للدلالة على الأجهزة التي تقوم بأداء وظائف الشرطة طبقاً للتقسيم الذي تم الاتفاق عليه بين قادة الشرطة والأمن العرب المشار إليه آنفاً ، فقد أشارت المادة الثانية من نظام قوات الأمن الداخلي الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم 30 والتاريخ 4/12/1384هـ على أن قوات الأمن الداخلي هي " القوات المسلحة المسؤولة عن المحافظة على النظام، وصيانة الأمن العام الداخلي في البر والبحر ، وعلى الأخص منع الجرائم قبل وقوعها وضبطها والتحقيق فيها بعد ارتكابها، وحماية الأرواح والأعراض والأموال على حسب ما تفرضه عليها الأنظمة والأوامر الصادرة من وزارة الداخلية "، كما أشارت المادة الثالثة من النظام المذكور بأن هذه القوات تتكون من " رجال الشرطة(منسوبي الأمن العام ) وسلاح الحـدود والمباحث العامة والمـطافئ( الدفاع المدني ) وكافة القوات العسكرية التي تعمل للأمن الداخلي"، ومن بينها منسوبو الجوازات وقوات الأمن الخاصة التي أنشئت بعد صدور النظام ومنسوبو كلية الملك فهد الأمنية التي استقلت عن مديرية الأمن العام بعد صدور النظام . 

وفي ضوء هذا التمهيد فإن الحديث عن(الأمن الداخلي) في المملكة العربية السعودية يقتضي تقسيم البحث إلى ثلاثة  فصول:

يشمل الفصل الأول منها تعريفاً بالأمن الداخلي من الناحيتين العلمية والتاريخية.

أما الفصل الثاني فيبحث في الأسس التنظيمية لقوات الأمن الداخلي في المملكة، ويشمل إعطاء لمحة عن تأسيس كل قطاع من قطاعات الأمن الداخلي وتطوره وتشكيلاته وواجباته والأنظمة التي يسير بموجبها أو يقوم بتنفيذها.

ويُختتم البحث بفصل ثالث يتضمن لمحة عن حالة الأمن في الجزيرة العربية قبل تأسيس المملكة، يليها إبراز العوامل التي أدت إلى حالة الاستقرار والأمن الذي تعيشه المملـكة، مع بيان الخصوصية في هذه الناحية .

 

الفصل الأول : الأمن الداخلي من الناحيتين العلمية والتاريخية

يعيش الإنسان في هذه الأرض التي خلقها الله بمن عليها وما عليها ظاهرها وباطنها، وسخرها له ؛ ليعيش فيها ، ويعمرها ، والإنسان لا يستطيع أن يعمر هذه الأرض وحده، بل لا بد أن يعيش في جماعة ، يأنس بهم ، ويتعاون معهم ، ويتبادل وإياهم المنافع والمصالح .

ولكي تستقيم الحياة مع الجماعة فإنه لابد من وجود قواعد تنظم سلوك الأفراد والجماعات في مختلف النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية بما يكفل التوفيق بين مصالح الأفراد واحتياجاتهم ومصالح الجماعة .

وقد أثبتت الدراسات الإنسانية والتاريخية أن المجتمعات الإنسانية في كل العصور، وفي جميع البقاع يسودها دائماً تنظيم اجتماعي خاص لكل منها ، يتمثل في مجموعة من القواعد أو القوانين  أو الأعراف والعادات والتقاليد مجتمعة أو منفردة ، يلتزم الأفراد باتباعها في حياتهم الجمعية(5)

ولما كانت النفس الإنسانية تميل بطبيعتها إلى التحلل من القيود التي تحد من حريتها وتتحكم في رغباتها وتتعارض مع مصالحها الخاصة فقد يلجأ بعض الأفراد إلى مخالفة قواعد السلوك التي استقر عليها المجتمع الذي يعيشون فيه(6) ، وهنا يجد المجتمع نفسه مضطراً إلى فرض عقوبات على كل من يخالف هذه القواعد ضماناً لاحترامها وردعاً لمن يخالفها ؛ حتى يثوب إلى رشده ، ويكون عبرة لغيره حتى لا يخالفها.

 وتختلف العقوبات شدة وضعفاً وفقاً لقيمة السلوك وخطره ، فقد تكون سخرية أو احتقاراً أو توبيخاً أو انذاراً ، كما قد تكون سجناً أو نفياً أو جلداً ، وقد تصل إلى عقوبة الإعدام(7) .

ولتطبيق قواعد السلوك التي استقرت في المجتمع بصفة عامة ولتوقيع العقوبات بصفة خاصة فإنه لا بد من قيام سلطة أو قوة تسهر على تطبيق هذه القواعد لضمان عـدم مخالفتها وتوقيع العقوبات على من يخالفها ، وقد عبر عنها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: " لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة،  وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود ، ولا تتم إلا بالقوة والإمارة ، ولهـذا رُوي : إن السلطان ظل الله في الأرض "(8) .

" ولولا هذه القوة المنفذة بالفعل التي تدفع القوي عن الضعيف وتنصف المظلوم من الظالم لتواثب الخلق بعضهم على بعض ، وفسدت الأرض بما فيها ومن فيها ، وذهبت معالم هداية الله عليها "(9) ، وصدق الله العظيم ذو الفضل العميم ؛ إذ قال في كتابه المحكم الكريم : { وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسـَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعـَلَمِينَ }(10) .

ويطلق على القوة أو السلطة أو الولاية(11) التي تسهر على تطبيق قواعد السلوك أو القانون في العصر الحديث( هيئة الشرطة ) أو( قوة الأمن الداخلي ) .

ونظراً إلى أن مصطلح( الأمن الداخلي ) من المصطلحات الحديثة والمرادفة لمصطلح( الشرطة ) المعروف قديماً وحديثاً – كما سبقت الإشارة إليه – فسيتم إلقاء الضوء على مدلولات(الأمن الداخلي) معنى وتاريخاً في مبحثين مستقلين لكل منهما مستعملين الاصطلاح الذي أوردته مختلف المـعاجم اللغوية والعلمية( الشرطة ) بدلاً من( الأمن الداخلي )(12) .

 

المبحث الأول : مدلول( الشرطة ) لغة واصطلاحاً

الشرطــة كلمة عربية الأصــل مشتقـة من كلمة " الأشراط " جمع ، مفرده : شَرَط – بالتحريك – بمـعنى العلامات ، أو بمعنى أوائل الأشياء ، وقد وردت كلمة " الأشراط " في القران الكريم في قوله تعالى:{ فَهَل يَنظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَن تَأِتيَهُم بَغتَةَ فَقَد جَاءَ أَشرَاُطهَا }(13) ، وأشراط الساعة علاماتُها .

   كما وردت كلمة الشرطة في كتب السنة في عدة مواضع ، من بينها الحديث الوارد في صحيح البخاري ، ونصه : " قال أنس بن مالك t : إن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النبي e بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير(14)

 وكذلك الحديث الوارد في مسند الإمام أحمد عن معبر السعدي t ، قال : "خرجت أسقي غرساً لي في السحر ، فمررت بمسجد بني حنيفة ، وهم يقولون : إن مسيلمة رسول الله ، فأتيت عبدالله بن مسعود ، فأخبرته ، فبعث الشرطة ، فجاءوا بهم ، فاستتابهم ، فتابوا ، فخلى سبيلهم ، وضرب عنق عبدالله بن النواحة "(15) .

 أما كتب اللغة فقد تناولت التعريف بهذه الكلمة لغوياً ، منها لسـان العرب والمصباح المنير ومختار القاموس، ومنه نختار التعريف الوارد نصه : " الشُرْطَةُ واحد الشَّرَطِ  كصُرَد ، وكغرفة وغرف وهم أول كتيبة تشهد الحروب ، وتتهيأ للموت ، وطائفة من أعوان الولاة ، وهو شُرَْطي، سموا بذلك ؛ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يُعرفون بها "(16) .

والكلمة المرادفة لكلمة الشرطة في اللغات الأجنبية هي كلمة(بوليس ) police  ، ويستمد أصلها التاريخي من الكلمة الإغريقية  politia  التي تعني قوة الشعب (17) .

أما مدلول كلمة الشرطة الاصطلاحي فقد تناول التعريف به كثير من الموسوعات العربية والعالمية ، اخترنا ثلاثة منها مبتدئين بما ورد في آخر موسوعة وأحدثها ، وهي(الموسوعة العربية العالمية) التي أشارت بأن " الشرطة موظفون حكوميون تتمثل مهمتهم في تنفيذ اللوائح والمحافظة على النظام ، وهم يعملون على منع وقوع الجرائم وحماية الأرواح والأفراد في المجتمعات" (18) .

أما الموسوعة السياسية فقد أشارت بأن " الشرطة هيئة شبه عسكرية مسؤولة بشكل عام عن المحافظة على الأمن الداخلي، وعلى سلامة الدولة، وعلى تنفيذ أحكام القضاء، ولكن ميادين نشاطها وحقول صلاحياتها ووسائل تدخلها وبالتالي وظائفها تختلف من بلد إلى بلد ، كما تختلف أيضا أنواعها وتسمياتها "(19) .

ونختتم هذه الفقرة بما ورد في دائرة المعـــارف البريطانيـــة التي أشارت إلى أن الشرطة( police ) بمعناها الواسع " تعني صيانة النظام العام وحماية الأشخاص والممتلكات، مما يحتمل أن يقع عليهم من طوارئ أو تصرفات غير قانونية "، أما بمعناها المحدود فإنها "ذلك الجهاز من الموظفين المدنيين المسؤولين عن صيانة النظام والأمن العام وتنفيذ القوانين بما في ذلك ضبط الجرائم وقمعها " (20) .

كما حددت أنظمة وقوانين الشرطة العربية والعالمية طبيعة هذه الشرطة ووظائفها ، اخترنا ثلاثة تعريفات منها أيضاً مبتدئين بما ورد في نظام قوات الأمن الداخلي في المملكة العربية السعودية الذي نص في مادته الثانية على أن قوات الأمن الداخلي هي " القوات المسلحة المسؤولة عن المحافظة على النظام وصيانة الأمن العام الداخلي في البر والبحر، وعلى الأخص منع الجرائم قبل وقوعها وضبطها، والتحقيق فيها بعد ارتكابها، وحماية الأرواح والأعراض والأموال حسب ما تفرضه عليها الأنظمة والأوامر الملكية وقرارات مجلس الوزراء والأوامر السامية والقرارات والأوامر الصادرة من وزارة الداخلية "(21).

أما التعريف الثاني فقد ورد في المادة 184 من الدستور الدائم في جمهورية مصر العربية الصادر عام 1971م، وينص على أن " الشرطة هيئة مدنية نظامية ، رئيسها الأعلى رئيس الجمهورية ، وتؤدي الشرطة واجبها في خدمة الشعب ، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن ، وتسهر على حفظ النظام والأمن العام والآداب ، وتتولى تنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات ، وذلك كله على الوجه المبين بالقانون "(22) .

ثم نأتي إلى ثالث هذه التعريفات الذي ورد في قانون الشرطة اليابانية رقم 162  لسنة 1954م الذي نص في مادته الثانية على " أن واجبات الشرطة تتمثل في حماية الأرواح والأشخاص وممتلكات الأفراد ، ومنع ومكافحة وتحقيق الجرائم ، وكذا القبض على المشبوهين وتنظيم المرور ، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بصيانة الأمن العام والنظام "(23) .

وأخيراً فإن النظام السياسي الإسلامي قد احتوى كثيراً من النصوص التي تناولت التعريف بهذا المصطلح ، نختار منها النص الوارد عن ابن الربيع في كتابه سلوك المـالك في تبرير الممالك الذي جاء فيه : " ...  وأن يأمر [ صاحب الشرطة ] أصحابه بملازمة المحابيس وتفتيش الأطعمة وما يدخل السجون ، وليأمر الحراس من أول الليل إلى آخره بتفقد الدروب والشوارع ، ويُحكم أمرها ، ولينظرها آخر وقت ،  ومن يخرج منها عند فتحها فهو وقت الريبة ، ويجب عليه عمارة سور المدينة وأبوابها ، ولم شعثهـا ، ومعرفة من يدخلها ، ويجب عليه إقامة الحدود كما وردت في كتاب الله العزيز والعمل بها ، وليعلم أن الله تعالى أعلم بصلاح عباده ، فلا يهمل من حدوده شيئاً ، واذا أفرج عن أحد من السجن ثم عاد بجرم فليجعل الحبس قبره ، وليمنع المظلوم من الانتصار لنفسه بيده ، بل ينهي حاله ليقابل بما يستحق ، ويأمر العامة ألا يجيروا أحداً ، ولا ينبهوه للهرب، بل يدلون عليه ، وينبغي أن تكون عقوبة الخاص والعام واحدة كما أمرت الشريعة "(24) .

وبإلقاء نظرة على النصوص التي أوردناها وعلى غيرها مما ورد في وثائق أخرى مثل وثائق مؤتمرات وزراء الداخلية وقادة الأمن والشرطة العرب يمكن استخلاص النتائج الآتية :

1 – إن هيئة الشرطة في غالب الدول مدنية نظامية ، على حين تكون في عدد قليل من الدول عسكرية أو شبه عسكرية .

2 – إن وظائف الشرطة تضم طائفتين من الأعمال طبقاً للاتجاه التقليدي ، هما :

   أ   أعمال تتعلق بالوظيفة الإدارية ، أو ما يسمى( بالضبط الإداري )، وتهدف إلى منع الجريمة ، ويدخل تحت هذه الوظيفة كل الأعمال والإجراءات والوسائل التي تؤدي إلى المحافظة على النظام بكل ما يشمله هذا الاصطلاح من عناصر " المحافظة على الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة "، وعلى الأخص منع وقوع الجرائم والعمل على تفادي مخالفة قواعد السلوك العامة والخاصة ، وكذلك تنفيذ كل ما تطلبه أو تفرضه الأنظمة واللوائح والتعليمات السارية .

ب – أعمال تتعلق بالوظيفة القضائية أو ما يسمى(بالضبط القضائي) أو( الضبط الجنائي)(25)، وتهدف إلى قمع الجريمة ، ويدخل تحت هذه الوظيفة كل الأعمال والإجراءات التي تؤدي إلى الكشف عن الجرائم وضبط مرتكبيها وجمع الاستدلالات والتحقيق فيها ثم مباشرة الدعوى أمام المحاكم .

وهناك من أضاف إلى هاتين الوظيفتين وظيفة اجتماعية دخل تحتها منع انحراف الأحداث، ومساعدة الأشخاص ذوي الخطورة الاجتماعية كالمشردين والعاطلين ومدمني المخدرات، ومساعدة المفرج عنهم من السجون ، وقد عَدَّ هؤلاء أن هذه الوظيفة الاجتماعية تعد من أحدث وظائف الشرطة في الدول الحديثة؛ لأنها جاءت نتيجة تطور علم الإجرام الاجتماعي ونظرته إلى أثر الظواهر الاجتماعية في تكوين شخصية الفرد وتشكيل سلوكه ، إلا أن الذي يستقري التاريخ يجد أن ما يدخل تحت هذه الوظيفة الاجتماعية من أعمال كانت معروفة لدى المسلمين منذ العصر الإسلامي الأول، ومنها ما عرف عن الخليفة الثاني عمر بن الخطابرضي الله عنهالذي تولى نظام الشرطة بنفسه فيما كان يسمى بالعسس ، وأنه كان أثناء طوافه يقوم بنجدة المصاب، والأخذ بيد المحتاج، وتتبع أهل الريب، وحراسته للغرباء الذين ينزلون سوق المدينة(26) .

على أن هناك من يرى أنه لا فارق بين الضبط الإداري والضبط الاجتماعي، بل هما أمر واحد(27) .

وقد أخذ المؤتمر الثاني لقادة الشرطة والأمن بهذا الاتجاه ، كما أشرنا إلى ذلك في أول البحث(28) ؛ إذ يرى أن الأعمال الاجتماعية جزء من الوظيفة الإدارية للشرطة.

وفيما يتعلق بالوظيفة القضائية فهناك تباين فيما بين الدول بشأن نوع الإجراءات والمهمات القضائية التي تمنحها لهيئة الشرطة لديها؛ ففي بعض الدول تمارس هيئة الشرطة جميع إجراءات التحقيق ورفع الدعوى ، كما كان معمولاً به في المملكة قبل صدور نظام هيئة التحقيق والادعاء العام(29)، وكما هو معمول به في بريطانيا وغيرها من الدول التي تسير وفق المدرسة الأنجلوسكسونية  فيما عدا وظيفة الادعاء العام، فقد جرى إسنادها إلى هيئة خاصة في وقت قريب.

 

أما بقية دول العالم التي تسير وفق المدرسة اللاتينية فإنها تمنح هيئة الشرطة بعض سلطات التحقيق، وبخاصة فيما يتعلق بإجراءات البحث والتحري عن الجرائم والكشف عن مرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق والدعوى، وكذلك التحقيق في حالات التلبس، وتحتفظ سلطة الادعاء أو النيابة العامة ببقية الإجراءات مثل القبض على المتهمين وتفتيشهم وتفتيش مساكنهم واستجوابهم وتحرير الدعوى وإقامتها، وقد تفوض الشرطة بمباشرة بعض الحالات أحياناً.

وقبل أن نختتم هذا البحث يجب الإشارة إلى أن ما يندرج تحت هاتين الوظيفتين للشرطة قد يضيق ، وقد يتسع على حسب الظروف السياسية والاجتماعية والإدارية لكل دولة في الوقت الحاضر ، وكذلك في العصور السابقة؛ فقد كان يختلف حسب اختلاف شخصية صاحب الشرطة أو رئيس الشرطة وقوة بأسه ومدى ما يحظى به من مكانة عند ذوي السلطان وموازنته بمستوى شاغلي الوظائف الأخرى التي تعمل مع الشرطة في مجال واحد مثل الحسبة والقضاء .

وهذا ما لاحظه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وأكده تلميذه ابن القيم من بعده في عموم الولايات وخصوصها بقوله : " ليس لذلك حد في الشرع ؛ فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر ، وبالعكس ، وكذلك الحسبة وولاية المال "(30)  .

 

المبحث الثاني : التطور التاريخي لمفهوم الشرطة(الأمن الداخلي)

تذكر كتب التاريخ أن الأمم السابقة للإسلام بل عصور ما قبل التاريخ سواء كانت عربية أم غير عربية قد عرفت جهازاً أو هيئة تضطلع بمسؤولية الحفاظ على الأمن، يتفق في شكله ووظائفه مع ما تتطلبه الحياة الاجتماعية والسياسية في تلك الأمم، وأن الفراعنة والرومان والفرس وعرب اليمن وغيرهم كانت لديهم أجهزة للأمن مسؤولة عن حفظ الأمن وممارسة الوظائف الإدارية والقضائية للشرطة، تتسع وتضيق على حسب ظروفها الاجتماعية والسياسية وعلى حسب تطورها التشريعي(31) .

أما الدولة الإسلامية فقد عرفت نظام الشرطة منذ عصرها الأول ؛ فقد روي أن النبيeاتخذ رجالاً يعسون بالمدينة ، ويحرسون الناس، ويتبعون أهل الريب والفساق، وكل من يريد إفساد أمن المدينة ، ومن هؤلاء أوس بن ثابت الأنصاري، وأوس بن عرابة، ورافع بن خديج، رضي الله عنهم أجمعين، ويعد هذا النظام النواة الأولى لنظام الشرطة في الإسلام الذي لم يقتصر على الحراسة والدوريات ، بل شمل إقامة الحدود والتعازير وغير ذلك مما كان موزعاً في عهده – عليه الصلاة والسلام – على عدد من الصحابة .

وقد استمر هذا الوضع في عهد الخليفة أبي بكر الصديق – t – ؛ إذ كلف عبدالله ابن مسعود  t بتولي العسس ، أما الحدود فقد جعلها للإمام عليt .

 أمـا في ولاية الخليفة عمر بن الخطاب– t – فقد تولى العسس بنفسه مستعيناً ببعض أصحابه الأخيار، منهم مولاه أسلم ، وعبدالرحمن بن عوف ، ومحمد بن سلمة، رضي الله عنهم . 

واستمر الإمام عليtفي القيام بمهمة إقامة الحدود ؛ وإن لم تستخدم كلمة الشرطة في المدينة في عهد عمر ، إلا أنها ظهرت في بعض ولايات الدولة الإسلامية مثل الشام ومصر والكوفة .

أما في عهد الخليفة عثمانtفقد تغيرت الحال في المدينة المنورة عاصمة الإسلام ، وأصبحت  تستوجب عناية أكثر بجهاز الأمن وتقويته ، فأطلق عليه كلمة الشرطة بدل العسس ، وعيِّن على هذا الجهاز المهم الصحابي الجليل المهاجر بن قنفذ التميمي القرشي.

ثم تقدمت الشرطة يوماً بعد يوم ، حتى أصبحت في خلافة الإمام عليtمن الوظائف التي لا يتولاها إلا علية القوم ، وأصبح رئيسها يسمى صاحب الشرطة ، وقد تولاها في عهده رجال أكفياء من المعروفين بالتقوى والصلاح والحزم ، أمثال قيس ابن سعد الأنصاري، ومعقل بن قيس الرياحي، وأبي الهياج الأسدي، وفي عهده نظمت السجون، وجعلت تحت إشراف صاحب الشرطة(32) .

وفي عهد الأمويين تقدمت الشرطة تقدماً كبيراً، واستحدثت بعض الأنظمة ، مثل نظام مراقبة المشبوهين ونظام البطاقات الشخصية ، وأصبحت تميل إلى الطابع العسكري، وسمح لها باستعمال الشدة لتثبيت سلطة الدولة وإخماد الفتن والثورات .

وعندما قامت الدولـــة العباســــية أعاد خلفاؤها تنظيم الشرطـــة، كما أعادوا لـقب( صاحب الشرطة ) بعد أن كان الأمويون قد استبدلوا به لقب( صاحب الأحداث )، وأصبح من اختصاص الشرطة حراسة الأسواق والأحياء وقمع الأشرار وحراسة أسوار العامة وأبوابها والنظر في الجرائم والتعزير ، كما أصبح منصب الشرطة من أعلى المناصب في الإدارة العباسية وأرفعها ، وكان يُختار من القادة المقربين ؛ لأنه كان يسند إليه رئاسة حرس الخليفة .

وقد عاشت الشرطة عصراً ذهبياً مع ازدهار الدولة العباسية ، ولكن مع بداية انحلال الدولة العباسية ونشوء عصر الدويلات وسيطرة العناصر الدخيلة بدأت الشرطة في التدهور(33)، وبخاصة بعد أن استفحل أمر العيارين والتوابين(34) .

وتعرضت تشكيلات الشرطة وسلطاتها لتعديلات كثيرة، تتناسب مع كفاية أصحاب الشرطة ومدى مكانتهم التي كانوا يتبوّءونها لدى القائمين على الأمور إلى أن انتهت بالعصر المملوكي الذي شهد انعطافاً خطيراً في نظم الشرطة، فقد أصبحت جهازاً ينسجم مع أهداف السلاطين المماليك ودعم سلطاتهم على حساب أمن المجتمع، وانحصرت رئاسة الشرطة في أفراد(الطبْلَخانة )، وهم تلك الطائفة من أمراء المماليك التي كانت تدق الطبول على أبواب قصورهم كل مساء ، وكانت قوات الشرطة تقسم إلى قسمين :      

القسـم الأول : منها تسمى القوة الضاربة ، ويرابط قرب مقر السلطان .

 أما القسم الثاني : فكانوا يُدعوْن بالمشاعلية الذين توكل إليهم أمور الدوريات الليلية، ومطاردة المجرمين، وتنفيذ أوامر الوالي ، وجباية الأموال والضرائب ، والإشراف على السجون، وحث الناس على الابتهاج والتزين في المناسبات والمساعدة في بعض الإنشاءات العمرانية(35) .

وعندما بدأ الحكم العثماني لم يحاول السلاطين العثمانيون تغيير الأوضاع السائدة في البلاد العربية ، وبقيت الأساليب المملوكية هي الأساليب المتبعة في الشرطة ، وإن كــان قـد جـرى بـعـض التغيير في التسميات كـاستعمال كـلمة( أنما المُسْتَحْفظان ) أو(أنما الأنْكـشارية ) بـدلاً من صاحب الشرطة في الولايات ، ويتبعهم( الـقَـلْـقـات ) و(الأوضْباشيِّة ).

أما في الأقاليم والأرياف فكانت أعباء الأمن ملقاة على عاتق( الصَّناجِك )، ويتبع هؤلاء(الشوربَجِيِّة )، وهم ضباط الأمن في الأقاليم(36) .

وكانت وظائف الشرطة في هذا العهد بعامة تسير على النهج العسكري في تشكيلاتها، وتقوم بالدوريات الليلية والنهارية وحماية الآداب العامة وأعمال المباحث، وتضم بعض المخبرين من المجرمين القدامى الذين تكونت لديهم خبرات كافية عن أساليب زملائهم .

أما بالنسبة للقسم الغربي للدولة الإسلامية في بلاد الأندلس فإننا نجد أن الشرطة قد تقدمت تقدماً ملحوظاً، ووصلت إلى درجات راقية سواء من حيث التنظيم أم من حيث اختيار المشرفين على الأمن ، وكثيراً ما كانت وظيفة الشرطة مُقَدَّمَةً على وظيفة الحجابة.

وكانت الوظائف الشرطية مقسمة إلى ثلاثة اختصاصات أو خطط ، كما كانوا يطلقون عليها، وهي : خطة الشرطة ، وخطة الطواف بالليل ، وخطة الاحتساب . وكان لكل طبقة اجتماعية شرطة تمارس اختصاصاتها بينها ، فهناك الشرطة الكبرى  وهناك الشرطة الوسطى ، وهناك الشرطة الصغرى .

وبعض الخلفاء اتَّخَذَ نوعاً رابعاً من الشرطة أوكل إليه حراسة قصر الخليفة، وتوفير الأمن، وضبط الجرائم في نطاق القصر، وتنفيذ ما يصدر من الخليفة من أوامر، وعندما آل الأمر إلى ملوك الطوائف اهتزت وظيفة الشرطة أيضاً، كما اهتزت المظاهر الأخرى للحكم(37) .

وإذا انتقلنا إلى حالة الأمن في الجزيرة العربية على وجه الخصوص نجد الأمر كما يقول الأستاذ أمين مدني : " ليس من السهل معرفة التاريخ الذي بدأ فيه سكان قلب البلاد العربية حياتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية على أساس نظام  يحمي حقوق الأفراد، ويوجه الجماعات إلى ما يسعد حياتهم ، ويرعى مصالحها العامة ، وإن التاريخ الاجتماعي والسياسي في الحجاز بدأ على الأرجح عندما دوى صوت إبراهيم عليه السلام – يؤذن بالحج إلى البيت الذي أقيم مثابةً للناس وأمنا " ، ثم أضاف قوله :"على أنه يوجد من المؤرخين من يقول : إن تاريخ إبراهيم لم يكن البداية للحياة العربية المتحضرة ؛ فالتجارة العربية وطرقها وزراعة الأرض واساليبها واللغة العربية وخـطوطها كـلها أدلة تؤكد قـدم الحياة الاجتماعية والحضارة العربية "(38) .

على أنه لا شككما يقول الأستاذ أمين مدني مرة أخرى" في أن هناك فوارق بين الحياة العربية في قلب الجزيرة العربية وبين الحياة العربية في أطرافها التي اكتظت بعناصر لها تقاليدها وحضارتها ولغتها ، فهانحن في عصرنا لا نزال نرى الفوارق واضحة بين أوضاع الدول العربية ومظاهرها ونظمها الإدارية والقضائية وتقاليدها الاجتماعية في داخل الجزيرة وأوضاع الدول العربية ومظاهرها ونظمها وتقاليدها الاجتماعية في أطراف الجزيرة "(39) .

وعندما بدأ الإسلام ينتشر في الجزيرة العربية أصبحت الجزيرة كلها خاضعة لأحكام الإسلام ولأنظمته السياسية والإدارية كما هو معروف ، ومنها نظام الشرطة الذي كان سائداً خلال العصور والحكومات الإسلامية المتعاقبة ، إلا أن ذلك لم يمنع احتفاظ بعض القبائل والمجتمعات في وسط الجزيرة ببعض التقاليد والمظاهر الخاصة بها سواء كانت في أسلوب حياتها الاجتماعية أو في طريقة خضوعها لأنظمة الحكم السارية.

وقد عملت الدولة السعودية الأولى منذ قيامها عام 1157هـ عندما شمل حكمها معظم الجزيرة – وكذلك الدولة السعودية الثانية – على اتخاذ الإجراءات لإلغاء العادات العشائرية القديمة في حل النزاعات والسعي إلى تسوية الفروقات المحلية في إطار الدولة الموحدة ، إلا أنه ابتداءً من قيام الدولة السعودية الثالثة وتوحيد أجزائها وإعلانها دولة واحدة باسم المملكة العربية السعودية وُحِّدت الأنظمة الإدارية والقضائية، ومن بينها نظام الشرطة على جميع أجزائها ، على أن ذلك لم يحدث دفعة واحدة ، بـل أخذ وقـتاً استطاع فيه الملك عبد العزيز مؤسس هذه الدولة – رحمه الله – بقوة شخصيته وحكمته تجاوز الفروقات الاجتماعية والإدارية بين أجزاء المملكة المترامية الأطراف، ومن ثم توحيدها في شتى المجالات ، حتى أصبحت عضواً واحداً إذا اشتكى عضو تداعى له الجسد كله .

وكان تنظيم الشرطة من أول الأعمال التي أمر بها واهتم بإنشائها السلطان عبدالعزيز قبل نهاية الحرب في الحجاز ، وعلى وجه التحديد عام 1344 هـ .

ومنذ ذلك الوقت صارت أجهزة الشرطة ووظائفها في تقدم مستمر، حتى أصبحت تمارس وظائفها وفقاً لأحدث النظم الإدارية والفنية ؛ لتواكب النهضة الشاملة التي حققت أمناً ورخاءً واستقراراً عم أرجاء المملكة في ظل شريعة عادلة شاملة وحكومة زاهرة ساهرة ، وهذا ما سيتناوله الفصل الثاني من هذا البحث بإذن الله تعالى. 

 

 

الفصل الثاني: الأسس التنظيمية للأمن الداخلي في المملكة

قبل أن يستتب الأمر للملك عبدالعزيز  رحمه اللهفي الحجاز كان لكل منطقة من مناطق الدولة ظروفها الاجتماعية وتقاليدها الخاصة وأسلوبها في إدارة شؤونها، ولأن هذه المرحلة كانت تستدعي التركيز على تثبيت دعائم الحكم وإقرار الأمن والنظام فقد وجَّه جُـلَّ اهتمامه ومعظم جهوده لهذه الأمور، وترك لكل منطقة إدارة شؤونها المحلية بأسلوبها الذي كانت تسير عليه.

إلا أنه بعد أن استتب له الأمر في الحجاز شرع – رحمه الله – في إرساء الأسس التنظيمية والإدارية التي تستلزمها الدولة الحديثة ، ولأنه أدرك بثاقب فكره الفروقات الاجتماعية التي كانت سائدة في مناطق الدولة المختلفة في ذلك الوقت فقد بدأ بتكوين التنظيمات الإدارية في الحجاز الذي كانت تسوده تنظيمات مركزية متقدمة نوعاً مـا ، ومنه امتد هذا التنظيم تدريجياً ؛ ليشمل بقية مناطق المملكة(40).

وكان من أوائل التنظيمات التي أولاها – رحمه الله – جُـلَّ اهتمامه هو إقرار الأنظمة والتعليمات التي تثبِّت دعائم الأمن والنظام وفرض هيبة الحكم وإنشاء الأجهزة الأمنية التي تتولى تنفيذ تلك الأنظمة ، فصادق على التعليمات التي وضعتها اللجنة التي شكلها المجلس الأهلي بمكة المكرمة للنظر في ترتيب أوضاع الشرطة ووظائفها بعنوان " الشرطة ووظائفها " ، وملحق بها لائحة بعنوان(ترتيب عقاب جنود الشرطة)، وذلك بتاريخ 29/1/1344هـ .

وقد نصت المادة الأولى من هذه التعليمات على أن الشرطة " هيئه مكلفة بحفظ الراحة العمومية وملزمة بدوام المحافظة على الأمن العام والسكينة والآداب "(41) .

وتعد هذه التعليمات أول تنظيم رسمي لأعمال الشرطة في عهد الملك عبدالعزيز عرف حتى الآن ، إلا أن ذلك لا يعني خلو مناطق الدولة الأخرىفي ذلك العهدمن رجال يتولون مهمة الأمن والاستقرار ، بل على العكس ، فقد استقر الأمن في جميع مناطق الدولة قبل هذا التاريخ على يد الملك عبدالعزيز بوساطة رجال لم يكونوا مخصصين للأمن الداخلي أو موقوفين عليه فقط ، وإنما كانت لهم مشاركات فعالة في الحروب وفي استقرار الأوضاع الداخلية(42) ، توالى بعدها صدور الأنظمة واللوائح والتعليمات والأوامر لتطوير أجهزة الأمن والشرطة تدريجياً وتنظيمها؛ لتواكب التطور الذي شمل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلها حتى وصلت إلى درجة عالية من التنظيم والرقي يتناسب مع المكانة الرفيعة التي احتلتها المملكة بين الدول العربية والإسلامية والعالمية، وقد أصبحت هذه الأجهزة تتمثل في عدد من القطاعات تتعاون فيما بينها على المحافظة على النظام وصيانة الأمن العام في المملكة ، ويباشر كل منها اختصاصاً محدداً .

  وتتكون قطاعات الأمن الداخلي في الوقت الحاضر من :

و( مديرية الأمن العام )، و( المديرية العامة لحرس الحدود )، و( المديرية العامة للدفاع المدني )، و( المديرية العامة للجوازات )، و( المديرية العامة للمباحث العامة )، و( قوات الأمن الخاصة )، إضافة إلى " المديرية العامة لكلية الملك فهد الأمنية والمعاهد " التي تعد مصدراً لتخريج الضباط العاملين في قطاعات الأمن الداخلي .

وسيتم إلقاء الضوء على تأسيس كل قطاع وتقدمه وتشكيلاته وواجباته والأنظمة التي يسير بموجبها، ويقوم بتنفيذها في مبحث مستقل مع الإشارة إلى قواعد الخدمة التي يخضع لها العاملون في هذه القطاعات وأنظمتها ضمن المبحث الأول الخاص بمديرية الأمن العام .

على أنه يجدر الإشارة هنا إلى أن وزارة الداخلية هي المرجع الأساس لهذه القطاعات، وهي التي تشرف عليها، وترسم سياستها، وتحدد اختصاصاتها(43) إلى جانب إشرافها على الحكم المحلي في المملكة متمثلاً في مناطق المملكة التي يبلغ عددها ثلاث عشرة منطقة في الوقت الحاضر .

ويعود إنشاء وزارة الداخلية إلى عام 1350هـ عندما تولاها سمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز نائب الملك في الحجاز، إلا أنها ألغيت في عام 1353هـ، ودمجت أعمالها ضمن أعمال مجلس الوكلاء الذي يرأسه الأمير فيصل بن عبدالعزيز أيضاً .

  ونظراً لتوسع التشكيلات الحكومية وإنشاء فروع جديدة لكثير من الدوائر الرسمية فقد أعيد إنشاء وزارة الداخلية مرة أخرى في 26/8/1370هـ بموجب المرسوم الملكي ذي الرقم  5/11 /8697(44)، وتم ربطها بنائب جلالة الملك في الحجاز، ثم بمجلس الوزراء عندما أنشئ  بتاريخ 1/2/1373هـ، وتولاها الأمير عبدالله الفيصل، وربُط بها إمارات الملحقات بالحجاز التي كانت ترتبط بالنائب العام والدوائر الرسمية ذات العلاقة بالشؤون الداخلية التي فصلت عن وزارة الداخلية تدريجياً على حسب مقتضيات المصلحة وتوسع الأعمال الإدارية وزيادة مسؤولية وزارة الداخلية التي أصبحت مسؤولة عن الإشراف على إمارات المناطق كلها في المملكة ابتداءً من 6/7/1380هـ، وعلى قطاعات الأمن الداخلي المختلفة ، وعلى الشؤون البلدية والقروية حتى تاريخ 17/3/1395هـ حينما أصبحت هذه الأخيرة وزارة مستقلة ، وعلى إدارة المجاهدين التي ألحقت بها عام 1383هـ للإشراف على ما بقي من المجاهدين في الإمارات(45)( الخارطة التنظيمية الملحقة رقم 1 ) .

وقد استمر الأمير عبدالله الفيصل وزيراً للداخلية حتى 20/9/1378هـ ، فتولاها الأمير فيصل بن عبدالعزيز ولي العهد مرة أخرى، إضافة إلى مناصبه الأخرى حتى 8/1/1380هـ حينما أسندت إلى الأمير مساعد بن عبدالرحمن، وبقي فيها حتى تولى الوزارة الأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز  بتاريخ 3/7/1380هـ ، وبتاريخ 1/4/1381هـ تولاها الأمير فيصل بن تركي بن عبدالعزيز حتى  3/6/1382هـ عندما تولاها الأمير فهد بن عبدالعزيز ، وبقي فيها وزيراً إلى جانب توليه منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ، وكان يعاونه الأمير نايف بن عبدالعزيز بصفته نائباً لوزير الداخلية ابتداءً من 29/3/1390هـ، ثم وزيراً للدولة للشؤون الداخلية وعضواً بمجلس الوزراء ابتداءً من 17/3/1395هـ ، ثم وزيراً للداخلية ابتداءً من 8/10/1395هـ ، يعاونه الأمير أحمد بن عبدالعزيز نائباً لوزير الداخلية حتى الوقت الحاضر .

وقد شهدت المدة التي بدأت في عام 1382هـ تقدماً مذهلاً في شتى القطاعات التي تشرف عليها الوزارة، وذلك كما يتبين من المباحث الآتية ، كما شمل التطور تنظيم جهاز وزارة الداخلية ، كما تشير إلى ذلك( الخارطة التنظيمية الملحقة رقم 2 ) .

 

المبحث الأول : مديرية الأمن العام

بإلقاء نظرة سريعة على تاريخ تطور قطاعات الأمن الداخلي يتبين أن هذه القطاعات جميعاً فيما عدا( المديرية العامة لحرس الحدود ) كانت تابعة أصلاً لمديرية الأمن العام ، إلا أن تطور التنظيمات الإدارية في المملكة بعامه وفي قطاعات الأمن الداخلي بخاصة أدَّى إلى فصل بعض فروع(مديرية الأمن العام) التي تمارس اختصاصات محدَّدة، وجـعلها قطاعات مستقلة مع بـقاء الجهاز الرئـيس، وهو( مديرية الأمن العام) صاحب الاختصاص العام الذي يؤدي وظائف الشرطة التقليدية المتمثلة في( الضبط الإداري ) و( الضبط القضائي ) .

وبالعودة إلى بداية تأسيس(مديرية الأمن العام) نجد أنه بعد صدور أول تنظيم رسمي لأعمال الشرطة في عهد الملك عبدالعزيزرحمه اللهبتاريخ 29/1/1344هـ  كما أشرنا في مقدمة الفصل الثاني صدر مرسوم ملكي بتاريخ 10/10/1344هـ  بتعيين( حسن وفقي بك ) مديراً للأمن العام مزوّداً بالصلاحيات التامة لمديري الأمن العام في الحكومات السائرة وتنسيق الشرطة وتشكيلها ، وأن يكون المرجع الوحيد لمأموري الشرطة وموظفيها في عموم مدن الحجاز(46)، وقبل أن تتم تشكيلات الشرطة أنـشئ في 5/11/1344هـ قـوة باسم " وحدة الدرك " برئاسة ضابط من الشرطة ، مهمتها حفظ النظام في مكة المكرمة(47)، تلا ذلـك تكليف المقدم(عبدالعزيز البغدادي) مدير شرطة العاصمة في عام 1346هـ بإعادة تنظيم الشرطة(48)، ثم بدأت مرحلة جديدة من تطور جهاز الشرطة مع صدور المرسوم الملكي ذي الرقم  244 والتاريخ 3/2/1349هـ  القاضي بتوحيد جميع الدوائر الـعسكرية – ومـنها الشرطة – تحت رئـاسة رئيس واحد بـاسم( مدير الشرطة العام )، مقره في مكة المكرمة(49)، وتم تعيين( مهدي بك المصلح) في هذا المنصب ، وقد استهل أعماله بإعداد تعليمات وافق عليها نائب الملك في الحجاز بتاريخ 18/2/1349هـ، تعطي مدير الشرطة العام صلاحية الإشراف التام على جميع أعمال الشرطة وإداراتها التي كانت تقتصر على سبع مدن في ذلك الوقت، هي: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجـــدة، والطائف، وينبع، والوجه، والعلا ، على أن يكون ارتبـــاط مديري الشرطة فيها بحكامها الإداريين ، ثم تكونت شرطة بمنطقة الريـــــاض عام 1350هـ، وشرطة في كل من مقاطعة الأحساء وجـــازان في عام 1357هـ(50).

وتعد هذه التعليمات أساساً لنظام( مديرية الأمن العام ) الذي صدر فيما بعد بالمرسوم الملـــكي ذي الرقم  12421  والتاريخ 29/11/1363هـ  الذي اشتمــل على(211) مادة ، يضمها عشرون فصلاً ، تتضمن اختصاصات(مدير الأمن العام) ومسؤولياته – بعد أن كان يسمى( مدير الشرطة العام ) – ومديري الشرطة وتشكيلات مديرية الأمن العام وإدارات الشرطة واختصاصاتها ومسؤولياتها وقواعد خدمة العاملين فيها ومجالس التأديب وواجبات عمد المحلات ، كما تضمن النظام أحكاماً عن مدرسة الشرطة وشروط الالتحاق بها ومدة الدراسة فيها ، فقد حددت بسنتين .

وأوضحت المـادة الثانية من هذا النظام تشكيل مـديرية عامة يطلق عليها(مديرية الأمن العام)، ومقرها في العاصمة( مكة المكرمة )، ويكون ارتباطها بالنيابة العامة ، وتتولى الاختصاصات المبينة في النظام ، وإليها مرجع إدارات الشرطة في كل بلد تشكل فيها . ثم نصت المادة الثالثة على أن( تشكل في العاصمة وفي الملحقات إدارة لتوطيد الأمن العام في البلد الذي تقوم فيه وتنفيذ ما يعهد به إليها من مرجعها ، وتسمى كل منها(إدارة الشرطة) ، وتكون مرتبطة بمديرية الأمن العام نظاماً وبالحاكم الإداري إدارياً)، وبعد أن بلغت إدارات الشرطة بالمملكة عشراً  في عام 1357هـ أصبحت بنهاية عام 1367هـ  ست عشرة إدارة ، شملت كل من رابغ وتبوك وأملج وأبها والظهران ، إضافة إلى المدن السابقة.

 وقد استمر العمل بهذا النظام حتى صدر نظام آخر باسم(نظام مديرية الأمن العام) بالأمر السامي ذي الرقم 3564 والتاريخ 29/3/1369هـ، اشتمل على(423) مادة، يضمها مقدمة بعنوان أحكام أساسية، وواحد وثلاثون فصلاً ، شملت اختصاصات مدير الأمن العام وتشكيلات المديرية وأقسامها واختصاصات كل منها، وقواعد خدمة العاملين فيها، وواجبات رجال الأمن العام، وتفصيلات شاملة عن وظيفتيها الإدارية والعدلية( القضائية )، والأحوال التي يجوز فيها استعمال السلاح في الدفاع الشرعي، وطريقة معاملة المصابين والمرضى والمشردين وذوي السوابق، وتنظيم السجون، ومعاملة المسجونين، وتعليمات عن واجبات العمدة ، وقد تضمن هذا النظام أيضاً أحكاماً عن مدرسة الشرطة، وشروط الالتحاق بها، ومدة الدراسة فيها ؛ إذ أصبحت سنة واحدة ، بالإضافة إلى تحديد المواد التي تدرس فيها، وأسلوب الاختبارات بها، والعقوبات التي توقع على المقصرين من الطلبة .

وقد أعاد هذا النظام النص على أن تشكل في العاصمة المقدسة مديرية عامة للشرطة يطلق عليها( مديرية الأمن العام )، وحدد ارتباطها بمقام نائب الملك ، وأنها هي المرجع العام لجميع قوة الشرطة وإداراتها ، ويرأسها مدير يطلق عليه( مدير الأمن العام)، كما أكد أيضاً على تشكيل إدارات للشرطة في كل من العاصمة والملحقات لتوحيد الأمن وصيانته ، يطلق على كل منها( إدارة شرطة )، ترتبط بمدير الأمن العام من الوجهة النظامية، وبالحاكم الإداري من الوجهة الإدارية، وأن يتبع كل إدارة شرطة(مناطق ) و( مخافر ) ومراكز بحسب أهميتها .

وقد قسم النظام في مادته الثانية موظفي الأمن العام إلى قسمين : قسم عسكري "وهو القوات المسلحة المسؤولة عن المحافظة على النظام وصيانة الأمن العام، وتوفير أسباب الراحة العامة بمنع الجرائم قبل وقوعها وضبطها بعد ارتكابها، وتنفيذ كل ما يطلب منها تنفيذه من أنظمة وتعليمات ولوائح وأوامر ، وتتألف هذه الـقوات من مديري الشرطة والمفوضين وصف الضباط والجنود على اختلاف درجاتهم " . أما القسم المدني فإنه يتألف من موظفين مدنيين غير مسلحين، وهم السكرتاريون والمحاسبون والكتاب بحسب وظائفهم ودرجاتهم وجميع الموظفين والمأمورون الذين ينتمون إلى مديرية الأمن العام .

وبإلقاء نظرة على ما سبق يتبين لنا بجلاء أن هيئة الشرطة في المملكة هيئة عسكرية ، وأنها تمارس اختصاصات الشرطة التقليدية المعروفة التي استقر العمل بها في كل الدول والمتمثلة في الوظيفة الإدارية والوظيفة القضائية، إضافة إلى الوظيفة المعاونة( النظامية ) وذلك كما يأتي :

1   الوظيفة الإدارية : تشمل المحافظة على النظام، وصيانة الأمن العام، ودوام استتبابه ، والمحافظة على الآداب العامة ، ومنع كل ما من شأنه تعكير صفو الأمن وإقلاق الراحة العامة ، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الجرائم بواسطة الدوريات بأنواعها( خيالة ومشاة وسيارات )، والمحافظة على شؤون الرعايا والحجاج والأجانب، وتعقب المجرمين والمشبوهين، والعمل على نشر الفضيلة، ومكافحة الرذيلة، ومراقبة المسافرين والمغادرين، والتأشير على جوازات سفرهم، ومعرفة الأماكن التي ينزلون فيها، ومراقبة كل شخص يشتبه فيه، والتحفظ على الأحداث والفتيات والغلمان الذين لا عائل لهم ، والإشراف على تنظيم حركة مرور السيارات وتسجيلها ، والإشراف على السجون وتنظيمها، ويتولى القيام بهذه الوظيفة وجميع مسؤولياتها الأقسام الإدارية في إدارات الشرطة( مادة 75) .

2   الوظيفة القضائية: تشمل التحقيق في الجرائم، والقبض على المتهمين ، وجمع الأدلة ضدهم، وتوقيف من توافرت الأدلة ضده ، وتفتيشهم وتفتيش منازلهم ، والإفراج عن المتهمين بالجرائم الصغيرة بالكفالة الشخصية أو الغرمية ، ويتولى القيام بهذه الوظيفة وجميع مسؤولياتها الأقسام العدلية في إدارات الشرطة( مادة 89166 ).

3   الوظيفة المعاونة( النظامية ): تشمل تطبيق نظام التعليم والتدريب والتربية المسلكية لجميع الأفراد، والمحافظة على الملابس والأسلحة والمهمات والعهدة ، وصيانة المباني ، وإجراءات التعيين والترقيات والفصل والنقل والإجازات والجزاءات وتنظيم السجلات وغيرها، ويتولى القيام بهذه الوظيفة وجميع مسؤولياتها( مفوضو المراكز ) بإدارات الشرطة( مادة 77 ) .

 

وهذا التقسيم كما أشير إليه أعلاه يتفق مع ما انتهى إليه المؤتمر العربي الثاني لقادة الأمن والشرطة  المنعقد في عَمَّان  1394هـ الذي قسم وظائف الشرطة تقسيماً نوعياً إلى وظيفة إدارية ووظيفة قضائية ووظيفة معاونة، وأدخل الوظيفة الاجتماعية ضمن الوظيفة الإدارية ، كما أشرنا إلى ذلك في التمهيد .

وبمطابقة التقسيم النوعي لوظائف الشرطة مع تشكيلات( مديرية الأمن العام ) التي كانت سائدة حتى عام 1380هـ وهو العام الذي بدأ فيه فصل عدد من الإدارات التابعة لتصبح قطاعات مستقلة – يتضح أن هناك نوعين من الوحدات أو التشكيلات الإدارية بهذه المديرية تؤدي وظائف الشرطة ، يتمثل النوع الأول منها في الوحدات الميدانية ذات الاختصاص العام المنتشرة  على حسب التوزيع الجغرافي لمناطق المملكة ، وهي إدارات الشرطة والمناطق والمخافر ، وتؤدي هذه الوحدات وظائف الشرطة بأنواعها الثلاثة : الإدارية ، والقضائية ، والمعاونة( النظامية ) ، بالتفصيل المشار إليه آنفاً.

أمـا النوع الثاني من هذه الوحدات فهي وحدات متخصصة يؤدي كل منها فرعاً معيناً من فروع وظائف الشرطة ، ومنها :

أ   تنظيم حركة مرور السيارات وتسجيلها وإخراج رخص قيادة السيارات وتطبيق الأنظمة الخاصـة بـذلك ، ويقـوم بـهــذا الاختصاص أقسـام المــرور التي مازالت تــؤدي تخصصها ضمن جهاز( مديرية الأمن العام ) ، كما سيأتي بيانه .

برعاية المسجونين وحراستهم و